Полный текст (933 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
أنواع القلم
دلت الشريعة على أن القلم أنواع: القلم الأول: ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب ما كان وما سيكون) فهذا هو القلم الأول.
الثاني: القلم الذي تكتب به الملائكة الأقدار في ليلة القدر من كل عام: من حياة وموت ورزق وجدب ومرض وصحة، وغير ذلك كله يكتب.
الثالث: القلم الذي يستعمله الكرام الكاتبون، قال الله : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨].
وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١١].
الرابع: القلم الذي يستعمله الملك الذي وكل بنا ونحن في أرحام أمهاتنا، بعد أن يكمل أحدنا أربعة شهور، فيرسل الله ملكاً يأمره بأن ينفخ فيه الروح، وأن يكتب أربع كلمات: الرزق، والأجل، والعمل، والشقاوة والسعادة، هذه الكلمات الأربع يكتبها الملك ونحن في بطون أمهاتنا.
الخامس: سائر الأقلام التي نستعملها نحن البشر وتعلمنا بها الكتابة.
يقول الرازي ﵀: روي أن سليمان سأل عفريتاً من الجن، قال له: ما الكلام؟ فقال له العفريت: ريح يذهب، قال له: فما قيده؟ قال: الكتابة.
ولذلك يقول الرازي ﵀: لا تقل: القلم نائب عن اللسان؛ فإن القلم ينوب عن اللسان واللسان لا ينوب عن القلم.
يعني: أن الإنسان إذا أراد أن يكلم إنساناً آخر، فإنه يكتب له، فالقلم يقوم مقام الكلام، لكن اللسان لا يقوم مقام القلم، فقد يكتب إنسان مالا يستطيع نطقه.
ولما كان القلم بهذه المنزلة أيها الإخوة الكرام يقول الرازي ﵀: بركوعه تسجد الأنام، وبحركته يحفظ العلم على مر الليالي والأيام.
стр. 282
تفسير قوله تعالى: (علم الإنسان ما لم يعلم)
قال الله تعالى: ﴿عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:٥].
قيل: المراد بالإنسان آدم ﵇، فقد علمه الله أسماء كل شيء بكل لغة، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] فظهرت مزيته وبان شرفه وعلمه صلوات الله وسلامه عليه، لكن قد بين الله أن هذه الآية تعمنا وتشملنا، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨].
стр. 283
تفسير قوله تعالى: (كلا إن الإنسان ليطغى)
بعدما استمرت مسيرة الدعوة حيناً وظهر لها مناوئون ومعارضون ومبغضون، جاءت بقية السورة، يقول الله : ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧] أصل الطغيان: التعاظم والكبر ومجاوزة الحد، والسبب: أن الإنسان بمجرد ما يستغني ويكثر ماله وتسبغ عليه نعم الله فإنه يطغى ويتكبر على الله أولاً صاحب النعمة ﷻ ، ومثال ذلك: فرعون اللئيم عليه لعنة الله، قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١].
وكذلك قارون لما قال له قومه: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦]، فأبى أن يقبل النصيحة، وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] أي: ليس لله فيه نصيب.
وكذلك الأقرع صاحب بني إسرائيل ثالث الثلاثة قال: (إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر).
لا يريد أن يعترف لله بالنعمة.
وكذلك الوليد بن المغيرة الذي كان يريد أن يكون الوحي إليه، فقال: لم يكون محمد نبياً؟ لم لا أكون أنا؟ قال تعالى مخبراً عن الكفار: ﴿وَقَالوُا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، أي: كيف يكون محمد نبياً وهو فقير لا مال له، ولم يكن الوليد أو عروة الثقفي نبياً؟! فهذا الإنسان طاغية جبار، قال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق:٦] هذا من العام المخصوص، فقد وجد من صنف الإنسان أناس آتاهم الله المال والعلم فما زادهم ذلك إلا تواضعاً، وعلى رأسهم سليمان ﵇، فقد آتاه الله ما لم يؤت أحداً، فعلمه منطق الطير، وآتاه من كل شيء، وسخر له الريح، قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص:٣٦ - ٣٧].
يعني: في أيام معدودات يبنون له مسجداً عظيماً، وقال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ:١٣] ومع ذلك فإنه ﵊ لما أُتي بعرش بلقيس: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠].
كذلك وجد من الصالحين من أصحاب رسول الله ﷺ من هو كذلك، كالقصة التي رواها مالك في الموطأ قال: (شغل صحابي ببستانه فتأخر عن الصلاة يوماً، وكان بستانه قد بلغ حالاً من النمو وكثرة النخيل فيه، حتى إن الطير لم تستطع الطيران في البستان؛ لكثرة الأشجار وتزاحمها، فذهب الرجل إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله! قد شغلت ببستاني عن الصلاة فهو في سبيل الله، اجعله حيث شئت).
فهذا الرجل حاكى وشابه سليمان ﵇ حين قال: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ [ص:٣٢ - ٣٣] فذبحها كلها؛ لئلا تشغله عن ذكر الله.
وأيضاً من الصحابة من كان ماله سبيله إلى الجنة، فهذا عثمان بن عفان ﵁: (جاء بمال كثير إلى الرسول ﷺ في غزوة تبوك، فصبه في حجره، فجعل رسول الله ﷺ يقلبه ويقول: اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، وقال: ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم).
الأصل أن الإنسان إذا استغنى طغى، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧] نظير ذلك في سورة البقرة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة:٢٥٨] أي: بسبب أن الله آتاه الملك وأغناه طغى وتكبر.
قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق:٨]، أي: المآب إلى الله، فهو سبحانه سيحاسب الكل، وأصحاب المال حسابهم أشد، ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلْطَّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبأ:٢١ - ٢٢] أي: مرجعاً ومصيراً.
стр. 284
تفسير قوله تعالى: (أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى)
قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق:٩ - ١٠] قوله: ((أَرَأَيْتَ)) أي: اعجب يا محمد وحق لك أن تعجب من كافر فاجر طاغية ينهى عبداً صالحاً مؤمناً عن الصلاة، وما ضرتهم صلاة محمد ﷺ عند الكعبة شيئاً، لكن الطغيان.
وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (أن أبا جهل لعنه الله وقف في ملأ قريش يوماً وقال: أما زال محمد يعفر وجهه بين أظهركم، فقيل له: نعم.
قال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأشدخن رأسه بحجر، فما لبث إلا قليلاً حتى قيل له: يا أبا الحكم هذا محمد يعفر وجهه، فجاء عدو الله ومعه حجر يمشي نحو رسول الله ﷺ والناس ينظرون، فما فجأهم إلا وقد ألقى الحجر من يديه، ثم رجع وهو يتقي بيديه ممتقعاً لونه، فقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟ قال: والله ما إن دنوت منه حتى رأيت بيني وبينه خندقاً وأهوالاً وأجنحة، قال الرسول ﷺ : تلك الملائكة والله لو دنا لتخطفته عضواً عضواً).
فكان هذا الفاجر ينهى رسول الله ﷺ عن الصلاة.
стр. 285
تفسير قوله تعالى: (أرأيت إن كان على الهدى)
قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ [العلق:١١ - ١٢]، يعني: يا أبا جهل افترض أن محمداً ﷺ على الهدى ويأمر بالتقوى، فما شأنك به؟ دعه.
قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [العلق:١٣] أي: إن كذب بقلبه وتولى عن العمل بجوارحه.
وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤] أي: يا أبا جهل يا طاغية يا من تجبرت وبغيت واستعليت أما علمت أن الله مطلع عليك، سامع لمقولتك، وأنه ﷻ سينتقم منك.
قال : ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق:١٥]، السفع: الجذب بشدة، وقيل: السفع تعريض الوجه لحر الشمس حتى يسود، وقيل: السفع الضرب، وكله حاصل يوم القيامة.
قوله: ((لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ)) خصت الناصية بالذكر؛ لأن العرب إذا أرادوا إذلال شخص وإهانته أخذوا بناصيته.
قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق:١٦]، من باب إطلاق الجزء مع إرادة الكل، كما في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد:١] فما تبت يداه وحدها وإنما تب وهلك كله، لكن هذا باب من إطلاق الجزء مع إرادة الكل.
стр. 286
تفسير قوله تعالى: (فليد نادية)
قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق:١٧ - ١٨] كان أبو جهل يخاف من الرسول ﷺ خوفاً شديداً، وهذه من عجائب صنع الله، مثل ما صنع الله لموسى، قالوا: كان فرعون إذا رأى موسى أحدث، مع أنه كان يتكبر ويقول: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢].
ومما يدل على خوف أبي جهل من الرسول ﷺ ما جاء في الحديث: (أن رجلاً من بني إراش باع إبلاً من أبي جهل فماطله أبو جهل ولم يدفع له قيمة إبله، فذهب عند الكعبة، فوجد جماعة من قريش فقال: يا قوم من ينصفني من أبي الحكم؟ فقالوا وهم يسخرون منه: ذاك الرجل من بني عبد المطلب يعنون الرسول ﷺ ، سيستخرج حقك من أبي الحكم، فذهب الرجل إلى الرسول ﷺ وقال له: يا أخا العرب أتنصفني من أبي الحكم؟ قال: وما ذاك، قال: بعته إبلاً فأبى أن يعطيني الثمن، ودلني القوم عليك، فالرسول ﷺ قال: قم بنا إليه، فمشى ﷺ وضرب على أبي جهل بابه، قال: من؟ قال: محمد، فخرج عدو الله ممتقع اللون، فقال له ﷺ : أعط هذا الرجل حقه، قال: أفعل يا أبا القاسم، فرجع الرجل للملأ من قريش وقال لهم: جزاكم الله خيراً، قالوا: وما ذاك؟ قال: أعطاني الثمن.
فلما جاء أبو جهل قالوا: كيف ذلك يا أبا الحكم؟ قال: والله ما إن ضرب علي محمد بابي فخرجت إليه حتى رأيت فوق رأسه فحلاً لو تأخرت لطحنني بين أنيابه).
فهو ﵊ لم يكن معه حرس ولا حشم، وإنما ألقى الله عليه المهابة والجلالة والفخامة صلوات الله وسلامه عليه.
وجاء في حديث آخر: (أن عدو الله أبا جهل جاء إلى الرسول ﷺ وقال له: ألم أنهك؟ فالرسول ﷺ زجره ونهره وطرده، فقال له: يا محمد لا ترفع علي صوتك، فإن قريشاً تعلم أنه لا أحد أكثر نادياً مني -يعني: أنا أكثر حاشية وجماعة- فقال الله : ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه﴾ [العلق:١٧]) أي: فليأت بناديه وجماعته وحاشيته.
قال تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق:١٨]، قال ابن عاشور ﵀: وهذه من معجزات القرآن، ف أبو جهل سمع الآية وسمعها الملأ من قريش وما جرؤ واحد منهم على أن يقول: أنا قبلت التحدي، وإلا لتخطفتهم الملائكة واحداً واحداً.
قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾، الزبانية: جمع زبني أو زبنية أو زباني، والمقصود خزنة جهنم.
قال تعالى: ﴿كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩] أي: لا تلتفت إلى هذا الخبيث، كما قال في آية أخرى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل:١٠].
وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان:٢٤].
أي: لا تطعه واسجد واقترب، قال رسول الله ﷺ ، كما في مسلم: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء؛ فقمن أن يستجاب لكم).
وثبت في صحيح مسلم أيضاً: (أن رسول الله ﷺ سجد في هذه السورة وسجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١]) نسأل الله أن يجعلنا من الساجدين.
стр. 287
تفسير من سورة القدر إلى سورة العاديات
في سورة من قصار السور ذكر الله فضل ليلة القدر، وما لها من مكانة في ديننا العظيم، وذكر فضل البينة وأنها رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة، وذكر أن من عمل مثقال ذرة خيراً أو شراً يره، وذكر حال الإنسان الكافر في الدنيا.
стр. 288
مقدمة في تفسير سورة القدر
سورة القدر مكية في قول بعض المفسرين، ومدنية في قول الأكثرين، وفيها خمس آيات وثلاثون كلمة، ومائة واثنا عشر حرفاً، وهذه السورة المباركة هي واحدة من ثلاث وعشرين سورة في القرآن افتتحت بالجمل الخبرية، كقوله سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١] وقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:١]، ونحو ذلك.
стр. 289
تفسير قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١].
(إنا) هذا ضمير التعظيم، فالله يعظم ذاته العلية، وتكرر هذا في القرآن كثيراً، كقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء:١٠٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]، ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ [ق:٤٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، ونحو ذلك من الآيات.
وفي بعض الآيات الله يتحدث عن نفسه بضمير الإفراد، كما في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، فالله سبحانه يعظم نفسه متى شاء، فهو العظيم وهو الكبير وهو المتعالي .
قوله تعالى: ((إنا أنزلناه)) الضمير في قوله سبحانه: (أنزلناه) بإجماع المفسرين يرجع إلى القرآن، أي: أنزلنا القرآن، قال العلامة الطاهر بن عاشور ﵀: وفي الإتيان بالضمير بدلاً من الاسم الظاهر إيماء إلى أنه مستقر في أذهان المسلمين؛ لشدة اشتغالهم به وشغفهم بقراءته.
يعني لم يقل الله : إنا أنزلنا القرآن في ليلة القدر، وإنما قال: ((إِنَّا أَنزَلْنَاهُ)) اكتفى بذكر الضمير، فقوله: ((إنا أنزلناه)) هذه الجملة إشارة إلى أنه من الله سبحانه، أنزل على نبيه محمد ﷺ ، وكان المشركون يقولون: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل:١٠٣] وذلك أن الرسول ﷺ كان يجلس إلى غلام نصراني اسمه جبر، أو اسمه يسار، وكان قيناً أي: حداداً يصنع السيوف، فقال المشركون: إن قرآن محمد يتعلمه من هذا الغلام النصراني، فقال الله : ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣] أي: هذا النصراني أعجمي وهذا القرآن عربي مبين، وكما في الآية الأخرى قال الله : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٥].
стр. 290
أقوال العلماء في سبب تسمية القدر بهذا الاسم
قوله: ((فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)) ذكروا في تسمية ليلة القدر بهذا الاسم أقوالاً ثلاثة: الأول: قولهم: فلان ذو قدر، أي ذو شرف ومكانة، فسميت ليلة القدر؛ لشرفها ومكانتها، كما قال مجاهد؛ لأن الله تعالى أنزل فيها كتاباً ذا قدر، على رسول ذي قدر، على أمة ذات قدر، فأخذت الليلة شرفها من نزول القرآن فيها.
الثاني: سميت ليلة القدر بهذا الاسم؛ لأنه تقدر فيها المقادير، والآجال، والأرزاق، والأعمال، كما قال ربنا سبحانه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤]، كل شيء يقدر في هذه الليلة، خلال عام كامل، يكتب من يولد ومن سيموت، من سيؤمن ومن سيكفر، من سيهتدي ومن سيضل، يكتب ما يكون من مطر، ومن جدب، ومن وعطاء، ومن منع، ومن حياة، ومن موت، ومن صحة، ومن سقم، قالوا: حتى أسماء الحجيج تكتب فلا يزيدون واحداً ولا ينقصون واحداً، ونسأل الله أن يجعلنا من المكتوبين منهم.
الثالث: سميت ليلة القدر بهذا الاسم من القدر الذي هو التضييق، كما مر معنا في قول الله : ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر:١٦] أي ضيق؛ لأن الملائكة ينزلون في تلك الليلة فيضيقون فجاج الأرض وأفواه السكك.
стр. 291
كيفية نزول القرآن في ليلة القدر
قوله: ((أنزلناه)) أي: القرآن، إما أن يكون المقصود ابتداء التنزيل، كما مر معنا في قول الله : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، وهو أن هذه الآيات نزلت على قلب محمد ﷺ في ليلة القدر.
وإما أن يكون كما قال ابن عباس ﵄: نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم بعد ذلك نزل به الملك منجماً على حسب الوقائع والأحداث، كما قال الله : ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء:١٠٦]، وقال : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان:٣٢].
стр. 292
تفسير قوله تعالى: (وما أدراك ما ليلة القدر)
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر:٢].
هذا استفهام للتفخيم والتعظيم، قال الفراء وسفيان بن عيينة: كلما كان في القرآن (وما أدراك) فقد أدراه، وما كان في القرآن (وما يدريك) فلم يدره.
يعني: ذكرت جملة (وما يدريك) في القرآن ثلاث مرات: الأولى: قول الله في الأحزاب: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب:٦٣].
الثانية: قوله في الشورى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى:١٧].
الثالثة: قوله في سورة عبس: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:٣].
(وما أدراك) وردت في عشرة مواضع، كلها في المفصَّل في قصار السور: الأول: قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١ - ٣].
الثاني: قوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [المدثر:٢٦ - ٢٧].
الثالث: قول الله في سورة المرسلات: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ [المرسلات:١٣ - ١٤].
الرابع والخامس: قول الله في سورة الانفطار: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار:١٧ - ١٨].
السادس والسابع: قوله تعالى في المطففين: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ [المطففين:٨]، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين:١٩].
الثامن: قول الله : ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد:١١ - ١٢].
التاسع: قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:٣].
العاشر: قوله هنا في سورة القدر: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر:٢]، كل هذه أخبر الله بها نبيه ﷺ وأدراه بها.
فالسؤال للتفخيم: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر:٢] أي: هل عرفت خبرها؟ وهل أتاك نبؤها.
стр. 293
تفسير قوله تعالى: (ليلة القدر خير من ألف شهر)
قال الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣].
يقول العلامة الشيخ عطية ﵀: تنزيل القرآن بالليل، وجعل كتابة الأقدار بالليل دليل على أن لليل خاصية ومزية؛ ولذلك قال الله في القرآن: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١]، وقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء:٧٩]، وقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق:٤٠]، وقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان:٢٦]، وقال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦].
ثم قال: دل ذلك على أن الليل هو وقت التجليات، ونزول الرحمة، ونزول الفيوضات؛ لسكونه وهدأته، وسكون الأصوات والحركات فيه؛ ولذلك فإن الموفقين من عباد الله يلتمسون الخير في الليل.
لقد كرر الله هذه الكلمة ثلاث مرات حيث قال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١ - ٢]، وكان من الممكن أن يقول سبحانه: هي خير من ألف شهر، لكن الله كرر وقال: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣] قال المفسرون: إن الإظهار في مقام الإضمار يكون للتفخيم والتعظيم وهو مزيد من العناية والاهتمام، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧٨] فكرر كلمة الكتاب ثلاث مرات.
قال أهل التفسير ومنهم مجاهد بن جبر ﵀: (ذكر رسول الله ﷺ رجلاً من بني إسرائيل، لبس السلاح في سبيل الله ثمانين سنة ما عصى الله طرفة عين، فقال الصحابة: ومن يطيقه يا رسول الله؟ فأنزل الله هذه السورة فيها عطية لأمة محمد ﷺ .
فمن وفق لعبادة الله في هذه الليلة، فهو خير ممن عبد الله ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وألف شهر تعدل ثلاثاً وثمانين سنة وأربعة أشهر؛ ولذلك رسول الله ﷺ يبشر أصحابه ويقول لهم: (قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، افترض الله عليكم صيامه، فيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم).
وبعض المفسرين قالوا: ليس المقصود الألف وإنما المقصود التكثير، كما في قول العرب: فلان بألف رجل، يعنون: أنه عالي الهمة، عظيم القدر، ومنه قول الله : ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة:٩٦] وليس المقصود الألف، وإنما المقصود طول العمر، فهنا قالوا: المقصود تفخيم هذه الليلة، وليس المقصود أنها تعدل بالضبط ثلاثاً وثمانين سنة وأربعة أشهر.
стр. 294
تفسير قوله تعالى: (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر)
قال الله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر:٤].
ليلة القدر هذه ليلة مباركة تتنزل فيها الملائكة بأنوارها وبركاتها ويتنزل فيها جبريل ﵇ إلى هذه الأرض.
قوله: ((بِإِذْنِ رَبِّهِمْ)) أي: بأمر ربهم، الباء إما أن تكون باء السببية، أي: بسبب أمر ربهم وإذنه ﷻ ، وإما أن تكون باء المصاحبة، أي: مصحوبين بأمر ربهم.
قوله: ((مِنْ كُلِّ أَمْرٍ)) أي: بكل أمر؛ لأن (من) هنا بمعنى الباء، ومنه قول الله : ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] أي: يحفظونه بأمر الله، بأمر ربهم، والأمر إما أن يكون واحد الأمور أي: الأشياء، أو واحد الأوامر وكلاهما مراد، كما في قول الله : ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان:٤ - ٥] فقوله: ((فيها يفرق كل أمر)) أي: واحد الأمور وقوله: ((أمراً من عندنا)) واحد الأوامر.
стр. 295
تفسير قوله تعالى: (سلام هي حتى مطلع الفجر)
قال الله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر:٥].
قوله: ((سَلامٌ هِيَ)) أي: لا يستطيع الشيطان أن يتصرف فيها بسوء، ولا أن يصيب أحداً بأذى؛ لأنها ليلة سالمة من الآفات، وسالمة من البلايا والرزايا.
قال بعض أهل التفسير: المراد تسليم الملائكة على المؤمنين، أي: أنهم ينزلون فيسلمون على المؤمنين في مساجدهم واحداً واحداً.
قوله: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ معلوم بأن الليلة تنتهي بطلوع الفجر، لكن الله عيَّنها فقال: ((هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)) من أجل أن يحفزنا على عبادته فيها؛ لأن هذه ليلة محدودة، وساعاتها معدودة، فاجتهدوا فيها.
стр. 296
أقوال العلماء في تحديد ليلة القدر وتعيينها
قال الإمام القرطبي ﵀: أكثر أهل العلم على أنها ليلة سبع وعشرين؛ لما رواه مسلم في صحيحه من حديث زر بن حبيش ﵀ قال: قلت لـ أبي بن كعب: (إن أخاك عبد الله بن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر) أي: من يقوم الليل خلال السنة كلها يصيب ليلة القدر، (فقال أبي بن كعب: يرحم الله أبا عبد الرحمن! والله إنه ليعلم أي ليلة هي، ولكن أراد ألا تتكلوا -يعني: ابن مسعود يعرف أنها ليلة سبع وعشرين، لكن أراد من الناس أن يقوموا السنة كلها لا ليلة سبع وعشرين فقط- والله الذي لا إله غيره إنها ليلة سبع وعشرين، قلت له: بأي شيء تقوله؟ فقال: بالعلامة التي قالها رسول الله ﷺ : إن الشمس تخرج في صبيحتها ولا شعاع لها) يعني: تخرج باهتة، هذه رواية.
وأيضاً الرواية الأخرى: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للصحابة ﵃: ترى أي ليلة هي ليلة القدر؟ فقال عبد الله بن عباس: إن عندي منها علماً.
فقد كان عبد الله بن عباس جريئاً ﵁ جرأة العالم الواثق، حتى كان يقول في قول الله : ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف:٢٢] كان يقول: أنا من ذلك القليل.
وحق له ﵁.
قال لـ عمر: وما ذاك؟ قال له: هي لسبعة تبقى أو لسبعة تمضي-أي: إما ليلة ثلاث وعشرين، أو ليلة سبع وعشرين- قال له: بأي شيء قلت هذا؟ قال له: خلق الله السماوات سبعاً، والأرضين سبعاً، والأيام سبعاً، والشهر يدور على سبع، والإنسان خلق من سبع، وطعامهم من سبع، كما قال الله : ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ [عبس:٢٤ - ٢٨] إلى آخر الآيات، فـ عمر ﵁ قال له: فطنت لما غفلنا عنه).
وهنا يرجح ابن عباس أن ليلة القدر إما ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين.
وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (اعتكفنا مع رسول الله ﷺ العشر الأواسط من رمضان، قال: فخرج علينا ليلة عشرين، صلوات ربي وسلامه عليه، فقال: أيها الناس! من كان ملتمساً ليلة القدر فليلتمسها في العشر الأواخر، وإني أريت أني أسجد صبيحتها في ماء وطين، يقول أبو سعيد: وما في السماء قزعة، فهطلت السماء بالمطر، وكان سقف المسجد من جريد النخل، فصلى بنا رسول الله ﷺ وما انفتل من صلاته حتى رأيت أثر الطين والماء في جبهته وأنفه ﵊، وكانت ليلة إحدى وعشرين).
والذي عليه الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد وكثير من أهل العلم أنها متنقلة، وليست ثابتة، وقوله ﷺ : (أريت أني أسجد صبيحتها في ماء وطين) يعني: في تلك السنة.
وقول أبي بن كعب ﵁: (إنها ليلة سبع وعشرين) يحمل ذلك على الغالب، لكن ليس على أنها في ليلة سبع وعشرين لا تتخلف عنها.
ولذلك جاء في الحديث: (أنها في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى، في ثالثة تبقى، في واحدة تبقى) هذه الخمس ليالي الوتر، هي أكثر مظنة لالتماس ليلة القدر فيها.
أما ما قاله بعض العلماء: إنها في ليلة سبع وعشرين؛ لأن قوله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر:٥] رقم سبع وعشرين، فهذا لا يعول عليه كثيراً، وكذلك من قالوا: بأن ليلة القدر من تسعة أحرف، وتكررت ثلاث مرات في السورة، فحاصل ضرب التسعة في الثلاثة يساوي سبعة وعشرين، كل هذا كما قال ابن عطية: من ملح التفسير، وليس من متين العلم.
стр. 297
الأعمال التي تؤدى في ليلة القدر
كثير من الناس يهتم بأن يتتبع ما يقوله الناس في اليوم الذي بعده، أو يهتم بالليل هل يسمع نباح كلب، ويترقب العلامات؛ من أجل أن يعرف هل هذه ليلة القدر، أم ليست ليلة القدر، ليس هذا مهماً، فالعلماء ﵏ قالوا: هي ليلة ساجية ساطعة، كأن فيها قمراً ساطعاً، ساكنة، هادئة، بلجة، مضيئة، وذكروا أيضاً حديثاً ثبت بأن في صبيحتها تخرج الشمس لا شعاع لها، وهذه العلامة تكون بعد وقوعها، ولا فائدة من معرفة هذه العلامة، ولذلك ينبغي للإنسان أن يجتهد في ليلة القدر في عبادة الله ، وجزى الله أمنا عائشة ﵂ خيراً، فقد سألت رسول الله ﷺ ماذا تقول فيها؟ فقال: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) فهذا الدعاء ينبغي أن نكرره وأن نحرص عليه.
وأسأل الله أن يوفقنا لإصابة ليلة القدر.
стр. 298
مقدمة بين يدي تفسير سورة البينة
سورة البينة هي سورة مكية، وفيها ثمان آيات، وأربع وسبعون كلمة، وثلاثمائة وتسعة وتسعون حرفاً.
وهذه السورة ذكر لها المفسرون ستة أسماء، فسموها: البينة، والقيمة، وأهل الكتاب، ولم يكن، والانفكاك، والبرية، وهذه كلها من أسمائها، ونحن نعرف من علوم القرآن أن بعض السور لها أكثر من اسم.
стр. 299
المحاور والقضايا التي اشتملت عليها سورة البينة
يقول سيد قطب ﵀ في تفسيره (الظلال): هذه السورة قد اشتملت على أربع قضايا أساسية وهي: القضية الأولى: أن بعثة رسول الله ﷺ كانت ضرورية؛ لإخراج المشركين وأهل الكتاب من الضلال والتيه الذي دخلوا فيه.
القضية الثانية: أن أهل الكتاب ما انحرفوا عن الحق عن جهل، بل بعدما جاءتهم البينة وجاءهم العلم، وجاءهم الأنبياء والمرسلون صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
القضية الثالثة: أن الدين في أصله واحد، وأن قواعده بسيطة، وأن حقائقه واضحة، ليس في الدين اختلاف منذ أن جاء به آدم ﵇ إلى أن ختم بمحمد ﷺ ، فدين الله واحد.
القضية الرابعة: أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم خير البرية، وأن الذين كفروا هم شر البرية، أي: شر من الدواب والحمير.
стр. 300
سبب نزول سورة البينة
روى الإمام أحمد والشيخان البخاري ومسلم من حديث أبي حبة البدري الأنصاري ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال لـ أبي بن كعب: يا أبي! إن الله تعالى أمرني أن أقرأ عليك سورة البينة، فقال أبي ﵁: وقد سماني لك يا رسول الله؟! قال: نعم، فبكى أبي ﵁، قال له بعض الصحابة: أفرحت يا أبا المنذر! قال: ومالي لا أفرح والله قد قال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]).
قال الإمام القرطبي ﵀: وإنما قرأ النبي ﷺ على أبي؛ ليعلم الناس التواضع، ولئلا يأنف العالم عن القراءة على من هو دونه، أو أقل منه.
قال ابن كثير ﵀: والسبب -والله أعلم- هو ما رواه النسائي وغيره عن أبي بن كعب ﵁: (أنه سمع عبد الله بن مسعود يقرأ قراءة أنكرها غير التي أقرأه إياها رسول الله ﷺ ونحن نعرف اختلاف القراءات كقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣] أو: (نزّل به الروح الأمين) أو بعض الناس يقرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، وبعض القراء يقرأ: (ملك يوم الدين) وبعضهم يقرأ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ) [الفاتحة:٦] بالصاد، وبعضهم يقرأ (اهدنا السراط)، وبعضهم يقرأ بالإشمام بين الصاد والسين، وكلها قراءات متواترة ثابتة عن رسول الله ﷺ .
(فـ أبي ﵁ سمع من ابن مسعود قراءة أنكرها، فقال له: ما هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ ! فقال له ابن مسعود: ولكن أقرأنيها هكذا، فذهب أبي مع ابن مسعود يتحاكمان إلى الرسول ﵊، فقال النبي ﷺ : اقرأ يا أبي! فقرأ وقال: اقرأ يا ابن مسعود! فقرأ، فقال: كلاكما أصاب يقول أبي ﵁: فدخلني من الشك ولا إذ كنت في الجاهلية، قال: فضرب رسول الله ﷺ على صدري ففضت عرقاً كأني أنظر إلى الله فرقاً، وأخبره رسول الله ﷺ أن جبريل أتاه فقال: يا محمد! إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، فقلت: أسأل الله معافاته ومغفرته، فقال: على حرفين، فلم يزل حتى قال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على سبعة أحرف) والسبعة أحرف هذه كلها داخلة في لغة قريش، وكلها داخلة في القراءات المتواترة العشر التي يقرأ بها جماهير المسلمين في المشارق والمغارب.
يقول ابن كثير ﵀: قراءة النبي ﷺ على أبي كانت قراءة إبلاغ وتثبيت وإنذار لا قراءة تعلم واستذكار.
فالله يتولى الصالحين، ولما كان أبي رجلاً صالحاً عبداً لله قانتاً حنيفاً؛ فالله لم يتركه للشكوك والأوهام والشبهات، بل قيض له من ضربة رسوله ﷺ ومن قراءته ﵊ ما زاده إيماناً ويقيناً.
стр. 301
تفسير قوله تعالى: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب)
قال الله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:١].
قوله: ((لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ)) أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، باعتبار أن أصل دينيهما كتاب سماوي: التوراة، والإنجيل، أما المشركون فيدخل فيهم عبدة الأوثان، وعبدة النيران، وعبدة الكواكب والنجوم من العرب وغيرهم.
فالكفر اسم جنس يجمع أهل الكتاب مع المشركين، كما قال الله في سورة التوبة: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة:٣٠].
قوله: ((مُنفَكِّينَ)) أي: لم يكونوا مزايلين ومباينين وتاركين ما هم عليه من الكفر حتى تأتيهم البينة والبينة هي: كل ما أقيم لإظهار الحق.
стр. 302
تفسير قوله تعالى: (رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة .
فيها كتب قيمة)
قال الله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة:٢].
قوله: ((رسول من الله)) أي: محمد ﷺ .
قوله: ((يتلوا صحفاً)) الصحف: هي القراطيس التي يكتب فيها الكلام.
قوله ((مطهرة)) أي: مطهرة من الشك والريبة والباطل، ومطهرة من أن تتضارب وتتناقض، ومطهرة من الشرك والكفر.
قوله تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة:٣].
قال بعض أهل العلم: الكتب هي القرآن، وسمي كتباً باعتباره سوراً وباعتباره موضوعات فيها هذه الأحكام، وهذه القصص، وهذه العقائد، ونحو ذلك.
وقال بعض أهل التفسير: بل الكتب القيمة المقصود بها ما كان قبل القرآن، وكل ما فيها من علوم ومعارف أودعها الله في القرآن، وهذا هو منطوق القرآن، يقول الله : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى:١٣]، ومر معنا قول الله : ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٨ - ١٩]، وقول الله : ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٩٦]، وقول الله : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨]، وقول الله على لسان الجن: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣٠].
стр. 303
تفسير قوله تعالى: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة)
قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:٤].
لقد تفرق أهل الكتاب واختلفوا، وتفرق المشركون أيضاً، فمرة يقولون: ساحر، ومرة: كاهن، ومرة: مجنون، ومرة: شاعر، ومرة: يكتب أساطير الأولين، ومرة: إنما يعلمه بشر، يقول الله : ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات:١٠] أي: الكذابون، وقال: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات:٨] أي: كل يوم عندكم كلام يختلف عن الذي قبله، وقد خصَّ الله أهل الكتاب بالذكر في قوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:٤]، قال أبو السعود ﵀ في تفسيره: قصد الآية التشنيع على كلام مسوق لغاية تشنيع أهل الكتاب خاصة، أي: لأن عندهم كتباً، وقد ذكر رسول الله ﷺ باسمه، وصفته، ومولده، ومهاجره، وقد قال الله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] وقال عيسى ﵇: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]، فكان الواجب عليهم ألا يختلفوا، لكنهم عياذاً بالله ما تفرقوا جهلاً، وإنما عمداً.
فاليهود قاتلهم الله كانوا يطرحون على الرسول الله ﷺ الأسئلة، فقد سألوه عن فتية خرجوا في الدهر الأول ما خبرهم؟ فيجيب بأنهم أهل الكهف، ويقرأ عليهم الآيات، وسألوه عن رجل ملك المشارق والمغارب، فيقرأ عليهم خبر ذي القرنين، وسألوه هل ينزع الولد لأبيه أو لأمه؟ فيخبرهم ﷺ ، وسألوه صلوات الله وسلامه عليه: (ما أول طعام أهل الجنة؟ فقال لهم: زيادة كبد حوت)، وسألوه ما أول أشراط الساعة؟ فقال: (نار تخرج من قعر عدن تحشر الناس إلى المحشر)، وفي حديث آخر: (يأتيه وفد من اليهود: فقالوا: يا محمد! نسألك فإن أجبتنا فأنت نبي، قال: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، إن أنا أجبتكم أتؤمنون؟ قالوا: بلى، قال: سلوا، قالوا: نسألك أولاً ما هو الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه؟ فقال ﵊: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل -يعقوب ﵇ أكل لحم إبل فمرض، فنذر إن عافاه الله أن يحرم على نفسه لحم الإبل؟ قالوا: بلى، قال: اللهم اشهد) هذه واحدة، ثم طرحوا عليه سؤالاً ثانياً وثالثاً ورابعاً، وفي النهاية قالوا له: (يا محمد! من وليك من الملائكة؟ أي: من يأتيك بالوحي؟ قال لهم: جبريل، قالوا: جبريل ذاك عدونا، لو كان غيره لاتبعناك، قال: فما يمنعكم من اتباعه؟ قالوا: إنه يأتي بالعذاب، لو كان ميكائيل لاتبعناك) يعني: جعلوا الدين تبعاً للأهواء.
وبعضهم كان يقول: أنا رأس في قومي، كيف أرضى أن أكون تبعاً لمحمد؟! فباع آخرته بدنيا حقيرة.
وهذا كعب بن أسد لعنه الله لما حوصر مع بني قريظة قال لقومه: يا قوم! أعرض عليكم خصالاً ثلاثاً، قالوا: هات الأولى، قال: الأولى: أن ننزل من حصوننا فنتابع هذا الرجل؛ فإنكم تعلمون أنه النبي المذكور في التوراة، فقالوا: لا نفارق ديننا، هات الثانية، قال: الثانية: اليوم يوم السبت، وقد أمننا محمد وأصحابه، ننزل فنناجزهم، نغدر بهم، قالوا: قد علمت من اعتدى في السبت ما فعل الله به، قال لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥]، هات الثالثة، قال: الثالثة: أن نقتل نساءنا وأطفالنا، ونناجز محمداً فإن ظهر علينا لم يكن وراءنا ما نخاف عليه، وإن ظهرنا عليه اتخذنا الذرية والأزواج، قالوا: فما خير العيش بعد قتل الذرية والأزواج، قال: قاتلكم الله ما بات رجل على رأي منذ ولدته أمه.
هذا الخبيث الذي كان يقول: إنكم تعلمون أنه النبي المذكور في التوراة، لما حكم عليه بالقتل، وأخذ ليقتل لينفذ فيه حكم الإعدام مقيداً، نظر إلى رسول الله ﷺ وقال: يا محمد! والله ما ندمت على عداوتك لحظة.
نعوذ بالله!
стр. 304
تفسير قوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء)
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥].
الله ما بعث نبياً ولا ما بعث رسولاً إلا قال له: ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
((وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)) أي: عبادة لا يخالطها شرك، ولا رياء، حنفاء مائلين عن الشرك إلى التوحيد، وعن الضلال إلى الهدى.
قال سعيد بن جبير ﵀: لا يسمى الحنيف حنيفاً إلا إذا حج واختتن.
ولا شك أن هذا تفسير للعام ببعض أفراده، فإن الختان من الحنيفية، والحج من الحنيفية، لكن الحنيفية هي دين إبراهيم ﵇، أساسها التوحيد: لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله.
قوله: ((حُنَفَاءَ)) أي: حنفاء لا يعبدون أحباراً ولا رهباناً.
قوله: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة:٥] هذه في دين كل نبي، ولذلك أثنى الله على إسماعيل بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٤ - ٥٥]، وأثنى الله على غيره من الأنبياء، بل على أهل الكتاب عموماً فقال: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران:١١٣] فالصلاة والزكاة أساس في جميع الشرائع والأديان.
قوله: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] أي: هذا هو الدين المستقيم الذي لا عوج فيه ولا ميل ولا انحراف.
стр. 305
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٦].
أي: هم في النار ولا أمل لهم في الخروج، روى مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: (لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي أو نصراي ثم لا يؤمن بي إلا أكبه الله على وجهه في النار) خالداً مخلداً، يبقى فيها لا يخرج منها أبداً، ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٦]، وفي بعض القراءات: (أولئك هم شر البريئة) من البرء أي: الخلق، أولئك هم شر الخليقة، شر من الدواب والكلاب، والخنازير، والثعابين، قال الله : ﴿إِنّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٢]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال:٥٥].
стр. 306
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات جزاؤهم عند ربهم جنات عدن)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٧].
أي: هم خير خلق الله، وهذه الآية استدل بها من يقول: إن المؤمنين أفضل من الملائكة، وهذه المسألة من فضول المسائل التي لا يتعلق بالبحث فيها عمل.
قال تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة:٨].
قوله: ((جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ)) الله يسمي الجنة دار السلام، ويسميها جنات النعيم، ويسميها جنات عدن، وعدن أي: إقامة، ومنه سمي المعدن معدناً؛ لأنه مستقر، يقال: عدن فلان إذا أقام واستقر، فقوله: ((جنات عدن)) أي: جنات إقامة أبدية لا يخرجون منها، ولا ينامون ولا يموتون ولا يسقمون ولا يهرمون.
((جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)) الأنهار أربعة أنواع قال تعالى: ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد:١٥] خمر ليس فيها صداع، ولا مرض، ولا نتن، ولا غول، يقول ابن كثير: ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا، بل حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل.
أما خمر الدنيا ففيها صداع الرأس، ومغص البطن، ونتن الريح، وقبح الفعل.
إذاً: خمر الجنة ليس فيها شيء من ذلك، قال : ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد:١٥]، وهذه الأنهار تجري من تحتهم في غير أخدود، يقول الشيخ الصواف ﵀ في تفسيره: كأن الله يجزيهم من جنس عملهم، فأعمالهم كانت في الدنيا جارية ما داموا أحياء، فجعل الله أنهارهم في الجنة جارية من غير انقطاع، والجزاء من جنس العمل.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﵃ ﵃﴾ [البينة:٨] أي: ﵃ بأعمالهم، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة:٨] أي: لما دخلوا الجنة واستقروا فيها رضوا عن الله سبحانه كرضاهم عن الله في الدنيا كما قال أبو قلابة ﵀: رضاك عن الله أن تتلقى أوامره من غير ضجر.
جاء في الحديث: (إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله لهم -نسأل الله أن يجعلنا منهم-: يا أهل الجنة! هل رضيتم؟ يقولون: يا ربنا وما لنا لا نرضى؟! ألم تثقل موازيننا؟ ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ ألم تجرنا من النار؟ فيقول الله : إني جعلت جزاءكم أن أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً).
رضوان ليس بعده سخط، ذلك الجزاء الذي مضى لمن كان في الدنيا خائفاً، وعاش مقيداً بالأوامر والنواهي.
إن هذه السورة فيها جواب عن شبهة كبيرة تروج في هذا الزمان: وهي قضية وحدة الأديان، لكن لعل هذه القضية نعرض لها بالتفصيل إن شاء الله عند تفسير سورة الكافرون.
стр. 307
مقدمة بين يدي تفسير سورة الزلزلة
سورة الزلزلة هي سورة مكية، وهي مشتملة على ثمان آيات، في خمس وثلاثين كلمة، في مائة وتسعة عشر حرفاً، وموضوعها هو موضوع القرآن المكي في الحديث عن اليوم الآخر وبيان أهواله وما يكون فيه.
стр. 308
سبب نزول سورة الزلزلة
روى الواحدي في أسباب النزول عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (أن رسول الله ﷺ نزلت عليه هذه السورة وأبو بكر ﵁ قاعد عنده، فبكى أبو بكر ﵁، فقال له النبي ﷺ : ما يبكيك يا أبا بكر؟! فقال: يا رسول الله! أبكاني نزول هذه السورة! أو أسأل عن مثاقيل الذر؟! فقال له النبي ﷺ : ما ترى في الدنيا مما تكره هو مثاقيل الشر، ومثاقيل الخير يدخرها الله لك إلى يوم القيامة، ثم قال له: لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وأتى بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم).
ومعنى هذه الرواية: أن النبي ﷺ بشر الصديق أبا بكر ﵁ ومعه كل مؤمن بأن ما يكون في هذه الدنيا من الآفات والشرور التي تصيب الإنسان، من هم أو غم أو نصب أو وصب، أو نقص من الأموال والأنفس والثمرات، وتسلط الأعداء ونحو ذلك، فهذا كله يكفر الله به مثاقيل الشر التي اقترفناها، وأما مثاقيل الخير فهو يدخرها لنا سبحانه إلى يوم القيامة.
وقال مقاتل بن سليمان ﵀: نزلت هذه السورة في رجلين: كان أحدهما يستقل التمرة والكسرة والجوزة أن يعطيها للمسكين، يقول: ما نؤجر على مثل هذا، وإنما نؤجر على ما نعطي مما نحبه، وكان الآخر يستقل اليسير من الذنب، كالنظرة والكذبة، ويقول: ما يؤاخذ الله بمثل هذا، إنما توعد الله بالنار على الكبائر، فأنزل الله هذه السورة يحث فيها المسلمين على ألا يحتقروا الخير اليسير، فإنه يوشك أن يكثر، ويحذرهم من أن يحتقروا الذنب اليسير؛ فإنه يوشك أن يكثر.
стр. 309
تفسير قوله تعالى: (إذا زلزلت الأرض زلزالها)
بدأ ربنا ﷻ هذه السورة بالحديث عن واحد من أهوال يوم القيامة، يقول الله : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:١].
هذه الجملة شرطية، أداة الشرط (إذا)، وفعل الشرط (زلزلت)، وجواب الشرط في قول الله تعالى: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:٤] يعني: فصل ربنا بين فعل الشرط وجوابه بفاصل طويل، قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٤].
يقول العلامة ابن عاشور ﵀: والفصل بين فعل الشرط وجوابه بهذا الطول؛ من أجل التشويق لمعرفة جواب الشرط.
قال الله : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:١] الزلزلة: على وزن فعللة، هذا البناء في كلام العرب يدل على حركة واضطراب، ومنه قولهم: قلقلة، وقولهم: رجرجة، وقولهم: بلبلة، ونحو ذلك.
قوله: ((إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ)) أي: حركت حركة عنيفة، وماجت واضطربت، وتمور الأرض موراً، هذا الهول كرره ربنا في بعض آياته، كقوله في صدر سورة الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١]، وقوله سبحانه في صدر سورة الواقعة: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة:١ - ٥] أي: صارت الجبال كأنها بسيسة وهو الدقيق الذي يصنع بالسمن، فيتفتت بعدما ينضج بالنار، هكذا تكون الجبال، وهذا سيأتي معناه في قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة:٥].
وقال ربنا سبحانه في سورة الحاقة: ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٤ - ١٦].
стр. 310
أقوال العلماء في وقت حدوث الزلزلة
يقول الشيخ الشنقيطي ﵀: اختلف العلماء متى تكون هذه الزلزلة؟ هل تكون عند خروج الناس من قبورهم وحشرهم إلى عرصات القيامة أم أنها تكون في القيامة نفسها بعد النفخة؟ فقال بالقول الأول: جماعة من أهل التفسير كـ عبد الملك بن جريج وعبيد بن عمير والشعبي وغيرهم.
ولكن هذا المعنى وإن كان له وجه من النظر فليس له ما يسنده من الأثر.
قال: والأثر يدل على أن هذه الزلزلة تكون مع القيامة، كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول الله يوم القيامة: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول الله : أخرج بعث النار من ولدك، فيقول آدم: يا رب! وما بعث النار؟ فيقول الله له: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في النار وواحد إلى الجنة، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) فلو تدبرنا هذا الحديث مع قوله سبحانه: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] علم أن القول الراجح بأن هذه الزلزلة تكون في القيامة.
стр. 311
تفسير قوله تعالى: (وأخرجت الأرض أثقالها)
قال الله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة:٢].
قوله: ((وأخرجت الأرض أثقالها)) أي: أخرجت الأرض ما فيها من موتى، وما فيها من كنوز، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق:٣ - ٥] وكما في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تخرج الأرض كنوزها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء من قطع رحمه فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه ولا يأخذون منه شيئاً).
وهذه الزلزلة لا تترك معلماً ولا بناءً ولا شجراً، وإنما تصير الدنيا كلها هباء منثوراً، قال : ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٧].
стр. 312
تفسير قوله تعالى: (وقال الإنسان ما لها)
يقول تعالى: ﴿وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ [الزلزلة:٣].
يقول ابن عاشور ﵀: يستوي في ذلك الجبان والشجاع، والطائش والحليم، ﴿وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ [الزلزلة:٣].
ويمكن أن يقال: لفظ الإنسان ها هنا من العام المخصوص والمركب.
أي: الإنسان الكافر، أما المؤمن فإنه إذا شاهد هذا الهول يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢]؛ لأنه كان ينتظر ذلك اليوم ويحسب له حساباً.
فقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ يقول سيد قطب ﵀ في الظلال: سؤال المشبوه المبهوت المفجوع، سؤال من رأى ما لا قبل له، ومن شاهد ما لا صبر له عنه، ما لها تترجرج؟ ما لها تهتز؟ وكأنه يريد أن يتعلق بشيء يمسك به، ويستند إليه، فلا يجد شيئاً.
стр. 313
تفسير قوله تعالى: (يومئذ تحدث أخبارها .
بأن ربك أوحى لها)
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:٤].
جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وقال: حسن صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أتدرون ما أخبارها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل كذا وكذا فهذه أخبارها).
والواجب أيها الإخوان! أن نستحضر هذه الآية دائماً، وذلك بأن نعلم أن الأرض التي نمشي عليها ونقف فوقها ستشهد لنا أو علينا، ستشهد بأن فلاناً قد سجد، وستشهد بأن فلاناً قد جلس فقرأ قرآناً، وأن فلاناً قد جلس فأمر بمعروف أو نهى عن منكر، وستشهد بأن فلاناً جلس عليها فشرب خمراً، وأن فلاناً قد جلس عليها ففعل فاحشة، وأن فلاناً قد وقف عليها يحارب الله ورسوله، ويستهزئ بالشريعة؛ ولذلك يقول الله : ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ [الدخان:٢٩] قال علي ﵁: (إذا مات المؤمن بكى عليه موضع سجوده في الأرض، وموضع صعود عمله الصالح في السماء) يقول تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:٥].
الباء هنا باء السببية، أي: بسبب أن ربك أوحى لها أمرها، أذن لها بأن تتزلزل، والأرض مطيعة، كما قال الله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] أي: أوحى لها فأطاعت.
стр. 314
تفسير قوله تعالى: (يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم)
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة:٦].
الصدور ضد الورود، فالورود هو القدوم، والصدور هو الرجوع، ولذلك عبد الله بن رواحة ﵁ لما كان في طريقه إلى مؤتة خرج المسلمون يودعونه، قالوا له: (يا ابن رواحة! ردك الله سالماً، فبكى ﵁ وقيل له: ما يبكيك، أتبكي خوف القتل؟ قال: لا والله! لكنني تذكرت آية من كتاب الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١] فلم أدر كيف الصدور بعد الورود؟!) فقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ أي: يرجعون بعدما حشروا.
قوله: ﴿أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة:٦] واحدها شت، بفتح الشين وتشديد التاء، أي: يصدرون أنواعاً وأصنافاً، كما قال الله : ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم:١٤]، وقال الله : ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم:٤٣]، فمنهم من هو صادر إلى الجنة، ومنهم من هو صادر إلى النار، ومنهم من هو صادر بوجه مستبشر فرح ضحك، ومنقلب إلى أهله وهو مسرور، ومنهم من هو صادر والعياذ بالله بوجه عليه غبرة, ترهقه قترة، بوجه قد اسود من الكفر بالله والفجور والعمل بمعصية الله.
قوله: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ فمنهم من هو آخذ كتابه بيمينه، وتراه يصرخ في الناس قائلاً: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠]، ومنهم من هو آخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، وتراه يصرخ ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٩].
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
يقول الله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠] يقول المفسرون ﵏ في مقدار الذرة: هي نملة حمراء صغيرة لا تكاد ترى، وقال بعض أهل اللغة: الذرة أن تضرب بيدك على الأرض، فما علق بها من الرمل الصغار تسمى واحدتها ذرة.
يقول سيد قطب ﵀: ونحن ندرك الآن أن الذرة شيء قد استقر في ضمير العلماء؛ لكنه لا يرى أصلاً، يعني: لا هو نملة ولا هو رملة، ولا هو شيء يرى بالعين، ولا بأكبر المجاهر التي تكبر الصغير جداً، وإنما الذرة أصغر من هذا كله.
فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ هذه الآية تحفز المؤمن على أن يطلب كل عمل صالح ولو كان شيئاً يسيراً، قال رسول الله ﷺ : (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) وقال النبي ﷺ : (لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاه) يعني: ظلف الشاة، وهو شيء لا يكاد ينتفع به، لكن لو أن جارة طلبت من جارتها فتعطيها ولو هذا الشيء، وقال النبي ﷺ : (إن رجلاً أصابه العطش فنزل في ركية فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث، ويلحس الثرى من شدة العطش، فلم يجد إناء فملأ موقه -أي: خفه- ثم سقى ذلك الكلب، فشكر الله له فأدخله الجنة).
ويقول النبي ﵊: (رأيت رجلاً يتقلب في الجنة، في شجرة قطعها من طريق الناس، كانت تؤذي المسلمين) فهو قطع شجرة من طريق الناس؛ فأدخله الله بها الجنة، وبالمقابل: (دخلت امرأة النار في هرة)، وجاء في الحديث: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً، تهوي به في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب).
هذه الآية فهمها الصحابة حق الفهم، فقد ذكر الإمام مالك ﵀: (أن أمنا عائشة ﵂ كان بين يديها عنب تأكل منه، فجاء سائل فأمرت إنساناً عندها بأن يأخذ عنبة فيعطيها إياه، فالسائل على العادة أخذ يقلبها، ينظر إليها ويعجب، يعني: أم المؤمنين وزوجة النبي الأمين، والعالمة الفاضلة تعطيني عنبة! فقالت له عائشة وهي الفقيهة العالمة: أتعجب منها؟ قال: بلى، قالت: كم فيها من مثاقيل الذر، والله يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة:٧]).
وكذلك جاء عن سعد بن أبي وقاص ﵁: (أنه كان يأكل تمراً، فجاء سائل فأعطاه تمرتين، فقبض يده وأبى أن يأخذ التمرتين، فقال له: يا هذا! إن الله يجزينا على مثاقيل الذر، ألا تقبلها أنت؟!).
وإننا نقرأ في سنة رسول الله ﷺ أنه (كان ﵊ في غزوة خيبر فجاءه غلام أسود يعمل راعياً، فقال له: من أنت؟ قال: أنا رسول الله! قال: إلام تدعو؟ قال له: أدعو إلى كذا وكذا، قال: مالي إن آمنت بك؟ قال: الجنة، قال: فمن يرد هذه الغنم لسيدي؟ -يعني: هو أمين، وسيده يهودي- قال له ﷺ : اضرب على وجهها، فإن الله سيؤدي عنك، فشهد الرجل شهادة الحق، شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم قال: يا رسول الله! إني أسود الوجه، منتن الريح، دنس الثياب، ما لي عند الله؟ قال له ﷺ : أما إن الله سيبيض وجهك، وسيطيب ريحك، وسينظف ثوبك، ثم هذا الرجل اشترك في القتال فقتل قبل أن يركع لله ركعة، فجيء به، فلما وضع عند رسول الله ﷺ أعرض عنه ﷺ وأشاح بوجهه، قال الصحابة: ما لك يا رسول الله! قال: والذي نفسي بيده! لقد رأيت زوجتيه من الحور العين تدخلان ما بين جبته وجلده) هذا الرجل ما ركع ولا سجد ولم يعمل خيراً قط، وإنما آمن بالله ورسوله واشترك في هذه المعركة واستشهد، والله قبله ورفع درجته في عليين.
وبالمقابل أيها الإخوة الكرام! قد يتهاون العبد بالمعصية، ويرى ذنوبه كذبابة وقعت على أنفه، فقال بيده هكذا، يتهاون بالكذبة، ويتهاون بالنظرة، ويتهاون بالسخرية، وأحياناً من بعض أحكام الشرع، ولعلها تكون عند الله بميزان عظيم، كما قال سبحانه: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥].
وأذكر لذلك مثلاً، قال النبي ﷺ : (قذف محصنة يهدم عمل مائة سنة) يعني: قذف امرأة مسلمة عفيفة في عرضها يهدم عمل مائة سنة، فلو كان للقاذف عمل صالح يعدل مائة سنة يهدمه القذف للمحصنة؛ قال أهل العلم: لأن العار الذي يلحق بتلك المرأة البريئة من جراء هذه الكلمة قد لا يزول عنها حتى تموت، وتبقى الألسنة التي لا تتقي الله تلوكها، ويبقى وزرها على من قالها أول مرة.
стр. 315
تفسير قوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره)
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة:٦].
الصدور ضد الورود، فالورود هو القدوم، والصدور هو الرجوع، ولذلك عبد الله بن رواحة ﵁ لما كان في طريقه إلى مؤتة خرج المسلمون يودعونه، قالوا له: (يا ابن رواحة! ردك الله سالماً، فبكى ﵁ وقيل له: ما يبكيك، أتبكي خوف القتل؟ قال: لا والله! لكنني تذكرت آية من كتاب الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١] فلم أدر كيف الصدور بعد الورود؟!) فقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ أي: يرجعون بعدما حشروا.
قوله: ﴿أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة:٦] واحدها شت، بفتح الشين وتشديد التاء، أي: يصدرون أنواعاً وأصنافاً، كما قال الله : ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم:١٤]، وقال الله : ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم:٤٣]، فمنهم من هو صادر إلى الجنة، ومنهم من هو صادر إلى النار، ومنهم من هو صادر بوجه مستبشر فرح ضحك، ومنقلب إلى أهله وهو مسرور، ومنهم من هو صادر والعياذ بالله بوجه عليه غبرة, ترهقه قترة، بوجه قد اسود من الكفر بالله والفجور والعمل بمعصية الله.
قوله: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ فمنهم من هو آخذ كتابه بيمينه، وتراه يصرخ في الناس قائلاً: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠]، ومنهم من هو آخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، وتراه يصرخ ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٩].
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
يقول الله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠] يقول المفسرون ﵏ في مقدار الذرة: هي نملة حمراء صغيرة لا تكاد ترى، وقال بعض أهل اللغة: الذرة أن تضرب بيدك على الأرض، فما علق بها من الرمل الصغار تسمى واحدتها ذرة.
يقول سيد قطب ﵀: ونحن ندرك الآن أن الذرة شيء قد استقر في ضمير العلماء؛ لكنه لا يرى أصلاً، يعني: لا هو نملة ولا هو رملة، ولا هو شيء يرى بالعين، ولا بأكبر المجاهر التي تكبر الصغير جداً، وإنما الذرة أصغر من هذا كله.
فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ هذه الآية تحفز المؤمن على أن يطلب كل عمل صالح ولو كان شيئاً يسيراً، قال رسول الله ﷺ : (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) وقال النبي ﷺ : (لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاه) يعني: ظلف الشاة، وهو شيء لا يكاد ينتفع به، لكن لو أن جارة طلبت من جارتها فتعطيها ولو هذا الشيء، وقال النبي ﷺ : (إن رجلاً أصابه العطش فنزل في ركية فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث، ويلحس الثرى من شدة العطش، فلم يجد إناء فملأ موقه -أي: خفه- ثم سقى ذلك الكلب، فشكر الله له فأدخله الجنة).
ويقول النبي ﵊: (رأيت رجلاً يتقلب في الجنة، في شجرة قطعها من طريق الناس، كانت تؤذي المسلمين) فهو قطع شجرة من طريق الناس؛ فأدخله الله بها الجنة، وبالمقابل: (دخلت امرأة النار في هرة)، وجاء في الحديث: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً، تهوي به في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب).
هذه الآية فهمها الصحابة حق الفهم، فقد ذكر الإمام مالك ﵀: (أن أمنا عائشة ﵂ كان بين يديها عنب تأكل منه، فجاء سائل فأمرت إنساناً عندها بأن يأخذ عنبة فيعطيها إياه، فالسائل على العادة أخذ يقلبها، ينظر إليها ويعجب، يعني: أم المؤمنين وزوجة النبي الأمين، والعالمة الفاضلة تعطيني عنبة! فقالت له عائشة وهي الفقيهة العالمة: أتعجب منها؟ قال: بلى، قالت: كم فيها من مثاقيل الذر، والله يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة:٧]).
وكذلك جاء عن سعد بن أبي وقاص ﵁: (أنه كان يأكل تمراً، فجاء سائل فأعطاه تمرتين، فقبض يده وأبى أن يأخذ التمرتين، فقال له: يا هذا! إن الله يجزينا على مثاقيل الذر، ألا تقبلها أنت؟!).
وإننا نقرأ في سنة رسول الله ﷺ أنه (كان ﵊ في غزوة خيبر فجاءه غلام أسود يعمل راعياً، فقال له: من أنت؟ قال: أنا رسول الله! قال: إلام تدعو؟ قال له: أدعو إلى كذا وكذا، قال: مالي إن آمنت بك؟ قال: الجنة، قال: فمن يرد هذه الغنم لسيدي؟ -يعني: هو أمين، وسيده يهودي- قال له ﷺ : اضرب على وجهها، فإن الله سيؤدي عنك، فشهد الرجل شهادة الحق، شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم قال: يا رسول الله! إني أسود الوجه، منتن الريح، دنس الثياب، ما لي عند الله؟ قال له ﷺ : أما إن الله سيبيض وجهك، وسيطيب ريحك، وسينظف ثوبك، ثم هذا الرجل اشترك في القتال فقتل قبل أن يركع لله ركعة، فجيء به، فلما وضع عند رسول الله ﷺ أعرض عنه ﷺ وأشاح بوجهه، قال الصحابة: ما لك يا رسول الله! قال: والذي نفسي بيده! لقد رأيت زوجتيه من الحور العين تدخلان ما بين جبته وجلده) هذا الرجل ما ركع ولا سجد ولم يعمل خيراً قط، وإنما آمن بالله ورسوله واشترك في هذه المعركة واستشهد، والله قبله ورفع درجته في عليين.
وبالمقابل أيها الإخوة الكرام! قد يتهاون العبد بالمعصية، ويرى ذنوبه كذبابة وقعت على أنفه، فقال بيده هكذا، يتهاون بالكذبة، ويتهاون بالنظرة، ويتهاون بالسخرية، وأحياناً من بعض أحكام الشرع، ولعلها تكون عند الله بميزان عظيم، كما قال سبحانه: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥].
وأذكر لذلك مثلاً، قال النبي ﷺ : (قذف محصنة يهدم عمل مائة سنة) يعني: قذف امرأة مسلمة عفيفة في عرضها يهدم عمل مائة سنة، فلو كان للقاذف عمل صالح يعدل مائة سنة يهدمه القذف للمحصنة؛ قال أهل العلم: لأن العار الذي يلحق بتلك المرأة البريئة من جراء هذه الكلمة قد لا يزول عنها حتى تموت، وتبقى الألسنة التي لا تتقي الله تلوكها، ويبقى وزرها على من قالها أول مرة.
стр. 316
أحكم آية وأجمع آية في القرآن
قال ابن مسعود ﵁: ما في القرآن آية أحكم منها أي: من قوله تعالى: ((فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره)) [الزلزلة: ٧] وقال كعب الأحبار ﵁: لقد أنزل الله في القرآن آية جمعت ما في التوراة والإنجيل والزبور، وقرأ هذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
وفسرها رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح بقوله: (الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال طيلها -أي: حبلها- فإذا استنت شرفاً أو شرفين كانت أرواثها -أي: ما يخرج منها من الروث والبعر- وآثارها على الأرض في ميزان حسناته، فإذا أتت نهراً فشربت منه، ولم يرد أن يسقيها، كان ذلك حسنات له، وأما الذي له ستر، فرجل ربطها تغنياً -أي: استغناء عن الناس- وتعففاً، ولم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها، وأما الذي عليه وزر، فرجل ربطها رياء وفخراً) من أجل أن يقول: عندي خيل عربية، وجياد أصيلة، ويستعرض بها في المضامير، (فقال الصحابة: يا رسول الله! فالحمر؟ قال ﵊: ما أنزل الله علي فيها شيئاً إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]) يعني: الحمار نفس الشيء، قد يكون لك فيه أجر، وقد يكون لك ستر، وقد يكون عليك وزره، وقل مثل ذلك في السيارة، وقل مثل ذلك في البيت، وقل مثل ذلك في ثيابك التي تلبسها، وفي طعامك الذي تأكله، نسأل الله أن يعيننا على فعل الخيرات.
стр. 317
مقدمة بين يدي تفسير سورة العاديات
سورة العاديات سورة مكية في قول جمهور المفسرين، وقد اشتملت على إحدى عشرة آية، في أربعين كلمة، ومائة وستين حرفاً، فمن وفقه الله لقراءتها فله ألف وستمائة حسنة، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم.
هذه السورة أقسم فيها ربنا ﷻ بنوع واحد من مخلوقاته وهي الخيل، لما فيها من آياته الباهرة، ونعمه الظاهرة التي يراها الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : (الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة).
стр. 318
سبب نزول سورة العاديات
سبب نزول هذه السورة ما روى الإمام الحاكم عن مقاتل بن سليمان ﵀ أنه قال: (بعث رسول الله ﷺ سرية إلى بني كنانة، وأمر عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري، فتأخر خبرهم، حتى أرجف المنافقون وقالوا: قد قتلوا جميعاً، فأنزل الله هذه السورة مبشراً بأن الخيل قد فعلت الصفات التي ذكرت في هذه السورة المباركة).
стр. 319
تفسير قوله تعالى: (والعاديات ضبحاً * فالموريات قدحا)
قال الله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات:١] العاديات: هي الخيل التي تعدو، وتغير على الأعداء.
وقوله: ((ضبحاً)) مفعول مطلق من صوت الخيل، يقال: ضبحت ضبحاً إذا أصدرت صوتاً معروفاً، قال ابن عباس لا يضبح من الدواب إلا ثلاثة: الخيل والكلب والثعلب.
قال عطاء بن أبي رباح ﵀: سمعت ابن عباس يحكي صوت الضبح: أح، أح.
وابن عباس ﵁ وكثير من المفسرين قالوا: (العاديات) هي الخيل تعدو على الأعداء، لكن علي بن أبي طالب ﵁ كان يرى أن العاديات هي الإبل، يقول ابن عباس ﵁: (بينا أنا في الحجر جالساً جاءني رجل فقال لي: يا ابن عباس! ما قوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات:١]؟ فقلت له: الخيل حين تعدو على الأعداء، ثم إذا جن الليل فإنها تأوي بمن معها من الفرسان، فيورون أي: يوقدون نارهم، ويصنعون طعامهم، فذهب الرجل إلى علي بن أبي طالب ﵁ وهو جالس عند سقاية زمزم، فقال له: ما قوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات:١]؟ فقال له علي: هل سألت أحداً قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عباس فقال: هي الخيل حين تعدو في سبيل الله، فقال له علي: اذهب فأتني به، يقول ابن عباس: فلما وقفت عليه، قال لي: يا ابن عباس! أتفتي فيما لا علم لك به؟ انظروا أيها الإخوان إلى الشدة في الكلام، يقول علي هذا لـ ابن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن، الذي مسح النبي ﵊ على رأسه وقال: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل) وعمر ﵁ كان يرجع إليه في المعضلات.
فـ علي يزجر ابن عباس ويقول: (أتفتي فيما لا علم لك به؟ والله إن كانت أول غزوة غزيناها بدراً، وما لنا إلا فرسان: فرس للزبير، وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحاً هي الخيل؟! بل هي الإبل تعدو من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى) هذا رأي علي ﵁.
قال ابن عطية ﵀ في المحرر الوجيز: وفي الآية قسم بالخيل أو بالإبل أو بهما معاً، فلا معارضة بين قول ابن عباس وقول علي، لكن أكثر المفسرين يقولون بقول ابن عباس بأن العاديات هي الخيل.
قال الله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات:٢].
الخيل تضرب بحوافرها الحجارة فتتقد ناراً.
وقال عكرمة: الموريات قدحاً هي الألسنة؛ لأنها تقدح الحجج وتظهره، قال ابن عطية ﵀: وهذا على سبيل الاستعارة وليس على الحقيقة.
стр. 320
تفسير قوله تعالى: (فالمغيرات صبحاً فوسطن به جمعاً)
قال الله تعالى: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ [العاديات:٣].
المغيرات: هي الخيل تغير على العدو صباحاً، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: وهذا على الأغلب، أي: الأغلب أن الغارة تكون صباحاً.
وتعلمون في الحروب الأخيرة هذه الأيام أن أعداء الله يبدءون بصب نيرانهم وحممهم في وقت الفجر أو في وقت السحر، ورسول الله ﷺ كان إذا أغار على قوم فوصل ليلاً ينتظر حتى إذا أصبح أغار عليهم ﵊، كما قال: (الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين).
يقول تعالى: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات:٤].
أي: أنَّ هذه الخيل هيجت تراباً وغباراً، والنقع: هو التراب، وقيل: بل المراد بالنقع الصوت، ومنه قول عمر ﵁ لما توفي سيف الله المسلول خالد ﵁ فاجتمع أهله من النساء يبكين: ما على نساء بني المغيرة أن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقعاً أو لقلقة، فالنقع هو رفع الصوت بالبكاء.
يقول سبحانه: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات:٥].
أي: هذه الخيل توسطت العدو، وهذا كله حكاية عما كان في تلك السرية، سرية المنذر بن عمرو الأنصاري، فهذه الخيل عدت وأغارت وأثارت تراباً وتوسطت أولئك الأعداء من بني كنانة، وسلمهم الله وأغنمهم.
следующие страницы →