← Джавами‘

Джавами‘ · id 37421

دروس الشيخ خالد الراشد

خالد الراشد

Полный текст (882 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الشفاعة العظمى في أهل الموقف ثم يأتي الفرج في أهل الموقف بشفاعة النبي ﷺ ، فقد جاء عن أبي هريرة عند مسلم، قال: (أُتي رسول الله ﷺ يوماً بلحم. فرفع إليه الذراع فنهس منها نهسة فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة. أتدرون بم ذاك؟ ثم قال: يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فلا يغادر منهم أحداً، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، حتى إذا اجتمعوا في صعيد واحد، وأدنيت الشمس من رءوس العباد، وغرق الناس بعرقهم، وازدادت الأهوال والشدائد على الناس نظر بعضهم إلى بعض فقالوا: ألا ترون ما نحن فيه؟ ألا ترون ما قد بلغنا من الهم والغم والكرب؟ ألا ترون من يشفع لنا عند ربنا؟ فيقول بعضهم لبعض: أبوكم آدم فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر. خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسكنك جنته وأمر الملائكة أن تسجد لك - سجود تشريف لا سجود عبادة - ألا ترى إلى ما نحن فيه؟! ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم والكرب؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي. فيتبرأ منهم أبو البشر، فيزداد الغم والهم والكرب على الناس، فيقال لهم: اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً فيقولون: أنت أول الرسل إلى الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً. ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي. اذهبوا إلى إبراهيم ﵇. يا صاحب القلب! تخيل أنا وأنت معهم: (فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم! أنت نبي الله وخليله، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كذبت ثلاث كذبات - لو عددناها لوجدناها من صالح الأعمال - نفسي نفسي). أحبتي! هذا هو حال الأنبياء، وحال أولي العزم من الرسل، ومقال الحال يقول: اللهم سلم سلم! فكيف يكون حالي وحالك؟! وكيف يكون حال العصاة المقصرين والمفرطين؟! (اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون: أنت نبي الله وكليمه. ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي. اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيقولون: أنت نبي الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنباً. ويقول: نفسي نفسي. اذهبوا إلى محمد صلوات ربي وسلامه عليه، فيأتون محمداً - وفي رواية فيأتوني فيقولون: يا محمد! أنت نبي الله وخاتم المرسلين، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا من الهم والغم والكرب؟ ألا تشفع لنا عند ربنا؟ فأقول: أنا لها أنا لها، فأنطلق إلى العرش فأخر ساجداً - اسمع فالحديث لمن كان له قلب- فيفتح الله علي ويلهمني من محامده ما لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب! أمتي أمتي). وانظر إلى الحبيب فهو لم ينسانا على شدة الموقف والأهوال، نادى بأعلى الصوت: أمتي أمتي، فأين أمته شيبهم وشبابهم ونساؤهم؟ أين هم من سنته وسيرته ونصرة دعوته؟ أما قال الله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]. (فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب! أمتي أمتي، فيقال: يا محمد! أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه، من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب. والذي نفس محمد بيده! إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر) وفي رواية: (وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام). يا مدعي حب طه لا تخالفه فالخلف يحرم في دين المحبين ما لي أراك تأخذ شيئاً من شريعته وتترك البعض تهويناً وتدوينا خذها سماوية خيراً تفوز به أو اطرحها وخذ رجس الشياطين

стр. 37

الحوض وصفته هل سمعت أيها الأخ الحبيب عن حوض النبي ﷺ ، ومن يرد عليه، ومن يصد عنه؟ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ترد علي أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله، قالوا: يا نبي الله! أتعرفنا؟ قال: نعم، لكم سيما - أي: علامة - ليست لأحد غيركم، تردون علي غراً محجلين من آثار الوضوء، وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون، فأقول: يا رب! هؤلاء من أصحابي فيجيئني ملك فيقول: وهل تدري يا محمد ما أحدثوا من بعدك؟). كم غيروا! وكم بدلوا! وكم تهاونوا! وقد اختلف العلماء متى يكون الورود على الحوض وأين؟ فقيل: قبل الصراط. وقيل: إنه يكون بعد الحساب والميزان والصراط والله أعلم. وأما وصف الحوض ففتح قلبك رعاك الله! فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه -أي: آنيته- كنجوم السماء، من شرب منه لا يظمأ أبداً) متفق عليه.

стр. 38

الحساب وأحوال الناس فيه ثم يبدأ الحساب، فتكشف الحقائق، وتظهر الفضائح، قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] تذكر يا عبد الله! أنك بين يدي الله موقوف، وسيكلمك ربك ليس بينك وبينه ترجمان، فتنظر أيمن منك فلا ترى إلا ما قدمت، وتنظر أشأم منك فلا ترى إلا ما قدمت، وتنظر أمامك فلا ترى إلا النار، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، وستقف وستسأل عن القليل والكثير، وعن الصغير والكبير، وعن العمر فيم أفنيته؟ وعن الشباب كيف قضيته؟ وعن المال من أين اكتسبته وفيم أنفقته؟ فلا تظن أن الحساب سيكون يسيراً، إنه حساب بالذرة، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، وفي ذلك اليوم قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠]، ويقول تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل:١١١]. وحال الناس كما أخبر الله عنهم، فقال: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]. وستسأل عن الصلاة كيف أديتها؟ وهل حفظتها؟ وستسأل عن الصوم والزكاة، وعن كل صغيرة وكبيرة، وعن كل كملة قلتها وسمعتها، وستسأل عن حقوق وواجبات وأوامر ومنهيات. وأما حال الناس في الحساب: فمنهم من يحاسب حساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله مسروراً، ومنهم من يحاسب حساباً عسيراً، ويدعو ثبوراً، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه - أي: ستره - فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى العبد في نفسه أنه قد هلك، قال الله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]). وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٥ - ١٠٦]. الأمنية: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧]. الجواب ﴿ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]. إنها محكمة، شعارها: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧]، وقاضيها: الملك الديان الذي: (حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرماً)، والشهود في المحكمة: السمع والبصر واللسان: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢٤]. فلا إله إلا الله كيف يكون الحال إذا شهدت العينان وقالت: أنا إلى الحرام نظرت! ولا إله إلا لله إذا شهدت الأذنان فقالت: أنا إلى الحرام استمعت! ولا إله إلا لله إذا شهدت اليدان وقالت: أنا بالحرام بطشت وأخذت! ولا إله إلا الله إذا شهدت الرجلان وقالت: أنا للحرام مشيت!

стр. 39

ذبح الموت وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فينادى أهل الجنة: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون فيقال لهم: أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، ثم ينادى أهل النار فيقال: يا أهل النار! أتعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم هذا الموت، فيؤمر به فيذبح ثم ينادى: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، وينادى: يا أهل النار! خلود فلا موت، ثم قرأ ﷺ : ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩ - ٤٠]). إنه اليوم الآخر، إنه اليوم الذي لا يوم بعده، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤]. يا عجباً للناس لو فكروا وحاسبوا أنفسهم وأبصروا وعبروا الدنيا إلى غيرها فإنما الدنيا لهم معبر لا فخر إلا فخر أهل التقى غداً إذا ضمهم المحشر ليعلمن الناس أن التقى والبر كانا خير ما يدخر

стр. 40

صفة أخذ الكتاب يا صاحب القلب! تخيل الموقف وقد تطايرت الصحف والكتب، وإلى أي فريق ستنتمي إلى أصحاب اليمين أم إلى أصحاب الشمال؟ وبأي يد ستأخذ الكتاب بالشمال أم باليمين؟ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠]، النتيجة: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢١ - ٢٤]. وفي المقابل: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٦]. الأمنية: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٧ - ٢٩]. النتيجة: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢]. ما ذنبه؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٣ - ٣٧] نسأل الله السلامة والعافية! إن الحديث إنما ينفع صاحب القلب، فإن كنا نعرف هذا ونسمع هذا فلا بد من العمل والصدق والإخلاص والصبر والاحتساب، وإلا سنقول: واحسرتي واشقوتي من يوم نشر كتابيه واطول حزني إن أكن أوتيته بشماليه وإذا سألت عن الخطأ ماذا يكون جوابيه واحر قلبي أن يكون مع القلوب القاسيه

стр. 41

العبور على الصراط وأحوال الناس فيه يا عبد الله! أتظن أن الموقف قد انتهى؟ لا، فإن القادم أشد وأعظم! ستؤمر -أيها المسكين- أن تعبر الصراط، ثم إما إلى جنة وإما إلى نار، فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (ويضرب الجسر على جهنم فأكون أول من يجيب ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم! وبه كلاليب - أي: في الصراط - مثل شوك السعدان - نبت له شوك معكوف - غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله، يخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق الهالك بعمله، ومنهم الناجي المقطع بالكلاليب، ومنهم من يعبره كطرف العين، ومنهم كالبرق، ومنهم كالريح، ومنهم كأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في جهنم، ومنهم من يحبو حبواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يسحب سحباً) فقل لي بربك: كيف سيكون العبور؟ أبت نفسي تتوب فما احتيالي إذا برز العباد لذي الجلال وقاموا من قبورهم سكارى بأوزار كأمثال الجبال وقد نصب الصراط لكي يجوزوا فمنهم من يكب على الشمال ومنهم من يسير لدار عدن تلقاه العرائس بالغوالي يقول له المهيمن يا وليي غفرت لك الذنوب فلا تبالي أسألك بالله: كيف سيكون العبور؟ قيل لأحد الصالحين وقد مات فرئي في المنام: ماذا صنع الله بك؟ قال: وضعت قدماً على الصراط والقدم الأخرى في الجنة. نهاية ذلك اليوم: إما إلى جنة وإما إلى نار، قال سبحانه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧١ - ٧٢]. وأما الفريق الآخر: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٣ - ٧٤].

стр. 42

أحوال الغارقين ما أكثر الغارقين في الشهوات والملذات، يرتوون منها ويعمون عن مفاسدها وأكدارها، وتناسوا أن لهم أعماراً وآجالاً معدودة، وتناسوا أن الدنيا دار ممر والآخرة هي المستقر، فيا حسرة عليهم، وليتهم يعلمون حقيقة ما هم فيه لعلهم يتوبون إلى الله.

стр. 43

من هم الغارقون ؟ حديثنا ليس عن الغارقين في البحار والأنهار، فأولئك إن كانوا صالحين كانوا شهداء بإذن العزيز الغفار، ولكن حديثنا رسالة إلى الغارقين في الشهوات والملذات، يرتوون منها وكأنهم مخلدون في هذه الدنيا، تناسوا أن الدنيا دار ممر وامتحان، وبعدها جزاء وحساب، ووقفة تشيب لها الولدان أمام خالق الكون وجبَّار الأرض والسماء. إنها رسالة إلى التائهين الذين ارتسمت على وجوههم مسحة البؤس والضياع بسبب إغراقهم في الذنوب والمعاصي التي أعمت قلوبهم وأنقصت عقولهم وأزالت عنهم النعم وأحلت بهم النقم. قال سعيد بن المسيب: ما أكرم العباد أنفسهم بمثل طاعة الله ، ولا أهانوا أنفسهم بمثل معصية الله . إنها رسالة إلى الذين ليس لهم هدف في الحياة إلا إشباع الغرائز والشهوات، وهم على ما هم فيه من ذل المعصية والهوان تراهم يجاهرون بأفعالهم وعصيانهم وتمردهم على أوامر الله، غاب عن حسهم قوله ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرون)، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]. إنهم يغرقون وهم لا يشعرون! يسيرون في طريق أوله خزي وعار وآخره جهنم وبوار، قبل أن ننطلق لسماع أحوالهم وأخبارهم أوجه كلمه للذين ركبوا سفينة النجاة، فأقول: تعالوا نتعاون على إنقاذ هؤلاء فهم بحاجة إلى قلوب رحيمة، و (الراحمون يرحمهم الرحمن) إنهم بحاجة إلى كلمة طيبة، (الكلمة الطيبة صدقة) إنهم بحاجة إلى ابتسامة صادقة، و (تبسمك في وجه أخيك صدقة) ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩].

стр. 44

أحوال الغارقين فهيا نسمع بعضاً من أحوال الغارقين:

стр. 45

السفر إلى الخارج وراء الشهوات والملهيات ليلهم ونهارهم سواء يظنون أن السعادة في لذة وشهوات وفي سفر ومغامرات، ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة:١٩]. يستيقظ الواحد منهم قبل الفجر لموعد طائره وسفر وسياحة ولا يستطيع أن يستيقظ لصلاة الفجر، مع أن التخلف عن صلاة الفجر من علامات المنافقين، تراهم في الملاعب يجوبونها طولاً وعرضاً خلف الكرة ولا يقوون على أداء الصلاة، ولا تراهم في صفوف المصلين رغم أن المسجد لا يبعد عنهم سوى خطوات، قال جل في علاه عن محمد ﷺ ومن معه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩] وقال ﷺ : (اكلفوا من العمل ما تطيقون، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة) إنك لن تتقرب إلى الله بقربة أعظم من المحافظة على الصلاة. إذا حزبك أمر يدك الجبال فتذكر (أرحنا بها يا بلال) واعلم أنه ما سُميت الصلاة صلاة إلا لأنها تصل بفاعلها والمحافظ عليها إلى الجنة، وتصل بتاركها والمتهاون فيها إلى النار، فأي طريق تريد؟ قال ابن تيميه قدس الله روحه: حدثني بعض المشايخ أن بعض ملوك فارس قال لشيخ رآه قد جمع الناس على رقص وغناء: يا شيخ! إن كان هذا هو طريق الجنة فأين طريق النار؟

стр. 46

إشغال أوقاتهم في اللهو والغناء من أحوال الغارقين: أوقاتهم لهو ولعب، غناء وطرب، لا يعرفون معروفاً ولا يُنكرون منكراً، يعرفون أسماء المغنين والمغنيات، والساقطين والساقطات، بل ويعرفون ميولهم ورغباتهم وأخبارهم، بل ربما يعرفون أسماء زوجاتهم وأبنائهم، ولا يعرفون سيرة محمد ﷺ وسيرة أصحابه وسيرة أمهات المؤمنين ﵃ أجمعين. يقرءون الصحف والمجلات وينفقون في سبيلها عشرات بل قل مئات، ولا يقرءون القرآن ولا حتى لحظات، تراهم عند الإشارات قد رفعوا أصوات مكبرات السيارات على موسيقى وألحان، وهي مزامير الشيطان، تهتز أجسادهم طرباً ونشوة لذلك، ولا يهتز لهم قلب عند سماع القرآن، قال الله للشيطان: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء:٦٤]، قال ﷺ : (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف). قال ابن القيم ﵀ وهو يرد على أهل الغناء: ألا قل لهم قول عبد نصوح وحق النصيحة أن تُستمع متى علم الناس في ديننا بأنَّ الغنا سنة تُتبع وأنَّ يأكل المرء أكل الحمار ويرقص في الجمع حتى يقع جراحات أمتنا في كل مكان في فلسطين وأفغانستان والشيشان وهؤلاء يمسون ويصبحون على الألحان. ها هو الأقصى يلوك جراحه والمسلمون جموعهم آحاد دمع اليتامى فيه شاهد ذلة وسواد أعينهن فيها حداد يا ويحنا ماذا أصاب شبابنا أوما لنا سعد ولا مقداد المجاهدون يبيتون على أصوات المدافع والدبابات، وهؤلاء ييبتون على أصوات المغنين والمغنيات، إنهم يغرقون وهم لا يشعرون!

стр. 47

ضياع أوقاتهم في الأسواق والمجمعات من أحوال الغارقين: تراهم في الأسواق والمجمعات، يعتنون بالمظاهر والشخصيات، والسرائر خاوية، فنون وأشكال من القصات والموضات والهيئات، شبان وفتيات ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤]. همهم هتك أعراض المسلمين ومطاردة الساذجات، تناسوا أنَّ لهم أمهات وأخوات وقريبات، إنهم يغرقون وهم لا يشعرون! جاء شاب إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إئذن لي بالزنا، فثار المجلس وفار، فقال الرحمة المهداة للشاب بصوت حنون وقلب رحيم: ادنه، فدنا الشاب، فقال له ﷺ : أتحبه لأمك؟ قال: لا والله فداك أبي وأمي، قال ﷺ : وكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، قال ﷺ : أتحبه لأختك؟ قال: فداك أبي وأمي لا والله، فلا زال يذكره، ويقول له: أتحبه لعمتك؟ وخالتك؟ وابنتك؟ والشاب يقول: لا والله جعلني الله فداك، فوضع النبي ﷺ يده الشريفة عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه، فقام الشاب من ذلك المجلس وليس شيء أبغض إليه من الزنا). وأنت يا من تغرق ومن أجل ذلك تخطط وتدبر وتسافر، أترضاه لأهلك؟ سأترك الجواب لك، اعلم أنه ما عُصي الله بذنب أعظم من نطفه يضعها الرجل في فرج لا يحل له، لذلك قال الله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]. إليك خبر من أخبار المتقين قال الحسن البصري: كان في زمن عمر بن الخطاب ﵁ شاب يلازم المسجد للعبادة، فعشقته امرأة، فأتته في خلوة فكلمته -لاحظ هو لم يذهب إليها- فحدثته نفسه بذلك، فشهق شهقة فغشي عليه، فجاءه عم له فحمله إلى بيته، فلما أفاق قال: يا عم! انطلق إلى عمر فأقرئه مني السلام، وقل له: ما جزاء من خاف مقام ربه؟ فانطلق عمه فأخبر عمر فأتاه عمر فلما رآه شهق شهقة فمات، فوقف عليه عمر فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٦ - ٤٧]. أحسبه والله حسيبه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظله (رجل دعته امرأة ذات حسب وجمال، فقال: إني أخاف الله). فيا دائم الخطايا والعصيان! يا شديد البطر والطغيان! ربح المتقون ولك الخسران ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦].

стр. 48

صيرورة الذنوب والمعاصي عادة لهم ومنهجا من أحوال الغارقين صارت الذنوب والمعاصي والآثام عادة لهم ومنهاجاً، فهم في ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]، يعيشون بلا أمن ولا أمان، ولا راحة ولا استقرار، بل بلا حياة فأي حياة بلا إيمان؟! قال جل في علاه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، قلوبهم تئن من الذنوب وتشتكي، أطفأت الذنوب نور الإيمان في قلوبهم، وقطعت الآهات والحسرات كبودهم، وأرَّقت الهموم مضاجعهم، يغرقون في لجج المعاصي والآثام، من مصيبة إلى مصيبة، ومن همّ إلى همّ، ومن غمّ إلى غمّ، ولا هم يتوبون ولا هم يذكرون، وصدق الله حين قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٥] هو مع ضلاله وعصيانه وتمرده يحاجج ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٥ - ١٢٧]. إنهم يغرقون ومع هذا لا يفكرون بالتوبة والندم، اللهم إلا خطرات تمر على قلوبهم تناديهم إلى ركوب السفينة والانضمام إلى قوافل التائبين، يسمعون المواعظ ولا يتعظون، يدفنون الموتى ولا يعتبرون، يرون الحق ولا يتبعون، يُدعون ولا يستجيبون، نقول لهم ما قال الله: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٣١ - ٣٢].

стр. 49

أخبار الغارقين

стр. 50

محاربة من يتوب منهم ذكرنا بعض أحوالهم، فتعال نسمع بعض أخبارهم: من أخبارهم المتواترة أنه إذا تاب صاحب لهم وركب سفينة النجاة بدءوا بالحرب الإعلامية عليه، يلاحقونه بنبالهم وسهامهم، ويعددون أخطاءه وزلاته، فقائل منهم يقول: لن يصبر وسيعود إلى حالته السابقة، وآخر يقول: أيام وأسابيع وسيرجع إلى سابق عهده، وآخر يقدم له النصيحة فيقول: مالك وهذا الطريق فأنت على خير؟! سبحان الله! لا يصلي ولا يصوم ولا يقيم حدود الله ويغرق في بحار المعاصي ويقول له: أنت على خير، أي خير هذا؟! قال الله جل في علاه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ * فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٤٤]. هكذا حال الغارقين، لا يريدون أن يغرقوا بمفردهم، ولو حاولت إنقاذهم أغرقوك معهم، وكما قيل: ودت الزانية لو زنت جميع النساء حتى يصبحن سواء، عجباً لهم! بدل أن يفرحوا لهداية صاحبهم واستقامته يخططون كيف يردونه إلى شواطئ العصيان! جاءتنا الأخبار أنَّ أحد الشباب سلك طريق الاستقامة وركب سفينة النجاة، وبدأ يحافظ على الصلاة ويحفظ القرآن، بدأ يتذكر أصحاباً له لا زالوا يغرقون في لجج المعاصي والآثام، ودَّ لو أنهم ركبوا معه في سفينة التوبة والنجاة، وانضموا إلى قوافل العائدين، زارهم وليته لم يفعل! وهذه نصيحة لكل تائب وجديد في طريق الاستقامة، لا تذهب لأصحاب الماضي وحيداً، خذ معك من يعينك على دعوتهم؛ لأنَّ الكثرة تغلب الشجاعة. زارهم يريد لهم الهداية؛ فبدأ الهجوم عليه من كل الجهات، أتذكر يوم كذا وكذا، وعلت الأصوات، وانطلقت الضحكات، وقام من عندهم بعد أن جددوا جراحاً ماضية، وحركوا في القلب والنفس أشياء، وبدأ الصراع من جديد، جاءوه بعد أيام يعرضون عليه السفر إلى مكان قريب بقصد شراء سيارة، قالوا له: نريد من يذكرنا بالله ويؤمنا في الصلاة ويعلمنا الجمع والقصر، فزينت له نفسه السفر وانطلق معهم، وليته لم يفعل! هناك حيث يُعصى الله استأجروا شقة مفروشة وتركوه فيها، وذهبوا وهم يخططون كيف يعيدونه إلى شواطئ الضياع مرة ثانية، أمضوا ليلتهم في سهرة ليلية بين خمر وغناء، وهو هناك ينتظرهم، اتفقوا مع بغي زانية فاجرة على أن يدفعوا لها الثمن أضعافاً مضاعفة إن هي استطاعت أن توقع صاحبهم في الفاحشة. الله أكبر! يدفعون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، أدخلوها عليه، ومعها خمر وشريط غناء، حتى تكون الليلة حمراء، والخمر مذهب للعقل، والغناء بريد الزنا، خلت به وخلا بها (وما خلا رجل بامرأة إلاَّ كان الشيطان ثالثهما) ولا زالت به حتى سقته كأساً من خمر، ثم ثانية ثم ثالثة ثم وقع المحظور، وانهدم في لحظات بنيان لطالما تعب حتى بناه، نام في فراشه عارياً مخموراً والعياذ بالله! فلما أصبح الصباح جاء شياطين الإنس يطرقون الباب وضحكاتهم تملأ المكان، فتحت الفاجرة لهم الباب، فقالوا لها: هاتِ ما عندك، ما الخبر؟ ما البشارة؟ قالت: أبشروا أبشروا فقد فعل كل شيء، شرب الخمر وزنا ثم نام وهو عريان في فراشه الآن! تباً لهم ولأمثالهم أيفرحون ويستبشرون أن عُصي الله؟! يفرحون أنَّ صاحبهم زنا وشرب الخمر، بعد أن كان يصلي ويقرأ القرآن؟! دخلوا عليه ضاحكين شامتين وهو مغطىً في فراشه، أيقظوه، فلان فلان فلم يجبهم، فكرروا النداء فلان فلان فلم يجبهم، حركوه وقلَّبوه في فراشه فلم يستيقظ. اسمع الفاجعة، صاحبنا شرب الخمر وزنا ونام، ومات من ليلته في فراشه على أسوأ ختام، إنا لله وإنا إليه راجعون! يالله! أما كان صاحبهم يصلي ويصوم ويقرأ القرآن؟! أليس قد جاء معهم يريد لهم الهداية فأرادوا له الغواية؟! لقد دفعوا أموالهم وأوقاتهم ليصدوه عن سبيل الله، فهل سينقذونه من عذاب الله، أي أصحاب هؤلاء؟! وصدق الله حين قال: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩]. فلا تصحب أخا الفسق وإياك وإياه فكم فاسق أردى مطيعاً حين آخاه هكذا حال الغارقين، تريد إنقاذهم فإذا هم يخططون لإغراقك معهم؛ لأنهم يغرقون، قال جل في علاه: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٤ - ٥٦]، وقال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٧]، وقال ﷺ : (إنَّ من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه) رواه ابن ماجة وحسنه الألباني ﵀. ماذا صنعت بهم الذنوب؟! قال سبحانه: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام:١١]، وقال: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٨] وقال عز من قائل: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٢١ - ٢٢]. اسمع ماذا صنعت الذنوب والمعاصي والآثام، وكم دمرت من أمم وأفراد وأقوام، وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي؟! ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:١٦٥]، ما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء؟ طرده الله ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه، وجعل صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبُدِّل بالقرب بعداً، وبالرحمة لعنةً، وبالجمال قبحاً، وبالجنة ناراً تلظى، وبالإيمان كفراً، فهان على الله غاية الهوان، وسقط من عينه غاية السقوط، وحلَّ عليه غضب الربّ تعالى فأغواه ومقته أكبر المقت، فأرداه الله فصار قائداً لكل فاسق وفاجر، رضي لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة، فعياذاً بك اللهم من مخالفة أمرك وارتكاب نهيك، قال الله للشيطان: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف:١٨]. ولقد حذرنا الله من مكره وكيده فقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:٢٧]. ما الذي أوصله إلى تلك الحال؟ إنها الذنوب والتكبر على أوامر الله، ما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رءوس الجبال؟ وما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧]؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى تقطعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا عن آخرهم؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر ثم نُقلت أرواحهم إلى جهنم؟ فالأجساد للغرق والأرواح للحرق، إنها الذنوب قال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ * وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً * إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [ا

стр. 51

من أخبار الناجين من أخبار الناجين الذين ركبوا سفينة النجاة، في ثلث الليل الأخير في صلاة القيام ليلة التاسع والعشرين آخر ليلة في رمضان، ونحن نصلي القيام قرأنا بـ (ص) والدخان، ومرت بنا آيات وعظات، تأمل في قول رب البريات: ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص:٤٩]، ومع تلاوة هذه الآية، بدأت أصوات بكاء شاب صغير في العشرين من عمره ترتفع، بدأت الآيات تهز كيانه، وتحرك قلبه ووجدانه، قطَّع قلوب المصلين ببكائه، وفي الركعة الثانية بدأت آيات سورة الدخان تمر على المسامع لتحرك القلوب، اسمع كيف هانت أمة كاملة على الله لما عصت أوامره، وخالفت رسله، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ * وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ * فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ * كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان:١٧ - ٢٩]. هانوا على الله يوم خالفوا أوامره، لم يستطع صاحبنا التوقف عن البكاء من شدة وقع الآيات عليه، ما أعظم القرآن وما أجمل آياته إذا لامست أوتار القلوب! اسمع بارك الله فيك واسمعي رعاك الله في سياق آيات سورة الدخان ذكَّرنا الله بموعد عظيم، موعد لا تنساه، سيجمع الله فيه الأولين والآخرين، سيأتي الغارقون في لجج المعاصي والآثام ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام:٣١]، وسيأتي أهل الصلاح تنير الحسنات طريقهم ودروبهم، قال سبحانه: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ * يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان:٤٠ - ٤٢]. فماذا أعد الله لهؤلاء من العذاب؟ وماذا أعد الله لأولئك من النعيم؟ ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان:٤٣ - ٥٠] هذا ما أعد الله للغارقين في لجج المعاصي والآثام. فماذا أعد الله لأولئك الذين ركبوا سفينة النجاة، قال الله في سياق الآيات: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان:٥١ - ٥٩]. صنعت الآيات في صاحبنا عجب العجاب، حتى أشفق المصلون على الشاب من شدة بكائه، ولما انتهت الصلاة التفوا حوله يهدئونه، ويذكرونه برحمة الله وفضل الله، جلست أتحدث أنا وإياه وهو مستمر في بكائه ويقول: والله إني خجل من الله، سنوات طوال وأنا أعصيه وهو يراني، لم أستح من نظره إلي واطلاعه عليّ! سنوات طوال ما صمت فيها ولا صليت، هذا أول رمضان في حياتي أصلي وأصوم وأقوم، كنت أغرق في وحل المعصية والرذيلة، لم يبق ذنب صغير ولا كبير إلا فعلناه وكررناه، سُكر وفواحش ومخدرات، أنام على الأغاني، أصحو على الألحان، أي حياة هذه!! ثم وأنا على هذه الحال وقبل رمضان بليلتين، مرَّ علي الأصحاب وقد جهزت لهم مسكراً ومخدراً، وجئت معي بالعود حيث إني أعزف وأغني لهم، كنا أربعة، أما اثنان منهم فقالا: لقد مللنا من هذا كله، آن الأوان أن نعرف معنى الحياة، لقد ضاع من عمرنا ما فيه الكفاية، ولقد صلينا الليلة العشاء في المسجد، ونريد أن تكون هذه بداية لحياة استقامة ونهاية لحياة الضياع، ولقد كانت بداية ونهاية. يقول صاحبنا: فنزلت أنا وصاحبي بعدتنا من خمر ومسكر، ومضوا هم في طريقهم أمام أعيننا، فإذا بأحد الشباب المستهترين يتلاعب بسيارته يمنة ويسرة وقد انطلق بسرعة جنونية، فانحرفت سيارته واصطدمت بسيارة الشباب في حادث فظيع ونحن نرى ونسمع، جئنا إلى السيارة مسرعين فإذا الشباب قد تقطعت أجسادهم، وسالت دماؤهم، وتكسرت عظامهم، وفاضت أرواحهم إلى باريها ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. سبحان الله! منذ لحظات كانوا معنا، قالوا لنا: مللنا حياة الضياع، هنيئاً لهم! صدقوا ومضوا في لحظات، هنيئاً لهم فلقد خرجوا لتوهم من المسجد بعد أن صلوا العشاء مع الجماعة، ونبينا ﷺ يقول: (من صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح) أمسوا ولكنهم لم يدركوا الصباح. يقول صاحبنا: قلت لصاحبي الذي كان معي وأنا أبكي: كيف لو كنا معهم؟! بأي وجه وعلى أي حال كنا سنلقى الله؟! سنلقاه ونحن سكارى نحمل الخمر والمخدرات معنا!! ما أحلم الله علينا! كم ليلة بتناها على فواحش ومنكرات وهو يرانا. أخذ يروي خبره وخبر أصحابه ودموعه على خده، وأنا أقول في نفسي: هنيئاً لك هذه الدموع، هنيئاً لك هذا الندم، هكذا حال من يريد أن يركب في سفينة النجاة. أخذ يقول: وآخجلي من ربي، كيف طريق النجاة؟! وهل يقبلني بعد أن فعلت وفعلت وفعلت؟! هدَّأت من روعه وبشرته بشارات، بشرته بأنَّ الله غفار لمن تاب وآمن، بشرته بأنَّ التوبة تجب ما قبلها، بشرته بأنَّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له، بشرته أنَّ الله يبدل السيئات حسنات، بشرته أنه ليس أحد أفرح بتوبته من الله، بشرته أنه سبحانه يحب التوابين ويحب المتطهرين. كان قد جاء من العمرة منذ ليلتين، شهد ليلة السابع والعشرين في الحرم، ولأول مرة يرى بيت الله، قلت له بعد أن هدأ قليلاً: اذهب الآن حافظ على الصلاة، واحمد الله أن مدَّ في عمرك وأمهلك، قال: الحمد لله الذي أمهلنا ولم يأخذنا على حين غرة، قلت: اترك صحبة السهر والضياع، والزم أصحاب الخير، اركب معهم سفينة النجاة، وأنا أنتظرك بعد أيام، أنتظرك بعد العيد لنتحدث أنا وإياك. اتصل علي بعد العيد بأيام، قال: سأصلي معك الفجر غداً إن شاء الله، جاء على الموعد، نظرت في وجهه فإذا هو بدأ يظهر عليه نور الإيمان ووقار الصالحين، قلت: صدق الله حين قال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٢٢]. لما تكلَّم ظهر من كلامه الراحة والاطمئنان، أول ما تكلم قال: ما أجمل صلاة الفجر وما أجمل القرآن! قلت في نفسي: سبحان الله! بالأمس معازف وألحان واليوم صلاة وقرآن، قال: جئت باثنين من أصحاب الماضي وهم على استعداد لركوب سفينة النجاة، فلقد ملوا حياة الضياع، قلت له: كيف ومتى بدأ الضياع؟! قال: بدأ وأنا في الأول المتوسط، بدأ بسيجارة ثم حبوب للمذاكرة، ثم سهر وتخلف عن الصلوات، ثم حشيش وخمر وفواحش ومنكرات، ثم سفر وضياع سبع سنوات على هذه الحال، ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧] ما أحلم الله علينا! كم ليلة بتناها على فواحش ومنكرات! أخذ يقول: وآخجلي من ربي جل في علاه. قلت: احمد الله واستقم على طريق الاستقامة.

стр. 52

نصيحة ودعوة أنت يا من لا زلت تغرق أما آن الأوان لتتوب وتندم، وتقلع عن الذنب وتعزم، هل سنراك تسابق المصلين إلى الصف الأول أم ستبقى على تخلفك تتقاذفك الأمواج حتى يتخطفك الموت على حال لا ترضي ولا تسر؟! أما آن الأوان أن تنطرح على بابه وتفر إليه، وتقول: وقفت ببابك يا خالقي أقلّ الذنوب على عاتقي أجرُّ الخطايا وأشقى بها لهيباً من الحزن في خافقي يسوق العباد إليك الهدى وذنبي إلى بابكم سائقي أتيت مالي سوى بابكم طريحاً أناجيك يا خالقي إلهي أتيت بصدق الحنين يناجيك بالتوب قلب حزين إلهي أتيتك في أضلعي إلى ساحة العفو شوق دفين إلهي أتيت إليك تائباً فألحق طريحك بالتائبين أعنه على نفسه والهوى فإن لم تعنه فمن ذا يُعين أبوح إليك بما قد مضى وأطرح قلبي بين يديك بقايا الخطايا ودرب الهوى وما كان تخفى دروبي عليك

стр. 53

إلى من يريد النجاة تريد النجاة؟! سؤال أسألك إياه ولا أظنك ستقول: لا، تريد النجاة؟ إذاً اركب سفينة النجاة، تعرَّف على الله، تريد أن يكون الله معك فاحرص على تقواه، إذا أردت أن تُحفظ في نفسك وأهلك ومالك فاحفظ الله، قال رسول الله ﷺ : (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرَّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة). أما سمعت عن خبر الثلاثة الذين أخبرنا بخبرهم رسول الله ﷺ حين آواهم المبيت إلى غار، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت فتحة الغار فأصبحوا في ظلام دامس، لا يعلم بمكانهم أحد إلا الله، إنه الموت والهلاك المحقق إن لم يلطف بهم الله، فقالوا: لا ينجيكم اليوم إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. فدعا الأول ببره بوالديه وأنه كان لا يقدم عليهم مالاً ولا ولداً، ودعا الآخر بترك الفاحشة والزنا وكان قادراً على ذلك، ودعا الثالث أنه أعطى الأجير أجره، وقالوا في دعائهم وتضرعهم: اللهم إن كنت تعلم أنّا فعلنا ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه، فلما علم الله صدقهم وإخلاصهم انفرجت الصخرة وخرجوا يمشون، فهم تعرفوا على الله في الرخاء فعرفهم في الشدة، وتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، فأي عمل سأتوسل به أنا وأنت إلى الله إذا آوانا المبيت إلى غار أو تهنا في الصحراء أو في القفار. يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه كم نطلب الله في ضرّ يحل بنا لما تولت بلايانا نسيناه ندعوه في البحر أن ينجّي سفينتا لما وصلنا إلى الشاطئ عصيناه ونركب الجو في أمن وفي دعة وما سقطنا لأنَّ الحافظ الله قال ابن القيم ﵀: إذا استغنى الناس بالناس فاستغن أنت بالله، إذا فرحوا بالدنيا فافرح أنت بالله، إذا أنِسُوا بأحبابهم فاجعل أُنسك بالله، إذا تعرفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقرَّبوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة فتعرف أنت إلى الله، تعرف أنت إلى الله وتودد إليه وانطرح بين يديه؛ تنل بذلك غاية العز والرفعة، كما قال الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر:١٠]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]. أخيراً: اسمع بارك الله فيك هناك الحديث: (إن للتوبة باباً عرض ما بين مصراعيه ما بين المشرق والمغرب)، وفي رواية: (عرضه مسيرة سبعين عاماً، لا يُغلق حتى تطلع الشمس من مغربها) فالباب مفتوح فالباب مفتوح فهلا ولجت! واعلم رعاك الله أنَّ الله نادى فقال: (يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم) ولقد سمعت النداء فهلا استغفرت!! اعلم يا رعاك الله أن النبي ﵊ قال: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) والله يحب الاعتذار، فهلا أقبلت واعتذرت! ردد وقل: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، قل: أنا العبد الذي أضحى حزيناً على زلاته قلقاً كئيباً أنا العبد الغريق بلج بحرٍ أصيح لربما ألقى مجيباً فيا أسفي على عمر تقضَّى ولم أكسب به إلا الذنوب أنا المضطر أرجو منك عفواً ومن يرجو رضاك فلن يخيبا

стр. 54

رسالة تائب من الحاضرين قبل أن نختم وننتهي أود أن أقرأ لكم هذه الرسالة التي وصلتنا من أحد الحاضرين، يقول فيها: إلى الشيخ خالد أنا من أبناء المسلمين، لكني لا أصلي ولا أصوم، أنا كافر، لا أعرف معنى الإسلام، وها أنا اليوم أعلن توبتي أمام الله ثم أمامك وأمام الحضور، فجزاكم الله كل خير، أريد أن تُقرأ رسالتي أمام الحضور، ها أنا أردد وأقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ها أنا أردد: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، ادعوا الله لي بالثبات، ادعوا لي بالثبات. اللهم أحي قلوباً أماتها البعد عن بابك، ولا تعذبنا بأليم حجابك، يا أكرم من سمح بالنوال! وأوسع من جاد بالإفضال، اللهم أيقظنا من غفلتنا بلطفك وإحسانك، وتجاوز عن جرائمنا بعفوك وإحسانك. اللهم اسلك بنا مسالك الصادقين الأبرار، وألحقنا بعبادك المصطفين الأخيار، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم اقبل توبة التائبين اللهم اقبل توبة التائبين اللهم اقبل توبة التائبين، واغفر ذنوب المذنبين، ودلَّ الحيارى واهد الضالين، واغفر للحاضرين والغائبين، واغفر للأحياء وللميتين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل بلدنا هذا آمناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم احفظنا بالإسلام قائمين وقاعدين وراقدين، ونسألك اللهم توبة نصوحاً قبل الموت، وشهادة عند الموت، ورحمة بعد الموت يا ربَّ العالمين! اللهم رحمتك نرجو فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أقل من ذلك. اللهم عاملنا بما أنت أهله ولا تعاملنا بما نحن أهله، إنك أنت أهل التقوى والمغفرة. اللهم صل على محمد في الأولين، وصل على محمد في الآخرين، وصل على محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 55

البداية والنهاية لكل بداية نهاية، وكل نعيم دنيوي زائل، ثم يقدم الناس على ربهم فيجزيهم بأعمالهم، فمن قدم صالحاً أفلح ونجح، ومن اتبع الشهوات ندم وتحسر يوم لا ينفع الندم.

стр. 56

قل هو نبأ عظيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١ - ٧٠]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. معاشر الأحبة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبياكم وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته إخواناً على سرر متقابلين، أسأله سبحانه أن يفرج هم المهمومين ويكشف كرب المكروبين ويقضي الدين عن المدينين وأن يدل الحيارى ويهدي الضالين ويغفر للأحياء وللميتين. أهلاً بكم أحبتي في ليلة مباركة عنوانها: البداية والنهاية. ولكل شيء بداية ونهاية! تعالوا نبدأ هذه البداية بنبأ عظيم رواه الله لنا في كتابه جل وعلا، إنه نبأ عظيم غفل عنه الأكثرون، فلنسمع ونتدبر قوله جل في علاه بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ * مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ * قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص:٦٧ - ٨٨]. ومنذ تلك اللحظة بدأت حكاية البداية والنهاية، بدأت المعركة بين الحق والباطل، معركة باطل يتزعمها إبليس وجنوده، هدفهم إضلال البشرية وتزيين الباطل لهم وصدهم عن صراط الله المستقيم واستخدموا لذلك كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة. قال تعالى على لسان إبليس: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٦ - ١٧]. فزينت الشياطين للبشر الضلالة والغواية، وعود وأماني، ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء:١٢٠]، فزينوا للناس الدنيا والركون إلى شهواتها ولذاتها وأنسوهم الموت وسكراته والقبر وظلماته، أنسوهم يوم الحشر وكرباته والحساب وشدته. فأرسل الله الرسل وأنزل الكتب وشرع الشرائع، قال سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٦٥]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٩]. فأرسل الله إلينا خير رسله، وأنزل علينا أحسن كتبه، وشرع لنا أكمل الشرائع. من اتبع وأطاع وسلك طريق الهداية فليبشر بروح وريحان، ومن ضل وعصى وسلك طريق الغواية فلا يلومن إلا نفسه.

стр. 57

وضوح طريق الهداية من رحمة الله بنا: أن جعل طريق الهداية والاستقامة طريقاً مستقيماً واضحاً بيناً، عن ابن مسعود ﵁ قال: (خط لنا النبي ﷺ خطاً مستقيماً وخط على جوانبه خطوطاً ثم قال: هذه سبل وعلى كل سبيل شيطان يدعو إليه، وهذا -يعني الخط المستقيم- صراط الله مستقيماً، ثم قرأ قوله ﵎: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]،). فهيا بنا نبدأ الحكاية وستتكون من العناصر التالية: أول المواعظ. ثم بداية حياة ونهاية. ثم بداية موت وقبر ونهاية. ثم بداية حشر ونهاية. ثم بداية حساب ونهاية. ثم آخر الكلام.

стр. 58

أول المواعظ قدم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ على الشام متفقداً أحوالها، فزار صاحبه أبا الدرداء في منزله ليلاً، فدفع الباب فإذا هو بغير غلق، ثم دخل في بيت مظلم لا ضوء فيه، فلما سمع أبو الدرداء ﵁ حسه قام إليه ورحب به، ثم جلس الرجلان يتبادلان الأحاديث والظلام يحجب كلاً منهما عن عيني صاحبه، فجس عمر وساد أبي الدرداء فإذا هو برذعة، وجس فراشه فإذا هو حصا، وجس دثاره -يعني لحافه- فإذا هو كساء رقيق لا يغني شيئاً من برد الشام، فقال له عمر: رحمك الله يا أبا الدرداء! ألم أوسع عليك؟! ألم أبعث لك؟! فقال أبو الدرداء: (أتذكر يا عمر حديثاً حدثناه رسول الله ﷺ ، قال عمر: وما هو؟ قال: ألم يقل رسول الله ﷺ لنا: ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب)، فماذا فعلنا بعده يا عمر! فبكى عمر وبكى أبو الدرداء، وما زالا يتجاوبان البكاء والنحيب حتى طلع عليهما الفجر. فلا إله إلا الله والله أكبر! كيف إذا جاء عمر وأبو الدرداء ونظرا في أحوالنا؟! كم غيرنا؟! وكم بدلنا؟! وكم انفتحت الدنيا؟! ومضت الأيام قدماً وتوفي أبو الدرداء ﵁ كما هو سبيل كل حي، فرأى عوف بن مالك الأشجعي فيما يراه النائم مرجاً أخضر فسيح الأرجاء وارف الأفياء فيه قبة عظيمة من أدم حولها غنم رابضة لم تر العين مثلها قط، فقال: لمن هذه؟ فقيل: هذه لـ عبد الرحمن بن عوف، فبينما هو يتأمل في حسن المرج وبهائه إذ طلع عليه عبد الرحمن بن عوف من القبة، وقال: يا ابن مالك! هذا ما أعطانا الله على القرآن هذا ما أعطانا الله على القرآن، ولو أشرفت على هذه الثنية لرأيت ما لم تر عيناك وسمعت ما لم تسمع أذناك ووجدت ما لم يخطر على قلبك، أعده الله لمن؟ أعده الله لـ أبي الدرداء لأنه كان يدفع عنه الدنيا بالراحتين والصدر. وصدق الله العظيم حين قال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]، وصدق الله العظيم حين قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:١٠ - ٢٦]. ما غيروا وما بدلوا.

стр. 59

بداية حياة ونهاية هيا نسمع بداية الحياة ونهايتها، تعال نسمع من أخبار الدنيا. قبل أن أبدأ في ذكر أخبار الدنيا أريدك أن تعرف أنه ما ذمت الدنيا من أجل الدنيا، إنما ذمت الدنيا لسوء فعل أهلها وغفلتهم عن الآخرة، وإلا فهي طريقنا إلى الآخرة، وفيها نتزود من العمل الصالح، ولقد قال النبي ﷺ : (خيركم من طال عمره وحسن عمله، وشركم من طال عمره وساء عمله). أما أخبارها فجديدها يبلى، وملكها يفنى، وعزيزها يذل، وكثيرها يقل، وحيها يموت، وخيرها يفوت. لو لم يكن فيها عيب إلا أن أهلها يموتون لكفاها، اسمع حقيقتها كما قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠]، هذه حقيقتها: سريعة الفناء، قريبة الانقضاء، تعد بالبقاء ثم تخلف عند الوفاء. أحلام نوم أو كظل زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدع

стр. 60

المسابقة بالصالحات طريق للنجاة في الدنيا طريق النجاة فيها: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]. خلقها الله للامتحان والابتلاء كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف:٨]. الناس فيها على صنفين: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢]، وهم أيضاً على حالين ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣]. اسمع رعاك الله! ماذا أعد الله لهؤلاء وماذا أعد الله لهؤلاء؟ ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٧ - ٤١]. وقال سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨] النتيجة: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:١٨ - ٢١].

стр. 61

الدنيا سجن المؤمن قال ﷺ : (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر). وقال: (ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها). وقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وقال: (ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم). (مر ﷺ ومعه أصحابه على شاة ميتة، قال: أترون هذه الشاة هينة على أهلها؟ قالوا: من هوانها ألقوها قال: والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافر منها شربة ماء). وقال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون). تأمل بعد هذا الكلام من سيد المرسلين! تأمل في حياته ومماته! تأمل من البداية حتى النهاية! لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز وكسرت أغلالها لما رآها الله تمشي نحوه لا تبتغي إلا رضاه سعى لها

стр. 62

تقلل النبي ﷺ من الدنيا تقول عائشة: (يمر الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال لا توقد نار في بيوت آل محمد ﷺ ، قلت: يا خالة! فما طعامكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء). وقالت أيضاً: (ما شبع آل محمد ﷺ من خبز الشعير يومين متتاليين). تخبز فاطمة خبزاً فتأتيته بكسرة خبز فيأكلها ثم يقول -بأبي هو وأمي -: (والله يا فاطمة ما دخل بطن أبيك طعام منذ أيام). يبكي عمر لما رأى حاله وقد أثر الحصير في جنبه وملوك فارس والروم تلبس الحرير وتنام على الوثير، فقال: (يا عمر: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟!). يبغي من الله المكان الأرفعا ما لبس الحرير ولا وضع التاج على الرأس مرصعا. يقول الحسن البصري ﵀: دخلت بيوت النبوة بعد موته ﷺ بحين فإذا جدرانها من طين، سقفها من جريد، وفرشها من حصير، وطولها وعرضها أمتار. يقول سعيد بن المسيب: لما هدمت بيوت النبوة لتوسيع المسجد ما رأيت باكياً كما رأيت في ذلك اليوم، يقول: ليتهم أبقوها ليتهم أبقوها، حتى ينشأ ناشئ الفتيان فينا ويروا كيف كانت حياة نبيهم ﷺ وهو الذي حيزت له الدنيا بما فيها. ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً

стр. 63

حال الصحابة مع الدنيا ثم سار أصحابه من بعده على نهجه ودربه ما شربوا المسكرات والمخدرات، ولا اتخذوا الجواري والقينات، وما أكلوا الأموال الربويات، ولا ألهاهم عن ذكر الله شاشات وقنوات، ولا ضيعوا الأوقات في مطاردة الفتيات في المجمعات. اسمع من كلامهم وقل بارك الله فيك: أين نحن من هؤلاء؟! يقول أبو بكر لـ خالد ﵃: (فر من الشرف يتبعك الشرف، واحرص على الموت توهب لك الحياة، لا خير في مال لا ينفق في سبيل الله، ولا خير في قول لا يراد به وجه الله، ولا خير فيمن يغلب جهله حلمه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم). أتعبت من بعدك يا خليفة رسول الله. كتب عمر إلى ابنه عبد الله ﵄ في غيبة غابها: (أما بعد: فإنه من اتقى الله وقاه، ومن اتكل عليه كفاه، ومن شكر له زاده، ومن أقرضه جزاه، فأهل التقوى أهل الله، فاجعل التقوى عمارة قلبك وجلاء بصرك، فإنه لا عمل لمن لا نية له، ولا خير لمن لا خشية له). كان يقول: (كل يوم يقال مات فلان ومات فلان، ولا بد من يوم يقال فيه مات عمر). ولقد مات عمر لكن على أي حال؟!. أما من كلام عثمان فقد كان يقول: (لو أني بين الجنة والنار ولا أدري إلى أيتهما يؤمر بي لاخترت أن أكون رماداً قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير). كان يقول: (لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم). لا عجب، فقد كان يقوم الليل كله بالقرآن! ولـ علي ﵁ كلام فاسمع وتفكر! قال ﵁: (ألا إن لله عباداً مخلصين كمن رأى أهل الجنة في الجنة فاكهين، ورأى أهل النار في النار معذبين، شرورهم مأمونة، قلوبهم محزونة، أنفسهم عفيفة، حوائجهم خفيفة، صبروا أياماً قليلة لعقبى راحة طويلة، أما بالليل فصفوا أقدامهم في صلاتهم، تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى ربهم: ربنا ربنا، يطلبون فكاك رقابهم وصلاح قلوبهم، أما بالنهار فعلماء حلماء بررة أتقياء كأنهم القداح - يعني السهام، وشبههم بالسهام لأن أجسامهم ضامرة من الصيام والقيام - يقول: ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى، ووالله ما بالقوم من مرض؛ ولكن خالط القوم أمر عظيم. وما أحلى وأجمل وصف الله لهم: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، فلما وصف نهارهم كان من المناسب أن يصف ليلهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:٦٤ - ٦٦].

стр. 64

مآل الدنيا إلى الزوال بكى أحد الصالحين عند موته فقيل له: ما يبكيك؟! فقال: أبكي أن يصوم الصائمون ولست فيهم، ويذكر الذاكرون ولست فيهم، ويصلي المصلون ولست فيهم انظر على ماذا يبكون! والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب والليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيها تعد وتحسب وجميع ما حصلته وجمعته حقاً يقيناً بعد موتك يذهب تباً لدار لا يدوم نعيمها ومشيدها عما قليل يخرب فالدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له. من اشتاق للجنة هجر الشهوات واللذات في الدنيا. الدنيا كالحلم تمر مر السحاب ساعة من زمن ثم تنقضي، ألا إنها رحلة بدأت وسوف تنتهي. هب الدنيا تساق إليك عفواً أليس مصير ذلك إلى انقضاء هب الدنيا تساق إليك عفواً أليس مصير ذلك إلى انتقال وما دنياك إلا مثل ظل أظلك ثم آذن بالزوال أحبتي! ليس المطلوب ترك الدنيا بتاتاً، فإن هذا ليس في الإمكان، ولكن المطلوب الاعتدال في طلبها على وجه مباح لا يصد عن ذكر الله وطاعته، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون:٩]. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣]. لو لم يكن في الدنيا عيب إلا أن أهلها يموتون لكفاها!

стр. 65

بداية موت وقبر ونهاية هيا نسمع خبر الموت الموت هو الحقيقة التي لا يستطيع الإنسان مؤمناً كان أو ملحداً أن يفر منها، ذكره يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي؛ إنه أمر فظيع وأليم، يفضح الأسرار، ويهتك الأستار، ويبدي العورات، ويظهر الحسرات، لو نجا منه أحد لنجا منه خير البشر محمد ﷺ الذي قال الله له: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقال له سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. جاء عند أحمد بإسناد جيد: (أن نبي الله داود ﵇ رأى يوماً رجلاً في داره فقال: من أنت؟ فقال: أنا الذي لا أهاب الملوك ولا يمنعني الحجاب، فقال له داود ﵇: فأنت والله إذاً ملك الموت) لا يمنعه مانع ولا يحجزه حاجز.

стр. 66

حال العبد عند الموت أما أحوال الناس عند الموت فقد جاء في الحديث المتفق عليه عن أبي قتادة ﵁ قال: (مر على النبي ﷺ بجنازة فقال: مستريح ومستراح منه، قلنا: يا رسول الله! ما المستريح؟ وما المستراح منه؟ فقال: العبد المؤمن يستريح من تعب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والفاجر يستريح منه البلاد والعباد والشجر والدواب). قال لقمان لابنه: يا بني! أمر لا تدري متى يلقاك استعد له قبل أن يفاجئك. فكيف بك إذا نزل بك مرض الموت وحلت ساعة الاحتضار ووقف أبوك المشفق بجوارك، وأمك الحنون وأولادك الصغار والكبار من حولك، قد أحاطوا بك إحاطة السوار بالمعصم ينظرون إليك بعين الرحمة والعطف والشفقة. قد سالت دموعهم وحزنت قلوبهم، يرجون لك الشفاء ويتمنون لك البقاء، ولكن هيهات هيهات حيل بينهم وبين ما يشتهون، فلا يملك أحد من الخلق أن يزيد في عمرك أو يرد إليك عافيتك، إن الذي أعطاك الحياة بلا اختيار منك هو الذي يسلبها منك، فلله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بمقدار، إنا لله وإنا إليه راجعون. فكأن أهلك قد دعوك فلم تسمع وأنت محشرج الصدر، وكأنهم قد قلبوك على ظهر السرير وأنت لا تدري، وكأنهم قد زودوك بما يتزود الهلكى من العطر. يا ليت شعري كيف أنت إذا غسلت بالكافور والسدر، أو ليت شعري كيف أنت على نبش الضريح وظلمة القبر، قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨]. قال رجل لـ داود الطائي: أوصني، قال: عسكر الموت ينتظرونك. كان مالك بن دينار يقول: والله لو استطعت ألا أنام ما نمت، فقيل: لماذا يا أبا يحيى؟! قال: أخشى أن يأتيني ملك الموت وأنا نائم، ولا أريد أن يأتيني إلا وأنا على عمل صالح. فلله درهم، لكن قل لي بالله العظيم كيف ستكون الخواتيم؟! سمع عامر بن عبد الله المؤذن يؤذن لصلاة المغرب وهو يجود بنفسه في مرض شديد فقال: خذوا بيدي، فقيل له: إنك عليل وقد عذرك الله، فقال: والله إني لأستحي أن أسمع منادي الله ولا أجيب - الله أكبر! كم هم اليوم الذين يسمعون ولا يجيبون - فدخل في صلاة المغرب فركع مع الإمام ركعة ثم مات. قل لي بالله العظيم كيف يبعث يوم القيامة؟ ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٣١ - ٣٢]. فكيف أنت إذا بالماء والسدر غسلوك، وكيف أنت إذا بالكفن الأبيض أدخلوك، وكيف أنت إذا في القبر المظلم أنزلوك!

стр. 67

الخاتمة الحسنة والخاتمة السيئة يقول أحد مغسلي الموتى: جيء بميت فلما ابتدأنا بتغسيله انقلب لونه كأنه فحمة سوداء، وكان قبل ذلك أبيض البشرة، فخرجت من مكان التغسيل وأنا خائف فوجدت رجلاً واقفاً فقلت: هذا الميت لكم؟ قال: نعم، قلت: أنت أبوه، قال: نعم، قلت: فما شأن ميتكم؟! قال الأب: إنه لم يك من المصلين، فقلت له: خذ ميتك فغسله أنت، أما حكم الله ورسوله في مثل هذا فهو ألا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يحمل على الأكتاف، بل يجر على وجهه وتحفر له حفرة في الصحراء يكب فيها على وجهه. ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:١١٨] فهل ترضى أن تكون مثل هذا؟! هذا من أخبار أولئك الذين سلكوا طريق الغواية. أما أخبار أولئك الذين سلكوا طريق الهداية: فيقول أحد مشايخنا: دفنا شاباً بعد صلاة الظهر وكان شاباً محافظاً على الصلاة في المسجد، ولما غسلناه وكفناه استنار وجهه وأشرق، فلما أتينا القبر وكنت ممن نزل في قبره لإنزاله قلت: باسم الله وعلى ملة رسول الله. فإذا به أُخِذ مني واستقبل القبلة قبل أن أنزله، قلت لصاحبي: شعرت بما شعرت أنا؟ قال: سبحان الله! أُنزل من يدي قبل أن أنزله أنا في القبر، فلما كشفت عن وجهه وجدته يضحك، فداخلني الخوف بأن يكون حياً وأنا الذي غسلته وكفنته. فسبحان من وفق لحسن الختام أقواماً، وخذل أقواماً! ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]. قال ثابت البناني: كنا نشهد الجنائز فلا نرى إلا متقنعاً باكياً، واليوم تشهد الجنائز فترى العجب العجاب. قال الأعمش: كنا نشهد الجنازة ولا ندري من المعزى فيها لكثرة الباكين، وإنما كان بكاؤهم على أنفسهم لا على الميت، واليوم نشهد الجنائز وكثير من الناس يضحكون ويتحدثون ونداء ربهم يقرع مسامعهم ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]. اعلم رعاك الله أن من حمل الجنازة اليوم سيحمل غداً، وأن من رجع من المقبرة إلى بيته اليوم سيرجع إليها غداً اللهم لا تدعنا في غمرة، ولا تأخذنا في غرة، ولا تجعلنا من الغافلين.

стр. 68

بداية حشر ونهاية لا تظن أن الأمر بالموت قد انتهى بل هناك بداية ونهاية أخرى. ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعدها عن كل شيء نعم سيبعثر ما في القبور، وسيحصل ما في الصدور. فهيا ننتقل من خبر إلى خبر، تعال ننتقل إلى موقف عظيم، ألا هو موقف الحشر. والحشر: هو جمع الخلائق يوم القيامة لحسابهم والقضاء بينهم. الحشر: هو جمع الناس أولهم وآخرهم ليوم لا ريب فيه، سماه الله يوم الجمع، ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩]، وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود:١٠٣]، وقال جل في علاه: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٤٩ - ٥٠]. تأمل حالهم: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٣ - ٤٤]. فلا إله إلا الله على يوم مثل هذا قدرة الله أحاطت بهم فلا يعجزه شيء، حيثما هلك العباد فإن الله قادر على الإتيان بهم، إن هلكوا في أجواء الفضاء، أو غاروا في أعماق الأرض، إن أكلتهم الطيور الجارحة، أو الحيوانات المفترسة، أو أسماك البحار، أو غيبوا في قبورهم في الأرض. تأمل في قوله: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٤٨]. وكما أن قدرة الله محيطة بعباده يأتي بهم حيثما كانوا، فكذلك علمه محيط بهم فلا ينسى منهم أحداً، ولا يضل منهم أحد، ولا يشذ منهم أحد، لقد أحصاهم ولن يغادر منهم أحداً، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٤ - ٩٥]. الناس فيه سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، أسكرتهم الشدائد والأهوال. قال قتادة: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] قال: سمعت الحسن يقول: ما ظنك بأقوام قاموا لله على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة ولم يشربوا فيها شربة، تدنى الشمس من رءوسهم مقدار ميل فيغرقون في عرقهم. فقل لي بالله العظيم: كيف سيكون الحال؟! عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: (إن الكافر يلجم يوم القيامة بعرقه من طول ذلك اليوم). وقال علي ﵁: إن الكافر يقول من طول القيام: رب! أرحني ولو إلى النار. وأنت وأنا لا محالة من بينهم، فتوهم نفسك وتخيل وقد علاك العرق وأطبق عليك الغم وضاقت نفسك في صدرك من شدة الفزع والرعب، والناس معك منتظرون لفصل القضاء إلى دار السعادة أو إلى دار الشقاء، حتى إذا بلغ منك المجهود ومن الخلائق منتهاه، وطال وقوفهم لا يكلمون ولا ينظرون في أمورهم كلم بعضهم بعضاً في طلب من يقدم على مولاه أن يشفع لهم في الراحة من مقامهم وموقفهم لينصرفوا إلى الجنة أو إلى النار، ففزعوا إلى آدم ونوح ومن بعده إبراهيم وموسى وعيسى وكلهم يقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله فكلهم يذكر شدة غضب ربه وينادي بالشغل بنفسه فيقول: نفسي نفسي، فيشتغل بنفسه عن الشفاعة لهم إلى ربهم لاهتمامه بنفسه وخلاصها، وصدق الله حين قال: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل:١١١]، قال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١٠٥ - ١١٢]. فلا إله إلا الله على أهوال يشيب لها الولدان، وتذهل المرضعات عن الأطفال، وتضع الأمهات الأحمال، كيف سيكون حالي وحالك: ﴿إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢١ - ٢٣]. لا إله إلا الله (يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، لو تركت على أهل المحشر لأتت على برهم وفاجرهم)، ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان:١٢]، فإذا نظرت إلى الخلائق فارت وثارت وشهقت وزفرت نحوهم وتوثبت عليهم غضباً لغضب ربهم ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:٧ - ١٠]. فتتساقط الخلائق حينئذ على ركبهم جثاة حولها، قد أسبلوا الدموع، ونادى الظالمون بالويل والثبور ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان:١٤]، ثم تزفر ثانية فيزداد الرعب والخوف في القلوب، ثم تزفر الثالثة فتتساقط الخلائق على وجوههم ويشخصون بأبصارهم وهم ينظرون من طرف خفي خوفاً أن تبلغهم أو يأخذهم حريقها أجارنا الله منها. أيا من ليس لي منه مجير بعفوك من عذابك أستجير أنا العبد المقر بكل ذنب وأنت الواحد الفرد القدير فإن عذبتني فبسوء فعلي وإن تعف فأنت به جدير فتصور وتخيل أصوات الخلائق وهم ينادون بأجمعهم كل واحد منهم منفرد بنفسه يقول: نفسي نفسي! فلا تسمع إلا قول: نفسي نفسي. فيا هول ذلك وأنت تنادي معهم بالشغل بنفسك والاهتمام بخلاصها من عذاب ربك وعقابه. إنه يوم قد بدأ وسوف ينتهي؛ لكن قل لي بالله العظيم: كيف ستكون النهايات؟ وإلى أين المصير؟ ما ظنك بيوم ينادي فيه المصطفى آدم والشكور نوح والخليل إبراهيم والكليم موسى والروح والكلمة عيسى مع كرامتهم على الله وعظم قدر منازلهم عند ربهم. كل ينادي: نفسي نفسي، هذا حال أتقى البشر، فكيف سيكون حالي وحالك؟! وكيف يكون خوفي وخوفك؟! حتى إذا أيس الخلائق من شفاعتهم أتوا النبي ﷺ فسألوه الشفاعة إلى ربهم فأجابهم لها وقال: أنا لها أنا لها. عند الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم وما سواه إلا تحت لوائي). وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (قال رسول الله ﷺ في قوله ﵎: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] هي الشفاعة، فينطلق ﷺ إلى العرش فيخر ساجداً فيفتح الله عليه من محامده والثناء عليه ما هو أهله فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط واشفع تشفع، فيقول: يا رب! أمتي أمتي، فيجيبه ربه إلى تعجيل عرضهم والنظر في أمورهم). ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩ - ٤٠]. ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٥٧ - ٦٢].

стр. 69

بداية حساب ونهاية لا تظن أن الأمر بالموت قد انتهى بل هناك بداية ونهاية أخرى. ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعدها عن كل شيء نعم سيبعثر ما في القبور، وسيحصل ما في الصدور. فهيا ننتقل من خبر إلى خبر، تعال ننتقل إلى موقف عظيم، ألا هو موقف الحشر. والحشر: هو جمع الخلائق يوم القيامة لحسابهم والقضاء بينهم. الحشر: هو جمع الناس أولهم وآخرهم ليوم لا ريب فيه، سماه الله يوم الجمع، ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩]، وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود:١٠٣]، وقال جل في علاه: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٤٩ - ٥٠]. تأمل حالهم: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٣ - ٤٤]. فلا إله إلا الله على يوم مثل هذا قدرة الله أحاطت بهم فلا يعجزه شيء، حيثما هلك العباد فإن الله قادر على الإتيان بهم، إن هلكوا في أجواء الفضاء، أو غاروا في أعماق الأرض، إن أكلتهم الطيور الجارحة، أو الحيوانات المفترسة، أو أسماك البحار، أو غيبوا في قبورهم في الأرض. تأمل في قوله: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٤٨]. وكما أن قدرة الله محيطة بعباده يأتي بهم حيثما كانوا، فكذلك علمه محيط بهم فلا ينسى منهم أحداً، ولا يضل منهم أحد، ولا يشذ منهم أحد، لقد أحصاهم ولن يغادر منهم أحداً، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٤ - ٩٥]. الناس فيه سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، أسكرتهم الشدائد والأهوال. قال قتادة: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] قال: سمعت الحسن يقول: ما ظنك بأقوام قاموا لله على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة ولم يشربوا فيها شربة، تدنى الشمس من رءوسهم مقدار ميل فيغرقون في عرقهم. فقل لي بالله العظيم: كيف سيكون الحال؟! عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: (إن الكافر يلجم يوم القيامة بعرقه من طول ذلك اليوم). وقال علي ﵁: إن الكافر يقول من طول القيام: رب! أرحني ولو إلى النار. وأنت وأنا لا محالة من بينهم، فتوهم نفسك وتخيل وقد علاك العرق وأطبق عليك الغم وضاقت نفسك في صدرك من شدة الفزع والرعب، والناس معك منتظرون لفصل القضاء إلى دار السعادة أو إلى دار الشقاء، حتى إذا بلغ منك المجهود ومن الخلائق منتهاه، وطال وقوفهم لا يكلمون ولا ينظرون في أمورهم كلم بعضهم بعضاً في طلب من يقدم على مولاه أن يشفع لهم في الراحة من مقامهم وموقفهم لينصرفوا إلى الجنة أو إلى النار، ففزعوا إلى آدم ونوح ومن بعده إبراهيم وموسى وعيسى وكلهم يقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله فكلهم يذكر شدة غضب ربه وينادي بالشغل بنفسه فيقول: نفسي نفسي، فيشتغل بنفسه عن الشفاعة لهم إلى ربهم لاهتمامه بنفسه وخلاصها، وصدق الله حين قال: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل:١١١]، قال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١٠٥ - ١١٢]. فلا إله إلا الله على أهوال يشيب لها الولدان، وتذهل المرضعات عن الأطفال، وتضع الأمهات الأحمال، كيف سيكون حالي وحالك: ﴿إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢١ - ٢٣]. لا إله إلا الله (يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، لو تركت على أهل المحشر لأتت على برهم وفاجرهم)، ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان:١٢]، فإذا نظرت إلى الخلائق فارت وثارت وشهقت وزفرت نحوهم وتوثبت عليهم غضباً لغضب ربهم ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:٧ - ١٠]. فتتساقط الخلائق حينئذ على ركبهم جثاة حولها، قد أسبلوا الدموع، ونادى الظالمون بالويل والثبور ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان:١٤]، ثم تزفر ثانية فيزداد الرعب والخوف في القلوب، ثم تزفر الثالثة فتتساقط الخلائق على وجوههم ويشخصون بأبصارهم وهم ينظرون من طرف خفي خوفاً أن تبلغهم أو يأخذهم حريقها أجارنا الله منها. أيا من ليس لي منه مجير بعفوك من عذابك أستجير أنا العبد المقر بكل ذنب وأنت الواحد الفرد القدير فإن عذبتني فبسوء فعلي وإن تعف فأنت به جدير فتصور وتخيل أصوات الخلائق وهم ينادون بأجمعهم كل واحد منهم منفرد بنفسه يقول: نفسي نفسي! فلا تسمع إلا قول: نفسي نفسي. فيا هول ذلك وأنت تنادي معهم بالشغل بنفسك والاهتمام بخلاصها من عذاب ربك وعقابه. إنه يوم قد بدأ وسوف ينتهي؛ لكن قل لي بالله العظيم: كيف ستكون النهايات؟ وإلى أين المصير؟ ما ظنك بيوم ينادي فيه المصطفى آدم والشكور نوح والخليل إبراهيم والكليم موسى والروح والكلمة عيسى مع كرامتهم على الله وعظم قدر منازلهم عند ربهم. كل ينادي: نفسي نفسي، هذا حال أتقى البشر، فكيف سيكون حالي وحالك؟! وكيف يكون خوفي وخوفك؟! حتى إذا أيس الخلائق من شفاعتهم أتوا النبي ﷺ فسألوه الشفاعة إلى ربهم فأجابهم لها وقال: أنا لها أنا لها. عند الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم وما سواه إلا تحت لوائي). وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (قال رسول الله ﷺ في قوله ﵎: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] هي الشفاعة، فينطلق ﷺ إلى العرش فيخر ساجداً فيفتح الله عليه من محامده والثناء عليه ما هو أهله فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط واشفع تشفع، فيقول: يا رب! أمتي أمتي، فيجيبه ربه إلى تعجيل عرضهم والنظر في أمورهم). ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩ - ٤٠]. ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٥٧ - ٦٢].

стр. 70

عظم الموقف عند الحساب ألا إنها شدة قد بدأت وانتهت، وبدأت بعدها عقبة كئود، إنها الحساب وشدته، وهو أعظم موقف وأشد عقبة، فعلى ضوئها ونهايتها ستحدد البداية التي لا نهاية لها، حين أن يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويقال: يا أهل النار خلود فلا موت. فهيا نتابع الأحداث والأخبار تعال نتابع بداية حساب ونهايته! لكن كيف ستكون البداية، وكيف ستكون النهاية؟! حسبك أن تعلم أن القاضي والمحاسب في ذلك اليوم هو الحكم العدل قيوم السماوات والأرضين، ليتبين لك عظم هذا المشهد وجلالته ومهابته ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠]. نعم سيجيء الرحمن مجيئاً الله أعلم بكيفيته، نؤمن به ونعلم أنه حق ولا نؤوله ولا نحرفه ولا نكذب به، وستجيء الملائكة في هذا الموقف الجليل ومعها كتب الأعمال التي أحصت على الخلق أعمالهم وتصرفاتهم وأقوالهم ليكون حجة على العباد ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠]. ومعنى الحساب: أن يوقف الحق ﵎ عباده بين يديه يعرفهم بأعمالهم التي عملوها وأقوالهم التي قالوها، وما كانوا عليه في حياتهم من إيمان أو كفر أو استقامة أو انحراف أو طاعة أو عصيان. فمن سلك طريق الهداية يعط كتابه بيمينه ويحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً، ومن سلك طريق الغواية يعط كتابه بشماله ويحاسب حساباً عسيراً ويدعو ثبوراً. ستقام محكمة قاضيها الملك الديان، شعارها: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧]، شعارها: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً). ستقوم المحاكمة على قواعد وأصول بينها الله جل في علاه، منها العدل التام الذي لا يشوبه ظلم، قال جل في علاه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]. ومنها: لا يؤخذ أحد بجريرة غيره، قال سبحانه: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]. ومنها: إطلاع العباد على ما قدموه من أعمال ((يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا)) [آل عمران:٣٠]. ومنها: إقامة الشهود، قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:٢٤ - ٢٥].

стр. 71

ما يحاسب عليه الإنسان عن ماذا سيكون السؤال؟ سيكون السؤال عن خمس فاستعد لل الجواب عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تزول -أي إلى الجنة أو إلى النار- لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم). الحساب فيه بالذرة، ووالله إنه لحساب شديد ذلك الذي سنحاسب فيه بالذرة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. فتأمل عبد الله! موقفك غداً بين يدي العزيز القهار تنظر أيمن منك فلا ترى إلا ما قدمت، تنظر أشأم منك فلا ترى إلا ما قدمت، تنظر أمامك فلا ترى إلا النار. إنها والله ساعة لا يخفى على الموقنين رهبتها ولا على المتقين شدتها: تذكر وقوفك يوم العرض عريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تلهب من غيظ ومن غضب على العصاة ورب العرش غضبانا المشركون غداً في النار يلتهب والموحدون بدار الخلد سكانا فتخيل نفسك عبد الله! إذا تطايرت الكتب، ونصبت الموازين، ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف:٤٨].

стр. 72

محاسبة الله للعباد فرداً فرداً تخيل نفسك عبد الله! إذا نوديت باسمك على رءوس الخلائق: أين فلان بن فلان؟ استعد للعرض والوقوف بين يدي الله! وقد وكلت الملائكة بأخذك فساقتك إلى الله لا يمنعها اشتباه الأسماء باسمك واسم أبيك، إذا عرفت أنك المراد بالدعاء. تخيل إذا قرع النداء قلبك فعلمت أنك أنت المطلوب، فارتعدت فرائصك واضطربت جوارحك وتغير لونك وطار قلبك، تخطى بك الصفوف إلى ربك للعرض عليه، والوقوف بين يديه، وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم وأنت في أيدي الملائكة قد طار قلبك واشتد رعبك لعلمك أين يراد بك. فلا إله إلا الله إذا وقفت بين يدي ربك ليس بينك وبينه ترجمان، في يدك صحيفة مخبرة بعملك، لا تغادر بلية كتمتها ولا مخبأة أسررتها وأنت تقرأ ما فيها بلسان كليل وقلب منكسر، والأهوال محيطة بك من بين يديك ومن خلفك، فكم من بلية قد كنت نسيتها ذكركها، وكم من سيئة قد كنت أخفيتها أبداها وأظهرها، وكم من عمل ظننت أنه سلم لك وخلص فرده عليك في ذلك الموقف، وأحبطه بعد أن كان أملك فيه عظيماً. فيا حسرة قلبك، ويا أسفك على ما فرطت في طاعة ربك! عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال ﷺ : (يدني الله العبد منه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه - يعني ستره - فيقرره بذنوبه، حتى إذا ظن العبد أنه هلك، فإذا كان ممن تاب وسلك طريق الهداية قال الله له بعد أن قرره بذنوبه: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم)، فيعطى كتابه بيمينه، فينطلق بين الملأ فرحاً مسروراً ضاحكاً مستبشراً يقول بأعلى صوته: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٤] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨ - ٣٩]. لكن قل لي بالله العظيم: كيف لو كان ممن سلك طريق الغواية وجاءته النهاية بلا توبة ولا أوبة، يقرره الله بذنوبه ثم يقول الجبار: يا ملائكتي! خذوه ومن عذابي أذيقوه، فلقد اشتد غضبي على من قل حياؤه معي فيؤتي كتابه بشماله، فيخرج إلى الملأ وهو يقول: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٩] ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس:٤٠ - ٤٢]. فأي مصير تريد؟! أي مصير تريد؟!

стр. 73

كرامة الصالحين عند الله اسلك طريق الهداية وتجنب طريق الغواية، استعن بالصبر والصلاة، اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم، لا تحزن لقلة السالكين، ولا تغتر بكثرة الهالكين، أسهر ليلك بالقرآن والقيام، واقطع نهارك بالظمأ والصيام، صم في دنياك عن الشهوات والمعاصي والمنكرات، وأفطر يوم تلقى الله وتنادى إلى جنة عرضها الأرض والسماوات. قال إبراهيم بن أدهم لأخ له في الله: (إنه بلغني أن الله تعالى أوحى إلى يحيى بن زكريا ﵉ يا يحيى! إني قضيت على نفسي أنه لا يحبني عبد من عبادي أعلم ذلك منه إلا كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي يتكلم به، وقلبه الذي يفهم به، فإذا كان عبدي كذلك بغضت إليه الاشتغال بغيري، وأدمت فكرته، وأسهرت ليله، وأظمأت نهاره، يا يحيى! أنا جليس قلبه وغاية أمنيته وأمله، أهب له كل يوم وساعة فيتقرب مني وأتقرب منه، أسمع كلامه وأجيب تضرعه ودعاءه، فوعزتي وجلالي! لأبعثنه مبعثاً يغبطه به النبيون والمرسلون، ثم آمر منادياً ينادي: هذا فلان بن فلان، ولي الله وصفيه وخيرته من خلقه، دعاه إلى زيارته ليشفي صدره من النظر إلى وجهه الكريم، فإذا جاءني رفعت الحجاب فيما بيني وبينه، فنظر إلي كيف شاء وأقول له: أبشر فوعزتي وجلالي لأشفين صدرك من النظر إلي، ولأجددن كرامتك في كل يوم وليلة وساعة). سبحانك يا علي يا عظيم، يا باري يا رحيم، يا عزيز يا جبار، يا حي يا حليم، سبحان من سبحت له السماوات بأكنافها، سبحان من سبحت له الجبال بأصواتها، سبحان من سبحت له البحار بأمواجها، سبحان من سبحت له الحيتان بلغاتها، سبحان من سبحت له النجوم بأبراجها، سبحان من سبحت له الأشجار بأصولها، سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال. سبحانك لا إله إلا أنت وحدك. اللهم صل على محمد في الأولين، اللهم صل على محمد في الآخرين، اللهم صل على محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين. اللهم اعصمنا من فتن الدنيا ووفقنا لما تحب من العمل وترضى، وأصلح لنا شأننا كله وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. اللهم اجمع شملنا، ووحد صفنا وأصلح ولاة أمورنا، وانصرنا يا قوي يا عزيز على القوم الكافرين. اللهم أصلح الشباب والشيب واحفظ النساء والبنين. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا من الراشدين. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أستغفر الله العظيم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 74

أصحاب الجنة والنار كثيراً ما نجد في كتاب الله الكريم: ترغيباً في الجنة، وترهيباً من النار؛ وذلك لأنهما مآل الإنسان الحتمي الذي لابد منه. وقد ذكر الله لنا كثيراً من أوصاف النار، وألوان العذاب الذي يلاقيه أهل النار فيها، وبالمقابل كذلك ذكر لنا أوصافاً من النعيم الذي يجده أهل الجنة في جنتهم؛ وكل ذلك ليجتهد الإنسان ويعمل للحصول على المطلوب ولينال المأمول.

стр. 75

الجنة والنار نهاية الرحلة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه أجمعين، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من استن بسنته، واهتدى بهديه إلى يوم الدين. أيها الناس! يا من تطهرتم وتوضأتم وأتيتم إلى بيت الله ترجون رحمته، وتخشون عذابه، أقول لكم: السلام عليكم ورحمة الله، وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأله سبحانه أن يجمعني وإياكم في دار كرامته إخواناً على سرر متقابلين: يا من يرى ما في الضمير ويسمعُ أنت المعد لكل ما يتوقعُ يا من يرجَّى للشدائد كلها يا من إليه المشتكى والمفزعُ! يا من خزائن رزقه في قول كُنْ! والخير كله عندك أجمعُ مالي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري أدفعُ مالي سوى قرعي لبابك حيلة فلئن رُددتُ فأي باب أقرعُ ومن الذي أدعو وأهتف باسمه إن كان فضلك عن فقيرك يُمنعُ حاشا لفضلك أن تقنط عاصياً فالفضل أجزل والمواهب أوسعُ لقد أُرسل إلينا خير الرسل، فشرع لنا أحسن الشرائع، وجعلنا خير أمة أخرجت للناس، ووعد من أطاعه بالنور التام يوم القيامة، وتوعد من عصاه بالعذاب والجحيم. أيها الناس! نجد في كتاب الله بل في كل صفحة من صفحات الكتاب الكريم نجد مشهداً وصورة من صور ذلك اليوم العظيم، إنه اليوم الذي لا يوم بعده، إنه اليوم العظيم كما سماه رب العزة والجلال، وأمرنا سبحانه بالإيمان به، فإن الإيمان بما في ذلك اليوم من العذاب والنعيم هو الدافع إلى سلوك الطريق المستقيم، والضابط لسلوك الناس، فمن علم أنه لله عبد، وأنه بين يديه موقوف، وعلم أنه في ذلك الموقف مسئول، فماذا أعد للسؤال؟ وكيف يبدأ ذلك اليوم وكيف ينتهي؟ وما هو مصير الناس في ذلك اليوم، يقول تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٣ - ٤٤]، وقال: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٦ - ٧] وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٤ - ١٠٥]. وفي ذلك اليوم ينقسم العباد إلى قسمين لا ثالث لهما ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]، ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦]. فإلى أين يكون المصير؟ وكم ذكر لنا رب العزة والجلال تلك المشاهد الرهيبة، وتلك المواقف العظيمة اسمع يا رعاك الله! وافتح قلبك قبل أن تفتح أذنيك لقول الله : ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٣٥]، فهذا تهديد ووعيد، وأمل لمن أطاع وأناب، ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧]. فالمصير إما إلى جنة وإما إلى نار، فالدنيا مهما عظمت فهي حقيرة، ومهما طالت فهي قصيرة. يا عجباً للناس لو فكروا وحاسبوا أنفسهم أبصروا وعبروا الدنيا إلى غيرها واتخذوا الدنيا لهم معبر لا فخر إلا فخر أهل التقى غداً إذا ضمهم المحشر ليعلمن الناس أن التقى والبر كانا خير ما يدخر فالعمر فرصة، ولك أن تختار المصير، ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣]، فإما أن تختار مصير الشاكرين فإلى جنات النعيم، وإما مصير الكافرين فإلى جهنم والعذاب المقيم. وقد صور لنا الله ﵎ صوراً من النار وصوراً من الجنة؛ حتى لا تغفل هذه القلوب عن الحقيقة التي لابد منها، فما ذكر الله النار إلا وأتبعها بصور من الجنة، وما ذكر الجنة إلا وأتبعها بصور من النار، فاسمع ماذا يقول الواحد القهار يوم ينادي عباده الصالحين إلى مرضاته وجنته، ويوم يقاد المجرمين إلى عذاب الله خالدين يقول: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ * إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٦٨ - ٨٠].
следующие страницы →