Полный текст (882 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
قوافل العائدات
التوبة إلى الله واجبة من كل ذنب، والأمر بالتوبة يشمل الرجل والمرأة، فالمرأة شقيقة الرجل، وما خوطب به الرجل فالمرأة مخاطبة به إلا ما خصه الدليل، فعلى المرأة أن تتوب إلى الله ، وأن لا تيأس من رحمته، فهو واسع المغفرة، ورحمته وسعت كل شيء.
стр. 2
الحقيقة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيتها الغالية! أيتها الأخت المسلمة المؤمنة! حياك الله وبياك وسدد على طريق الحق خطاك.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم، أن يجعلك آمنة مطمئنة، تقية نقية خفية.
أيتها الغالية! العباد يشرقون ويغربون، وتلهيهم لذات الدنيا وشهواتها، ثم في النهاية لا بد للعبد وللأمة -حتى يجدا الراحة والسعادة والطمأنينة- أن يعودا وينيبا ويرجعا إلى علام الغيوب، فإن الدنيا مهما أعطت ومهما تبهرجت ومهما تزينت، فلن يجد العبد فيها ولا الأمة طعماً للسعادة.
فالسعادة كل السعادة في العودة إلى الله، وفي الخضوع لأوامره، والانتهاء عن نواهيه ﵎.
الباحثات عن السعادة كثيرات، والباحثات عن الراحة والطمأنينة كثيرات، لكن أيتها الغالية! أين هي السعادة؟ أين مصادرها؟ ظنت كثيرات أنها في المال، فبحثن عنها هناك فلم يجدنها، وظنت أخريات أنها في الشهرة، فبحثن عنها هناك فلم يجدنها.
جاء في الحديث الذي رواه أنس ﵁ قال: قال ﷺ : (لو كان لابن آدم واد من الذهب لابتغى ثانياً، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب).
وظنت كثيرات أن السعادة في الشهوات واللذات؛ فبحثن عنها هناك فلم يجدنها، فأين هي السعادة؟ وكيف الحصول عليها؟ وأين مكانها؟
стр. 3
قصة فتاة عادت إلى الله
أعطيني السمع أيتها الغالية! وافتحي القلب قبل أن تفتحي الأذن، هيا نستمع وإياك إلى هذه القصة من فتاة كانت تبحث عن السعادة، هيا نسمع كلمات من فتاة انضمت إلى قوافل العائدات، فنحن في درس بعنوان: قوافل العائدات، فهيا نبدأ الدرس بقصة تلك التي عادت وانضمت إلى قوافل العائدات.
تقول الفتاة: بدت أختي شاحبة الوجه نحيلة الجسم، ولكنها كعادتها تقرأ القرآن الكريم، بحثت عنها -يعني: عن أختها- فوجدتها في مصلاها راكعة ساجدة رافعة يديها إلى السماء، هكذا حالها في الصباح وفي المساء، وفي جوف الليل، لا تفتر ولا تمل، تقول عن نفسها: كنت أحرص على قراءة المجلات الفنية، والكتب ذات الطابع القصصي، أشاهد الفيديو والتلفاز بكثرة، لدرجة أنني عرفت به، تقول: لا أؤدي واجباتي كاملة، ولست منضبطة في صلواتي، -ومثلها كثيرات- وبعد ثلاث ساعات متواصلة على التلفاز أغلقته، والأذان يرتفع من المسجد المجاور، فإذا بأختي تناديني من مصلاها، فقالت: ماذا تريدين يا نوره؟ قالت لي بنبرة حادة: لا تنامي قبل أن تصلي الفجر، قلت: أوه! باقي ساعة على صلاة الفجر، والذي سمعتيه كان الأذان الأول، فنادتني بنبرة حنونة، وهكذا كانت قبل أن يصيبها المرض الخبيث، وتسقط طريحة الفراش، وقالت: تعالى بجانبي يا هناء! وكنت لا أستطيع إطلاقاً رد طلبها، فكم كنت أشعر بصفائها وصدقها! قلت لها: ماذا تريدين؟ قالت: اجلسي، قلت: ها قد جلست، ماذا لديك؟ فقرأت بصوت عذب رخيم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، وسكتت برهة ثم سألتني: ألم تؤمني بالموت؟ قلت: بلى، ولكن الله غفور رحيم، قالت لي: ألم تؤمني بأنك ستحاسبين على كل صغيرة وكبيرة؟ قلت: بلى، ولكن الله غفور رحيم، والعمر طويل، قالت: ألا تخافين -أخية- من الموت بغتة؟ أليست هند أصغر منك وقد توفيت في حادث سيارة، وفلانة وفلانة؟ أخية! الموت لا يعرف عمراً وليس له مقياس، فقد أجمع أهل العلم على أن الموت ليس له سبب معين، ولا وقت معين، ولا مكان معين، يأتي بغتة ونحن لا نشعر، قالت: فأجبتها: إني أخاف من الظلام، ولقد أخفتيني من الموت، فكيف أنام الآن؟ كنت أظن أنك ستقولين: إنك وافقت على السفر معنا في هذه الإجازة، فقالت بصوت متحشرج اهتز له قلبي: لعلي هذه السنة أسافر سفراً بعيداً! أسافر ربما إلى مكان آخر يا هناء! وسكتت ثم قالت: الأعمار بيد الله، وأخذنا نمشي سوياً، ففكرت في مرضها الخبيث، وأن الأطباء أخبروا أبي سراً أن المرض ربما لن يمهلها طويلاً، ولكن من أخبرها بذلك؟ أم أنها تتوقع هذا الشيء؟ قالت لي: ما لك تفكرين؟ هل تعتقدين أني أقول هذا لأنني مريضة؟ كلا، ربما أكون أطول عمراً من الأصحاء.
فكم من صحيح مات من غير علة وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر وأنت إلى متى ستعيشين؟ ربما عشرين سنة، ربما أكثر، ثم ماذا؟ لا فرق بيننا؛ فالكل سيرحل، وسنغادر هذه الدنيا إما إلى جنة وإما إلى النار، ألم تسمعي قول الواحد القهار: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥]؟ تصبحين على خير، هرولت مسرعة وصوتها يطرق أذني: هداك الله، لا تنسي الصلاة.
وفي الثامنة صباحاً سمعت طرقاً على الباب، وهذا ليس موعد استيقاظي، وسمعت صوت بكاء وأصوات، يا إلهي! ماذا جرى؟ قالوا لي: لقد تردت حالة نوره، وذهب بها أبي إلى المستشفى، قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ لا سفر هذه السنة، مكتوب علينا البقاء هذه السنة في بيتنا، وبعد انتظار طويل إلى الواحدة ظهراً، اتصل أبي من المستشفى قائلاً: تستطيعون زيارتها الآن، فأتوا بسرعة، فانطلقنا إلى المستشفى وأمي تدعو لها.
إنها بنت صالحة مطيعة، لم أرها تضيع وقتها أبداً، فدخلنا المستشفى، ورأينا مناظر عجيبة! هذا يتأوه، وهذا يتألم، وهذا يصيح، وثالث: لا ندري هل هو من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة، ولا يعرف قيمة الصحة إلا من فقدها، فصعدنا درجات السلم، وكانت في غرفة العناية المركزة، فأخبرتنا الممرضة أنها في تحسن بعد الغيبوبة التي حصلت لها، ولم يسمحوا إلا بدخول شخص واحد فقط، فدخلت أمي ووقفت أنظر من نافذة الغرفة الصغيرة، فرأيت عينيها وهي تنظر إلى أمي واقفة بجوارها، خرجت أمي ولم تستطع إخفاء دموعها، ثم سمحوا لي بالدخول والسلام عليها، بشرط أن لا أمكث طويلاً فحالتها لا تسمح، فدخلت وقلت: كيف حالك يا نوره؟! لقد كنت بخير البارحة، فماذا جرى لك؟! أجابتني بعد أن ضغطت على يدي: أنا الآن -ولله الحمد- بخير، فقلت: الحمد لله، لكن يدك باردة، وكنت جالسة على حافة السرير، ولامست يدي ساقها فأبعدت يدي، فقلت لها: آسفة إذا ضايقتك، قالت: كلا، ولكني تفكرت في قوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٩ - ٣٠]، ثم قالت: عليك يا هناء! بالدعاء لي، فربما أستقبل عن قريب أول أيام الآخرة: سفري بعيد وزادي لن يبلغني وقوتي ضعفت والموت يطلبني ولي بقايا ذنوب لست أعلمها الله يعلمها في السر والعلن سقطت دمعة من عيني بعد أن سمعت ما قالت، وبكيت، ولم أع أين أنا، استمرت عيناي في البكاء، أصبح أبي خائفاً علي أكثر من نوره، لم يتعودوا مني هذا البكاء والانطواء في غرفتي، ومع غروب شمس ذلك اليوم الحزين، ساد صمت طويل في بيتنا، دخلت علي ابنة خالتي، ثم ابنة عمتي، وحصلت أحداث سريعة متتالية، كثر القادمون، واختلطت الأصوات، شيء واحد عرفته هو قولهم: نوره ماتت! لم أعد أميز من جاء، ولا أعرف ماذا قالوا، يا ألله! أين أنا؟ وماذا يجري؟ عجزت حتى عن البكاء، وأخبروني فيما بعد أن أبي ودع أختي الوداع الأخير بيده، وأني قبلتها، ثم لم أعد أتذكر إلا شيئاً واحداً: نظري حين نظرت إليها وهي ممددة على فراش الموت، وتذكرت قولها وهي تقرأ قوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٩] وعرفت عندها حقيقة، ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٣٠].
في تلك الليلة ذهبت إلى مصلاها المظلم وجلست فيه، تذكرت من قاسمتني رحم أمي، فنحن توءمان، وتذكرت من شاركتني همومي، وتذكرت من نفست عني كربتي، وتذكرت تلك التي كانت تدعو لي بالهداية، فكم ذرفت عيناها من الدموع في ليالٍ طويلة وهي تحدثني عن الموت والحساب، والله المستعان! هذه أول ليلة لها في قبرها، اللهم ارحمها، اللهم اغفر لها، اللهم نور لها قبرها، نظرت حولي فرأيت مصحفها وسجادتها، ورأيت الفستان الوردي الذي قالت لي: سأخبئه لزواجي، تذكرتها وبكيت، وبكيت على أيامي الضائعة، بكيت بكاءً متواصلاً، ودعوت الله أن يرحمني ويتوب علي ويعفو عني، دعوت الله أن يثبتها في قبرها كما كانت تكثر أن تدعو، وفجأة سألت نفسي: ماذا لو كنت أنا الميتة؟ ويا أيتها الغالية! اسألي نفسك هذا
السؤال
ماذا لو كنت أنت الميتة؟ وما هو المصير؟ تقول: لم أبحث عن الإجابة من الخوف الذي أصابني، بكيت بحرقة، ثم انطلق صوت: الله أكبر، الله أكبر، هاهو أذان الفجر قد ارتفع، ولكن ما أعذبه هذه المرة! أحسست بطمأنينة وراحة، وأنا أردد ما يقوله المؤذن، لففت ردائي وقمت واقفة أصلي صلاة الفجر، صليت صلاة المودع كما صلتها أختي من قبل، وكانت آخر صلاة لها، ثم جلست أدعو وأقول: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم اقبلني في قوافل العائدات.
стр. 4
ضرورة السعي للنجاة من العذاب
أختي الغالية! لا أظنك ترضين بجهنم يوم القيامة موطناً، ولا بلهيب النار متنفساً، فما بالك تلقين نفسك فيها راضية، أراك تعصين رب الأرض والسماوات، الذي إن شاء أبدل فرحك حزناً وهماً وعافيتك مرضاً وسقماً، وسعادتك شقاءً ونكداً، فهل تستطيعين رد ذلك؟! أم هل تملكين من الأمر شيئاً؟! أختي الغالية! يوم القيامة لن يقف معك أب ولا أم ولا صاحبة ولا قريب، بل ستقفين وحيدة ذليلة قد أرهقتك الذنوب والمعاصي، وكبلتك الخطايا والعثرات، تنظرين يمنة فلا ترين إلا روحاً وريحاناً، وتنظرين يسرة فلا ترين إلا لهب جهنم ودخانها، وفحيح عقاربها ودوابها، ألا فاختاري: إما الانضمام إلى قوافل العائدات، فحينها أبشري بروح وريحان ورب راضٍ غير غضبان، وأبشري حينها بعز الدنيا وسعادة الآخرة، وإلا فاسمعي النتيجة: صياح بأعلى الصوت: ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦]، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩] ويزداد الصياح عند قولهم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٧] فلا مجيب لهم، وإنما الحال كما قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧].
أتدرين ما الداء والدواء والشفاء أيتها الغالية؟!
стр. 5
تحتم المسارعة إلى التوبة النصوح
قال الربيع بن خيثم لأصحابه: الداء هو الذنوب، والدواء هو الاستغفار، والشفاء أن تتوب فلا تعود.
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨]، فما هي التوبة النصوح أيتها الغالية؟! قال عمر ﵁: التوبة النصوح: أن يذنب العبد ثم يتوب فلا يعود.
وقال الحسن البصري في معنى التوبة النصوح: أن يكون العبد نادماً على ما مضى، مجمعاً على أن لا يعود إليها.
وقال أيضاً: التوبة النصوح: ندم بالقلب، واستغفار باللسان، وترك بالجوارح، وإظمار بأن لا يعود.
قال يحيى بن معاذ: الذي حجب الناس عن التوبة طول الأمل، وعلامة التائب والتائبة: إسبال الدمعة، وحب الخلوة، والمحاسبة للنفس في كل همة.
قال محمد الوراق ﵀: قدم لنفسك توبة مرجوة قبل الممات وقبل حبس الألسن بادر بها غلق النفوس فإنها ذخر وغنم للمنيب المحسن وقال الشاعر: من منا لم يخطئ قط ومن له الحسنى فقط إن أنت رمت محسناً رمت الشطط أخية! ليس العيب أن تخطئي، فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، كما قال ﷺ ، لكن العيب كل العيب أن تصري على الخطأ، فتدبري هذه الدعوة العظيمة من الرحمن الرحيم، وهو يدعوك ويدعو الجميع إلى المسارعة إلى رحمته وجنته، قال : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٤]، لكن هل هم معصومون عن الخطأ؟
الجواب
لا، فلا عصمة لأحد، فقد قال الله عنهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] فالإصرار على الذنب هو الهلاك، وهو سبب التعاسة والشقاوة، ولكن لما أخطأ العبد أو الأمة ولم يصرا على خطئهما كانت النتيجة: ﴿أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧ - ١٣٨].
أيتها الغالية! ينقصنا الضمير الحي، النفس اللوامة التي إذا أذنبت لامت وعاتبت، فإن الإصرار على المعصية معصية أخرى، والقعود عن تدارك الفارط من المعصية إصرار ورضىً بها، وطمأنينة إليها، وذلك علامة الهلاك، وأشد من هذا كله المجاهرة بالذنب، مع تيقن نظر الرب ﷻ من فوق عرشه، قال ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرون) أو كما قال ﷺ .
стр. 6
تعريف التائبة
فمن هي التائبة؟ التائبة: هي المنكسرة القلب، الغزيرة الدمع، الحية الوجدان، القلقة الأحشاء.
التائبة صادقة العبارة، جمة المشاعر، جياشة الفؤاد، حية الضمير.
التائبة خالية من العجب، فقيرة إلى الرب.
التائبة بين الرجاء والخوف والنجاة والهلاك.
التائبة في قلبها حرقة، وفي وجدانها لوعة، وفي وجهها أسى، وفي دموعها أسرار.
التائبة لها في كل وقفة عبرة، إذا غرد الحمام بكت، وإذا صاح الطير ناحت، وإذا شدا البلبل تذكرت، وإذا لمع البرق اهتزت.
التائبة تجد للطاعة حلاوة وللعبادة طلاوة، وللإيمان طعماً، وللإقبال لذة.
التائبة تكتب من دموعها قصصاً، وتنظم من الآهات أبياتاً، وتؤلف من البكاء خطباً.
التائبة كالأم اختطفت طفلها من يد الأعداء، وكالغريق في البحر نجا من اللجة إلى شاطئ الأمان.
التائبة أعتقت رقبتها من أسر الهوى، وأطلقت قلبها من فكر المعصية، وفكت روحها من شباك الرذيلة، وأخرجت نفسها من بحر الخطيئة.
أخية! من واجب الناس أن يتوبوا.
ولكن ترك الذنوب أوجب.
والدهر في تركه عجيب.
ولكن غفلة الناس عنه أعجب.
والصبر في النائبات صعب.
ولكن فوات الثواب أصعب.
وكل ما يرتجى قريب.
والوقت من دون ذلك أقرب.
стр. 7
تعريف التوبة وأقسام الناس فيها
التوبة من تاب يتوب، ومعناها: العودة والرجوع، التوبة: ترك الذنوب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار، فالاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لن أفعل.
أو يقول: فعلت لأجل كذا.
أو يقول: فعلت وأسأت وقد أقلعت، وتبت ورجعت.
ولا رابع لذلك، والأخير هو التوبة قال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].
أقسام الناس: قال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١]، قسم الله العباد إلى تائب وظالم، وليس هناك قسم ثالث، وأوقع اسم الظالم على من لم يتب، فمن لم تتب لا أظلم منها؛ لجهلها بربها وبحقه عليها، وبعيب نفسها، وآفات أعمالها، ففي الصحيح قال ﷺ : (يا أيها الناس! توبوا إلى الله، فوالله! إني لأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة).
وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع هذا يتوب في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة، وفي رواية: (أكثر من مائة مرة)، وكان أصحابه يعدون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم: (رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الغفور) مائة مرة، وما صلى صلاة قط بعد إذ أنزلت عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] إلا قال فيها: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي).
والتوبة -أخية- هي الرجوع إلى الله، ومفارقة صراط المغضوب عليهم والضالين، ولا تصح التوبة إلا بعد معرفة الذنب، والاعتراف به، وطلب التخلص من سوء عواقبه في الدنيا والآخرة.
فتعالي نقول بقوله ﷺ في الحديث المشهور بسيد الاستغفار: (اللهم! أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، وأبوء لك بنعمتك علي، أبوء بذنبي- يعني: أعترف وأقر- فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).
стр. 8
شروط التوبة
ولما كانت التوبة متوقفة على تلك الثلاثة الأشياء جعلت شروطاً لها، أما أولها فهو الندم، ولا تتحقق التوبة إلا به، فمن لم تندم على القبيح فذلك دليل على رضاها به، وإصرارها عليه، وفي الحديث الصحيح: (الندم توبة).
وثانيها: الإقلاع، فلا توبة إلا بترك الذنب أيتها الغالية.
وثالثها: العزم وهودليل على الصدق في التوبة.
ومن تمام التوبة تقديم الاعتذار بإظهار الضعف والمسكنة والانكسار، فقولي من صميم القلب: ما عصيتك جهلاً بك، ولا استهانة بحقك، ولا إنكاراً لاطلاعك، ولا نسياناً لوعيدك، ولكني ضحية الشيطان والنفس والهوى، وكلي طمع في مغفرتك، وكرمك، وسعة حلمك.
لسان الحال: إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني وما لي حيلة إلا رجائي وعفوك إن عفوت وحسن ظني فكم من زلة لي في البرايا وأنت علي ذو فضل ومنِّ إذ فكرت في ندمي عليها عضضت أناملي وقرعت سني يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني أجن بزهرة الدنيا جنوناً وأقضي العمر فيها بالتمني وبين يدي محتبس ثقيل كأني قد دعيت له كأني
стр. 9
علامات التوبة الصحيحة المقبولة
التوبة الصحيحة لها علامات تعرف بها، منها: أولاً: أن تكون الأمة بعد التوبة خيراً مما كانت عليه قبلها.
ثانياً: أنه لا يزال الخوف مصاحباً لها، فلا تأمن مكر الله طرفة عين، فخوفها مستمر إلى أن تسمع قول ملائكة الرحمة عند الموت: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢]، فهناك يزول الخوف والجزع.
ومن علامات التوبة الصحيحة المقبولة: انخلاع القلب، وتقطعه ندماً وخوفاً، وهذا على قدر الجناية وعظمها، فمن لم يتقطع قلبها في الدنيا حسرة وخوفاً على ما فرطت تقطع في الآخرة إذا حقت الحقائق، ورئي ثواب المطيعات، وعقوبة العاصيات، فلا بد من تقطع القلب إما في الدنيا وإما في الآخرة.
قال عمر بن ذر: كل حزن يبلى، إلا حزن التائب عن ذنوبه.
ومن علامات التوبة الصحيحة أيضاً: كسرة خاصة تحصل للقلب لا يشبهها شيء، كسرة أحاطت بالقلب من جميع جهاته، وألقته بين يدي ربه طريحاً ذليلاً خاشعاً، فلا شيء أحب إلى الله من هذه الكسرة والخضوع، والتذلل والإخبات، والانطراح بين يديه، والاستسلام له، وما أحلى قول الأمة في هذه الحال: اللهم إني أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، وأسألك بقوتك وضعفي وبغناك عني وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، إمائك سواي كثير، وليس لي رب سواك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبتها، ورغم لك أنفها، وفاضت لك عينها، وذل لك قلبها، أن تغفر لي وترحمني، فهذا وأمثاله من آثار التوبة المقبولة، فمن لم تجد ذلك في قلبها، فلتتهم تلك التوبة ولتراجع الحسابات، فما أسهل التوبة في اللسان! وما عالج أهل الصدق شيئاً أشق من التوبة الخالصة الصادقة.
يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى مناط عروقها في نحرها والمخ في تلك العظام النحل ويرى خرير الدم في أوداجها متنقلاً من مفصل في مفصل ويرى وصول غدا الجنين ببطنها في ظلمة الأحشا بغير تمقل ويرى مكان الوطء من أقدامها في سيرها وحثيثها المستعجل ويرى ويسمع حس ما هو دونها في قاع بحر مظلم متهول امنن علي بتوبة تمحو بها ما كان مني في الزمان الأول قال شقيق البلخي: علامة التوبة: البكاء على ما سلف، والخوف من الوقوع في الذنب، وهجران إخوان السوء، وملازمة الأخيار.
اللهم! اجعلنا من التوابين، واجعلنا من المتطهرين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
стр. 10
سعة رحمة الله وعفوه
وهذا نداء من غافر الذنوب وقابل التوب، فاسمعي وتدبري وتأملي، قال : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٥٤ - ٦١].
فهل سمعت؟ وهل فهمت؟ فالله ينادي من؟ بأحب الأسماء، وبألطفها ينادي الذين نسوه، والذين تجرءوا عليه، ثم يفتح لهم باب الرحمة، ولا يقنطهم منها.
فيا أمة الله! يا من تواتر إحسان الله إليك؛ حيث أزاح عللك، ومكنك من التزود إلى جنته، وبعث إليك الدليل، وأعطاك مؤنة السفر، وما تتزودي به، وما تحاربي به قطاع الطرق عليك، فأعطاك السمع والبصر والفؤاد، وعرفك الخير والشر، النفع والضر، وأرسل إليك رسوله، وأنزل إليك كتابه للذكر والفهم والعمل، وأعانك بمدد من جنده الكرام يثبتونك ويحرسونك، ويحاربون عدوك، ويطردونه عنك، ويريدون منك أن لا تميلي إليه ولا تخالطيه- أي: الشيطان الرجيم- وهم يكفونك مؤنته، وأنت تأبين إلا مظاهرته عليهم، قال : ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠].
стр. 11
غنى الله عن خلقه وحاجتهم إليه
أمة الله! أمرك الله بشكره، لا لحاجته إليك، ولكن لتنالي به المزيد من فضله، فجعلت كفر نعمه والاستعانة بها على مساخطه شعاراً لديك، أمرك بذكره ليذكرك بإحسانه عليك، فجعلت نسيانه ونسيان أوامره هيناً عليك، تشكين من يرحمك إلى من لا يرحمك، وتتظلمين ممن لا يظلمك، وتدعين من يعاديك ويظلمك، وإن أنعم عليك بالصحة والعافية والمال والجاه استعنت بنعمه على معاصيه!
стр. 12
عظيم فضل الله وإحسانه إلى خلقه
أمة الله! دعاك الرحمن إلى بابه، فما وقفت عليه، ولا طرقته، ثم فتحه لك فلم تلجيه، أرسل إليك رسوله يدعوك إلى دار كرامته، فعصيت الرسول وقلت: لا أترك ما أراه لشيء سمعت به، ومع هذا فلم يقنطك من رحمته، بل قال: متى جئت قبلناك، إن أتيت ليلاً قبلناك، وإن أتيت نهاراً قبلناك، إن تقربت مني شبراً تقربت منك ذراعاً، وإن تقربت مني ذراعاً تقربت منك باعاً، وإن مشيت إلي أتيتك هرولة، لو لقيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشركي بي شيئاً أتيتك بقرابها مغفرة ولا أبالي، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي.
من أعظم مني جوداً وكرماً؟! عبادي يبارزونني بالعظائم وأنا أكلؤهم على فرشهم، إني والجن والإنس في نبأ عظيم؛ أخلق ويعبد غيري! أرزق فيشكر سواي! خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد! أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويبتعدون عني بالمعاصي، وهم أفقر شيء إلي! فاسمعي النداء يا رعاك الله: من أقبلت إلي تلقيتها من بعيد، ومن أعرضت عني ناديتها من قريب، ومن تركت لأجلي أعطيتها المزيد، ومن أرادت رضاي أردت ما تريد، ومن تصرفت بحولي وقوتي ألنت لها الحديد، أهل ذكري أهل مجالستي، أهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أقنطهم أبداً من رحمتي، إن تابوا إلي فأنا حبيبهم، فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين، وإن لم يتوبوا إلي فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعائب، من آثرتني على سواي آثرتها على سواها، الحسنة عندي بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة عندي بواحدة، فإن ندمت عليها واستغفرتني غفرت لها على ما كان منها ولا أبالي، أشكر اليسير من العمل، وأغفر الكثير من الزلل، رحمتي سبقت غضبي، وحلمي سبق مؤاخذتي، وعفوي سبق عقوبتي، وأنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها، وأنا أفرح بتوبة التائبين وعودة العائدين.
جاء في البخاري ومسلم عن النبي ﷺ قال: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من رجل أضل راحلته في أرض مهلكة دوية، عليها طعامه وشرابه، فطلبها حتى إذا أيس من حصولها نام في أصل شجرة ينتظر الموت، فاستيقظ فإذا هي على رأسه، وقد تعلق خطامها بالشجرة، فلله أفرح بتوبة عبده من هذا براحلته)، وهذه فرحة إحسان وبر ولطف لا فرحة محتاج إلى توبة عبده.
قال : ﴿أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٦ - ١٧]، وقال في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني، يا عبادي! إنكم تخطئون في الليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم).
فهيا أخية! بعد هذا النداء العظيم انضمي إلى قوافل العائدات، وهبي من غفلتك، وانفضي تراب زلتك، وشمري عن همتك، واسمعي النداء: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١].
стр. 13
من أخبار التائبات
تقول إحداهن: كان الدين هامشياً في حياتي، مع أنني كنت أحس أن الإسلام شيء عظيم، ولكني كنت تائهة، كنت أصلي الصبح فقط، وبقيت الوقت كنت مشغولة بأعمالي في الوسط الفني، كنت أشعر بالملل والضيق من سهرات الوسط الفني مع أنني كنت في ذروة النجاح، فبدأت أحرص نوعاً ما على الصلاة، حتى كانت ليلة كنت في بيت صديق لقضاء ليلة رأس السنة - تأملي الضياع أيتها الغالية- ووسط الصخب والموسيقى والضجيج، سمعت صوتاً هزني هزة عنيفة، سمعت أذان الفجر، ومنادي الله يناديني، من يومها بدأت بالانسحاب من هذه اللقاءات وهذه الاجتماعات العفنة، أقبلت على كتاب الله أقرءوه وأنظر في تفسيره، كنت أجلس عند شباك حجرتي أتطلع إلى السماء، وأجد في ذلك متعة لا حد لها، لقد وجدت الشيء المفقود في حياتي، وجدت الإيمان، ووجدت في الإيمان الراحة مهما كانت الهموم، تقول: أقولها عن تجربة، فالقلب عندما يرتبط بالله يختفي منه القلق والضيق والحزن، ويحل مكانه الهدوء والراحة والاطمئنان، وراحة البال، كنت في الوسط الفني دائمة القلق، أحس أني أجري ألهث خلف سراب، زائدة العصبية مضطربة، الجو حولي مليء بالعفن والكذب، فأنقذني الله، وأخرجني من الظلمات إلى النور، قالت: أنا أعيش حالياً أعظم حب في حياتي، أحب الله بحق، وأناجيه، وأكلمه وأدعوه، جربت الحب الذي يقولونه وخضت في بحاره، ووجدت أن أعظم حب هو حب الله ﵎.
نعم أخية! من وجدت الله فقد وجدت كل شيء، ومن فقدت الله فقد فقدت كل شيء، قال : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣].
والأخرى تقول: كنت أستعرض جمالي أمام العيون الحيوانية بلا حرمة تحت مسميات التحرر والتمدن، كنت في غيبوبة عن الإسلام، لا أعرف من القرآن إلا رسمه، ومن الإسلام إلا اسمه، رغم المال والجاه إلا أنه كان في داخلي خوف من شيء ما، كنت أخاف من مصادر الغاز والكهرباء، وكنت أظن أن الله سيحرقني جزاء ما أنا فيه من المعاصي، كنت أقول في نفسي: كيف أنجو غداً من عذاب الله؟ تقول: عندما تزوجت ذهبت مع زوجي إلى فرنسا لقضاء ما يسمى بشهر العسل، ثم ذهبنا إلى كنيسة -اسمعي ضياع أبناء المسلمين والمسلمات- ولما أردت الدخول أجبروني على ارتداء ما يستر جسمي؛ احتراماً لأماكنهم، فقلت في نفسي: سبحان الله! هكذا يحترمون دياناتهم المحرفة، فما بالنا نحن لا نحترم ديننا؟ فقلت لزوجي: أريد أن أصلي شكراً لله على نعمته، فأحضرت معي إلى الغد ملابس طويلة وغطاء للرأس، ودخلت المسجد الكبير بباريس، فأديت الصلاة، وعند باب المسجد عندما خرجت خلعت الحجاب وغطاء الرأس والملابس الطويلة، وهنا كانت المفاجأة: اقتربت مني فتاة فرنسية لن أنساها طوال عمري، ترتدي الحجاب، أمسكت يدي برفق، وضربت على كتفي، وقالت لي بصوت منخفض: لماذا تخلعين الحجاب؟ ألا تعلمين أنه أمر الله؟ كنت أستمع إليها بذهول، حاولت أن أتفلت منها، لكن أدبها وحوارها أجبراني على الاستماع، سألتني: تشهدين أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ قلت: نعم، قالت: تفهمين معناها؟ قالت لي: إنها ليست كلمات تقال باللسان أخية! لا بد من التصديق وإتباع التصديق بالعمل، لقد علمتني الفتاة أقسى درس في حياتي، لقد اهتز قلبي لكلماتها، قالت لي وهي تنصرف: انصري هذا الدين أخية! ونصر هذا الدين لا يكون إلا باتباع الأوامر وترك النواهي والزواجر، تقول: خرجت من المسجد وأنا غارقة في التفكير، بالليل صحبني زوجي إلى مكان إباحي يتراقص فيه الرجال مع النساء شبه عرايا، يفعلون كالحيوانات، بل الحيوانات تترفع عن أفعالهم، تقول: كرهت نفسي الغارقة في الظلام، أردت الخروج بسرعة، وطلبت العودة إلى دياري وبلادي، ومنها بدأت رحلتي مع قوافل العائدات، تقول: لم أكن أعرف الطمأنينة والسكينة إلا كلما صليت وقرأت القرآن، هجرت الجاهلية رغم رفض زوجي ومن حولي، كلهم يريدونني أن أبقى في الظلام، ولكني لا أريد أن أرجع إلى الظلام بعد أن وجدت النور والحياة مع الله، ثم هدى الله زوجي بدعائي وتضرعي، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وثالثة تقول: سبقتني صاحبتي في ترك الفن والضياع، وبقيت مترددة، فأخذت المصحف يوماً ففتحته فوقعت عيني على قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة:٩٢] فأغلقته، ثم فتحته مرة ثانية فوقعت عيني على قوله تعالى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٨] فأغلقته ثم فتحته مرة ثالثة فوقعت عيني على آية جعلتني أصرخ من الأعماق، إنها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٧] فقمت وأخرجت طراحة بيضاء ولبستها، ونظرت في المرآة فرأيت نوراً قد أحاطني، شعرت أنني في معية الله، وأنه سبحانه قريب مني، وأني قريبة منه، رفعت سماعة الهاتف واتصلت على صاحبتي أبشرها، قلت لها: ادعي لي بالثبات، فلقد انضممت إلى قوافل العائدات، تقول: أشعر أني قريبة منه وأنه قريب مني.
نعم أليس هو القائل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]؟ قريب أسمع وأجيب، وأعطي البعيد والقريب، وأرزق العدو والحبيب، قريب يغيث اللهفان ويشبع الجوعان ويسقي الظمآن، ويتابع الإحسان، قريب عطاءوه ممنوح، وخيره يغدو ويروح، وبابه مفتوح، حليم كريم صفوح.
قريب يدعوه الغريق في البحار، والضال في القفار، والمحبوس خلف الأسوار، كما دعاه عبده في الغار.
قريب فرجه في لمحة البصر، وغوثه في لفتة النظر، المغلوب إذا دعاه انتصر، اطَّلع فستر، وعلم فغفر، وعبد فشكر، قريب جواد مجيد، لا ضد له ولا نديد، أقرب إلى العبد من حبل الوريد، على كل نفس قائم وشهيد، محمود ممدوح حميد.
قريب دعا المذنبين للمتاب، وفتح للمستغفرين الباب، ورفع عن أهل الفجأة الحساب.
الله ربي لا أريد سواه هل في الوجود حقيقة إلا هو الشمس والبدر من أنور حكمته والبر والبحر من فيض عطاياه الطير سبحه والوحش مجده والموج كبره والحوت ناجاه والنمل تحت الصخور الصم قدسه والنحل يلهج حمداً في خلاياه والناس يعصونه جهراًً فيسترهم والعبد ينسى وربي ليس ينساه.
стр. 14
ضرورة الحذر من شباك الهواتف والمكالمات
أخية! هل سمعتي عن ضحايا الهواتف والمكالمات، إنها معاصٍ وفضائح وآهات ليلية، وزفرات وأنات، حب وهمي، ووعود كاذبة، والنهاية فضائح.
تقول فتاة مسكينة: اتصل بي شاب في منزلنا، فخاطبني برقة، فرققت له، ترددت في البداية في الكلام معه، ولكن خطوات الشيطان تبدأ بخطوة، فأصبحت أنتظر هاتفه ومواعيده، ودارت بيننا أحاديث، ثم تحولت إلى قضية حب ووعود وأوهام، حتى كانت ليلة طلب مني أن أخرج معه؛ لأننا سوف نتزوج كما زعم ونتفق على الزواج، قال لي: ذرينا نتقابل حتى نرى بعضنا قبل الخطبة، فإن أعجبنا ببعضنا فبها، وإلا فكأن شيئاً لم يكن، فرفضت بشدة، وأخذ يصر على ذلك وهو يقول: إنه أمر يعين على الوفاق في الزواج، أصبحت في قلق وحيرة، هل أخلع ثوب الحياء، وأرمي العفاف؟ كلما اتصل طلب الرؤية والمقابلة، وأنا أعتذر، أصبحت أعيش في حيرة واضطراب، أصبحت أخاف أن يعلم والدي أو أخي، أصبحت أخاف من نظرات المجتمع، وقبل ذلك كله الخوف من الله ، في الصباح ذهبت إلى إحدى معلماتي في المدرسة فأخبرتها بقصتي وأنا أبكي، فقالت لي: لا عليك، وهدأت من خاطري، وقالت لي: الأمر بيدك والحبل ممدود معك، فاحذري من مثل هذا، احذري أن يسلبك العز والشرف، ويعطيك الذل والعار، احذري أن تستبدلي الجنة بالنار، تخيلي لو أنك ركبت معه مرة ثم مرة ثم مرة فكيف ستكون النتيجة، لا تغتري بحال أولئك الذئاب الأخباث اللئام، فإنهم وإن زينوا لك لين الجانب فإنهم يرتدون جلود الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب، إنها قلوب خلت من مراقبة الديان، وانساقت إلى سبيل الهوى والشيطان، فما قيمة الفتاة إذا ذهب شرفها وحياءها؟! أسألك بالله: ما المصير لو علم أهلك؟! كم من شابة قتلها أبوها، وأخرى قتلها أخوها! كم من شابة أصابها الجنون وذهب عقلها! كم من شابة طعنت نفسها! ما السبب؟ إنها سماعة الهاتف.
تقول المسكينة: بكيت وبكيت، وقلت لمعلمتي: لقد أيقظتني من سبات عميق ومن غفلة عظيمة، رفعت الفتاة يدها إلى السماء قائلة: رباه! عفوك، رباه! حلمك ومغفرتك يا أرحم الراحمين! رباه! اقبل توبتي واجبر كسرتي، وأجب دعوتي.
اللهم! اقبلها في قوافل العائدات.
أخية! لا تكوني ساجذة ولا غبية، فاسمعي هذا الشاب الذي عاش يطارد الفتيات وله علاقات وعلاقات، فلما أراد الزواج قال لصاحبه: ابحث لي عن أسرة لديها فتيات محترمات، فقال له صاحبه: وأين اللاتي كنت تعرفهن؟ فقال - اسمعي ما قال-: هؤلاء غير محترمات، هؤلاء لا يصلحن للزواج، فالواحدة منهن إن كانت خرجت معي مرة فستخرج مع غيري مرات!! فاحذري -أيتها الغالية- أن تكوني فريسة لهم.
والحل: انضمي إلى قوافل العائدات.
стр. 15
بعض الأمور التي تعين على التوبة والاستمرار عليها
إليك أخيراً بعض الأمور التي تعين على التوبة والاستمرار عليها.
قيل: الصادق هو الذي يثبت على توبته، فأخلصي النية، واجتهدي في الأعمال الصالحة، واستشعري قبح الذنب وفداحته، وابتعدي عن مكان المعصية، وأتلفي الأدوات المحرمة من أشرطة ومجلات، وابحثي عن رفقة صالحة، وداومي قراءة القرآن وخاصة الآيات المخوفة والمرققة للقلوب، وتذكري أن العقوبة قد تكون معجلة، وداومي ذكر الله حتى يطمئن القلب، قولي: إليك إله الخلق أرفع رغبتي وإن كنتُ يا ذا الجود والمن مجرما ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما اللهم اجعلنا من التوابين، واجعلنا من المتطهرين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
اللهم احفظ نساءنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
اللهم اجعلهن تقيات نقيات صفيات، حافظات للغيب بما حفظ الله.
اللهم من أرادنا وأرادهن بسوء فأشغله في نفسه، واجعل تدبيره تدميره.
اللهم اجعلهن ممن يستمعن القول فيتبعن أحسنه.
اللهم احفظهن من بين أيديهن ومن خلفهن، اللهم! احفظهن في دينهن ودنياهن يا رب العالمين! ربنا ظلمنا أنفسنا وإلا تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم عاملنا بما أنت أهله ولا تعاملنا بما نحن أهله، إنك أنت أهل التقوى وأهل المغفرة! وأستغفر الله العظيم، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 16
من حال إلى حال
إن الله تعالى يقلب الأمور من حال إلى حال، فكل يوم هو في شأن، فكم من إنسان كان عاصياً متمرداً، ثم غيّر الله تعالى حاله إلى الخير والطاعة، وكم من إنسان كان غافلاً ساهياً لاهياً، فنبهه الله من غفلته، فصار من الذاكرين الشاكرين، فسبحان من بيده مقاليد الأمور يصرفها كيف يشاء!
стр. 17
الشباب وأثره في الصلاح والإصلاح
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبياكم، وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم، أسأل العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته، إخواناً على سرر متقابلين، وأسأله سبحانه أن يفرج هم المهمومين، ويكشف كرب المكروبين، ويقضي الدين عن المدينين، وأن يدل الحيارى، ويهدي الضالين، ويغفر للأحياء وللميتين.
أيها المسلمون: ليس الهدف من مثل هذه الاجتماعات هو ضياع الأوقات، ولا التسلية، وإنما الهدف منها هو التعاون على البر والتقوى، وأن يقال لنا حين نقوم من هذا المجلس: (قوموا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات).
والهدف منها أن الصالح يزداد في صلاحه، وأن الضال يصحح مساره وينتبه لنفسه قبل أن تزل الأقدام، وقبل أن يطلب الرجوع إلى الحياة فلا يستجاب له.
إن الهدف من هذا اللقاء هو كيف ننجو جميعاً من عذاب الله، وكيف نفوز بجناته جنات النعيم، والهدف أن نسلك جميعاً طريق الهداية وطريق الاستقامة الذي جعله الله صراطاً مستقيماً، ولو كان منحرفاً يمنةً أو يسرةً لكان في سلوكه صعوبة، لكن من فضل الله علينا وعلى الناس أن جعل الصراط مستقيماً، يقول ابن مسعود: (خط لنا النبي ﷺ خطاً مستقيماً، وخط على جوانبه خطوطاً، وقال: هذه سبل وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وهذا صراط الله مستقيماً، ثم قرأ قوله جل في علاه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣])، فالعمر فرصة إما أن يستغل في الطاعات، وإما أن يستغل في المعاصي والمنكرات، فالإنسان يعيش عمراً واحداً، وهو مطالب أن يستغل هذه الساعات والدقائق واللحظات فيما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة، والإنسان العاقل هو الذي يعرف قيمة الوقت، ويعرف قيمة الحياة.
هذه مقدمة بين يدي الآيات والأحاديث النبويات والقصص التي أسال الله العظيم رب العرش الكريم أن يترك بها أثراً علي وعلى كل من يسمعها.
إن مرحله الشباب مرحلة مهمة من مراحل العمر، وما يكون بعد الشباب من العمر إنما ينبني على الشباب، فهي أهم مرحلة من مراحل العمر، ولعلك تلاحظ هذا في إخبار النبي ﷺ : (أنه لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن العمر إجمالاً، ثم يسأل عن الشباب خاصة)، فليس الشباب قطعة من العمر؟ بلى هو قطعة من العمر، إذاً: فلماذا السؤال عن مرحلة الشباب خاصة دون غيرها؟
و
الجواب
لأنها أحلى مراحل العمر وأقواها، ويستطيع الشاب في فترة شبابه أن يعطي مالا يستطيع أن يعطيه في فترات قادمة، ولا في فترات ماضية، إن الكوكبة التي كانت حول النبي ﷺ هم الشباب، وما قام هذا الدين إلا على أكتاف الشباب، وما استطاعت هذه الأمة أن تسود الأرض، وأن تغير معالم الأرض إلا بعمل الشباب وهممهم، لكن أي شباب نعني؟ إننا نعني الشباب الذي تربى على القرآن، الشباب الذي تربى على هدي النبي ﷺ ، الشباب الذي اختار قدوته محمداً عليه صلوات ربي وسلامه وأصحابه، اختار أولئك الرجال وسار على دربهم، يقول الناظم: لا بد من صنع الرجال ومثله صنع السلاح وصناعة الأبطال علم قد دراه أولو الصلاح من لم يلقن أصله من أهله فقد النجاح لا يُصنع الأبطال إلا في مساجدنا الفساح في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصحاح شعب بغير عقيدة ورق تذريه الرياح من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح ففي هذه الأماكن المباركة يصنع الأبطال والرجال، فالعمر فرصة، وكل يوم يمضي يقربنا من النهاية، و (الكيَّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والجاهل من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني).
يقول الحسن البصري: إن أقواماً غرتهم الحياة الدنيا فخرجوا منها بلا رصيد من الحسنات، يقولون: إننا نحسن الظن بالله، قال: كذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.
قال الله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠]، إن سبب صلاح الشباب هم الشباب أنفسهم، وسبب ضياع الشباب هم الشباب أنفسهم.
стр. 18
الصحبة الصالحة ودورها في استقامة صاحبها
قال الله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩]، فالصحبة لها دور كبير في استقامة الشاب وصلاحه وهدايته، فما مررنا على سجن من السجون، أو إصلاحية من الإصلاحيات، وتكلمنا عن الشباب وعن سبب مآسيهم إلا ذُكر لنا أن سبب الضياع الذي يعيشه الشباب هم الشباب أنفسهم، فكم زين شاب لشاب المعصية، فلما زلت الأقدام قال: إني بريء منك، وكم تخلى صاحب عن صاحبه بعد أن وقع الفأس على الرأس.
إن أحوج ما يحتاجه الشباب اليوم هي الصحبة والرفقة الصالحة التي تعينهم على الخير إذا فعلوه، وتذكرهم به إذا نسوه.
стр. 19
قصة شاب تائب
شاء الله في علاه أن نجتمع بإنسان في منطقة عمل، وهو ينتمي إلى تيار وأنا أنتمي إلى تيار آخر، فليس هناك أي نقطة توافق بيني وبينه، فإما أن يؤثر علي وإما أن أؤثر عليه، لكن دائماً الحق يعلو ولا يعلى عليه، والمفترض أن صاحب الاستقامة هو الذي يؤثر ولا يؤثر عليه الآخرون، فهو من جدة وأنا من الظهران، ونعمل في نفس العمل في منطقة جيزان، فأمرنا أنا وهو بالاجتماع هناك حتى نؤدي هذا العمل، فاجتمعت به ومنظري يختلف عن منظره، وتوجهاته تختلف تماماً عن توجهاتي، وأفكاره تختلف تماماً عن أفكاري، فقلت في نفسي: كيف ستكون هذه المدة مع هذا الشاب؟ وقال هو في نفسه: ثلاثة أشهر فترة عمل مع هذا، لا أدري كيف ستمر الأيام وتنقضي! فقد جمعنا مكتب واحد، ومكان نوم واحد، وسيارة واحدة نذهب ونجيء معاً.
وكنت لا أقبل بالصلاة إلا في المسجد، وتجد في بعض المؤسسات يجعلون غرفة مصلى تقام فيها الصلاة، مع أن المسجد قريب منهم، فإذا لم يتعود الإنسان أن يحث الخطا إلى المساجد فما قيمة هذه الأقدام؟! وإن لم تتعود أن تخطو وتسير إلى المسجد في الجمعة والجماعات فما قيمة هذه الأقدام؟! وأول صلاة حضرت وأنا وإياه في المكتب قلت له: هيا نصلي، قال: الغرفة قريبة، قلت: لا، أنا لا أصلي في الغرف، أنا لا أصلي إلا في المسجد، قال: كلهم يصلون في الغرفة، قلت: أنا لا أصلي إلا في المسجد، فإن المسجد لا يبعد أكثر من مائة متر أو مائتي متر، فكيف نستثقل الخطا إلى المساجد؟! إنك ما خطوت لله خطوة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة، وستعرف هذا يوم توضع الموازين، قال رسول الله ﷺ : (بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة)، فأجر الخطوات إلى الطاعات لا يضيع أبداً، ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥].
فسبحان الله! بدأ هذا الشباب يخطو معي إلى المسجد في كل صلاة، وبدأ يتعود على الذهاب إلى المسجد، ولأنه يسكن معي في غرفة واحدة فهو مضطر إلى أن يقوم لصلاة الفجر، وسبحان الله ما أثقل صلاة الفجر عليه! فقد كان يستغرق وقتاً طويلاً حتى ينتبه من رقدته وغفلته، فكم هي ثقيلة الطاعات على ضعاف الإيمان، وكم هي سهلة على من سهلها الله عليه، فبدأ يتعود على الاستيقاظ لصلاة الفجر، وبدأ يتعود على الذهاب إلى المسجد، وبدأت حياته تتغير، وقد كان صاحبي على موعد مع حياة جديدة بدايتها انطلاقة من المسجد.
وهكذا ينطلق الشباب مع الهداية من المساجد، واعلم أن أي هداية ليس مبناها المسجد فليست بهداية حقيقية، وأي هداية لا تربطك ببيت الله فليست بهداية حقيقية: لا يصنع الأبطال إلا في مساجدنا الفساح في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصحاح وقد كنا في شهر شوال بعد رمضان، ومن هديه ﷺ أن يتبع رمضان بست من شوال، (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر)، فهذه الطاعة أيام معدودة: ستة أيام، والبعض قد يصوم شهراً كاملاً ثم يستثقل هذه الأيام الستة، وقد كنا في أحد المكاتب فقال قائل في ذلك المكتب: اليوم تفطرون معنا، فقلت: لم نبدأ الصيام بعد.
وسنبدؤه غداً، فقال صاحبي: صيام أيضاً! ذهاب إلى المسجد، واستيقاظ لصلاة الفجر، والآن تريد أن تلزمنا بالصيام أيضاً! قلت: وما الذي يؤخرك عن الصيام؟ أما صمت رمضان؟ قال: بلى، قلت: إذاً ما الذي يمنعك أن تنال مثل هذا الأجر، ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [التوبة:٤٢].
فسبحان الله نستثقل أمور الطاعات ولا نستثقل أمور الدنيا! متى سنعرف أننا لم نعط العمر إلا لنصرفه في الطاعات والقربات، والتقرب من الله رب الأرض والسماوات.
فبدأنا الصيام من اليوم الثاني، ولك أن تتخيل منظر صاحبي وهو يستيقظ قبيل الفجر بنصف ساعة حتى يشرب كأساً من الحليب، ويأكل شيئاً من الطعام؛ استعداداً للصيام! فبدأ صاحبي يتعود على إقامة الصلاة، وعلى التقرب إلى الله بالقربات: من صيام، وقراءة قرآن، فأتممنا من الصيام خمسة أيام، ثم جاءتنا مهمة عمل إلى جدة، فاضطررنا إلى السفر وقطعنا الصيام، فتبقّى علينا صيام يوم واحد، فقلت: نصومه إن شاء الله إذا رجعنا من السفر، فمكثنا في جدة ما شاء الله أن نمكث، ثم رجعنا فإذا بصاحبي يذكرني، ويقول: يا شيخ! باقي علينا صيام يوم، فقلت: سبحان الله! الذهاب إلى المسجد، والذهاب إلى الطاعات، والانشغال بالقربات غيرت من حياة صاحبي، وهذا ما يحتاجه الشباب اليوم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
وفي تلك المنطقة ارتبطنا بكلمات ودروس ومحاضرات، فبدأ صاحبي يقول لي: إذا ذهبت إلى المساجد بعد نهاية الدوام للكلمات وللقاء الشباب فإني سأراففك، فقلت: أبشر بالذي يسرك، والله! لن أخطو خطوة إلّا وأنت معي.
كنا ننتهي من الدوام، وأحظر ثيابي معي، وأغير في مكان العمل، ثم ننطلق إلى أقرب مكان يكون لنا فيه ارتباط، فبدأ صاحبي يخالط الأخيار والصالحين، فرأى منظرهم يختلف، ورأى أن كلامهم يختلف ورأى أن سيماهم تختلف عن الآخرين، فكلامهم ومظهرهم كله مرتبط بهدي النبي ﷺ الذي قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلّا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)، فكم هي الأوامر التي تخالف اليوم، وكم هي السنن التي تهمل في حياة الناس اليوم، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥].
ومع الوقت قال لي صاحبي: أنا أريد أيضاً أن أجهز نفسي قبل الذهاب إلى الكلمات والدروس والمحاضرات، فألبس ثياباً نظيفة، وأريد أن أتعطر وأتطيب حتى أخالط الآخرين، فقلت: لك ما تريد، فصار يحضر ثيابه، ثم نغير ونبدل وننطلق إلى أقرب مكان يكون لنا فيه ارتباط، وكان ذلك في قرية من القرى، وكان الارتباط عندنا من صلاة المغرب حتى صلاة العشاء، ثم أصروا عليّ وقدموني لصلاة العشاء، وعندما كنت أسوي الصفوف إذا بصاحبي في ميمنة الصف يخط ثوبه في الأرض شبراً، ورأيته يكبكب ثوبه ويرفعه إلى ركبته، فلما انتهينا وانطلقت أنا وإياه راجعين إلى مكان إقامتنا قال لي بصريح العبارة: يا شيخ! ثيابي تفشل، هكذا بالحرف الواحد، قلت: غيرِّ، من الذي يحول بينك وبين التغيير، فغير صاحبي ثيابه، وغير نمط الحياة رأساً على عقب.
وبعد أيام وجدته يحمل في جيبه مشطاً صغيراً، وكل يوم يمشط لحيته المكونة من شعيرات صغيرة لا تكاد تظهر، فقلت له: لماذا هذا المشط؟ قال: أريد أن تكون لي لحية أحسن من لحيتك، وكان يسألني: ماذا يقولون في دعاء الاستفتاح؟ وماذا يقولون في السجود؟ وماذا يقولون في الركوع؟ سبحان الله! عمره على وشك الثلاثين ولا يعرف من الدين شيئاً، وهكذا كثير من الناس يعيشون ولا يعرفون من دينهم شيئاً، فأخذ صاحبي يتعلم كل يوم أموراً جديدة تحيي قلبه، وتغير في حياته، وبعد كل صلاة يخرج الناس من المسجد وهو يجلس في مصلاه، فيفتح حصن المسلم الذي فيه أذكار الصلاة، وأذكار المساء، وأذكار الصباح، وأذكار النوم، وبدأ صاحبي يتعلم كيف يكون الاتصال بالله جل في علاه، فالله يقول: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]، ويقول: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، فبدأت حياة صاحبي تتغير رأساً على عقب، وبدأ صاحبي حياة جديدة شعارها العودة إلى الله، شعارها هداية واستقامة ودعاء وتضرع إلى الله، وسؤال الثبات على هذه الاستقامة، فقد جمعتنا غرفة واحدة، فكم من ليلة استيقظ في ساعات الليل الأخيرة فأجده فارشاً سجادته وصافاً قدميه بين يدي الله، لقد جرب صاحبي طعم الطاعة، وقد سألته بعد حين وقلت له: كيف كنت تعيش؟ قال: والله لقد كنا أمواتاً فأحيانا الله، وإن الحياة من قبل لا قيمة لها ولا طعم ولا لون، فقد كنا كالأنعام بل كنا أضل.
وقال: إن عمله كان يبدأ من الساعة السادسة صباحاً حتى الثانية ظهراً، ثم يرجع فيأكل ثم ينام بلا صلاة ولا طاعات ولا واجبات، فينام حتى الحادية عشر أو الثانية عشر ليلاً، فيفوت صلاة العصر والمغرب والعشاء، ثم يمكث الساعات الطوال أمام الشاشات والقنوات حتى يحين موعد العمل، ثم يذهب إلى العمل، فأي حياة هذه؟ وما قيمة الحياة بهذه الصورة؟! ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣ - ٤٤]، فلما استقام صاحبي تغيرت حياته، وصار ملازماً للمسجد مع صفوف المصلين، وتغيرت حياة صاحبي يوم بدل الأغنية بالقرآن، وتغيرت حياة صاحبي لما بدل الرفقة السيئة بمصاحبة الأخيار، فأصبح مثلاً يضرب في تلك البلاد، فوالله إنه من شدة حيائه وخوفه صار مضرباً للمثل هناك، فما يتناقل الناس في تلك المنطقة إلا أخبار فلان، فقد كان ميتاً وإن كان يشرب ويأكل ويروح ويغدو مع الناس، لكن الناس بلا هداية كالأموات، فالذي يعيش بلا هداية ميت لا قيمة له، كما قال الله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]، فشتان يا إخوان! بين أصحاب الجنة وبين أصحاب النيران، أيستوي الأعمى والبصير؟ أتستوي الظلمات والنور؟ أيستوي الأحياء والأموات؟ لا يستوون.
أحبتي! إن نعمة العقل نعمة عظيمة يمتلكها كل إنسان، ولا يستعملها إلا القليل، أما يعرف الإنسان ما يضره وما ينفعه؟! أما آن عما أنت فيه متاب وهل لك من بعد الغياب إياب تقضت بك الأعمار في غير طاعة سوى عمل ترجوه وهو سراب فلم يبق للراجي سلامة دينه سوى عزلة فيها الجليس كتاب
стр. 20
من أخبار عبد الواحد بن زياد
اخترنا لكم قصصاً وآيات وأحاديث وأخباراً من أخبار أولئك الذين اشتاقت نفوسهم إلى ما عند الله، أولئك الذين يسيرون في الأرض ويرددون قوله جل في علاه: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]، فهم سماويون لا أرضيون ولا دُنيويون ولا طينيون، يمشون في الأرض وقلوبهم معلقة في السماء، قال الله عنهم: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٣ - ٦٥]، فهذا ليل ونهار عباد الرحمن الذين يريدون أن يفوزوا بجنات الرحمن، فاسمع إلى أخبار المشتاقين إلى جنات النعيم ثم قل أين نحن من هؤلاء.
ففي مجلس من مجالس الذكر والقرآن وهو مجلس عبد الواحد بن زياد يقول عبد الواحد: كنا نتذاكر فضل الشهادة في سبيل الله، وفضل الشهداء، والدرجة الرفيعة التي أعدها الله للمجاهدين في سبيله، وقد جاء في الحديث: (إن للشهداء في سبيل الله مائة درجة في الجنة، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض)، فتأمل هذا الفضل العظيم الذي هو صفقة بينه ﷻ وبين عباده الصالحين، فقد اشترى منهم الأنفس والأموال على أن يكون الثمن هو الجنة، فهذا وعد سابق، وعهد صادق، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]، ففي مجلس عبد الواحد بن زياد قال: كنا نتذاكر الشهادة في سبيل الله، وفضل الشهداء والمجاهدين، ثم قرأ قارئ في المجلس: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]، فقام غلام في السادسة عشرة من عمره فقال: يا عبد الواحد! آلله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة؟ قلت: نعم يا صغيري! وكان يتيماً ورث عن أبوية مالاً كثيراً، قال: فإني أشهدك يا عبد الواحد! أني بعت نفسي ومالي لله على أن يكون الثمن الجنة، فمع أن هذا الغلام في السادسة عشرة من عمره إلَّا أن أفعاله أفعال الرجال، وأما اليوم فابن السادسة عشرة والثامنة عشرة يقال عنه: مراهق، وفي السابق لم يكونوا يعرفون هذه المصطلحات التي لا تمت إلى الإسلام لا من قريب ولا من بعيد، فمن كان في هذه السن فهو شاب مكلف لا بد أن يقوم بالطاعات، وأن يترك النواهي والمحرمات، فقام الصغير وقال: يا عبد الواحد! آلله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة؟ قلت: نعم يا صغيري! قال: فإني أشهدك أني بعت نفسي ومالي لله على أن يكون الثمن الجنة، قلت: يا صغيري! أخاف حين تسمع صليل السيوف، ورمي السهام والرماح أن تفر، قال: بئس حامل القرآن أنا إذا فررت من الموت في سبيل الله، يقول عبد الواحد: فلما كان الصباح كان أول من أتى إلي يحمل ماله كله معه، فقال: يا عبد الواحد! هذا مالي كله جهَّز به المجاهدين في سبيل الله، وجهَّز نفسه، وأعد عدته وخرج مع من خرج، يقول عبد الواحد: لقد رأيت منه العجب العجاب، لقد كان قواماً بالليل، صواماً بالنهار، وكان في خدمتنا، فيوقر الكبير، ويرحم الصغير، ويعطي هذا، وفي خدمة هذا، فقلت: سبحان الله! على ماذا تربى هذا اليتيم؟ إن الذي تربى عليه هذا اليتيم هو القرآن، فهو الذي صنع هذا الشاب الصغير، وصنع قبله أقواماً، وسيصنع القرآن بعده أجيالاً وأجيالاً، إنه القرآن المنزل من عند الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد؛ فأثر القرآن سيظل باقٍ في هذه الأمة شاء أعدائها أم أبوا، فكلما ظنوا أنهم قد استأصلوا شأفة هذا الدين رددت الأمة آيات القرآن، فرجعت فيها الروح أقوى مما كانت، ولم يتعرض دين من الأديان لمؤامرات بالليل والنهار كما تعرض لها هذا الدين، ومع هذا بقي هذا الدين شامخاً عزيزاً؛ لأن الله تكفل بحفظه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فاستعد الشاب وخرج، فلما صفت الصفوف رأيت فارساً مغواراً، ومجاهداً صنديداً، ومقاتلاً عنيداً، وما توقعت أن هذا يخرج من هذا الغلام الصغير، وكل يوم والمعركة تزداد، وهو في كرّ وفرّ، فتراه في الميمنة وتراه في الميسرة، ويتحمل أعباء كثيرة لا يتحملها إلا صناديد الرجال وعمره ست عشرة سنة، يقول عبد الواحد: وفي يوم زاد علينا أذى الكفار، واجتمعت علينا صفوف كثيرة، وعند الظهيرة توقف القتال وأخذتنا إغفاءه واستراحة كما يستريح المحارب، يقول: فأغفى غلامي إغفاءة ثم استيقظ وهو يقول: واشوقاه للعيناء المرضية! فقال أصحابي: وسوس الغلام، قلت: ما بك يا صغيري! قال: يا عبد الواحد! رأيت رؤيا فاكتمها عليّ حتى ألقى الله، قلت: وماذا رأيت يا صغيري؟ قال: رأيت أني في روضة من رياض الجنة وفيها من الحور العين ما الله به عليم، فإذا هن يشرن إلي ويقلن: هذا زوج العيناء المرضية، قلت: أين هي العيناء المرضية؟ قالوا: انطلق انطلق، فانطلقت حتى إذا أتيت على نهر من ماء غير آسن عليه من الحور العين ما نسّاني ما خلفت ورائي، فإذا هن يشرن إلي ويقلن هذا زوج العيناء المرضية هذا زوج العيناء المرضية، قلت: أين هي العيناء المرضية؟ قالوا: انطلق انطلق، فانطلقت أمامي حتى أتيت على نهر من لبن لم يتغير طعمه، فإذا على جوانبه من الحور العين ما نسّاني ما خلفت، فإذا هن يشرن إلي ويقلن: هذا زوج العيناء المرضية، هذا زوج العيناء المرضية، قلت: أين هي العيناء المرضية؟ قالوا: انطلق انطلق، فانطلقت أمامي حتى إذا أتيت على نهر من خمر لذة للشاربين فإذا عليه من الحور العين ما نساني ما خلفت، فإذا هن يشرن إلي ويقلن: هذا زوج العيناء المرضية، هذا زوج العيناء المرضية قلت: أين هي العيناء المرضية؟ قالوا: انطلق، انطلق فانطلقت حتى إذا أتيت على نهر من عسل مصفى، فإذا عليه من الحور العين ما أنساني ما خلفت ورائي، فإذا هن يشرن إلي ويقلن: هذا زوج العيناء المرضية، هذا زوج العيناء المرضية، قلت: أين هي العيناء المرضية؟ قالوا: انطلق أمامك، فانطلقت أمامي فأتيت على خيمة من لؤلؤ مجوفة مرتفعة في عنان السماء، فإذا على بابها من الحور العين ما نساني ما خلفت، فإذا هن يشرن إلي ويقلن: هذا زوج العيناء المرضية، قلت: أين هي العيناء المرضية؟ قالوا: هي في الداخل بانتظارك، فدخلت فرأيت ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، رأيت تلك التي نصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها، ورأيت تلك التي لو ضحكت لغطى نور وجهها نور الشمس والقمر، رأيت تلك التي لو بصقت في بحر لجي لأصبح عذباً فراتاً، ورأيت تلك التي أنستني ما خلفت ورائي، فأردت أن أضمها فقالت: انتظر يا حبيبي! أنت فيك روح الحياة، تفطر عندنا اليوم! وقد كان صائماً ﵀ في أرض القتال، فتجدهم في أرض المعركة في صوم وتقرب إلى الله بالطاعات، قال: ثم أفقت يا عبد الواحد! فواشوقاه للعيناء المرضية! اكتم رؤياي يا عبد الواحد! حتى ألقى الله، يقول عبد الواحد: فما هي إلا لحظات حتى ظهرت سرية من الكفار فانطلق إليها الغلام يصول يمنة ويسرة فقتل منهم تسعة وكان هو العاشر، فجئته فإذا هو يتشحط في دمه وعلى وجهه ابتسامة، وهو يقول: أهلاً بالعيناء المرضية، أهلاً بالعيناء المرضية.
فعلى ماذا تربى هذا الغلام؟ لقد تربى على كلام الرحمن، وتربى على تلك الآيات التي تربي الأنفس وتمنيها بما عند الله جل في علاه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان:٥١ - ٥٩]، فجنات الرحمن تحتاج إلى فئة صادقة مؤمنة لم تغرها الحياة الدنيا، بل تريد ما عند الله جل في علاه، فهذه هي أخبارهم، فما هي أخبار الشباب اليوم؟! فهم كانوا يبيتون سجداً وقياماً، فعلى ماذا يبيت الشباب اليوم؟! وهم تغنوا بالقرآن الكريم، فبماذا يتغنى الشباب اليوم؟! وهم ملئوا الآذان بآيات الرحمن فبماذا ملأ الشباب الآذان اليوم؟ وهم كانت أمنيتهم واحدة وهي: أن ينالوا رضا الله وجنات النعيم، فما هي أمنيات الشباب اليوم؟! إن سبب صلاح الشباب هم الشباب أنفسهم، وإن سبب ضياع الشباب اليوم هم الشباب أنفسهم، فاخترنا لكم قصصاً من الماضي وقصصاً من الحاضر، وهذه القصص مطعمات بآيات لو تنزلت على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله.
стр. 21
قصة توبة الشاب حسان
فمن هذه القصص: أن جماعة كانوا على ضلالة، وكانوا يتعاونون على الإثم والعدوان، وينهون عن المعروف ويأمرون بالمنكر، حتى منَّ الله على واحد منهم بالاستقامة، فاستقام وصلح حاله، فأراد لصاحبيه الهداية والاستقامة، فاجتهد عليهما حتى هدى الله الثاني، ثم الثالث، فبعد أن كانوا مفاتيح شر أصبحوا مفاتيحاً للخير، وتعاهدوا فيما بينهم أن يعوضوا الأيام الماضية في المعاصي والمنكرات، وأن يستغلوا ما بقي من العمر في الطاعات والقربات، فاتفقوا فيما بينهم أن يجتمعوا كل يوم قبيل الفجر بساعة حين يتنزل الرحمن نزولاً يليق بجلاله، فينادي: هل من تائب؟ هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:١ - ٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢]، فالله تعالى يعطي الفرص مرات ومرات، والله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، فقد كان الثلاثة مجتمعين على المعاصي، ثم بدل الله حالهم واجتمعوا على الطاعات، وقرروا فيما بينهم أن يجتمعوا كل يوم قبيل الفجر بساعة ثم ينطلقون إلى مسجد من المساجد، فيصلون فيه إما فراداً وإما جماعة ما شاء الله أن يصلوا، واستمروا على هذه الحال مدة طويلة، وفي يوم من الأيام تأخر الذي كان عليه الدور أن يمر على الشباب حتى لم يبق على صلاة الفجر إلا نصف ساعة، فلما جاءهم وقفت بجانبهم سيارة تكاد تنفجر من صوت الموسيقى والألحان، وما كأن هذا الوقت ساعة مباركة وساعة استجابة، فأشار إليه الأول فلم يستجب لهم، وأشار إليه الثاني فلم يعطهم بالاً، وأشار إليه الثالث فلم يلتفت إليهم، فانطلق بسرعة حين انطلقت الإشارة، فقالوا فيما بينهم: ما رأيكم لو نسعى في هداية هذا الشاب؟ فننطلق خلفه عل الله يكتب هدايته في هذه الليلة المباركة؟ فأخذوا يلحون على الله بالدعاء أن يهدي هذا الشاب، (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه)، وأي نعمه أعظم من نعمة الهداية والاستقامة، فانطلقوا خلفه، وبدءوا يشيرون إليه بالأنوار العالية عله يتوقف، فظن صاحبنا أن القضية عراك، وظن أنها قصة تحدٍ في ساعات الليل الأخيرة، فتوقف متحدياً، ونزل من السيارة، وكان شاباً طويل القامة، عريض المنكبين، مفتول العضلات، فقال: ماذا تريدون؟! فابتسموا في وجهه وقالوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قال: من أراد العراك لا يبدأ بالسلام، وهؤلاء لا يريدون العراك، قال: ماذا تريدون؟ قالوا: أما تعلم في أي ساعة أنت الآن؟ الساعة الآن قبيل الفجر، وهي ساعة السحر، وهي من أعظم الساعات، ولا يرد الله فيها الدعاء، أما عندك حاجة تطلب الله إياها الآن؟ قال: أما تعرفون من أنا؟ أظنكم لا تعرفوني! قالوا: من أنت؟ قال: أنا حسان الذي لم تخلق النار إلا لي! قالوا: اتق الله، فإن باب الرحمة واسع، والرحمن يقبل من أتاه، (من أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً).
فبدءوا يذكرونه بواسع رحمة الله، وأن الله يقول: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]، ويقول في الحديث القدسي: (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ولا رجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم أتيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة ولا أبالي)، وهو الذي يقول: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]، فالله بابه مفتوح بالليل والنهار، وهو الذي يقبل توبة التائبين، ويغفر ذنوب المذنبين فارتم ببابه، واسأله الرحمة، فأخذ حسان يبكي ويقول: أيقبلني بعد أن أذنبت وفعلت كذا وكذا وكذا؟! فلم يبق باب من أبواب المعاصي إلا دخلته، ولم تبق مصيبة من المصائب إلا ارتكبتها ثم هو يقبلني؟! قالوا: نعم، ويبدل السيئات حسنات، قال: أنا الآن سكران، وأنا الآن على معصية، فاحتضنوه وأخذوه إلى أقرب دار لهم، فاغتسل حسان، وتطيب وتعطر، ولبس أحسن الثياب، ثم انطلق معهم ليشهد أول صلاة منذ سنوات مضت، يقول لهم: لي سنوات لم أعرف لله أمراً ولا نهياً، وسنوات لم أركع لله فيها ركعة واحدة، فاغتسل وتطيب ودخل المسجد، وقد كان حسان على موعد مع الهداية، فانطلق الإمام يقرأ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، فأخذ الإمام يقرأ بصوت حنون، ويردد تلك الآيات، ويرغب الناس فيما عند الله جل في علاه، ويبشرهم بجنات النعيم، ثم قرأ الإمام أرجى آية في كتاب الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، فما إن قرأها الإمام حتى ارتفع الصياح في المسجد، وامتلأت أركانه نحيباً وشهيقاً وبكاءً عالياً، والإمام يقرأ وحسان يزيد في البكاء، فلما انتهى الإمام من صلاته التف حوله المصلون يهنئونه بالتوبة والرجعة والعودة إلى الله، فـ حسان الذي كان يقول: ما خلقت النار إلا لي كان على موعد مع الهداية، وكان ذلك على يد هؤلاء الشباب، فالشباب هم سبب صلاح الشباب، والشباب هم سبب ضياع الشباب.
وبدأ حسان يحكي مأساته: فعلت كذا وفعلت كذا، ولي أب وأم كبيران في السن لم أرهما منذ شهور طويلة، وهما بحاجة إلى أن أكون بجانبهما، فأريد أن أرى أبي، وهو يصلي في المسجد الفلاني، ويمكث في ذلك المسجد حتى شروق الشمس، فانطلقوا به إلى ذلك المكان، فوصلوا وقد أشرقت الشمس وارتفعت، فإذا بشيخ كبير خارج من المسجد، فقال: هذا أبي، هذا أبي، ضعف بصره، وانحنى ظهره، وخطواته متثاقلة، وكم هو هذا الأب بحاجة إلى مثل هذا المفتول العضلات؛ حتى يكون في خدمته ورعايته، فجاءوا فسلموا عليه، وقالوا: معنا حسان، فما أن سمع الأب اسم حسان حتى قال: حسان؟! الله يحرق وجهك بالنار يا حسان! عذبك الله كما عذبتني يا حسان!، فأخذ حسان يبكي وارتمى على الأرض، فقالوا لأبيه: إن حسان قد جاءك تائباً منيباً راجعاً إلى الله، قال الأب: حسان يتوب؟! قالوا: نعم، وقد صلى الفجر في جماعة، وغير الحياة وبدل، وانظم إلى قافلة التائبين والعائدين إلى الله، فأخذ الأب يبكي واحتضن ابنه باكياً وفرحاً بتوبة حسان وعودته إلى ربه جل في علاه، والتف الثلاثة من حولهما يبكون فرحاً بتوبة حسان، وأصبح منظرهما في الشارع مؤثراً، شيخ كبير يحتضن مفتول العضلات ويبكي على هدايته.
ثم انطلقوا إلى المرأة العجوز وأخبروها فأخذت تبكي بكاءً شديداً فرحاً بتوبة حسان، أقول: لله أفرح بتوبة حسان مع أن الله تعالى لا تضره معصية العاصين، ولا تنفعه طاعة الطائعين، (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيها لكم يوم القيامة، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد دون ذلك فلا يلومن إلا نفسه).
فانطلق حسان مع التائبين، وأقبل على بيوت الله يتربى في المساجد وفي حلقات القرآن حتى تغير حاله رأساً على عقب، فـ حسان الذي كان يقول: ما خلقت النار إلا لي صار حاله في كل يوم يتبدل، فصار يقبل على الله أكثر من الأيام الماضية، حتى قال في نفسه يوماً: إن عليه من الذنوب والمعاصي ما الله به عليم، ولا يكفر هذا إلا أن أسيل كل قطرة من قطرات دمي رخيصة في سبيل الله، ولا يكفر هذا إلا أن أقدم النفس رخيصة من أجل الذي أعطاني كل شيء، فجاء إلى الأب الشيخ الكبير وقال له: يا أبي! أنا أريد أن أنطلق إلى ساحات الجهاد، وأريد أرفع كلمة الله، وأريد أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وأريد أن أبذل كل قطرة من قطرات دمي في سبيل الله، قال الأب: يا حسان! لقد فرحنا بعودتك وباستقامتك وتريد أن تحرمنا الآن منك! قال: يا أبي! إن كنتم تحبوني فلا تحولوا بيني وبين الموت والشهادة في سبيل الله، فقال الشيخ الكبير: لك ما أردت إذا وافقت العجوز، فانطلق إليها مقبلاً رأسها وقدميها وقال: أماه! ائذني لي أن أنطلق إلى أرض الجهاد، فإن علي من الذنوب ما لا يكفره إلا أن تسيل كل قطرة من قطرات دمي رخيصة في سبيل الله، فقالت الأم: يا حسان! لقد فرحنا بك وبعودتك واستقامتك أفتتركنا الآن وترحل؟! قال: أماه! إن كنتم تحبوني فدعوني أنطلق، دعوني أنطلق، قالت بشرط: على أن تكون شفيعاً لنا عند الله يوم القيامة.
فعلى ماذا تربي الأمهات الأبناء اليوم؟ هل تربيهم على حب الله ورسوله؟ وهل تربيهم على بذل كل غالٍ ونفيس لأن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى؟! فالله المستعان.
فانطلق حسان إلى ساحات القتال والجهاد، وإلى ساحات
стр. 22
لمن كان له قلب
إن الحديث عن اليوم الآخر ليوقظ النائم من رقدته، وينبه الغافل من غفلته، ويحيي الإيمان في القلوب، ويفزع الناس إلى العمل بالقرآن، والاهتداء بسيد الأنام، لأنه إذا علم العبد أنه سيمر بأحوال وأهوال عظام تشيب لها الولدان استعد وعمل لذلك اليوم، وهذا إنما يكون لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
стр. 23
الحديث عن اليوم الآخر
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أحبتي! حياكم الله وبياكم، وسدد على طريق الحق خطاكم، وجمعني وإياكم في دار كرامته إخواناً على سرر متقابلين، وأسأله سبحانه أن يفرج هم المهمومين، وأن يكشف كرب المكروبين، وأن يقضي الدين عن المدينين، وأن يدل الحيارى ويهدي الضالين، وأن يغفر للأحياء والميتين.
لعلكم أحبتي قرأتم العنوان أو سمعتم به: لمن كان له قلب، وهل من الممكن أن يكون هناك أناس بلا قلوب؟ نعم أحبتي، القلوب الغافلة، والقلوب الشاردة اللاهية، فإن هذه القلوب لا تعتبر قلوباً حية، وإنما القلوب الحية هي التي تنتفع بكلام الله وبكلام نبيه ﷺ ، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
إن لم يكن ذكر الآخرة يحرك القلوب فما الذي يحركها؟! إن لم يكن ذكر الجنة يشوق القلوب فما الذي يشوقها؟! إن لم يكن ذكر النار يخوف القلوب فبالله عليكم قولوا لي: ما الذي يخوفها؟! إن لم يكن هذا الحديث يدعو الصالح إلى الزيادة في صلاحه، ويدعو العاصي إلى الكف عن غيه ومعصيته فما الذي سيدعوه؟! إن الحديث: لمن كان له قلب، إنما هو الحديث عن اليوم الآخر وما به من الشدائد والأهوال، وقد قرن الله ﵎ الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر، فقال سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:١٧٧]، وقال سبحانه: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [الطلاق:٢] فقدم سبحانه ذكر الإيمان باليوم الآخر على بقية أركان الإيمان الأخرى؛ لأن الإيمان بذلك -أحبتي- هو الضابط الحقيقي لسلوك الإنسان.
إن الإيمان بذلك اليوم وما فيه من الشدائد والأهوال لهو المحرك الحقيقي لهذا الإنسان، فلا رادع للعصاة عن عصيانهم إلا بذكر ذلك اليوم، ولا مشوق لأهل الصلاح للزيادة في صلاحهم إلا بذكر ذلك اليوم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٣ - ١٠٥].
إن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، وعقيدة من عقائد الإسلام الأساسية، فقضية الإيمان باليوم الآخر هي التي يقوم عليها بناء العقيدة بعد قضية التوحيد، واليوم الآخر وما فيه من الأمور الغيبية التي لا يدركها العقل، ولا سبيل لمعرفتها إلا بالنص القرآني والسنة النبوية، وفي كتاب الله -أحبتي- من ذكر اليوم الآخر وما فيه من الأهوال الشيء الكثير، فما تكاد تخلو صفحة من صفحات الكتاب الكريم من صورة من صور ذلك اليوم، أو موقف من مواقف ذلك اليوم، فهو اليوم الذي لا يوم مثله، ولا يوم قبله، ولا يوم بعده، إنه اليوم العقيم، قال سبحانه: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٥].
стр. 24
أسباب الحديث عن اليوم الآخر
لماذا الحديث عن اليوم الآخر؟
و
الجواب
أن ذلك لأسباب عدة: أولاً: الغفلة التي استحكمت على حياة كثير من المسلمين، قال سبحانه: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [الأنبياء:١ - ٣] أي: بكثرة اللهو وكثرة المغريات.
ثانياً: انشغال الناس بالدنيا وعمارتها أكثر من اشتغالهم بالاستعداد لليوم الآخر، قال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١].
ثالثاً: أن الإيمان بالله واليوم الآخر وما فيه من الثواب والعقاب هو الموجه الحقيقي لسلوك الإنسان، فهناك فرق بين سلوك من يؤمن بالله واليوم الآخر، وسلوك من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، فمن علم أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الأعمال الصالحة هي زاد الآخرة لم ينشغل بعمارة الدنيا عن عمارة الآخرة، قال سبحانه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧]، وقال ﷺ : (من جعل الهموم هماً واحداً - أي: هم الآخرة - كفاه الله هم الدنيا وهم الآخرة) فهناك فرق بين سلوك من يؤمن بالله واليوم الآخر وسلوك ضعيف الإيمان.
قال صاحب الظلال: فالمصدق بيوم الدين يعمل وهو ناظر لميزان السماء لا لميزان الأرض، ولحساب الآخرة لا لحساب الدنيا.
انتهى كلامه ﵀.
فتجد المؤمن بالله واليوم الآخر له نظرة مختلفة للحياة، فترى فيه استقامة على دين الله، وترى فيه سعة تصور وقوة إيمان، وترى فيه ثباتاً في الشدائد وصبراً على المصائب، فهو يعلم أن ما ﴿عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى:٣٦].
وأما الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر وما في ذلك اليوم من حساب وجزاء فهو يحاول جاهداً أن يحقق مآربه في هذه الحياة، لاهثاً وراء متعها، وحريصاً على جمعها، قد جعل الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه، فهو يقيس الأمور بالمنفعة الشخصية والخاصة، ولا يلتفت إلى بني جنسه إلا في حدود ما يحقق له المصالح فتباً له ولأمثاله.
стр. 25
الأدلة على إثبات اليوم الآخر
استدل أهل العلم على إثبات اليوم الآخر بأدلة كثيرة، حيث إن الأولين قد أنكروا قضية الإيمان باليوم الآخر، وأنكروا قضية البعث والنشور، قال الله عنهم: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام:٢٩]، وقال عنهم: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧]؛ لهذا ركز القرآن على قضية الإيمان باليوم الآخر، وإثبات البعث والحساب والجزاء، فجاءت أدلة كثيرة لإثبات ذلك اليوم، ومنها:
стр. 26
النشأة الأولى
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ [الحج:٥] أي: إن كنتم في شك من البعث: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج:٥] فمن قدر على خلق الإنسان في أطوار متعددة لا يعجز عن إعادته مرة أخرى، بل الإعادة أهون عليه من البدء.
فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ وبيده عظمة بالية أكل الدهر عليها وشرب، ووضعها بين يديه ففتها، ثم نفخها في الهواء، ثم قال: يا محمد! أيحيي الله هذا بعدما أرم؟ فقال بأبي هو وأمي: (نعم ويدخلك النار).
فقال الله فيه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٧ - ٧٨]، قل له يا محمد!: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٩].
стр. 27
المشاهد الكونية المحسوسة
من الأدلة على إثبات اليوم الآخر: المشاهد الكونية المحسوسة الدالة على إمكان البعث، قال سبحانه: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٥ - ٧]، فإحياء الأرض الميتة بالمطر، وظهور النبات فيها دليل على قدرة الخالق جل وعلا على إحياء الموتى وقيام الساعة.
стр. 28
القدرة على خلق ما هو أعظم من الإنسان
من الأدلة أيضاً: القدرة الباهرة المتجلية في خلق الأعظم، قال سبحانه: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٨١ - ٨٣]، فخالق السماوات والأرض على عظمهما قادر على خلق هذا الإنسان الصغير، كما قال هو سبحانه: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧].
стр. 29
الحكمة الإلهية
من الأدلة أيضاً: الحكمة الإلهية، فالحكيم لا يترك الناس سدىً، ولا يخلقهم عبثاً، ولا يتركهم فلا يؤمرون ولا ينهون، ولا يزجرون على أعمالهم، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥]، وقال سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٣٦ - ٤٠] بلى قادر ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود:١٧].
فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شيء
стр. 30
صور وأهوال من يوم القيامة
اسمع وافتح قلبك قبل أن تفتح أذنيك، فإن في هذا الحديث ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، قال تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، وجاء في حديث أبي هريرة كما في حديث الطور قال: (ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فإذا اجتمعوا أمواتاً جاء ملك الموت إلى الجبار فيقول: قد مات أهل السماء والأرض إلا من شئت، فيقول الله سبحانه وهو أعلم: من بقي؟ فيقول: يا رب! بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقي حملة العرش، وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل، وبقيت أنا، فيقول الله : ليمت جبريل وميكائيل، فينطق الله العرش فيقول: أي رب! يموت جبريل وميكائيل! فيقول ﷻ : اسكت إني كتبت الموت على كل من تحت عرشي؛ فيموتان، قال: ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار ﷻ فيقول: يا رب! قد مات جبريل وميكائيل، فيقول الله سبحانه وهو أعلم: من بقي؟ فيقول: يا رب! بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقي حملة عرشك، وبقيت أنا، فيقول سبحانه: ليمت حملة العرش، فيموتون، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل ثم يقول سبحانه: ليمت إسرافيل، فيموت، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا رب! قد مات حملة عرشك، فيقول سبحانه وهو أعلم: من بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت أنا، فيقول الله: أنت خلق من خلقي، خلقتك لما رأيت فمت، فيموت، فإذا لم يبق إلا الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً فكان كما كان أولاً، طوى السماء كطي السجل للكتب، ثم قال: أنا الجبار لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، ثم ينادي سبحانه: لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، ثم ينادي سبحانه: لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه ﵎: لله الواحد القهار).
стр. 31
النفخ في الصور
تبدأ الشدائد والأهوال بنفخة واحدة، وهي نفخة الصعق، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ مرة أخرى وهي نفخة البعث، واسمع إلى القرآن وهو يحذر وينذر، ويذكر بشدة الشدائد والأهوال، فقال سبحانه مذكراً بأهوال ذلك اليوم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢]، إن في ذلك اليوم من الشدائد والأهوال ما فيه حياة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وقال سبحانه مصوراً تلك الشدائد: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ * يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ * كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الانفطار:١ - ٩].
стр. 32
حال السماوات والأرض يوم القيامة
لو كان الإيمان بالله وباليوم الآخر قد خالط القلوب وتمكن منها لما غفلت عن ربها ﵎، واسمع إلى هذه الشدائد والأهوال إن كان لك قلب، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٨].
واسمع رعاك الله! فالحديث لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، من سره أن يرى القيامة رأي العين فليسمع هذه الآيات: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير:١ - ١٤].
نعم، إن في هذا الحديث حياة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
فبنفخة واحدة بدأت القيامة، وبنفخة أخرى يبدأ البعث والنشور، وبعد النفخة الثانية: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] إنه الخروج من القبور، والسير إلى أرض المحشر، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٣ - ٤٤] وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٨]، وقال سبحانه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه:١١١] فيسعون إلى أرض المحشر في سكون وخشوع لا تسمع منهم إلا صوت الأقدام والهمسات، ثم يقبض الجبار السماوات بيمينه والأرضين بيده الأخرى، ثم يقول: (أنا الملك، أين الجبارون؟! أين المتكبرون؟ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]).
وعن عبيد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله ﷺ ذلك الموقف، قال: (يأخذ الله سماواته وأراضيه بيديه فيقول: أنا الله ويقبض أصابعه ويبسطها فيقول: أنا الملك، يقول ابن عمر: حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفله حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله ﷺ ؟).
وأما أرض المحشر -أحبتي- فأرض غير هذه الأرض، وأما سماؤه فسماء غير هذه السماء، قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨].
стр. 33
أحوال الناس يوم القيامة
وأما أحوال الناس في ذلك اليوم العظيم، فقد قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم:٤٩ - ٥٢] نعم، (أُوْلُوا الأَلْبَابِ) لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء - أي: مائلة إلى الحمرة - كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد) رواه مسلم، والقرصة: الرغيف.
والنَّقي: الدقيق المنخول المنظف.
وأما حال الناس: فحفاة عراة، فعن عائشة ﵂ قالت: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً - أي: غير مختونين - قلت: يا رسول الله! النساء والرجال ينظر بعضهم إلى بعض، قال ﷺ : يا عائشة! يا ابنة الصديق! الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض) متفق عليه.
فمن الناس من يحشر على وجهه، كما قال سبحانه: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧]، وعن أنس بن مالك ﵁: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! كيف يحشر الكفار على وجوههم يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ قال قتادة: بلى وعزة ربنا) متفق عليه.
стр. 34
دنو الشمس من رءوس الخلائق يوم القيامة
ثم يزداد الهول والكرب بأهل الموقف، فتدنو الشمس من رءوس العباد فيغرقون في العرق، فعن المقداد بن الأسود ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، قال سليم بن عامر: فو الله الذي لا إله إلا هو ما أدري ما يعني بالميل: أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين؟ قال: فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق: فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً).
عبد الله! أما تتفكر وتتدبر في الموقف وشدته، وفي ذل الخلق وانكسارهم في ذلك اليوم الطويل، والأبصار خاشعة، والقلوب وجلة، وأنا وأنت والجميع في انتظار النهاية كيف تكون؟ وأن يكون المصير؟ مثل لقلبك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور قد كورت شمس النهار وأضعفت حراً على رءوس العباد تفور وإذا الجبال تقلعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور وإذا العشار تعطلت عن أهلها خلت الديار فما بها معمور وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت وتقول للأملاك أين نسير؟ فيقال سيروا تشهدون فضائحاً وعجائباً قد أحضرت وأمور وإذا الجنين بأمه متعلق خوف الحساب وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف المقيم على الذنوب دهور
стр. 35
مجيء النار يوم القيامة
ثم تزداد الشدائد والأهوال، فيؤتى بجهنم يسمع: ﴿لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان:١٢]، قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢١ - ٢٤]، وعند ذلك يندم النادمون، ويتحسر المتحسرون، ويتمنون أن لو ساعة واحدة يرجعون ليعملوا صالحاً، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) لو تركت على أهل المحشر لأتت عليهم من أولهم إلى آخرهم، قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان:١٢ - ١٤].
إنه يوم: ﴿مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج:٦ - ٧]، إنه يوم الطامة ويوم الصآخة، إنه يوم الفرار قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]، والناس على هذه الحال في الموقف الشديد، والكرب العظيم، ويطول الانتظار والكل ينتظر الحساب والوقوف بين يدي الملك الديان.
стр. 36
الشفاعة العظمى في أهل الموقف
ثم يأتي الفرج في أهل الموقف بشفاعة النبي ﷺ ، فقد جاء عن أبي هريرة عند مسلم، قال: (أُتي رسول الله ﷺ يوماً بلحم.
فرفع إليه الذراع فنهس منها نهسة فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة.
أتدرون بم ذاك؟ ثم قال: يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فلا يغادر منهم أحداً، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، حتى إذا اجتمعوا في صعيد واحد، وأدنيت الشمس من رءوس العباد، وغرق الناس بعرقهم، وازدادت الأهوال والشدائد على الناس نظر بعضهم إلى بعض فقالوا: ألا ترون ما نحن فيه؟ ألا ترون ما قد بلغنا من الهم والغم والكرب؟ ألا ترون من يشفع لنا عند ربنا؟ فيقول بعضهم لبعض: أبوكم آدم فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر.
خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسكنك جنته وأمر الملائكة أن تسجد لك - سجود تشريف لا سجود عبادة - ألا ترى إلى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم والكرب؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي.
فيتبرأ منهم أبو البشر، فيزداد الغم والهم والكرب على الناس، فيقال لهم: اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً فيقولون: أنت أول الرسل إلى الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً.
ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي.
اذهبوا إلى إبراهيم ﵇.
يا صاحب القلب! تخيل أنا وأنت معهم: (فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم! أنت نبي الله وخليله، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كذبت ثلاث كذبات - لو عددناها لوجدناها من صالح الأعمال - نفسي نفسي).
أحبتي! هذا هو حال الأنبياء، وحال أولي العزم من الرسل، ومقال الحال يقول: اللهم سلم سلم! فكيف يكون حالي وحالك؟! وكيف يكون حال العصاة المقصرين والمفرطين؟! (اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون: أنت نبي الله وكليمه.
ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي.
اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيقولون: أنت نبي الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنباً.
ويقول: نفسي نفسي.
اذهبوا إلى محمد صلوات ربي وسلامه عليه، فيأتون محمداً - وفي رواية فيأتوني فيقولون: يا محمد! أنت نبي الله وخاتم المرسلين، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم والكرب؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فأقول: أنا لها أنا لها، فأنطلق إلى العرش فأخر ساجداً - اسمع فالحديث لمن كان له قلب- فيفتح الله علي ويلهمني من محامده ما لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب! أمتي أمتي).
وانظر إلى الحبيب فهو لم ينسانا على شدة الموقف والأهوال، نادى بأعلى الصوت: أمتي أمتي، فأين أمته شيبهم وشبابهم ونساؤهم؟ أين هم من سنته وسيرته ونصرة دعوته؟ أما قال الله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
(فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب! أمتي أمتي، فيقال: يا محمد! أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه، من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب.
والذي نفس محمد بيده! إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر) وفي رواية: (وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام).
يا مدعي حب طه لا تخالفه فالخلف يحرم في دين المحبين ما لي أراك تأخذ شيئاً من شريعته وتترك البعض تهويناً وتدوينا خذها سماوية خيراً تفوز به أو اطرحها وخذ رجس الشياطين
стр. 37
الحوض وصفته
هل سمعت أيها الأخ الحبيب عن حوض النبي ﷺ ، ومن يرد عليه، ومن يصد عنه؟ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ترد علي أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله، قالوا: يا نبي الله! أتعرفنا؟ قال: نعم، لكم سيما - أي: علامة - ليست لأحد غيركم، تردون علي غراً محجلين من آثار الوضوء، وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون، فأقول: يا رب! هؤلاء من أصحابي فيجيئني ملك فيقول: وهل تدري يا محمد ما أحدثوا من بعدك؟).
كم غيروا! وكم بدلوا! وكم تهاونوا! وقد اختلف العلماء متى يكون الورود على الحوض وأين؟ فقيل: قبل الصراط.
وقيل: إنه يكون بعد الحساب والميزان والصراط والله أعلم.
وأما وصف الحوض ففتح قلبك رعاك الله! فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه -أي: آنيته- كنجوم السماء، من شرب منه لا يظمأ أبداً) متفق عليه.
стр. 38
الحساب وأحوال الناس فيه
ثم يبدأ الحساب، فتكشف الحقائق، وتظهر الفضائح، قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] تذكر يا عبد الله! أنك بين يدي الله موقوف، وسيكلمك ربك ليس بينك وبينه ترجمان، فتنظر أيمن منك فلا ترى إلا ما قدمت، وتنظر أشأم منك فلا ترى إلا ما قدمت، وتنظر أمامك فلا ترى إلا النار، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، وستقف وستسأل عن القليل والكثير، وعن الصغير والكبير، وعن العمر فيم أفنيته؟ وعن الشباب كيف قضيته؟ وعن المال من أين اكتسبته وفيم أنفقته؟ فلا تظن أن الحساب سيكون يسيراً، إنه حساب بالذرة، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، وفي ذلك اليوم قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠]، ويقول تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل:١١١].
وحال الناس كما أخبر الله عنهم، فقال: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].
وستسأل عن الصلاة كيف أديتها؟ وهل حفظتها؟ وستسأل عن الصوم والزكاة، وعن كل صغيرة وكبيرة، وعن كل كملة قلتها وسمعتها، وستسأل عن حقوق وواجبات وأوامر ومنهيات.
وأما حال الناس في الحساب: فمنهم من يحاسب حساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله مسروراً، ومنهم من يحاسب حساباً عسيراً، ويدعو ثبوراً، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه - أي: ستره - فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى العبد في نفسه أنه قد هلك، قال الله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]).
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٥ - ١٠٦].
الأمنية: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧].
الجواب
﴿ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].
إنها محكمة، شعارها: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧]، وقاضيها: الملك الديان الذي: (حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرماً)، والشهود في المحكمة: السمع والبصر واللسان: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢٤].
فلا إله إلا الله كيف يكون الحال إذا شهدت العينان وقالت: أنا إلى الحرام نظرت! ولا إله إلا لله إذا شهدت الأذنان فقالت: أنا إلى الحرام استمعت! ولا إله إلا لله إذا شهدت اليدان وقالت: أنا بالحرام بطشت وأخذت! ولا إله إلا الله إذا شهدت الرجلان وقالت: أنا للحرام مشيت!
стр. 39
ذبح الموت
وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فينادى أهل الجنة: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون فيقال لهم: أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، ثم ينادى أهل النار فيقال: يا أهل النار! أتعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم هذا الموت، فيؤمر به فيذبح ثم ينادى: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، وينادى: يا أهل النار! خلود فلا موت، ثم قرأ ﷺ : ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩ - ٤٠]).
إنه اليوم الآخر، إنه اليوم الذي لا يوم بعده، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤].
يا عجباً للناس لو فكروا وحاسبوا أنفسهم وأبصروا وعبروا الدنيا إلى غيرها فإنما الدنيا لهم معبر لا فخر إلا فخر أهل التقى غداً إذا ضمهم المحشر ليعلمن الناس أن التقى والبر كانا خير ما يدخر
стр. 40
صفة أخذ الكتاب
يا صاحب القلب! تخيل الموقف وقد تطايرت الصحف والكتب، وإلى أي فريق ستنتمي إلى أصحاب اليمين أم إلى أصحاب الشمال؟ وبأي يد ستأخذ الكتاب بالشمال أم باليمين؟ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠]، النتيجة: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢١ - ٢٤].
وفي المقابل: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٦].
الأمنية: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٧ - ٢٩].
النتيجة: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢].
ما ذنبه؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٣ - ٣٧] نسأل الله السلامة والعافية! إن الحديث إنما ينفع صاحب القلب، فإن كنا نعرف هذا ونسمع هذا فلا بد من العمل والصدق والإخلاص والصبر والاحتساب، وإلا سنقول: واحسرتي واشقوتي من يوم نشر كتابيه واطول حزني إن أكن أوتيته بشماليه وإذا سألت عن الخطأ ماذا يكون جوابيه واحر قلبي أن يكون مع القلوب القاسيه
следующие страницы →