← Джавами‘

Джавами‘ · id 37422

دروس الشيخ عبد الحي يوسف

عبد الحي يوسف

Полный текст (933 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الدعوة إلى الله بالأقوال والأفعال ومن الدروس المستفادة من هذه الرحلة: أن العبد الصالح يدعو إلى الله بأقواله وفعاله وسمته وهيئته، وهذا الأمر نستدل عليه من مرور النبي ﷺ بخيمة أم معبد الخزاعية، وهي امرأة برزة جلدة، تحتبي بفناء الخيمة، وتطعم وتسقي من يمر بها، فإذا مر بها قوم مسافرون فإنها تطعمهم وتسقيهم، وهي امرأة معروفة بالكرم، فمر بها رسول الله ﷺ ومعه صاحباه أبو بكر الصديق ﵁ وعبد الله بن أريقط فسلم عليها ﷺ ، ثم سألها: (هل من لبن فنشربه؟ أو لحم فنشتريه؟ فقالت له المرأة: فداك أبي وأمي، لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى، والشاة عازب، ولا حلوبة في البيت)، تقول له: لو كان عندنا طعام أو شراب ما نحوجكم إلى أن تطلبوا، وإنما نكرمكم ابتداءً، لكن لا حلوبة في البيت، أي: ليس في البيت شاة تحلب، ثم إن الشاة التي تحلب هي في المرعى عازب، أي: بعيدة، (فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في ستر الخيمة -أي: في جانب الخيمة- فقال لها: ما هذه الشاة؟ قالت له: خلفها الجهد عن الغنم -يعني: هي مريضة- فقال لها: هل بها من حلب؟ -أي: هل فيها شيء يحلب؟ - قالت له: هي أجهد من ذلك، فقال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: فداك أبي وأمي! إن كان بها حلب فاحلب -يعني: طالما أنك لا تريد أن تصدق فجرب-، فدعا ﷺ بإناء يربض الرهط -يعني: إناء كبير- فسمَّى النبي ﷺ الله ، ومسح على الضرع فتفاجت -أي: هذه الشاة فرجت بين رجليها-، فحلب فيها رسول الله ﷺ فجاً حتى علته الرغوة، ثم دفع الإناء إلى المرأة -إلى أم معبد أولاً- فشربت ثم سقى صاحبيه، ثم سمى الله وشرب آخر القوم ﵊، ثم حلب فيه ثانية، فشربوا عللاً بعد نهل، ثم حلب فيه ﷺ وخمره وقال: ارفعي هذا لـ أبي معبد، ثم سلم وانصرف، قال: فما لبثت إلا قليلاً، حتى أقبل أبو معبد يسوق أعنزاً عجافاً يتساوقن هزالاً لا نقي فيهن، فقال: ما هذا اللبن -يا أم معبد - والشاة عازب، ولا حلوبة في البيت؟! قالت: لا والله! إلا أنه مر بنا رجل مبارك)، مع أن الرسول ﷺ ما تلا عليها قرآناً، ولا ألقى عليها خطبة، وإنما وصفته بالبركة بما رأت من حاله وكلامه وسمته وهيئته وفعاله صلوات ربي وسلامه عليه، فوصفته بأنه رجل مبارك، وكان من خبره كيت وكيت، فقال أبو معبد: صفيه لي يا أم معبد! فقالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، حسن الخلق، أبلج الوجه، في عينه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي عنقه سطع، وفي صوته صهل، وسيم قسيم، لم تعبه ثجلة، ولم تزريه صعلة، أجمل الناس وأحلاهم من بعيد، وأحسنهم وأبهاهم من قريب، إذا تكلم علاه البهاء، وإذا سكت علاه الوقار، كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له أصحاب يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر ابتدروا أمره، محفود محشود، غير عابس ولا مفنَّد، فقال لها زوجها: والله! إنه لصاحب قريش الذي تطلب، ولأجهدن حتى ألحق به، ولأتابعنه على دينه. أي: بمجرد أن رأوا من حاله وأفعاله صلوات ربي وسلامه عليه هذا الحال قال: لأجهدن حتى ألحق به، ولأتابعنه على دينه، فرسول الله ﷺ في هذه الرحلة المباركة يعلمنا أن الإنسان يدعو إلى الله بقوله وفعله وسمته وهيئته صلوات ربي وسلامه عليه. ومما يستفاد من هذه القصة: حسن رعايته ﷺ لأصحابه في السفر، فلما حلب الشاة ما شرب اللبن ﷺ ، وما آثر نفسه، بل آثر أصحابه رضوان الله عليهم، وسقى أم معبد من أجل أن تزداد يقيناً، وأن تعلم حقاً أنه رسول الله ﷺ .

стр. 37

لابد للنصر من بذل وتضحية ومن الدروس المستفادة من هذه الرحلة المباركة: أن دين الله لا ينتصر إلا ببذل جهد، ولا ينتصر إلا بعناء، ولا ينتصر إلا ببذل المال والنفس والوقت، فهذا رسول الله ﷺ يخرج مع أبي بكر ﵁، ويسلك طريقاً غير الطريق، ويعاني ﵊ من الحر والقر والشمس وظلمة الليل، ويستغرق في الطريق خمسة عشر يوماً، وهو مع هذا كله مطارد، صلوات الله وسلامه عليه، فيطارده المشركون، ويعرضون العروض لمن يأتي به حياً أو ميتاً، كل هذا والنبي ﷺ واثق بربه، فبذل هذا الجهد، وترك الأهل والمال والوطن، وترك بناته صلوات ربي وسلامه عليه في مكة، وخرج مهاجراً إلى الله يريد أن ينتصر لدين الله، فهذه غايته، وهذا هدفه صلوات الله وسلامه عليه. ولذلك لا يظنن ظان بأن الدين ينتصر والناس قعود، وهم في هجوع، والناس في كسل ونعاس، فلا يجتهد الواحد في أن يطلب علماً، ولا أن يحصل عملاً، بل إن بعض الناس يمنّ على ربه أنه يصلي الفريضة في وقتها، وبعضهم يمن على ربه أنه يخرج الفريضة من ماله، وبعض الناس يمنّ على ربه أنه يأمر بالمعروف أو ينهى عن منكر، أو يدعو إلى هدى، أو يقيم أمر الله في بيته، فلا ينتصر الدين بمثل هذا، ورسول الله ﷺ يحقق أنواع الجهاد كلها، فيجاهد نفسه، ويجاهد الشيطان والهوى، ويجاهد بماله، ويجاهد الكفار والمنافقين، وكل هذه الأنواع من الجهاد مارسها رسول الله ﷺ ، لذلك قرن الله بين الهجرة والجهاد في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٢]، فإيمان وهجرة وجهاد، ورسول الله ﷺ هو المثل الأعلى في هذه الأنواع كلها.

стр. 38

حسن اختيار الله لأصحاب رسول الله ومما يستفاد من هذه الهجرة المباركة: أن الله قد اختار لنبيه ﷺ أصحاباً هم خير الأصحاب، وأنصاراً هم خير الأنصار، فقد مضى معنا خبر أبي بكر وماذا كان يصنع في طريق الهجرة، وإلى أن وصل ﷺ إلى المدينة وأبو بكر معه كالخادم الأمين، يقول الأنصار ﵃: لما قدم رسول الله ﷺ إلى المدينة ومعه أبو بكر وأكثرنا ما رآه، ما عرفنا من رسول الله ﷺ ومن أبا بكر حتى زال الظل وجاءت الشمس، فخلع أبو بكر رداءه وظلل رسول الله ﷺ ، فعلمنا أن الجالس هو رسول الله وأن القائم عليه هو أبو بكر. وكذلك علي ﵁ نام في فراش النبي ﵊ وقد أحاطت به الأخطار، وأسماء بنت أبي بكر، يأتي جدها أبا قحافة فيقول لها: لقد خدعكم أبوكم في نفسه وماله، فتعمد ﵂ إلى حجارة تجمعها، ثم تأخذ بيدي جدها وقد كان أعمى، فيتحسس تلك الأحجار، تقول له: ترك لنا مالاً كثيراً، من أجل أن تطمئنه وتصرف الوسواس عنه. ويأتي عدو الله أبو جهل يدق باب أبي بكر ويقول: يا أسماء! أين أبوك، تقول: ما أدري، فيلطمها عدو الله لطمة حتى يطير قرطها، أي: الحلق الذي في أذنها. وقل مثل ذلك في عامر بن فهيرة، وفي عبد الله بن أبي بكر، وهؤلاء جميعاً رضوان الله عليهم، كانت لهم قدم صدق في الإسلام. نسأل الله أن يرزقنا الاقتداء بهم، والسير على نهجهم، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله.

стр. 39

دروس عن الهجرة [٤] إن الهجرة سنة باقية إلى قيام الساعة، فمن كان في بلاد لا يستطيع أن يقيم فيها دينه فيجب عليه الهجرة إلى البلد التي يستطيع أن يقيم فيها دينه، ويحفظ عرضه، ولا عذر لأحد في ذلك إلا من كان لا يطيق ولا يستطيع الهجرة كالنساء والولدان.

стр. 40

الهجرة فريضة شرعية باقية إلى يوم القيامة الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار. أما بعد: لقد كانت هجرة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة نصراً للإسلام وأهله، وإيذاناً للانتقال من حال إلى حال، ومن فترة إلى فترة، فبعدما كان المسلمون قلة مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس، صار لهم في المدينة دولة وصولة وجولة، وصاروا أهل جهاد وغزو وفتح ونصر، وتمت نعمة الله عليهم، حيث أمنوا في دارهم، وعبدوا ربهم، وقاموا بدينهم خير قيام. إن هذه الهجرة لا ينبغي أن نسرد أحداثها، ولا أن نذكر تفاصيلها على أنها كانت حدثاً من الأحداث ثم انقضى ومر، كلا؛ إن الهجرة صفحة في سيرة نبينا ﷺ لها أحكام وآداب، وهي باقية لا تنقطع كما ثبت عن نبينا محمد ﷺ أنه قال: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها). وكل مسلم في أي أرض لا يستطيع أن يُظْهِر فيها شعائر دينه، ولا أن يعبد ربه حق العبادة، وهو بها ذليل مستضعف، فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى إخوانه الذين يستعز ويستكثر بهم، ويجب عليه أن يهاجر إلى الأرض التي يعبد فيها ربه، ويقيم فيها شعائر دينه، ويأمن على نفسه وماله وعرضه.

стр. 41

الهجرة سنة الأنبياء إن هجرة نبينا لم تكن بدعاً في سيرة الأنبياء والمرسلين، بل لقد هاجر الأنبياء والمرسلون صلوات الله وسلامه عليهم قبل نبينا محمد ﷺ ، كإبراهيم خليل الرحمن على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فبعد أن دعا قومه إلى الله وقال: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٢٥]. وأبى قومه أن يؤمنوا به، قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٢٤]. بعد هذا قال إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت:٢٦]. فترك تلك الأرض التي أبى أهلها إلا الكفر والإلحاد والشرك به ﷻ ، وهاجر إلى الله . وكذلك نوح ﵇ لما دعا قومه إلى الله فأبوا الإيمان بالله تعالى، فقال له قومه: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء:١١٦]. قيل المراد بالمرجومين: المخرجين. وكذلك لوط ﵇ قال له قومه: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنْ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء:١١٦]. وكذلك نبي الله موسى ﵇ لما خاف على نفسه من فرعون اللئيم أن يصيبه بسوء خرج من مصر، كما قال الله : ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢١]. وهذا المعنى أيضاً عرفه رسول الله ﷺ منذ اليوم الأول للدعوة، وذلك عندما نزل عليه جبريل في غار حراء، فرجع ﵊ إلى خديجة ﵂ يرتجف فؤاده، فطمأنته ﵂ بتلك الكلمات العِذاب: كلا والله يا ابن العم! لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وما اكتفت ﵂ بذلك، بل أخذته إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان شيخاً كبيراً قد قرأ الكتاب الأول، وله علم بالعبرانية لغة أهل الكتاب، فقص عليه رسول الله ﷺ ما رأى، فقال له ورقة بن نوفل: إنه الناموس الذي كان ينزل على موسى ﵇، وقال له: ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك، فقال له النبي صلى الله ﵊ متعجباً: (أومخرجي هم؟)، أي: هل قومي يجرءون على إخراجي وأنا فيهم من أنا! أنا الصادق الأمين! وأنا العزيز الكريم! وأنا البر التقي؟! فقال له ورقة -وهو العارف العالم-: نعم؛ ما أتى أحد بمثل ما جئت به إلا عاداه قومه وأخرجوه؛ فالنبي ﵊ كان متهيئاً لذلك اليوم، ولكنه كان ينتظر أمر الله ، وكل نبي من الأنبياء كانت الهجرة له ديناً وديدناً، وسبيلاً لنشر الدعوة، وإحقاق الحق، والانتصار لدين الله ، وهداية الناس، والتماس الأرض التي ينتشر فيها الخير والنور.

стр. 42

وجوب الهجرة لمن ليس متمكناً من إقامة دينه الهجرة ليست خاصة بفئة معينة، ولا بقوم من الناس معلومة، وإنما هي شريعة ماضية إلى يوم القيامة، ولذلك أثنى الله على المهاجرين الذين يتركون الأوطان التي ألفوها، والبلاد التي نشأوا فيها، يخرجون منها طلباً للهداية، وللصلاح، وللسداد، وللانتصار لدين الله ، يقول ربنا سبحانه في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٨]. ويقول في سورة الأنفال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٢]. ويقول في سورة التوبة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة:٢٠]. وفي سورة النساء نجد أن الله يعد هؤلاء المهاجرين بسعة الأرزاق، وسلامة الأبدان، وطمأنينة القلوب، فيقول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٠٠]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٧٤]. إن هذا المعنى الذي تضمنته هذه الآيات المباركات، والذي أمر به رسول الله ﷺ فقال: (لا يقبل الله من مشرك عملاً بعدما أسلم أو يفارق المشركين) أي: حتى يفارق المشركين، وهذا المعنى نحن المسلمون اليوم بحاجة إلى تأكيده ومعرفته، فإن كثيراً من المسلمين ممن يقيمون في ديار الكفر، أو الأرض التي تكون الغلبة فيها للكفار والشريعة السائدة هي شريعة الكفر، والأرض التي لا يسمع فيها أذان، ولا يسمع فيها قرآن، ولا يؤمر فيها بمعروف، ولا ينهى فيها عن منكر، وتمارس فيها الفواحش جهاراً نهاراً في الشوارع والطرقات، وأعني بذلك بلاد أوروبا وأمريكا وما أشبه ذلك، فكثير من المسلمين هنالك -نسأل الله السلامة العافية- رضي بأن يعطي الدنية في دينه، وأن يرضى بالذل، وأن يعيش في ذلك الجو المأفون والمليء بالموبقات والفواحش والكبائر والذنوب والمعاصي، والتي لا يسمع فيها لآمر ولا لناهي، فهو قد رضي بأن يقيم في تلك الأرض من أجل دراهم معدودة أو من أجل رغد عيش يطلبه أو نحو ذلك من الأسباب. إن هؤلاء توعدهم الله في القرآن، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:٩٧]. ثم استثنى ربنا ﷻ برحمته وعدله وفضله من ألجأتهم الضرورة، ومن أحاطت بهم الحاجة الملحة، فقال سبحانه: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء:٩٨ - ٩٩]. فهؤلاء ممن أقاموا؛ لأنهم لا يجدون داراً يلجأون إليها، ولا بلداً يهاجرون إليها، أو كانوا مستضعفين لكونهم نساء أو أطفالاً، فهؤلاء عسى الله أن يعفو عنهم. يقول الضحاك بن قيس ﵀ ورضي عنه في هذه الآية: نزلت هذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكناً من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالإجماع. فمن كان مقيماً في تلك الأرض، وزوجه وبناته لا يستطعن أن يرتدين الحجاب الشرعي، أو كان مقيماً في تلك البلاد، ولكن لا أمر له على أولاده من بنين وبنات لم تجز له الإقامة، والآن بعض الناس يقيم في بلاد أوروبا وأمريكا وهو لا يستطيع أن يأمر ابنته ولا أن ينهاها، وربما تأتي ابنته بصديقها إلى البيت، ولو تكلم اتصلت للشرطة، وكذلك لو أنه وبخ ولده أو ضربه فللولد أن يشكوه، وبعد ذلك تأتي الشرطة وتنتصف من هذا الأب الذي أراد أن يربي ولده، فهناك شعار الحرية المرفوع يكفل لكل إنسان أن يفعل ما يريد، فلا يستطيع والد أن يوجه ولده ولا أن يأمره، ولا أن ينهاه، ولا أن يربيه، فمثل هؤلاء نقول لهم: الهجرة واجبة عليكم، نعم أن بلاد المسلمين أغلب الشريعة فيها غائبة، وأحكام الله فيها إما مبدلة، وإما ليست مطبقة، أو تطبيقها ضعيف، لكن نقول: ما زالت بلاد المسلمين الحياء فيها غالب، والأدب فيها ظاهر، وما زلنا في بلاد المسلمين يملك الوالد أن يوجه ولده وأن يأمره وينهاه، وتملك الأم أن تربي ابنتها على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، ولا يتدخل في ذلك أحد، لكن كثيراً من الناس -نسأل الله السلامة والعافية- استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، رضي بلعاعة من الدنيا، ففتن بتلك المظاهر وبتلك البهارج، لكنه لم يفكر في هذه القوارع التي نزلت في كتاب الله ، وقد قال رسول الله ﷺ : (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين)، وقال ﷺ : (من أقام بين المشركين فقد برئت منه الذمة). فهذا الحكم واجب علينا أن نتذكره حين نتدارس هجرة رسول الله ﷺ . نسأل الله سبحانه أن يحيينا مسلمين، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يلحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.

стр. 43

لباب النقول في أسباب النزول [١] اعتنى العلماء بمعرفة أسباب نزول الآيات، وكتبوا في ذلك المؤلفات، وهذا العلم من أهم علوم القرآن، وله فوائد جمة، يحصل عليها المبحر في هذا العلم الرائع الجميل.

стр. 44

فوائد معرفة أسباب النزول بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فتقدم معنا الكلام في الدرس السابق أن آيات القرآن الكريم على قسمين: قسم قد تنزل من غير سبب خاص، وهو أكثر القرآن الكريم، وقسم تنزل جواباً على سؤال أو عقيب حادثة معينة، وهذا الذي اصطلح أهل التفسير على تسميته بسبب النزول. وعرفنا أن سبب النزول يعرف عن طريق الرواية الموثوقة عن الصحابي حين يقول: نزلت آية كذا في شأن كذا، أو نزلت سورة كذا في شأن كذا، أو عن طريق التابعي الذي عرف عنه الاشتغال بالتفسير كـ سعيد بن جبير ومجاهد بن جبر وعكرمة مولى ابن عباس ومن كان مثلهم رحمة الله عليهم أجمعين. وتوقف بنا الكلام عند فوائد معرفة سبب النزول، فما هي الفائدة في أن نعرف أن سورة كذا، نزلت في شأن كذا أو أن آية كذا نزلت في شأن كذا؟

стр. 45

معرفة سبب النزول تعين على فهم الآية الفائدة الأولى: أن معرفة سبب النزول تعني على فهم الآية، وتزيل الإشكال الذي قد يعلق بالذهن في فهمها؛ لأن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، وذكر في ذلك أمثلة منها: أن عروة بن الزبير ﵄ لم يفهم معنى قول الله : ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨] إلا بعدما عرف سبب النزول، وكذلك قدامة بن مظعون لم يعرف معنى قول الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة:٩٣] إلا بعدما عرف سبب النزول، وكذلك قول الله : ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة:١١٥] لا نفهم معنى هذه الآية إلا بعد معرفة سبب النزول.

стр. 46

معرفة سبب النزول تعين على فهم الحكمة التي يشتمل عليها التشريع الفائدة الثانية: أنَّ معرفة سبب النزول يعين على فهم الحكمة التي يشتمل عليها التشريع، وهذا مفيد بالنسبة للمؤمن ولغير المؤمن، أما المؤمن فإنه يزداد إيماناً، وأما غير المؤمن فإنه يعلم أن التشريع إنما جاء لجلب المصلحة ودفع المفسدة. مثلاً: شرب الخمر حرام، وهو من كبائر الذنوب، والدليل قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١]. سبب نزول هذه الآية ما قاله عبد الرحمن بن عوف: (صنع لنا رجل من الأنصار طعاماً، فأكلنا لحم جزور -أي لحم جمل- ثم سقانا خمراً فتفاخرنا، فقال أحدهم: الأنصار خير من المهاجرين، فقلت: بل المهاجرون خير من الأنصار، فقام أنصاري بلحي جمل، -لحي الجمل: العظم- فضربني على أنفي حتى كسره، فسال الدم، فقلت: والله لا أمسح الدم حتى آتي رسول الله ﷺ ، فجاء عبد الرحمن إلى الرسول ﵊ ودمه يسيل، فأنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١]). معرفة سبب النزول هنا يزيد المؤمن إيماناً بضرر الخمر، ويدعو غير المؤمن إلى أن يفكر أن الله ما حرم شيئاً إلا لأنه خبيث ولأنه ضار.

стр. 47

معرفة سبب النزول ترفع توهم الحصر الفائدة الثالثة: رفع توهم الحصر، الإنسان أحياناً لو قرأ آية فإنه يظن أن هذه الآية جاءت للحصر، مثلاً: قال الله : ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٤٥]. يعني: المحرمات فقط هذه الأربع، والدليل: النفي مع الاستثناء: ((إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً)) يعني: إلا أن يكون واحداً من هذه الأربع، هل المحرمات هي هذه الأربع فقط؟ لا، فهذه الأربع لم يذكر فيها الخمر، ولم يذكر فيها الموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، وغير ذلك، فإذا عرفنا سبب النزول سيرتفع هذا الوهم، يقول الإمام الشافعي ﵀: إن الكفار لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله، وكانوا على المضادة والمحادة جاءت الآية مناقضة لغرضهم، كأن الآية تقول: لا حرام إلا ما حللتموه، ولا حلال إلا ما حرمتموه، يعني: الكفار كانوا يأكلون الميتة، والخنزيز، والدم المسفوح، وما أهل لغير الله به، فكأن الآية جاءت مناقضة لقصدهم تقول لهم: الحرام هو الذي تأكلونه، وبالمقابل الكفار كانوا يحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فالآية تقول لهم: ولا حلال إلا ما حرمتموه. هذا كلام الشافعي رحمة الله عليه.

стр. 48

معرفة سبب النزول تعرفنا باسم من نزلت فيه الآية الفائدة الرابعة: معرفة اسم من نزلت فيه الآية، وقد قال ابن مسعود: والله الذي لا إله غيره ما أنزل الله في القرآن سورة إلا وأنا أعلم أين نزلت، وأنا أعلم فيمن نزلت. فسبب النزول يعيننا على معرفة أن هذه الآية نزلت في فلان، فمثلاً: مروان بن الحكم بن أبي العاص كان يقول: إن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف:١٧] نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت السيدة عائشة ﵂: والله ما نزلت في عبد الرحمن، ولو شئت أن أسميه لسميته. فالسيدة عائشة تريد أن تستر اسم الرجل الذي نزلت فيه؛ لأنه أسلم وصار من الطيبين، لكن في الوقت نفسه تنفي عن أخيها عبد الرحمن أن تكون هذه الآية قد نزلت فيه. كذلك قول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧]. فقوله: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ)) أي: يبيع نفسه، ((ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ)) هذه الآية نزلت في سيدنا صهيب بن سنان الرومي، (وذلك أن صهيباً أراد أن يهاجر لكن الكفار منعوه، وقد أقاموا عليه حراساً، فتصنع ﵁ أنه مصاب بمرض، وبدأ يستأذن أن يمشي إلى الخلاء، فمشى إلى الخلاء ثم رجع وبعد قليل استأذن ليذهب إلى الخلاء وهم يراقبونه، فمشي إلى الخلاء ثم رجع، ثم استأذن أن يمشي إلى الخلاء فقال الكفار بعضهم لبعض: قد شغله الله ببطنه فدعوه، لا يستطيع الهرب؛ لأنه مريض، فمشى هذه المرة وما رجع، فما انتبهوا له إلا بعد مسافة، فأدركوه ﵁ وهو في طريقه إلى المدينة فلحقوه، فالتفت إليهم وقال: تعلمون -معشر قريش- أني أرماكم - يعني أنا أحسنكم رماية - والله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم في كنانتي، ولو شئتم دللتكم على مالي فأخذتموه -أول الأمر رهبهم ثم رغبهم- قالوا: دلنا، قال لهم: هو في مكان كذا تحت أسكفة الباب، يعني: تحت عتبة الباب، قالوا له: الآن لا حاجة لنا فيك، فرجعوا وحفروا وأخذوا المال، وهو ﵁ فر بجلده، فلما وصل إلى المدينة استقبله الرسول ﷺ وقال له: ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى) هذه صفقة رابحة، وهو لم يكن قد أخبر الرسول ﷺ بشيء، وتلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧]. فهذه الآية نزلت في صهيب بن سنان ﵁. كذلك قول الله : ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٧] نزلت في زيد بن حارثة لما تزوج زينب بنت جحش ﵄، وكان يريد أن يطلقها، وهي بنت عمة الرسول ﵊؛ لأن أمها أميمة بنت عبد المطلب، وكان زيد يأتي إلى رسول الله ﷺ ويقول: (يا رسول الله! إني أريد طلاقهاً ائذن لي، والرسول ﷺ يقول له: هل رابك منها شيء فكان يقول: لا، لكنها تؤذيني بلسانها؟ فكان ﷺ يقول له: أمسك عليك زوجك واتق الله) يعني: دع زوجتك معك واتق الله.

стр. 49

معرفة سبب النزول تبين لنا أن صورة السبب داخلة في عموم الحكم الفائدة الخامسة: أن سبب النزول غير خارج من حكم الآية فيما إذا كان لفظ الآية عاماً وورد مخصص لها، فبمعرفة سبب النزول يعلم أن ما عداه يشمله هذا التخصيص، أما سبب النزول فهو داخل في العموم، وهذا بإجماع العلماء أن صورة السبب داخلة في الحكم، مثلاً: قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب:٥٣]، (إناه) أي: نضجه؛ ولذلك قال الله عن أهل جهنم والعياذ بالله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية:٢ - ٥] يعني: تناهى حرها. فيكون معنى الآية السابقة: أيها المؤمنون! لا تدخلوا بيت الرسول ﵊ إلا بعد استئذان، وإذا دعاكم إلى طعام فأتوه وقت الطعام، ولا تجلسوا فترة طويلة تنتظرون نضج الطعام. وسبب النزول: أن الرسول ﷺ لما تزوج زينب بنت جحش أولم وليمة، وجاء بعض الصحابة فأكلوا وانصرفوا إلا رجلين بقيا يتكلمان، ويستأنسان، والرسول ﷺ لم يكن عنده إلا غرفة واحدة، قال الحسن البصري: دخلت بيوت أزواج النبي ﷺ ، وأنا فتى -يعني: شاب- فكنت إذا رفعت يدي نلت سقفها، وإذا مددت رجلي نلت جدارها، وهذان الرجلان قعدا يستأنسان، وبقيت زينب ﵂ ووجهها إلى الحائط تنتظر خروجهما، وكان الرسول ﷺ حيياً، فبقي ﷺ يدخل ثم يخرج ويدخل ثم يخرج لعلهم يشعرون بذلك ويخرجون، ولكنهم لم ينصرفوا، فنزلت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب:٥٣]. فالحكم هنا عام، فبيتي وبيتك مثل بيت الرسول ﷺ لا يجوز دخول البيوت إلا بإذن. فإذا قال قائل: إن هذا الحكم خاص بالنبي فنقول: تدخل بيوت الرسول ﷺ دخولاً أولياً؛ لأن الآية نازلة في شأنه ﵊. وهذا دليل على أن سبب النزول يستفاد منه أن الخاص يدخل تحت حكم العام، فإذا وجد التخصيص كان هذا التخصيص شاملاً لما عداه.

стр. 50

معرفة سبب النزول تثبيت الوحي وتيسر الحفظ والفهم الفائدة السادسة: تثبيت الوحي، وتيسير الحفظ والفهم، وتأكيد الحكم في ذهن من يسمع الآية. مثال ذلك: قصة الإفك، هذه القصة نزلت فيها عشر آيات، منها: قول الله : ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١٢]. فلو عرفت سبب نزول هذه الآية لن تنسى هذه الآية أبداً، إن سبب نزولها: أن أبا أيوب الأنصاري ﵁ دخل على زوجته أم أيوب والناس يتناقلون الكلام في المدينة كما قال الله : ((إِذْ تَلَقَّوْنَهُ)) مع أنه في العادة أن الإنسان يتلقى الكلام بالأذن, ولكن من سرعة النقل قال الله : ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ [النور:١٥] أي: أ، الرجل لا يسمع بأذنيه وإنما بلسانه فيروج لذلك، لكن أكثر الصحابة لم تكن هذه صفتهم، فـ أبو أيوب دخل على زوجته وقال لها بمنتهى الصراحة والوضوح: يا أم أيوب! أسمعت ما يقول الناس في شأن عائشة وصفوان؟ قالت: نعم، هو والله الكذب، فقال لها ﵁: أكنت فاعلته يا أم أيوب قالت: لا والله معاذ الله، قال لها: فـ عائشة خير منك وصفوان خير مني. إذاً ينبغي للمؤمن أن يحسن الظن بأخيه، ومن حسن ظن المؤمن أن يعتقد أن أخاه خير منه. مثال آخر: قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] هذه الآية سبب نزولها: (ما كان من بعض الأعراب الذين جاءوا في وقت القيلولة والراحة، وقالوا: يا محمد! أخرج إلينا فإن مدحنا زين وذمنا شين -يعني: أخرج علينا بسرعة وإلا سنقول فيك شعراً-؛ فأنزل الله هذه الآية يؤنب فيها هؤلاء الذين لم يتأدبوا مع الرسول ﷺ ، فلما نزلت هذه الآية جلس أحد الصحابة وهو ثابت بن قيس بن شماس في بيته يبكي، فعلم به الرسول ﷺ فجاءه وقال له: مالك؟ فقال ثابت: يا رسول الله! أنا رجل جهوري الصوت، وكنت أرفع صوتي عليك، وأخشى أن يكون قد حبط عملي، فقال الرسول ﷺ : بل تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة إن شاء الله) فالإنسان إذا عرف سبب نزل هذه الآية لا ينساها أبداً؛ لأنه فهم معناها تماماًَ؛ ولذلك فإن معرفة سبب النزول يربط الأسباب بالمسببات، والأحداث بالأشخاص، والمبنى بالمعنى، والأزمنة بالأمثلة، وكل هذا يدعو إلى تقرر الأشياء وتأكيدها في الذهن.

стр. 51

حكم تعدد أسباب نزول الآية الواحدة قد تتعدد الأسباب في نزول الآية الواحدة، فمثلاً: سورة الضحى المشتملة على إحدى عشرة آية، ورد في سبب نزولها: (أن الوحي انقطع عن الرسول ﷺ فترة من الزمن، قيل: مدة أربعين يوماً، وقيل: ستة أشهر؛ فجاءت أم جميل زوجة عمه أبي لهب فقالت: يا محمد! ما أرى شيطانك إلا قد ودعك -يعني: تركك الشيطان الذي كان يأتيك بالكلام- فحزن النبي ﷺ لهذا الكلام، فأنزل الله قوله: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ - ٣]). هذه الرواية في الصحيحين، وفي رواية أخرى رواها الإمام الطبراني عن حفص بن سعيد القرشي عن أمه وكانت تخدم النبي ﷺ قالت: (إن جرواً دخل بيت النبي ﷺ تحت السرير فمات فمكث النبي ﷺ لا ينزل عليه الوحي فقال: يا خولة! ما حدث في بيت رسول الله ﷺ ؟ -فالرسول ﷺ يسأل الصحابية خولة بنت حكيم ما الذي حدث في بيته ﷺ ؟ - جبريل انقطع عني، قالت: فقلت في نفسي: لو هيأت البيت وكنسته، قالت: فأهويت بالمكنسة تحت السرير فأخرجت الجرو، فجاء النبي ﷺ ترتعد لحيته، وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته رعدة ﵊، فأنزل الله عليه: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ - ٣]). وليس بين السببين تعارض، حيث كان في بيت النبي ﷺ جرو قد مات، والرسول ﷺ لم يعلم به، وصادف أن تلك المرأة العوراء قالت له هذا الكلام: (ما أرى شيطانك إلا ودعك، فأنزل الله السورة على السببين جميعاً). والرواية الأولى في الصحيحين، أما الرواية الثانية فهي عند الطبراني وفيها راو لم يسم، ففي سندها كلام.

стр. 52

الأسئلة

стр. 53

كفارة من لم يستطع الصوم في رمضان بسبب المرض السؤال أنا مصاب بمرض السكري، وحسب قرار الطبيب فقد منعني من الصوم، وأنا أقوم بدفع ألف جنيه كل يوم للمسكين، فهل هذه تعتبر فدية؟ الجواب لا تعتبر فدية، الفدية لا بد أن تكون طعاماً، وأنت مخير بين أمرين: إما أن تصنع أكلاً يكفي عشرة مساكين، وفي يوم آخر تصنع أكلاً يكفي عشرة، وفي يوم آخر تصنع أكلاً يكفي عشرة؛ فتبرأ ذمتك، أو خمسة خمسة خمسة إلى أن تبرأ ذمتك، أو أن تأخذ كيساً من الدقيق وتسلمه لأخوة أو إلى أمام مسجد من المساجد من أجل إطعام الفقراء والمساكين.

стр. 54

حكم رفع التاجر للأسعار في وقت دون آخر السؤال ما الحكم في تاجر يرفع الأسعار في شهر رمضان؛ لأنه يقول: هذا موسم جيد للبيع غير الأيام العادية؟ الجواب أولاً: نحن عندنا الأصل قول الله : ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) [النساء:٢٩]. ثانياً: الشريعة لم تحدد للربح سقفاً، ولا يوجد ربح محدد، يعني: الشريعة لم تقل: إن الربح يكون عشرة في المائة أو عشرين في المائة أو مائة في المائة، لكن المسألة راجعة إلى التراضي. ثالثاً: السوق مفتوح وليس هناك تسعيرة، ويمكن لك أن تبحث عن تاجر آخر، ومعلوم أن البقالات أو محلات البيع ليست سواء، فهناك محلات في أماكن سياحية، وهناك محلات في أماكن شعبية، وهناك خيام، وهناك أسواق: سوق الجمعة، وسوق الإثنين، وسوق السبت، وغير ذلك، ولك أن تجتهد في ذلك، ثم هناك فرق بين الأقوات وبين السلع التحسينية، فمثلاً: على التاجر أن يتقي الله في التمور والدقيق والأشياء الضرورية، وأما غيرها من السلع غير الضرورية فلو جعل السلعة بعشرة آلاف فليس بالضروري أن تشتروها فهناك فرق بين سلعة ضرورية، وسلعة تحسينية.

стр. 55

الإكثار من ذكر الله من كمال العقل وسلامته السؤال رجل يذكر الله كثيراً عند قيامه وقعوده وعلى جنبه وفي السوق وفي الشارع وفي حله وترحاله، لكن يظن الناس أنه مصاب بمس أو به جنة وهو بكامل قواه العقلية، هل حالته هذه طيبة؟ الجواب والله ليس هناك أطيب من ذلك، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٤١]. والناس يظنون به الجنون؛ لأنهم ليسوا متعودين على ذلك، ولو كان هذا الرجل يغني دائماً لما ظنوا به الجنون! بل يقولون: ما شاء الله دائماً هو فرحان وسعيد؛ لأنه دائماً مغن؛ نسأل الله السلامة والعافية، أما هذا الذي يذكر الله ذكراً كثيراً فهم يستغربون منه، وهذا ليس جديداً، وأذكر لكم مثلاً: وقع في المدينة المنورة قبل سنوات أنه لما قيل: رئي هلال ذي الحجة أخذ أحد الناس يمشي في الشارع وهو يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، يقولها بصوت مرتفع، فأخذ الناس ينظرون إليه من أعلى إلى أسفل مع أن هذا الرجل قد أتى بالسنة، قال الله : ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨]. فمن السنة التكبير لعشر ذي الحجة حتى نصلي العيد، وبعد صلاة العيد كذلك، ففي دبر الصلوات نكبر، في أيام عيد الأضحى نكبر، لكن السنة صارت على الناس غريبة؛ ولذلك كان ابن عمر ﵄ يمشي في السوق ومعه أحد أصحابه، وكان كلما مر بالناس قال: السلام عليكم، ويكررها كلما مر عليهم، فقال له تلميذه: في كل يوم أراك تدخل السوق ولا تشتري شيئاً، وكان هذا الرجل كبير البطن، فقال له ابن عمر: يا أبا بطن: ألا تراني أسلم على المسلمين؟! فـ ابن عمر يمر يلقط حسنات ويرجع، ومن قال: السلام عليكم فله عشر حسنات، وقد يمر على مائة دكان، ويرجع بألف حسنة في دقائق معدودة، فالصحابة ﵃ كانوا يعرفون كيف يتاجرون مع الله ، فهذا الرجل ليس به مس بل الذي به مس من اتهمه بأنه موسوس. وما أصدق ما قيل في ذلك: رمتني بدائها وانسلت، الذي لا يذكر الله قال تعالى عنه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]، ولذلك تجده دائماً يغني.

стр. 56

حكم دخول الحائض المسجد السؤال هل هناك دليل صحيح وصريح يمنع دخول الحائض المسجد؟ الجواب يا صاحب السؤال! إن كنت طالب علم فاعلم أن أكثر الأدلة إما أن تكون ظنية الثبوت أو ظنية الدلالة، وكونك تريد دليلاً قطعي الثبوت قطعي الدلالة فهذا قليل جداً، فلا تسألني عن دليل صحيح وصريح، لكن عود نفسك احترام أقوال أهل العلم؛ لأنهم أعرف بالدليل منا، وعود عدم على الخروج من الخلاف ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وعود نفسك أن تتهم رأيك في مقابل رأي الأئمة رحمة الله عليهم أجمعين، قال الإمام مالك: ألف عن ألف أحب إلى من واحد عن واحد. وأما بالنسبة لدخول الحائض للمسجد فأولاً: عندنا قول الله : ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣] فقد قاس أهل العلم الحائض على الجنب بجامع إيجاب الغسل في كل منهما، وكما أن الجنابة توجب الغسل فكذلك الحيض يوجب الغسل. ثانياً: هناك حديث رواه الإمام أبو داود وغيره أن النبي ﷺ قال: (إني لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب)، وهذا الحديث اختلف العلماء ﵏ في صحته، لكن الذي عليه الجماهير بأن الحائض لا تدخل المسجد.

стр. 57

حكم خصم نسبة من مرتب العاملين الضعفاء وتوزيع ما يشترى بها على جميع الموظفين السؤال شركة إنتاجية تمنح العاملين حاصل إنتاج سنوي، وتقوم بخصم نسبة من مرتب العاملين الذين تكون تقاريرهم ضعيفة، ومن هذه المبالغ المخصومة تقوم بشراء مواد تموينية توزع على جميع العاملين في شهر رمضان كهدية من الشركة؟ الجواب قال رسول الله ﷺ : (المسلمون على شروطهم)، فإذا كانت هذه الشركة اشترطت عليك أنه لو كان تقريرك ضعيفاً قطعنا من مرتبك، وأنت رضيت بهذا الشرط، فاحرص على ألا يكون تقريرك ضعيفاً، وما قطعته الشركة فهي في ذلك مخيرة في أن تقوم بتوزيعه على بقية العاملين تطييباً لقلوب الناس، أو عدم توزيعه، فهذا الفعل ليس من أجل أكل حقوقهم، وإنما من أجل زيادة الإنتاج.

стр. 58

الفرق بين زكاة الفطر والفدية لغير الصائم السؤال أرجو أن تفيدنا بالفرق بين زكاة الفطر، والفدية لغير الصائم؟ الجواب هناك فرق بينهما، أما الفدية فقد نص ربنا ﷻ عليها بقوله: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، أما بالنسبة لزكاة الفطر فالرسول ﷺ قال: (أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم) والإغناء كما يتحقق بالإطعام يتحقق بالنقد، بل النقد في زماننا أنفع وأيسر؛ لأننا جميعاً لو أننا أعطينا الفقراء طعاماً سيضطر الفقراء إلى بيعه من أجل أن يواجهوا ما يطلب منهم من فاتورة الكهرباء وفاتورة الماء وغير ذلك، هذا الفرق الأول. الفرق الثاني: أن فدية كفارة الإنسان الذي أفطر تكون موزعة، أما زكاة الفطر فكلها تأتي في وقت متقارب، فأغلب الناس يخرجون زكاتهم في صبيحة يوم العيد، وبعضهم يخرجها قبل العيد بيوم أو يومين؛ ولذلك بعض العلماء وعلى رأسهم الإمام أبو حنيفة يبيح إخراج القيمة في زكاة الفطر وفي الكفارات جميعاً، وهناك بعض العلماء يمنع القيمة مطلقاً سواء كانت في زكاة الفطر أو في الكفارات، وبعض أهل العلم فرق بين هذه وهذه.

стр. 59

موقف أهل السنة من مصطلحات الشيعة في الأماكن والأشخاص السؤال العتبات المقدسة، والصحن الحيدري، ومرقد الإمام علي، والنجف الأشرف، والمرجع الديني كلمات ظلت تردد عبر وسائل الإعلام لفترة طويلة، ما موقفنا نحن أهل السنة منها؟ وما هو الرأي في التحالف القائم في أرض العراق بين السنة والشيعة في مواجهة الاحتلال الأمريكي؟ الجواب لا يوجد تحالف، الشيعة إلى يومنا هذا ليس لديهم فتوى في مواجهة ومقاومة وجهاد الأمريكان، والمرجع الديني الكبير التابع لهم إلى الآن يدعو إلى الصبر الجميل، ولذلك تسمعون اليوم في الأخبار بأن الأمريكان طلبوا من البريطانيين أن يأتوا بكتيبة قوامها ستمائة جندي من جنوب العراق؛ لأن أمريكا مضطرة لسحب كتيبة تأتي إلى الفلوجة، والفلوجة، والرمادي، وسامراء، هذه كلها يسمونها المثلث السني، فليس في العراق جهاد إلا من أهل السنة، أما الشيعة فإنهم يمنعون الجهاد بفتاوى صريحة، أو يشكلون بعض الحركات كما حصل مما يسمى بجيش المهدي، والآن سلموا أسلحتهم كاملة غير منقوصة، ورفعوا الراية البيضاء! فليس هناك تحالف يا أخي الكريم! وهذا هو تاريخ الشيعة الطويل، فأنتم تعرفون منذ أن قامت الثورة في إيران، وهم في كل جمعة يهتفون الموت لأمريكا، فلما جاء الموت لأمريكا في الحادي عشر من سبتمبر في يوم الثلاثاء، قاموا في الجمعة التالية للحادث واستنكروا وشجبوا هذا الحادث، وقالوا: إننا بريئون منه ولا نرضاه، وقد كانوا من قبل يقولون: الموت لأمريكا، فها هو ذا الموت قد جاء من حيث لم يحتسبوا. أما بالنسبة لهذه المصطلحات فهي مصطلحات ليست شرعية، بل فيها من التزوير الشيء الكثير، لاسيما مرقد الإمام علي، فالإمام علي لا يعرف له قبر؛ لأنه ﵁ لما قتل وكان الناس قد فتنوا به في حياته عرف أولاده أنهم لو دفنوه في مكان معروف فإنه سيتخذ القبر وثناً يعبد من دون الله؛ ولذلك حفروا أحد عشر قبراً في أماكن مختلفة، وفي الليل لما نام الناس أدخلوه في أحدها وطمسوها كلها، فلا يعرف لـ علي قبر، ومن الغريب ومن خرافات الشيعة أن علياً كان من وصيته لأولاده بعد أن يموت أن يجعل على حمار ويترك، فهل يعقل أن علياً يوصي بهذا، وهو يقرأ قول الله : ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥ - ٢٦]؟ وعلي ﵁ يعرف أن السنة الدفن، وخير البشر ﷺ دفن في التراب. وكذلك حكاية النجف الأشرف، نحن لا نعرف مكاناً شرفه الله وهو مقدس عندنا ومعظم وتشد إليه الرحال إلا ثلاثة مساجد: مكة المكرمة حيث المسجد الحرام، والمدينة المنورة حيث المسجد النبوي، وبيت المقدس حيث المسجد الأقصى، هذا الذي نعرفه، أما حكاية النجف أو غيره فالقاديانية في لاهور في باكستان يقدسون قبر الميرزا غلام أحمد الذي ادعى النبوة، وعندهم أنه مكان شريف، فكلهم أصحاب بدعة. وكذلك حكاية المرجع الديني، نحن عندنا المرجع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، قال الله : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، لكن هذه الاصطلاحات ترجع إلى معنى استقر عند الشيعة، وهو عصمة الأئمة، أما نحن فليس عندنا أحد معصوم بعد نبينا محمد ﷺ ، وأي إمام أو عالم فإنه يخطئ ويصيب؛ فلذلك أخشى لو أننا تسامحنا في أن تجري هذه العبارات على ألسنتنا مثلما جرت عبارة: علي كرم الله وجهه، وعبارة: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ونحن نقول: علي كرم الله وجهه وعلي أمير المؤمنين، لكن ليس لوحده؛ لأن الشيعة يقولون: قال الأمير ﵇؛ لأنهم لا يعترفون بمن قبله، لا يعترفون بـ أبي بكر ولا عمر ولا عثمان، أما نحن أهل السنة فنعتقد أن الأربعة إمامتهم صحيحة، وأن الأربعة من المبشرين بالجنة، وأن الأربعة ممن توفي النبي ﷺ وهو عنهم راض. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، واجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً. اللهم اجعلنا من عتقائك في هذا الشهر المبارك من النار. اللهم أعنا على أن نصوم رمضان إيماناً واحتساباً، وعلى أن نقوم رمضان إيماناً واحتساباً. اللهم اجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم برحمتك يا أرحم الراحمين. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 60

لباب النقول في أسباب النزول [٢] معرفة أسباب النزول للآيات القرآنية يزيد معناها وضوحاً وجلاءً، ونستفيد أيضاً من معرفة أسباب النزول أن الحوادث التي نزلت الآيات لأجلها تكون داخلة دخولاً أولياً في معنى الآية، ثم إن أسباب النزول قد تكون لواقعة أو لأكثر، والآية تشمل كل ما يدخل في لفظها إلى قيام الساعة؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

стр. 61

فائدة معرفة سبب النزول الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحانك اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. أما بعد: فأسأل الله أن يجعلنا من المقبولين. تقدم الكلام عن أسباب النزول، وذكرنا أن هذا العلم مطلوب من المسلم الإحاطة به من أجل أن تتوثق صلته بالقرآن، خاصة في شهر القرآن، وأن معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، ويعين على معرفة الحكمة من التشريع، سواء أكان بالتحليل أم بالتحريم، كما أن معرفة سبب النزول للآية يثبت القرآن، ويجعله مستقراً في الأذهان، ويرفع توهم الحصر، وعن طريق معرفة سبب النزول نعرف اسم من نزلت أو في شأنه الآية، وكذلك نعرف بأن هذا السبب يدخل دخولاً أولياً تحت معنى الآية.

стр. 62

تعدد سبب النزول توقف الكلام بنا عند تعداد الوقائع في آية واحدة؛ لأنه قد يقال: سبب نزول الآية كذا ويُذكر سبب، أو نزلت هذه الآية في شأن كذا وكذا ويذكر سبب آخر، فماذا نصنع في تلك الحال؟ نقول: إذا كانت الروايتان صحيحتين ولا تعارض بينهما فيحملا على تعدد السبب. فمثلاً: آية اللعان، لو أن إنساناً اتهم زوجته -والعياذ بالله- بالزنا، فلا يطلب منه أن يأتي بأربعة شهود، وإنما يحلف أربع مرات أن هذه المرأة قد زنت، وأنه رآها تزني، وإذا كان هناك حمل يحلف بأن هذا الحمل ليس منه، وفي المرة الخامسة يقول: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فلو أن الزوجة اعترفت بالزنا، ترجم، ولو أنها نفت فإنها تطالب بأن تحلف أربع مرات بأنها ما زنت، وأن هذا الرجل قد كذب عليها، وأن هذا الحمل الذي في بطنها منه، وفي المرة الخامسة تقول: غضب الله عليها إن كان من الصادقين. هذا التشريع سببه: أن هلال بن أمية الواقفي ﵁ اتهم زوجته بالزنا، وفي رواية أخرى أن الذي اتهم امرأته بالزنا هو: عويمر العجلاني ﵁ نقول: لا تعارض؛ فإنه يمكن أن يكون هذا الصحابي قد جاء، ثم جاء آخر بعده؛ فشكا من الواقعة نفسها؛ فنزلت الآية في السببين معاً، أي: يحمل ذلك على تعدد الواقعة. وأحياناً يكون هناك روايتان لكن يمكن أن نرجح إحداهما على الأخرى، مثال ذلك: ما رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وهو متكئ على عسيب، فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض: لو سألتموه عن الروح واليهود دائماً يحاولون طرح الأسئلة لمحاولة إحراج الرسول ﷺ فقام النبي ﷺ ساعة ورفع رأسه، يقول ابن مسعود: فعرفت أنه يوحى إليه، فقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]). وهذه القصة حصلت في المدينة؛ لأن مكة ليس فيها يهود، لكن جاء في سنن الترمذي عن عبد الله بن عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل -يعنون: النبي ﷺ فقال لهم اليهود: سلوه عن الروح، فسألوه، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء:٨٥]، هذه الحادثة الثانية رواها عبد الله بن عباس، ويدل على أنها وقعت في مكة، وأن وفداً من قريش ذهبوا إلى اليهود في المدينة، وعرف منهم هذا السؤال، ورجعوا إلى الرسول في مكة، وأن السائلين هم المشركون، فلو أردنا أن نرجح بين الروايتين فسنرجح الرواية الأولى؛ لأن راويها ابن مسعود وهو أقدم إسلاماً من ابن عباس، لأن الرسول ﷺ توفي وعمر عبد الله بن عباس خمس عشرة سنة؛ فإنه سئل: كم كان عمرك حين توفي رسول الله ﷺ ؟ قال: توفي وأنا غلام ختين. يعني: مختون، وكانوا لا يختنون الغلام حتى يبلغ، وفي بعض الروايات: أنه كان عمره ثلاثة عشر عاماً، وعلى كلا التقديرين فلم يكن ابن عباس حاضراً القصة، والحاضر هو ابن مسعود؛ فلذلك نرجح روايته على رواية ابن عباس رضي الله عن الجميع.

стр. 63

سبب نزول قوله تعالى (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) هناك أحوال تستوي فيها الروايتان في الصحة، ويكون نزول الآية عليهما معاً بعيداً؛ لتباعد الزمان، مثال ذلك: ما رواه البيهقي عن أبي هريرة: (أن النبي ﷺ وقف على حمزة وقد مثل المشركون به) وكان ذلك في أحد؛ فإن المشركين جدعوا أنفه، وقطعوا أذنه، وبقروا بطنه، واستخرجوا كبده، فالرسول ﷺ وقف على عمه وهو في تلك الحال فقال: (لأمثلن بسبعين منهم مكانك. فأنزل الله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦])، فهذه الرواية عن أبي هريرة ﵁ فيها أن الآية نزلت يوم أحد، وهناك رواية أخرى رواها الترمذي والحاكم عن أبي بن كعب ﵁ قال: (لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة، فمثلوا به، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوماً كهذا لنربين عليهم) يعني: لنزيدن، من الربا، والربا هو: الزيادة، ومنه قول الله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩] يعني: زادت الأرض، فهؤلاء الجماعة من الأنصار قالوا: (لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لنربين عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله: ((وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ)) [النحل:١٢٦])، فالرواية الأولى تذكر أن هذه الآية نزلت في غزوة أحد، وغزوة أحد كانت في السنة الثالثة، والرواية الثانية رواية أبي تذكر أن هذه الآية نزلت يوم الفتح، والفتح كان في السنة الثامنة، فلا نستطيع أن نجمع بين الروايتين، فما عندنا إلا حل من اثنين: الأول: إما أن نحملها على تكرار النزول، وأنها نزلت يوم أحد ثم نزلت يوم الفتح؛ لأن هناك الرسول ﷺ قال: (لأمثلن بسبعين مكانك)، ويوم الفتح حدث الشيء نفسه من الأنصار ﵃، فقد كانوا مغتاظين على أهل مكة؛ لأنهم آذوا الرسول ﷺ ، والأنصار ما نسوا يوم أحد، حيث شجت جبهة رسول الله ﷺ وكسرت رباعيته السفلية، ودخلت حديدتان في وجنتيه ﵊، حتى أن طلحة بن عبيد الله ﵁ لما خلع واحدة منهما ندرت معها ثنيته، فلذا قال الأنصار هذا الكلام، ولذلك سعد بن عبادة لما أخذ الراية قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، لا قريش بعد اليوم، فلم يسرها في نفسه، بل أعلنها قائلاً: اليوم يوم الملحمة، يعني حرباً طاحنة، اليوم تستحل الحرمة، لا شيء اسمه حرم، ولا مكة، اليوم فقط دم، لا قريش بعد اليوم!! فالرسول ﷺ لما بلغه هذا قال: (اليوم تعظم الحرمة، ثم أخذ الراية من سعد بن عبادة وأعطاها لولده قيس بن سعد بن عبادة)، وهذا تصرف في غاية الحكمة من الرسول ﷺ ؛ لأن الرجل المحارب قد يكون فيه نوع من الرهق والاندفاع، بحكم أنه يملك السلاح، وعنده القوة، فيقع منه ما لا ينبغي؛ لذلك الرسول ﷺ أخذها منه؛ لأن مثل هذا نفسيته غير مستقرة في هذا الوقت، ثم لكي لا ينفخ الشيطان في الأنصار، أخذ الرسول ﷺ الراية من سيدهم وأعطاها لولده، أخذها من أنصاري ووضعها في أنصاري آخر، أخذها من سيد الأنصار، وأعطاها لولد سيد الأنصار كأنه ما تغير شيء، لكن قيس بن سعد فهم الدرس، وأن الرسول ﷺ لا يريد أن يهز حرمة مكة، بل يريد أن يفتح مكة بأقل قدر من الدماء. ولذلك نقول: هذه الآية تحمل على تكرار نزولها، كما قال الزركشي ﵀ في البرهان: قد ينزل الشيء مرتين تعظيماً لشأنه، وتذكيراً به عند حدوث سببه، وخوف نسيانه، وهناك أمثلة، فقالوا: الفاتحة نزلت مرتين، مرة في مكة ومرة في المدينة، وقالوا: آية الروح نزلت مرتين، مرة في مكة جواباً على سؤال المشركين، ومرة في المدينة جواباً على سؤال اليهود، لكن بعض العلماء أنكر مسألة تكرار النزول، ولم يبق أمامه إلا الحل الثاني وهو العمل بإحدى الروايتين وإهمال الأخرى.

стр. 64

نزول أكثر من آية في واقعة واحدة أيضاًً قد تتعدد الآيات والسبب واحد. ومثال سبب واحد نزلت فيه آيتان ما أخرجه البخاري من حديث زيد بن ثابت، وزيد بن ثابت كاتب الوحي للرسول ﷺ ، ومعلوم أنه ما كان يكتب ولا يقرأ ﵊ وإنما ينزل عليه جبريل بالوحي وبحكمة الله يتم الحفظ، كما قال سبحانه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٧] يعني: قراءته، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٩]، فالرسول ﷺ لما كانت تنزل عليه الآية أو الآيات، يدعو واحداً من كتاب الوحي كالخلفاء الأربعة، كـ أبي بكر أو عمر، أو عثمان، أو علي، أو زيد بن ثابت، أو ابن مسعود، أو معاوية بن أبي سفيان أو غيرهم ليكتب له، وبعضهم أحصى كتاب الوحي فبلغ بهم بضعاً وأربعين نفساً، فيدعو النبي ﷺ أحدهم ويملي عليه، ومنها هذه الآية: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [النساء:٩٥]، فجاء ابن أم مكتوم وكان رجلاً أعمى فقال: يا رسول الله! لو أستطيع الجهاد لجاهدت، فأنزل الله : ((غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ))، فصارت الآية: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [النساء:٩٥]. هناك آية أخرى نزلت بالسبب نفسه، يقول زيد بن ثابت: كنت أكتب لرسول الله ﷺ وإني لواضع القلم على أذني إذ أمر بالقتال، فجعل رسول الله ﷺ ينظر ما ينزل عليه، إذ جاء أعمى فقال: يا رسول الله! كيف لي وأنا أعمى؟ يعني: كيف أجاهد وأنا أعمى؟ فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) [التوبة:٩١]، فنزل قول الله : ((لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ))، هذه في سورة النساء، وقوله: ((لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ))، في سورة التوبة، آيتان كلاهما نزلتا بسبب مجيء الأعمى، سواء كان ابن أم مكتوم أو غيره، فقد شكا للرسول ﷺ أنه لا يستطيع الجهاد، وممكن أن يكون الأعمى في المرة الثانية غير ابن أم مكتوم كالذي ذكر في حديث التوسل المعروف. ومن أمثلة ذلك أيضاً: أن أم سلمة ﵂ قالت: (يا رسول الله! لا أسمع الله ذكر النساء بشيء في الهجرة -يعني: أم سلمة ﵂ قالت للرسول ﷺ : الآيات التي نزلت في شأن الهجرة كلها في شأن الرجال والنساء لم ينزل فيهن شيء- فأنزل الله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥]) أي: الرجال والنساء بعضهم من بعض، يعني: نحن الرجال من النساء، باعتبار أننا جميعاً خرجنا من أرحام أمهاتنا، وقد يكون المعنى: بعضكم من بعض: النساء من الرجال، باعتبار الخلقة الأولى أن حواء خلقت من ضلع آدم. فهذه الآية نزلت بسبب سؤال أم سلمه. وأخرج الحاكم عن أم سلمه قالت: يا رسول الله! تذكر الرجال ولا تذكر النساء. يعني: آيات القرآن كلها في الرجال، وليس هناك شيء في النساء، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥]، فهنا سألت أم سلمة، فنزل بسبب سؤالها آيتان، وفي كلتا الآيتين ذكر للنساء بجوار ذكر الرجال.

стр. 65

إكرام الإسلام للمرأة قضية الرجال والنساء حسمها الإسلام ففي الحديث قال النبي ﷺ : (إنما النساء شقائق الرجال)، وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] أي: أن قضية الذكورة والأنوثة كما يقول أهل العلم: وصف طردي لا تأثير له في الحكم مع أن هناك أشياء مخصوصة خص الله بها الرجال أو النساء من أجل موافقة الخِلقة والطبيعة، لكن الحكم العام: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦]، وهذا الذي يوافق الفطرة والواقع والشرع، أما الناس الذين يريدون أن يجعلوا الذكر كالأنثى، والأنثى كالذكر في كل شيء فإن هؤلاء يخالفون الواقع والفطرة والشرع، لأن الترتيب الجسماني: ليس الذكر كالأنثى، والاستعداد الفطري: ليس الذكر كالأنثى، والقوى العقلية والمواهب الكسبية: ليس الذكر كالأنثى، ولذلك لما سمع رجل من عامة الناس إحدى النساء المسترجلات تتكلم أن المرأة نصف المجتمع ولا بد أن تدخل المرأة مع الرجل، وتزاحم الرجال، قال لها العامي: هذا الكلام صحيح ((لَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى))، قالت له: وكيف؟ قال لها: أتصارعينني؟ -هذا بفهمه- طبعاً، فسكتت وبهتت، وهو قال كلاماً صحيحاً؛ لأنه ليس الاستعداد واحداً، ليست قوة التفكير واحدة، ليس التذكر واحداً، ليست العاطفة واحدة، ميز الله الرجال بأشياء وميز النساء بأشياء، هذه قضية معلومة، ولعلها ستأتي معنا في آية الدين في قول الله : ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة:٢٨٢] أو في قراءة حمزة -وهو من القراء السبعة-: ﴿إِنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرُ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢]؛ لأن المرأة في الغالب اهتمامها بأمور البيت، والمطبخ، والملابس، والتجميل، ورعاية العيال، وليس لها اهتمام في الغالب بالأمور المالية، وضبط الحسابات، والتفكير في المشروعات، وهكذا، ولا يعترض أحد فيقول لي: أنا أعرف امرأة تعمل في العمارات، امرأة فتحت مكتباً تابعاً للعقارات تعمل فيه، وآخر يقول: كذا كذا، نقول: هذا من الشاذ النادر، والشاذ لا حكم له. كما أنه قد يوجد من الرجال -والعياذ بالله- من هو مستأنث، بحيث إن زوجته قوامة عليه، تحشر أنفها في كل شيء، تقول: اقعد فيقعد، قم فيقوم، نقول: هذا شاذ وإلا فالأصل بالفطرة أن الرجل لا يقبل مثل هذا، سواء أكان عنده دين أم ليس عنده دين. وفي الختام نسأل الله أن يجعل هذه الكلمات نافعة لي ولكم، وأن يجعلها لنا جميعاً في صحائف الحسنات، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

стр. 66

الأسئلة

стр. 67

نصيب الزوجات في الميراث إن وجد الولد السؤال توفي رجل وهو متزوج امرأتين، ولديه أولاد من إحدى زوجتيه، والأخرى لم تنجب، فكيف يكون نصيب الزوجتين؟ الجواب نصيب الزوجتين الثمن، يعني: كل واحدة عندها واحد على ستة عشر، فيقسم الثمن بينهما، ويستوي في ذلك الكبيرة والصغيرة، والقديمة والجديدة، والشوهاء والجميلة، والولود والعقيم، كلهن سواء، حتى إذا كن أربعاً فإن الثمن بينهن، أي: واحد على اثنين وثلاثين.

стр. 68

إغماض العينين في الصلاة طلباً للخشوع السؤال إني أغمض عيني في صلاة التراويح والتهجد لكي أخشع وأستمع وأتدبر؛ لأن النظر إلى قفى الناس والفرش الملونة يشغلني عن صلاتي؛ فما الحكم في ذلك؟ الجواب من رحمة الله علينا أننا عندما نصلي في الفضاء لا يوجد شيء ننظر إليه أصلاً، حتى النور الذي أسرجوه لنا أطفأه الناس، حتى إن الفرش التي نصلي عليها ليس فيها زخارف ولا زركشة تلهي الناس، فلذلك نقول: الأصل أن الإنسان يرمي ببصره نحو موضع سجوده، وإن كان هناك ما يشغله ويشوش عليه صلاته فلا حرج أن يغمض عينيه، وإن كان تغميض العينين أيضاً يجلب الخشوع فلا حرج في ذلك.

стр. 69

استحباب إخبار من تحبه في الله بذلك وميزان المحبة في الإسلام السؤال من كان يحب أحد الإخوان لطيب خلقه ودينه، وحسن سمته وصلاحه، هل يخبره بأنه يحبه في الله؟ الجواب نعم، قال أحد الصحابة لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله! إني أحب فلاناً في الله، فقال ﷺ : هل أخبرته؟ فقال: لا، قال: إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره، ليقل له: إني أحبك في الله، وليقل له أخوه: أحبك الله الذي أحببتني من أجله). لكن ما معنى المحبة في الله؟ هذه قضية مهمة جداً؛ لأن البعض يحب صديقه لأنه صاحب نكتة ويضحك الناس في المجالس، يقوم أحد الناس ويقول له: إني أحبك في الله، هذا الكلام خطأ، إن المحبة في الله معناها: أن تحب شخصاً من أجل أفعاله وأقواله التي يحبها الله، فأحبه؛ لأنه مواظب على الجماعة؛ ولأنه كف لسانه عن الولوغ في أعراض المسلمين؛ ولأنه كثير الإحسان؛ ومعظم لحرمة الدين؛ ومحب للنبي الكريم ﷺ ؛ وإنسان خاشع؛ وإنسان متواضع؛ ونحو ذلك، هذه محبة في الله، أما أن تحب إنساناً مثلاً لجمال شكله فليست هذه محبة في الله، أو تحب إنساناً لأنه رجل حسن المظهر، هذه ليست محبة في الله، وهكذا لو أن إنساناً قال: والله إن فلاناً من الناس أحسن رجلٍ! نقول له: كيف ذلك؟ قال: والله لو رأيته ذا عمةٍ مهيبةٍ وعصاً بيمينه تكسوه وقاراً!! وما قيمة ما ذكرت؟ يحمل عصاة!!! قد يكون حطباً لجهنم! فيجب أن تدرك أن موازين الناس في هذا الزمان فيها نوع من الخلل والتخبط.

стр. 70

الذكر بعد صلاة الوتر السؤال كلمة: (سبحان الملك القدوس) هل نقولها بعد السلام من الوتر أم بعد صلاة التراويح أم دبر كل صلاة؟ الجواب تقولها بعد الوتر، هذا هو الثابت عن أمنا عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من الوتر قال ثلاثاً: سبحان الملك القدوس، يرفع بها صوته)، فلذلك من السنة بعد الوتر أن نقول: سبحان الملك القدوس ثلاثاً.

стр. 71

جواز إحرام الحاج والمعتمر الآتي من السودان من جدة السؤال هل يجوز للحاج والمعتمر الآتي من السودان إلى بيت الله العتيق الإحرام من جدة؟ الجواب نعم، يجوز للحاج والمعتمر الخارج من السودان الإحرام من جدة.

стр. 72

حكم تطهير غير المحارم لنجاسة الرجل العاجز السؤال أخي متخلف عقلياً وقد بلغ الحلم، ولكن لا يوجد من ينظفه من النجاسة إذا قضى حاجته إلا أمي، وهي طاعنة في السن وزوجتي، فهل يجوز لزوجتي ذلك؟ وكيف العمل إذا كان لا يجوز لها تنظيفه؟ الجواب زوجتك لا يجوز لها أن تقوم بالأمر طالما أن الوالدة موجودة وأنت موجود، فأنتم تقومون بواجبكم نحوه، ونسأل الله أن يعظم أجركم، ونسأله كذلك أن يكشف عنكم البلاء، وأن يشفي أخاكم، وفي الحقيقة هذا من البلاء، والله يقول: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]، ما تدري لعل في هذا خيراً لكم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦]، وقال سبحانه: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، لكن زوجتك لا يحل لها الاطلاع على عورة أخيك لأنه لا ضرورة، حتى في حال التطبيب، نقول: إذا مرض رجل لا يجوز للطبيبة أن تكشف على عورة هذا الرجل، فقم بهذا الأمر أنت، ولا تكلف أمك فوق طاقتها، أما إن كانت هناك مشقة من جهة أنك أحياناً تخرج إلى العمل الذي تقتات منه وليس أحد في البيت سوى أمك، فلتقم هي بهذا، وسيعظم الله أجرها، لكن زوجتك لا يجوز لها ذلك.

стр. 73

لا تسلب عن القاتل صفة الإيمان السؤال معلوم أن القاتل يكون أخاً لولي القتيل، ولا تنتفي منه صفة الإيمان، فكيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]؟ الجواب هذه الآية فيها كلام كثير لأهل العلم، والصحيح الذي عليه جمهور العلماء: أن هذه الآية مقيدة بالآية التي في النساء وتكررت مرتين، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨]، فأيهما أعظم الشرك أم القتل؟ الشرك، فاللهُ هنا يبين أن من مات مشركاً ليس له طريق إلى المغفرة، أما من مات وله ذنوب دون الشرك فهو تحت المشيئة، فمن قتل نفساًًًًًًًًًًً، أو ارتكب فاحشة، أو شرب خمراً، أو غير ذلك فهو تحت المشيئة، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له, ولذلك لو أن إنساناً قتل مؤمناً وحكم عليه بالقصاص وقتلوه به، فإننا نغسله ونكفنه ونصلي عليه في المسجد، وندعو له: اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، ولو كان كافراً ما فعلنا به ذلك. والمعنى نفسه موجود في قول الله : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩]، فهنا سماهم مؤمنين، رغم أنهم اقتتلوا، كذلك الرسول ﷺ لما صعد على المنبر ومعه الحسن ابن فاطمة ﵉، وقال: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، وفعلاً أصلح الله به في العام الذي سمي بعام الجماعة سنة أربعين أو واحد وأربعين من الهجرة، فسمى النبي ﷺ الفئتين المتقاتلتين (مسلمتين) رغم أنهما تقاتلتا، فالقاتل إذاً لا تسلب عنه صفة الإيمان، حتى لو قلنا بظاهر الآية التي في سورة النساء فلا يلزم من الخلود نفي الإيمان. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. اللهم تقبل منا الصيام والقيام واجعله خالصاً لوجهك الكريم. اللهم اجعلنا من عتقائك في هذا الشهر المبارك من النار، اللهم اجعلنا من عتقائك في هذا الشهر المبارك من النار، اللهم اجعلنا من عتقائك في هذا الشهر المبارك من النار. اللهم لا تفرق جمعنا هذا إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وعمل متقبل مبرور. اللهم اجعل هذا المجلس المبارك شاهداً لنا لا علينا، واجعله في صحائف حسناتنا يوم نلقاك، اللهم كما جمعتنا فيه نسألك أن تجمعنا في جنات النعيم وأن ترزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم، وأن تجعلنا إخواناً على سرر متقابلين. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

стр. 74

لباب النقول في أسباب النزول [٣] لقد جعل الله القرآن الكريم كتاب هداية، فقد بين فيه أصول الدين وفروعه، وتناول القرآن الكريم قسطاً كبيراً من القواعد والأصول التي تقرر بها الأحكام، ومن ذلك نزول آياته على وقائع حادثة معينة تبياناً وإرشاداً، وقد يكون للواقعة والسبب الذي نزل بشأنه النص القرآني صور، وللعلماء فيها كلام عظيم وتفصيلات مهمة.

стр. 75

حالات تعدد الروايات في سبب النزول وكيفية التعامل معها تقدم معنا الكلام في أنه إذا روي أكثر من رواية حول سبب نزول آية واحدة من كتاب الله فهذا الأمر لا يخلو من إحدى حالات أربع: الحالة الأولى: أن تكون إحدى الروايتين صحيحة والأخرى ليست كذلك، ومثال هذا سبب نزول قول الله : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣]، فهناك رواية صحيحة بأن امرأة من شياطين قريش -وهي العوراء أم جميل - قالت: يا محمد! ما أرى شيطانك إلا قد ودعك. فأنزل الله هذه الآية. وهناك رواية عند الإمام الطبراني في قصة دخول الجرو وموته تحت سرير رسول الله ﷺ ، مع أننا لو أثبتنا هذه الرواية لا يكون هناك تعارض. الحالة الثانية: أن تكون الروايتان صحيحتين، ولكن يمكن الترجيح بينهما، كحديث ابن مسعود ﵁ في قصة مرور النبي ﷺ على نفر من اليهود وسؤالهم إياه عن الروح، ورواية ابن عباس أن السائلين هم المشركون، وأنهم سألوا بإيعاز من اليهود. فنقدم الرواية الأولى؛ لأن ابن مسعود أقدم إسلاماً من ابن عباس، ويحمل ذلك على أنه قد رأى هذه الحادثة، أما ابن عباس ﵁ فقد رويت له رواية. الحالة الثالثة: أن تكون الروايتان صحيحتين، ولكن لا يمكن الترجيح بينهما، ويمكن أن تكون الآية قد نزلت فيهما، ومثال ذلك آيات اللعان، فقد قيل: إن سبب نزولها أن هلال بن أمية الواقفي رمى زوجته بـ شريك بن سحماء، وقيل: بل الرامي هو عويمر العجلاني، والروايتان صحيحتان، فنقول: لا تعارض، وتحمل الروايتان على أن الرمي حصل من هذا ومن هذا؛ فنزلت الآيات فيهما. الحالة الرابعة: استواء الروايتين -أو الروايات- في الصحة وعدم إمكان الترجيح بينهما، وعدم إمكان القول بأن الآية قد نزلت فيهما، ومثاله قول الله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]، قيل: نزلت عقيب أحد، وقيل: نزلت يوم الفتح، وما بين أحد والفتح خمس سنوات، ولذلك لا سبيل إلى القول بأن الآية قد نزلت في الأمرين جميعاً، إلا أن يحمل ذلك على تعدد أو تكرر النزول، أي أنها نزلت مرة بعد مرة.
следующие страницы →