Полный текст (882 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ما يحاسب عليه الإنسان
عن ماذا سيكون السؤال؟ سيكون السؤال عن خمس فاستعد لل
الجواب
عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تزول -أي إلى الجنة أو إلى النار- لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم).
الحساب فيه بالذرة، ووالله إنه لحساب شديد ذلك الذي سنحاسب فيه بالذرة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
فتأمل عبد الله! موقفك غداً بين يدي العزيز القهار تنظر أيمن منك فلا ترى إلا ما قدمت، تنظر أشأم منك فلا ترى إلا ما قدمت، تنظر أمامك فلا ترى إلا النار.
إنها والله ساعة لا يخفى على الموقنين رهبتها ولا على المتقين شدتها: تذكر وقوفك يوم العرض عريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تلهب من غيظ ومن غضب على العصاة ورب العرش غضبانا المشركون غداً في النار يلتهب والموحدون بدار الخلد سكانا فتخيل نفسك عبد الله! إذا تطايرت الكتب، ونصبت الموازين، ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف:٤٨].
стр. 72
محاسبة الله للعباد فرداً فرداً
تخيل نفسك عبد الله! إذا نوديت باسمك على رءوس الخلائق: أين فلان بن فلان؟ استعد للعرض والوقوف بين يدي الله! وقد وكلت الملائكة بأخذك فساقتك إلى الله لا يمنعها اشتباه الأسماء باسمك واسم أبيك، إذا عرفت أنك المراد بالدعاء.
تخيل إذا قرع النداء قلبك فعلمت أنك أنت المطلوب، فارتعدت فرائصك واضطربت جوارحك وتغير لونك وطار قلبك، تخطى بك الصفوف إلى ربك للعرض عليه، والوقوف بين يديه، وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم وأنت في أيدي الملائكة قد طار قلبك واشتد رعبك لعلمك أين يراد بك.
فلا إله إلا الله إذا وقفت بين يدي ربك ليس بينك وبينه ترجمان، في يدك صحيفة مخبرة بعملك، لا تغادر بلية كتمتها ولا مخبأة أسررتها وأنت تقرأ ما فيها بلسان كليل وقلب منكسر، والأهوال محيطة بك من بين يديك ومن خلفك، فكم من بلية قد كنت نسيتها ذكركها، وكم من سيئة قد كنت أخفيتها أبداها وأظهرها، وكم من عمل ظننت أنه سلم لك وخلص فرده عليك في ذلك الموقف، وأحبطه بعد أن كان أملك فيه عظيماً.
فيا حسرة قلبك، ويا أسفك على ما فرطت في طاعة ربك! عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال ﷺ : (يدني الله العبد منه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه - يعني ستره - فيقرره بذنوبه، حتى إذا ظن العبد أنه هلك، فإذا كان ممن تاب وسلك طريق الهداية قال الله له بعد أن قرره بذنوبه: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم)، فيعطى كتابه بيمينه، فينطلق بين الملأ فرحاً مسروراً ضاحكاً مستبشراً يقول بأعلى صوته: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٤] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨ - ٣٩].
لكن قل لي بالله العظيم: كيف لو كان ممن سلك طريق الغواية وجاءته النهاية بلا توبة ولا أوبة، يقرره الله بذنوبه ثم يقول الجبار: يا ملائكتي! خذوه ومن عذابي أذيقوه، فلقد اشتد غضبي على من قل حياؤه معي فيؤتي كتابه بشماله، فيخرج إلى الملأ وهو يقول: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٩] ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس:٤٠ - ٤٢].
فأي مصير تريد؟! أي مصير تريد؟!
стр. 73
كرامة الصالحين عند الله
اسلك طريق الهداية وتجنب طريق الغواية، استعن بالصبر والصلاة، اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم، لا تحزن لقلة السالكين، ولا تغتر بكثرة الهالكين، أسهر ليلك بالقرآن والقيام، واقطع نهارك بالظمأ والصيام، صم في دنياك عن الشهوات والمعاصي والمنكرات، وأفطر يوم تلقى الله وتنادى إلى جنة عرضها الأرض والسماوات.
قال إبراهيم بن أدهم لأخ له في الله: (إنه بلغني أن الله تعالى أوحى إلى يحيى بن زكريا ﵉ يا يحيى! إني قضيت على نفسي أنه لا يحبني عبد من عبادي أعلم ذلك منه إلا كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي يتكلم به، وقلبه الذي يفهم به، فإذا كان عبدي كذلك بغضت إليه الاشتغال بغيري، وأدمت فكرته، وأسهرت ليله، وأظمأت نهاره، يا يحيى! أنا جليس قلبه وغاية أمنيته وأمله، أهب له كل يوم وساعة فيتقرب مني وأتقرب منه، أسمع كلامه وأجيب تضرعه ودعاءه، فوعزتي وجلالي! لأبعثنه مبعثاً يغبطه به النبيون والمرسلون، ثم آمر منادياً ينادي: هذا فلان بن فلان، ولي الله وصفيه وخيرته من خلقه، دعاه إلى زيارته ليشفي صدره من النظر إلى وجهه الكريم، فإذا جاءني رفعت الحجاب فيما بيني وبينه، فنظر إلي كيف شاء وأقول له: أبشر فوعزتي وجلالي لأشفين صدرك من النظر إلي، ولأجددن كرامتك في كل يوم وليلة وساعة).
سبحانك يا علي يا عظيم، يا باري يا رحيم، يا عزيز يا جبار، يا حي يا حليم، سبحان من سبحت له السماوات بأكنافها، سبحان من سبحت له الجبال بأصواتها، سبحان من سبحت له البحار بأمواجها، سبحان من سبحت له الحيتان بلغاتها، سبحان من سبحت له النجوم بأبراجها، سبحان من سبحت له الأشجار بأصولها، سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال.
سبحانك لا إله إلا أنت وحدك.
اللهم صل على محمد في الأولين، اللهم صل على محمد في الآخرين، اللهم صل على محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
اللهم اعصمنا من فتن الدنيا ووفقنا لما تحب من العمل وترضى، وأصلح لنا شأننا كله وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
اللهم اجمع شملنا، ووحد صفنا وأصلح ولاة أمورنا، وانصرنا يا قوي يا عزيز على القوم الكافرين.
اللهم أصلح الشباب والشيب واحفظ النساء والبنين.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا يا ربنا من الراشدين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أستغفر الله العظيم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 74
أصحاب الجنة والنار
كثيراً ما نجد في كتاب الله الكريم: ترغيباً في الجنة، وترهيباً من النار؛ وذلك لأنهما مآل الإنسان الحتمي الذي لابد منه.
وقد ذكر الله لنا كثيراً من أوصاف النار، وألوان العذاب الذي يلاقيه أهل النار فيها، وبالمقابل كذلك ذكر لنا أوصافاً من النعيم الذي يجده أهل الجنة في جنتهم؛ وكل ذلك ليجتهد الإنسان ويعمل للحصول على المطلوب ولينال المأمول.
стр. 75
الجنة والنار نهاية الرحلة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه أجمعين، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من استن بسنته، واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أيها الناس! يا من تطهرتم وتوضأتم وأتيتم إلى بيت الله ترجون رحمته، وتخشون عذابه، أقول لكم: السلام عليكم ورحمة الله، وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأله سبحانه أن يجمعني وإياكم في دار كرامته إخواناً على سرر متقابلين: يا من يرى ما في الضمير ويسمعُ أنت المعد لكل ما يتوقعُ يا من يرجَّى للشدائد كلها يا من إليه المشتكى والمفزعُ! يا من خزائن رزقه في قول كُنْ! والخير كله عندك أجمعُ مالي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري أدفعُ مالي سوى قرعي لبابك حيلة فلئن رُددتُ فأي باب أقرعُ ومن الذي أدعو وأهتف باسمه إن كان فضلك عن فقيرك يُمنعُ حاشا لفضلك أن تقنط عاصياً فالفضل أجزل والمواهب أوسعُ لقد أُرسل إلينا خير الرسل، فشرع لنا أحسن الشرائع، وجعلنا خير أمة أخرجت للناس، ووعد من أطاعه بالنور التام يوم القيامة، وتوعد من عصاه بالعذاب والجحيم.
أيها الناس! نجد في كتاب الله بل في كل صفحة من صفحات الكتاب الكريم نجد مشهداً وصورة من صور ذلك اليوم العظيم، إنه اليوم الذي لا يوم بعده، إنه اليوم العظيم كما سماه رب العزة والجلال، وأمرنا سبحانه بالإيمان به، فإن الإيمان بما في ذلك اليوم من العذاب والنعيم هو الدافع إلى سلوك الطريق المستقيم، والضابط لسلوك الناس، فمن علم أنه لله عبد، وأنه بين يديه موقوف، وعلم أنه في ذلك الموقف مسئول، فماذا أعد للسؤال؟ وكيف يبدأ ذلك اليوم وكيف ينتهي؟ وما هو مصير الناس في ذلك اليوم، يقول تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٣ - ٤٤]، وقال: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٦ - ٧] وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٤ - ١٠٥].
وفي ذلك اليوم ينقسم العباد إلى قسمين لا ثالث لهما ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]، ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦].
فإلى أين يكون المصير؟ وكم ذكر لنا رب العزة والجلال تلك المشاهد الرهيبة، وتلك المواقف العظيمة اسمع يا رعاك الله! وافتح قلبك قبل أن تفتح أذنيك لقول الله : ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٣٥]، فهذا تهديد ووعيد، وأمل لمن أطاع وأناب، ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧].
فالمصير إما إلى جنة وإما إلى نار، فالدنيا مهما عظمت فهي حقيرة، ومهما طالت فهي قصيرة.
يا عجباً للناس لو فكروا وحاسبوا أنفسهم أبصروا وعبروا الدنيا إلى غيرها واتخذوا الدنيا لهم معبر لا فخر إلا فخر أهل التقى غداً إذا ضمهم المحشر ليعلمن الناس أن التقى والبر كانا خير ما يدخر فالعمر فرصة، ولك أن تختار المصير، ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣]، فإما أن تختار مصير الشاكرين فإلى جنات النعيم، وإما مصير الكافرين فإلى جهنم والعذاب المقيم.
وقد صور لنا الله ﵎ صوراً من النار وصوراً من الجنة؛ حتى لا تغفل هذه القلوب عن الحقيقة التي لابد منها، فما ذكر الله النار إلا وأتبعها بصور من الجنة، وما ذكر الجنة إلا وأتبعها بصور من النار، فاسمع ماذا يقول الواحد القهار يوم ينادي عباده الصالحين إلى مرضاته وجنته، ويوم يقاد المجرمين إلى عذاب الله خالدين يقول: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ * إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٦٨ - ٨٠].
стр. 76
صفة النار وعذابها
إن النار دار الخزي والبوار، ودار العذاب والنكال، فكم حذر المولى منها وأنذر ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٥ - ١٦].
وأبوابها سبعة كما قال ربها: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٣ - ٤٤]، قال تعالى عن خزنتها: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ [المدثر:٢٦ - ٢٨]، وقال: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤].
فقعرها بعيد، وحرها شديد، مقامعها من حديد، وطعام أهلها من النار، ولباسهم من النار، وفرشهم من النار، ومساكنهم من النار، وشرابهم من النار، فقد أطبقت عليهم النار من فوقهم ومن تحت أرجلهم.
ويستغيثون فلا يستجاب لهم، ويصيحون فلا يسمع صياحهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧]، فيأتيهم الرد بعد آلاف من السنين: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، ويكون هذا آخر عهدهم بصوت الرحمن ﵎.
﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧].
وتغطي على أهل جهنم غيوم وسحب سود فيقال لهم: يا أهل النار! ماذا تتمنون؟ فيتذكرون الماء والمطر والشراب، فيقولون: ربنا أمطر علينا ماء وشراباً، فتمطر عليهم سلاسلاً تزيد في سلاسلهم، وأغلالاً تزيد في أغلالهم، ولهيباً يزيد في احتراقهم، فبئس من كانت هذه الدار داره، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠].
وطعامهم من ضريع ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٧] ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل:١٢ - ١٣]، فيغصون بطعامهم فلا هم يستطيعون إدخاله، ولا هم يستطيعون إخراجه، وطعامهم من شجرة الزقوم وما أدراك ما الزقوم! قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان:٤٣ - ٥٠].
يقول ﷺ مبيناً بشاعة شجرة الزقوم: (لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الأرض لغيرت على أهل الأرض معايشهم)، فكيف بمن تكون طعامه؟! وفي النار تضخم الصور وتضخم الأشكال، حتى أن مجلس الكافر في جهنم مسيرة ثلاثة أيام، وغلظ جلد الكافر أربعين ذراعاً، وكلما نضجت هذه الجلود بُدِّلوا غيرها؛ ليذوقوا العذاب الشديد، فيرسل عليهم البكاء فيبكون ويستجيرون حتى تنقطع الدموع، فيبكون دماً حتى تخط في وجوههم مثل الأخاديد، ولو سيرت بها السفن لجرت، إنه العذاب الأليم الشديد.
فكم أنذر رب العزة وحذر: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩ - ٤٠].
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:٢٠ - ٢١]، إنه الويل والثبور، إنه الحساب الذي لا حساب بعده، والوعيد الذي لا وعيد بعده.
إخواني! أما تحذرون من نار جهنم وما فيها من العذاب والنكال؟! واعجباً لمن يقرع سمعه ذكر السعير وهو بالله من عذابها غير مستجير!! أفيك جَلَد على الصديد والجحيم والزمهرير؟! أم بك جلد على نار وقودها الناس والحجارة؟! أم قد رضيت لنفسك هذه الخسارة؟! الحقيقة: أن العذاب لا يوصف، بل هو أعظم مما تتصور.
стр. 77
صفة الجنة
في المقابل حتى يرغب الله عباده وتشتاق قلوبهم إلى جنات الله، وإلى النعيم الدائم المقيم، صور الله الجنة وما فيها من النعيم، وما فيها من لطيف الأخبار والإنعام والإحسان الذي ينزله رب العزة والجلال على عباده في دار كرامته.
فلها ثمانية أبواب، وليأتين عليها يوم وهي كضيض من الزحام، وما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، وأول من يُفتح له حبيبنا ﷺ عندما يقرع فيقال له: لك أمرنا أن نفتح، فتدخل هذه الأمة لكرامتها على الله ﵎.
يقول علي ﵁ وأرضاه: [فأول ما يدخل أهل الجنة الجنة إذا بشجرة قد نبع من أصلها عينان كأنهم أمروا أن يشربوا من العين الأولى فيذهب الله ما في بطونهم من أذى وبأس وقذى، ثم يشربون من العين الثانية فتظهر على وجوههم نظرة النعيم، ثم يستقبلهم الولدان المخلدون فيقولون لهم: أبشروا بما يسركم، ويكون هذا عندما يساق ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر:٧٣].
فيذهب الولدان المخلدون إلى أزواجهم من الحور العين يبشرونهن ويقولون لهن: أتى فلان ويناودنه باسمه الذي كان ينادى به في الدنيا، فتطير الحسناء فرحاً وطرباً؛ لقدوم الحبيب، فتنتظره على عتبة الباب، حتى إذا أقبل ولي الله على قصره إذا هو قائم أساسه على لؤلؤ ينظر إلى أعلاه، فلولا أن الله كتب ألا يذهب بصره لذهب، ألوان صفر، وحمر، وخضر، فيقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]، فيطأطئ الرأس فإذا بأزواجه من الحور العين، ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية:١٤ - ١٦]، فيجلس على أريكته ما شاء الله أن يمكث فإذا بنور يسطع في الجنة فيظن أهل الجنة أن الله قد تجلى لهم، فإذا الحورية تناديه وتقول: ولي الله! أما لنا فيك نصيب؟ فيقول لها: من أنت يا أمة الله؟ فتقول: أنا من الذين قال الله فيهم: ((وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ)) [ق:٣٥]، فينتقل إليها فإذا فيها من الحسن والجمال ما ليس في الأولى فيمكث عندها ما شاء الله له أن يمكث فإذا بنور قد سطع فيظن أن الله قد تجلى لهم، فإذا بحورية تناديه فيقول لها: من أنت يا أمة الله؟ فتقول: أنا من الذين قال الله فيهم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧]، فينادونه أزواجه إنك لا تُمل ولا تُمل ووالله! ما في الجنة شيء أحسن منك، وما في الجنة شيء أحب إلينا منك.
стр. 78
وصف الحور العين
اسمع يا رعاك الله! كيف يصور ابن القيم حسنهن وجمالهن فيقول: يا خاطب الحور الحسان وطالباً لوصالهن بجنة الحيوانِ لو كنت تدري من خطبت ومن طلبـ ت بذلت ما تحوي من الأثمانِ أسرع وحث السير جهدك إنما مسراك هذا ساعة لزمانِ فاسمع صفات عرائس الجنات ثـ م اختر لنفسك يا أخا العرفانِ حمر الخدود ثغورهن لآلئٌ سود العيون فواتر الأجفان والبرق يبدو حين يبسم ثغرها فيضيء سقف القصر بالجدرانِ ريانة الأعطاف من ماء الشبا ب فغصنها بالماء ذو جريانِ والقدّ منها كالقضيب اللدن في حسن القوام كأوسط القضبانِ والجيد ذو طول وحسن في بيا ض واعتدال ليس ذا نكرانِ والريح مسك والجسوم نواعم واللون كالياقوت والمرجان وكلامها يسبي العقول بنغمة زادت على الأوتار والعيدانِ أترى يليق بعاقل بيع الذي يبقى وهذا وصفه بالفاني يقول سفيان: بينما أهل الجنة في الجنة إذ سطع نور فقيل: ما هذا؟ قيل: حورية ضحكت في وجه زوجها، لنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها، لو بصقت في بحر لجي لأصبح عذباً فراتاً، ولو أطلت من السماء لغطى نور وجهها نور الشمس والقمر.
стр. 79
ولدينا مزيد
بينما أهل الجنة في مجالسهم ونعيمهم في طرب وسرور وحبور، إذ نادى المنادي عن نعيم أعظم من هذا النعيم، ولذة أعظم من هذه اللذة، إنها رؤية العزيز الحميد، إنها التمتع بالنظر إلى وجه العزيز الكريم، فينادي المنادي: يا أهل الجنة! إن ربكم تعالى يستزيركم فحيا على زيارته، فيقومون إلى الزيارة مسرعين، فإذا بالنجائب قد أعدت لهم، فيستوون على ظهورها مبادرين، حتى إذا جاءوا إلى الوادي الأفيح الذي جعل لهم موعداً أمر الرب ﵎ بكرسيه فنصب هناك، ونصبت لهم منابر من نور، ومنابر من ذهب، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من زبرجد، وجلس أدناهم على كتان المسك -وحاشاهم أن يكون بينهم دنيء- حتى إذا استووا في مجالسهم نادى المنادي: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ألم يبيض وجوهنا؟ ويثقل موازيننا؟ ويزحزحنا عن النار ويدخلنا الجنة؟ فبينما هم كذلك إذ سطع نور أجرست له الجنة، فإذا الجبار ﷻ يتجلى لهم ويضحك لهم ويقول: سلام يا أهل الجنة! فلا ترد تلك التحية إلا بقولهم: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام! فيتجلى لهم ويضحك لهم فيكون أول ما يسمعون منه: أين عبادي الذين كانوا يخشوني بالغيب ولم يروني؟ هذا يوم المزيد فسلوني، فيقولون: ربنا! إنا رضينا فارض عنا، فيقول: لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتي، هذا يوم المزيد فسلوني، فيجتمعون على كلمة واحدة أن ربنا أرنا وجهك ننظر إليك، فيكشف الجبار الحجب فيغشاهم من النور لولا أنه كتب عليهم ألا يحترقوا لاحترقوا، فلا يبقى أحد في ذلك المجلس إلا ويحاضره ربه محاضرة، ويناظره مناظرة فيقول: فلان أتذكر يوم كذا وكذا ويذكره ببعض غدراته في الدنيا؛ فيقول: ربي! ألم تغفر لي؟ فيقول: لو لم أغفر لك لما بلغت منزلتك هذه، فيا لذة الأنظار بتلك المناظرة! ويا لذة الأسماع بتلك المحاضرة! يقول تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٢٢ - ٣٩].
فحيا على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلّم
стр. 80
ثمن الجنة
كم تُذكر الجنة والنار؟ وكم يحذر الجبار ويرغب؟ فلا عين تدمع، ولا قلب يخشع، ولا أذن تسمع، فما هو الثمن أحبتي؟ قال النبي ﷺ : (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية إلا إن سلعة الله الجنة).
يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلانِ فأين الثمن أحبتي؟ فاقرأ في سير القوم وما قدموا، وكم بذلوا وضحوا من أجلها؛ لأنها الأمنية التي عاشوا من أجلها، فيمر عليهم نبي الهدى والرحمة وهم يضطهدون ويعذبون فيقول لهم: (صبراً آل ياسر! إن موعدكم الجنة)، وقال: (إن لكم أن تحيوا فيها فلا تموتوا أبداً، وأن تصحوا فلا تمرضوا أبداً، وأن تشبوا فلا تهرموا أبداً).
وأنت الآن في زمن الإمكان والثمن: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف:١٠ - ١١].
إن أحدهم يطعن برمح في ظهره حتى يخرج من صدره، فيتناثر الدم على وجهه، فيمسح وجهه ويقول: فزت ورب الكعبة! والآخر يقول: واهٍ لريح الجنة، إني لأشم ريح الجنة دون أُحد.
إنها الجنة وما أدراك ما الجنة، إنه الإيمان والتقوى والإحسان الذي قاد أولئك الرجال إلى نعيم الله والرضوان.
وهذا حارثة يصبح فيقول له النبي: (كيف أصبحت يا حارثة؟! فيقول: أصبحت مؤمناً حقاً، فيقول له ﷺ : وما حقيقة قولك وإيمانك؟ فيقول: عزفت نفسي عن الدنيا: فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، ولكأني أرى عرش الرحمن بارزاً أمامي، وكأني أرى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أرى أهل النار يتعاوون فيها)، فيقتل يوم بدر فتأتي أمه إلى النبي ﷺ فتقول: يا رسول الله! أين حارثة؟ هل هو في النار فأجتهد وأبكي، أم في الجنة فأفرح له، فقال: (يا أم حارثة! إنها جنان وإن حارثة أصاب الفردوس الأعلى).
فيا بائعاً هذا ببخسٍ معجل كأنك لا تدري بلى سوف تعلم فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم وحتى قلوب النساء كانت معلقة بالجنة، فـ نسيبة الأنصارية الداعية المجاهدة يقول عنها النبي ﷺ : (يوم أحد -يوم دارت الدوائر- ألتفت يمنة، فإذا بـ أم عمارة تذود عني، وألتفت يسرة فإذا بـ أم عمارة تذود عني أقول لها: من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟ سليني يا أم عمارة تقول: نسألك رفقتك في الجنة يا رسول الله!).
إنها الجنة يا أحبتي! إنها الجنة التي تقطعت أكباد الصالحين من أجلها، فهذا سعد بن الربيع يسمع النبي ﷺ في ذلك الموقف وهو يقول: (من يرد عنا الرجال وهو رفيقي في الجنة)؟ فما إن يسمع اسم الجنة حتى يطير قلبه، وتتحرك أحاسيسه إنها الجنة التي بايعنا من أجلها، إنها الجنة التي وعدنا يوم العقبة يوم أن تواعد الرجال مع النبي ﷺ ، فقالوا: إن نحن قدمنا الغالي والنفيس وأظهرك الله ماذا لنا يا رسول الله؟! قال: لكم الجنة، قالوا: مد يمينك نبايعك.
لما سمع سعد بن الربيع اسم الجنة رمى كل ما يثقله وانطلق في صفوف الكافرين يهزهم هزاً، فكان أسداً مقبلاً غير مدبر، فلما رأى القوم بسالته وشدته اجتمعوا عليه حتى أردوه قتيلاً، فكان أول ما انتهى القتال أن سأل النبي ﷺ : ماذا صنع سعد بن الربيع؟ من يبحث لنا ويأتي لنا بخبر سعد بن الربيع، يقول أبو موسى الأشعري: فتحسسته وبحثت عنه بين القتلى فوجدته في آخر رمق من الحياة، فقلت له: إن رسول الله ﷺ يقرؤك السلام ويقول: كيف تجدك؟ فتهلل وجهه لما سمع اسم النبي ﷺ وعلم أن القائد حي يرزق فقال: أقرؤه مني السلام، وقل له: جزاك الله عنا خير ما جُزي نبي عن أمته، وقل له: إني لأجد ريح الجنة، ثم اسمع الوصية فهو لم يوص بمال ولا بعيال وإنما قال: (أقرئ قومي الأنصار السلام، وقل لهم: لا عذر لكم أمام الله أن يخلص إلى رسول الله وفيكم عين تطرف).
إنه الثبات في المحيا وعند الممات، فلما رجع أبو موسى وأخبر النبي ﷺ بالخبر تحركت مشاعر القائد ﷺ فاستقبل القبلة وقال: (اللهم! القَ سعد بن الربيع وأنت عنه راضٍ، ثم قال: رحمك الله يا سعد نصحت للإسلام حياً وميتاً)، إنه الثمن، فالذين اجتهدوا بالطاعات وتقربوا إلى الله بالقربات فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
أما الذين سوفوا وغرتهم الحياة الدنيا وغرهم بالله الغرور فكيف سيكون الحال إذا انقسم الناس إلى قسمين إما إلى جنة وإما إلى نار؟ إن الأمر جد، والخطب جلل، والأمر أعظم مما يتصور الإنسان، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨]، ليجازي المسيء بإساءته والمحسن بإحسانه، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].
والناس في هذه الدنيا صنفان لا ثالث لهما: منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨]، والنتيجة هي في قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:١٨ - ٢١].
فالحقيقة التي لابد منها أن بعد هذه الحياة موتاً وقبراً وبرزخاً، وبعد البرزخ بعثاً وحشراً وحساباً وميزاناً وصراطاً وجنةً وناراً، ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ * إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ * إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:٩٧ - ١٠٤].
أحبتي! عندما قصرنا في النظر إلى كتاب الله، وقصرنا في تدبر آياته، وفي اتباع المنهج الصحيح، وعندما غرتنا الحياة الدنيا وشغلتنا أموالنا وأهلونا أصبحت الحياة لا قيمة لها ولا معنى، فقيمة الحياة تكون بالهدف الذي يعيش الإنسان من أجله، وقيمة الحياة هي في الغاية التي يعيش الإنسان من أجلها: (يا ابن آدم! خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، وعزتي وجلالي! ما اعتصم بي عبد من عبادي وكادته السموات والأرض إلا جعلت له من بينها مخرجاً، وعزتي وجلالي! ما اعتصم عبد من عبادي بغيري إلا أغلقت عليه أبواب السماء، وأزحت الأرض من تحته).
فلتكن الحياة لله وفي الله، وإذا أَنِسَ الناس بالدنيا فافرح أنت بالآخرة، وإذا فرح الناس بالدرهم والدينار فافرح أنت بالله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى:٣٦]، ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩]، فأصحاب النهى والعقول هم الذين تدبروا وتفكروا واستعانوا على طاعة الله في عباد الله الصالحين، فهم من طاعة إلى طاعة، ومن قربة إلى قربة، والحياة ممر وطريق والعمر فرصة فاستغلوا الأوقات، واستغلوا الدقائق والثواني قبل أن يأتي وقت الندم والحسرة، فإنك لا تدري أين سيكون اسمك غداً، ولا تدري أنك إذا أصبحت هل تدرك المساء، وأنك إذا أمسيت هل تدرك الصباح.
أحبتي! هذه القصيدة لم تكن على البال، ولم تكن معدة لأقولها في هذا المكان، ولكن بطلب من أحد الإخوة الذين أحبهم في الله، وأشهد الله على حبكم أجمعين، وتلبية له والقصيدة هي للشيخ: سعيد بن مسفر
стр. 81
الملتقى الجنة
جعل الله الجنة دار جزاء خالد للمتقين الذين شمروا في طاعة الله واجتنبوا محارمه، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فهنيئاً لمن استعد لها وفاز بها.
стр. 82
آيات وتفسير
أحبتي أهلاً بكم، وأهلاً بالجميع.
إن لله عباداً أسكنهم دار السلام, فأخمصوا البطون عن مطاعم الحرام, وأغمضوا الجفون عن مناظر الحرام، قيدوا الجوارح عن فضول الكلام, وطووا الفرش وقاموا في جوف الظلام، طلبوا الحور الحسان من الحي الذي لا ينام, فلم يزل في نهارهم صيام, وفي ليلهم قيام, حتى أتاهم ملك الموت ﵈.
فارقوا الدنيا على أن يكون ملتقاهم الجنة, سموا وسعوا إلى دار ليس فيها ما يشينها, دار لا يفني فيها ما يزينها، دار لا يزول عزها، ولا يزول تمكينها، قال الله عن تلك الدار وعن ساكنيها: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه:١١٨ - ١١٩].
فيا الله ما أتم نعيمهم! وما أعم تكريمهم! وما أفضل حريمهم! وما أكرم كريمهم! وما أظرف حديثهم! منحوا الخلود، افترقوا في الدنيا على أمل أن يكون اللقاء في الجنة.
دفعني إلى الموضوع: تشويق النفوس إلى ما أعده الله لأهل الطاعات, وبيان خسارة أولئك الذين آثروا الشهوات واللذات.
دفعني إلى الموضوع: حتى يزيد الصالح في صلاحه, ويثبت الثابت على استقامته وعلى مكانه فأي فوز أعظم من الفوز بجنات النعيم، ورؤية الرحمن الرحيم؟! قال يحيى بن معاذ: ترك الدنيا شديد, وفوات الجنة أشد, وترك الدنيا هو مهر الجنة.
لي معكم في هذا اللقاء خمس وقفات وخمس تأملات: فالوقفة الأولى: آيات وتفسير.
والوقفة الثانية: من أخبار المشتاقين.
والوقفة الثالثة: الملتقى الجنة.
والوقفة الرابعة: ما أهون ما بذلوا في عظيم ما نالوا! والوقفة الخامسة: الطريق إلى الجنة.
فهيا ننطلق مع الوقفة الأولى: آيات وتفسير: جاء من ذكر الجنة في القرآن الكثير الكثير، تثبيتاً للعاملين, وتشويقاً للمشتاقين، قال سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ [الغاشية:٨ - ١١] قال المفسرون: معنى قوله: ((نَاعِمَةٌ)) أي في نعمة وكرامة، وقوله: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ أي أنها رضت ثواب عملها الذي كانت تعمله في الدنيا، وقوله: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أي عالية المنازل متفاوتات الدرجات، وقوله: ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ أي لا تسمع فيها كلام لغواً أو باطل، كما قال سبحانه: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦].
ثم بين ما في تلك الجنان من نعيم فقال سبحانه: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية:١٢ - ١٦].
قال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ قال: ألواحها من ذهب مكللة بالزبردج والياقوت، مرتفعة ما لم يجئ أهلها فإذا جاءوا وأرادوا الجلوس تواضعت لهم حتى يجلسوا عليها، فإذا قاموا عادت وارتفعت إلى مكانها.
وقوله: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ وهي الأباريق التي لا عري لها موضوعة عندهم، وقوله: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ هي الوسائد مصفوفة إلى جنب بعضها.
وقوله: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ هي الطنافس أي البسط والفرش كثيرة متفرقة هذا بعض ما فيها! أما الحق الذي نعرفه فإن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
اسمع واسمعي عن أدناهم منزلة وأعلاهم منزلة في الجنان: روى مسلم في صحيحه عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ قال: (سأل موسى ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال الله لموسى: هو رجل يجيء بعدما دخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب! كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا، فيقول: رضيت رب، فيقول له: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله فقال في الخامسة: رضيت رب! فيقول: ولك هذا وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك.
فيقول: رضيت رب! فما أعلاهم منزلة؟ قال الله: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر قال: ومصداقه في كتاب الله : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]).
فماذا كان عملهم حتى جزاهم ونضر وجوههم وقال عنهم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨ - ٣٩].
فاسمع رعاك الله! عن تلك الوجوه! وجوه طالما غسلتها الدموع، وجوه طالما أذلها الخشوع، وجوه ظهر عليها الاصفرار من الجوع، وجوه إذا ذكرت أذعنت وذلت، وجوه ألفت الركوع والسجود فما كلت ولا ملت، وجوه توجهت إلى ربها وما نكصت على أعقابها وما تولت، وجوه سارت في الدنيا بين الرجاء والخوف، رجاء دخول الجنان والخوف من النيران، لسان حالهم في دنياهم كما قال ربهم جلا في علاه: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان:١٠ - ٢٢].
سعيكم مشكور إذ صبرتم على طاعتي سعيكم مشكور إذ صبرتم عن معصيتي سعيكم مشكور إذ صبرتم على الأذى في سبيلي صبرت عن اللذات حتى تولت وألزمت نفسي هجرها فاستمرت وكانت على الأيام نفسي عزيزة فلما رأت صبري على الذل ذلت وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى فإن توقت تاقت وإلا تسلت اسمعي واسمع بعض من سعيهم كما قال ربهم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ١١].
اللهم اجعلنا ممن يقال لهم يوم العرض الأكبر: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق:٣٤].
стр. 83
من أخبار المشتاقين
стр. 84
أبو ريحانة المجاهد
الوقفة الثانية: من أخبار المشتاقين.
روى ابن المبارك في الزهد عن مولى لـ أبى ريحانة قال: قفل أبو ريحانة من بعث غزا فيه، فلما انصرف أتى أهله فتعشى من عشائهم ثم دعا بوضوء فتوضأ منه ثم قام إلى مسجده -يعني مصلاه في بيته- فقرأ سورة ثم أخرى، ولم يزل كذلك كلما فرغ من سورة افتتح الأخرى حتى إذا أذن المؤذن من سحر شد عليه ثيابه، فأتته امرأته فقالت: يا أبا ريحانة قد غزوت فتعبت في غزوتك ثم قدمت إلي فلم يكن لي منك حظ ولا نصيب، فقال: بلى والله ما خطرت لي على بال، ولو ذكرتك لكان لك علي حق، قالت: فما الذي شغلك عنا يا أبا ريحانة؟ قال: لم يزل قلبي يهيم فيما وصف الله في جنته من لباسها وأزواجها ونعيمها ولذاتها حتى سمعت المؤذن.
الله أكبر! لما سمع القوم قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، وقوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١]، فهموا أن المراد من ذلك أن يجتهد كل واحد منهم أن يكون هو السابق لغيره إلى هذه الكرامة.
قال الحسن: إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه أنت في الآخرة.
وقال ﵀: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره.
اعلم رعاك الله واعلمي بارك الله فيك! أنه: على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم قام رجل من الصالحين يصلي من الليل فمر بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] فجعل يرددها ويبكي حتى أصبح، فلما أصبح قيل له: أبكتك آية ما مثلها يبكي، إنها جنة عريضة واسعة، فقال: يا ابن أخي! وما ينفعني عرضها إن لم يكن لي فيها موضع قدم؟ فيا عجباً كيف ينام طالبها؟! وكيف لم يستخدم فيها خاطبها؟! وكيف طاب العيش في هذه الدار بعد سماع أخبارها؟! وكيف قر للمشتاق القرار دون معانقة أبكارها؟! وكيف قر دونها أعين المشتاقين؟! وكيف صبرت عنها أنفس الموقنين؟! وكيف صدفت عنها قلوب أكثر العالمين؟! وبأي شيء تعوضت عنها نفوس المعرضين؟! فسل المتيم أين خلف صبره في أي واد أم بأي مكان أترى يليق بعاقل بيع الذي يبقى وهذا وصفه بالفاني اعلم رعاك الله! واعلمي بارك الله فيك! أن من جد وجد، ومن سهر ليس كمن رقد، ومن لم تبك الدنيا عليه لم تضحك الآخرة له.
لسان حال المشتاقين: إذا اشتغل اللاهون عنك بشغلهم جعلت اشتغالي فيك يا منتهى شغلي عن كريب أنه سمع أسامة يقول: قال رسول الله ﷺ : (ألا هل من مشمر للجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها, ورب الكعبة نور يتلالأ, وريحانة تهتز, وقصر مشيد, ونهر مطرد, وثمرة نضيجة, وزوجة حسناء جميلة, وحلل كثيرة, في مقام أبد, في دار سلمة, وفاكهة خضراء, وحبرة ونعمة, في محلة عالية بهية, قالوا: نعم يا رسول الله! نحن المشمرون.
قال: قولوا: إن شاء الله.
فقال القوم: إن شاء الله).
هنيئاً لهم سمعوا الأوصاف والأخبار فشمروا، وصدقوا الأقوال بالأفعال، علموا أن السلعة غالية، فقدموا الثمن من الأنفس والأموال، لأن الله اشترى وهم باعوا والثمن الجنة، وعد صادق، وعهد سابق، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢].
стр. 85
حارثة وأم حارثة
اسمع خبراً من أخبارهم: قتل يوم بدر حارثة العابد الزاهد الملازم للمساجد فجاءت أمه أم حارثة إلى الرسول ﷺ شاكية باكية قالت: يا رسول الله! أخبرني عن حارثة أين هو؛ في النار فأبكيه أم في الجنة فأفرح لما هو فيه؟ قال: (يا أم حارثة أمجنونة أنت؟! إنها ليست جنة ولكنها جنان، وإن حارثة أصاب الفردوس الأعلى).
قال الله جلا في علاه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف:١٠٧]، وقال جل في علاه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:٩ - ١٠].
لله قوم أخلصوا في حبه فاختصهم ورضي بهم خداما قوم إذا هجم الظلام عليهم قاموا فكانوا سجداً وقياما يتلذذون بذكره في ليلهم ونهارهم لا يفترون صياما فسيفرحون بورد حوض محمد وسيسكنون من الجنان خياما وسيغنمون عراساً بعرائس ويبوءون من الجنان مكانا وتقر أعينهم بما أخفى لهم وسيسمعون من الجليل سلاما هذا طريقهم فأين السالكون؟ وهذا وصفهم فأين المشمرون؟ كان رجل من الموالي اسمه صهيب وكان يكثر قيام الليل والبكاء، فعوتب على ذلك فقال: إن صهيباً إذا ذكر الجنة طال شوقه، وإذا ذكر النار طار نومه.
стр. 86
الملتقى الجنة
الوقفة الثالثة: الملتقى الجنة.
عن رافع بن عبد الله قال: قال لي هشام بن يحيى الكناني: لأحدثنك حديثاً رأيته بعيني وشهدته بنفسي، قلت: حدثني يا أبا الوليد.
قال: غزونا أرض الروم سنة ثمان وثلاثين وكنا رفقة من أهل البصرة وأهل الجزيرة، وكنا نتناوب الخدمة والحراسة وإعداد الطعام وكان معنا رجل يقال له سعيد بن الحارث ذو حظ من عبادة يصوم النهار ويقوم الليل، وكنا نحرص على تخفيف النوبة عليه لطول قيامه وكثرة صيامه، فكان يأبى إلا بالقيام بكل المهمات وما رأيته في ليل ولا نهار إلا في حالة جد واجتهاد , فأدركني وإياه النوبة ذات ليلة في الحراسة وكنا قد حاصرنا حصناً من حصون الروم فاستصعب علينا، فرأيت من سعيد في تلك الليلة من الجلد والصبر على العبادة ما جعلني أحتقر نفسي.
قال: فلما أصبح الصباح لم ينم، فقلت له: خفف على نفسك فلنفسك عليك حق، والنبي ﷺ يقول: (اكلفوا من العمل ما تطيقون)، فقال لي: يا أخي! إنما هي أنفاس تعد وعمر يفنى وأيام تنقضي، فأنا رجل ينتظر الموت في أي لحظة.
فبكيت لجوابه ودعوت الله لي وله بالعون والتثبيت، ثم قلت: نم قليلاً لتستريح، فإنك لا تدري ما يحدث من أمر العدو، فنام تحت ظل خيمته وتفرق أصحابنا في أرض المعركة، وأقمت في موضعي أحرس رحالهم وأصلح طعامهم، فبينما أنا كذلك إذ سمعت كلاماً يأتي من ناحية الخيمة، فعجبت فليس هنا إلا سعيداً نائماً، ظننت أن أحداً جاءه ولم أره.
فذهبت إلى جانب الخيمة فلم أر أحداً وسعيد على حاله نائماً إلا أنه كان يتكلم في نومه ويضحك، أصغيت إليه وحفظت كلامه، ثم مد يده وهو نائم كأنه يأخذ شيئاً ثم ردها بلطف وهو يضحك ثم قال: الليل إذاً! ثم وثب من نومه وهو يرتعد خائفاً، فاحتضنته إلى صدري حتى سكن وهدأ، وجعل يهلل ويكبر ويحمد الله، فقلت: ما شأنك؟ فقد رأيت منك عجباً وسمعت منك عجباً، فحدثني بما رأيت! قال: أعفني من ذلك، فذكرته حق الصحبة وقلت: لعل الله ينفعني بما تقول، فحدثني عما رأى في منامه قال: جاءني رجلان لم أر قط مثل صورتهما كمالاً وحسناً فقالا: أبشر يا سعيد فقد غفر ذنبك, وشكر سعيك, وقبل عملك, واستيجب دعاؤك, وعجلت لك البشرى في حياتك، فانطلق معنا حتى ترى ما أعد الله لك من النعيم، قال: فأتيت على حور, وقصور, وجوار, وغلمان, وأنهار, وأشجار, فأدخلوني في قصري ثم إلى دار فيه حتى انتهيت إلى سرير عليه واحدة من الحور العين كأنها اللؤلؤ المكنون، فقالت لي: قد طال انتظارنا إياك! فقلت لها: أين أنا؟ فقالت: أنت في جنة المأوى، قلت: ومن أنت؟ قالت: أنا زوجتك الخالدة, فمددت يدي إليها، فردتها بلطف وقالت: أما اليوم فلا، إنك راجع إلى الدنيا، قلت: لا أريد الرجوع، فقالت: لا بد من ذلك وستقيم هناك - يعني في الدنيا- ثلاثا ثم تفطر عندنا إن شاء الله تعالى، فقلت: بل الليلة، قالت: إنه كان أمراً مقضياً، ثم قامت من مجلسها، فوثبت لقيامها، فإذا أنا قد استيقظت، وأنا أسألك بالله ألا تحدث بحديثي هذا واسترني ما حييت! قلت: أبشر فلقد كشف الله لك ثواب عملك، ثم قام وتطهر واغتسل ومس طيباً ثم حمل سلاحه ونزل إلى أرض القتال وهو صائم وظل يقاتل حتى الليل، فلما انصرف أصحابه وهو فيهم قالوا: يا أبا الوليد لقد رأينا من هذا الرجل عجباً، حرص على الشهادة وطرح نفسه تحت السهام والرماح، وكل ذلك يصرف عنه، قلت في نفسي: لو تعلمون خبره لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً! قال: فأفطر على قليل من الطعام وبات ليله قائماً، فلما أصبح صنع كصنيعه بالأمس، وفي آخر النهار عاد هو وأصحابه وذكروا عنه مثلما ذكروا بالأمس، حتى إذا كان اليوم الثالث انطلقت معه وقلت: لا بد أن أشهد أمره وأرى ما يكون، فلم يزل يقاتل ويكبد الأعداء الخسائر وينكل بهم ويصنع الأعاجيب وهو يبحث عن القتل والموت في مظانه، وأنا أراه وأرعاه بعيني ولا أستطيع الدنو منه، حتى إذا نزلت الشمس للغروب وهو أنشط ما كان، فإذا برجل من أعلى الحصن قد تعمده بسهم فوقع في نحره فخر صريعاً وأنا أنظر إليه، فصحت بالناس، فحملوه وبه رمق من حياة وجاءوا به، فلما رأيته قلت له: هنيئاً لك ما تفطر عليه الليلة، يا ليتني كنت معك فأفوز فوزاً عظيماً، فعض شفته السفلى وأومأ لي ببصره وهو يضحك وقال: اكتم أمري والملتقى الحنة، ثم قال: الحمد لله الذي صدقنا وعده! فوالله ما تكلم بشيء غيرها، ثم فاضت روحه وآيات الله تناديه: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١].
هذي الجنان تزينت فتفتحت أبوابها طرباً إلى العشاق أينام من عشق الجنان وحورها وكرائم الجنات للسباق بل كيف يغفل موقن بعظيم سلـ ربه وبذا النعيم الباقي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً, وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً, وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً, وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً)، فذلك قول الله جلا في علاه: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣].
فيا بائعاً هذا ببخس معجل كأنك لا تدري بلى سوف تعلم فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بأسوأ ما عندنا يا أرحم الراحمين.
стр. 87
ما أهون ما بذلوا في عظيم ما نالوا
الوقفة الرابعة: ما أهون ما بذلوا في عظيم ما نالوا! قال ﷺ : (لو أن امرأة من نساء الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأت ما بينهما ريحاً, ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها).
الله أكبر! إذا كان النصيف خيراً من الدنيا وما فيها، فما بالك بربة النصيف وصاحبة الخمار.
أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: (إن في الجنة حوراء يقال لها العيناء، إذا مشت مشى حولها سبعون ألف وصيف عن يمينها، وعن يسارها كذلك، تنادي وتقول: أين الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر؟).
فأبشروا يا رجال الحسبة! وأبشر يا من تغار على هذا الدين!.
وهذه همسة أهمسها في أذنيك أيتها الغالية! هل تأملت في أوصاف الحور العين وما ذكر من حسنهن وجمالهن؟! أقول: فأنت أفضل من ذلك في الجنة، فضلت على الحور العين بالصلاة والقيام فكل صفة للحوراء أنت أولى بها، فاعملي مع العاملين.
قال عطاء السلمي لـ مالك بن دينار: يا أبا يحيى شوِّقنا، قال يا عطاء: إن في الجنة حوراء يتباهى أهل الجنة بحسنها لولا أن الله كتب على أهل الجنة ألا يموتوا لماتوا من حسنها وجمالها، فلم يزل عطاء كمداً حزيناً من قول مالك.
عن يزيد الرقاشي قال: بلغني أن نوراً سطع في الجنة لم يبق موضع في الجنة إلا دخل من ذلك النور فيه، فقيل: ما هذا؟ قيل: حوراء ضحكت لزوجها، قال صالح المري: فشهق رجل من ناحية المسجد فلم يزل يشهق حتى مات في مكانه.
ولقد روينا أن برقاً ساطعاً يبدو فيسأل عنه من بجنان فيقال هذا ضوء ثغر ضاحك في الجنة العليا كما ترياني فما ظنك بامرأة إذا ضحكت في وجه زوجها أضاءت من ضحكها! وإذا انتقلت من قصر إلى قصر قلت هذه الشمس متنقلة في بروج فلكها! وإذا حاضرت زوجها فيا حسن تلك المحاضرة، وإن خاصرته فيا لذة تلك المعانقة المخاصرة! وحديثها السحر الحلال لو انه لم يجن قتل المؤمن المتحيز إن طال لم يملل وإن هي حدثت ود المحدث أنها لم توجز وإن غنت فيا لذة الأبصار والأسماع، وإن آنست وأمتعت فيا حبذا تلك المؤانسة والإمتاع، وإن قبلت فلا شيء أشهى من ذلك التقبيل، وإن نولت فلا ألذ ولا أطيب من ذلك التنويل.
هذا وإن سألت عن يوم المزيد وزيارة العزيز الحميد ورؤية وجهه المنزه عن التمثيل والتشبيه كما ترى الشمس في الظهيرة، والقمر ليلة البدر، فذلك موجود في الصحاح والسنن والمسانيد من رواية جرير وصهيب وأنس وأبي هريرة وأبي موسى وأبي سعيد.
فاستمع يوم ينادي المنادي: يا أهل الجنة! إن ربكم تعالى يستزيركم فحي على زيارته! فيقولون: سمعاً وطاعة! وينهضون إلى الزيارة مبادرين، فإذا بالنجائب قد أعدت لهم، فيستوون على ظهورها مسرعين، حتى إذا أتوا إلى الوادي الأفيح الذي جعل لهم موعداً وجمعوا هناك فلم يغادر الداعي منهم أحداً، أمر الرب ﵎ بكرسيه فنصب هناك، ثم نصبت لهم منابر من نور, ومنابر من لؤلؤ, ومنابر من زبرجد, ومنابر من ذهب, ومنابر من فضة، وجلس أدناهم - وحاشاهم أن يكون فيهم دني - جلس أدناهم على كثبان المسك ما يرون أن أصحاب الكراسي فوقهم في العطايا, حتى إذا استقرت بهم مجالسهم, واطمأنت بهم أماكنهم, نادى المنادي: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا؟! ويثقل موازيننا؟! ويدخلنا الجنة؟! ويزحزحنا عن النار؟! فبينما هم كذلك إذ سطع لهم نور, فرفعوا رءوسهم فإذا الجبار جلا جلاله, وتقدست أسماؤه, قد أشرق عليهم من فوقهم, وقال: يا أهل الجنة! سلام عليكم! فلا ترد هذه التحية بأحسن من قولهم: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام! فيتجلى لهم الرب ﵎ يضحك إليهم, ويقول: يا أهل الجنة! ويكون أول ما يسمعون منه تعالى: أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني؟ هذا يوم المزيد، سلوني فهذا يوم المزيد.
فيجتمعون على كلمة واحدة: أن قد رضينا فارض عنا! فيقول: لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتي, سلوني هذا يوم المزيد! فيجتمعون على كلمة واحدة: أن ربنا أرنا وجهك ننظر إليه, فيكشف لهم الرب جلا جلاله الحجب ويتجلى لهم فيغشاهم من نوره ما لو أنه تعالى قضى ألا يحترقوا لاحترقوا، فلا يبق في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله تعالى محاضرة وناظره مناظرة, حتى أنه يقول له: يا فلان! أتذكر يوم فعلت كذا وكذا؟ - يذكره ببعض غدراته في الدنيا - فيقول: يا رب! ألم تغفر لي؟ فيقول: لو لم أغفر لك لما بلغت منزلتك هذه.
فيا لذة الأسماع بتلك المحاضرة، ويا لذة الأنظار بتلك المناظرة، ويا قرة عيون الأبرار في الدار الآخرة، ويا ذلة الراجعين بالصفقة الخاسرة، قال سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
قال يزيد الرقاشي لـ حبيب العجمي: ما أعلم شيئاً من نعيم الجنة وسرورها ألذ عند العابدين ولا أقر لعيونهم من النظر إلى ذي الكبرياء العظيم, إذا رفعت الحجب وتجلى لهم الكريم, فصاح حبيب عند ذلك وخر مغشياً عليه.
أقول: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١].
اللهم لا تحرمنا لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقاءك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.
اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين يا رب العالمين.
اسمع وقل: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].
أخرج مسلم عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري في السماء, قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: بلى والذي نفسي بيده رجاله آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، قال الله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر:٢٠]).
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل.
стр. 88
الطريق إلى الجنة
الوقفة الخامسة والأخيرة: عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: (أول ما قدم رسول ﷺ إلى المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن جاءه، فلما تأملت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، قال: فكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: يا أيها الناس! أفشوا السلام, وأطعموا الطعام, وصلوا الأرحام, وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام).
وعن معاذ بن جبل ﵁ قلت: (يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، فقال ﷺ : لقد سألتني عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً, وتقيم الصلاة المكتوبة, وتؤتي الزكاة المفروضة, وتصوم رمضان, وتحج البيت.
ثم قال ﷺ : ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة, والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار, وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم قرأ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦].
ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وسنامه؟ رأس الأمر الإسلام, وعموده الصلاة, وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله.
ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ كف عليك هذا -وأشار إلى لسانه- قال: يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم)، حديث صحيح.
هذا هو الطريق؛ لكن في الطريق عقبات نعم عقبات، فتن وشهوات لأن الجنة حفت بالمكاره, وحفت النار بالشهوات، قال الله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤].
هل يتجاوزونها؟ نعم يتجاوزونها إذا عرفوا ثمن الثبات، قال الله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:١٥].
من هم أصحاب هذه المنازل وأصحاب هذه الدرجات؟ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٦]، صفاتهم: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٧] بقلوبهم، ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٧] بأرواحهم، ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ [آل عمران:١٧] بنفوسهم، ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ [آل عمران:١٧] أموالهم، ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ﴾ [آل عمران:١٧] بألسنتهم.
اللهم اجعلنا منهم ومعهم.
اسمع الطريق: (إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً).
إليك وإلا لا تشد الركائب ومنك وإلا فالمؤمل خائب وفيك وإلا فالغرام مضيع وعنك وإلا فالمحدث كاذب اعلم أنه إذا عرف الثمن هانت العقبات أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك؟ فيقول لهم: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟! فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك.
قالوا: يا ربنا! فأي شيء أفضل من ذلك؟! قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً).
هنيئا لمن أضحى وأنت حبيبه ولو أن لوعات الغرام تذيبه أيها المشتاق للقاء في جنات النعيم، ليكن بيتك الخلوة, وطعامك الجوع, وحديثك المناجاة، فإما أن تموت بدائك, وإما أن تصل إلى دوائك.
أخيراً أحبتي! ها نحن في بيت الله التقينا وأوشك اللقاء على النهاية، سنفترق في دروب الحياة وكلنا أمل ورجاء وحسن ظن بالله أن يكون الملتقى الجنة.
لئن لم نلتق في الأرض يوماً وفرق بيننا كأس المنون فموعدنا غداً في دار خلد بها يحيا الحنون مع الحنون يا من أحل الصادقين دار الكرامة، وأورث البطالين منازل الندامة، اجعلني ومن حضر من أفضل أوليائك زلفى، وأعظمهم منزلة وقربة، تفضلاً منك علي وعلى إخواني وأخواتي يوم تجزي الصادقين بصدقهم.
يا أكرم من رجي، ويا أحق من دعي، ويا خير من اتقي، امنن علينا بغفرانك، وعاملنا بفضلك وإحسانك، وهب لنا نوراً من أنوارك، وذكراً من أذكارك، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، اجعل لنا لسان صدق في الآخرين، واجعلنا من ورثة جنة النعيم، ونجنا من عذابك ونيرانك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، والحاضرين منهم والغائبين.
اللهم اجعل ملتقانا بعد تفرقنا في دنيانا في جناتك، اجعل خير عمرنا آخره، وخير عملنا خواتيمه، وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم اجمع شملنا ووحد صفنا، وأصلح ولاة أمورنا، واغفر لنا وارحمنا، وانصرنا يا قوي يا عزيز على القوم الكافرين.
أستغفر الله العظيم.
وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون, وسلام على المرسلين, والحمد لله رب العالمين.
стр. 89
أحوال الغارقات
ما أكثر الغارقات في الشهوات والملذات، يحسبن السعادة في ذلك ولا يجنين من ذلك إلا الشقاء والتعاسة والحسرات، يتعامين عن أخطار وأضرار ذلك الطريق المظلم، ويتناسين أن لهن آجالاً مضروبة، وأعماراً معدودة، ويتناسين أن الدنيا دار ممر والآخرة هي المستقر، فيا حسرة عليهن، وليتهن يعلمن حقيقة ما هن فيه لعلهن يتبن إلى الله.
стр. 90
مآسي الغارقات
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
معاشر الأحبة والأخوات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكِ الله وبياكِ، وسدد على طريق الحق خطانا وخطاكِ، نحن وإياكِ في مكان مبارك في ليلة مباركة في اجتماع مبارك، في محاضرة بعنوان: (أحوال الغارقات).
نعم أخية! إننا نوجه في هذه الليلة حديثاً من القلب إلى القلب إلى فتيات الإسلام، نوجه حديثاً إلى فتيات الإسلام اللاتي حدن عن الطريق، وتناسين أنهن حفيدات خديجة وعائشة وسمية علهن يراجعن الحسابات، ونوجه حديثاً للصادقات حتى يكون سبباً لهن على الثبات.
أخية! من طلب شيئاً بحث عنه وسعى لتحصيله، وكلنا يبحث عن السعادة والأمان اللذين يملئان القلب راحة واطمئنان.
تقول إحدى الباحثات عن السعادة: لقد بحثت عنها في كل شيء فما وجدتها، ألبس أفخر الملابس وأفخمها، طفت العالم مع أهلي، تنقلنا من شاطئ إلى شاطئ، فما زادني ذلك إلا هماً وضيقاً، ظننتها في موسيقى وألحان، فاشتريت أغلب الألبومات عربية وغربية، قضيت في سماعها ساعات أرقص على أنغامها فما ازدت إلا بعداً وضياعاً.
ظننتها -أي السعادة- في مشاهدة مسلسلات وأفلام، فتنقلت بين الفضائيات على أطباق ومسلسلات أبحث عن الضحك والفرفشة، نعم ضحكت، لكنني في نفس الوقت كنت أنزف دماً وأتألم في أعماقي، فلا زال هناك شيء مفقود.
مع الوقت زادت الجراح، وحاصرتني الهموم، واستشرت صويحباتي فقلن لي: إن السعادة في الارتباط بشاب وسيم يبادلك الحب والغرام، ويبثك عبارات العشق والهيام، ويتغزل بمحاسنك عبر الهاتف، فأعطوني الأرقام وسلكت هذا الطريق، وأخذت أتنقل من شاب إلى آخر بحثاً عن السعادة الحقيقية، فما وجدتها، بل بالعكس لقد تنازلت عن كثير، تنازلت عن عرضي، وكرامتي، وحيائي، وقبل هذا ديني الذي كان في واد وأنا في واد، لقد هربت من جحيم إلى جحيم أبشع وأفظع.
تقول: أريدكم أن تعرفوا عني وعن كثير من الغارقات أمثالي، إننا ضحايا ولسنا بمجرمات، نحن تائهات وحائرات، أنا لا أقول ذلك دفاعاً عن نفسي وعن الغارقات، إنما أقول ذلك حتى إذا رأيتموهن فارحموهن وأشفقوا عليهن، وادعوا لهن بالهداية فإنهن غارقات.
أيتها الغالية! سأسوق إليك في هذه الليلة أخباراً ومآسي ومبشرات، نظمتها كما يلي: خمس مآسي وبين كل مأساة وأخرى وقفة: المأساة الأولى: خزي وعار، ثم وقفة لرجال الهيئة.
المأساة الثانية: مسلمات لكنهن كافرات، ثم وقفة بعنوان: نجاة غارقة.
المأساة الثالثة: يا ويلها هتكت عرض أهلها، ثم وقفة بعنوان: الثمن الجنة.
المأساة الرابعة: ألعوبة في يد الشباب، بل قولي الذئاب، ثم وقفة بعنوان: رسالة إليكِ.
المأساة الخامسة: بدون عنوان، فلقد احترت في اختيار عنوان لها، ثم وقفة بعنوان: متفائلون بإذن الله.
ثم الخبر الأخير: الخير باق في هذه الأمة وطريق السعادة.
فهيا ننطلق، مآسي وآهات، إليكِ بعضاً منها، ووالله الذي لا إله إلا هو إنها حقائق لا كذب ولا افتراءات.
стр. 91
المأساة الأولى: خزي وعار
هربت من المدرسة لأنها على موعد مع أحد الغارقين، فلما ركبت سيارته وانطلق حصل لهما حادث، فجاء رجال المرور فطلبوا منه الانتظار حتى ينهوا إجراءات الحادث، فاتصل هذا الشاب بزميل له حتى يأتي ويأخذ الفتاة، ويوصلها إلى الشقة المعروفة عندهم، حتى ينتهي من إجراءات الحادث ثم يخلو هو وإياها قبل إرجاعها إلى المدرسة.
جاء الشاب وليته لم يأت، ركبت معه فلما التفتت إليه فإذا هو أخوها! خزي وعار لا عجب، هي غارقة وهو من الغارقين، فكم تطاول هو على أعراض الناس الآخرين! وكما تدين تدان، والله إنها حقائق لا كذب ولا افتراءات.
стр. 92
وقفة: مع رجال الهيئة
طلبت من الشباب الذين يعملون بهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكتبوا لي بعضاً من القصص والمواقف التي مرت بهم من أحوال الفتيات، بكى بعضهم حزناً وألماً على بنات المسلمين، وإلى أي درجة من الضياع وصلن إليه، بل أصبحن يتطاولن على الدين وأهله، وما درت أن هؤلاء يريدون حفظ عرضها وشرفها.
كتب لي أحدهم قال: كنا نعمل في المكتب الذي يتبع كلية البنات، كنا نلاحظ ونراقب الجهة المقابلة للكلية ونتابع الطالبات اللاتي يحضرن من داخل الحي، لأن اللاتي يخرجن مع الشباب ينزلن هناك ثم يأتين مشياً إلى الكلية.
مرة من المرات: وجدت زميلي يتحدث مع طالبة ويسألها: من أين أتيت؟ أخذت تحلف وتقسم بالله إنها جاءت من الكلية وليس من الحي، فقلت لزميلي: أمتأكد أنت إنها جاءت من الحي؟ قال: متأكد كما أنك أمامي، قال: حولها إلى المركز وأكمل الإجراءات والتعليمات، قال: لقد حلفت وأقسمت وسأتركها من أجل ذلك، والله يتولى أمرنا وأمرها، فمن يكن كاذباً فعليه كذبه، ونحن أصلاً لا نريد منها شيئاً إلا المحافظة على سمعتها وشرفها من الذئاب.
ذهبت الطالبة إلى طالبات يجلسن أمام محلات تجارية مقابل الكلية، وأخذت تقول لهن بأنها ألجمتنا وأسكتتنا، وأننا اتهمناها ظلماً وبهتاناً، وأخذت تحرض الطالبات علينا وعلى عدم السكوت لنا وعلى عدم مهابتنا.
لما وصلنا إلى الرصيف الآخر أنا وصاحبي إذا بصوت فرامل سيارة خلفنا، التفتنا فإذا بهذه الطالبة ملقاة على الأرض قد صدمتها السيارة وهي تحاول أن تقطع الطريق، لا أقول لكم: إنها ماتت فأنا لا أعلم، ولكنها أصيبت إصابات خطيرة ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢].
стр. 93
المأساة الثانية: مسلمات لكنهن كافرات
تقول لي قريبة لي تعمل معلمة في إحدى الثانويات: خرجت من غرفة المدرسات يوماً، فإذا بطالبتين يتبادلن الحديث قريباً من الغرفة، وكان الوقت وقت صلاة الظهر.
قالت الأولى للثانية: لماذا لا تصلين معنا في مصلى المدرسة؟! قالت الثانية: أنا لا أصلي حتى في البيت، وأزيدك من الشعر بيتاً، أهلي كذلك لا يصلون!! لا إله إلا الله! بكل صراحة ووقاحة وقلة حياء تقول: أنا لا أصلي، أسألك بالله العظيم ما الفرق بينها وبين الكافرات؟ صدق الله في علاه حين قال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩] قال ابن عباس ﵁ وأرضاه: معنى (أضاعوها) يعني: ما تركوها بالكلية، ولكنهم أخروها عن أوقاتها.
نعم رعاك الله! تهاون وتكاسل، لا تصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا تصلي العصر إلا المغرب، ولا تصلي المغرب إلا العشاء، ولا تصلي العشاء إلا الفجر، ولا تصلي الفجر إلا بعد طلوع الشمس.
هكذا حال الغارقات، فمن ماتت أخية وهي على هذه الحال فقد توعدها الله بغي واد في جهنم، بعيد قعره شديد حره، لو سيرت فيه جبال الدنيا لذابت من شدة حره، فهل تقوين على هذا؟! أما سمعت تلك بقول النبي ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)؟! فكم هن الكافرات من الغارقات، ولو سئلن عن أسمائهن لقلن خديجة وعائشة وكذبن والله، وكذبن والله فإنهن غارقات.
روى الذهبي في كتابه: (الكبائر) عن بعض السلف أنه دفن أختاً له ماتت، فسقط منه كيس من ماله في القبر فلم يشعر بذلك، ثم ذكره فرجع إلى القبر ينبشه بحثاً عن الكيس، فوجد القبر يشتعل ناراً، فردَّ التراب ورجع إلى أمه باكياً وحزيناً، قال: أمّاه! أخبريني عن أختي وما كانت تعمل؟ قالت: وما سؤالك عنها؟ قال: يا أمّاه! رأيت قبرها يشتعل عليها ناراً، فبكت أمّه وقالت: يا ولدي! أختك كانت تتهاون في الصلاة وتؤخرها عن وقتها.
سمعتِ يا أمة الله! هذا حال من تؤخر الصلاة، هذا حال من تؤخر الصلاة عن وقتها، فكيف سيكون حال تلك التي تقول: أنا لا أصلي وأهلي أيضاً لا يصلون؟ قال الله عنهم: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] يعني: يوم القيامة ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ * فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٢ - ٤٥].
والله إنك لن تتقربي إلى الله بقربة بعد توحيده أعظم من الصلوات، فصلي بارك الله فيك، صلي رعاك الله قبل ألا يصلى عليك، فتاركة الصلاة لا يصلى عليها ولا تغسل ولا تكفن ولا تحمل على الرقاب، بل تُجَرُّ على وجهها، يُحفَرُ لها حفرة في الصحراء تُكَبُّ فيها على وجهها، لا يُدعى لها ولا يستغفر لها، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:٣٣]، فهل ترضين بهذا؟ سأترك الجواب لك، ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
стр. 94
وقفة: مع نجاة غارقة
تقول إحدى الغارقات: كنت أجمع الشعر الساقط وأحفظه وأتداوله مع الفتيات، كنا نظن أن تلك السعادة ولكن الله أراد لي هداية ونجاة من أمواج الشهوات، جلست في إحدى المحاضرات يوماً في الكلية بجانب فتاة صالحة مستقيمة، كانت قد كتبت على دفتر محاضراتها هذا الدعاء: (اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك) قلت: نحن نكتب الشعر الساقط وهؤلاء الفتيات يكتبن مثل هذه الكلمات.
فهزتني الكلمات، وتأثرت بها تأثراً شديداً، فماذا عملت؟ سألت نفسي وقلت: ماذا عملت أنا حتى أنجو بنفسي من عذاب الله؟ فأخذت أبكي وشعرت هي ببكائي، وسألتني عن السبب، فأخبرتها بأنه الدعاء المكتوب على دفتر محاضراتها، وقلت: لقد أثر في، قالت: الحمد لله أراد الله بك خيراً، فاعملي بارك الله فيك لكي تنجي من عذاب الله.
كلمات بسيطة عظيمة في معناها، أيقظتها من غفلتها، وأنتِ يا من لا زلت تغرقين بين شاشات وقنوات، ومحادثات على الإنترنت ومعاكسات، تصرين على الذنب تلو الذنب، وتتهاونين في الصلوات، أما آن أن تتوبي وتقلعي عن الذنب وتئوبي؟ أما آن أن تحاسبي النفس وتقولي: يا نفس توبي قبل أن لا تقدري أن تتوبي واستغفري لذنوبك الـ ـرحمن غفار الذنوب إن المنايا كالريـ ـاح عليك دائمة الهبوب والله إنك لا تقوين على عذاب الله، فلا تحاربيه بالمعاصي، وتذكري موقفاً ستقفينه بين يديه عارية حسيرة كسيرة، الكل ينظر إليك، يالله! كيف سيكون حالك إذا دكت الأرض دكاً دكاً، وجاء ربك والملك صفاً صفاً؟ يا الله! كيف سيكون حالك إذا جيء يومئذ بجهنم، يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى؟ أما حال الغارقات فيقلن: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٤ - ٢٦].
أما التائبات الناجيات فينادين: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].
قال ﷺ : (رأيت النار ورأيت أكثرها النساء).
فاتق الله أمة الله، ورددي صباح مساء: (اللهم قني عذابك، يوم تبعث عبادك).
стр. 95
المأساة الثالثة: يا ويلها هتكت عرض أهلها
طالبة في الكلية، المتوقع أنها إذا تخرجت وحملت الشهادة ستصبح معلمة للأجيال ومربية للأطفال، فإذا هي تعصي ربها وتخالف دينها وتبيع شرفها وتخون أهلها وتخضع حياءها، فإن لم تكن أمينة على نفسها فماذا يرجى منها؟ في يوم الأربعاء ومع نهاية الدوام في الكلية أخبرت صاحبتها التي تشاركها البحث أنها لن تأتي يوم السبت ولكنها ستحضر يوم الأحد، لقد خططت ودبرت، فستخرج مع أحد الشباب في يوم السبت، فاستعارت جوال صاحبتها للاتصال بمن ستخرج معه.
خرجت وهي تظن أن أحداً لن يراها، نسيت أن رب الأرض والسماء يراها، في صباح السبت مع دخول الفتيات إلى الكلية أنزلها أهلها عند الباب وكلهم فخر وثقة، أنزلوها ظناً منهم أنها ستكون في الكلية لتتعلم وتتخرج وتنفع نفسها، وقبل ذلك تنفع أمتها، هذه الأمة الجريحة التي هي أحوج ما تكون لفتيانها وفتياتها.
بدلاً من أن تتوجه إلى بوابة الكلية اتجهت إلى سيارة الشاب الذي كان ينتظرها.
لفت ذلك انتباه حارس الكلية فميز السيارة ومن فيها، وأخبر أمن الكلية بذلك، فقالوا له: ترقب رجوع السيارة ظهراً وقت الانصراف.
سبحان الله! وصلت الجرأة بالبنات أن يركبن مع الشباب دون تردد أو حياء، عند الظهر جاءت السيارة ووقفت إلى جانب الكلية تحت الأشجار، فاتجه الحارس الأمين إليها، ولما نزلت الفتاة من السيارة جاءهم الحارس وأمر صاحب السيارة بالوقوف، فهرب الجبان مخلفاً ضحيته.
فقال لها الحارس بعد أن أخذ رقم السيارة: من أين أتيت؟ قالت: أنا خرجت من الكلية، فقال الحارس: إذاً ارجعي إلى الكلية! فرفضت، فلما رفضت أخذ الحارس منها شنطتها التي كانت بيدها لإجبارها على الدخول إلى الكلية لكنها رفضت.
فأخبر الحارس إدارة الكلية وسلمهم الشنطة، جاء الشاب بعدها يطالب بحقيبة الفتاة، فأخذه الحارس إلى المكتب ثم استدعى رجال الهيئة حماة الدين والأعراض، أسأل الله أن يحفظهم من كل سوء ومكروه.
قبل قدومهم استأذن الجبان لإحضار جواله من السيارة، ذهب ولم يعد، لكن العين الساهرة الشرطة أتت به برقم سيارته، في مساء ذلك اليوم اتصلت على صاحبتها بعد صلاة المغرب التي أخبرتها أنها لن تحضر في يوم الأربعاء، اتصلت عليها لتقول لها: إني أريد مساعدتك في التستر عليّ، لأنني كنت من الصباح إلى الظهر مع أحد الشباب، فقالت الصاحبة: سأساعدك، فمن ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة.
تقول صاحبتها: اضطررت أن أكذب من أجلها، بل حلفت على المصحف كاذبة.
عجيب أمرهن! تستر على الباطل وتعاون على الإثم والعدوان! وأمّا صاحبتها الثانية فشهدت كذباً وبهتاناً وزوراً بأنها رأتها يوم السبت في الكلية وهي لم ترها، لا إله إلا الله! هل يظنون أن الله غافل عمّا يعملون؟ أمّا هي فلقد ادعت أن حقيبتها سرقت وأحضرت صويحباتها ليكذبن معها، بل جاءت بأمها لتقول: إنها كانت في البيت ظهراً، وتقول في التحقيق: أقسم بالله العظيم وأمام المصحف الكريم بأني كنت متواجدة يوم السبت الموافق كذا وكذا داخل الكلية من الساعة السابعة والنصف وحتى الثانية عشرة ظهراً ولم أخرج من الكلية، والله على ما أقول شهيد.
حسبي الله ونعم الوكيل! جعلت الله أهون الناظرين والسامعين إليها.
قامت الهيئة بدورها، وقام رجال الشرطة بدورهم، وجاءوا بالشاب ولا يحق إلا الحق أمام الأدلة والبراهين، اعترف الشاب بخروجها معه، وتراجعت الصويحبات أمام الاعترافات، فخارت قواها، وانكشف كذبها وعارها، ووجه لها ولصويحباتها إنذارات فصل من الكلية.
فهل من المعقول أن يكنّ هؤلاء مربيات للأجيال وصانعات للأبطال؟! المأساة الكبرى حين جاء أبوها إلى الكلية بعد استدعائه ليوقع على إنذار الفصل، جاء مطأطئ الرأس، شارد الذهن، دموعه على خده.
تقول: رجعت مع والدي وأنا أتجرع غصص الموت والألم والسهام الجارحة، لم يتكلم معي طوال الطريق، لكن نظراته الصامتة تلاحقني وكأنها تقول: لقد أجرمت بحقك وحقنا، لقد شوهت ولطخت سمعتنا، إنا لله وإنا إليه راجعون! ومثلها من الغارقات كثير.
وقفة إنا لله وإنا إليه راجعون، ومثلها من الغارقات كثير: خرجت تمزق مع الصباح حجابها قد قصرت بين الأنام ثيابها خرجت وكل الهائمين تجمهر صرخت وجمع العابدين أجابها يا ويلها هتكت عرض أهلها قد أرخصت يوم الخروج نقابها يا ويلها هذا العفاف تدوسه قد أوسقت رأس الوفاء ترابها
стр. 96
الثمن الجنة
نعم أخية! إن ثمن الصبر عظيم، والصابرون والصابرات يوفون أجورهم بغير حساب، فما جزاء الصابرة على الطاعات والصابرة عن الفواحش والمنكرات والصابرة على ما تلاقيه من أذى في سبيل ربها؟! ما ثمن العفة والحياء والصبر على البلاء؟! اسمعي أخية وقولي: أين نحن من هؤلاء؟ أيتها الغالية! إن أجمل لباس تلبسينه هو لباس العفة والحياء، فإذا خلعته فوالله لباطن الأرض خير لك من ظاهرها، وإليك خبراً من أخبار العفيفات، وانظري إلى عظيم ثمن العفة والحياء.
عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس ﵁: (ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت إلى النبي ﷺ فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة) اسمعي ثمن الصبر على العفة والحياء، قال: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، فقالت: بل أصبر -لأن الثمن غالي- لكني أتكشف، فادع الله ألا أتكشف، فدعى لها).
الله أكبر! هذا حال من رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً، لن تتخلى عن حيائها في أحلك ساعات حياتها، وفي أشد أوقات بلائها، بل قالت بعزة المؤمنة: أصبر على الألم أصبر على البلاء، ولكني لا أصبر على خلع الحياء، فما جزاء صبرها؟ قال الله: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان:١٢ - ٢٢].
هذا ثمن الصبر وجزاء الصابرات، فما بال نساؤنا اليوم؟ وما بال الفتيات زهدن بالجنة وما فيها؟ أختاه إن رمت الوصول لجنة فيها الخلود ونظرة الرحمن فعليك تطبيق الشريعة دائماً في أي شأن أو بأي زمان ماذا دهاك فتسمعين نعيقهم ولديك صوت الحق في الفرقان لوذي به عنه لا تتحولي لا ليس يعدله كتاب ثاني الله أعطاك الحياة تكرماً فعلام تذهب في هوى الشيطان إن لم تسيري في الحياة مع التقى ليكن ضياع الأمر في الحسبان أختاه تأملي بنصيحتي وبها اعملي تجدين طعم حلاوة الإيمان قال الله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨].
стр. 97
المأساة الرابعة: ألعوبة في يد الشباب
هذه صيحة أطلقها بأعلى الصوت إلى الآباء والأمهات، وإلى ولاة الأمر وأصحاب المشورات: أنقذوا فتياتنا أنقذوا فتياتنا أنقذوا فتياتنا.
أيها الأب أيتها الأم! كلكم مسئول، إن غفلة البيوت والتفكك الأسري ووجود شاشات وقنوات، وإنترنت وجوالات بلا حسيب ولا رقيب سبب من الأسباب، فتيات في الأسواق بلا حاجة ولا هدف، قلت الغيرة على الأعراض، نساؤنا يخرجن مع السائقين صباح مساء، لا رقيب ولا حسيب، تخرج أمام أبيها بلا حجاب وعباءة مزركشة فاضحة للمفاتن، ثم يلامُ الشباب.
أقول للفتاة: أنت سبب من الأسباب، خلعتِ الأدب والحياء، وخرجت كاسية عارية، ماذا تريدين؟ أتريدين أن تجذبي أنظار الرجال، أما علمت أنك لست لكل الرجال، أنت لرجل واحد هو زوجك وإن لم تكوني زوجة فأنت في مرحلة الاستعداد للزواج.
قال مستشرق لرجل مسلم: لماذا تلبس نساؤكم الحجاب؟! قال: لأن نساءنا لا يرغبن أن ينجبن من غير أزواجهن.
فهمتي؟! اسمعي ماذا تقول الإحصائيات -نعم بارك الله فيك- اسمعي ماذا تقول الإحصائيات عن عدد الأطفال اللقطاء -يعني: أولاد الزنا والسفاح الذين عُثر عليهم في المزابل وفي الصناديق أمام المساجد-: في العام الماضي (١٤٢٣) عدد الأطفال اللقطاء في المنطقة الشرقية فقط وعلى مدى عام كامل ٣٢ طفلاً، أما في عامنا الحالي (١٤٢٤) وعلى مدى ستة أشهر فقط من بداية العام، عدد الأطفال اللقطاء في المنطقة الشرقية بلغ ٤٨ طفلاً، فقط في هذه المنطقة، ولم أتتبع الإحصائيات في كل مناطق المملكة، أليست هذه مآس وآهات؟! لا تلمني فلا يلام الجريح حين يشكو وحين تشكو القروح لا تلمني فلا يلام طريدٌ لا يلام المظلوم حين يصيح لا تلمني ولُم خافق بين جنبيك لم تعتليه صروح وأنا لن ألوم من مات حساً إنما اللوم للذي فيه روح وأنا لن يضيق باللوم صدري إن صدر المحب كونٌ فسيح
стр. 98
وقفة بعنوان: رسالة بين المآسي والآهات
نعم رسالة إلى صاحبة العباءة المزركشة، وصاحبة العباءة المعلقة على الأكتاف، اسمعي هذا الخبر من فتاة أرسلت برسالة إليكِ عنوانها: (إليكِ من قلب يحترق عليك).
تقول في رسالتها: أختي الغالية! تذكرة بسيطة أقدمها إليك، قد لا تعلمينها أو قد تكوني غافلة عنها، أقرئيها واسمعيها ثم فكري جيداً فيما سمعت وقرأت، ثم اختاري الطريق، فالله يقول: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣]، قد لا تكونين قد دخلت مغسلة الموتى من قبل، ولكنني والله دخلت مع أغلى إنسانة بعد النبي ﷺ ، دخلت مع أمي الحبيبة، تلك الأم الرائعة قلباً وقالباً، هذا ليس رأيي فيها بل رأي كل من رآها وعرفها، أو سمع عنها رحمها الله.
تقول: سوف أحكي لكِ موقفاً بسيطاً قبل الدخول في موضعنا عنها، لقد أصابها المرض الخبيث -يعني أمها- ولقد تعذبت كثيراً، ولكنها لم تشتك، نعلم بشدة مرضها من الأطباء الذين يستغربون من صبرها وتحملها وعدم شكواها، كان ذكر الله على لسانها لا يتوقف، وهذا سر قوتها وتحملها، أما قال الله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢].
في العام الذي توفيت فيه وفي شهر شعبان ازداد المرض عليها، وكانت تتعذب من شدة الألم لكنها كانت تدعو وتقول: (اللهم إن كنت قد كتبت علي الموت فإني أسألك أن تبلغني رمضان، لأنك تعلم أنني لا أحب الدنيا إلا لرمضان، اللهم لا تقبضني إلا بعد رمضان) كانت دائماً تكرر هذا الدعاء، استجاب الله دعاءها وبلغها رمضان، ثم ماتت في نهاية يوم عرفة وبداية ليلة العيد، ماتت وهي متبسمة، ماتت بعد أن نطقت بالشهادة والملائكة تستقبلها بروح وريحان.
تقول: أخية! قد أكون قد أطلت عليكِ في رسالتي، لكني أردت من خبر أمي أن تعلمي أن من حفظ الله في الدنيا حفظه الله عند الموت وبعد الموت.
أخية! إن لم تكوني قد دخلت مغسلة الموتى من قبل فلا بد من دخولها لغسل إنسانة حبيبة على قلبك، أو ليغسلك أحباؤك.
أخية! هل تعلمين أن المرأة بعد تغسيلها وتكفينها تغطى بعباءتها، حتى إذا أنزلوها في القبر أرجعوا العباءة، هذا ما عرفته بعد أن غسلنا أمي الحبيبة وودعناها.
فيا من تلبسين العباءة المزركشة! ويا من تلبسين عباءة الكتف! ويا من تلبسين العباءة الملتصقة على الجسد التي تفتن الشباب وتظهر المفاتن! هل تقبلين أن تكون هذه العباءة من يرافقك إلى المقبرة؟؟!! لا تغفلي عن الموت أخية، واعمري العمر بالطاعات وتجنبي الفواحش والمنكرات، اعلمي أن الطاعة محبة وتوفيق من الله، وأن المعصية خذلان وإبعاد.
كان لرجل جارية قامت من الليل تصلي فأيقظته فلم يقم، فكررت إيقاظه فلم يقم، فتوضأت وأسبغت الوضوء وأخذت تناجي ربها، فاستيقظ فبحث عنها، فإذا هي ساجدة تناجي ربها وتقول: بحبك لي إلا ما غفرت لي، فلما انتهت قال لها: كيف علمت أنه يحبك؟ فقالت: لولا محبته لي ما أنامك، وأقامني بين يديه.
سمعتي وفهمتي؟! الطاعة محبة وتوفيق، والمعصية خذلان وإبعاد.
أسالك بالله العظيم أما تردد هذا الحديث على مسامعك مرات ومرات، لكن هل فهمتي معناه؟ وهل عملتي على أن تنجي من الوعد والوعيد الذي ذكره النبي ﷺ في هذا الحديث؟ قال ﷺ : (صنفان من أهل النار لم أرهما، -ثم قال:- ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كاسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها -اسمعي بارك الله فيك! لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها- وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) رواه مسلم، وفي رواية: (العنوهن فإنهن ملعونات).
أسمعتي؟ هل استشعرت عظيم الأمر والخطر؟ لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها! وعيد تهتز لهوله الأبدان، ثم في قوله: (العنوهن فإنهن ملعونات) والله إنها لدعوة تخشاها العقول قبل القلوب، هذا عن الوعيد، فكيف أنت بمن توعدن به، كاسيات عاريات، أما رأيتيهن في الأسواق والمجمعات؟ لبسن عباءات على آخر الصرخات والموديلات، علقن العباءات على الأكتاف، فبدت الصدور بارزة والجسوم مخصرة وغطاء وجه يشكو إلى الله استغناء صاحبته عنه، ما درت أن الحجاب والعباءة ليسا للزينة، إنما لستر الزينة وإخفائها.
أسألك بالله! أهذه العباءات الفاضحة تليق بحفيدات عائشة وفاطمة؟ إذا خوطبت قالت أنا بالنفس واثقة حريتي دون الهوى تبدو قلت أنا اثنان يا أختاه ما اجتمعا دين الهوى والفسق والصد والله ما أردى بأمتنا إلا ازدواج ما له حد
стр. 99
المأساة الخامسة: بدون عنوان
إنني والله احترت ماذا أقول وكيف أعنونها، فاختاري أنت بعد سماعها عنواناً ولك الخيار.
اتصلت علي تعرض مشكلتها قالت: كنت في علاقة مع شاب، وكان من ثمراتها أني وقعت في الحرام مرات ومرات، لكنني بعد حج هذا العام تبت وندمت وأقلعت عن الذنب، فبماذا تنصحني؟ قلت: اصدقي في التوبة، واسألي الله السماح، فانفجرت باكية وهي تقول: والله إني صادقة، لقد أحرقت المعاصي قلبي، وأجرت دمعي حاراً على وجهي، فهدأتها وقلت: ابشري بالخير فرحمة الرحمن واسعة، وإنه غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى.
قالت: بقيت مشكلة أعاني منها، قلت: ما هي؟ قالت: لا زال يتصل بي من حين إلى حين، أو يرسل إلي رسائل في الجوال، مع العلم أنه هو أيضاً قد صلح حاله وتبدلت أوضاعه، فقلت: ما الهدف إذاً من الاتصال والإرسال؟ هذا باب من أبواب الشيطان ولابد أن يغلق، فإن الله قد قال: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة:١٦٨] إن كان صادقاً ويريد تصحيح ما كان فليطرق البيت من بابه، قالت: إنه يستمع لأشرطتك ويتابع أخبارك، قلت: أعطيني رقم هاتفه وسأتصل عليه.
اتصلت عليه، وعرفته بنفسي، ففرح واستر، فقلت له: اتصلت عليّ فتاة يهمها أمرك وتريد لك الخير، لقد قالت: لقد كنت أنت وإياها على علاقة محرمة، ثم منَّ الله عليكما بالتوبة والهداية، فاحمد الله على ذلك، ثم قلت: لكن بقي أمر، قال: ما هو؟ قلت: أمر الرسائل والاتصال، إن كنت صادقاً تريد أن تصحح ما مضى فاطرق البيت من بابه، كما قال الله: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:١٨٩] وإلا فاقطع ذلك وأغلق باب الشيطان، فوعدني خيراً.
دارت الأيام ومضت الليالي، ثم اتصلت علي الفتاة مرة أخرى فسألتها عن أخبارها وحالها، فقالت: على أحسن حال، ثم سألتها عن فلان فقالت: لقد انقطعت الرسائل تماماً وانقطع الاتصال، لكن! ثم سكتت وطال سكوتها، فقلت: ما بكِ؟ قالت: هناك أمر لابد أن تعرفه فكيف أستحي منك وأنا لم أستح من الله، قلت: ما هو؟ قالت: لم أقل لك: إني متزوجة وعندي ثلاثة أطفال! فصعقت أنا وتلعثمت ولم أستطع الكلام، صاح في داخلي صائح ونادى مناد: يا ألله! ألهذه الدرجة وصل بنا الضياع والانحلال؟! حبست دموعي أسىً على واقع المسلمين، قالت باكية: لم لا تتكلم؟! أعلم أن جرمي عظيم ولكني تائبة، والله يحب التوابين، ووالله إني نادمة ومنطرحة بباب رب العالمين.
تمالكت نفسي، وقلت: والأطفال أطفال من؟! فقالت: أقسم بالله العظيم إنهم أبناء أبيهم وأنا متأكدة من ذلك، فقلت: هل عرفت الآن لماذا كان الزنا من أبشع الجرائم وأقبحها؟ به تنتهك الأعراض وتختلط الأحساب والأنساب، لذلك قال الله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]، بل رتب عليه أبشع العقوبات، الرجم حتى الموت، وبدأ بالزانية قبل الزاني فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور:٢]، فبدأ بها لأنها لو لم تمكن من نفسها لما حدثت هذه الجريمة.
فبكت حتى قطعت قلبي من بكائها، تقول: أشعر كلما رأيت زوجي أني مجرمة، وأني حقيرة، ودائماً أردد على مسامعه: سامحني واعف عني، وهو لا يدري لماذا أقول له هذا، بل فكرت مرات ومرات أن أصارحه، فقلت: استري على نفسك، فمن سترت على نفسها ستر الله عليها، ولكن اصدقي مع الله في التوبة.
فزاد بكاؤها، شعرت حينها أنها صادقة في توبتها، أحسبها كذلك والله حسيبها، وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.
стр. 100
وقفة: متفائلون بإذن الله
رغم المآسي، رغم الآهات، لكننا متفائلون بإذن الله، مستبشرون بملايين الفتيات العائدات، العائدات إلى بيوتهن، المتمسكات بشريعة ربهن، المعتزات بحجابهن، والداعيات إلى الله بمطلق العزة والإيمان.
إن الأمة اليوم تنتظر منك أن تصنعي أبطالاً فاتحين، وعباداً زاهدين، وعلماء ربانيين، ولن يتحقق ذلك حتى تكوني على مستوى المسئولية، ففاقد الشيء لا يعطيه.
سأسوق لك أخباراً ترفع همتك ولتعلمي أن أمة الإسلام أمة معطاءة برجالها ونسائها بل حتى بأطفالها.
اسمعي بارك الله فيك، بعض الفتيات يغرقن بين أحلام وأوهام، وأخواتك الصادقات يحملن آهات وهموم شجون وأحزان، آهات ليست كآهات الغارقات في آهات حب وغرام، وهموم ليست كهموم الغافلات، هموم شهوات ومعاكسات، اتصلت من تقول لي: أريد بريدك الألكتروني، فعندنا رسالة نريد أن نوصلها لك، وصلت الرسالة، قرأتها فاحتقرت نفسي، شعرت بالخجل وأنا أقرأ كلمات تلك الرسالة، سجدت لله شكراً أن عندنا مثل هؤلاء الفتيات، لعلك تريدين أن تسمعي بعضاً من عبارات تلك الرسالة، التي أحمل لمن كتبنها كل الحب والتقدير والاحترام.
إنها رسالة من فتاتين في مقتبل العمر، تربين على حب الله ورسوله والبذل للإسلام، تقولان في الرسالة: يا شيخ! باختصار وبدون مقدمات، مشكلتنا أننا بنات لكننا لسنا كالبنات، همنا يختلف عن هموم البنات، همنا رفع راية لا إله إلا الله تحت ظل السيوف، الموت بالنسبة لنا حياة، والحياة بالنسبة لنا جهاد، وأعظم أمانينا الشهادة! كيف يقر لنا قرار ويهدأ لنا بال ونحن نرى أطفال المسلمين يقتلون، وأمهاتهم تسبى، وآباءهم يسحبون ويعذبون ويؤسرون، إننا لا نستطيع أن نقف مكتوفات الأيدي ونتفرج كما يفعل الرجال الآن، إن كنتم عرفتم للنوم لذة فإننا لم نعرف تلك اللذة، ننام على أصوات المدافع والطائرات، إننا لا نعيش معكم رغم أننا معكم، ونحن حينما كتبنا لك لا نريد منك رسالة عزاء على مصاب الأمة، ولا نريد مدحاً وثناء لأن الكل منا يعرف نفسه، إنما كتبنا لأننا نريد السبيل إلى الجهاد، وأعظم أمانينا الموت والاستشهاد.
لا تقل لنا: أنتن نساء، فنحن نعلم ولكننا نساء بأرواح الرجال، رجال لا يرضون الذلة والمهانة، لا تقل لنا: أنتن جهادكن الحج والعمرة، فنحن نطمع بالأعلى، نطمع بالموت في سبيل الله، فأرواحنا أغلى ما يمكن أن نقدمه في سبيل رضا رب العالمين، والذي أنفسنا بيده! إننا نتوق للجنان، ونعلم بفضل الشهيد عند الرحمن، ونطمع أن نكون منهم ومعهم.
وختمتا الرسالة بتوقيعهما أم عبد الله وأم عبد الرحمن.
هذه بعض من العبارات التي كتبنها، والتي جعلتني أراجع مع نفسي الحسابات، ولعلك أنت أيضاً تراجعين.
إن أمة تمتلك مثل هؤلاء الفتيات أمة لا تقهر بإذن الله، فنحن خير أمة أخرجت للناس، مهما كانت الظروف والأحوال.
أيتها الصادقة! لا ترهبي التيار، أنت قوية بالله مهما اشتد التيار: تبقى روح الحق شامخة وإن أرغى وأزبد حولها الإعصار
стр. 101
الخبر الأخير: الخير باق في أمتي
الخبر الأخير عنوانه: الخير باق في أمتي.
نعم أخية! رغم كثرة الغارقات لا زال في أمتنا خير وأمل، لا زال في أمتنا فتيات وأمهات صادقات، أذاعت إحدى القنوات مشهداً أعاد لنا مشاهد طالما سمعناها عن الصحابيات الصادقات، ومن سار على نهجهن على صراط رب الأرض والسماوات، إنه مشهد لطالما اشتقنا لسماع مثله ورؤياه، إنه مشهد لأم فلسطينية، ظهرت بجانب ولدها ابن ٢٠ سنة وهو يقرأ وصيته الأخيرة قبل أن يقوم بإحدى العمليات الاستشهادية.
اسمعي أماه، اسمعي بارك الله فيك، ما أعظمها من تضحية وعظمة! تقدم فلذة كبدها وتعده للشهادة في سبيل الله، ولا يستطيع فعل ذلك إلا أصحاب القلوب التي تعلقت بما عند الله، قدمته وودعته ونداء ربها في مسامعها ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢].
يا ألله! كيف كانت هذه الأم وهي تضمه إلى صدرها الضمة الأخيرة، وهي تدرك أنه بعد قليل قد لا يتبقى منه عضو تتعرف به عليه؟! يا ألله! كيف كانت وهي تقبله على جبينه، وهي تعلم أنها القبلة الأخيرة؟ بل كيف كانت وهو يغادر المكان وهي تعلم أنها لن تلقاه بعد هذه اللحظة؟ يا ألله! كيف كانت حين نظرت في عينيه نظرة أخيرة؟ وكيف كانت وهي تسمع دوي الانفجار يردد على مسمع من العالم كله؟ نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً انفجار يعلن للعالم والملأ أننا أمة لا تقهر؛ لأن معنا القوي الجبار.
لله درك يا أم الشهيد، لم تستسلمي للذل وللعار، أقسم بالله العظيم إنك قد قلتي ووفيت، ووالله إنك نور وسنا برق في زمن الذل والعار، إن أمة تنتمين إليها لا يمكن أن تهزم بإذن الله، لقد أعدتي لنا الأمل ومسحتي عنا العار، وإنك والله ستفرحين بما قدمت يوم تقفين يوم القيامة مع الملأ بين يدي الواحد القهار، لقد أعدتي إلينا إيمان الصحابيات والتابعيات، فابشري والله بالخير، قال الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥] فإذا أردت النجاة فاتصفي بهذه الصفات.
إن كنت صادقة في البحث عن السعادة فأنا أدلك على الطريق وكلنا يبحث عن السعادة، والله لن تجدي السعادة إلا في طاعة الله، إلا في الحياة مع الله وفي مرضاته، السعادة في التوبة والأوبة، السعادة ستجدينها في دموع الأسحار، وفي مصاحبة الصالحات الأبرار، ستجدينها في بكاء وأنين المذنبات، ستجدينها -أي: السعادة- في الخشوع والركوع والامتثال لله والخضوع، وفي البكاء من خشية الله والدموع، السعادة والله في الصيام والقيام، وفي امتثال شرع الملك العلام، السعادة في تلاوة القرآن وهجر المسلسلات والألحان، وربك باسط يده لك بالليل والنهار، يفرح بالتائبات ويفرح بمن أتاه وهو قريب ممن دعاه، حليم كريم يغفر الذنب ويستر العيب.
أطرقي الباب وسيفتح لك، سيري على الطريق وستشعرين بالفرق العظيم، وسترين النتيجة بنفسك.
اللهم احفظ فتياتنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم دل الحائرات، وأنقذ اللهم الغارقات، اللهم من حادت عن الطريق فردها إليك رداً جميلاً، اللهم وفقهن لتوبة نصوح واستقامة على الحق يا رب العالمين! اللهم اغفر ذنب المذنبات، واقبل توبة التائبات، وفرج هم المهمومات، واكشف كرب المكروبات.
اللهم ثبت الصادقات، واجعلهن راضيات مرضيات، تقيات نقيات خفيات.
اللهم حبب لهن الإيمان وزينه في قلوبهن، وكره لهن الكفر والفسوق والعصيان، واجعلهن -يا رب- من الراشدات.
اللهم من أرادنا وفتياتنا بسوء فاشغله في نفسه، واجعل تدبيره تدميراً عليه.
اللهم زين فتياتنا بالإيمان والعفة والحياء والحجاب، اللهم حبب لهن الحجاب وكره لهن التكشف والسفور، ووفقهن لخيري الدنيا والآخرة يا عزيز يا غفور! اللهم اجعل اجتماعنا مرحوماً، وتفرقنا بعده تفرقاً معصوماً.
أستغفر الله العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 102
أحوال العابدات
هناك الكثير من المواقف البطولية المشرفة لنساءٍ صنعهن الإسلام ورباهن سيد الأنام ﵊.
فمنهن من جادت بدمها وولدها دفاعاً عن رسول الله ﷺ ، ومنهن من خاضت المعارك بأعمدة الخشب دفاعاً عن عرضها وشرفها ودينها، ومنهن من أذاقت الأعداء الويلات فانغمست في صفوفهم تقتل وتجرح، وتضرب وتطعن.
стр. 103
المكانة العظيمة للمرأة في الإسلام
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: حياكم الله وبياكم! وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعني وإياكم في دار كرامته، وأن يحفظني وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
لقاؤنا هذا خاص بأمهاتنا وأخواتنا وزوجاتنا، خاص بالمرأة المسلمة التي هي أساس هذا المجتمع، ولا يقوم المجتمع إلا على أكتاف الرجال والنساء، بل لا يستطيع الرجال أن يقوموا بأدوارهم إلا إذا قامت النساء وسدت جميع الثغرات، وما كان للأبطال السابقين أن يحققوا ما حققوا إلا في ظل وجود المرأة المسلمة الصالحة التقية النقية الخفية.
حديثنا إليك أنت بارك الله فيك، فأنت من أحسن ما قيل فيك: إنك نصف المجتمع، ثم أنت تلدين النصف الآخر.
فأنت المجتمع كله، أنت أساس هذا المجتمع، وخلف كل رجل عظيم امرأة عظيمة بارك الله فيك.
اختار الله لمحمد بن عبد الله صلوات ربي وسلامه عليه حين أراد أن يكلفه بمهام الدعوة، اختار له خديجة، فكانت نعم الزوجة، ونعم الأم، ونعم المربية، ونعم الداعية الصابرة المحتسبة الباذلة المعطية، كل شيء من أجل هذا الدين، ولا عجب أنها وصلت إلى مرتبة رفيعة، ومرتبة سامية؛ يأتي جبريل إلى النبي ﷺ يقول له: (هذه خديجة أتتك ومعها إناء من طعام، أقرئها من ربها ومني السلام، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب)، أسألك بالله العظيم كيف وصلت خديجة إلى تلك المرتبة، الرفيعة، إلا لأنها جعلت حياتها لله رب العالمين.
أخية! المعركة بين الحق والباطل معركة قائمة مستمرة، قد يظهر الباطل حيناً، لكن الغلبة والتمكين لا يكونا إلا للحق، بشرط أن يأخذ أهل الحق بالحق بقوة، ويقدموا من أجل الحق كل غال ونفيس.
قد يظهر الباطل حيناً، لكنه امتحان وابتلاء من الله للصادقين والصادقات، قال الله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، وقال سبحانه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨].
стр. 104
المرأة المسلمة جزء من المعركة مع الباطل
أنت بارك الله فيك جزء من المعركة، بل على عاتقك الجزء الأكبر منها، فأنت مطالبة بدعم الصفوف الخلفية، وبمساندة الخطوط الأمامية، وحتى تستطيعي أن تقومي بذلك الدور لابد أن تكوني عابدة، صلتك بالله قوية مترابطة، إنهم يشغلونك عن الدور العظيم بتوافه الأمور، يشغلونك باللهو والضياع؛ لأنهم يعلمون تمام العلم أنك متى ما تفرغت للمعركة فهي محسومة لك بإذن الله.
فخلف الرجال العظماء نساء عظيمات، وما كان للرجال أن يؤدوا دورهم لولا الدور العظيم الذي قامت به النساء، فأنت مطلوبة في كل المجالات، ومطلوبة في سد كل الثغرات، في التعليم، والطب، والتربية، وحتى في القتال، فقد لعبت النساء على مر التاريخ دوراً عظيماً في حسم المعارك، فنساء الصحابة رضوان الله عليهن كن يحرضن أزواجهن على الجهاد وهو أعظم تضحية، بل منهن من حملت السيف تقاتل دفاعاً عن عقيدتها ودينها، يقول أنس ﵁ وأرضاه: لما كان يوم أحد رأيت عائشة وأم سليم وإنهما لمشمرتان حتى رئي خدم سوقهما تنقلان القرب على متونهما ثم تفرغانها في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآن القرب، ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم.
وهذه مقالةٌ عظيمة من امرأة عظيمة تقول لرسول الله وقد سألها عن خنجر في يدها: إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه يا رسول الله، وأقتل هؤلاء الذين يفرون عنك كما أقتل هؤلاء الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل.
إنها مقالة أم سليم بنت ملحان زوجة أبي طلحة ﵁ وأرضاه ورضي عنها، كان ذلك يوم حنين حيث أبلت بلاء حسناً، فكانت تسقي العطشى، وتداوي الجرحى، وتحمل قرب الماء، وهي مع ذلك حامل بابنها عبد الله، فقالت تلك المقولة للرسول ﷺ لتترك للتاريخ عبرة، ولتؤكد أن المرأة المسلمة جزء لا يتجزأ من معركة المسلمين ضد الباطل عبر الزمان والمكان.
فأنت مربية الأجيال، وصانعة الأبطال، أنت المقاتلة إذا دعت الضرورة والحال، لن أحكي لك عن أخبار الصائمات والقائمات، والمتصدقات والباذلات، ولكن سأسوق إليك أخبار وأحوال العابدات المجاهدات.
الخبر الأول: خبر أول شهيدة في الإسلام.
الخبر الثاني: خبر الفارس الملثم.
الخبر الثالث: مسلمات في الأسر.
الخبر الرابع: شهيدة في ليلة عرسها.
الخبر الأخير: المجاهدة المقاتلة.
ثم الخير في هذه الأمة حتى تقوم الساعة.
стр. 105
أول شهيدة في الإسلام
стр. 106
فضل الشهادة
الخبر الأول: أول شهيدة في الإسلام.
الشهادة درجة رفيعة يختار الله لها من يشاء من رجال ونساء، يكفي أن تعلمي أن الله أعد للشهداء ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأن للشهداء عند الله مائة درجة، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، والشهداء أحياء عند ربهم فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.
يجب أن تعلمي -بارك الله فيك- أن طريق الجنة محفوف بالمكاره والابتلاءات، وأن ثمن الجنة غال أيتها الغالية، وأن الطريق إليها صعب وشاق فيه تبذل الأرواح والمهج، وتبذل الأموال، ومن أجله تراق الدماء، لما كانت السلعة غالية، كان لابد أن يكون الثمن غالياً، ولابد دون الشهد من إبر النحل.
стр. 107
سمية بين مجتمع الاضطهاد
إليك خبر أول شهيدة من العابدات الزاهدات: كانت سمية ضعيفة في صباها وشيخوختها، فقد كانت أمة مملوكة في مجتمع جاهلي لا رحمة فيه للعبيد والمماليك، أسلم ابنها عمار، ودخل في الإسلام الذي يحقق العدل والمساواه للجميع، فقرأ رسول الله على مسامعهم كلام الله فانشرحت الصدور، وأقبلوا على دين الله يتعلمونه ويعلمونه.
دخلوا في هذا الدين وهم يعلمون أنهم سيدفعون الثمن غالياً، فلقد كانت قريش تعذب وتضطهد كل من أسلم، فمن كان له قبيلة حمته قبليته، ومن لمن يكن له كآل ياسر فلقد تفننت قريش في تعذيبهم من ضرب وجوع وعطش تحت أشعة الشمن الملتهبة، حتى كادت نفوسهم أن تزهق جوعاً وعطشاً وتعذيباً، لكن كأن صوتاً من السماء يناديهم: يا نار كوني برداً وسلاماً على آل ياسر، كما كنت برداً وسلاماً على إبراهيم.
стр. 108
ثبات سمية في سبيل الله
لكِ أن تتخيلي أيتها الغالية تلك المرأة الناحلة الجسد، الكبيرة السن، وهم يصبون عليها أصناف العذاب، والعذاب يشتد يوماً بعد يوم، وجاءت المواساة للأسرة المعذبة في دينها يوم مر عليها نبي الهدى والرحمة ورأى صنوف العذاب وهي تنهال على تلك الأجساد الضعيفة، فواساها بكلمات كالسلسبيل، تخفض حدة العذاب، وتعطي للإيمان طعماً وللحياة معنى وقيمة: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة)، فصنعت تلك الكلمات في تلك النفوس العجب العجاب من صبر وثبات.
فالسلعة غالية: يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلان يا سلعة الرحمن كيف تصبر الـ خطاب عنك وهم ذوو إيمان يا سلعة الرحمن أين المشتري فلقد عرضت بأرخص الأثمان طال العذاب وسمية تتحمل مع أسرتها أنواع التنكيل والإرهاق، كل ذلك من أجل الله، ومن أجل دين الله جل في علاه، وكلما زاد العذاب زاد الصبر والثبات، حتى لم يعد الكفار يطيقون رؤيتها، ونفذ صبرهم من صبرها، فأخبروا أبا جهل بما يلاقون من عنادها وشدتها وثباتها، فأقبل في مساء يوم ومعه فتية من بني مخزوم قد أشعلوا النار في دار آل ياسر، ووضعوا آل ياسر في قيود الحديد، وصاروا يتفننون في تعذيبهم، ويلهبون أجسادهم بالسياط، ويطعنون أجسادهم بالخناجر والرماح، ويحرقونهم بالنار، ويلقون عليهم الأحجار الثقال، ما ذنبهم؟ وما هي جريمتهم؟ ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج:٧ - ٩].
وهاهم يكررون نفس الأفعال في العراق وفي كل مكان، ﴿َإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:٨]، ملة الكفر لا تختلف سابقاً ولا لاحقاً، والعذاب يزداد وأبو جهل ينتظر من آل ياسر صيحة ردة عن دين الله، فيظفر بلا شيء، بل تقول سمية بكل قوة عندما ترى النبي ﷺ يمر عليهم: (أشهد إنك لرسول الله، وأشهد أن وعدك الحق) أي: وعد الصبر الجنة، وعد صادق، وعهد سابق، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢].
أما اشترى الله منهم الأنفس والأموال على أن يكون الثمن الجنة؟! تقول ذلك وهي في شدة العذاب.
стр. 109
استشهاد سمية في سبيل الله
يصيح أبو جهل: لتذكرن محمداً بسوء، وتذكرن آلهتنا بخير، أو لتموتن؟ أليست هي نفس سياسة فرعون السابقة: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [الأعراف:١٢٤]، فسياسة الكفر لا تتغير مهما تغير الزمان.
فترد عليه سمية: بؤساً لك ولآلهتك! فيشتد الغضب بـ أبي جهل فيضربها في بطنها برجله، ثم يطعنها بحربة كانت في يده؛ لتكون أول شهيدة في الإسلام، فسجلت بذلك سبقاً جهادياً بين أقرانها وبين أخواتها المسلمات.
قدمت حياتها لتعطي درساً على العزة والثبات، ما وهنت ولا استكانت ونداء ربها في مسامعها: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩ - ١٤٢].
لسان حال الصادقين والصادقات: فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا ماتت موتة الأبطال وأهل المبادئ، ماتت وهي تنتظر بشارة النبي ﷺ حين كان يمر عليهم ويرى العذاب: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة).
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨].
стр. 110
خبر الفارس الملثم
الخبر الثاني: خبر الفارس الملثم.
بينما خالد بن الوليد يصف صفوف المقاتلين لقتال الروم إذا بفارس ملثم ذي ثياب سود، قد حزم وسطه بعمامه خضراء، ثم سحبها على صدره.
следующие страницы →