Полный текст (933 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
عبر من الأحداث
إن الناظر إلى واقع المسلمين اليوم يجد أن الوهن واليأس قد دب إلى قلوب كثير من المسلمين؛ وذلك بسبب الأحداث والمنعطفات التي تمر بها الأمة، فالواجب على دعاة الأمة أن يوجهوا خطابهم الدعوي ليبثوا من خلاله روح العزيمة في قلوب الناس، وتبشيرهم بوعد الله بالنصر لهذه الأمة، وبيان أن الصراع بين الحق والباطل مستمر إلى يوم القيامة، وأن الغلبة للحق بإذن الله.
стр. 2
الاستدلال بالماضي على الحاضر من خلال القصص القرآني
الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.
أما بعد: أيها الفضلاء! أحمد الله الذي هيأ لنا هذا اللقاء، وجمعنا هذا المساء في هذا المسجد المبارك، وأسأل الله سبحانه كما جمعنا فيه أن يجمعنا في جنات النعيم، وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم، وأن يجعلنا ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧].
وفي بداية هذه الكلمة أقول: إن في القرآن الكريم قصصاً وعبراً، وعندما قص الله ﷻ علينا شيئاً من أخبار الأولين قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١]، وهذه العبر لا تقتصر على ما مضى، بل لو نظر المسلم المتدبر للقرآن الكريم في تلك القصص وقاسها بواقعه الذي يعيشه فإنه يستطيع أن يستدل بماضيه على حاضره، ولو أن مسلماً شك في أن فئة قليلة مستضعفة يمكن أن تنتصر على فئة كثيرة مستعلية، فليقرأ قول ربنا ﷻ : ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [آل عمران:١٣]، ولو أن مسلماً نظر إلى بعض المتألهين المتجبرين، وإلى بعض الطغاة المستكبرين، فليقرأ في القرآن الكريم قول الله ﷻ عن فرعون اللئيم: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات:٢١ - ٢٦]، ولو أن مسلماً نظر إلى دولة كافرة متكبرة عاتية تريد أن تفرض على الدنيا ثقافتها ورؤاها وحضارتها، فليقرأ في القرآن الكريم: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٥ - ٤٦]، وليقرأ قول الله : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود:١٠٢ - ١٠٣].
стр. 3
تذكير الناس بمعاني العزة والكرامة
ولذا: فما أحرانا إلى أن نذكر الناس بمثل هذه المعاني، وإلى أن ندلهم على أن يرجعوا إلى القرآن؛ لكي يلتمسوا منه العبر والدروس وخاصة في زماننا هذا الذي اشتدت فيه الأزمات، وتوالت القوارع والنكبات على المسلمين، فاحتُلّت كثير من ديارهم، وعُطلت شريعتهم، وطُمست معالم دينهم، وأراد أعداؤهم أن يفرضوا عليهم ما يريدون من ثقافة وحضارة ورؤى واستشراف للمستقبل، وأرادوا أن يزرعوا في قلوبهم اليأس، وأنه لا أمل لهم في أن يرجعوا إلى دينهم، أو أن يستعيدوا أمجادهم، وصار حال الناس كما قال القائل: أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصاً جناحاه إن هذا الواقع الذي يعيشه الناس أدى إلى أن يدب اليأس والقنوط إلى قلوب كثير منهم، بل لقد دبَّ إلى ألسنتهم، فتجد عبارات تنضح باليأس، وربما يتفوه بها بعض الخاصة لا العامة! بل وخاصتهم من علمائهم ومفكريهم ومثقفيهم وأهل الحل والعقد فيهم! وتجد كثيراً من هؤلاء يتكلمون وكأنه لا أمل ولا نجاة لنا بل لا بد أن نستسلم!! فمثل هؤلاء الناس لم ينظروا في عبر التاريخ، ولم ينظروا في تاريخ هذه الأمة الذي كان ولا زال في مد وجزر، وتقدم وتقهقر، ونصر وهزيمة، وأمل وألم، هؤلاء يحتاجون إلى أن يذكروا بقول الله : ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢]، ويحتاجون إلى من يذكرهم بقول الله ﷻ : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، ويحتاجون إلى من يذكرهم بأن رسول الله ﷺ وهو في أشد حالاته حين كان محاصراً في مكة وكان أصحابه مضطهدين معذبين جاءه خباب بن الأرت ﵁ -والنبي ﷺ متوسد بردة له في ظل الكعبة- فقال له خباب -وقد عانى من المشركين ما عانى هو وإخوانه المؤمنون-: (يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟)، فيقول هذا الكلام وهو ﵁ يشعر بالضيق والكرب حين كان المشركون يأتون بالمسلم فيجيعونه ويعطشونه ويلقونه في حر الشمس، ويضعون على صدره الصخرة العظيمة، ويقولون له: واللات والعزى لا ندعك حتى تكفر بمحمد وإله محمد.
وهذا مثل الوضع الذي فيه المسلمون الآن، فبعضهم أسرى، وبعضهم مسجون، وبعضهم معذب، وبعضهم مطارَد، وبعضهم مضطهَد، وهكذا كان الصحابة، (فاعتدل النبي ﷺ في جلسته وقال له: لقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم فيوضع المنشار على رأسه حتى يفرق بين رجليه، ويمشطونه بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يرده ذلك عن دينه، ثم يقول ﵊: والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون)، فالنبي ﵊ يقول هذا الكلام والصحابة لا يرون بادرة أمل في الأفق، لكنه ﵊ يزرع في قلوبهم الأمل، ويستدل على ذلك بأخبار الأولين، ولذلك لو قال قائل من الدعاة اليوم وهو يخاطب جماهير المسلمين: إن مع الصبر نصراً، وإن مع الكرب فرجاً، وإن مع العسر يسراً، وإن مع الشدة والسقم عافية ورحمة، ثم استدل على ذلك بأخبار الأولين وبعبر التاريخ وقصص الماضين، فلا ينبغي أن يقول قائل: إن هذا إنسان يعيش مع التاريخ، أو يعيش مع القصص والحكايات، فالله ﷻ حين يريد أن يزرع في قلوب الناس الأمل فإنه يذكرهم بالماضي، فها هو يقول لأصحاب رسوله ﷺ : ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال:٢٦]، فالله هنا يستدل بالماضي من أجل أن يبشرهم بالمستقبل، ومن أجل أن يدلهم على الحاضر، فينبغي أن نقول للمسلمين: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، ونقول لهم: لا ينبغي أن يصيبكم وهن ولا حزن، ولا ضيق مهما توالت النكبات، ومهما اشتدت الأزمات، ومهما تتابعت القوارع، ومهما قتل من المسلمين العدد الكثير، نعم إننا نحزن لذلك كما كان يحزن رسول الله ﷺ ، فعندما استشهد في مؤتة جعفر، وزيد، وعبد الله بن رواحة رضوان الله عليهم صعد النبي ﷺ على المنبر ودموعه على خديه، فنعى للصحابة جعفراً وزيداً وعبد الله بن رواحة، ولما وقف على جثمان عمه حمزة ﵁ وقد بُقرت بطنه، وجُدعت أنفه، وقطعت أذناه، دمعت عيناه صلوات ربي وسلامه عليه وقال: (والله ما وقفت موقفاً أغيظ من هذا)، وكان ﵊ يحزن عندما يصيبه الكرب، لكنه ﵊ لم يكن يقطع أمله في الله قط، بل كان يبشر المسلمين في أشد اللحظات ضيقاً وحرجاً، ففي وقعة الأحزاب كان المسلمون محاصَرون، وقد اجتمع عليهم ثلاثة أنواع من الكروب: برد شديد، وجوع شديد، وخوف شديد، قال تعالى عنهم: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:١٠]، فالمسلمون وهم في تلك الحال ترامت الأنباء بأن اليهود قد نقضوا العهد، وأنهم مالئوا المشركين على المسلمين، فأرسل النبي ﵊ السعدين: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رضوان الله عليهما، وقال لهما ﵊ -وهو القائد الخبير المحنك-: (إن وجدتم اليهود على العهد باقين فأعلنوا ذلك للناس، وإن وجدتموهم قد نقضوا العهد فالحنوا لي لحناً أعرفه)، أي: لئلا تفتوا في عضد الناس.
فذهب السعدان ﵄ فوجدا اليهود على شر حال: يسبون رسول الله ﷺ ، ويذكرونه بالسوء، فقال السعدان لليهود: هل أنتم على العهد؟ قالوا: وأي عهد؟ قالا لهم: عهدكم مع رسول الله، قالوا: ومن رسول الله! وسبوه سباً قبيحاً، فرجع السعدان رضوان الله عليهما وقالا: يا رسول الله! عضل والقارة -فهذا هو اللحن- ففهم النبي ﵊ أن اليهود قد غدروا بالمسلمين غدراً كغدر قبيلتَي عضل والقارة بـ خبيب وأصحابه، فقال ﵊: (الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين!)، فسبحان الله! فأي بشرى هذه؟! وهؤلاء المشركون من قريش وغطفان والأحابيش قد حاصروا المدينة من كل ناحية، وهؤلاء اليهود قد نقضوا العهد، وهؤلاء المنافقون يتسللون لواذاً يفتون في عضد الناس، ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب:١٣]، ومع ذلك يقول النبي ﷺ : (أبشروا يا معشر المسلمين!) ولم يقل ذلك ﵊ إلا لأنه يعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً، والآن تمالئ على المسلمين أمم الأرض من كل حدب وصوب، فما إن يسمع أعداء الله بجماعة من المسلمين في بلد من البلاد قد نشروا الأمن، وحكموا شريعة الله، ووجد المسلمون معهم حلاوة الحياة إلا سعوا في وأدهم، وتدميرهم، وتقتيلهم، ومطاردتهم، وأن يلصقوا بهم أبشع التهم، وأشنع الأوصاف، وشردوا بهم من خلفهم، ونجد أن المنافقين يتسللون بكتاباتهم وأحاديثهم وإشاعاتهم ليفتوا في عضد الناس، وليدخلوا اليأس في القلوب، فنذكر هؤلاء بقول ربنا: ((وَلا تَهِنُوا))، فالوهن ممنوع، ونذكرهم بقول رسول الله ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، واحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، ولا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل).
فيا أيها المسلم! اقرأ قول الله : ((وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ))، ويا من تقارع أعداء الله وتجاهد في سبيل الله! ويا من تتوق إلى نصر الإسلام! اقرأ هذه الآية: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤]، وتأمل في هذه الآية، واعلم بأن الله بشرك أولاً: بأن الألم الذي يصيبك فإنه يصيب الكفار مثله: ((إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ))، وإن كان في المسلمين قتيل وجريح ومعوق ومتألم فكذلك في الكفار، وما دام في المسلمين من يرفع هذه الراية: لا إله إلا الله، ويعتقد أن معقد العز وذروة سنام الإسلام هو الجهاد فليعلم أنه من أهل هذه الآية: ((إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ)).
ثانياً: قال الله : ((وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ))، فالكافر أمله في هذه الدنيا، وأما أنت أيها المسلم! فتعتقد أن بعد هذه الحياة حياة، وأن بعد هذه الدنيا جنة عرضها السموات والأرض، ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥]، فتعتقد أن هناك جنة تنتظرك، وهذه الجنة بناؤها لبنة من فضة ولبنة من ذهب، وملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ، وترابها الزعفران، من دخلها ينعم فلا يبأس، ويسعد فلا يشقى، ويشب فلا يهرم، ويخلد فلا يموت: ((وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ))، وهذا المعنى هو الذي فه
стр. 4
دروس وحقائق من الأحداث
إن الأحداث التي تعصف بالأمة في أيامنا هذه لهي من نعم الله على العباد؛ حتى يدركوا جملة من الحقائق، أولها:
стр. 5
عداوة الكفار عداوة عقدية أصيلة
إن عداوة الكفار للمسلمين عداوة أصلية راسخة، وليست عداوة طارئة ولا عداوة تابعة للمصالح، فلابد أن يذكّر الناس بقول ربنا ﷻ : ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]، وقوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة:١٢٠].
وقوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩]، فليست الحرب حرباً على شخص حاكم، ولا حرباً على نظام بعينه بدعوى أنه نظام دكتاتوري، أو أنه لا يعطي للناس حرياتهم، بل إن العداوة هي للدين نفسه، والعداوة لكل مسلم مهما تسمى ومهما انتمى إلى أي طائفة أو جماعة، فهذه حقيقة لابد أن يدركها الناس الآن.
стр. 6
الكفر ملة واحدة
ثاني هذه الحقائق التي لابد أن يدركها الناس: أن الكفر ملة واحدة، وأن المنظمات الدولية وغيرها سراب يستعملها الكفار متى ما أرادوا، ثم بعد ذلك يدوسون عليها بالنعال ويهمشونها، ويغضون الطرف عنها متى ما كان الإجرام مسلطاً على المسلمين، أو على بلدة مسلمة، أو على جماعة من المسلمين، وحينئذ فهذه المنظمات لا قيمة لها، ولذلك لا ينبغي لعقلاء المسلمين أن يعولوا عليها، وليكن تعويلهم على رب العالمين ﷻ ، وليكن تعويلهم على استمساكهم بدينهم، وليكن تعويلهم على وحدتهم التي هي سر قوتهم.
стр. 7
الجهاد هو المخرج لهذه الأمة من الذلة
ثالث هذه الحقائق التي ينبغي أن يذكر الناس بها: أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، فإذا تركه الناس ضرب عليهم الذل، وضربت عليهم المسكنة، وأحاط بهم الأعداء من كل جانب، وغزوهم في عقر دارهم.
стр. 8
ضرورة ووجوب الوحدة بين المسلمين
رابع هذه الحقائق: أنه لا طاقة للمسلمين بمواجهة عدوهم إلا إذا اعتصموا بالله ربهم، وأما إذا رفعوا شعارات القومية، أو شعارات الوطنية، أو غيرها من الشعارات مما كنا نسمعه إلى عهد قريب من اشتراكية وبعثية فهذه كلها لن تغني عنهم من الله شيئاً، ولا يستطيع أن يواجه أهل الكفر إلا قوم رضوا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً، وبالقرآن إماماً، وحالهم كحال خبيب ﵁، أو كحال زيد بن الدثنة، أو كحال عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح وأمثالهم رضوان الله عليهم، فعندما كان الواحد منهم يقاد إلى القتل فيسأل فيقال له: يا فلان! أتحب أنك بين أهلك وولدك ومحمد مكانك ﷺ ؟ فكان يعلنها مدوية: والله ما أحب أني بين أهلي ومالي ورسول الله ﷺ يشاك بشوكة، فهكذا كان حبهم لنبيهم ﵊، حتى أنطق الله بعض الكفار فقال: لقد أتيت كسرى وقيصر فما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً.
стр. 9
الأيام دول
ثم خامس هذه الحقائق والعبر التي ينبغي أن يذكر الناس بها في هذه الأحداث: أن الأيام دول، وأن الدهر يتغير، وأن صراع الحق مع الباطل جولات وليست جولة واحدة، فيأتي أهل الباطل فيقذفون أهل الحق بطائراتهم، ويسلطون عليهم حممهم ونيرانهم، ثم لا ينتهي الأمر عند ذلك، والقرآن الكريم يذكرنا بذلك القانون الإلهي، يقول الله : ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] أي: بين نصر وهزيمة، تقدم وتقهقر، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم:٩]، وهذا السلاح -أعني: سلاح التذكير بعاقبة الأمم المتغطرسة المتجبرة- هو السلاح الذي كان رسول الله ﷺ يخيف به أعداء الله، فعندما جاءه عتبة بن ربيعة وقال له: (يا محمد! ما رأيت رجلاً أشأم على قومه منك؛ لقد سفهت أحلامنا، وفرقت جماعتنا، وعبت آلهتنا، فانظر ما تريد؟ إن كنت تريد مالاً جمعنا لك حتى تصير أغنانا، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان الذي يأتيك رأي من الجن التمسنا لك الطب، وإن كنت تريد نساء فانظر أجمل نساء قريش نزوجك عشراً، فقال له النبي ﷺ : أو قد فرغت يا عم؟! قال: نعم، فاردد عليَّ قولي إن استطعت، قال له فاسمع: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:١ - ٤] إلى أن بلغ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣]، فألقى الله الرعب في قلب الكافر، فجاء فوضع كفه على فم النبي ﵊ وقال: يا محمد! ناشدتك الله والرحم أن تكف عنا).
فمطلوب منا أن نذكر المسلمين اليائسين بأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، ولا يقنط من رحمة الله إلا القوم الضالون، ونذكرهم بأن أمماً قد ملكت وسادت ثم بادت، وعلت واستكبرت في الأرض ثم بدل الله الحال غير الحال، ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٥ - ٦].
стр. 10
بث روح الحماس والعزة في نفوس الناس
ولا بد أن نطرح أسئلة على هؤلاء المسلمين اليائسين فنقول لهم: هل شباب الإسلام الآن أكثر التزاماً، أم أنهم كانوا أكثر التزاماً في السنوات الماضية؟ إن كبار السن الذين قد بلغوا من العمر الخمسين أو الستين سنة ليشهدون بأن الشباب اليوم هم خير وأفضل وأكثر استقامة وسداداً من الشباب الذين كانوا قبل ثلاثين أو أربعين سنة، وهذا إن دل فإنما يدل على أن الأمة إلى خير بإذن الله تعالى.
ونطرح أيضاً هذا السؤال؟ كلمة الجهاد التي ترهب أعداء الله وتخيفهم! هل كانوا يسمعونها قبل خمسين أو ستين سنة؟ فقد طمست معالمها حتى في معاهد العلم الشرعي، فقد كانوا يطوونها طياً، بل إن بعض الكتب التي ألفت في تفسير القرآن نجد أن آيات الجهاد كانت تطوى طياً، ثم إذا مروا على غيرها من الآيات فيقولون: ولنا هنا وقفات، ويبدءون في التفصيل والتفريع والتقسيم، وأما آيات الجهاد بل وسور الجهاد فإنها تطوى طياً، والآن نجد الناس يسألون عن الجهاد، ولهم رغبة في معرفة فقه الجهاد وآداب الجهاد، ونفوسهم تتوق إلى هذه الكلمة التي عدها رسول الله ﷺ ذروة سنام الإسلام.
ونطرح سؤالاً آخر فنقول: أليس جمهور المسلمين يتوقون إلى أن تحكيم شريعة الله؟ وإلى أن يحل الحلال ويحرم الحرام؟ أليس جمهور المسلمين الآن نافرين من تلك الأنظمة المستوردة مما فرض على بلاد المسلمين شرقاً وغرباً؟ فالناس الآن زاهدون في هذا كله، ويتوقون إلى العودة إلى شريعة ربهم التي جاءت صفواً، ويتوقون إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة، وهذا يلمس في كل مكان.
لذلك: نقول للناس: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]، فهذا وعد ربنا في القرآن والله لا يخلف الميعاد: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ﴾ [آل عمران:١٤٦] أو قُتِلَ ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران:١٤٦ - ١٤٨] أي: جنتاً ونعيماً.
ونقول لهم: (جاء بعض الصحابة إلى رسول الله ﷺ وقالوا له: يا رسول الله! نصبح ونمسي في السلاح، أي: أنهم يشتكون رضوان الله عليهم، فهم في المدينة دائماً في حالة طوارئ وخوف من اليهود ومن المنافقين ومن قبائل الأعراب التي تحيط بالمدينة ولم تدن بعد لله، فسكت رسول الله ﷺ ، وأنزل الله هذه الآية: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]).
وقد صدق موعود ربنا فيها في هذه الآية، فقد توفي رسول الله ﷺ والإسلام محصور في جزيرة العرب ونجد والحجاز وتهامة واليمن، ولم يمض سوى عقدين من الزمان (عشرين سنة) حتى كان الإسلام قد بلغ الشام والعراق وفارس ومصر والشمال الإفريقي، بل وبلغ الإسلام إلى حدود الصين شرقاً، ودق أبواب فرنسا غرباً، والآن يقول العارفون بحقائق الأمور: إن الإسلام هو أكثر الأديان انتشاراً، وليس ذلك في أدغال إفريقيا، ولا في أحواش آسيا، ولا في أطراف الدنيا، بل في أوروبا وأمريكا، وليس يدخل فيه أقوام يبحثون عن كسوة أو غذاء أو جرعة دواء، بل يدخل فيه عِلية القوم من علمائهم ومفكريهم ومثقفيهم ممن يستطيعون أن يميزوا الخبيث من الطيب، فهؤلاء هم الذين يدخلون في دين محمد ﷺ .
ولذلك؛ (لما جاء عدي بن حاتم وبدأ النبي ﷺ يجادله ليدخله في الإسلام قال له: ما حملك على الفرار أغاظك أن يقال: الله أكبر، فهل أحد أكبر من الله؟ أغاظك أن يقال: لا إله إلا الله؟ فهل إله غير الله؟ يقول عدي ﵁: رأيت أصحابه يحفون به إن تكلم سكتوا، وإن أمر ابتدروا، فقلت: إن هذا ملك، فهذه أخلاق الملوك، يقول عدي: فلما قام إلى بيته تبعته ﵊ من المسجد إلى بيته، فاستوقفته امرأة عجوز فوقف يناجيها طويلاً، فقلت: والله ما هذه أخلاق ملك! قال: فلما دخلت معه بيته ألقى إلي وسادة وقال: اجلس عليها، قلت: بل اجلس أنت، قال: لا، بل اجلس أنت، فأجلسني على الوسادة وجلس على الأرض، ثم قال له: يا عدي! لعله يمنعك من الإسلام ما ترى من ضعف أصحابي؟ قال: بلى، قال: ولعله يمنعك من الإسلام ما ترى من فقرهم؟ قال: بلى، قال له: أسلم فإنه يوشك إن طالت بك حياة أن ترى الظعينة تخرج من الحيرة، أتعرف الحيرة؟ قلت: لا، لكنني سمعت بها، قال: يوشك إن طالت بك حياة أن ترى الظعينة -المرأة المسافرة- تخرج من الحيرة حتى تطوف بالبيت ليست في جوار أحد إلا الله، ويوشك إن طالت بك حياة أن تفتح كنوز كسرى بن هرمز، ويوشك إن طالت بك حياة أن ترى المال يعطى صحاحاً فلا يقبله أحد، قال عدي ﵁: فوالله لقد عشت حتى رأيت الظعينة تخرج من الحيرة حتى تطوف بالبيت ليست في جوار أحد إلا الله، وكنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والله لتقعن الثالثة كما أخبر رسول الله ﷺ .
إن المسلمين الآن بحاجة إلى يقين كيقين عدي، فلا بد أن يعتقدوا أن الله لا يخلف الميعاد، وأن محمداً رسول الله ﷺ لا ينطق عن الهوى، وأن كل ما أخبر الله به في القرآن، وكل ما أخبر به النبي ﵊ فيما صح من سنته لابد كائن ولابد واقع، فهذا الأمر نحتاج إليه ونحتاج أن نذكر الناس به.
أسأل الله أن ينصر دينه وكتابه وسنة نبيه وعباده الصالحين.
اللهم انصر من نصر دينك، واخذل من خذل دينك، اللهم انصر من نصر دينك، واخذل من خذل دينك، اللهم انصر من نصر دينك، واخذل من خذل دينك.
اللهم من أرادنا وبلادنا والإسلام والمسلمين بخير فأجري الخير على يديه، ومن أرادنا وبلادنا والإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، وأشغله بنفسه، واجعل تدميره في تدبيره، وأهلكه كما أهلكت عاداً وثمود.
اللهم إنا نسألك يا أكرم الأكرمين! ويا أرحم الراحمين! لإخواننا المجاهدين في كل مكان نصراً عزيزاً، وفتح قريباً، اللهم انصر عبادك المجاهدين في كل مكان، اللهم ثبت أقدامهم، وقوي شوكتهم، واجمع كلمتهم، وسدد رميتهم، وانصرهم على من عاداك وعاداهم يا أرحم الراحمين! ويا أكرم الأكرمين! وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 11
حمالة الحطب
تحدث القرآن الكريم عن الأبرار والفجار، وذكر صفات كل منهما، ومن صفات الفجار: السعي بين الناس بالنميمة، وقد ذكر القرآن امرأة أبي لهب وأنها في النار؛ لأنها كانت تمشي بين الناس بالنميمة.
والنميمة داء وبيل وشرٌ عظيم يفسد العلاقات الأخوية بين الناس، وينشئ المنازعات والقتال بينهم.
والنميمة من كبائر الذنوب، ومن أسباب عذاب القبر، ومن موانع دخول الجنة، فيجب الحذر منها وتجنب الاستماع إلى أصحابها.
стр. 12
أنصار الخير وأنصار الشر
الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، أحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار.
وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار.
وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.
سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
أما بعد: أيها الفضلاء! أحمد الله الذي هيأ لنا هذا اللقاء في هذه الليلة المباركة، ليلة الجمعة التي يستحب فيها الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وقد ثبت عنه في الحديث أنه قال: (إن من خير أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا من الصلاة علي فيه؛ فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ -يعنون: بليت- فقال ﵊: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء).
أسأل الله سبحانه كما جمعنا في هذا المسجد المبارك، أن يجمعنا في جنات النعيم، وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم، وأن يجعلنا إخواناً على سرر متقابلين.
إخوتي الكرام! عنوان هذه الكلمة: حمّالة الحطب، أقول في مقدمتها: ما أكثر الشخصيات التي تحدث عنها القرآن، وهي على نوعين: النوع الأول: شخصيات مؤمنة برة تقية، ملأت الأرض نوراً وعدلاً وهدىً ورحمة، كأنبياء الله ورسله وأوليائه وصالحي عباده، جزاهم الله عن الإسلام وأهله خيراً.
النوع الثاني: شخصيات ملأت الأرض ظلماً وجوراً وبطشاً، وتحدث عنها القرآن بما فيها، ومن هؤلاء: حمّالة الحطب زوجة أبي لهب العوراء، أم جميل بنت حرب، التي توعدها ربنا ﷻ هي وزوجها بنار ذات لهب، ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] قال أهل التفسير: التباب هو الخسار، كما في قوله ﷻ : ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر:٣٧] أي: في خسار.
قالوا: (تبت) الأولى: دعاء، (وتب) خبر.
стр. 13
المال لا يغني عن المرء شيئاً
يقول الله بعدما دعا عليه وقد حصل هذا التباب والخسار: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:٢] ما أغنى عنه ماله الذي جمعه وحرص على تنميته وتثميره؟ وما أغنى عنه كسبه؟ قالوا: المقصود بالكسب هاهنا الذرية والأولاد.
قال أهل التفسير: اختصم بنو أبي لهب، فجاءو إلى عبد الله بن عباس ﵄ ليصلح بينهم، فاقتتلوا عنده، فقام ليحجز بينهم، فدفعوه حتى سقط، فقال ﵁: أخرجوا عني الكسب الخبيث! وقال النبي ﷺ : (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه).
كان رسول الله ﷺ يقول للناس في الموسم أو في سوق عكاظ: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، قولوا: لا إله إلا الله تملكوا بها العرب والعجم، إني رسول الله إليكم جميعاً، وكان عمه أبو لهب -وهو رجل أحول جسيم ذو غديرتين- يسير خلفه ويقول: لا تصدقوه فإنه كذاب، لا تصدقوه فإنه ساحر، فيعجب الناس ويقولون: من هذا؟ فيقول أهل مكة: هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله، والرجل الذي خلفه عمه أبو لهب، فكان الناس يقولون: عمّه أعلم به) أي: إذا قال عمّه: إنه كذاب فهو كذلك، وإذا قال: إنه ساحر فهو كذلك، فكان صاداً عن سبيل الله، قال الله : ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣].
стр. 14
جزاء إيذاء الصالحين
قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ [المسد:٤] أي: زوجته، وهي العوراء أم جميل بنت حرب، ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:٤] أو (حمالةُ الحطب) قراءتان، قال أهل التفسير: كانت هذه المرأة الظالمة الباغية تطرح الأقذار والأشواك والحطب في طريق رسول الله ﷺ وعلى بابه، فما كان ﷺ يزيد على أن يرفع يده ويقول: (ما هذا الجوار يا بني عبد المطلب؟!).
وقيل: بل قوله تعالى: (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) إخبار عن المآل وأنها في النار والعياذ بالله، فهي ستأخذ الحطب وتطرحه على زوجها؛ لتزيده عذاباً فوق العذاب؛ لأنها في الدنيا حرَّضته على الكفر وزينت له الشرك.
وقيل: بل قوله تعالى: (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) لأنها كانت بخيلة رغم غناها وكثرة مالها، وكانت تنقل الحطب على رأسها وتبيعه.
وقيل: بل قوله تعالى: (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) كناية عن سعيها بالنميمة بين الناس، كانت تنقل كلام الناس بعضهم إلى بعض؛ لتفسد بينهم، وتقطع الأواصر، وتزرع العداوة والبغضاء، فهي بمثابة من يحمل الحطب ليزيد النار اشتعالاً، قال تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:٥].
أيها الفضلاء! ما أكثر آباء لهب وأمهات لهب في زماننا، ما أكثر هؤلاء الصَّادين عن سبيل الله، المشائين بالنميمة بين الناس، الملتمسين للبرآءِ العيب، الذين يعملون على زرع العداوة والبغضاء بين المؤمنين والمؤمنات، هؤلاء جميعاً ينبغي أن يُذكّروا بهذه الآية؛ لأن الله وصف تلك المرأة الباغية الظالمة بهذا الوصف القبيح، ليحذرنا من أن نسلك سلوكها، وأن نسير سيرها، فالنميمة من القبائح والمنكرات التي نهانا عنها ربنا ﷻ .
стр. 15
النميمة
النميمة هي: نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد، قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة قتَّات).
قيل: القتَّات هو النمَّام، وقيل: بل القتات هو الذي ينقل كلاماً ما سمعه وإنما نُقل إليه، كأن يُقال له: إن فلاناً قال في فلان كذا، فيبادر إلى نقل الكلام دون أن يكون قد سمعه منه، أما النمام فهو الذي سمع الكلام بنفسه فنقله.
وقد أجمع المسلمون على أن النميمة حرام، وما قال بجوازها أحد.
стр. 16
الفرق بين النميمة والغيبة
قال أهل العلم: الفرق بين النميمة وبين الغيبة أن الغيبة قد تجوز أحياناً، كما قال القائل: القدح ليس بغيبة في ستةٍ متظلمٍ ومعرفٍ ومحذر ولمظهرٍ فسقاً ومستفتٍ ومن طلب الإعانةَ في إزالةِ منكرِ فالغيبة قد تجوز أحياناً، أما النميمة فلا تجوز بحال.
ومن الفروق بينهما أن الغيبة قد تكون باللسان، وقد تكون بالقلب، كأن تظن بفلان ظن السوء، أما النميمة فلا تكون إلا باللسان.
ومن الفروق بينهما كذلك: أن الغيبة تختص بالمغتاب وحده الذي يتكلم بها، أما النميمة فإنه يشترك فيها أطراف متعددة.
стр. 17
خطر النميمة
النميمة من كبائر الذنوب؛ لأنها مؤدية إلى فساد ذات البين، وقد قال رسول الله ﷺ : (ألا أدلكم على ما هو أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين).
فالنميمة سبب في حلق الدين؛ لأنها تفسد ذات بين المسلمين، وقد قال الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١] وقال: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤].
فالنمّام مرتكب كبيرة، وقد قال الله : ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [القلم:١٠ - ١٢]، قال بعض أهل التفسير: قلَّ أن تجد نماماً إلا وهو -والعياذ بالله- ولد زنا، واستدل بهذه الآية، فإن الله تعالى قال بعد هذه الأوصاف: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم:١٣]، والزنيم: هو الذي لا نسب له يعرف، وهو ابن السفاح والعياذ بالله! ولا يلزم ما قالوه على كل نمام، لكن الشاهد أن النمام نادى على نفسه بأنه شخص غير سوي.
قال أهل العلم: وقلَّ أن تجد إنساناً إلا وهو يمقت النمام حتى وإن نقل إليه ما يقول الناس فيه، فسامعه في قرارة نفسه يبغض هذا الناقل ويكرهه، لأنه نقل إليه ما يؤذيه.
стр. 18
النميمة من أسباب عذاب القبر
جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مرّ على قبرين فقال: (إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه لكبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة).
قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: ذكر بعض أهل العلم مناسبة الذنبين للعقوبتين في ذلك الموضع، فالذنب الأول: عدم الاستتار والتنزه من البول، والذنب الثاني: المشي بالنميمة بين الناس، قال: مناسبة ذلك أن (القبر هو أول منازل الآخرة) كما قال نبينا ﷺ ، وأول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة من عمله الصلاة، والصلاة مفتاحها الطهارة من الحدث، وهذا لم يتطهر من الحدث، وأول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء، والدماء سببها في الغالب النميمة، ولذلك كان عامة عذاب القبر من هذين الذنبين: عدم الاستتار من البول، والمشي بالنميمة بين الناس: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) أي: بزعمهما، وقال بعضهم: (وما يعذبان في كبير) أي: ليس كبيراً عليهما تركه، فقد كان يمكنهما تركه لو أرادا، (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير بلى إنه لكبير)، ثم أخذ ﵊ جريدة رطبة فشقها نصفين، وغرس في كل قبر واحدة وقال: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا).
стр. 19
الأسباب الحاملة على النميمة
الأسباب الحاملة على النميمة ثلاثة: أولها: إرادة السوء بالمنقول عنه، حين تنقل بأن فلاناً قال كذا وكذا.
السبب الثاني: حب المحكي له، فقد تكون محباً لفلان وسمعت فلاناً آخراً يقول فيه كلاماً قبيحاً، فتنقل إليه ما قيل فيه محبة له.
السبب الثالث: الاشتغال بالفضول، بعض الناس يشتغل بفضول القول، ما عنده ما يشغله، وما عوّد لسانه ذكر الله ولا تلاوة القرآن، ولا الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، ولا عوّد نفسه على نوافل الصلاة وغيرها من الأعمال الصالحة، ولا يشتغل بعمل نافع من أعمال الدنيا، لكنه يشتغل بالفضول وأن فلاناً قال، وأن فلاناً حكى إلى غير ذلك مما لا نفع فيه.
стр. 20
موقف المسلم من النمام
قال الإمام الذهبي ومن قبله النووي وغيرهما من أهل العلم: الواجب على من نُقلت إليه قالة السوء التي قيلت فيه أمور ستة: أولها: ألا يصدّق هذا النمام؛ لأنه فاسق، والله يقول: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦]، فلا تصدقه فيما نقل إليك.
ثانياً: أن تزجره وتقبّح له فعله، وتنهاه عن تعاطي مثله في مستقبل أيامه، وأن تبين له أن رسول الله ﷺ قال: (لا يدخل الجنة نمام)، وأنه ﵊ قال: (لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً؛ فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر)، وأنه ﵊ نهى عن النميمة، وأن الله نهى عن طاعة المشّاء بالنميمة بين الناس.
ثالثاً: أن تبغضه في الله؛ لأنه قد تعاطى سبباً يستحق به البغض، فالذي يسعى بالنميمة ينبغي أن يكون بغيضاً إليك، لأنه بغيض إلى الله .
رابعاً: ألا تظن بأخيك الذي نُقلت عنه تلك الكلمة أو تلك الحكاية إلا خيراً؛ لأن الله قال: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢].
ونبينا ﷺ كان يطوف حول الكعبة، وقال لها: (ما أطيبكِ وأطيب ريحكِ، ما أعظمكِ وأعظم حرمتكِ، والذي نفسي بيده! لحرمة المسلم أعظم عند الله من حرمتكِ، دمه وماله وعرضه وألا يُظنّ به إلا خيراً).
خامساً: لا تبحث عما قيل، ولا تتجسس، ولا يحملنك الفضول على أن تفتشّ وراء المنقول عنه، هل قال أو لم يقل، وإلا فقد وقعت في المنهي عنه، قال ربنا ﷻ : ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢].
سادساً: لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله، طالما أنك نهيت ذلك النمام فلا تحك ما قال، ولا تنقل ما نقله إليك، وإلا كنت أنت وإياه بمنزلة سواء.
стр. 21
مواقف السلف في زجر النمام ورد النميمة
أيها الإخوة الكرام! المتأمل في حياة الناس والذي يتتبع مشكلاتهم يجد أن أغلبها مبدأه من النميمة؛ ولذلك كان عباد الله الصالحون، أئمة العدل وأهل التقى والهدى والنور؛ أشد الناس حذراً من النميمة والنمامين.
جاء رجل إلى علي بن أبي طالب ﵁ وقال له: إن فلاناً قال عنك كذا، وعلي ممن نوّر الله قلبه، وكان محباً لله ورسوله ﷺ ، وكان يحبه الله ورسوله ﷺ ، فقال له علي ﵁: يا هذا! إن كنت صادقاً مقتناك - أي: كرهناك وأبغضناك -، وإن كنت كاذباً عاقبناك، وإن شئت أن نقيلك أقلناك، قال: بل أقلني يا أمير المؤمنين.
فـ علي ﵁ قال له: سنفتش عما قلت، فإن كنت صادقاً كرهناك؛ لأنك نمام، وإن كنت كاذباً عاقبناك، فلابد من تعزيرك بكذبك، وإن شئت أن نقيلك أقلناك، قال: أقلني يا أمير المؤمنين ولا أعود أبداً.
وكذلك الإمام العادل عمر بن عبد العزيز ﵁ لما نقل إليه بعض الناس كلاماً قال له عمر: يا هذا! إن كنت صادقاً فأنت من أهل هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١١]، وإن كنت كاذباً فأنت من أهل تلك الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦]، وإن شئت أقلناك ولا تعد، قال: لا أعود.
وهذا عمر بن الخطاب ﵁ جاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! إيّاك وقاتل الثلاثة، قال: ويلك من قاتل الثلاثة؟! قال: الذي ينقل للإمام حديث غيره فيقتله الإمام، (يقتل المنقول عنه) فيكون ذلك الرجل قتل صاحبه ونفسه والإمام، قتل صاحبه بالوشاية، وقتل نفسه؛ لأنه هلك عند الله ، وكان سبباً في هلاك ذلك الإمام الذي قتل نفساً بغير نفسٍ أو فساد في الأرض.
стр. 22
آثار النميمة وأضرارها
الآثار الاجتماعية التي تترتب على النميمة كثيرة، منها: التفرقة بين الزوجين المتحابين، وإيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين والمؤمنات، وتهديم الأسر وتشتيت العوائل، وربما إسالة الدماء وإثارة النعرات وغير ذلك، وهذه الآثار الخطيرة الموجودة الآن في مجتمعات المسلمين تحملنا حملاً على أن نحذر من هذه الآفة، وأن نأخذ بالأسباب القاطعة لأصلها، وقد قال أهل العلم: ينبغي للنمام أن يبادر إلى الله بالتوبة، وأن يشتغل بعيبه عن عيوب الناس، وأن يشتغل بإصلاح نفسه، وأن يعلم يقيناً أنه ما دام مقيماً على هذا الذنب، فقد عرض نفسه لسخط الله ، وقد اتبع نهج شياطين الإنس والجن، ممن يوقعون العداوة والبغضاء بين المؤمنين والمؤمنات.
أسأل الله أن يهدينا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنا سيئها لا يصرف سيئها إلا هو.
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، ونسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين.
اللهم إذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين.
اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهُنا، وارفعنا ولا تضعنا.
اللهم سلمنا وسلم الناس منا، اللهم سلمنا وسلم الناس منا، اللهم سلمنا وسلم الناس منا.
اللهم تقبل توبتنا واغفر حوبتنا، وأجب دعوتنا، وثبت حجتنا، وسدد ألسنتنا، واهد قلوبنا، واسلل سخيمة صدورنا، واجعل هذا المجلس المبارك شاهداً لنا لا علينا، واجعله في صحائف حسناتنا يوم نلقاك، وكما جمعتنا فيه نسألك أن تجمعنا في مستقر رحمتك ودار كرامتك مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 23
دروس عن الهجرة [١]
إن الأنبياء هم أشد الناس بلاءً، وقد ابتلي النبي ﷺ بقومه الذين صبوا عليه وعلى أصحابه أنواعاً وأشكالاً من العذاب؛ فقد أوذي وسُب وشُتم وحوصر هو وأصحابه، فصبروا على ذلك حتى جاء فرج الله، وأذن الله لهم بالهجرة إلى القوم الذين نذروا أنفسهم لنصرة هذا الدين ونصرة النبي ﵊.
стр. 24
الهجرة من دار الاستضعاف إلى دار التمكين والعزة
الحمد لله رب العالمين، نحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.
اللهم! صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.
أما بعد: أيها الإخوة الكرام! في هذا الدرس -إن شاء الله- نتناول طرفاً من سيرة رسول الله ﷺ فيما يتعلق بهجرته المباركة التي كانت انتقالاً من دار الكفر إلى دار الإسلام، وانتقالاً من مرحلة الاستضعاف والقلة إلى مرحلة العزة والكثرة، كما قال الله في معرض الامتنان على نبيه ﵊ وعباده المؤمنين: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال:٢٦].
стр. 25
أنواع العذاب الذي صبر عليه المصطفى وأصحابه
لقد أرسل الله نبيه محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق، فمكث في مكة ثلاثة عشر عاماً يدعو إلى الله، وكان يقول: (يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، قولوا: لا إله إلا الله تملكوا بها العرب والعجم، قولوا: لا إله إلا الله كلمة أشهد لكم بها عند الله)، ولكن القوم: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح:٧]، وكانوا يسخرون من رسول الله ﷺ ، فيقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، وكانوا يقولون: (أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء:٣٦]، وكانوا يقولون: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء:٤٩] ونحو ذلك من أنواع السخرية والاستهزاء بالنبي ﵊.
ولم يكتفوا بذلك فحسب، بل سلطوا على النبي ﷺ وعلى أصحابه رضوان الله عليهم نوعين من الحروب المؤذية الفتاكة: النوع الأول: الحرب الاقتصادية، وذلك حين كتبوا تلك الصحيفة الظالمة الخاطئة، وعلقوها في جوف الكعبة: ألا يبيعوا للمسلمين ولا يبتاعوا منهم، وألا يزوجوهم ولا يتزوجوا منهم، فحوصر رسول الله ﷺ وصحابته الكرام في شعب بني هاشم ثلاث سنوات حتى اضطروا إلى أن يأكلوا أوراق الشجر، يقول سعد بن أبي وقاص ﵁: كان أحدنا يضع كما تضع الشاة! فإذا أراد أحدهم أن يقضي حاجته فإنه يخرج منه كالبعر الذي يخرج من الشاة من شدة الجوع وقسوة العيش التي كانوا يعانونها، وكل ذلك من أجل أن يردوهم عن دينهم! النوع الثاني: حرب التصفية الجسدية، فقد كانوا يأتون بالرجل ويجوعونه ويعطشونه، يلقونه في حر الشمس، ويضعون على صدره الصخرة العظيمة، ويضربونه بالسياط، ويدفعونه إلى صبيان مكة يتقاذفونه، ويقولون له: واللات والعزى! لا ندعك حتى تكفر بمحمد وإله محمد، حتى إن بعض الصحابة فقد بصره من شدة التعذيب والأذى، مثل زنيرة جارية رومية فقدت بصرها، فقال المشركون: أذهب بصرها اللات والعزى، فقالت ﵂: كذبتم وبيت الله! ما تنفع اللات والعزى وما تضر، ما أذهب بصري إلا الله وهو قادر على أن يرده إلي، فرد الله عليها بصرها.
وسمية بنت خياط أم عمار بن ياسر ﵄ كانوا يعذبونها، حتى دخل عليها عدو الله أبو جهل وأفحش لها في القول، وقال لها: ما أسلمت إلا من أجل الرجال، فما ردت عليه وما أجابت؛ لأنها من عباد الرحمن الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، فعمد عدو الله إلى حربته فطعنها في فرجها، فمضت شهيدة إلى ربها، وقال النبي ﷺ مواسياً لـ عمار: (قتل الله قاتل أمك يا عمار!).
وهكذا كان حال كثير من الصحابة رضوان الله عليهم، فقد كانوا يعانون الأذى الشديد والتعذيب من هؤلاء الكفار الفجار، ولم يسلم من ذلك رسول الله ﷺ ، فهذا النبي الكريم الذي ما آذى أحداً، ولا منه الناس كلمة لاغية، ولا لفظة فاحشة، فقد ناله ﵊ شيء عظيم من الأذى، ومن ذلك: أنه كان ساجداً عند الكعبة، فقال المشركون بعضهم لبعض: من ينطلق إلى جزور بني فلان فيأتي بسلاها فيطرحه على رأس محمد، فانبعث أشقاهم وهو: عقبة بن أبي معيط، فأتى بالقذر والنتن وطرحه على رأس رسول الله ﷺ وهو ساجد.
وأحياناً يكون ساجداً فيأتي المشركون بالتراب فيضعونه على رأسه.
وأحياناً يكون ساجداً صلوات ربي وسلامه عليه فيأتي أحد المشركين فيضع رجله على عنق رسول الله ﷺ حتى كادت عيناه تندران، أي: تخرجان.
ومرة أخرى يأتي الطارق إلى أبي بكر ويقول له: أدرك صاحبك فإن القوم قاتلوه، فيخرج أبو بكر ﵁ الله عنه يجر إزاره، فيجد المشركين قد أحدقوا برسول الله ﷺ : فهذا يشتمه، وذاك يصفعه، وهذا يجذبه، فجاء أبو بكر مسرعاً فقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨]، فردد الكلمات التي قالها مؤمن آل فرعون، فترك القوم رسول الله ﷺ وأقبلوا على أبي بكر يصفعونه ويضربونه، حتى كان عتبة بن ربيعة يضرب أبا بكر بالنعل على وجهه، حتى دمى وجه أبي بكر، وأغشي عليه ﵁، وحمل إلى بيته وهو لا يعقل شيئاً، فلما أفاق فتح عينيه فقُرب إليه طعام، فكان أول كلام نطق به أن قال: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: هو بخير يا أبا بكر! قال: والله! لا أذوق ذواقاً ولا أطعم طعاماً، حتى آتيه فأنظر إليه.
هكذا كان النبي ﷺ وأصحابه في مثل هذا الجو المشحون بالأذى والكيد والمكر، فأذن النبي ﵊ لأصحابه بأن يخرجوا إلى الحبشة، فخرجوا رضوان الله عليهم بالهجرة الأولى، ثم خرجوا بالهجرة الثانية، وما زال الأذى يشتد ويتفاقم، وما زال الكيد يعظم حول رسول الله ﷺ حتى بلغ الأمر مداه، وذلك حين اجتمع القوم ليقتلوا رسول الله ﷺ : ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].
ومكر الله هو بطشه وأخذه: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود:١٠٢ - ١٠٣].
فلما بلغ الأمر بالنبي ﵊ ذلك المبلغ، أذن لأصحابه بأن يخرجوا إلى المدينة، وإلى خير دار مع خير جيران، وهذا كله بوحي وبأمر وبتدبير الله، فإن صفة رسول الله ﷺ التي في التوراة والإنجيل هي: عبدي ونبيي محمد، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن أميته حتى أقيم به الملة العوجاء، وأفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً.
ومن صفته ﷺ أنه مهاجر إلى أرض سبخة، كثيرة الحجارة بين حرتين.
وهذا الوصف ينطبق على المدينة المنورة التي كانت تسمى يثرب، فقد قيض الله لبنيه ﷺ جماعة أخياراً من الأوس والخزرج، فبايعوه البيعة الأولى وهي التي تسمى ببيعة النساء، والتي فيها الأمور الستة: ألا يشركوا بالله شيئاً، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصون رسول الله ﷺ في معروف، هكذا كانت البيعة الأولى.
ثم كانت البيعة الثانية التي شهدها ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان، وهي بيعة العقبة الثانية، وهي التي طلبوا من رسول الله ﷺ أن يخرج مهاجراً إليهم على أن يمنعوه ما يمنعون منه نساءهم وأولادهم، وأن يدافعوا عنه بكل ما أوتوا.
فلما ذهب النبي ﵊ ليبايع القوم حرص عمه العباس أن يشهد تلك البيعة ﵁، وكان إذ ذاك على دين قومه، فقال للأنصار: (يا معشر الأوس والخزرج! إن محمداً ابن أخي منا حيث قد علمتم، قد فارق ديننا وعاب آلهتنا، لكنه منا بمقام عظيم، فإن كنتم مسلميه إن عضتكم الحرب فمن الآن فدعوه، فالتفت القوم إلى رسول الله ﷺ وقالوا له: يا رسول الله! اشترط لنفسك ولربك، فاشترط ﷺ لربه أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، واشترط لنفسه أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأولادهم، قالوا: فما لنا إن وفينا؟ قال: لكم الجنة، قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل).
فبايعوا النبي ﷺ تلك البيعة العظيمة التي ترتبت عليها الهجرة المباركة، كما يأتي تفصيله في درس آخر.
أسأل الله أن ينفعني وإياكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 26
دروس عن الهجرة [٢]
إن المتأمل في الهجرة النبوية يستفيد منها دروساً جليلة، وعبراً عظيمة، ومن ذلك: عناية الله بأوليائه وحفظه لهم من أعدائهم، وإنزال الطمأنينة على قلوب المؤمنين في الشدائد، وتثبيت قلوبهم.
стр. 27
الإذن بالهجرة
الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.
أما بعد: فقد سبق أن ذكرنا أن نبينا ﵊ ما خرج مهاجراً إلى المدينة، ولا أمر أصحابه بالهجرة إلا إنفاذاً لأمر الله ، وعملاً بقوله سبحانه: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦].
وعملاً بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء:٩٧ - ٩٩].
ورسول الله ﷺ يعلمنا أن المسلم لا يدع عبادة ربه، ولا يرضى بالذل، ولا يرضى بالضيم، بل يخرج من أرض إلى أرض، ويهاجر من بلد إلى بلد، ويلتمس مكاناً يعبد فيه ربه، ويقيم فيه شعائر دينه، ويجاهد في سبيله، وهذا هو الذي نتعلمه من حادثة الهجرة النبوية المباركة.
ثم إن رسول الله ﷺ ما خرج من مكة بغضاً لها، ولا زهداً في الإقامة بها، بل هي منشؤه، ومرتع صباه، ومسقط رأسه، وبلد قومه، لكنه عليه الصلاة السلام لما ضاقت عليه مكة، وأبى أهلها أن ينقادوا لحكم الله، وأن يدخلوا في دين الله ، عند ذلك ضحى النبي ﵊ بحبه لبلده، وبمقامه في أرضه، وخرج ﷺ من مكة، ثم نظر إليها وقال: (والله إنك لأحب البلاد إلي، ولولاء أن قومك أخرجوني ما خرجت)، وأنزل الله قوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص:٨٥]، فالله يبشره بأنه سيرجع إلى مكة فاتحاً منتصراً، وسيمكنه الله من البلاد والعباد.
إن رسول الله ﷺ ما خرج في تلك الرحلة المباركة إلا ليفتتح عهداً جديداً، وليقيم دولة، وليربي أمة، ولينشر ديناً.
وهذه الرحلة -رحلة الهجرة- هي نوع من أنواع سفر رسول الله ﷺ ، يقول الإمام أبو عبد الله بن القيم ﵀: إن رسول الله ﷺ بعدما أكرمه ربه بالرسالة، ما خرج مسافراً إلا لأمور أربعة: إما هجرة في سبيل الله، فقد خرج من مكة إلى المدينة مهاجراً، وإما مجاهداًً صلوات ربي وسلامه عليه، فقد خرج في سبع وعشرين غزوة كلها في سبيل الله، وإما حاجاً، وهذا لم يحصل إلا مرة واحدة، وهي حجة الوداع، وحجة البلاغ، وحجة الإسلام، وإما معتمراً، وهذه حصلت أربع مرار كلهن في ذي القعدة، فاعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر كلهن في ذي القعدة.
فخرج النبي ﷺ في هذه الرحلة مهاجراً، ولو تأملنا فيها لرأينا فيها دروساً عظيمة ينبغي للمؤمنين أن يتأملوا فيها.
стр. 28
دروس من الهجرة النبوية
стр. 29
عناية الله تعالى بأوليائه الصالحين
الدرس الأول: أن الله كاف عبده، فهو لا يسلم أوليائه للأعداء، ولا يخذل الصالحين من عباده، فهذا رسول الله ﷺ أحاط المشركون ببيته إحاطة السوار بالمعصم، وفي يد كل رجل منهم سيف صلت، يريدون أن يضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فيخرج رسول الله ﷺ والقوم هكذا حالهم قد أحاطوا به ووقفوا على بابه، فيخرج ثابت القلب، رابط الجأش، مطمئن النفس، وهو يتلو صدر سورة ياسين، إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩]، والقوم وقوف على بابه، وأبو جهل يتكلم مع إخوانه في الكفر، ويقول لهم: أيعدكم محمد أنكم إذا تابعتموه على دينه دخلتم الجنة، وكانت لكم جنان خير من جنان الأردن، وإن عصيتموه وأبيتم دينه دخلتم النار! والله ما هذا إلا الكذب، فيأخذ رسول الله عليه وسلم حفنة من تراب ويضعها على رأس أبي جهل ومن معه وهم لا يعقلون شيئاً، ويخرج من بينهم صلوات ربي وسلامه عليه تصحبه عناية الله.
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمان ثم وهو في طريق الهجرة صلوات ربي وسلامه عليه لحق بهم سراقة بن مالك الفارس المغوار، والبطل الضرغام، فدعا عليه النبي ﵊، فساخت قوائم فرسه في الأرض، قال سراقة: فعلمت أنه ممنوع، أي: أنني لن أصل إليه بأذى، ولن أستطيع أن أمد إليه يداً بسوء، فطلب من النبي ﷺ أن يقيل عثرته، فدعا ﷺ ربه فنهض فرسه، وبشر سراقة بأنه سيلبس سواري كسرى بن هرمز، وحقق الله تلك النبوءة من رسول الله ﷺ ، فلما فتحت بلاد فارس واستولى المسلمون على أسورة كسرى بن هرمز، جاء سراقة فذكر عمر بن الخطاب بما قاله له رسول الله ﷺ ، فألبسه عمر سواري كسرى، وقال: الحمد لله الذي كسا سراقة بن مالك -أعرابياً بوالاً على عقبيه من بني جعشم- سواري كسرى بن هرمز، وحمد عمر ﵁ ربه على هذه الآية العظيمة.
فالمؤمن المقيم على طاعة الله العامل بأمر الله يطمئن إلى أن الله ناصره؛ لأنه لا يخلف الميعاد، وقد قال: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١].
فنصر الله للمؤمنين في الدنيا والآخرة.
стр. 30
الأخذ بالأسباب
الدرس الثاني: ما قام به رسول الله ﷺ من الأخذ بالأسباب، ومن هذه الأسباب: أنه أمر أبا بكر ﵁ أن يبتاع راحلتين قبل الهجرة.
وأنه ﷺ أخذ بعوامل السِّرِّية، حتى أنه لما جاء ليخبر أبا بكر بأمر الهجرة جاءه في ساعة منكرة متنكراً بردائه فقال: (يا أبا بكر! أخرج من عندك.
فقال: يا رسول الله! إنما هو ابنتاي) فأخبره رسول الله ﷺ بأن الله قد أمره بأن يهاجر.
ومن الأخذ بالأسباب: أن رسول الله صلى الله عليه خرج من غير الطريق الذي اعتاده الناس من أجل أن يلبس على القوم، ويعمي عليهم الآثار.
ومن الأخذ بالأسباب: أنه استأجر عبد الله بن أريقط -رجلاً من بني الديل- هادياً خريتاً خبيراً بالصحراء؛ من أجل أن يدلهم على الطريق.
ومن الأخذ بالأسباب كذلك: ما صنعته أسماء بنت أبي بكر ﵄ من إعداد الزاد لرسول الله ﷺ وصاحبه.
ومن الأخذ بالأسباب: ما كان من أمر دخولهما في غار ثور ومكثهما فيه أياماً ثلاثة إلى أن خف الطلب، وأيس القوم من اللحاق بهما، وعند ذلك خرجا.
والسؤال الذي يطرحه كثيرٌ من الناس في أيامنا هذه فيقولون: ما بالنا نحن مسلمون مؤمنون مصدقون برسول الله ﷺ ، ومع ذلك فإن أهل الكفر قد تحكموا في رقابنا، وأديلوا علينا، وطاروا فوق رءوسنا، لِمَ ونحن مسلمون وهم كفار؟! فنقول: لأننا لم نأخذ بأسباب القوة التي أمرنا أن نأخذ بها، وانتظرنا أن ينزل علينا نصر من السماء دون أن نعد العدة، ونأخذ الأهبة، ونعمل بأسباب القوة، ولذلك فإن رسول الله ﷺ رغم أنه موعود من الله بأن يحفظه، وأن يكلؤه ويرعاه إلا أنه أخذ بالأسباب.
стр. 31
إنزال الله الطمأنينة والسكينة على قلب المؤمن في الشدائد
الدرس الثالث من دروس الهجرة النبوية: طمأنينة القلب، وسكينة النفس التي يرزقها الله عبده المؤمن عند الشدائد، فهذا رسول الله ﷺ -وهو بشركما قال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف:١١٠]- وهو في الغار، والقوم قد وقفوا على رأس الغار، وأبو بكر ﵁ بحكم بشريته تدمع عيناه، ويرجف فؤاده حذراً على رسول الله ﷺ ، فيقول له النبي ﷺ : (ما شأنك يا أبا بكر؟! قال: يا رسول الله! لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا، فقال ﷺ -تلك الكلمة الخالدة-: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، وخلد الله تلك المقولة في القرآن فقال: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٤٠].
وهنا قد يحلو لبعض أهل الشغب أن يقولوا: بكاء أبي بكر دليل على ضعف إيمانه.
نقول: لا والله حاشاه ذلك، أولاً: أن أبا بكر لو كان خائفاً على نفسه فلا حرج، فالقرآن الكريم ذكر عن موسى أنه خاف، وموسى نبي مكلَّم، قال الله عنه: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢١] أي: من فرعون، وموسى ﵇ قال مثل ذلك لفرعون: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:٢١].
ثانياً: والله ما خاف أبو بكر على نفسه، وإنما كان خوفه على رسول الله ﷺ ، ودليل ذلك: أن أبا بكر في طريق الهجرة -كما تواترت الأخبار- تارة كان يمشي أمام النبي ﵊، وتارة خلفه، وتارة عن يمينه، وتارة عن شماله، فقال له ﷺ : (ما تصنع يا أبا بكر؟! قال: يا رسول الله! أتذكر الرصد -أن هناك إنساناً يرصدك- فأمشي أمامك، وأتذكر الطلب -الذي كان يطلبك- فأمشي من ورائك، وأتذكر العدو عن يمينك وعن شمالك، فأمشي عن يمينك وعن شمالك، فقال له ﷺ : يا أبا بكر! أتحب أن ينزل بك المصاب دوني؟! قال: نفسي لنفسك الفداء يا رسول الله).
ثم لما وصلوا إلى غار ثور قال أبو بكر للنبي ﷺ : على رسلك، فدخل ﵁ وتحسس جبال الغار، فما وجد فتحة إلا قطع من ردائه وسدها، حتى أمَّن الغار، ثم طلب من النبي ﵊ أن يدخل.
أهذا صنيع من يخاف؟! لا والله! ثم لما دخل النبي ﷺ الغار توسد قدم أبي بكر، فلدغته عقرب عدة مرات وهو لا يتحرك من مكانه؛ كراهة أن يؤذي رسول الله ﷺ ، فلما استيقظ ﵊ ورأى ما في أبي بكر من الأذى والألم تفل على موضع الألم فكأنه لم يكن.
لذلك ينبغي لنا أن ننزل أبا بكر منزلته وأن نثبت له ما أثبته القرآن من الفضل، فقد أثبت له الصحبة قال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة:٤٠].
فهناك نبي الله موسى ﵇ قال: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، وهنا الرسول ﷺ قال: (إن الله معنا) معي ومعك يا أبا بكر! أسأل الله أن يرزقنا الاقتداء بـ أبي بكر، وأن يرزقنا محبته، وأن يوفقنا لنصنع ما صنع.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله.
стр. 32
دروس عن الهجرة [٣]
لقد أذن الله للرسول ﷺ بالهجرة، فاتخذ ﵊ أسباباً للنجاة والوصول إلى المدينة بسلام، ومن ذلك: اتخاذه من أبي بكر الصديق رفيقاً وصديقاً، فكان نعم الصاحب.
وقد حفظت عن النبي ﷺ أخلاق طيبة مع من صادفهم في طريق هجرته إلى الله، ومع من رافقه أثناء رحلته، فصلى الله وسلم على من أدبه ربه فأحسن تأديبه.
стр. 33
بين يدي الموضوع
الحمد لله رب العالمين، نحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.
اللهم! صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.
أما بعد: أيها الإخوة الكرام! قد تقدم معنا الكلام على بعض الدروس المستفادة من هجرة نبينا ﵊؛ ومنها أن الله مع أوليائه، وأنه ناصر عباده المؤمنين، كما وعد في القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣].
ومنها أن الله ينزل على قلوب أنبيائه وأوليائه سكينة وطمأنينة عند الشدائد، فلا يخافون ولا يحزنون، كما قال ربنا سبحانه في شأن أم موسى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:١٠]، وكما قال في شأن إبراهيم ﵇: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩].
ومن الدروس المستفادة: الأخذ بالأسباب، وهذا ظاهر في جميع مراحل الهجرة النبوية المباركة.
стр. 34
الدروس المستفادة من هجرة المصطفى
стр. 35
اتخاذ الصاحب الطيب
ومن الدروس المستفادة: اتخاذ الرفيق الصالح الطيب المؤمن التقي، كما قال ﷺ : (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي).
فقد كان أبو بكر الصديق ﵁ يأتي إلى النبي ﷺ يستأذنه في الهجرة، ويريد منه أن يأذن له في الهجرة، فكان النبي ﵊ يقول له: (يا أبا بكر! اصبر، لعل الله يجعل لك صاحباً)، فيغيب أبو بكر أياماً ثم يأتي يستأذن النبي ﷺ حاله كحال العبد الصالح الذي قال: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤]، ويريد أن يعجل بالهجرة إرضاءً لله ، فكان ﷺ يقول له: (اصبر، لعل الله يجعل لك صاحباً)، فلما جاء النبي ﷺ إلى بيت أبي بكر وقال له: (يا أبا بكر! إن الله أمرني بالهجرة، قال أبو بكر: الصحبة الصحبة يا رسول الله! -أي: اجعلني لك صاحباً ورفيقاً- فقال له النبي ﷺ : بلى يا أبا بكر! فبكى ﵁.
تقول أمنا عائشة: والله! ما ظننت أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي في ذلك اليوم.
стр. 36
الدعوة إلى الله بالأقوال والأفعال
ومن الدروس المستفادة من هذه الرحلة: أن العبد الصالح يدعو إلى الله بأقواله وفعاله وسمته وهيئته، وهذا الأمر نستدل عليه من مرور النبي ﷺ بخيمة أم معبد الخزاعية، وهي امرأة برزة جلدة، تحتبي بفناء الخيمة، وتطعم وتسقي من يمر بها، فإذا مر بها قوم مسافرون فإنها تطعمهم وتسقيهم، وهي امرأة معروفة بالكرم، فمر بها رسول الله ﷺ ومعه صاحباه أبو بكر الصديق ﵁ وعبد الله بن أريقط فسلم عليها ﷺ ، ثم سألها: (هل من لبن فنشربه؟ أو لحم فنشتريه؟ فقالت له المرأة: فداك أبي وأمي، لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى، والشاة عازب، ولا حلوبة في البيت)، تقول له: لو كان عندنا طعام أو شراب ما نحوجكم إلى أن تطلبوا، وإنما نكرمكم ابتداءً، لكن لا حلوبة في البيت، أي: ليس في البيت شاة تحلب، ثم إن الشاة التي تحلب هي في المرعى عازب، أي: بعيدة، (فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في ستر الخيمة -أي: في جانب الخيمة- فقال لها: ما هذه الشاة؟ قالت له: خلفها الجهد عن الغنم -يعني: هي مريضة- فقال لها: هل بها من حلب؟ -أي: هل فيها شيء يحلب؟ - قالت له: هي أجهد من ذلك، فقال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: فداك أبي وأمي! إن كان بها حلب فاحلب -يعني: طالما أنك لا تريد أن تصدق فجرب-، فدعا ﷺ بإناء يربض الرهط -يعني: إناء كبير- فسمَّى النبي ﷺ الله ، ومسح على الضرع فتفاجت -أي: هذه الشاة فرجت بين رجليها-، فحلب فيها رسول الله ﷺ فجاً حتى علته الرغوة، ثم دفع الإناء إلى المرأة -إلى أم معبد أولاً- فشربت ثم سقى صاحبيه، ثم سمى الله وشرب آخر القوم ﵊، ثم حلب فيه ثانية، فشربوا عللاً بعد نهل، ثم حلب فيه ﷺ وخمره وقال: ارفعي هذا لـ أبي معبد، ثم سلم وانصرف، قال: فما لبثت إلا قليلاً، حتى أقبل أبو معبد يسوق أعنزاً عجافاً يتساوقن هزالاً لا نقي فيهن، فقال: ما هذا اللبن -يا أم معبد - والشاة عازب، ولا حلوبة في البيت؟! قالت: لا والله! إلا أنه مر بنا رجل مبارك)، مع أن الرسول ﷺ ما تلا عليها قرآناً، ولا ألقى عليها خطبة، وإنما وصفته بالبركة بما رأت من حاله وكلامه وسمته وهيئته وفعاله صلوات ربي وسلامه عليه، فوصفته بأنه رجل مبارك، وكان من خبره كيت وكيت، فقال أبو معبد: صفيه لي يا أم معبد! فقالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، حسن الخلق، أبلج الوجه، في عينه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي عنقه سطع، وفي صوته صهل، وسيم قسيم، لم تعبه ثجلة، ولم تزريه صعلة، أجمل الناس وأحلاهم من بعيد، وأحسنهم وأبهاهم من قريب، إذا تكلم علاه البهاء، وإذا سكت علاه الوقار، كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له أصحاب يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر ابتدروا أمره، محفود محشود، غير عابس ولا مفنَّد، فقال لها زوجها: والله! إنه لصاحب قريش الذي تطلب، ولأجهدن حتى ألحق به، ولأتابعنه على دينه.
أي: بمجرد أن رأوا من حاله وأفعاله صلوات ربي وسلامه عليه هذا الحال قال: لأجهدن حتى ألحق به، ولأتابعنه على دينه، فرسول الله ﷺ في هذه الرحلة المباركة يعلمنا أن الإنسان يدعو إلى الله بقوله وفعله وسمته وهيئته صلوات ربي وسلامه عليه.
ومما يستفاد من هذه القصة: حسن رعايته ﷺ لأصحابه في السفر، فلما حلب الشاة ما شرب اللبن ﷺ ، وما آثر نفسه، بل آثر أصحابه رضوان الله عليهم، وسقى أم معبد من أجل أن تزداد يقيناً، وأن تعلم حقاً أنه رسول الله ﷺ .
стр. 37
لابد للنصر من بذل وتضحية
ومن الدروس المستفادة من هذه الرحلة المباركة: أن دين الله لا ينتصر إلا ببذل جهد، ولا ينتصر إلا بعناء، ولا ينتصر إلا ببذل المال والنفس والوقت، فهذا رسول الله ﷺ يخرج مع أبي بكر ﵁، ويسلك طريقاً غير الطريق، ويعاني ﵊ من الحر والقر والشمس وظلمة الليل، ويستغرق في الطريق خمسة عشر يوماً، وهو مع هذا كله مطارد، صلوات الله وسلامه عليه، فيطارده المشركون، ويعرضون العروض لمن يأتي به حياً أو ميتاً، كل هذا والنبي ﷺ واثق بربه، فبذل هذا الجهد، وترك الأهل والمال والوطن، وترك بناته صلوات ربي وسلامه عليه في مكة، وخرج مهاجراً إلى الله يريد أن ينتصر لدين الله، فهذه غايته، وهذا هدفه صلوات الله وسلامه عليه.
ولذلك لا يظنن ظان بأن الدين ينتصر والناس قعود، وهم في هجوع، والناس في كسل ونعاس، فلا يجتهد الواحد في أن يطلب علماً، ولا أن يحصل عملاً، بل إن بعض الناس يمنّ على ربه أنه يصلي الفريضة في وقتها، وبعضهم يمن على ربه أنه يخرج الفريضة من ماله، وبعض الناس يمنّ على ربه أنه يأمر بالمعروف أو ينهى عن منكر، أو يدعو إلى هدى، أو يقيم أمر الله في بيته، فلا ينتصر الدين بمثل هذا، ورسول الله ﷺ يحقق أنواع الجهاد كلها، فيجاهد نفسه، ويجاهد الشيطان والهوى، ويجاهد بماله، ويجاهد الكفار والمنافقين، وكل هذه الأنواع من الجهاد مارسها رسول الله ﷺ ، لذلك قرن الله بين الهجرة والجهاد في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٢]، فإيمان وهجرة وجهاد، ورسول الله ﷺ هو المثل الأعلى في هذه الأنواع كلها.
стр. 38
حسن اختيار الله لأصحاب رسول الله
ومما يستفاد من هذه الهجرة المباركة: أن الله قد اختار لنبيه ﷺ أصحاباً هم خير الأصحاب، وأنصاراً هم خير الأنصار، فقد مضى معنا خبر أبي بكر وماذا كان يصنع في طريق الهجرة، وإلى أن وصل ﷺ إلى المدينة وأبو بكر معه كالخادم الأمين، يقول الأنصار ﵃: لما قدم رسول الله ﷺ إلى المدينة ومعه أبو بكر وأكثرنا ما رآه، ما عرفنا من رسول الله ﷺ ومن أبا بكر حتى زال الظل وجاءت الشمس، فخلع أبو بكر رداءه وظلل رسول الله ﷺ ، فعلمنا أن الجالس هو رسول الله وأن القائم عليه هو أبو بكر.
وكذلك علي ﵁ نام في فراش النبي ﵊ وقد أحاطت به الأخطار، وأسماء بنت أبي بكر، يأتي جدها أبا قحافة فيقول لها: لقد خدعكم أبوكم في نفسه وماله، فتعمد ﵂ إلى حجارة تجمعها، ثم تأخذ بيدي جدها وقد كان أعمى، فيتحسس تلك الأحجار، تقول له: ترك لنا مالاً كثيراً، من أجل أن تطمئنه وتصرف الوسواس عنه.
ويأتي عدو الله أبو جهل يدق باب أبي بكر ويقول: يا أسماء! أين أبوك، تقول: ما أدري، فيلطمها عدو الله لطمة حتى يطير قرطها، أي: الحلق الذي في أذنها.
وقل مثل ذلك في عامر بن فهيرة، وفي عبد الله بن أبي بكر، وهؤلاء جميعاً رضوان الله عليهم، كانت لهم قدم صدق في الإسلام.
نسأل الله أن يرزقنا الاقتداء بهم، والسير على نهجهم، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله.
стр. 39
دروس عن الهجرة [٤]
إن الهجرة سنة باقية إلى قيام الساعة، فمن كان في بلاد لا يستطيع أن يقيم فيها دينه فيجب عليه الهجرة إلى البلد التي يستطيع أن يقيم فيها دينه، ويحفظ عرضه، ولا عذر لأحد في ذلك إلا من كان لا يطيق ولا يستطيع الهجرة كالنساء والولدان.
стр. 40
الهجرة فريضة شرعية باقية إلى يوم القيامة
الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.
أما بعد: لقد كانت هجرة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة نصراً للإسلام وأهله، وإيذاناً للانتقال من حال إلى حال، ومن فترة إلى فترة، فبعدما كان المسلمون قلة مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس، صار لهم في المدينة دولة وصولة وجولة، وصاروا أهل جهاد وغزو وفتح ونصر، وتمت نعمة الله عليهم، حيث أمنوا في دارهم، وعبدوا ربهم، وقاموا بدينهم خير قيام.
إن هذه الهجرة لا ينبغي أن نسرد أحداثها، ولا أن نذكر تفاصيلها على أنها كانت حدثاً من الأحداث ثم انقضى ومر، كلا؛ إن الهجرة صفحة في سيرة نبينا ﷺ لها أحكام وآداب، وهي باقية لا تنقطع كما ثبت عن نبينا محمد ﷺ أنه قال: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها).
وكل مسلم في أي أرض لا يستطيع أن يُظْهِر فيها شعائر دينه، ولا أن يعبد ربه حق العبادة، وهو بها ذليل مستضعف، فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى إخوانه الذين يستعز ويستكثر بهم، ويجب عليه أن يهاجر إلى الأرض التي يعبد فيها ربه، ويقيم فيها شعائر دينه، ويأمن على نفسه وماله وعرضه.
следующие страницы →