Полный текст (531 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الأسئلة
стр. 37
عقيدة الشيعة في أئمتهم
السؤال
ما هي عقيدة الشيعة في أئمتهم؟
الجواب
الشيعة يعتقدون في أئمتهم أنهم معصومون عن الخطأ، وكلامهم ككلام الرسول ﷺ ؛ لأنهم لا يخطئون ويقولون في علي بن أبي طالب ﵁ إنه هو خليفة المسلمين وإمامهم؛ لأنه هو الذي نص الله عليه، والصحابة رضوان الله عليهم الذين لم ينتخبوا علياً واختاروا أبا بكر، فلم يطبقوا وحي الله ، ويكونون في حكم الله قد خانوا الرسالة والأمانة، فرواية الصحابة التي هي أحاديث البخاري ومسلم وأبي داود وغيرهم لا تقبل؛ لأنها جاءت من طريق الصحابة الذين خانوا الأمانة والرسالة حسب زعمهم.
ثم بما أنهم معصومون فلهم التشريع والتشريع عندنا انتهى بوفاة الرسول ﷺ ، أما عندهم فلقد استمر إلى سنة (٢٦٠هـ)، حين اختفى الإمام الثاني عشر، والحلال والحرام لا يؤخذ إلا من كلام أئمتهم.
ويؤصل الإمام الخميني للنظرية الجديدة في فقه الشيعة أن الحكام بعد الأئمة الأثني عشر إنما هم فقهاء الشيعة، والحكومة الإسلامية إنما هي محاضرات الخميني في النجف الأشرف على طلبة العلم هناك، في ولاية الفقيه الشيعي، فكان الشيعة يقولون: ما دام أن الإمام الثاني عشر قد غاب فلا نعمل شيئاً حتى يظهر، فقال لهم الفقيه الشيعي: الذي ينبغي هو إقامة الخلافة، وأدلته على ذلك: الرسالة التي جاءت من الإمام الغائب بعد غيابه.
وفيها أن نقباءه من بعده هم المؤهلون للحكم، فهذا دليل على أن كلام الإمام الغائب الذي اختفى دليل شرعي، فقد غلوا فيهم غلواً كبيراً حتى قال الإمام الخميني في أحد كتبه: لهم مقام لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل.
وعند الشيعة باتفاق أن الأئمة الاثني عشر أفضل من الأنبياء والمرسلين إلا خمسة وهم أولو العزم من الرسل، والأكثر على أنهم أفضل من أولي العزم إلا محمداً ﷺ .
وهذا القول بالإجماع ولم يخالفه واحد منهم لا في القديم ولا في الحديث.
وفي كتاب الكافي للكليني الذي يعتبر من أصول فقه الشيعة ومن الكتب المعتمدة تمجيد عظيم لأئمتهم، ورفعهم فوق مرتبتهم، ويعتقدون أن الأئمة يعلمون ما في الغيب، أي: أن الأئمة يعلمون علم ما كان، وما يكون.
وينقل كثير من علمائهم أن القرآن فيه نقص، وأن عندهم مصحفاً ليس فيه من مصحفنا حرف واحد، فهذه القضية قضية عقائدية.
وعندما سئل ابن محسن الحكيم في مؤتمر في لندن: ما قولك في النصيرية؟ فقال: هم طائفة إسلامية، وكان موجوداً أمير الجماعة الإسلامية في باكستان، والشيخ مصطفى مشهور، وممثل سوريا، ويقول: هم طائفة إسلامية، وهم من الشيعة الإمامية الإثني عشرية.
إخواننا في سوريا يذبحون ويقتلون، بين إيران وسوريا ليس فيها خفاء، ثم يقال: النصيرية أقاموا دولة إسلامية، وأئمة الإسلام كلهم بلا استثناء يكفرون النصيرية، وهذا الرجل الذي سيكون حاكماً للعراق بعد سقوطها، فإنه سيمد يده إلى سوريا، واليد الأخرى إلى إيران لإقامة دولة الشيعة.
القضية ليست سهلة، الخلاف ليس خلافاً في الفروع كما بين الإمام أحمد، والإمام الشافعي، والإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، إنما الخلاف في الأصول.
عندما يذاع شريط كشك في إذاعة إيران، ويذكر عمر بن الخطاب فإنهم يبترون عبارة ﵁ لأنها ثقيلة على أسماعهم لا يريدون أن يترضوا عن عمر ﵁، ومع أن كشكاً يمدحهم في شريطه الذي لا يمر يوم أو يومين إلا ويذيعونه، مع أنه من أهل السنة، ولكنه تحمس وثار.
ويسبُّ في إذاعة إيران صباح مساء معاوية بن أبي سفيان باسمه، وإذا كنا قد نتساهل في أمر يزيد، فكيف في أمر معاوية بن أبي سفيان؟ وكتاب الحكومة الإسلامية للخميني لا يوجد فيه كلمة ترض واحدة عن أبي بكر وعمر.
بينما يترضى عن نصير الدين الطوسي الذي تمت على يده مذبحة بغداد بقيادة هولاكو، فهو الذي سلم له خليفة المسلمين ونساءه وأطفاله، وفتح له باب بغداد حتى كانت مذبحة بغداد سنة ستمائة وستة وخمسين.
ويقول لمخاطبيه: إذا زال الخميني لا يحدث شرخ في الإسلام، لكن إذا زال علي بن أبي طالب أو نصير الدين الطوسي فإنه سيحدث شرخ في الإسلام.
أهذه أيدي تستحق أن تغير أو تحكم بالإسلام؟ الذين يجعلون دينهم سب الصحابة رضوان الله عليهم، فالآن هم لا يسبون أبا بكر ولا عمر ولكن عندما يتمكنون سيسبونهما.
فلقد قالوا في عمر بن الخطاب ﵁، إنه كان به داء لا يشفيه إلا ماء الرجال.
فهل يمكن أن يكون بيننا وبينهم تقارب؟ إن التغيير بمنهج منحرف لا يمكن أن يكون أبداً، ونحن لم نرفع العداء، فالمسلمون سكتوا وصرخوا بأن هذا إسلام وهذا دين، وذهب زعماء المسلمين إلى هناك، ولكن لا فائدة، وعندما قامت القائمة بين أهل السنة وبين حافظ الأسد الذي ذبح المسلمين، وهتك أعراضهم، وقتل أبناءهم، ودمر سوريا، وسحق المسلمين هناك، وقفت إيران في جانب سوريا وسوريا في جانب إيران.
وعندما قام أخ سني سوداني في طهران يهاجم النصيرية في سوريا، فإنهم سفروه حالاً، فهذا دليل على أن الطائفة المنحرفة قد وضعت أيديها في يد كل حاقد على الإسلام، وأن تاريخها أسود كالظلام الشديد.
فالنصيريون مآسيهم في التاريخ الإسلامي كثيرة، فلقد حاولوا قتل صلاح الدين الأيوبي عدة مرات.
وآخر مآسيهم عندما جاء الصليبيون الفرنسيون إلى سوريا، فقد وضعوا أيديهم في أيديهم، لأن حقدهم أشد من حقد اليهود، فناصروهم، وأمدوهم بالمال، وعندما احتاجوا إليهم أمدوهم بالسلاح وبالرجال.
وكذلك فإن ثمانية من كبار ضباط النصيرية الذين قتلوا في حرب إيران مع العراق حملتهم الطائرة من إيران إلى سوريا، ودفنوا في أماكن مختلفة يعيش فيها النصيرية.
فهذا دليل على التلاحم الذي بين النصيرية وبين الشيعة في طهران.
فليس في بلاد المسلمين حاكم يستحق أن يقال فيه: إنه يحكم بالإسلام.
стр. 38
حكم التهجم على الجماعات الإسلامية
السؤال
ما رأيك فيمن يتهجم على الجماعات الإسلامية، وخاصة من بعض القائمين على الدعوة؟
الجواب
إن التهجم على الجماعات الإسلامية -لاسيما الجماعات التي أبلت في الدعوة بلاء حسناً- لا يليق بالقائمين على الدعوة، والذي يتهجم على هذه الجماعة مخطئ والذي يجعل كلامه فوق كلام الرسول ﷺ لا ينبغي له ذلك، وإن كان من الفضلاء الطيبين.
وهناك فرق بين كونهم فضلاء وبين أن يقال لهم: أنتم مخطئون في القضية الفلانية؛ فالصحابة ﵁ الله عنهم كان يقف الواحد منهم أمام الخليفة ويقول له: أنت أخطأت في المسألة الفلانية، وكانوا يصلون وراءه، فما كانوا يتقاتلون ولا يتخاصمون.
فالرأي أو الفهم أو المبدأ الخاطئ ينبغي أن يبين.
стр. 39
الطريق إلى قيام الدولة الإسلامية
السؤال
ألا ترى أن مرحلة التربية الطويلة قد تبطئ بقيام الدولة الإسلامية؟
الجواب
لكن هل هناك طريق بديل؟ هل يمكن أن نأخذ أناساً لا يفهمون الإسلام، الإسلام لم يملأ نفوسهم وقلوبهم ثم يقيمون دولة الإسلام؟! فالطريق طويل ولكنه هو الطريق الوحيد.
стр. 40
أهمية النصح للجماعات الإسلامية التي فيها أخطاء في العقيدة
السؤال
يقول البعض: إن دعوة إحدى الجماعات فيها خلل في العقيدة، وخاصة قضية التوسل، وضرورة تنظيف العقيدة أولاً، فهل نقف مع مثل هذه الجماعات؟
الجواب
قال الإمام الشافعي ﵀: ليس هناك عالم إلا وخفيت عليه سنة عن رسول الله ﷺ .
فإذا كنت تعرف من أناس ما أن عندهم أخطاء، فانصحهم وبين لهم بالمودة والمحبة، وقل لهم: هذه أخطاء لا تجوز، والإسلام يقول: كذا وكذا، والصحابة فيما بينهم ما كان يخطئ بعضهم بعضاً وكانوا جماعة واحدة.
وينبغي ألا يمنعنا حبنا لإخواننا أو للجماعة الفلانية من البيان والنصح.
стр. 41
الجمع بين الاهتمام بالعقيدة والدعوة
السؤال
هناك جماعة تدعو إلى إقامة الدولة الإسلامية وعقيدتها خاطئة، أو يكون منهم ناس بلا عقيدة -والعياذ بالله- فهل يجوز ذلك، أم يجب أن نهتم بالعقيدة أولاً ثم ندعو إلى إقامة الدولة الإسلامية؟
الجواب
لا يوجد تعارض بين القضيتين، فالفرد لابد أن يهتم بعقيدته، فإذا تجمع الأفراد فإن الدعوة تستمر، ويفهم الناس العقيدة والعمل في آن واحد كما حدث في المدينة المنورة.
فإذا وجدت جماعة ليست عندهم عقيدة بالكلية، فمعناه أنهم ليسوا مسلمين، بل هم منحرفون بالكلية.
стр. 42
واجب المسلم تجاه الجماعات الإسلامية
السؤال
لقد قدر الله لجماعاتنا الإسلامية أن تنمو وتقوى وهذا من فضله، وفي نفس الوقت قدر سبحانه أن يجعل هذه الجماعات تختلف شيئاً ما في أمور قد تكون أصغر مما نتصور، فما هو واجب الداعية الذي ينتمي لجماعة من هذه الجماعات تجاه إخوانه في الجماعات الأخرى، وكيف يجب أن يكون تعامله معهم وشعوره تجاههم؟
الجواب
أي جماعة إنما هي جماعة من المسلمين وليست جماعة المسلمين، فلا ينبغي أن ينظر الإنسان إلى نفسه في جماعةٍِ ما ويظن أنه هو الخليفة وغيره كفار.
والجماعات هي تجمعات قامت هنا وهناك، فحب دائرة الإسلام وأخوة الإسلام، وحق المسلم على المسلم، ومحبة المسلم للمسلم؛ كل هذا يجمعنا، فلا بد أن يكون بيننا التناصح، والتآزر، والتعاون، والتآخي في حدود دائرة الإسلام الواسعة، وهذه الجماعات ليست من الفرق التي قال الرسول ﷺ فيها: (إن الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة)، إنما هي في الإسلام، فمشايخ الإسلام كانت لهم جماعات، فالإمام أحمد بن حنبل كانت له جماعة، وكذلك الشافعي، فهذه ليست فرقاً إنما كانت جماعات للتربية والتعلم.
وفي الوقت الحاضر انتهت خلافة الإسلام، وصار العلماء يدعون الناس إلى منهج متكامل؛ ليعيدوا للمسلمين مجدهم وعزهم، وقد يختلفون شيئاً ما في تصور طريق الإعادة والتغيير والتبديل، لكن ليسوا من الفرق المختلفة فيما بينها، فينبغي أن تكسر الحواجز فيما بينهم، فلا ينظر الواحد منهم إلى أنه هو الذي يطبق الإسلام والآخرون من الكفار، فحقوق الأخ المسلم ينبغي أن تصان، فلا يطعن في عرضه، لئلا يصبح المسلمون فرقاً، فإن هذا إثم، وسيحاسب عنه يوم القيامة.
стр. 43
إصلاح المجتمع
السؤال
هل المفروض إصلاح الناس أو المجتمع قبل محاربة الطاغوت؟
الجواب
لا يمكن أن يصلح المجتمع، والرسول ﷺ ما أصلح الدنيا كلها، إنما فئة تصلح تكون على مستوى القادر على التغيير، فيغير الله بها، ويجري بها قدره.
стр. 44
دور المرأة في بناء الدولة الإسلامية
السؤال
ما هي الكيفية التي تمكن المرأة من المشاركة في بناء الدولة الإسلامية؟
الجواب
كانت المرأة موجودة عندما قام الرسول ﷺ بدعوته، وكان لها دور في حياة الرسول ﷺ وحياة الصحابة، ولا بد أن تكون في حياتنا كما كانت في حياتهم.
стр. 45
أهمية معرفة عقائد الشيعة
السؤال
هل هنالك خاتمة تحب أن توجهها في الكلام على الشيعة؟
الجواب
أوجه هذه الخاتمة من خلال نقطتين: النقطة الأولى: مسألة عدم القراءة والاطلاع ظاهرة منتشرة بين الشباب المسلم، وينبغي في الحقيقة أن ننتبه لهذه المسألة انتباهاً قوياً؛ لأنه لا يمكن للمسلم أن يعرف إسلامه في هذه الحياة إلا بالعلم، وإلا فكيف يمكن أن يسير في خطه في هذه الحياة دون أن يكون على علم؟ وهذه المسألة مهمة حقيقة، وأنبه الإخوة جميعاً إلى أن يقرءوا وسيجدون ما يشفي غليلهم في ذلك مما كتبه أهل الإسلام، ومما يوضح توضيحاً تاماً الفرق بين السنة وبين الشيعة، وأنا أدعو الإخوة جميعاً إلى أن يأخذوا هذا الأمر مأخذ الجد، وأن يرجعوا إلى الكتب حتى تتبين أخطاؤهم في كثير من المسائل.
النقطة الثانية: مسألة التقوى: فإنها ذات دور عظيم في حياة المسلم، فكلنا محاسبون وموقوفون بين يدي الله ، ألسنا نقرأ في كتاب الله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] عشرات المرات في كل يوم؟ وذلك لأن الطرق تعددت وتشعبت، فينبغي للمسلم أن يتحرى الطريق الصحيح، ولا يتصور أنه يمكن أن يتحرى ذلك إلا بالتماس التقوى، والتقوى نور من الله يقذفه في قلب المؤمن، وبها يستطيع أن يعلم، وأن يعرف، وأن يوازن بين الأمور، والمتقون دائماً تجدهم يحاسبون أنفسهم وينظرون إلى نقاط الضعف فيهم، ويصححون مفاهيمهم.
أسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم، وأسأله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وجزاكم الله خيراً.
стр. 46
أسباب الجريمة وعلاجها
إن من نعم الله تعالى على عباده التي يحتاجها كل عبد على هذه المعمورة نعمة الأمن، وقد شرع الله حدوداً، وسن قوانين تحفظ على الناس أمنهم واستقرارهم.
ومن أعظم الوسائل والأسباب التي تنشر هذا الأمن وسيلة التقوى والإيمان، ومراقبة الله تعالى، فمن أراد هدم هذه الوسيلة من خلال ما ينشره من دعارات في التلفاز، أو الصحف، أو المسرحيات، وجب الأخذ على يده ومعاقبته على ذلك، وهذه مسئولية الجميع.
стр. 47
الأمن نعمة من نعم الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن الأمن نعمة وأي نعمة، فقد امتن الله بها على قريش إذ كانت تعيش في الجزيرة العربية حيث السلب والنهب واعتداء القبيلة على القبيلة الأخرى، وفي وسط الجزيرة العربية كانت مكة واحة أمن، ولذلك قال سبحانه: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:١ - ٤].
فالأمن لا يأتي هكذا، بل هو ناتج عن محاربة الجريمة ومعالجة أسبابها، فعند ذلك يتوفر الأمن، وبعض الصحف أوبعض المسئولين في حديثهم في الإذاعة أو التلفاز يقول: إن الجريمة موجودة وستبقى موجودة، وهذا كلام حق، فالجريمة وجدت في عهد الرسول ﷺ وفي عهد الصحابة، لكن الجريمة لم تؤثر على أمن الناس وأمن المجتمعات، أما إن ازدادت عن معدلها، فهذا يدل على أن أسباب الجريمة ونتائجها لم تعالجا بشكل سليم، أو أن الناس لم يحافظوا على صحتهم وصحة أولادهم وأهليهم بالشكل المطلوب، فلا يكفي أن نقتل الأمراض، أونقول: أن الأمراض منتشرة في الهواء، وكذلك الجراثيم والميكروبات منتشرة في كل مكان، فإذا كان فناء الدار قذر، والشارع قذر، والشمس لا تدخل البيوت، والناس لا يغتسلون ولا يتنظفون، فكيف بعد ذلك نحافظ على صحتنا؟! إن أول ما يجب على الناس فعله هو أن يزيلوا الأقذار والأوساخ، ويطهروا البيوت، ويغسلوا أجسادهم ويتنظفوا، عند ذلك يقل المرض، ثم إذا نشأت الأمراض بعد ذلك كله فعلينا معالجتها عن طريق المستشفيات، والمجمعات، والأطباء الذين يعالجون ذلك بالأدوية.
стр. 48
معالجة أسباب الجريمة يحد من انتشارها
وأسباب الجريمة موجودة، لكن ينبغي أن تعالج حتى تخف وتقل من المجتمعات، وفي بعض الأحيان تكاد تزول من المجتمع، أما إذا لم نعالج أسبابها فستبقى وستكثر، فعندما يرى الشاب وهو يسير في الشارع النساء عرايا كأنهن في غرف النوم مع أزواجهن فسيثرن شهوته وأعصابه، فليس عنده دين يحميه، فقد حطم الدين في نفوس كثير من الشباب، وحطمت الأخلاق، وضعفت مراقبة الله ، ثم النساء يعرضن أجسادهن في الشوارع، ويعرضن شعورهن، عارية ظهورهن وصدورهن وسيقانهن، ثم يذهب إلى التلفزيون فيشاهد ما يشاهد، ثم يقلب الصحيفة فيرى ما يرى، ثم يريد الزواج فإذا براتبه لا يكفي لأجرة شقة، فلا يستطيع أن يتزوج، إذ ليس عنده المال الكافي، يطلب الحلال فلا يجده، وشياطين الإنس والجن كثيرون، ويرسلون الفاحشة ليثيروا الناس خاصة الذين لم يحصنوا أنفسهم بالإيمان، ولا يأتون إلى المساجد ليقووا إيمانهم وصلتهم بالله، ثم يقول البعض: إن الجريمة موجودة وستبقى موجودة.
- فنقول: هل عالجتم أسبابها؟ هل أعطيتم الجانب المعاكس الذي يقضي على الجريمة في النفس حقه في رقابة الله ؟ هل وصلتم الناس بكتاب الله؟ أين التقوى والإيمان الذي إذا جاء الشيطان يوسوس قال له: لا، فالله يراك، وينظر إليك، وسيحاسبك بين يديه ؟ وأين الخلق الذين يقولون له: لا تفعل؟ أترضى الفاحشة لأمك؟ أترضاها لأختك؟ أترضاها لقريبتك؟ لا يوجد شيء من ذلك، بل حطمنا ذلك كله.
فهناك شياطين يحطمونها، يحطمونها بالكلمة والمقالة والتمثيلية والمسرحية، ففي الشارع تحطم، وفي الحفلات التي تقام هنا وهناك تنتهك فيها الفضيلة وترتفع أسهم الرذيلة تحطم، فالفساد يعشعش هنا وهناك، وكل ذلك منتشر وموجود.
فعندما تنتشر الأقذار والأوساخ تكثر الميكروبات، ويترعرع فيها الشر، وتترعرع فيها الجريمة ثم بعد ذلك نقول: إن الجريمة ستبقى موجودة.
نعم، ستبقى موجودة، ولكن هناك فرق بين وجود ووجود، فإذا استأصلنا أسباب الجريمة ستقل الجريمة، ثم يأتي العلاج.
стр. 49
مقارنة بن معالجة الإسلام للجريمة ومعالجة غيره لها
وعندما توجد الجريمة ينبغي أن تعالج، وعلاجها في الإسلام مختلف، فالإسلام يعالجها لا كما تعالجها أوروبا، إذ أن علاجها في أوروبا جعلها تزداد وتنتشر؛ لأنها تعالج علاجاً خاطئاً.
فالإنسان قد يجرم بجريمة واحدة، فيأتي عالم الغرب بعلاج السجن، فيلتقي مع مئات من المجرمين؛ فيعلمونه الإجرام، ويخرج أستاذاً في الإجرام، ويكثر المجرمون، فيحتاج الناس إلى أن يهيئوا لهم السجون، ويهيئوا لهم الحراس، ويهيئوا لهم الذين يطبخون، والذين يعنون بهم، فنحتاج إلى جيوش يقومون على رعايتهم.
أما الإسلام فيعالج الجريمة بما وضع لها من حدود وعقوبات، وقد بين القرآن سبيلها، وأمر أن يكون ذلك أمام طائفة من المسلمين ليأخذوا منه العبرة والعظة، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]؛ وذلك ليعتبروا ويتعظوا، فإذا شاهد الإنسان العقوبة تحل بغيره عند ذلك إذا لم يزعه سلطان الإيمان والخوف من الله خاف من سلطان البشر، ومن العقوبة التي يمكن أن تنزل عليه، وإذا ما رأى غيره وقع به العذاب فإنه يخاف أن يكون يوماً ما مكانه إذا فعل مثل جريمته فيقع به ما وقع بغيره، عند ذلك يتعظ ويخاف ويبتعد.
فمن قتل وكان متعمداً وأصر أولياء القتيل على قتله يقتل، ومن زنا إن كان محصناً رجم حتى الموت، وإن كان غير محصن جلد مائة جلدة، ونكون بذلك قد أدبناه وأدبنا بتأديبه من شاهدوه ومن رأوه.
فالعلاج من ناحيتين: تعالج الجريمة باستئصالها من جذورها، حتى تغسل الأرض، وتنظف وتطيب، ويغسل المجتمع حتى لا تترعرع فيه الجريمة، فإذا نشأت الجريمة فإنه يعالجها، ويزيل آثارها، ويربي الناس بها، عند ذلك تكون الجريمة في إطار ضيق قليل، فتكون محصورة لا تؤثر في أمن الناس، ولا تسبب لهم المشكلات، وبغير هذا لن تكون الجريمة موجودة فحسب، بل ستكون منتشرة، وفرق بين وجودها وبين انتشارها.
فنحن نقول للذين يرددون بأن الجريمة موجودة، نحن لسنا مجتمعاً شاذاً، فالجريمة موجودة في أوروبا، وفي بريطانيا، وأمريكا، ففي بعض المدن في أمريكا يحصل اعتداء على كل واحد من ثلاثة أشخاص، فإذا كانت المدينة ثلاثة ملايين فإن ثلثها المليون بكامله يحصل على الاعتداء، فهل ننتظر حتى يصل الأمر بنا كما وصل بتلك الديار؟! وفي بريطانيا رجل مجرم واحد كلف الدولة أربعة ملايين من الدنانير حتى قبض عليه؛ لأنه كان متخصصاً في قتل النساء، ففزعت المقاطعة كلها، وكان نساؤها لا يستطعن أن يسرن إلا وهن محصنات، فخصصت الدولة جيشاً كاملاً من الشرطة والمباحث لملاحقة هذا الرجل، وبعد سنوات طويلة قبض عليه بطريق المصادفة.
فليس من الطبيعي أن تنتشر الجريمة وتسود، وأن يذهب الأمن من القلوب والنفوس، وأن تعيش النساء في رعب، وأن تحدث جريمة كل سنة أو كل سنتين.
стр. 50
وسائل القضاء على الجريمة
فإذا أردنا أن نقضي على الجريمة، أو نحد من انتشارها فلابد من معالجة الأسباب التي تثير الجريمة وتسببها.
فننظر إلى خروج النساء شبه عاريات، وما يعرض في المسرحيات، والأفلام، في السينما والتلفزيون، وما يكتب من قصص، وما ينشر من صور، وما يقال من أحاديث، وما ينشأ من حفلات، فكل هذا من أسباب الجريمة، وما يحطم من الأخلاق والدين في نفوس الشباب، فالملحدون والأشرار الذين يحطمون الفضيلة والخلق في النفوس سواءً كان أستاذاً في مدرسة، أو كاتباً، أو باحثاً، أو رجلاً متكلماً، أو موظفاً، فكل هؤلاء ينبغي أن يؤخذ على أيديهم؛ لأنهم من أسباب الجريمة، فإذا تحطم الإيمان والخلق والفضيلة في الإنسان أصبح وحشاً، أو حيواناً، يمكن أن يقتل أمه أو أباه أو أخاه، وأن يعتدي على أمه أو أخته بالفاحشة.
ويذكر ابن كثير في تاريخه: أن فتاة طائشة قهرت عشيقها بأن يقتل أمها وأباها، وكان رجلاً صالحاً فاضلاً كما يقول عنه ابن كثير.
وظهرت في الثلاثينات من هذا القرن الميلادي جريمة هزت فرنسا، وكانت حديث المجامع والصحف، وهي فتاة أراد عشيقها أن يشتري سيارة أو غيرها فوضعت السم لأمها وأبيها لتحصل على نقودهما، وعندما لم تمت أمها طعنتها طعنات كثيرة خشية أن تفيق من سمها فتمتد حياتها.
فالإنسان عندما يحطم الخلق والدين عنده يصبح حيواناً لا يبالي بشيء، فالذين يحطمون الإيمان، ويحطمون الخلق في النفوس مجرمون، وهم من أسباب الجريمة، فينبغي أن يؤخذ على أيديهم، وألا تترك لهم الحرية في الكلام باسم الأدب، أو الفن، أو الحرية في النشر، فأي حرية هذه؟! إن هذا الذي يأتي بالجراثيم ليزرعها في المجتمعات، ويرشها هنا وهناك، ويفسد النفوس، ليس حراً في فعله، بل يجب أن يؤخذ على يده، والرسول ﷺ شبه المجتمع بسفينة يركب عليها الناس، فبعضهم في أعلاها وبعضهم في أسفلها، فقال الذين في أسفلها: نحن نؤذي من فوقنا عندما نمر عليهم لنأخذ الماء، فلو خرقنا خرقاً في نصيبنا لكي نأخذ الماء ولا نؤذي من فوقنا، وهؤلاء عندما يخرقون خرقاً في السفينة فإنهم سيغرقون ويغرقون من معهم، فهل يأتي إنسان ويقول: هؤلاء أحرار، وهذه ديمقراطية، وهذه حرية؟! وقد كتب أحدهم ذات مرة كتابة سيئة، فلما رد عليه بعض الناس إذا ببعض البارزين من الكتاب يقولون: نحن نعيش في مجتمع ديمقراطي، فنقول: أي مجمع ديمقراطي الذي يأذن لأصحاب السفينة أن يخرقوا في نصيبهم، ثم تمتلئ السفينة ماءً ويموت الناس كلهم باسم الحرية والديمقراطية.
فهناك حدود في الإسلام، وهناك أعمال صالحة وأعمال باطلة، وهناك عمل صالح وعمل قبيح، وهناك حق وباطل، وسيحاسب الناس، فله أن يعمل في دائرة الحق والمباح بحرية، أما أن يعمل في دائرة الباطل باسم الحرية وباسم الشر فهذا خطأ كبير.
стр. 51
شهادة الواقع على قدرة الإسلام في نشر الأمن بين الناس
ولقد أثبتت التجربة والتطبيق العملي أن الإسلام قادر على أن يبث الأمن في المجتمعات التي يحكمها، وأن الاتجاه نحو العالم الغربي في قوانينه ونظمه وأخلاقه يجذب القلق والدمار، ويضيع الأمن، فحكومة عبد العزيز آل سعود هي أصدق حكومة في الجزيرة العربية طبق فيها الإسلام، وطبق فيها القرآن، وكان الناس في الجزيرة قبل تلك الأيام لا يستطيع أحدهم أن يتحرك من بلده إلى بلد آخر آمناً، فقد كان أهل الحاج يودعونه على أنه ليس براجع، وكان الإنسان يقتل على بصلة، أن المجرم يرى جيب الرجل منتفخاً فيقتله ظناً منه أنه مال وهو بصل.
ولقد حدثني أهل المدينة المنورة أنهم كانوا قبل أن يأتي حكم عبد العزيز إليهم لا يستطيع أحدهم أن يخرج من المدينة أكثر من كيلو متراً.
فعندما طبق حكم الإسلام تحولت الجزيرة إلى بلد آمن، وتحولت هذه الصحاري الشاسعة والبلاد الواسعة إلى بلد آمن، وإلى عهد قريب تقول إحصائية لا أذكر مصدرها من بعض البلاد الأوروبية: لا تزال أكثر بلاد العالم أمناً السعودية، على ما طرأ فيها من خلل في تطبيق الإسلام، والبقية الباقية التي فيها لا تزال تجعلها أكثر أمناً، ولو كان الناس الذين شعروا وذاقوا نعمة الأمن يقدرون لحرصوا على الإسلام بالنواجذ، ولما تركوا قاذورات أوروبا تصب في ديارهم، فإذا ما شئنا هنا في الكويت, أو في السعودية، أو في مصر، أو في أقطار العالم الإسلامي أن ننعم ببحبوحة الأمن، وأن نعيش آمنين على أنفسنا وزوجاتنا وبناتنا وأولادنا وأموالنا، فلابد أن نعود إلى الإسلام؛ ليغسل أقذار قلوبنا، ويطهر نفوسنا، ويحول بيننا وبين الشر، ويوجد فينا مراقبة الله ، ووالله! إن لم نفعل ذلك فسنزداد بلاءً فوق بلاء، ومرارة فوق مرارة، وسيأتي يوم يبكي فيه الناس دماً؛ لأنهم قصروا وفرطوا، فالله ليس بينه وبين أحد من عبادة قرابة ولا صهر ولا نسب، فقد أنزل لهم ديناً فقال: هذا حظكم فيه، وهذا ذكركم، وفيه سعادتكم، إن أخذتم به فهو سعادتكم في دنياكم، وهو سعادتكم في أخراكم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٦].
стр. 52
اشتراك الجميع في المسئولية عن الجرائم
وفي الأسابيع الماضية القليلة روعت الكويت بجرائم اقشعرت لها الجلود، واحتارت لها العقول، فتاتان صغيرتان في عمر الورود -كما يقال- يعتدي عليهما وحوش خلت قلوبهم من الإيمان والتعقل والمروءة والفهم.
جرائم أخرى يرتكبها رجل يقفز من فوق الأسوار، ثم يخدر ضحيته ويفعل بها الفاحشة.
فمن المسئول عن هذه الجرائم؟ إن الأب مسئول أولاً، الأب الذي لم يرب ابنه على الإسلام، ولم يربه على الإيمان، فاشتغل بتجارته وماله ووظيفته وشهواته، وترك ابنه للشارع والسينما والتلفزيون، يهيم مع زملاء له في مثل سنه يفسقون ويفجرون، فهذا الأب مسئول يوم القيامة عن ابنه، وهو مسئول عنه في الدنيا أيضاً، والرسول ﷺ يقول: (والأب راع وهو مسئول عن رعيته)، والرسول ﷺ يقول: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر).
فالأب مكلف بالتربية، ومكلف بالتوجيه وغرس الفضائل والقيم، وأن يربي ابنه على الواجبات وأخلاق الإسلام، وإذا كان لا يستطيع؛ إذ ليس عنده علم، فإنه يستطيع أن يعلم ابنه الوضوء والصلاة، وأن يأتي به إلى بيت الله، وأن يصله بأبناء يعيشون على الطهر والفضيلة، وأن يشتري له أشرطة تتحدث عن الإسلام وهكذا؛ فهو مسئول عنه.
والأم مسئولة كذلك، مسئولة أن تفهم ابنها وتعلمه، وكثير من نساءنا في هذه الأيام لا يفقهن هذه القضية، بل كل حديثهن مع أولادهن عن الدنيا، وماذا يمكن أن يكونوا في المستقبل، وبعضهن لا يأبهن بهذه القضية، بل ينشغلن بزينتهن وفتنتهن وتبرجهن، ولا يرعين أولادهن، فهن مشاركات في الجريمة.
والدوائر المختلفة مسئولة أيضاً، فوزارة التربية مسئولة عن هذه الجرائم، لأن وزارة التربية التي تعلم حصتين للدين وثماني حصص للإنجليزي مسئولة عن ذلك، وبعض مدارسنا تساوي بين الدين والرقص، فتعلم بناتنا وأبناءنا الرقص والموسيقى، أما الأخلاق والقيم فأي شيء يسد نقصها، فهي مسئولة عن هذه الجرائم.
فالمدارس ينبغي أن تكون مرتعاً للأخلاق الفاضلة، والقيم النبيلة، ففيها يدرس القرآن، ويدرس الحديث، وفيها يعيش الطلبة أربع سنوات في الابتدائية، ومثلها في المتوسط، ومثلها في الثانوي، ومثلها في الجامعة، فيقضي الإنسان منا طفولته وشبابه في المدارس، فإذا لم تقم المدارس على الطهر والفضيلة والأخلاق الطيبة فمن الذي يربي؟ ومن الذي يرعى؟ وأهم شيء عند المسلم عقيدته وإيمانه، فهو الذي يربيه ويحفظه، وسياجنا الذي يحمينا من الفساد هو هذا الدين، فالشيطان يريد أن يهلك الإنسان بالوسوسة له في الليل والنهار، والنفس الأمارة بالسوء توسوس له، وشياطين الإنس يوسوسون ويريدون أن يفسدوا، ولا عصمة من ذلك كله إلا بالتقوى والإيمان والصلاح.
ولا يعطي التقوى والإيمان والصلاح إلا رجال أخيار يدرسون أبناءنا، فيفتحوا العيون على كتاب الله، وعلى أحاديث الرسول ﷺ ، ويعلمونهم القيم الفاضلة، ويعرفونهم سيرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، وسير الأخيار من هذه الأمة كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد وغيرهم، ويعرضوا لهم سير الصالحات من أمهات المؤمنين، ومن المؤمنات الطيبات اللواتي كن مثالاً يقتدى بهن.
وفي كثير من الأحيان تجد الكتب التي تعلم في المدارس تفتح أعين أبناء المسلمين على تاريخ أوروبا وقيمها ومثلها ونظرياتها وأخلاقياتها وفلسفاتها، وتمنع نور الإسلام أن يصل إلى القلوب، فتحتاج المناهج إلى تصفية، وتحتاج الكتب إلى أن تنقى، وأن يعتنى بالدين.
فبهذا الوضع وزارة التربية مسئولة.
والتلفزيون الذي يعرض الجريمة مسئول أيضاً، فالإسلام عندما حرم الزنا والفجور حرم أسبابه، وعندما حرم شرب الخمر خلعه من جذوره، فالذي يبيع أو الذي يزرع العنب ليصنع به خمراً أو يبيعه لخمار هو مجرم في الإسلام، وصاحب السيارة الذي ينقل العنب إلى الخمارة مجرم، والذي يعمل في المصنع مجرم أيضاً؛ لأن الإسلام يقتلع الجريمة من جذورها.
فالذي يعرض الفاحشة ويحببها للناس بتمثيل وفجور وغناء ورقص وأفلام باسم الفن يقتل الأخلاق، ويمزق القيم، ويهدر ما حرم الله، ويشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وهذه جريمة.
وهو مسئول عن جرائم الزنا التي وقعت لمثل هذه الفتيات، فهو مسئول عنها أمام الناس، ومسئول عنها عند رب الناس وسيحاسب عليها، فهو يشارك في المسئولية، ومثله الإذاعة التي تشارك في المسئولية بما تبثه من شر، وبما تبثه من مواد تدعو إلى الفاحشة والجريمة وتحبب إليها.
والصحافة تنشر أموراً قذرة في بعض الأحيان لا يتمالك الشاب نفسه إلا أن يبحث عن الجريمة، لما يرى في الصحافة من صور عهر وفجور، وتمثيليات ومسرحيات تكتب في الجريدة تلهب المشاعر والأحاسيس، فإذا بالشاب يبحث عن الجريمة.
والمسارح التي تقدم ما تقدم تشارك في المسئولية.
والقضاء يشارك في المسئولية، فعندما تأتيه جريمة رجل مجرم فجر بشقيقته، وآخر فجر بجارته، وثالث اعتدى على أسرة آمنة وفعل ما فعله، ثم يحكم عليه بستة شهور من السجن، وأحياناً تخرج في بعض البلاد براءته، وفي بعض الأحيان تتدخل الوساطات فلا يصنع القضاء شيئاً، فيكون مشاركاً في المسئولية.
فرب العباد أرحم بنا من أنفسنا، وأرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا، وأرحم بنا من قضاتنا وحكامنا، والله الذي شرع لعباده رحيم بهم، ويعلم أن بعضهم قد يكون كالوحوش يفترس الآخرين كما تفترس الحيوانات بعضها في الغابات، فشرع تشريعات للعباد بما يصلحهم قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩]، أي: لكم حياة وأي حياة.
وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]، وتجد البعض يقول عن هذا: إنه وحشية وهمجية، فجعلوا حكم الله وحشية، فذاقوا البلاء، وقد يقع البلاء في الذي يقول بهذا القول، وقد يقع في أولادهم، وأزواجهم، وبناتهم، وهم يتهجمون على شريعة الله، ويعزلون حكم الله أن يحكم في عباده، فإذا بالمجتمع يفقد نعمة الأمن.
ولقد علمنا ما حصل في هذه الديار، من فقد نعمة الأمن، حتى إن بعض الآباء من الذين بيوتهم غير آمنة اعتكفوا في بيوتهم في الأيام الماضية قبل أن يقبض على المجرم خشية على أولادهم، وكثير من الناس ارتجفت قلوبهم، والبنات يجرين في الشارع ذهاباً وإياباً إلى دورهن خوفاً وفزعاً، فعندما يفقد الناس نعمة الأمن فإن الحياة لا تصلح حينئذ.
ولا يأتي بهذه النعمة إلا إيمان يغرس في القلوب، يقول الرسول ﷺ : (ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعلى الصراط سوران عن يمين وشمال، وفي السوران أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداع يدعو من فوق الصراط: أيها الناس! ادخلوا الصراط ولا تعوجوا، وداع يدعو من ظهر الصراط، كلما أراد أحدكم أن يفتح باباً قال: ويحك! لا تفتحه؛ فإنك إن تفتحه تلج، ثم بين الرسول ﷺ فقال: الصراط الذي ضربه الله هو الإسلام، والسوران عن اليمين وعن الشمال: حدود الله، والأبواب: محارم الله، والداعي الذي يدعو على رأس الصراط هو القرآن، والداعي الذي يدعو من ظهر الصراط: هو واعظ الله في قلب كل مسلم).
فعندما يريد الإنسان أن يفتح باباً، وأن يدخل إلى الزنا، أو يشرب الخمر، إذا بواعظ من قلبه يقول: لا، ويذكره بربه ، وواعظ الله في قلب المسلم هو الذي يسميه الناس الضمير، ويسميه الرسول ﷺ : (واعظ الله في قلب كل مسلم) فهو ناتج من رقابة العبد لربه، وعلمه بأن الله ينظر إليه، وأن الله يراه، وأنه يسمع به غاص في أعماق الأرض، أو مشى على وجهها، أو طار في أجواء الفضاء، فإن الله به محيط، فعلم الله يحيط به في ليله ونهاره، في سره وعلنه، أظهر القول أو أخفى حديث نفسه في صدره، فالله يعلم به، وينظر إليه، لا تحجبه عن ربه ظلمات الليل، ولا طبقات الأرض، ولا جدران البيوت، فعندما يؤمن المسلم بذلك، ويستيقن بذلك، عند ذلك ترجو خيره وتأمن شره.
والناس اليوم يحطمون هذا الواعظ كما قلت، فالتلفزيون يحطمه، والإذاعة تحطمه، والصحيفة تحطمه، والشر الذي يسود المجتمع يحطم هذا الواعظ، والواعظ عند المسلمين سلاح يقاومون به الباطل، ويقاومون به الفساد، ويقاومون به الشر، لكننا نكسر أسلحتنا بأيدينا، ونحرقها وندمرها فيصبح جنودنا بلا سلاح أمام الباطل والشر.
فالإسلام يغرس هذا الوعظ في النفوس، ومن لم يربه الإيمان والإسلام رباه السوط، وربته القوة، ورباه السلطان، فالواعظ يدمر، والسلطان لا يأخذ على أيدي المجرمين بما شرع الله ، فماذا نرجو إن استمر الحال على هذا المنوال ولم نتدارك أنفسنا، ولم نتدارك أجهزتنا، ولم يتدارك العقلاء الموقف؟ لا يأمن الناس في حياتهم، ولا يأمنون في مجتمعاتهم.
فأوروبا وأمريكا تشكوان، فقد استشرى الفساد ووصل إلى الرءوس الكبيرة، فقد سمعنا منذ أيام أن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ناله الرصاص، واغتيل رئيس وزراء إيطاليا، إذ أخذ من وسط داره ومن بين أهله، ثم قتل ورمي في الشارع، فالفساد استشرى ووصل إلى الرءوس الكبيرة؛ لأنها لم تتدارك الأمر، ولقد أكرمنا الله بهذا الدين، حيث جلب الأمن والخير لمن عملوا به.
فحري بنا ألا نسير أكثر من ذلك في باطلنا، وأن ننتبه لأنفسنا، وإلا فإننا سنغرق في طوفان كبير.
اذكروا أيها الإخوة! كيف كان حال العرب قبل الإسلام؟ وكيف كانت مجتمعاتهم، وقبائلهم، وأفرادهم؟ ثم كيف أصبحوا بعد الإسلام؟ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ [آل عمران:١٠٣]، فقد كان العرب قبل الإسلام أعداء متناثرين متناحرين، فتحولوا بنعمة الله إلى إخوة أحبة كما قال تعالى: (
стр. 53
كيف تستعيد الأمة مكانتها
إنَّ الأمة الإسلامية هي خير أمةٍ أخرجت للناس بنص القرآن الكريم، وهذه الخيرية إنما جاءت؛ لأنها طبّقت أوامر الله ﵎ في شئون حياتها، لكن الأمة في العصور المتأخرة تدهورت بسبب ابتعادها عن منهج الله ﵎، فإذا أرادت أن تعود لها هذه العزة والمكانة التي كانت لأسلافها، فيجب عليها أن تعود إلى المنهج الذي رسمه لها ربُّها ﵎، فعند ذلك يُغيِّر الله حالها.
стр. 54
مكانة أمة الإسلام
الحمد لله قيوم السماوات والأرض، بيده مقاليد الحكم، له الأمر كله والخلق كله، يصرف الأمور ويقدرها وفق علمه وحكمته، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير إنه على كل شيء قدير.
قوله القول، وحكمه الحكم، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا معدل لأمره.
وأصلي وأسلم على عبده المصطفى، ورسوله المجتبى، خيرته من خلقه، وخاتم أنبيائه ورسله، أقام الله به الشريعة الغراء، وأنار به القلوب العمياء، ومحا به دولة الباطل، وطمس به معالم الشرك، وأصلي وأسلم على آله وصحبه الذين جعلوه لهم قدوة وأسوة، واتبعوا النور الذي جاء به، فكانوا على المحجة البيضاء، يقرون بالحق ويدعون إليه، ويجاهدون في سبيل إعلائه حتى ظهر أمر الله، وأصبح الدين كله لله، وعلى التابعين ومن اتبع سبيلهم إلى يوم الدين.
إخواني! لن أفيض في هذا الموضوع الذي سأتحدث إليكم فيه عن واقع الأمة الذي تعيشونه وتشاهدونه؛ لأن الواقع الذي نعيشه كلكم يراه، فمنذ أن كنا في زمن الطفولة والصبا فتحنا أعيننا وجنود الإنجليز تدك ديارنا، واليهود يتوافدون على بلادنا، وما كدنا نبلغ السابعة أو الثامنة من عمرنا حتى سقط جزء من فلسطين، وكنا نرى في صبانا جيوش الإنجليز وهي تطارد آباءنا وإخواننا، وتعتدي على حرماتنا وأهلنا ونسائنا، وسقط جزء من فلسطين ونحن لم نبلغ زمن الشباب بعد، ولكن الجزء الباقي من فلسطين سقط ونحن ندرك أبعاد القضية، وقبل ذلك احتلت ديار المسلمين من قبل الصليبيين في هذا العصر، فاحتلت مصر وسوريا ولبنان والجزائر وتونس، بل احتلت كل ديار الإسلام إلا القليل، ففي زماننا انقسمت دولة إسلامية كبرى إلى شطرين هي الباكستان، وبنغلادش، وفي زماننا ينقل لنا التلفاز في كل يوم مآسي من بلاد المسلمين في الهند وأرتيريا وفي الفلبين، وفي زماننا اخترقت جيوش اليهود لبنان ووصلت إلى عاصمته بيروت، ودمرت أحياء بأكملها، وتنقل لنا أخبار الدنيا بالصوت والصورة الجندي اليهودي وهو يجرجر امرأة مسلمة، في حين لو حدث هذا في يوم من الأيام في عهد العز لقامت الدنيا وما قعدت، فلا أريد أن أفيض في هذا؛ لأن هذا أمر تشاهدونه وتعلمونه، ومن الخطأ الإفاضة فيه.
فقد كان لهذه الأمة مكانة عالية راقية، ثم ضاعت هذه المكانة، والمسلمون اليوم يبحثون من جديد ليستعيدوا العزة المفقودة، ويستعيدوا المكانة التي كانت تعيشها الأمة في ماضيها، أما مكانة هذه الأمة فقد نص الله ﵎ عليها في قوله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]، والوسط هو مركز الاتزان والاعتدال، يقول بعض المفسرين: الوسط: عدل بين الأطراف، ليس إلى بعضها أقرب من بعض، وقد تعارف الناس على ذم الذي يمسك أحد الطرفين ولا يلزم موضع الاعتدال، فتراهم يقولون: فلان متطرف في أمره، في مقام الذم، وفلان معتدل في مقام المدح، ومع ذلك فإن أكثر البشر في عقائدهم وأفكارهم وأعمالهم يتطرفون ولا يلزمون مركز الاعتدال، فكانت هذه الأمة وسطاً في كل شيء، ودائماً تجد الخير والفضل في الوسط، وفي مصطلح العرب ومصطلح القرآن أن الوسط هو الأفضل والأحسن لأمرين: الأمر الأول: أن الأطراف يتسارع إليها الخلل والفساد، فدائماً الفساد يبدأ من الطرف ولا يبدأ من الوسط، كما قال الشاعر الجاهلي: كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفاً فهو يصف الشيء الذي يتحدث عنه بأنه كان وسطاً لا يصل إليه الفساد، ثم دب إليها الفساد حتى أصبحت طرفاً من الأطراف.
والأمر الثاني: ما أشرت إليه من أن الوسط مركز الاعتدال والاتزان فقريش أوسط العرب نسباً، والرسول ﷺ وسط في قومه، وفي محكم التنزيل: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم:٢٨]، أي: قال خيرهم، وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]، وقد ثبت في الحديث أنها صلاة العصر، فهي خير الصلوات؛ لأنه سبحانه خصها بمزيد من الحث على أدائها.
وقد صرح الله بهذه الأفضلية في آية أخرى بوضوح فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].
إذاً: فبشهادة الله ﵎ تكون هذه الأمة خير الأمم وأفضلها على الإطلاق؛ لأنها وسط، والوسط هو الأفضل، فالوسط عند الله يُجَتَبى ويُختار.
стр. 55
سبب تفضيل الله تعالى هذه الأمة على غيرها
فضَّل الله ﵎ هذه الأمة على غيرها من الأمم؛ لأن الأمة الإسلامية استقامت على منهج الله، فالإسلام هو الذي صنع هذه الأمة، فقد بنى عقيدتها، ورسم منهجها وطريقها، وأقام أخلاقها وقيمها، وتأمل في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، تجد أن كلمة ((جَعَلْنَاكُمْ)) ليس معناها: خلقناكم، وإنما المعنى الصحيح: صيرناكم أمة وسطاً، وإنما صيرها الله كذلك بدينه المنزل عندما استقامت على الخصائص التي رسمها لها رب العالمين، وتستطيع أن تلحظ هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فهَهنا مُخْرِج وهو الله، ومُخْرَج وهي الأمة، وأداة حصل بها هذا الإخراج وهي الإسلام.
فبالاستقامة على الإسلام تحققت الأفضلية.
إذاً: فليست الأفضلية والخيرية لقباً أطلق على هذه الأمة من غير مضمون، ولكنه عنوان لحقيقة تجسدت في هذه الأمة، فقد سما هذا الدين بهذه الأمة في عقيدتها، وتفكيرها، وتوجهات قلوبها وأقوالها وأعمالها، ونظمها حتى مثلت الأنموذج الفاضل الذي يريده الله ﵎ للبشرية، وهذه الأفضلية مرهونة باستمرار هذه الأمة على الخصائص التي حددها الإسلام، فإذا تدنت هذه الخصائص أو انحرفت أو زالت فإن الخيرية تتناقص وتضمر وتضعف، وهذا هو السر في تخلف هذه الأمة في عصرنا.
إن أفضلية هذه الأمة تتلخص بأخذها بهذا الدين في نفسها، ودعوة الناس إلى الحق الذي قرره هذا الدين، ونهيهم عن الباطل الذي نهاهم عنه هذا الدين، مع تحقيق الإيمان وفق ما جاء به الإسلام، قال تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
стр. 56
سبب إخبار الله تعالى بمكانة هذه الأمة وفضلها
وقد أخبرنا الله تعالى أننا خير أمة أخرجت للناس لا لنتفاخر ونتمادح به، ونقف في المجامع والمحافل فنقول: إننا خير أمة أخرجت للناس؛ لأن الحياة الإنسانية مجال صراع رهيب بين الأمم، فكل أمة مهما كانت منزلتها ولو كانت في القاع تقول: أنا الأفضل وأنا الأحسن، فأخبر الله بمكانة هذه الأمة حتى لا تذل في مجال الصراع والخصام؛ لأن هذه الأمة صاحبة رسالة، وستصارع اليهود والنصارى والوثنيين والشيوعيين والبوذيين، فحتى لا تهون في مجال الخصام والصراع أخبرها الله ﵎ بمكانتها، فقال : ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩].
ولقد ادعى كل من اليهود والنصارى أنهم الأفضل والأكمل وأن غيرهم ليس على شيء كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة:١١٣]، والذين لا يعلمون: هم العرب الوثنيون، فقد قالوا: إن اليهود ليسوا على شيء، والنصارى ليسوا على شيء، ثم غلا اليهود والنصارى في دعواهم، فادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة:١٨]، ثم ادعوا أن الجنة وقفٌ عليهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١]، فركب كل فريق هذه الدعوى مطالباً غيره باتباع منهجه؛ لأنه هو الأفضل والأحسن، والجنة وقف عليه، وهو ابن الله؛ فالذي ينبغي للبشرية أن تتابعه وألَّا تقاتله، بل ينبغي أن تحترمه وتقدره، فقد جاء عن اليهود والنصارى أنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة:١٣٥]، أي: أنهم يطالبون غيرهم بأن يصبحوا يهوداً أو نصارى، فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:١٣٥].
وكذلك هو حال الأمم التي ليس لها دين، فهي تدعي نفس الدعوى، فهذا هتلر رفع راية ألمانيا فوق الجميع، والشعب الأمريكي الآن يظن نفسه من طينة غير طينة البشر، فعندما يكلمك يكلمك وهو مصعر خده مستكبراً يظن أنك من جنسٍ غير جنسه، وهو من فئة غير فئة البشر.
وقد كان اليهود في ميزان الله ﵎ خير الأمم عندما استقاموا على الشريعة التي أنزلها الله ﵎ عليهم، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٤٧]، قبل أن يقول فيهم: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢]، والنصارى كانوا أصحاب رسالة، ولهم في ميزان الله فضل عندما استقاموا على الدين الذي أنزله الله إليهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف:١٤]، ولكن اليهود والنصارى انحرفوا عن المسار وتنكبوا الجادة، فأصبح اليهود مغضوباً عليهم والنصارى ضالين، وهم في ميزان الله من الخاسرين، فلقد غيروا وبدلوا فلعنهم الله، وغضب عليهم، وضرب عليهم الذلة والمسكنة، وهم لا يمثلون اليوم الفئة الفاضلة في ميزان الحق، وقد جاءت هذه الأمة من بعدهم لتكون هي الأمة الفاضلة، وإذا أنت رجعت إلى سورة البقرة وإلى ما حدثنا الحق فيها عن أهل الكتاب فسترى أن القرآن كشف لنا عن الدعوة المضللة التي يدعيها أهل الكتاب، من أنهم الأفضل والأصلح، وبين أنها دعوى زائفة، ذلك أن أهل الكتاب انحرفوا عن الخصائص التي كانت ترفعهم إلى مصاف الأمة الفاضلة، فقد سرت فيهم العلل والأدواء التي شوهت العقيدة الصافية والشريعة المنزلة، واختلت عندهم القيم والتصورات الإيمانية كما اختل السلوك والقول والعمل، فمن اتهاماتٍ للخالق العظيم، إلى تشويه لسير الأنبياء، إلى تحريف للكتب المنزلة، إلى كتمان للعلم، إلى سفك للدماء وتمرد على أحكام الشريعة، واتباع للشيطان.
وبعد هذا البيان الطويل لحال الأمم التي تدعي الأفضلية في سورة البقرة يأتي قوله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] أي: انتهت خيرية اليهود والنصارى، وأنتم يا أمة الإسلام الآن في المستوى الذي يصفه الله ﵎ بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾ [آل عمران:١١٠] أي: أنتم الأمة الفاضلة.
ولذلك يأتي بعد قليل قوله ﵎: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة:١٤٢] السفهاء هم اليهود والنصارى الذين اعترضوا على تحويل القبلة، فوصفهم الله ﵎ بالسفهاء، والسفه خفة في العقل، واضطراب في الموازين، فالسفيه لا يكون فاضلاً ولا يكون خيراً؛ لأنه فقد الخيرية والصلاح.
أما الأمم الأخرى التي تدعي الأفضلية، والتي ليس لها دين غير اليهود والنصارى ففضلها دنيوي عارض، ليس له في ميزان الله اعتبار؛ لأنه قائم على متاع الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] وقال سبحانه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧].
فلقد وصف القرآن الحضارات التي ارتفعت في العلوم المادية ولكنها انحدرت في عقيدتها وأخلاقها وقيمها بالضلال والزيغ؛ لأن المجتمع الذي يوصف بالرقي في ميزان الله هو المجتمع الذي يقيم حياته وفق منهج الله، وإن كان غير متقدم في مجال العمران والزراعة والصناعة.
أما الجاهلية فإنها تعتبر المجتمع راقياً إذا كان يملك العلوم المادية، والمجتمع المتأخر في عرفها هو المجتمع الفقير الذي لا يملك أسباب الرقي المادي والذي تنتشر فيه الأمية، ونحن عندما ندرس المجتمع المثالي الإسلامي نجده مجتمعاً فقيراً، لا يكاد يجد الفرد فيه ما يسد به رمقه، ولا ما يواري به جسده، فقد كانت بيوت رسول الله ﷺ يمر عليها الهلال والهلال والهلال ثلاثة أهلة في شهرين ولا يوقد فيها نار لإنضاج طعام، ونجد الذين كانوا يحسنون القراءة والكتابة في المجتمع الأول الفاضل قليلين، وكذلك الذين يحسنون الصناعة أيضاً.
إذاً: فالمجتمع الصالح المتحضر هو هذا المجتمع الذي كان فيه الرسول ﷺ .
إن نظرة الإسلام إلى المجتمع الراقي تصادم نظرة الجاهلية، فالإسلام يسم أكثر التجمعات الإنسانية تقدماً بالتأخر والرجعية والضلال إذا لم تحقق العبودية لله، وإذا لم تقم حياتها وفق تشريعاته ومنهجه، إن هذا الرقي المادي والعلم المادي لم يخلِّص فرعون ونمرود وعاداً وثمود وغيرهم من الأمم من مقت الله وغضبه، وليس معنى هذا أن الإسلام يحارب الرقي المادي، فالإسلام يأمرنا أن نسعى في الأرض لنسخر ما فيها من خيرات لصالحنا، قال سبحانه: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥]، لكن الإسلام يريد أن نبني هذا الرقي على أصول سليمة قويمة، ويريدنا أن نقوِّم علوم الحياة ونضبطها بضوابط إلهية تحميها من الانحراف والضلال، يريدنا أن نقيم الصروح والأبنية وفق تشريع الله ﵎، عندما يكون الهدف الكبير من بناء ضخم كالأهرام، أو بناء ضخم مثل (تاج محل) أو تلك الأديرة والكنائس التي تراها في إيطاليا وفي العالم الغربي التي بنيت لهدف تافه، أن يكون هذا البناء الذي كلف أعماراً ومئات وألوفاً وعشرات الألوف من البشر ليكون قبراً لإنسان، أي حضارة مثل هذه؟! وأي رقي هذا؟! نحن لا نوافق الأمم التي تدعي أنها الأفضل والأحسن؛ لأنها تملك العمارات الشاهقة، والحدائق الغناء، والمسارح الرحبة، والقصور الفخمة، والشوارع المنسقة، والمدارس، والجامعات، والمستشفيات، لا نوافقها على أنها الأفضل من أجل ذلك وحده؛ ولا لأنها توصلت إلى علوم هائلة بنت بها الرقي المادي، فلو كان هذا صحيحاً لكان اللص صاحب القصر الكبير أفضل من الشريف صاحب الكوخ الصغير، والعالم الذي يخطط لتدمير البشرية أفضل من الإنسان العادي الذي يسعى في إصلاح العباد.
لقد أقامت كثير من الأمم حضارات راقية في المجال المادي، ولكنها أقامتها على أسس ظالمة، فأتى الله بنيانهم من القواعد ودمر ما كانوا يعرشون، قال : ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج:٤٥] وقال : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج:٤٨] وقال سبحانه: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء:١١ - ١٥]، من أجل ذلك عرفنا الله ﵎ بمكانتنا وأننا خير الأمم، سواء الأمم التي لها دين،
стр. 57
عوامل رقي ورفعة أمة الإسلام
ولقد حقق المسلمون بفضل الله ورحمته في عالم البشر الرقي العظيم، والذي أصبحوا به خير أمة أخرجت للناس، ويمكن أن نلخص العوامل التي أوصلت الأمة الإسلامية إلى هذا الرقي العظيم في عبارة واحدة: هي أن المسلمين حققوا الهدف الذي خلقوا من أجله، فقد خلق الله البشر من أجل هدف واحد وهو العبودية له سبحانه، والمسلمون الذين رباهم الرسول ﷺ حققوا الهدف الذي خلقوا من أجله، ألا وهو العبودية لله العظيم، قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، ومن أجل تحقيق هذا الهدف العظيم أنزل الله كتبه وأرسل رسله، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، ويحقق البشر العبودية لله في عالمهم عندما يرضون بالله إلهاً معبوداً، ويتخذون دينه الذي أنزله منهجاً يستمدون منه عقيدتهم وأخلاقهم وتشريعهم، فالدين الذي أنزله الله يقيم العباد على النحو الذي يريده الله ﵎، وهو نظام كامل يصوغ حياة البشر صياغة إلهية، لذا فإن العبارة التي تقول: إن الإسلام منهج حياة، تلخص القضية بأوجز عبارة وأوضحها: تحقيق العبودية باتخاذ الإسلام منهج حياة يحقق الصلاح للنوع الإنساني في داخل نفسه وفي مجتمعه، ولذلك لم يبعد الذين قالوا: إن غاية الدين الذي أنزله الحق هي إصلاح النوع الإنساني وقطع دابر الفساد، كما قال بعض الرسل لقومه: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨]، وذم الله المفسدين في الأرض بقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥].
إن الإصلاح حسب فقهنا لكتاب الله ﵎ يتم بأمرين: الأول: إصلاح الفرد، والثاني: إصلاح المجتمع، وبالتأمل في سيرة الرسول ﷺ نجد أنه جاهد في مكة لإصلاح الفرد في عقيدته وتفكيره وتصوراته وسلوكه؛ ليكون لبنة صالحة، ثم كان الجهاد الكبير في المدينة لتحقيق المجتمع الراقي الذي انضبط بضوابط الشريعة الإسلامية، وقد نجح الإسلام في إقامة مجتمع صالح استنارت بصائر أفراده وصلحت عقائدهم، وقومت أخلاقهم، وأحكمت العلاقات فيما بينهم، وكانت الدينونة فيه لله وحده، وكان حاكم المسلمين فيه واحداً منهم، يخضع للشريعة كما يخضعون، ويحاسب كما يحاسبون، ونسج الإسلام من ذلك المجتمع وحدة كانت آصرتها الدين، ولحمتها التقى، وهدفها تحقيق العدل في ربوع الأرض بمنهج إلهي، وساح المسلمون في المشارق والمغارب ينشرون دين الله، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وتحطمت القوى الجاهلية الجبارة أمام المد الإسلامي المتماسك، وأصبحت الدولة الإسلامية هي الدولة العظمى إلى أمد ليس بالقصير، وصدَّق الله في هذه الأمة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، فلقد كان العرب في جزيرة العرب حيارى تائهين ضائعين، يسلب قويهم ضعيفهم، ويقتل بعضهم بعضاً، فلا دين يجمعهم، ولا ملك يوحدهم، فغيروا ما بهم من أمراض وأصلحوا نفوسهم وأمتهم بالدين، فارتقوا إلى مرتبة لم يسبقهم فيها سابق، ولم يلحقهم فيها لاحق، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
فأنجز الله لهم ما وعدهم، فاستخلفهم في الأرض ومكن لهم دينهم الذي هو سبب عزهم وذكرهم عندما أنجزوا ما شرطه الله عليهم، قال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]، ولا نزال إلى اليوم ننعم ببقية صلاح الأجيال الأولى التي حملت الإسلام، فعلى الرغم من البلايا والرزايا التي تعرض لها الإسلام من أعدائه وحكامه عبر تاريخ المسلمين الطويل إلا أن الإسلام لا يزال له وجود ظاهر، وحملته من المسلمين منتشرون في كل مكان.
стр. 58
عوامل تدهور مكانة أمة الإسلام
فالأمة الإسلامية عندما التزمت بتشريع الله ﵎ أعزها الله ورفعها، إلى أن تغير المسار، وجاءت عصور الانحطاط، والذي يمعن النظر في واقع هذه الأمة اليوم يطول عجبه ويكثر تفكره، فالمتفكر في حال الأمة الإسلامية عندما يقارن بين حاضرها المشهود وماضيها الغابر يهوله الأمر، فالبون شاسع والفرق بعيد، وعندما يرجع الباحث مرة أخرى مقارناً بين الواقع المشهود والواقع الذي رسمه القرآن لهذه الأمة، فإنه يجدها لا تتبوأ المقعد الذي حدده القرآن لها، والدارس لخط سير تاريخ الأمة الإسلامية يجد أن استمرار الأمة الإسلامية على خصائصها التي جعلها الله لها من كونها خير أمة لم يستمر على وتيرة واحدة؛ فالخط البياني كان ولا يزال متذبذباً بين هبوط وصعود، وقد أشار الرسول ﷺ إلى هذا التذبذب في خط سير الأمة الإسلامية في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان أنه قال: (يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قال: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه، قال: قوم يهدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي، تعرف منهم وتنكر، قلت: يا رسول الله! فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله! صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك، قال: فالزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك).
فالأمة الإسلامية -كما يشير الحديث- يصيبها الشر فتضعف وتهزل، ثم تعود إلى أصالتها، وقد تكون العودة عودة مشوبة كما قال الرسول ﷺ : (وفيه دخن)، وقد يكون الانحراف هائلاً، وذلك عندما يتسلط على رقاب هذه الأمة دعاة على أبواب جهنم يدعون الناس إلى مذاهب كافرة، فمن استجاب لهم كان مصيره النار وبئس القرار، ولقد ألمحنا من قبل إلى أن الرقي العظيم الذي رفع هذه الأمة هو أخذها بالدين الذي أنزله الله ﵎، ثم التفافها حول هذا الدين، فأصبحت أمة واحدة فتشكل من هذه الأمة قوة هائلة لا تغلب، ويمكن أن نعيد تأخر المسلمين وانحطاطهم إلى قضية واحدة: وهي الفرقة التي مزقت وحدتها، فجعلتها أمماً وشيعاً وطوائف وتجمعات، فالسمة العظيمة التي تعطي الأمة الإسلامية مكانة قوية هائلة هي اجتماعها على أساس من دينها، وهذه حقيقة طالما كررها القرآن الكريم، ونبه إليها وأمر بها، فقد أمرنا القرآن بالوحدة ونهانا عن الاختلاف والتفرق، فقال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، ثم ذكرنا بالحال التي كنا عليها قبل الإسلام: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران:١٠٣]، ونهانا عن التفرق والاختلاف: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥].
وقد أخبرنا جل وعلا أن التنازع والاختلاف يسبب الفشل وذهاب القوة، بينما تجعل الوحدة الأمة قوية متماسكة في وجه الرياح والأعاصير، وعندما توجه هذه القوة مجتمعة نحو أعدائها فإنها تفتت بأسهم وتقضي على كيدهم، ولذلك لا يمكن أن تهزم الأمة إذا كانت مجتمعة، فسنة الله ﵎ أن هذه الأمة إذا ما اجتمعت فلا يمكن أن تهزم ولو وقفت الدنيا بأسرها في وجهها، وهذا ما يقوله الرسول ﷺ في الحديث الذي يرويه مسلم عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض -ملك كسرى وقيصر-، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة) يعني: لا يكون بلاء عام يستأصل المسلمين، وإنما قد يصيب بعض الأمة، لكنه لا يصيب الأمة بكاملها، مثل ما أصاب قوم نوح والأمم من قبلنا، حين استأصل الأمة بكاملها، فهذا لا يحدث لهذه الأمة ثم قال: (ولو اجتمع عليهم من بأقطارها) يعني: ولو اجتمعت الدنيا كلها في مواجهة المسلمين فلن يقدروا أن يتغلبوا على المسلمين، (حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً) يعني: إذا تفرقوا واختلفوا وسفك بعضهم دم بعض، وأسر بعضهم بعضاً، ودمر بعضهم بعضاً، فعند ذلك تصير قوتهم وبأسهم فيما بينهم، وعند ذلك يرفع الله ﵎ نصره عنهم.
ولقد أخبر الرسول ﷺ أن ملك المسلمين سيصبح عظيماً، وأنه سيمتد على رقعة واسعة في جنبات الأرض، وأن هذه الأمة ستحطم الدولتين العظيمتين في ذلك الوقت: الفرس والروم، كما أخبر الرسول ﷺ أن الله وعده ألا يصيب هذه الأمة بهلاك عام، وألا يسلط عليها أعداءها فيأخذون ملكها ويعلون عليها ويقهرونها، ولو اجتمعت كل قوى الشر ضدهم.
стр. 59
أنواع الفرقة وأسبابها
وينبغي أن ندرك أن الفرقة ليست نوعاً واحداً، وأن الفرقة ليس لها سبب واحد.
стр. 60
الفرقة في الدين أسبابه وخطره
فإن أخطر أنواع الفرقة: هي الفرقة في الدين، وليس مرادي بالفرقة أن تفترق الأمة وتتقاتل وهي على عقيدة واحدة، فقد تقاتل الصحابة وهم على عقيدة واحدة ودين واحد، لكن الأخطر من ذلك أن تفترق الأمة في دينها، قال الله: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، ومن المعلوم أن اجتماع المسلمين على أساس الإسلام وعلى أساس عقيدة الإسلام هو أعظم أنواع الوحدة، لكن عندما يصبحون أدياناً وفرقاً يكون الخلاف كبيراً، يقول الله ﵎: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥٢]، ثم يقول بعد ذلك: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣]، فأمة واحدة تعبد إلهاً واحداً تمثل تجمعاً واحداً، وماذا حدث للأمم من قبل؟ لقد تقطعوا أمرهم بينهم زبراً، وكيف تقطعوا؟ بأن أصبحت هناك مذاهب وعقائد وملل في الدين الواحد، وفي موضع آخر يقول الله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٢ - ٩٣]، فاختلاف العقائد والمذاهب في الأمة يحدث -جزماً- خلافاً بين المسلمين في واقع الأمر، وقد أخبر الرسول ﷺ أن هذه الأمة سيصيبها ما أصاب الأمم من قبلها، فعن معاوية بن أبي سفيان في الحديث الصحيح الذي يرويه أبو داود والإمام أحمد في مسنده قال: (قام فينا رسول الله ﷺ فقال: ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة)، زاد في رواية: (وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله)، وفي سنن أبي داود وسنن الترمذي وقال الترمذي حديث حسن صحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة)، وإذا شئت أن تطلع على هذه الفرق فارجع إلى كتب الملل والنحل وكتب الفرق، فقد افترقت الأمة إلى خوارج، وإلى معتزلة، وإلى شيعة، وإلى قدرية، وإلى أشعرية وكلابية وماتريدية، وفرق كثيرة.
ومن أسباب الافتراق في الدين: أن تجمعات من الأمة تبنت مناهج مخالفة للشرع، وأنا قلت من قبل: إن الإسلام منهج، والمطلوب من المسلمين أن يكتشفوا هذا المنهج، لا أن يضعوا مناهج من عند أنفسهم، وهذه قضية خطرة، وأنا أجزم أن كثيراً من المثقفين في هذه الأمة يفتخرون ويقولون: نحن عندنا منهج وأنتم ليس عندكم منهج، نقول: هناك منهج واحد هو منهج الإسلام، منهج ليوم الإنسان، ولشهر الإنسان، ولسنة الإنسان، ولعمر الإنسان، وللأمة الإسلامية بأكملها، فقط نحن مهمتنا أن نكتشف هذا المنهج، فلدينا منهج في العقيدة، ومنهج في التفكير، ومنهج في التصور، ومنهج في السلوك.
الناس مغرمون من قديم الزمان بوضع المناهج، فمن المناهج الخطيرة التي أثرت في تفكير الأمة: المنهج الفلسفي الكلامي في العقيدة والإيمان، وأنا لا أريد أن أفصل في هذا، لكن هذا المنهج زاحم المنهج القرآني الإيماني النبوي في القلوب والنفوس، وفي التفكير، وفي تقرير العقائد.
وهناك المنهج الصوفي الذي يغرق في التعبد، ويستحدث أنماطاً من العبادات لم يشرعها الله ﵎، وقد نهى الرسول ﷺ عن هذا المنهج بقوله: (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن أقواماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم) فبعض الذين ينتسبون إلى الإسلام من العلماء يرفضون الاحتجاج بأصول الشريعة بالكتاب والسنة، ويزعم هؤلاء أن نصوص الكتاب والسنة هي ظواهر وعمومات لا تفيد اليقين، والذي يفيد اليقين عندهم هي الأدلة العقلية فقط، حتى إن بعض الفرق رفضت الاحتجاج بالسنة أصلاً كالمعتزلة، وقالوا: السنة عبارة عن ظن ليس فيها يقين، ولذلك لا يحتجون إلا بالمتواتر، والأحاديث المتواترة التي وصلت إلينا أحاديث قلة، هذا الاختلاف العقائدي القديم أنشأ مذاهب عقائدية جديدة، وأنشأ أهواء بين المسلمين في هذا العصر، فقامت في ديار المسلمين في هذه الأيام دعوات تنادي بالوطنية: أنا أردني، وأنا فلسطيني، وأنا مصري، وأنا كويتي، وأنا وأنا، وأصبحت هذه النعرات الوطنية القومية تُغذَّّّّّّّى، فبدلاً من أن نقول: نحن مسلمون، وننادي بالإسلام وعزة الإسلام، ورابطة وأخوة الإسلام، أصبحت الآن هذه النعرات تغذى في بلاد المسلمين، بل أصبح هناك تجمعات في ديار المسلمين على مذاهب كافرة، كالشيوعية، والعلمانية، والبعثية، وأخذ الضالون ينادون بالرجوع والاعتزاز بالحضارات القديمة البائدة، كالفرعونية، والآشورية، والبابلية، ولما دعا الترك إلى الطورانية ودعا العرب إلى القومية، قام الأكراد وقالوا: نحن أكراد، وثار البربر في شمال أفريقيا وقالوا: نحن بربر، وتفرق المسلمون وأصبح كل تجمع يعتز بجنسيته أو قوميته أو وطنيته، أضف إلى ذلك ما جاءنا من الغرب من هذا الانبهار الذي طغى على عقول مفكرينا ورجالاتنا وأبنائنا وفتياتنا، فهذا نمط ونوع واحد من الاختلاف.
стр. 61
الفرقة في الأحكام العملية التي تعارض الكتاب والسنة
وهناك نوع آخر من الفرقة سببه الاختلاف في الأحكام العملية، لا أعني اختلاف الأحكام العملية الاختلاف الطبيعي الناشئ عن الاختلاف في فقه النصوص بسبب تفاوت العلماء في الفهم والإدراك، كما لا أعني به الاختلاف الناشئ من عدم وجود نص؛ فهذا النوع من الاختلاف لا يسبب فجوة بين المسلمين، وقد حدث هذا النوع من الاختلاف في حياة الرسول ﷺ ، وإنما أقصد الاختلاف المذموم وهو: الإعراض عن الكتاب والسنة تقليداً لآراء الرجال، فترى الواحد يجد نصاً قرآنياً أو حديثاً نبوياً صريحاً في المسألة، ثم يقول: لكن شيخي قال هكذا، وإمامي قال هكذا، ومذهبي قال هكذا.
стр. 62
قاعدة الجزاء والحساب
إن الله ﵎ حرم الظلم على نفسه، وجعله بين العباد محرماً، لما له من نتائج وخيمة، وعواقب أليمة، وكان ينبغي لأولئك الذين يظلمون العباد ويسعون في الأرض الفساد، أن يتعظوا ويعتبروا بمن سبقهم من الظلمة.
وهنيئاً لذلك الرجل الذي امتلأ قلبه بحب الله، فهو يعلم أن هدايته بيد الله، وأن رزقه سيأتي إليه رضي الطواغيت أم سخطوا؛ لأن الله هو الذي كتبه.
стр. 63
التحذير من الظلم
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁: أن الرسول ﷺ قال فيما يريه عن ربه ﵎: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها؛ فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه).
هذا حديث عظيم يخاطب فيه رب العزة ﵎ عباده ويعلمهم ويفقههم، ويخبرهم أنه حرم الظلم على نفسه، فلا يظلم رب العزة أحداً؛ ومن أجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ومن أجل ذلك تقوم القيامة حتى يأخذ الظالمون جزاءهم، ويأخذ العادلون المؤمنون الأتقياء جزاءهم.
لقد جعل الله عليك ملائكة تسجل صالح أعمالك وطالحها، ويجعل ذلك في كتاب، ثم يوم القيامة تنصب الموازين القسط فتوزن الأعمال، ويوزن البشر، فمن رجحت موازينه فهو من أهل الخير، من خفت موازينه فأمه هواية ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠]، ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦].
لقد حرم الله ﵎ الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرماً؛ فحرم أن يظلم الإنسان أخاه، وذلك كأن يقع في عرضه، أو يتكلم في أمره بغير حق، أو يجلد ظهره، أو يأخذ ماله، أو يعتدي على حرماته أو يغتابه كل ذلك حرام، والظلم كما في الحديث الصحيح: (ظلمات يوم القيامة) وفي الحديث أيضاً: (ومن كان لأخيه عنده مظلمة فليتحلله منها قبل أن يأتي يوم لا دينار ولا درهم إنما هي الحسنات والسيئات)، فالذي ظلمته يأخذ من حسناتك حتى إذا فنيت الحسنات جيء بسيئاتهم فوضع فوق ظهرك.
(يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً)، لا يفرح الظالمون، ولا يظنوا أنهم قد فازوا عندما داسوا على رقاب الناس وأخذوا أموالهم فبجرة قلم منهم تسفك الدماء وتنتهك الحرمات، وتخرب البيوت، ويظنون أنهم سادة الدنيا، فماذا فعل فرعون؟ ماذا فعل هامان؟ ماذا فعل نمرود؟ ذهبوا، وبقيت ذكراهم الخبيثة، وبقيت أعمالهم النتنة تحيط بهم، وعند الله تجتمع الخصوم، يجتمع الناس فيحشر المتكبرون المتجبرون أذلاء فقراء، يتمنون أنهم لم يظلموا، بل لم يخلقوا.
(إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، أي: لا يظلم بعضكم بعضاً، وفي الحديث: (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، ويقول الله لها: (لأنصرنك ولو بعد حين).
стр. 64
الهداية والرزق بيد الله وحده
قال الله تعالى: (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم).
الهداية بيد الله، والرزق بيد الله، هو الذي يرزق العباد ويطعمهم ويسقيهم ويكسوهم، خلق الماء، والأرض، والبذر، والشجر، والحيوان، فإذا منع ذلك كله، فمن أين تأكل؟ ومن أين تشرب؟ ومن أين تُكسى؟ قال الله ﵎: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٢].
فهذا هو ربكم ﵎ فاسألوه وحده، فبيده الهداية والرزق، وبيده الموت والحياة، والعباد عبيد مربوبون مقهورون، وأمرهم بيد الله ﵎، وأمر الله فيهم ماض، فالخلق والأمر لله ﵎، والرزق منه ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] (أنتم الفقراء إلى الله) تأتون ضعفاء، وتذهبون ضعفاء، وتعيشون ضعفاء، وإن كانت خزائنكم ملأى بالمال لكنكم ضعفاء.
فالغني الذي لا يفتقر أبداً هو الحي القيوم الذي لا تنتهي حياته، ولا ينتهي وجوده، (أنتم الفقراء إلى الله) تحتاجون إلى هدايته ورزقه وعونه وتأييده وتوفيقه، فعليه فتوكلوا، وإليه فاجأروا، ووحده فاسألوا.
стр. 65
الله لا تنفعه طاعة من أطاعه ولا تضره معصية من عصاه
(يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً)، إن الله ﵎ لا تضره معصية العاصي، ولا تنفعه طاعة الطائع، فهو لم يخلقنا لحاجة لنا، فهو غني عنا وعن أعمالنا.
(إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني)، إنما تنفع نفسك ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [يونس:١٠٨]، وإنما تضر نفسك ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس:١٠٨]، ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت:٦].
عندما تقدم الأضحية: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨] أي: لا يريد منك رزقاً، فالله هو الذي يرزقك وهو الذي يطعمك، فهو غني عنك.
إن البشر جميعاً لو كانوا في التقى والصلاح كمحمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه لم يزد هذا في ملك الله شيئاً، ولو كانوا كلهم كإبليس في الشر والفجور ما ضر ذلك الله شيئاً ولا انتقص من ملك الله شيئاً.
(يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً -ولو كانوا على أفجر قلب شيطان- ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).
وعندما يسأل العباد ربهم لا ينقص من ملكه شيء مهما أعطى ومنح وبذل؛ لأن غناه غناء أبدى، فلا ينقص من ملكه شيئاً.
стр. 66
خزائن الله ملأى
(يا عبادي! لو أن أولكم) منذ إبليس إلى آخر رجل: (وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسأل كل إنسان مسألته)، سأل الدنيا بمراتبها بآلاتها بما عليها، فأعطى الله كل إنسان ما يريد (ما نقص من ملكي إلا كما ينقص المخيط) أرأيت هذه الإبرة عندما تدخلها في البحر، ماذا تأخذ من البحر؟ لا شيء، وكذلك ملك الله لا ينقصه شيء، وخزائن الله ملأى، ولذلك أقل أهل الجنة يتمنى ويتمنى ويتمنى فيقول الله: (يكفيك قدر ملك الدنيا، يقول: ربي رضيت).
هذا أقلهم ملكاً في الجنة.
أما أعلاهم فالله أعلم بملكه، ويبقى في الجنة فضل لا يسكنه أحد، فيخلق الله ﵎ له خلقاً إن ملك الله واسع، وخزائن الله ملأى، لا تنقص ولا تقل، فلو سأل العباد ربهم فأعطى كل إنسان سؤله لظل ملك الله كما هو لم ينقص منه شيئاً.
(يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها) إنما الحساب على الأعمال، فأعمالك ترفعك أو تخفضك، والقول من العمل، قال معاذ: (يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم) ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، في كتاب: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] فأعمالك تحصى عليك حتى إذا مت ختم على عملك، ووضع في عنقك، ويوم القيامة يخرج لك كتاب ويقال: هذا كتابك: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤] فمن وجد خيراً فليحمد الله ﵎، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].
إن السيئة بمثلها، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين ضعفاً إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وهذه هي قاعدة الجزاء والحساب التي يحاسب عليها العباد عندما يجمع الله الأولين والآخرين في يوم الدين، فليعد كل امرئ عدته لمثل ذلك اليوم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين.
стр. 67
أعمال الدنيا مزرعة الآخرة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد عبد الله ورسوله.
أما بعد: فهذه معان عظيمة جاء بها الحديث الكريم، فحري بالمسلم أن يتذكرها دائماً، وأن تكون على باله، فإن لها تأثيراً في صلاح قلبه وفكره وعمله، فتجعله دائماً يتفكر فيما بين يديه، فالناس يعيشون في غفلة، وقد تمضي الأيام والشهور والسنون، ثم يأتي الموت فيجد الإنسان نفسه قد قصر كثيرا، وأنه كان في دنياه غافلاً.
فعلى المسلم أن يتذكر هذا الحديث فلا يظلم الناس، ويلجأ إلى الله ﵎ في كل أموره، فيطلب منه الهداية والسداد والرشاد، وعليه أن يعلم أن رزقه عند علام الغيوب ليس عند البشر، ولا في خزائن البشر، فلو شاء الله لك لقمة لا يمنعها كبار الطواغيت من أن تصل إليك، فإن الله أعظم من كل عظيم، إذا ما شاء الله لك في أمر ولم يرده عبد كسر رقبته، وأنهى وجوده، فأمر الله ماض، وأمر الله مفعول، وقدره مقدور وكائن لا بد منه، فعلى الإنسان أن يعلق قلبه بربه: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣] فعلى المسلم أن يعبد الله ﵎ حباً ورغبة ورهبة ورجاءً وتوكلاً واعتماداً، فالأمر كله بيد الله ﵎، فنحن نعبد الله حباً في الله ، فالله لا تنفعه طاعتنا، ولا تضره معصيتنا، فهو ﵎ غني عنا وعن أعمالنا، وإذا شاء إذهابنا أذهبنا، وإن يشأ يأت بغيرنا فهو على كل شيء قدير.
أعمالكم هي زراعة اليوم وحصاد الغد، أنتم اليوم تزرعون وغداً تحصدون، فإذا زرعت حنظلاً فستجني حنظلاً مراً، وإذا زرعت شجراً ذا شوك، أتتوقع أن ينتج عنباً وتفاحاً وبرتقالاً؟ كلا، بل ما تزرعه تجنيه، فإذا زرع الإنسان ظلماً وفجوراً وفساداً فسيجني في ذلك اليوم ما زرع.
(إنما هي أعمالكم أحصيها لكم) غداً تقطف الثمرة، فإذا كانت الأعمال التي عملتها سيئة فلا تتوقع أن تجد خيراً، ولكن التوبة والاستغفار والإنابة إلى الله هي التي تطهر العباد من ذنوبهم.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكفر عنا سيئاتنا، وألهمنا رشدنا، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات؛ إنك قريب مجيب سميع الدعوات.
стр. 68
ما يعترض الداعية المسلم
إن الله سخر لهذا الدين دعاة يحملون راياته، ولن يتقبل الله عمل مسلم إلا بما وقر في قلبه من الإيمان والتصديق، وقد تجف منابع الإيمان في قلب المؤمن وتنضب؛ وذلك لأسباب منها ما قد يشغل قلب الإنسان من أمور الدنيا فتسيطر على كيان قلبه، وتشل حركة قلبه الإيمانية مما يورثه قسوة شديدة في قلبه، ومما يورث هذه القسوة البعد عن تدبر آيات رب البرية.
وأنجع علاج لمعالجة قسوة القلب هو المداومة على ذكر الله وتدبر كتابه وإدمان عبادته .
стр. 69
خطر الجفاف الروحي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، أما بعد: فقد انتشر الإسلام في فجاج الأرض بدعاته العاملين به، وإنما يتقبل الله عمل العاملين بما وقر في قلوبهم من إيمان وتصديق، وبما بذلوا من جهود في سبيل الله.
فقد تصيب بعض العاملين للإسلام ودعاته أمراض يتوقف بها ثوابهم وعطاؤهم في بعض الأحيان.
وسأحاول في حديثي هذا أن ألقي ضوءاً على أحد هذه الأمراض التي قد تصيب دعاة الإسلام والعاملين للإسلام، وحديثي إنما هو تذكير لنفسي، وتذكير لإخواني، فالدين النصيحة.
فأقول: إن هناك ما يسميه بعض الناس بالجفاف الروحي، أو الهزال الذي يصيب روح الإنسان فيصبح آلة صماء تتحرك وتسعى ولكن من غير قلب.
وهذا مرض خطير، إذا أصاب الإنسان فقد العمل قيمته، وأصبح العمل الذي يبذله إما عديم الفائدة أو قليل الفائدة.
وقد شاء الله أن يكون الإنسان مخلوقاً من قبضة من طين، فشكله ونفخ فيه من روحه، فالإنسان يتكون من هذين العنصرين، فلقبضة الطين -وهي الجسد- مقتضياتها، وللروح التي تسري في كياننا متطلباتها ومقتضياتها، والناس منذ القديم بين إفراط وتفريط.
ففريق من الناس يفرطون في إعطاء الجسد متطلباته والعناية به عناية كبيرة تجعلهم يهملون الروح، وفريق غالى في الجانب الآخر.
فجاء دين الله الذي هو الإسلام الذي أنزل للناس منذ أن أُرسل نوح إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ليجعل الإنسان ينتظم في منهج واحد، فليس هناك انشقاق أو انقسام في حياة الإنسان، وإنما هو طريق وسبيل واحد، فانتظمت مطالب الجسد والروح في هذا المنهج، فالذي أوجده هو خالق الإنسان، فمنزل القرآن ومنزل الإسلام هو خالق الإنسان.
وقلوب الناس إنما تحيا بهذا الإسلام وتستنير استنارة هذه المصابيح الكهربائية التي نشاهدها عندما تتصل بمصدرها، وكذلك هذه القلوب عندما تتصل بخالقها وبالنور الذي أنزله الله فعند ذلك يشرق قلب الإنسان وتشرق نفسه وتضيء.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور:٣٥] أي: مثل نوره في قلب عبده المؤمن كمشكاة فيها مصباح.
والقلوب فيها مصابيح، فإذا ما استمدت من كتاب الله ومن سنة رسول الله استضاءت استضاءة حقيقية لا شكلية، وأصبحت حياة الإنسان لها معنى، ولها قيمة ولها طعم، كما أخبر الرسول ﷺ ، فيجد الإنسان في قلبه حلاوة للإيمان يتذوقها، فهل نريد أن نصل إلى هذه الدرجة، وأن نستشعر الإيمان في قلوبنا، وأن يكون إيماننا إيماناً حقيقياً نحسه في ذوات أنفسنا، ونجد نداوته وحلاوته في قلوبنا؟ فإذا بقي العمل للإسلام عملاً ظاهرياً لا يغزو أعماقنا ولا يستقر في قلوبنا فسيكون حظنا من الإسلام قليلاً وضئيلاً.
стр. 70
أسباب قسوة القلب
وهناك أسباب عدة لما يجده الإنسان في بعض الأحيان من فقدان ما أسماه القرآن -مثلاً- بالخشوع، أو نداوة القلوب ولينها، كما قال الله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٧٤].
فقسوة القلوب تجعل الإنسان لا يستطيع أن يتحرك بإسلامه وبدينه، وإن تحرك فحركته بطيئة آلية لا تغني كثيراً.
стр. 71
انشغال القلب بالدنيا
فمن أهم الأسباب: أن يشغل الإنسان قلبه بالدنيا.
وأنا لا أعني أن يشتغل الإنسان بالدنيا، فتلك طبيعة الإنسان، وذلك منهج الله، فنحن نعمل في الدنيا للآخرة، ونأخذ حظنا من الدنيا، ونأخذ حظنا من الآخرة، ولكن لا نريد أن تنشغل هذه القلوب بحيث تتعلق بالدنيا تعلقاً يعبِّدها لهذه الدنيا.
والرسول ﷺ سمى هذا الانشغال عبودية فقال: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة)، ونحن كلنا نلبس ونحرص على أموالنا، والقرآن أمرنا بذلك، فليست القضية أن يشتغل الإنسان بالدنيا، وإنما أن يتعلق قلبه بها فتصبح هي مدار حياته يدور بها كما يدور الحمار بالرحى.
وقد يقوم هذا الإنسان ببعض الأعمال للإسلام لكن قلبه متعلق بالدنيا، هي التي تسيِّره وهي التي توقفه، إن أعطي منها رضي، وإن لم يعط منها سخط، فدنياه ذات تأثير كبير عليه أكثر من تأثير دينه عليه.
فهذا الإنسان في خطر كبير، وينبغي أن يتدارك نفسه فيعالجها، وذلك بأن يعلم قيمة الدنيا كما وصفها الله في كتابه، ويعلم قيمة الآخرة، وينظر في قصر الدنيا وفي طول الآخرة كما بينه القرآن الكريم، ومن ذلك على سبيل المثال قوله جل وعلا: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٤ - ١٦].
حتى إن الانشغال الدنيوي الذي ليس فيه شغل قلبي قد يقسي القلوب، ففي بعض الأحيان يحتاج القلب إلى علاجه السريع، وهو ألا يغفل المسلم عن ربه وعن ذكره وعبادته.
(لقي حنظلة أبا بكر فقال: يا أبا بكر! نافق حنظلة.
قال: وما ذاك؟ قال: نكون مع رسول الله ﷺ فيذكرنا بالجنة والنار وكأنهما رأي عين، فإذا رجعنا إلى أهلينا عافسنا الأزواج والأولاد ونسينا كثيراً.
قال: إني لأجد مثل الذي تجد، فانطلقا إلى الرسول ﷺ فقال له حنظلة: نافق حنظلة يا رسول الله! قال: وما ذاك فأخبره، قال: يا حنظلة! لو تدومون على ما أنتم عليه معي في الذكر لصافحتكم الملائكة) أو كما قال ﷺ .
والشاهد: أن الإنسان حين ينشغل بهذه الأمور يجف أحياناً ما يستشعره من إيمان، فيقسو قلبه شيئاً ما، فهذا شيء طبعي، لكن ينبغي له أن يعالج.
ولذلك شرع الله لنا أن نعمل في دنيانا ثم نعود إلى الصلاة، وهذا من حكمته سبحانه، فما يكاد الإنسان ينشغل في الدنيا حتى يعود إلى صلاة الظهر، ثم يعود إلى صلاة العصر، ثم يعود إلى صلاة المغرب، ثم إلى صلاة العشاء، وهو مع ذلك يذكر الله في أثناء عمله فلا يدع قلبه يقسو ويتأثر تأثراً كبيراً بالدنيا.
وينبغي أن يدمن المسلم العبادة وطاعة الله ، فهذه العبادة التي نتوجه بها إلى الله -والله غني عنها- ذات تأثير كبير في إصلاح النفوس والقلوب، وفي صلاح القلب صلاح للإنسان، وفي الحديث: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
ومن أعظم ما يصلح القلوب: منهج التزكية في الإسلام ومن أعظمه: هذه العبادات التي جاء بها الإسلام من صلاة، وصيام، وذكر، ودعاء، واستغفار، وحج، وعمرة، وغير ذلك من العبادات التي شرعها الإسلام، فهي من أهم ما يصلح النفوس ويربيها، وحسبنا في ذلك قول الله : ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، والطمأنينة شيء عظيم عندما يفقده الإنسان يصبح في حياته كثير من الشقاء، ولذلك قال الرسول ﷺ : (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة)، فالذكر والاستغفار يذهب هذا الذي يصيب القلب من قسوة.
والمقصود: أن يستشعر المسلم من الحديث أن الرسول ﷺ كان يقصد أن يذكر الله، وأن يحرص على الذكر بالسبل التي شرعها الله، ومن جملة ذلك الاستغفار.
فما يفعله الإنسان وما يتكلم به أحياناً إذا كان فيه شيء من البعد عن منهج الله أو شيء من الخطأ قد يصيب الإنسان فيغشي قلبه نوعاً ما، فالاستغفار يذهب ذلك، والدعاء كذلك.
ومن جملة هذا أن الصلاة والعبادة والدعاء والاستغفار حصن يقي الإنسان من وساوس الشيطان التي تؤثر تأثيراً سيئاً على قلب الإنسان.
فالحرص على العبادة كما شرعها الله غذاء ودواء للقلب، ولعله مر على كثير منا مقولة المجاهد الكبير ابن تيمية ﵀ عندما كان يجلس من الفجر إلى الضحى وهو يذكر الله، والتي ينقلها عنه ابن القيم أنه كان يقول: هذا زادي أي: هذه الجلسة زادي فلو فقدتها فلن أستطيع أن أستمر بقية يومي!
стр. 72
البعد عن التفكر في آيات الله الكونية والشرعية
وبعض الناس لا يتدبرون الآيات الكونية ولا الآيات القرآنية، ومن وسائل تقويم النفس أن يكثر المسلم من التفكر في آيات الله، وهو منهج حثنا عليه القرآن الكريم فلا يجوز أن نغفل عنه وأن نهمله، فعلى الإنسان أن يتفكر في السماء ونجومها، وفي الشمس والقمر، وفي الليل والنهار، وفي السهل والجبل، وفي البر والبحر، وفي كل ما خلق الله من آيات مثل: قطرة الماء، وورق الشجر والثمر، ونسمة الهواء الباردة، ففي كل ذلك إعجاز وإبداع، وعندما يتفكر المسلم في ذلك فإن قلبه يستضيء بقدرة الله : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩٢].
فوصف الله أولي الألباب بأنهم الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض، ويصلون إلى النتيجة من هذا التفكر وهي قولهم: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١]، والآيات التي تأمر بالتفكر والتذكر كثيرة، وعلى الإنسان أن يتفكر في أصل خلقته قال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق:٥]، وأن يتفكر في طعامه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس:٢٤ - ٢٦]، وأن يتفكر في مخلوقات الله: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ١٨] وهذا منهج واضح في كتاب الله ينبغي أن يحرص المسلم عليه حرصاً شديداً.
ثم إن التدبر في الآيات القرآنية المتلوة، لا يكون بإقامة حروف القرآن وتحسين تلاوته فقط، مع أن ذلك شيء طيب وجميل ومطلوب، لكن ينبغي أن ننظر فيما وراء الألفاظ، وأن ننظر في المعاني، وفيما ترشد إليه هذه الآيات فنعتبر ونستغفر.
ولقد قال الرسول ﷺ : (سيأتي أقوام يقيمون هذا القرآن إقامة القدح ثم لا يجاوز حناجرهم)، وهؤلاء هم الخوارج، فالقرآن لا يجاوز حناجرهم، فهم يحسنونه ويتلونه ويقومون به آناء الليل والنهار، ولكنهم لا يفقهون هذا الكتاب فقهاً حسناً.
فنحن مطالبون بأن نتدبر القرآن، وأن نتبصر فيه وفق المقاييس التي وضعها السلف الصالح في فهم القرآن الكريم، يقول جل وعلا: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].
فالله ذم هذا الفريق وهذا الصنف من الناس الذي لا يتدبر هداية الكتاب، فالقرآن الكريم نور وهداية، يكشف الظلمات، وهو روح في نفس الوقت كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
فهو نور وروح يحيي موات القلوب، وهو نور يكشف ظلمات النفس والكفر والشرك والباطل، ويكشف حقيقة أهل الضلال والزيغ والطغاة والظالمين، ويكشف أعمالهم، وهو نور لا يستغني عنه الإنسان، فإنه يبصره بربه، ويعرفه بمنهجه وبحقيقته، فنحن في سبيل إزالة هذا المرض لابد أن نحرص على الإكثار من هذا المنهج الذي ذكره الله ، وأن نتفكر في آيات الله الكونية المشاهدة المنظورة، وأن نتفكر في آيات الله المتلوة المنزلة التي جاء بها محمد ﷺ ، ويدخل في ذلك فهم الأحاديث والتدبر في معانيها.
стр. 73
عدم محاسبة النفس
ومما يسبب قسوة القلوب: أن الإنسان يقصر نظره على العمل فقط، ولا ينظر إلى ما وراء العمل من الغاية والهدف، فنحن بحاجة إلى أن نتذكر الغاية والهدف في كل خطوة، وينبغي أن يواجه الإنسان نفسه بأسئلة حتى يكون عمله خالصاً لله تعالى.
ففي زحمة الأعمال والأشغال تتداخل الأهداف وتتصارع، وإذا غفل الإنسان عن نفسه فسيجد أن كثيراً من أعماله -إن كان صادقاً مع نفسه- لم يقصد بها الله ، ولم يرد أجره وجنته، ولم يخف من ناره، وإنما عمل ذلك من أجل نيل شهرة أو رياءً أو شيئاً من ذلك، وهذا الأمر خطير، ونحن نعلم مدى خطورة هذا الشيء، فأصحاب هذه الأعمال لا قيمة لعملهم عند الله ، فالثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار هم: مجاهد ومتصدق وعالم، كانت أعمالهم لغير الله، ما فتشوا في نفوسهم وسألوها: لم فعلتِ هذا العمل؟ وما صبروا على أن يكون العمل خالصاً، فهذا يحتاج إلى جهاد، وإلى أن يبذل الإنسان في سبيل ذلك جهداً، وكلنا نحتاج إلى هذا، فالصحابة ﵃ احتاجوا إلى هذا التوجيه، ونحن بحاجة إليه، يقول أحد الصحابة: ما علمت أن فينا أحداً يريد الدنيا حتى أنزل الله قوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢].
فنحن بحاجة إلى أن نفتش دائماً في نفوسنا ونسألها: لم نعمل هذا العمل؟ فهذا هو أول الدين كما يقول العلماء: أول الدين وآخره الإخلاص في العمل، وهو مضمون قول لا إله إلا الله، بل إن أصل الدين الذي هو محور القرآن الكريم ومحور دعوة الرسل جميعاً ومحور الرسالات السماوية: أن يكون الدين لله، وأن تكون العبودية لله، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له، وفي اللحظة التي تتداخل الأهداف وتصبح عند الإنسان غايات مختلفة غير هذه الغاية يفتر كثيراً، وقد يخطئ في كل شيء.
فالدين لابد أن يكون خالصاً لله تعالى، عند ذلك يكون العمل مثمراً وخيراً، ويكون قليل العمل مباركاً، فالعمل القليل يصبح بالإخلاص عملاً كبيراً مباركاً؛ ولذلك يقول المصطفى ﷺ : (اتقوا النار ولو بشق تمرة)، فشق التمرة بالإخلاص ينفع، والعمل الكثير بدون الإخلاص لا خير فيه ولا بركة.
стр. 74
أثر الترغيب والترهيب في الإقبال على العمل وتركه
ولقد عَلِمَ الله من الإنسان أنه لا يتحرك ولا يندفع اندفاعاً ذاتياً قوياً إلا إذا وضع له الله دواعي تجذبه نحو العمل، لذلك فإن الأمور التي يحبها الإنسان ويعشقها لم يوجبها الله عليه بل أباحها له؛ لأن هناك دواعي تدعوه إلى فعل هذا مثل تناول الطعام والشراب والنكاح، مع أن هذه الأمور مطلوبة شرعاً، فلو جاء إنسان يحرم على نفسه الطعام والشراب أو أنواعاً من الطعام وأنواعاً من الشراب أو يحرم شيئاً من النكاح فإنه يكون آثماً في الشريعة الإسلامية، لكن الشارع لم يوجبها اكتفاء بالدافع النفسي الموجود في أعماق الإنسان من داخله، أما الأمور التي فيها مشقات، ونفس الإنسان لا تقبل عليها بسهولة، فإن الإسلام جعل لها أموراً تزكيها عنده، فأقام لها الشارع دواعي من خارج نفس الإنسان بأن جعل لها الأجر العظيم والثواب الجزيل.
وفي المقابل جعل على الأمور التي يندفع إليها الإنسان وهي مكروهة في الشرع العقاب الشديد؛ ولذلك فنحن بحاجة إلى أن نذكر أنفسنا باستمرار بما جعله الشارع من ثواب على الأفعال التي يحبها والتي طلبها منا.
فقد خلق الله تعالى نفس الإنسان بهذا الشكل، فنحن نحب الخير لأنفسنا، ولذلك نجد الحافظ المنذري يكتب ثلاثة مجلدات في الترغيب والترهيب، وقد بين القرآن وبينت السنة تفاصيل الأعمال التي يعملها الإنسان، والتي يحب الله من الإنسان أن يعملها، والأجر العظيم المترتب عليها، فالإنسان عندما يتفكر في الأجر المترتب عليها يندفع لعملها، فعندما يقرأ آكل الربا قول الله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥]، وعندما يقرأ آكل مال اليتيم قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠]، وعندما يقرأ الذين يكنزون المال قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥]، وعندما نقرأ جزاء الكافرين في قوله سبحانه: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:١٩ - ٢٢]، ثم نقرأ ثواب المؤمنين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج:٢٣ - ٢٤]؛ نجد أن النفوس والقلوب تميل وتقبل على العمل، وعندما تقرأ في الثواب والأجر تحاول أن تتخذ الوسيلة التي شرعها الله للحصول على هذا الثواب.
فعندما يسمع المسلم قول الرسول ﷺ : (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)، ويسمع قول النبي ﷺ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، وقوله: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)؛ يقبل على هذا، ويتخذ الوسيلة التي تؤدي إلى هذه الغاية الكبيرة.
وعندما يسمع ما أعد الله للكافرين يهرب ويفر من هذا العمل الذي سيوصله إلى غضب الله وسيوقعه في هذا البلاء العظيم، فنحن بحاجة إلى أن نعلم أن آيات القرآن امتلأت بذكر الوعيد، وبذكر ما يناله المؤمنون في الدنيا وفي الآخرة وما يناله الأتقياء والصالحون، فهذا ليس عبثاً، وتكوين الإنسان بهذا الشكل ليس عبثاً، والذين حاولوا أن يغفلوا هذا الأمر أضروا بالمسلمين ضرراً بالغاً، مثل الصوفية الذي يقول قائلهم: ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك! فالذين ما عبدوه لأجل هذا، أضروا بالناس ضرراً كبيراً، وأصبح بسطاء المسلمين يحاولون أن يصلوا إلى هذه المثالية المزعومة فيجدون نفوسهم تأبى ولا تستطيع أن ترتفع حتى لا تطلب جنة ولا تهرب من نار، ثم إذا أهملوا الجنة وأهملوا النار فترت عزائمهم وضعفت نفوسهم وأصبحوا لا يتقبلون المواعظ وتركوا العمل.
فهذا أحدث شرخاً في تاريخ المسلمين وفي نفوسهم، وهذا مناقض لمنهج الله ، فلو عقلوا لما اختاروا شيئاً ما اختاره الله لهم، أما المنهج الذي يصف الله به رسله وأنبياءه والصالحين وأمر عباده أن يسلكوه وبصرهم به: هو أن يعبد الله بالخوف والرجاء، وما ذلك إلا لأن الإنسان بغير هذا لا يندفع إلى العمل الصالح.
стр. 75
التحذير من كثرة الجدل
ومن الأمور التي أحب أن أشير إليها علاوة على ما تقدم أن كثرة الجدل تقسي القلب، (وما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا بالجدل) كما أخبر الرسول ﷺ .
فالجدل إذا أصبح سمة للإنسان وسمة للأمة وأصبح مظهراً لازماً، لا يجلس الناس مجلساً إلا وكان لهم فيه جدل؛ فهذه علامة مرض، والجدل يفرق ويقسي القلوب.
وأنا لا أعني ألا يكون هناك أي جدل، فقد أمر الله رسوله فقال: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، إنما الذي أعنيه ألا يصبح مظهراً يشغلنا عن كتاب الله وعن سنة الرسول ﷺ وعن ذكر الله وطاعته.
وأنا لا أعني أن نترك الحوار الذي يؤدي إلى الحق، ولكن لا أريد أن يتعمق هذا بحيث يفرق ويقسي قلوبنا، إنما يكون الجدل للوصول إلى الحق، فإذا استعصت المسألة فهناك متسع من الوقت للبحث والتنقيب والدراسة، وأخيراً نصل إلى الحق إن شاء الله.
والجدل إذا ما تعمقت جذوره فهو علامة مرض خطير، وما ابتعد الناس عن الهدى إلا ألقي عليهم الجدل، وهذا ليس على إطلاقه، بل يجب أن نحاور أهل الباطل ونجادلهم ونبين لهم، ونحن فيما بيننا نتفاهم ونتشاور في المسائل التي تهمنا، وفي معالجة أمور ديننا، وهذا مما أمرنا به الإسلام، لكن لا نريد أن يصل الأمر إلى أن يشغل الناس بالجدل وبالقضايا الخلافية فقط، بل ينبغي أن يكون الهم دائماً تفهم الإسلام والقرآن، وزيادة الإيمان وتجديده، وتزكية النفوس، وفي أثناء ذلك تأتي قضايا قد لا يعلمها البعض أو يغفل عنها، لكن لا يكون الجدل همنا فنضيع الأصول بسبب الجدل، فهناك فرق بين هذا وبين ذاك، ونحن نسير في الطريق علماً وفهماً وعملاً، فهذا هو المنهج، وهذا هو الأصل، ونحن نريد أجر الله وثوابه، ونريد أن نحقق الإسلام في نفوسنا، وفي إخواننا، وفي الناس من حولنا، فأثناء سيرنا في الطريق قد نأتي على أشياء لا نفهمها، وقد يتساءل الناس عنها، فلابد أن نبينها.
فإن كان هناك أناس يعادوننا ويخاصموننا فنحن نرد خصومتهم، ونبين وندحض باطلهم، وهذه إنما هي وقفات في الطريق، ولكنها ليست هي المنهج والأساس.
ففي بعض الأحيان وعندما يتأزم الأمر خاصة بين الإخوة يكون ترك الجدل مطلوباً، وإن كان الإنسان يعتقد أنه على حق، بل ولو كان مستيقناً من الحق، فيكون ترك الجدل مطلوباً كما قال الرسول ﷺ : (أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً)؛ لأن الطرف الآخر في بعض الأحيان قد يصل إلى أن يجعل الجدال نوعاً من الهوى، ففي هذه الحالة يجب على أحد الطرفين وإن كان معه الحق أن يتوقف، وألا نجعل الجدل سبيلاً لإضاعة الوقت وقتله والعياذ بالله، فهذه هي المصيبة.
وقد خرج الرسول ﷺ يوماً على أصحابه فوجدهم يتجادلون في القدر فقال: (ما لهذا أمرتم، فاقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم)، فإذا أحسسنا بعد ذلك أن الأمر لم يسر على هذا النحو فعلينا أن نتفرق من المجلس؛ لأن الجدل يقسي القلوب.
أسأل الله أن أكون قد وفقت في بيان هذا الشيء المهم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
следующие страницы →