Полный текст (933 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
هداية البيان والإرشاد
قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل:١٢] أي: أن الله يقطع على نفسه عهداً بأن يهدي، قال أهل التفسير: الهداية هنا هداية البيان والإرشاد، ولا تعارض هذه الآية قول الله : ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢]، ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة:١٦] فالهداية هنا بمعنى الدلالة والإرشاد، وهي للناس عامة.
﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ [الليل:١٣] أي: لله الدنيا والآخرة.
стр. 247
بيان من يستحق النار
﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل:١٤] أي: ناراً حامية تتلظى وتتلمظ لمجيء الكفار والفجار.
﴿لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى﴾ [الليل:١٥] أي: لا يقاسي حرها إلا الأشقى.
قيل: نزلت في أمية بن خلف.
﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٦] أي: كذب بكلام الله وتولى عن طاعته، وقيل: كذب بقلبه، وتولى بجوارحه، كما في قول الله : ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ﴾ [الغاشية:٢٣ - ٢٤].
стр. 248
إنفاق الصديق وبذله للأموال في سبيل الله
قال الله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ [الليل:١٧]، قال ابن كثير ﵀: أجمع المفسرون على أن هذه الآية نازلت في أبي بكر.
قال: ولا ريب أن صديق هذه الأمة التقي النقي الجواد الممدح الباذل ماله في رضا الله ورسوله داخل دخولاً أولياً في هذه الآية، فإنه قد بذل ماله لا على الضعفاء والمساكين بل على السادات والرؤساء، ويدلك على ذلك: أن عروة بن مسعود الثقفي يوم الحدييبة كان يفاوض الرسول ﷺ ، فقال له: يا محمد! لا يغرنك هؤلاء الذين اجتمعوا حولك فإنهم عما قليل يوشك أن ينفضوا عنك -يمارس معه حرباً نفسية- فقال له أبو بكر: نحن ننفض عنه؟! امصص بظر اللات، فقال عروة: من هذا يا محمد؟ من هذا الفظ الغليظ، قال له: هذا أبو بكر، فقال عروة بن مسعود: والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها لرددت عليك.
أي: لولا أنك رجل كريم ورجل باذل، وقد فعلت في معروفاً، وهذا المعروف أنا ما جزيتك به، لكنت رددت عليك هذه الكلمة بمثلها، لكنني لا أستطيع.
أبو بكر ﵁ نزلت فيه هذه الآية: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل:١٨] فينفق ماله، وقد شهد له رسول الله ﷺ : (والله ما نفعني مال مثلما نفعني مال أبي بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً، ما بقيت لأحد يد في الإسلام إلا جزيناه بها إلا أبا بكر، فإن له يداً يجزيه الله بها يوم القيامة)، قال رسول الله ﷺ : (ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً)، رواه مسلم عن أبي ذر.
وفي الحديث الصحيح قال النبي ﷺ : (من أنفق زوجين في سبيل الله نودي يوم القيامة: يا عبد الله! هذا خير ادخل من باب الجنة.
قال أبو بكر ﵁: فهل أحد يدعى من الأبواب كلها يا رسول الله؟ قال: نعم، وأنت منهم يا أبا بكر!).
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل:١٩] أبو بكر لما اشترى بلالاً وزنيرة وجارية بني المؤمل وفلاناً وفلاناً من الضعفاء وقال في بلال: لو أبى أمية إلا مائة لاشتريت، قال المشركون: إن لـ أبي بكر يداً عند بلال، أي: أبو بكر عمل جميلة في بلال وبلال يريد ردها، قال الله : ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ﴾ [الليل:١٩] لا بلال ولا غيره ﴿مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٩ - ٢١] أي: هو ما عمل شيئاً من أجل الناس وإنما من أجل الله، قال الله : ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:٢١]، الله أكبر! سيرضى إذ رافق رسول الله ﷺ في الدنيا، وكان معه ولم يفارقه قط في غزاة ولا هجرة ولا سفر ولا حضر، حتى قيل لـ عمر ﵁: أنت خير أم أبو بكر؟ فبكى ﵁، وقال: والله ليلة لـ أبي بكر مع رسول الله في الغار خير من عمر وآل عمر، وليتني كنت شعرة في صدر أبي بكر، أبو بكر أطيب من ريح المسك، وأنا أضل من بعير أهلي.
ثم أرضاه الله بأن يرافق رسول الله ﷺ في البرزخ، ثم سيرضى يوم البعث الأكبر، وخرج الرسول ﷺ يوماً بين أبي بكر وعمر وقال: (هكذا نبعث يوم القيامة) نسأل الله أن يحشرنا معهم.
стр. 249
تفسير سورة الضحى
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فأسأل الله سبحانه أن يجعلني وإياكم من المقبولين.
سورة الضحى هي سورة مكية، اشتملت على إحدى عشر آية، في خمسين كلمة، في مائة واثنين وسبعين حرفاً.
стр. 250
سبب نزول سورة الضحى
هذه السورة المباركة يقول عنها سيد قطب ﵀: هذه السورة بموضوعها وتعبيرها ومشاهدها وظلالها وإيقاعها لمسة حنان، ونسمة رحمة وطائف من ود، وهي بموضوعها وتعبيرها وظلالها وتصويرها خالصة لرسول الله ﷺ ، ويد حانية تمسح على الآلام والمواجع، وقد نزلت في ظروف خاصة.
روى البخاري ومسلم من حديث جندب بن عبد الله ﵁: أن امرأة من قريش قالت لرسول الله ﷺ : يا محمد! ما أرى شيطانك إلا ودعك! وكان الوحي قد أبطأ عن النبي ﷺ في فترة، فقالت: -وجاء في بعض الروايات تسميتها بأنها- أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان زوجة أبي لهب التي سماها الله في القرآن حمالة الحطب: ما أرى شيطانك إلا ودعك، فأنزل الله هذه السورة: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ - ٣].
стр. 251
إقسام الله بالضحى والليل إذا سجى
يقسم ربنا ﷻ بالضحى وبالليل، وقد تقدم القسم بهما في سورة الشمس، وعرفنا بأن الضحى هو: الوقت من طلوع الشمس وارتفاعها قدر رمح -فيما يظهر للرائي- إلى قبيل الزوال، وهذا هو الوقت الذي خر فيه السحرة ساجدين، وذلك عندما حشروا ضحى في مواجهة موسى الكليم ﵊.
فيقسم ربنا بهذا الوقت (والضحى، والليل إذا سجى) يقال: ليلة ساجية إذا غطت بظلامها الكون، ويقال: تسجى فلان بالثوب إذا تغطى.
والمقسم عليه هو: (ما ودعك ربك)، أي: ما تركك.
﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣] قال أهل التفسير: المعنى وما قلاك، لكن من أجل مراعاة الفواصل قال: (وما قلى)، أي: وما أبغضك منذ أحبك، والخطاب لرسول الله ﷺ .
стр. 252
ما ادخره الله لنبيه في الآخرة أعظم مما أعطاه في الدنيا
قال الله: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ [الضحى:٤] أي: ما أعطاه الله في الدنيا من شرح الصدر، ورفع الذكر، وحط الوزر، وظهور أمره، وعلو شأنه، وما ألقاه الله له من المحبة في قلوب خلقه، كل هذا لا شيء بجوار ما أعد الله له في الآخرة.
(وللآخرة خير لك من الأولى) قال أهل التفسير: أري رسول الله ﷺ ملك أمته من بعده فسر بذلك، فأنزل الله هذه الآية: (وللآخرة خير لك من الأولى) فأعطاه الله ألف ألف قصر من لؤلؤ في الجنة، ترابه المسك مع ما ينبغي له.
وقال ابن عباس ﵄: إن رسول الله ﷺ قال: (سألت ربي مسألة وددت أني ما سألته إياها، قلت: يا رب لقد اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليماً، واصطفيت نوحاً على البشر، وجعلت عيسى يحيي الموتى فما أعطيتني؟ قال الله له: يا محمد! ألم أجدك يتيماً فآويتك، ووجدتك ضالاً فهديتك، ووجدتك عائلاً فأغنيتك، ألم أشرح لك صدرك، وأضع عنك وزرك، وأرفع لك ذكرك، قلت: بلى يا رب! قال: (وللآخرة خير لك من الأولى)، أعطيتك الكوثر ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وألين من الزبد، وعدد آنيته بعدد نجوم السماء).
قال ابن كثير ﵀: ولذلك كان رسول الله ﷺ أزهد خلق الله في الدنيا، وأعظمهم اطراحاً لها، حتى أنه لما خير صلوات ربي وسلامه عليه بين الخلد في الدنيا وملكها وبين لقاء الله اختار ما عند الله.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (نام رسول الله ﷺ على حصير، ثم استيقظ وقد أثر الحصير في جنبه، فجعلت أمسح عنه، وأقول: يا رسول الله! هلا آذنتنا لنفرش لك على الحصير شيئاً، فقال ﵊: ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم راح وتركها).
وهذا أيضاً تكرر مع عمر ﵁ لما رأى أثر الحصير في جنب رسول الله ﷺ ، فبكى عمر وقال: (يا رسول! كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت أكرم الخلق على الله تنام على مثل هذا؟ فقال له ﷺ معلماً ومصححاً: يا عمر! أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال: رضيت يا رسول الله! قال: فاحمد الله على ذلك).
стр. 253
عطاءات الله لنبيه وأمته
قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥] هذه الآية من أعظم آي القرآن بشارة لأمة محمد ﷺ ، ويتضح ذلك من سبب نزولها.
فقد روى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (أن النبي ﷺ تلا قول الله على لسان إبراهيم: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦]، وقول عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]، فرفع يديه، وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله لجبريل: يا جبريل -وربك أعلم- اذهب إلى محمد فقل له: ما يبكيك؟ فجاء جبريل ﵇ ثم رجع إلى ربه فأخبره، قال الله لجبريل: اذهب إلى محمد وقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك).
ولذلك قال القائل: ألم يرضك الرحمن في سورة الضحى فحاشاك أن ترضى وفينا معذب وقال علي بن أبي طالب: أما نحن أهل البيت فنقول: إن هذه أرجى آية في كتاب الله.
وبعض أهل التفسير قالوا: أرجى آية في القرآن قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] وقال بعضهم: أرجى آية في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨]، وقال بعضهم: أرجى آية في القرآن: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [الرعد:٢٣]، فهي تشمل الظالم المقتصد، والسابق بالخيرات، أما علي ﵁ فيقول: أما نحن أهل البيت فنقول: هذه أرجى آية في القرآن: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥].
стр. 254
منن الله على نبيه ﷺ
المنة الأولى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى:٦]، أي: يا محمد! قد علم ربك أنك يتيم لا أب لك ولا أم، ومع ذلك آواك ربك، وسخر لك من يكفلك ويرعاك ويقوم على شأنك.
وقد سئل جعفر الصادق ﵀: لم يتم رسول الله ﷺ من أبيه وأمه؟ أبوه مات وهو في بطن أمه، وأمه ماتت لما بلغ السادسة.
قال: لئلا تكون لمخلوق عليه منة، وتبقى المنة لله وحده.
وقال مجاهد بن جبر ﵀: اليتيم هاهنا من قول العرب: درة يتيمة، إذا لم يكن هناك مثلها.
المنة الثانية: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧]، الضلال هنا قال بعض أهل التفسير: هو عدم معرفة تفاصيل الشريعة.
وقال الرازي ﵀: أجمع أهل العلم على أن رسول الله ﷺ ما أشرك بالله قط، وحاشاه ﵊.
فالضلال هنا مستبعد فيه معنى الشرك والكفر والفسق، وهذا كله قد برئ منه رسول الله ﷺ ، فالضلال هاهنا معناه: عدم معرفة تفاصيل الشريعة، كما قال ربنا سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ [الشورى:٥٢]، فالرسول ﷺ ما كان يدري، وهذا هو معنى الضلال في الآية.
وقال بعضهم: ووجدك ضالاً، أي: وجدك محباً للهداية فهداك.
وقال بعضهم: الضلال هنا بمعنى: المحبة، وأنشدوا في ذلك قول كثير عزة: هذا الضلال أشاب مني المفرقا والعارضين ولم أكن متحققا عجباً لعزة في اختيار قطيعتي بعد الضلال فحبلها قد أخلقا بعد الضلال أي: بعد المحبة، لكن لعل هذا المعنى -والله أعلم- بعيد، فالضلال هاهنا معناه الحيرة.
المنة الثالثة: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٨] أي: وجدك عائلاً فقيراً عديماً ما عندك شيء، وتقول العرب: فلان عائل، وكما في قول جرير: الله أنزل في الكتاب فريضة لابن السبيل وللفقير العائل فالعائل بمعنى: الفقير المعدم.
فالله أغنى نبيه محمداً ﷺ ، وحتى قد مكنه من مفاتيح خزائن الأرض، فكان ﵊ تأتيه الغنائم والأنفال كأمثال الجبال، ومن الغنى الذي سكن قلبه لا تغرب عليه الشمس إلا وقد وزعها جميعاً، ولا يصطفي لنفسه شيئاً ﵊.
وقد نظر بعض الأعراب إلى إبل في واد وهو مذهول من كثرتها، فقال له النبي ﷺ : أتعجبك؟ قال: نعم.
قال: فهي لك كلها، فالرجل رجع إلى قومه أشبه بالمجنون، وقال لقومه: يا قوم! أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، أي: ليس عطاء معتاداً.
فالله امتن عليه بهذه المنن الثلاث: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨].
وهنا طرح الرازي ﵀ سؤالاً فقال: أما ذم الله فرعون لما قال لموسى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء:١٨]، أي: أن فرعون اللئيم يمتن على موسى الكليم بهذا: كنت تأكل من طعامنا وتشرب من مائنا، والله هنا يمتن على محمد ﷺ .
وحقيقة أن سؤال الرازي ﵀ هذا عجيب، فالله لا يسأل عما يفعل.
لكن على كل حال هو طرح هذا السؤال وأجاب بقوله: شتان شتان بين مآن هو الله، ومآن هو فرعون، قال: ثم عاقبة المن مختلفة، ففرعون يقول: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء:١٨]، ومعنى كلامه: فما بالك لا تعبدني ولا تخدمني، والله يقول لمحمد ﷺ : ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨] فما بالك تقطع عني رجاءك ليستمر رجاؤك لسبق نعمي عليك.
стр. 255
توجيهات سماوية للنبي ﷺ
ثم ختم ربنا ﷻ هذه السورة بثلاث توجيهات: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:٩ - ١١].
واليتيم هو: الذي فقد أباه قبل البلوغ، فلا تقهره، ولا تؤذه، ولا تتسلط عليه.
стр. 256
وصايا القرآن باليتامى
قال العلامة الشيخ عطية ﵀ في أضواء البيان: علم من استقراء القرآن أن الآيات التي أوصت باليتامى على خمسة أنواع: النوع الأول: آيات جاءت لدفع المضار عن اليتيم، كقول الله : ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [الأنعام:١٥٢] وكقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠].
ثانياً: جلب المنفعة له، فالله يأمرنا بأن نرعى مال اليتيم، وأن نحفظه، فإذا بلغ رشده دفعناه إليه، قال الله : ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء:٦] إلى أن قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء:٦].
ثالثاً: عدم الإساءة لليتيم في الجانب النفسي، يعني ليس فقط في الجانب المادي، لا، بل حتى في الجانب النفسي، قال الله : ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى:٩]، وقال ذاماً أقواماً: ﴿كَلَّا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفجر:١٧]، وقال: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون:٢].
رابعاً: أمر الله بالإحسان إلى اليتيم وحسن تربيته، يقول الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٠].
خامساً: يعلي الله في القرآن الكريم من شأن اليتيم، ويبين أن جلب المنفعة له من خصال الصالحين والأنبياء، وفي قصة موسى مع الخضر يتكلف العبد الصالح ببناء جدار، والبناء يتحمل فيه الإنسان مشقة وعنتاً، ثم بعد ذلك يعلل ويقول: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢].
وهنا تنبيه: ليس من قهر اليتيم زجره لينصلح حاله، فلو أن إنساناً ولي يتيماً، فالواجب عليه أن يعامله كما يعامل ولده، وولدك يحتاج أحياناً إلى زجر وقرع بالكلام، ويحتاج إلى ضرب أحياناً، فكذلك اليتيم وكما قيل: فقسا ليزدجروا ومن يك حازماً فليقس أحياناً على من يرحم
стр. 257
بيان مفهوم السائل وأحكامه
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:١٠] السائل فيها تفسيران: التفسير الأول: السائل عن أحكام الدين، فمن جاء يسأل عن الحلال والحرام فإنه لا ينهر، اللهم إلا إذا كان سؤاله يقتضي نهراً، كما نهر النبي ﷺ أم سلمة لما قالت: وهل تحتلم المرأة؟ ونهر ﷺ الرجل الذي سأل عن ضالة الإبل؟ ونهر ﷺ من قال: يا رسول الله! من أبي؟ ونحو ذلك، وهذا معروف عند أهل العلم.
التفسير الثاني: السائل هو: الذي يطلب نولاً من مال أو طعام، فهذا السائل يجيبه ببذل يسير أو رد جميل.
تنبيهان: التنبيه الأول: شاع عند الناس حديث: (لا ترد السائل ولو جاء على فرس)، وبعضهم يقول: للسائل حق وإن جاء على فرس.
قال الإمام أحمد: لا أصل له وهو حديث مخترع.
وقد يكون السائلون هم الذين اخترعوه كما اخترع غيرهم أحاديث، فالسائل إذا كان محتاجاً يعطى، وإذا كان غير محتاج فلا يعطى، والرسول ﷺ نفسه لما جاءه رجلان يطلبان الصدقة، قال ﷺ : (إن الله جزأها ثمانية أجزاء؛ فإن كنتم من أهلها أعطيتكم وإلا فلا).
وأخبر ﷺ (أن من سأل وله ما يكفيه جاءت مسألته يوم القيامة خموشاً في وجهه، حتى يلقى أحدهم ربه وليس في وجهه مزعة لحم).
ولو أننا أعطينا من اعتاد التسول لكان هذا من التعاون على الإثم والعدوان، إذ قد تجد الشاب فارع الجسم، قوي العضلات، حاضر القوة، ثم بعد ذلك تعرف من حاله أنه قد احترف السؤال، ولو أنك أعطيته تكون متعاوناً معه على الإثم والعدوان، وكأنك تقول له: أرق ماء وجهك وابذل حياءك في مقابل دريهمات ترمى لك، فتكون قد تعاونت معه على الإثم والعدوان.
التنبيه الثاني: قال الإمام الألوسي ﵀: إذا كان السائل لا يندفع إلا بالزجر فإنه يزجر.
أي: إذا كان إنسان يسأل وأنت تعرف أنه لا يستحق فرددته ثم عاد فإنه يزجر، وقد فعل ذلك عمر، عندما قام واحد يسأل في المسجد، فـ عمر ﵁ قال لأحد الصحابة: خذ الرجل هذا وأطعمه، فجاء في صلاة العشاء فوجد الرجل يسأل، فقال للصحابي: ألم أقل لك أطعمه.
قال له: أطعمته.
فـ عمر ﵁ أمسك بالشيء الذي يحمله الرجل ونظر فيه فوجد فيه خبزاً وكذا وكذا، فذهب فنثره في إبل الصدقة ثم ضرب بها وجهه وقال له: الآن سلمنا، فهذا زجر من عمر ﵁؛ لأنه وجد الرجل قد احترف الأمر.
стр. 258
التحدث بالنعمة الدينية والدنيوية
قال الله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] النعمة إما أن تكون نعمة دينية أو دنيوية، فالنعمة الدينية يتحدث الإنسان بها: الحمد لله الذي هدانا للإسلام، الحمد لله الذي وفقنا لصيام رمضان، وهذا في الشيء العام.
أما الشيء الخاص الذي هو سر بينك وبين الله فلا تتحدث به واجعله سراً، فكونك تصدقت، أو صليت بالليل، أو ختمت القرآن كذا من المرات، أو فعلت كذا وكذا من الخيرات فاجعله سراً بينك وبين ربك.
ثم النعمة الدنيوية فتحدث بها بأن يرى أثرها عليك، وفي الحديث الذي رواه النسائي عن مالك بن نضلة الجشمي ﵁ قال: (دخلت على رسول الله ﷺ فنظر إلي فإذا أنا رث الهيئة، فقال: ألك مال؟ قلت: نعم من كل المال، فقال ﷺ : فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)، أي: أعطاك الله مالاً ليرى أثر هذا المال في ثيابك، وطعامك، ومسكنك، ومركبك من غير سرف ولا مخيلة، وبذلك تكون قد تحدثت بنعمة الله.
نسأل الله أن يتم نعمته علينا.
стр. 259
تفسير سورة الشرح
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فأسأل الله سبحانه أن يجعلني وإياكم من المقبولين.
سورة الشرح أو سورة الانشراح هي في معناها مكملة لسورة الضحى، ففي سورة الضحى امتن الله على نبيه محمداً ﷺ بتلك النعم الثلاث: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨].
وهاهنا أيضاً يعدد بعض نعمه على نبيه ﷺ ، فيقول سبحانه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:١ - ٤].
стр. 260
شرح الله لصدر نبيه
قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] قال أهل التفسير: الاستفهام هنا للتحقيق، أي: أن حرف الاستفهام وهو (الهمزة) إذا دخلت على (لم) النافية فإنه يراد بها التحقيق، كما في قول الله : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨]، وكما في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٤٠]، وكما في قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان: ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح (ألم نشرح لك صدرك) بلى، قد شرح الله له صدره.
قال أهل التفسير: المعنى: ألم نوسع لك صدرك؟ ألم نفسح لك في صدرك؟ قال أهل التفسير: ومن شرحه لصدر نبيه ﷺ : أن صدره وسع علوم الأولين والآخرين، حتى قال ﵊: (أوتيت جوامع الكلم)، أي: يجمع المعنى الغزير في اللفظ اليسير.
وفي الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رضوان الله عليهما: أن رسول الله ﷺ قال: (بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت صوتاً يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، فجاءني ملكان ومعهما طست فيه ماء زمزم، فشرحا صدري إلى أسفل بطني) أي: شقا صدره صلوات ربي وسلامه عليه.
والحديث أيضاً عندما الإمام أحمد عن أبي بن كعب ﵁ قال: (كان أبو هريرة جريئاً على رسول الله ﷺ يسأله عن أشياء لا يسأل عنها غيره.
قال مرة: يا رسول الله! ما أول نبوءتك؟ قال: فاستوى رسول الله ﷺ وكان متكئاً وقال: إني في الصحراء ابن عشر سنين وأشهر -يعني: كان عمره صلوات ربي وسلامه عليه عشر سنوات وشهور- إذ رأيت ملكين بأرواح فاستقبلاني بوجوه لم أراها لخلق قط وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أجدها على أحد من خلق الله قط، قال أحدهما للآخر: أهو هو؟ قال: نعم.
قال: فأخذ كل منهما بعضدي لا أجد لأحدهما مساً، فقال أحدهما للآخر: أضجعه فأضجعاني، ثم قال: افلق صدره، ففلق صدري من غير وجع ولا دم، ثم استخرجا منه مثل العلقة.
قال: أخرج الغل والحسد، ثم قال: أدخل الرقة والرحمة، فأدخلا شيئاً شبيه الفضة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى، وقال: اغدو واسلم رحمة للصغير ورقة للكبير).
قال العلامة الشيخ عطية محمد سالم ﵀: ومن شرح الصدر الممتن به على نبينا ﷺ : ما آتاه الله من صبر وحلم وصفح ورقة، حتى أنه كان ليعامل العدو اللدود معاملة الصديق الصدوق، وهذا ظاهر في سيرته صلوات ربي وسلامه عليه لما غزا ثقيفاً، وأصيب عدد من أصحابه وما استطاعوا أن يفتحوا حصونها، ولما استحر فيهم القتل ﵃ وأوجعوا قالوا: (يا رسول الله! ادع على ثقيف، فقال ﵊: اللهم اهد ثقيفاً وائت بهم)، فدعا بذلك ثلاث مرات فجاءت قبيلة ثقيف كلهم مؤمنون مسلمون.
وكذلك لما جاء أبو هريرة ﵁ يبكي قال ﷺ : (ما يبكيك؟ قال: يا رسول الله! أمي دعوتها إلى الإسلام فأسمعتني فيك ما أكره، فرفع الرسول ﷺ يديه إلى السماء وقال: اللهم اهد أم أبي هريرة، اللهم اهد أم أبي هريرة).
يقول أبو هريرة ﵁: فانطلقت أعدو والباب مجاف، وسمعت صوت خضخضة الماء، قالت أمي: على رسلك يا أبا هر! ثم خرجت إلي وقد عجلت عن خمارها، وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فنبينا ﵊ اتسع صدره حتى شمل العدو المخالف مع المؤمن الموافق، وكان صدره ﵊ فسيحاً بنعمة الله ، ومثلما آتاه الله صدراً منشرحاً آتاه شريعة سهلة ميسرة لا تشق على شيخ كبير، ولا شاب صغير، ولا امرأة عجوز، ولا فتاة محدثة، وإنما الكل يجد في شريعة محمد ﷺ ما يناسبه وما يصلح دنياه وآخرته.
стр. 261
وضع الله لوزر نبيه وكلام العلماء فيه
قال الله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢] وضعنا: حططنا وأزلنا.
هذه الآية كقول الله : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح:١ - ٢].
و
السؤال
ما هو الوزر الذي وضع عن رسول الله ﷺ ؟ قال بعض أهل التفسير: هو ما عاتبه عليه ربه ﷻ في القرآن من الأمور الراجعة للاجتهاد، كقوله سبحانه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١]، ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣]، ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧].
وقال بعضهم: بل المراد ما كان من أمر الجاهلية؛ لأن رسول الله ﷺ كان على مذهب قومه، ولعله قد عبد صنماً أو وثناً.
وقال بعضهم: هي ذنوب أمته، ونسبت إليه؛ لأنه كان مشغولاً بها صلوات الله وسلامه عليه.
وقال الحسين بن الفضيل ﵀: بل المراد الخطأ والنسيان؛ لأن الخطأ والنسيان في حق الأنبياء ليس كما هو في حق غيرهم، وكلنا يقرأ في القرآن قول ربنا ﷻ : ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥] وقد عدها ربنا معصية ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١].
﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢].
وهاهنا بحث قال أهل العلم فيه: ينبغي الجزم بأن رسول الله ﷺ بعد البعثة كان معصوماً من الذنوب صغيرها وكبيرها، وهذا نص القرآن في قول ربنا سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، والتأسي لا يتحقق لو كان يذنب، فهو ﷺ بعد البعثة لا يذنب ولا يتعمد كبيرة ولا صغيرة، فهو معصوم من الذنوب.
وأما قبل البعثة فهو كذلك صلوات ربي وسلامه عليه لم يأت كبيرة قط؛ لأنه قد هيئ منذ صغره للنبوة، ولو كانت عهدت عليه كبيرة لاحتج بها مخالفوه وشانئوه بها، كأمثال أبي جهل والوليد بن المغيرة وعقبة بن أبي معيط وشيبة بن ربيعة ومن كان مثلهم من صناديد الكفر، لقالوا: يا محمد! أنت فعلت كذا أو أنت قلت كذا، لكن رسول الله ﷺ ما عهدت عنه فاحشة ولا كذبة ولا غدراً ولا خيانة صلوات ربي وسلامه عليه.
وأما بالنسبة للصغائر قبل البعثة فهي محل احتمال، فامتن الله عليه بهذه المنة.
﴿الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح:٣] أي: أنقض حتى سمع لظهرك نقيض صوت العظام والمفاصل، وكأن هذا الأمر كان ثقيلاً على رسول الله ﷺ ، فالله بشره.
стр. 262
رفع الله لذكر نبيه
ثم قال له: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤] قال مجاهد ﵀: المعنى: لا أذكر إلا ذكرت معي، لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وقال ابن عباس ﵄: المعنى: أنه لا يذكر الله إلا ويذكر معه محمد رسول الله، في الأذان والإقامة والتشهد في الصلاة وخطبة الجمعة وخطبة العيد وخطبة النكاح، وإذا أراد إنسان أن يدخل دين الإسلام لا يتم له الأمر إلا بعد أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
وهذا المعنى أخذه حسان عليه من الله الرضوان حين قال: وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد فاسمه صلوات ربي وسلامه عليه مرفوع فوق المآذن في مشارق الأرض ومغاربها، فيذكر اسمه بالليل والنهار.
وقال الزمخشري: من رفع الذكر: أن الله قرن بينه وبين نبيه ﷺ في القرآن فقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور:٥٤]، وقال: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٦٢]، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠].
قال الرازي ﵀: ومن رفع الذكر أن الله ما ناداه في القرآن باسمه، ما قال كما قال: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف:١٤٤]، ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران:٥٥]، ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥]، فهو لم يقل أبداً: يا محمد! بل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال:٦٤]، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة:٤١]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١].
وهذا كله من رفع الذكر.
стр. 263
تيسير الله على النبي وأمته
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦].
هذه الآيات نزلت على نبينا ﵊ وهو في مكة محاصر مضطهد، وهو ﷺ وأصحابه لا يستطيعون أن يظهروا دينهم ولا أن يجهروا بدعوتهم، ولا أن يواجهوا مخالفيهم، فالله يعده ويقول له: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦].
قال الإمام القرطبي ﵀: ويمكن أن تفسر هذه الآية بأن العسر ما كان في مكة من ضيق واضطهاد، فيحصل معه يسر وهو ما كان يوم الفتح حين دخل رسول الله ﷺ في جيش قوامه عشرة آلاف مقاتل لا يعرف أوله من آخره، فجعل الله بعد العسر يسراً.
قال: ولم يمت رسول الله ﷺ حتى فتح الله له مكة واليمن، وهاداه ملوك هجر والبحرين، وآتاه الله بالغنائم والأنفال حتى كان يعطي الرجل الواحد المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعد لأهله قوت سنة، وهذا كله في حياته صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا المعنى فهمه الصحابة حق الفهم، فلما كان أبو عبيدة بن الجراح ﵁ في بعض الغزوات وجاء الروم بجموع كثيرة، وخاف أبو عبيدة ﵁ من كثرتهم، كتب إلى عمر ﵁ يشكو إليه، ويطلب دعاءه، فأجابه عمر: أما بعد: فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من ضيق وشدة يجعل الله له فرجاً، ولن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].
وهذا المعنى كان رسول الله ﷺ يتكلم به في أحلك اللحظات، وأشد الحالات، ومن ذلك: عندما كان الصحابة ﵃ يعذبون في مكة جاء خباب بن الأرت فشكا إليه وقال: يا رسول الله! ألا تدعو لنا، ألا تستنصر لنا؟ قال: (فاعتدل رسول الله ﷺ وقال: والذي نفسي بيده! لقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم فيمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يرده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون).
فينبغي أن يعلم الإنسان أنه لو كان في ضيق فإن بعد الضيق فرجاً كما قال النبي ﷺ : (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً).
وليعلم أن الفرج من الله آت لا محالة: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
стр. 264
أمر الله لنبيه بدوام عبادته
ختم ربنا ﷻ هذه السورة بأمرين مثلما ختم سورة الضحى، قال الله : ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:٩ - ١١]، وهنا أيضاً قال الله : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨].
وقد نبه أهل العلم إلى أن بعض المبتدعة قرأ هذه الآية: فإذا فرغت فانصب.
وقال: نصب إماماً، وهم الرافضة ويقصدون بذلك علياً، قال بعض أهل التفسير: ويمكن للناصبي المبتدع في الجهة المقابلة أن يقرأها: فإذا فرغت فانصَب.
من النصب وهو كراهية آل البيت، ودين الله لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
قال ابن مسعود ﵁: (فإذا فرغت) من الفرائض (فانصب) في قيام الليل.
والنصب هو: التعب.
وقال الكلبي: فإذا فرغت من جهاد عدوك فاستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات.
وقال قتادة ﵀: فإذا فرغت من أمر الخلق فاجتهد في عبادة الحق.
وقال آخرون: فإذا فرغت من أمور نفسك فتفرغ لعبادة ربك، وانصب في عبادة ربك.
والمعنى: أن الله يريد لنبيه ﷺ ولكل مؤمن أن ينتقل من عبادة إلى عبادة، ومن طاعة إلى طاعة، ولنتأمل شهر الصيام، فإذا أفل نجمه دخلت أشهر الحج، فإذا انتهى الحج دخل شهر الله المحرم، وأحب الصيام إلى الله بعد رمضان صيام شهر الله المحرم، وهكذا المسلم ليله ونهاره في كل وقت من أوقات العمر يتقلب من عبادة إلى عبادة، ومن طاعة إلى طاعة، وليس هناك سن للتقاعد في عبادة الله ، بل كما قال الله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩].
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٨].
أي: لتكن رغبتك وحاجتك إلى ربك.
وبعض أهل التفسير فسر هذه الآية بقوله: فإذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، وهذا المعنى صحيح، ويشهد له قول النبي ﷺ لـ معاذ بن جبل: (يا معاذ! والله إني لأحبك، فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى.
стр. 265
تفسير سورتي التين والعلق
إن الله ذو الجلال والإكرام يقسم بما شاء من مخلوقاته، كالتين والطور والبلد الأمين، لكن المخلوق لا يجوز له أن يقسم إلا به سبحانه؛ لأن الله أعظم من كل عظيم ﷻ ، وما الحلف إلا إقسام بمعظم، وتتجلى عظمة الرب سبحانه في خلقه لبني آدم بهذا القوام الحسن السوي، ولا يكون لهذا الإنسان قيمة عند ربه سبحانه إلا بإيمانه وعمله الصالح، وسبيل ذلك العلم، وأعظم وسائل العلم القراءة والكتابة، فامتن الله بهما على رسوله، بل أمره بالقراءة لما يتلى عليه، وتكفل له بكبت عدوه وإهلاكه إن عمل بمقتضى ما علمه من السجود لربه والاقتراب من مولاه، وحاشا رسول الله أن يخالف ذلك طرفة عين.
стр. 266
مقدمة بين يدي تفسير سورة التين
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فأسأل الله سبحانه أن يجعلني وإياكم من المقبولين، هذا الدرس في تفسير سورة التين، وهي سورة مكية، وقد اشتملت على ثمان آيات في أربع وثلاثين كلمة في مائة وخمسين حرفاً، يعني عدد حروف سورة التين عدد حروف سورة الشرح، فمن وفقه الله إلى قراءة هذه السورة المباركة فله من الحسنات ألف وخمسمائة حسنة، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم.
وهذه السورة افتتحت بالقسم، فأقسم ربنا ﷻ فيها بأربعة من مخلوقاته، أقسم بالتين، وبالزيتون، وبطور سينين، وبالبلد الأمين.
وتقدم معنا أن سورة الشمس افتتحت بالقسم، وأقسم ربنا ﷻ فيها بسبعة أشياء، وسورة الليل أقسم فيها ربنا بثلاثة أشياء: بالليل والنهار، وخلق الذكر والأنثى، وسورة الضحى أقسم ربنا ﷻ فيها بشيئين: بالضحى، وبالليل.
فالله يقسم بما شاء من مخلوقاته، وليس لنا معشر المخلوقات إلا أن نقسم بالله جل في علاه؛ لقول نبينا ﷺ : (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت).
وهذه السورة المباركة شأنها شأن السور المكية التي تناولت الحديث عن نعم الله في الكون والآفاق وخلق الإنسان، والاستدلال بهذا كله على أن البعث والجزاء حق.
стр. 267
تفسير قوله تعالى: (والتين والزيتون)
قال الله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين:١].
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وجابر بن زيد ومقاتل والكلبي وغيرهم من أهل التفسير: قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين:١] هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي منه تعصرون.
يعني: الله أقسم بهاتين الثمرتين: التين، والزيتون.
قال أهل التفسير: أقسم ربنا ﷻ بالتين؛ لأنه فاكهة حسنة المظهر طيبة المخبر، سهلة الجنى، وتؤكل قوتاً وأدماً وفاكهة، وهي بمقدار المضغة، ونعمة الله فيها ظاهرة.
قال ابن القيم ﵀: والتين أقسم به ربنا ﷻ لظهور العزة فيه؛ فإنه يستعمل قوتاً، يمكن للإنسان أن يستغني به، ويستعمل أدماً، يمكن أن يؤتدم به ويؤكل بالخبز، ويستعمل كذلك فاكهة يمكن للإنسان أن يتفكه به بعد الطعام.
ثم قال: وهو فاكهة لا عجم لها.
يعني: ليس فيها نوى كالعنب مثلاً والتمر، وإنما تؤكل كلها سهلة دون أن يخشى الإنسان غائلتها، ثم إن التين يستعمل في صنع كثير من الأدوية.
قوله: ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين:١]، الزيتون أيها الإخوة الكرام الآية فيه ظاهرة؛ فإن الله جعله ثمرة تؤكل، وجعل منه الزيت الذي يُعصر، فيدهن ويستصبح به، أي: يجعل في المصابيح، ويتداوى به، وسماه الله نوراً كما بين في كتابه الكريم قال تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ﴾ [النور:٣٥]، فضرب الله المثل بهذه الثمرة.
ونبهنا ربنا ﷻ على هذه الآية في كثير من آيات كتابه، فقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩٩].
فأقسم الله بالتين والزيتون، والمراد: القسم بمنبتهما ومكانهما وهي الأرض المباركة فلسطين، كما قال بعض أهل التفسير، وليس المراد كما قال ابن عباس ومن معه: إن التين هو تينكم الذي تأكلون، والزيتون زيتونكم الذي تعصرون، وإنما المقصود منبتهما وهي الأرض المباركة، واستدلوا على ذلك بأن الله أتبعها بذكر طور سينين الذي كلم عليه موسى، والبلد الأمين الذي ولد فيه محمد ﷺ ، فذكر أماكن هؤلاء الأنبياء الكبار أصحاب الشرائع صلوات الله وسلامه عليهم.
стр. 268
تفسير قوله تعالى: (وطور سينين)
قال الله تعالى: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين:٢].
يقول العلامة الطاهر بن عاشور ﵀: الطور: هو الجبل بلغة النبط ولغة الحبش، وقد ذكره ربنا ﷻ في كثير من آيات القرآن كقوله سبحانه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢].
زقوله سبحانه: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [طه:٨٠].
وقوله : ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص:٤٦].
وقول الله : ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور:١ - ٢] يعني: أقسم بهذا الجبل في أول سورة الطور، وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى، وطمع موسى فيما هو أكثر من الكلام فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣]، وهو الجبل الذي دفن عنده موسى ﵇، كما أخبرنا رسول الله ﷺ ؛ لأن موسى ﵇ لما جاءه ملك الموت سأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة مقدار رمية حجر، قال ﵊: (فلو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر) والكثيب هو مجتمع الرمل.
فأقسم ربنا بطور سينين، وسينين قالوا: هو المكان الذي تجتمع فيه الشجر، أيضاً بلغة الحبشة، وهذا كله على مذهب من يقول بأن في القرآن كلمات أعجمية.
стр. 269
تفسير قوله تعالى: (وهذا البلد الأمين)
قال الله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين:٣].
إن الله تدرج في القسم من الفاضل إلى ما هو أفضل، فأقسم بالتين والزيتون وهو المكان الذي ولد فيه المسيح عيسى بن مريم، ثم بطور سينين، وهو المكان الذي كلم الله فيه موسى، ثم أقسم بالبلد الأمين موطن محمد ﷺ .
ولا تعارض -أيها الفضلاء- بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١] فقد تقدم معنا أن المفسرين قالوا فيها: (لا) هنا زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام:١٥١] والمعنى: حرم عليكم أن تشركوا به شيئاً.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت:٣٤] أي: ولا تستوي الحسنة والسيئة.
وقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد:٢٩] أي: ليعلم أهل الكتاب.
وقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء:٦٥] المعنى: فوربك لا يؤمنون حتى يحكموك، فـ (لا) هنا زائدة على عادة العرب في كلامهم، أو يكون المعنى: لأقسم بهذا البلد، وتكون اللام للتوكيد، لكن أشبعت فتحتها حتى عادت ألفاً، كما في قول بعض العرب: وتضحك مني شيخة عبشمية كأن لم تر قبلي أسيراً يمانيا وقول الآخر: إذا العجوز غضبت فطلق ولا ترضّاها ولا تملق أي: لا ترضّها، لكن أشبع الفتحة فأثبت الألف.
فالله أقسم بالتين والزيتون، وطور سينين، وأقسم بالبلد الأمين، والمقسم عليه، قوله : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤] أي: يقسم الله ﷻ أنه خلق هذا الإنسان في أحسن صورة وأكمل هيئة.
قال الإمام القاضي أبو بكر بن العربي المالكي ﵀: ثبت بهذه الآية أن الإنسان أحسن شيء خلقه الله قط: جمال صورة، وبديع تركيب، له لسان ذلق، وعينان بصيرتان، وأذنان سميعتان، والرأس بما وعى، والبطن بما حوى، واليدان بما بطشتا، والرجلان بما مشتا، ثم جعله الله سميعاً بصيراً مدبراً مريداً متكلماً حكيماً.
هذه الصفات كلها وضعها الله في هذا الإنسان، خلقه الله طويل القامة، لا يمشي مكباً على وجهه كسائر الحيوانات، وخلقه الله يأكل بيديه ونوع له المطاعم والمشارب، ثم كساه بهذا اللباس الذي زاده جمالاً، قال : ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف:٢٦] فهل رأيتم حماراً أو بقرة تلبس عباية أو بنطالاً أو قميصاً؟ لا، وإنما تمشي كما خلقها الله، لكن الإنسان خلقه الله باللباس الذي يستر سوأته.
ثم خلق له الريش الذي يزيده جمالاً، عمامة أو شالاً، ويلبس عباءة، وينتعل في رجليه جوارب، وهذه كلها مكملات بعدما ستر العورة.
стр. 270
تفسير قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤].
يذكر الإمام القرطبي ﵀ قصة في هذا الموطن فيقول: كان هناك شخص اسمه عيسى بن موسى الهاشمي، وكان يحب زوجته حباً جماً، في أيام خلافة هارون الرشيد ﵀ الخليفة الصالح العادل، فهذا الرجل كان يتكلم مع زوجته يؤنسها، فقال لها: أنت طالق ثلاثاً إن لم تكوني أجمل من القمر، فالمرأة كانت ورعة وصاحبة دين فاعتزلته، فوجد الرجل وجداً شديداً، وندم ندماً شديداً على ما قال، وذهب إلى هارون فقال له: أنا بالله ثم بك أوجد لي مخرجاً، ف هارون جمع الفقهاء، فكلهم أفتوا بأن المرأة قد بانت منه، غير فقيه واحد كان ساكتاً، فطلب منه الخليفة أن يتكلم فقال: يا أمير المؤمنين اقرأ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين:١] فقرأ هارون -وكان رجلاً عالماً- حتى بلغ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤] فقال الفقيه: حسبك، فإن الله قد أفتى، فالإنسان أجمل من القمر، ف هارون ﵀ قال لذلك الرجل الذي طلق زوجته ثلاثاً: قم ولا تعد لمثل ذلك، ثم أرسل الخليفة إلى زوجته أن أطيعي زوجك فأنت حلال له.
فقول الله : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤] أي: في أحسن صورة وأجمل هيئة.
стр. 271
تفسير قوله تعالى: (ثم رددناه أسفل سافلين)
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين:٥ - ٦].
هنا للمفسرين قولان: الأول: قول عبد الله بن عباس ﵄ وغيره: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين:٥]، قالوا: أي: إلى أرذل العمر، واستدلوا على ذلك بالآيات التي تناولت تلك الحال، كقول الله : ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٨].
وقول الله : ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٠].
وقول الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الروم:٥٤] لكن الإشكال في الاستثناء، وذلك أن الله قال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين:٥] أي: إلى أرذل العمر، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التين:٦] فهل الذين آمنوا مستثنون؟ يقول الشيخ العلامة عطية رحمة الله عليه في أضواء البيان: فيكون الاستثناء راجعاً إلى حال المؤمنين الذين إذا تقدم بهم العمر فإنهم لا يعانون خرفاً ولا هذياناً.
قال: وقد تواتر عند الخاصة والعامة أن حافظ القرآن المداوم على تلاوته لا يصيبه الخرف.
هذا شائع حقيقة بين الناس، وإن لم يكن هناك نص يؤيده، لكن عندنا الصالحون من عباد الله بلغوا من الكبر عتياً وبلغوا من العمر أرذله وهم في كامل قواهم العقلية.
فهذه أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين ﵂ زاد عمرها على المائة وما سقط لها سن، ودخل عليها الحجاج الطاغية وهي في ذلك العمر وقد صلب ولدها عبد الله بن الزبير الصالح القانت العابد ﵁، فقال لها: إنك امرأة عجوز قد خرفت، قالت له: لا والله ما خرفت، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يخرج في ثقيف كذاب ومبير -أي: سفاح- أما الكذاب فقد عرفناه -وهو المختار بن أبي عبيد الثقفي - وأما المبير فما إخاله إلا أنت)، تقول هذا الكلام وهي فوق المائة، ثم أمر الحجاج بأن ينزل ولدها وأن يُسلم إليها، فقامت بتغسيله بنفسها وهي فوق المائة من عمرها، وحنطته وما عاشت بعده إلا أياماً ﵂ وأرضاها.
وهذا أنس بن مالك ﵁ الذي بلغ من العمر تسعاً وتسعين سنة، وقيل: بل بلغ مائة سنة وسنة، ومع ذلك كان في كامل حضور ذهنه واستحضاره للأحكام، وكان يفتي الناس ﵁، وقس على ذلك خلقاً كثيرين.
والآن يوجد أناس طاعنون في السن قد صار لأولادهم أحفاد، ومع ذلك الواحد منهم في كل يوم يقرأ من القرآن عشرة أجزاء، لكنه يأكل ويشرب قليلاً، وليس له عمل يشغله إلا القرآن يعكف عليه، وينتظر أن يأتيه النداء من ربه فيجيب، فنسأل الله أن يحسن لنا الختام.
فالتفسير الأول لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين:٥] أي: إلى أرذل العمر.
أما التفسير الثاني لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين:٥] أي: النار، والعياذ بالله.
قال ابن القيم ﵀: وهذا التفسير هو الصحيح من وجوه: الوجه الأول: أن من يرد إلى أرذل العمر قليل من الناس، وأكثرهم يموت قبل ذلك.
الوجه الثاني: أن المؤمنين والكفار سواء في الرد إلى أرذل العمر.
الوجه الثالث: هذه الآية لها نظائر في القرآن، كقول الله : ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق:٢٤ - ٢٥].
وكقول الله : ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:١ - ٣].
إذاً: فرددناه أسفل سافلين، أي: إلى النار في أسفل سافلين، ومعلوم أن الجنة في أعلى عليين، ولعل هذا التفسير هو الصواب، والعلم عند الله تعالى.
قال الإمام القرطبي ﵀: لما وصف الله الإنسان بهذه الصفات الزاكيات طغى وعلا حتى قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] فجعله الله مشحوناً قذراً مملوء النجاسة، وجعلها تخرج على ظاهره خروجاً منكراً على وجه الاختيار تارة وعلى وجه الغلبة تارة؛ من أجل أن يعرف قدره.
يعني: أن الإنسان يتعظ بما يخرج منه في الحمام من النجاسة، ولذلك قال القائل: يا مظهر الكبر إعجاباً بصورته انظر خلاك فإن النتن تثريب لو فكر الناس فيما في بطونهم ما استشعر الكبر شبان ولا شيب وكما قيل: إن المهلب الذي كان قائداً من القواد العظام، جاء يمشي في مسجد رسول الله ﷺ وعليه ثوب خز يتبختر، فقام له الناس إلا ابن أبي ذئب -وكان من نظراء مالك - كان جالساً ماداً رجليه، فجاء المهلب فقال له: أما عرفتني؟ قال: بلى عرفتك.
قال له: فلم لم تقم؟ قال له: لأني عرفتك.
قال له: فمن أنا؟ قال له: أنت أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين هذا وذاك تحمل في جوفك العذرة.
فالله جعل الإنسان سميعاً بصيراً متكلماً مريداً مدبراً مفكراً ناطقاً، لكن جعل في جوفه النجاسة من أجل أن لا يعدو قدره ويتكبر.
قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين:٦] فهؤلاء الذين استثناهم ربنا.
قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين:٦] أي: غير مقطوع، وهذه بشرى عظيمة.
قال ابن عباس: من واظب على عمل صالح في شبابه ثم عجز عنه عند الهرم أجرى عليه الله الأجر والثواب.
وليستبشر بذلك كبار السن الذين تعودوا على صلاة الجماعة وألفوا بيوت الله، وتعودوا صيام التطوع، وتعودوا كثيراً من الأعمال الصالحة، وعجزوا وما استطاعوا أن يأتوا إلى المسجد، وما استطاعوا أن يصوموا تطوعاً، بل ربما ما استطاعوا أن يصوموا رمضان، فإن الله يكتب لهم الجر والثواب، ولا ينقطع عنهم حتى يموتوا.
стр. 272
تفسير قوله تعالى: (فما يكذبك بعد بالدين)
قال الله تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين:٧] أي: ما الذي يحملك يا عبد الله على التكذيب بالجزاء والحساب والجنة والنار؟! ألم يخلقك ربك في أحسن تقويم؟! وذكر الله هذه الآية من أجل أن يستدل بها على البعث والنشور، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [غافر:٦٤].
كقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن:٣].
كقوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية:٤].
فإذا كنت أيها الإنسان مكرماً بأن الله قد خلقك وأنشأك النشأة الأولى فينبغي أن تقر بأنه قادر على أن يعيدك مرة ثانية، قال : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧].
стр. 273
تفسير قوله تعالى: (أليس الله بأحكم الحاكمين)
قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨].
روى الإمام الترمذي أن عبد الله بن عباس وعلي بن أبي طالب رضوان الله عليهما كانا إذا قرأا هذه الآية قالا: (بلى ونحن على ذلك من الشاهدين).
فحكمة الله ظاهرة في أمرين اثنين: في خلقه، وفي قضائه، أما في خلقه فقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤] وأما في قضائه فإنه لا يسوي ﷻ بين مختلفين، قال : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].
وقال : ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨].
هذه السورة أيها الإخوة الكرام جدير بنا أن نتأملها وأن نكثر من تلاوتها، وأن ننظر في عظمة خلق الله ، خاصة في زماننا هذا بعدما تقدمت العلوم وتطورت الفنون، واكتشف الناس ما لم يكونوا يعرفون، فنستدل بذلك على أن الخالق الأعظم ﷻ قادر على أن يعيدنا كما بدأنا، أسأل الله أن يجعلنا من المتعظين.
стр. 274
مقدمة بين يدي تفسير سورة العلق
بسم الله الرحمن الرحيم.
معنا في هذا الدرس تفسير سورة العلق، وهذه السورة المباركة هي إحدى ست سور في القرآن افتتحت بالأمر، فقال سبحانه هنا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، ثم القواقل الخمس: الكافرون، والإخلاص، والفلق، والناس، والجن، هذه السور الست افتتحت بالأمر الموجه لرسول ﷺ .
وسورة العلق مكية بإجماع المفسرين، وقد اشتملت على تسع عشرة آية، واثنتين وتسعين كلمة، في مائتين وثمانين حرفاً، من وفقه الله لقراءتها فله من الحسنات ثمانمائة وألفا حسنة، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم.
هذه السورة عند جمهور أهل العلم هي أول ما نزل من القرآن، أي: الآيات الخمس الأولى منها هي أول ما نزل من القرآن، ويدل على ذلك حديث أمنا عائشة ﵂ في الصحيحين قالت: (أول ما بدأ رسول الله ﷺ من الوحي أنه كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح).
قال أهل الحديث: واستمر ذلك لمدة ستة أشهر، وهذا تأويل قوله ﷺ : (الرؤيا الصادقة جزء من ست وأربعين جزءاً من النبوة)؛ لأن النبوة استمرت ثلاثاً وعشرين سنة، فالرؤيا الصادقة كانت ستة أشهر، يعني: جزءاً من ست وأربعين جزءاً، فأول ما بدأ به ﷺ من الوحي أنه كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتعبد ويتحنث فيه الليالي ذوات العدد، ثم يرجع لـ خديجة فيتزود لمثلها حتى فجعه الوحي وهو في الغار، فقال: (اقرأ، فقال ﷺ : ما أنا بقارئ، فأخذه فغطه حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، فأخذه فغطه حتى بلغ منه الجهد، ثم قال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، ثم قرأ عليه الخمس الآيات الأول من سورة العلق، فرجع ﷺ إلى خديجة يرجف فؤاده، وقال: لقد خشيت على نفسي، فطمأنته ﵂ وجزاها الله عن نبي الإسلام خيراً، قالت: كلا والله يا ابن عم ما يخزيك الله أبداً، إنك لتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، ثم صحبته إلى ابن عمها ورقة) إلى آخر القصة المعروفة.
فالله نبأ محمداً ﷺ بهذه الآيات، وأرسله بـ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢].
стр. 275
تفسير قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق)
قال الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١].
القراءة في اللغة: إبراز الشيء وإظهاره، ومنه قول القائل في وصف الناقة: لم تقرأ جنيناً، أي: لم تنتج ولم تبرز جنيناً، أي: ولم تلد.
قوله: ((اقْرَأْ)) هنا سؤال طرحه أهل التفسير: ألم يكن رسول الله ﷺ أمياً؟
الجواب
نعم، فكيف يوجه إليه الأمر بالقراءة؟ قالوا: القراءة على نوعين: إما أن تكون قراءة من شيء مكتوب، وإما أن تكون قراءة من متلو، وهاهنا قراءة من متلو، فجبريل ﵇ يتلو ويأمر محمداً ﷺ بأمر الله أن يردد، هذه هي القراءة التي أمر بها النبي ﷺ ، ولذلك بعض الناس يستغرب إذا سمع أحد العلماء وقد كُف بصره، يقول: أنا قرأت في كتاب كذا، أو قرأت في جريدة كذا، يقولون: هذا الرجل يكذب، كيف قرأ وهو أعمى؟! نقول: لا، القراءة إما أن تكون من مكتوب أو متلو.
قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] أي: اقرأ مفتتحاً ومبتدئاً ومنشئاً باسم الله، فالله هو الذي أرسلك، وهذا الوحي والرسالة منه، والأمر منه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧].
فقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ذكر ربنا ﷻ هنا صفة من صفاته أو فعلاً من أفعاله وهو الخلق، وما قال: اقرأ باسم ربك الذي أوحى، أو: اقرأ باسم ربك الذي أرسل، وإنما قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، قالوا: لسببين اثنين: السبب الأول: أن الخلق هو ألزم أوصاف الربوبية، فالرب هو الخالق، ثم يأتي بعد ذلك كونه رازقاً، وكونه نافعاً، قال الله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٤٠].
السبب الثاني: أن المشركين كانوا مقرين بأن الله هو الذي خلقهم، قال : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥].
وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧].
وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩].
فمن أجل هذا ذكر ربنا ﷻ هذه الصفة، وكأن إنساناً سأل: لم أقرأ: باسم الله؟ فجاء
الجواب
لأنه الذي خلق، كما في أول أمر في القرآن، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١] لم؟ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١] يعني: ما دام هو الخالق ﷻ فينبغي أن يكون هو المعبود.
стр. 276
تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان من علق)
قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:٢].
خلق الله الإنسان وخلق الكائنات كلها، خلق الدواب والشجر والأنعام والحشرات والطيور والإنس والجن، لكنه ذكر الإنسان تشريفاً له، ولأمرين أولاً: من باب عطف الخاص على العام مثل: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر:٤] الروح من الملائكة، لكن خصه الله بالذكر تشريفاً له، فهنا أيضاً لما كان الإنسان هو أشرف مخلوق خصه الله بالذكر.
ثانياً: أن خلق الإنسان آية من آيات الله، كما قال سبحانه: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١].
وقال: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت:٢٠].
وقال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة:٥٨ - ٥٩].
وقال في آية أخرى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥].
وفي قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:٢]، يقول العلامة الطاهر بن عاشور ﵀: وفي هذا تعريض بتحميق المشركين -يعني: وصفهم بالحمق- الذين لم يستدلوا بخلق أنفسهم على وحدانية الله ﷻ .
стр. 277
حقيقة العلقة ووجه ذكرها دون غيرها
قوله: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ العلقة: هي قطعة من الدم المتجمد، وهي المرحلة الثالثة أو الطور الثالث من خلق الإنسان؛ لأن الله خلق الإنسان في سبعة أطوار، قال الله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٤] ثم تأتي نسخ الروح: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] ووجه ذكر ربنا العلق ولم يذكر مرحلة التراب ولا مرحلة النطفة لسببين: الأول: أن ظهور آيته في العلقة أبلغ؛ لأن النطفة تكون من الرجل وتكون من المرأة كلاً على حدة، أما العلقة فلا تكون من مجموعهما، قال : ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان:٢] أي: أخلاط، اختلطت نطفة المرأة بنطفة الرجل.
الثاني: أنهم ما رأوا مرحلة التراب، أي: ما شاهدوا خلق آدم ﵇، وقضية المني هذه بالنسبة إليهم أمر معتاد، وقضية العلقة كانوا يرونها بأنفسهم في حال إجهاض المرأة أو إسقاطها، وكانوا يعجبون من ذلك، فذكرها الله .
стр. 278
تفسير قوله تعالى: (اقرأ وربك الأكرم)
قال الله تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق:٣] (اقرأ) هذا أمر آخر.
كأن النبي ﷺ سأل: كيف أقرأ وأنا أمي لا أعرف القراءة بعد؟ فقال الله له: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق:٣] وحقيقة الكرم: عطاء ينتفع به المعطى له من غير منٍّ ولا أذى، لكن الله له المن كله، فهنا امتن عليه وقال: أنا أعلمك، أنا أفقهك، أنا أوجهك، أنا أظهرك، أنا أنصرك، كما امتن عليه في آية أخرى فقال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣].
стр. 279
تفسير قوله تعالى: (الذي علم بالقلم)
قال : ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق:٤] ذكر وسيلة من وسائل التعليم، فالتعليم يكون بالإلهام، ويكون بالتلقين، ويكون بالقلم.
والقلم آية من آيات الله، قال قتادة السدوسي ﵀: القلم نعمة من نعم الله العظيمة، لولاه لم يقم دين ولم يصلح عيش.
стр. 280
فوائد القلم
للقلم عدة فوائد منها: أن به كتب الوحي، وحفظ العلم، ودونت الحكمة، وبه نقلت أخبار الماضين وقصص الغابرين، وبه نقلت علوم السلف للخلف، وبه حفظت المعاملات ودون التاريخ، وأثبتت الحقوق، وعلمت الوصايا، وعرفت الشهادات، هذه كلها بالقلم، ولذلك أعلى رسول الله ﷺ شأن الكتابة، فأمر الناس أن يتعلموا، ونعرف بأنه ﵊ كان ينزل عليه الوحي، وكان له كتاب يكتبون، أحصى بعض أهل العلم هؤلاء الصحابة الذين كانوا يكتبون الوحي بين يدي رسول الله ﷺ فبلغوا اثنين وأربعين صحابياً، منهم الخلفاء الأربعة ﵃، كلهم كانوا يكتبون الوحي تلقياً من فم رسول الله ﷺ .
وكذلك يوم بدر، أمر الرسول ﷺ من لم يكن عنده فداء من الأسرى بأن يعلم عشرة من أبناء المسلمين الكتابة ثم يطلقه، وكان من بين من تعلموا في تلك الفترة الشاب الذكي الزكي زيد بن ثابت ﵁، الذي كان فيما بعد أحد كتاب الوحي.
стр. 281
أنواع القلم
دلت الشريعة على أن القلم أنواع: القلم الأول: ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب ما كان وما سيكون) فهذا هو القلم الأول.
الثاني: القلم الذي تكتب به الملائكة الأقدار في ليلة القدر من كل عام: من حياة وموت ورزق وجدب ومرض وصحة، وغير ذلك كله يكتب.
الثالث: القلم الذي يستعمله الكرام الكاتبون، قال الله : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨].
وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١١].
الرابع: القلم الذي يستعمله الملك الذي وكل بنا ونحن في أرحام أمهاتنا، بعد أن يكمل أحدنا أربعة شهور، فيرسل الله ملكاً يأمره بأن ينفخ فيه الروح، وأن يكتب أربع كلمات: الرزق، والأجل، والعمل، والشقاوة والسعادة، هذه الكلمات الأربع يكتبها الملك ونحن في بطون أمهاتنا.
الخامس: سائر الأقلام التي نستعملها نحن البشر وتعلمنا بها الكتابة.
يقول الرازي ﵀: روي أن سليمان سأل عفريتاً من الجن، قال له: ما الكلام؟ فقال له العفريت: ريح يذهب، قال له: فما قيده؟ قال: الكتابة.
ولذلك يقول الرازي ﵀: لا تقل: القلم نائب عن اللسان؛ فإن القلم ينوب عن اللسان واللسان لا ينوب عن القلم.
يعني: أن الإنسان إذا أراد أن يكلم إنساناً آخر، فإنه يكتب له، فالقلم يقوم مقام الكلام، لكن اللسان لا يقوم مقام القلم، فقد يكتب إنسان مالا يستطيع نطقه.
ولما كان القلم بهذه المنزلة أيها الإخوة الكرام يقول الرازي ﵀: بركوعه تسجد الأنام، وبحركته يحفظ العلم على مر الليالي والأيام.
стр. 282
تفسير قوله تعالى: (علم الإنسان ما لم يعلم)
قال الله تعالى: ﴿عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:٥].
قيل: المراد بالإنسان آدم ﵇، فقد علمه الله أسماء كل شيء بكل لغة، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] فظهرت مزيته وبان شرفه وعلمه صلوات الله وسلامه عليه، لكن قد بين الله أن هذه الآية تعمنا وتشملنا، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨].
стр. 283
تفسير قوله تعالى: (كلا إن الإنسان ليطغى)
بعدما استمرت مسيرة الدعوة حيناً وظهر لها مناوئون ومعارضون ومبغضون، جاءت بقية السورة، يقول الله : ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧] أصل الطغيان: التعاظم والكبر ومجاوزة الحد، والسبب: أن الإنسان بمجرد ما يستغني ويكثر ماله وتسبغ عليه نعم الله فإنه يطغى ويتكبر على الله أولاً صاحب النعمة ﷻ ، ومثال ذلك: فرعون اللئيم عليه لعنة الله، قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١].
وكذلك قارون لما قال له قومه: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦]، فأبى أن يقبل النصيحة، وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] أي: ليس لله فيه نصيب.
وكذلك الأقرع صاحب بني إسرائيل ثالث الثلاثة قال: (إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر).
لا يريد أن يعترف لله بالنعمة.
وكذلك الوليد بن المغيرة الذي كان يريد أن يكون الوحي إليه، فقال: لم يكون محمد نبياً؟ لم لا أكون أنا؟ قال تعالى مخبراً عن الكفار: ﴿وَقَالوُا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، أي: كيف يكون محمد نبياً وهو فقير لا مال له، ولم يكن الوليد أو عروة الثقفي نبياً؟! فهذا الإنسان طاغية جبار، قال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق:٦] هذا من العام المخصوص، فقد وجد من صنف الإنسان أناس آتاهم الله المال والعلم فما زادهم ذلك إلا تواضعاً، وعلى رأسهم سليمان ﵇، فقد آتاه الله ما لم يؤت أحداً، فعلمه منطق الطير، وآتاه من كل شيء، وسخر له الريح، قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص:٣٦ - ٣٧].
يعني: في أيام معدودات يبنون له مسجداً عظيماً، وقال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ:١٣] ومع ذلك فإنه ﵊ لما أُتي بعرش بلقيس: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠].
كذلك وجد من الصالحين من أصحاب رسول الله ﷺ من هو كذلك، كالقصة التي رواها مالك في الموطأ قال: (شغل صحابي ببستانه فتأخر عن الصلاة يوماً، وكان بستانه قد بلغ حالاً من النمو وكثرة النخيل فيه، حتى إن الطير لم تستطع الطيران في البستان؛ لكثرة الأشجار وتزاحمها، فذهب الرجل إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله! قد شغلت ببستاني عن الصلاة فهو في سبيل الله، اجعله حيث شئت).
فهذا الرجل حاكى وشابه سليمان ﵇ حين قال: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ [ص:٣٢ - ٣٣] فذبحها كلها؛ لئلا تشغله عن ذكر الله.
وأيضاً من الصحابة من كان ماله سبيله إلى الجنة، فهذا عثمان بن عفان ﵁: (جاء بمال كثير إلى الرسول ﷺ في غزوة تبوك، فصبه في حجره، فجعل رسول الله ﷺ يقلبه ويقول: اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، وقال: ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم).
الأصل أن الإنسان إذا استغنى طغى، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧] نظير ذلك في سورة البقرة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة:٢٥٨] أي: بسبب أن الله آتاه الملك وأغناه طغى وتكبر.
قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق:٨]، أي: المآب إلى الله، فهو سبحانه سيحاسب الكل، وأصحاب المال حسابهم أشد، ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلْطَّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبأ:٢١ - ٢٢] أي: مرجعاً ومصيراً.
стр. 284
تفسير قوله تعالى: (أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى)
قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق:٩ - ١٠] قوله: ((أَرَأَيْتَ)) أي: اعجب يا محمد وحق لك أن تعجب من كافر فاجر طاغية ينهى عبداً صالحاً مؤمناً عن الصلاة، وما ضرتهم صلاة محمد ﷺ عند الكعبة شيئاً، لكن الطغيان.
وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (أن أبا جهل لعنه الله وقف في ملأ قريش يوماً وقال: أما زال محمد يعفر وجهه بين أظهركم، فقيل له: نعم.
قال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأشدخن رأسه بحجر، فما لبث إلا قليلاً حتى قيل له: يا أبا الحكم هذا محمد يعفر وجهه، فجاء عدو الله ومعه حجر يمشي نحو رسول الله ﷺ والناس ينظرون، فما فجأهم إلا وقد ألقى الحجر من يديه، ثم رجع وهو يتقي بيديه ممتقعاً لونه، فقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟ قال: والله ما إن دنوت منه حتى رأيت بيني وبينه خندقاً وأهوالاً وأجنحة، قال الرسول ﷺ : تلك الملائكة والله لو دنا لتخطفته عضواً عضواً).
فكان هذا الفاجر ينهى رسول الله ﷺ عن الصلاة.
стр. 285
تفسير قوله تعالى: (أرأيت إن كان على الهدى)
قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ [العلق:١١ - ١٢]، يعني: يا أبا جهل افترض أن محمداً ﷺ على الهدى ويأمر بالتقوى، فما شأنك به؟ دعه.
قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [العلق:١٣] أي: إن كذب بقلبه وتولى عن العمل بجوارحه.
وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤] أي: يا أبا جهل يا طاغية يا من تجبرت وبغيت واستعليت أما علمت أن الله مطلع عليك، سامع لمقولتك، وأنه ﷻ سينتقم منك.
قال : ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق:١٥]، السفع: الجذب بشدة، وقيل: السفع تعريض الوجه لحر الشمس حتى يسود، وقيل: السفع الضرب، وكله حاصل يوم القيامة.
قوله: ((لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ)) خصت الناصية بالذكر؛ لأن العرب إذا أرادوا إذلال شخص وإهانته أخذوا بناصيته.
قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق:١٦]، من باب إطلاق الجزء مع إرادة الكل، كما في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد:١] فما تبت يداه وحدها وإنما تب وهلك كله، لكن هذا باب من إطلاق الجزء مع إرادة الكل.
следующие страницы →