← Джавами‘

Джавами‘ · id 37422

دروس الشيخ عبد الحي يوسف

عبد الحي يوسف

Полный текст (933 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

مواضع قراءة النبي لسورتي الإخلاص في صلاته هذه السورة يقول عنها الإمام الزمخشري في الكشاف، والإمام السيوطي في الإتقان: بأنها تسمى هي وسورة (قل هو الله أحد) المقشقشتين؛ لأنهما أزالتا الشرك، يقال: قشقش إذا أزال. وتسمى أيضاً هي وسورة (قل هو الله أحد) بـ: سورتي الإخلاص. وقد كان رسول الله ﷺ يجمع بينهما في كثير من المواقف، ففي الحديث في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄: (أن رسول الله ﷺ قرأ بالكافرون و (قل هو الله أحد) في ركعتي الطواف). وفيه أيضاً من حديث أبي هريرة ﵁ الله: (أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهما في ركعتي الفجر). وفي مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: (سمعت رسول الله ﷺ بضعاً وعشرين مرة يقرأ بالكافرون والإخلاص في الركعتين قبل الفجر، والركعتين بعد المغرب). فهاتان السورتان الكريمتان كان يقرأ بهما نبينا ﵊ في السنة الراتبة قبل صلاة الصبح، وفيها بعد صلاة المغرب، وكان يقرأ بهما في ركعتي الطواف.

стр. 387

سبب نزول سورة الكافرون أما سبب نزول هذه السورة المباركة؛ فقد قال أهل التفسير: جاء أربعة من صناديد الكفر وذوي الأسنان ممن تقدمت بهم العمر، وهم: الوليد بن المغيرة المخزومي والعاص بن وائل السهمي وأمية بن خلف الجمحي والأسود بن المطلب، إلى رسول الله ﷺ وقالوا له: يا محمد! إنا نعرض عليك أمراً، قال: (وما ذاك؟) قالوا: أن تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة؛ فإن كان الذي عندنا خيراً أصبت منه، وإن كان الذي عندك خيراً أصبنا منه. يعني: نلتقي في منتصف الطريق، والحق نسبي -كما يقول الدجاجلة- قد يكون عندنا نسبة من الحق وعندك نسبة من الحق، فلو أننا عبدنا إلهك سنة وعبدت إلهنا سنة نكون قد أصبنا الحق كله، فأنزل الله سورة الكافرون مبرئاً رسوله ﷺ من أن يميل إلى كفر، أو يتلبس بشرك، أو يشارك في باطل.

стр. 388

نفي عبودية النبي لغير الله افتتحت هذه السورة بفعل الأمر (قل)، وعندنا في القرآن خمس سور افتتحت بـ (قل) وهي: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:١]، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]. قوله سبحانه: (قل): هذا الأمر مشعر بالاهتمام بما بعد القول، وأن النبي ﷺ مأمور بتبليغه للناس بوجه خاص، وبتبليغ الدين كله بوجه عام قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧]، فالدين كله هو مأمور بتبليغه صلوات الله وسلامه عليه، لكن هذا أمر لابد من العناية به تمام العناية، فقال: (قل -أي: يا محمد-: يا أيها الكافرون)، أي: يا عاص، ووليد، وأسود، وأمية، ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:٢]. يقول العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور ﵀: وفي الإتيان بهذا الوصف القبيح تحقير لهم، واستخفاف بشأنهم، وإشعار بأن رسول الله ﷺ لا يهابهم؛ لأنه محفوظ من ربه، فما قال: يا أيها الناس، وما قال: يا من عرفتم هذا العرض، لا، بل: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، يا من كفرتم بالله، يا من جحدتم بالنبوة، يا من كذبتم بالبعث والمعاد، يا من اتصفتم بالكفر ماضياً وحاضراً ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:٢]، أي: لا أعبد ما تعبدون من آلهة باطلة، وأصنام لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع ولا تغني عني شيئاً. ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:٣] أي: ولا أنتم -أيها المشركون- تعبدون الإله الحق الجليل العظيم الذي أعبده، و (ما) هنا بمعنى من، وهي مثل قول الله : ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس:٥] أي: والسماء ومن بناها، وقول الله : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ﴾ [الليل:١ - ٣] أي: ومَن خلق الذكر والأنثى. ويرى ابن القيم ﵀ بأنه جيء بـ (ما) ههنا؛ لأن المقصود الصفة وليس الذات، كما في قول الله : ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء:٣] فالمعنى: من طاب لكم من النساء، لكن لما كان الأمر منصباً على وصف الطيب جيء بـ (ما)، وهكذا ههنا المشركون يعبدون إلهاً لكن لا يعرفون صفاته ﷻ وأنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي ينبغي أن يفرد بالعبادة وحده.

стр. 389

تبرئة النبي ﷺ من الشرك وأهله قال تعالى: ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:٤ - ٥] قال بعض أهل التفسير: هذا تكرار مقصود منه التأكيد، وهذا معروف في كلام العرب، كقول القائل: يا علقمة يا علقمة يا علقمة خير تميم كلها وأكرمه أو قول الآخر: يا أقرع بن حابس يا أقرع إنك إن يصرع أخوك تصرع وقول الثالث: تالله إنك قد ملأت مسامعي دراً عليه قد انطوت أحشائي زدني وزدني ثم زدني ولتكن منك الزيادة شافياً للداء فهذا تكرار يراد منه التأكيد. وقال بعض أهل التفسير: ليس في الآيات تكرار، بل الله يقول لنبيه ﷺ : قل للمشركين: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:٢] لا في الحال ولا في المستقبل، ومقابله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:٣]، لا في الحال ولا في المستقبل، ثم قال: ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ﴾ [الكافرون:٤]، أي: قبل نزول الوحي علي ما سجدت لأصناكم، ولا تمسحت بأوثانكم، ولا نذرت لآلهتكم، ولا استعملت أزلامكم، ولا تلبست بشيء من أمر جاهليتكم، فقبل نزول الوحي عصم الله نبيه ﷺ من ذلك، ومقابلها: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:٣] أي: فيما مضى ما عبدتم الله أصلاً، وهذه براءة تامة له من الشرك. وسيدنا رسول الله ﷺ مقتد بالخليل إبراهيم الذي قال لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧]، ولما قال لأبيه وقومه: ما تعبدون؟ ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء:٧١]، فقال لهم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٥ - ٧٧]. وكذلك في الآية الأخرى قال الله عنه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]. وكذلك الفتية الطيبون الذين آمنوا بربهم وزادهم هدىً، يقول أحدهم: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف:١٦]، وإبراهيم قال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٨]. فهذه السورة براءة من الشرك وأهله كما هو ظاهر للعيان منها: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:٢ - ٥].

стр. 390

تهديد الكفار والمشركين ختمت هذه السورة بهذا التهديد: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]. يقول ابن القيم ﵀: وقد أخطأ من ظن أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، فليست الآية منسوخة، وليس فيها إقرار للكفار على دينهم الباطل، وإنما المقصود كما في قول الله : ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٤١]، وقوله: ﴿قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ:٢٥]، وقوله في سورة الكهف: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، أي: تهديد هؤلاء المشركين الذين ما عرفوا الله ولا قدروه حق قدره. يقول ابن القيم ﵀: وفي تقديم اختيارهم على دين الله تهكم واستخفاف بهم، قال الله : ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، فهو بمنزلة أن تقول لإنسان: هذا سم وهذا دواء، فتقديمك للسم ليس إعلاءً له وإنما استخفافاً بشأنه.

стр. 391

أكذوبة التقريب بين الأديان هذه السورة المباركة -أي: سورة الكافرون- تسمى مع (قل هو الله أحد) سورتي الإخلاص؛ لأن فيها إخلاص العبادة لله ، وخلع الأنداد وجميع صور الشرك، ونحن محتاجون إليها في زماننا هذا الذي ينشط فيه دعاة وحدة الأديان، والتقريب بينها، وهذا المعني لعلي قد قدمت طرفاً منه في سورة البينة عند قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٦].

стр. 392

تاريخ التقريب بين الأديان أيها الإخوة الكرام! الآن تنشط دعوة قد يسمونها: التقريب بين الأديان، أو التقارب بين الأديان، أو التعايش بين الأديان، أو الوحدة بين الأديان، ونسمع عن منظمة التضامن الإسلامي المسيحي، ومنظمة الإخاء الإسلامي المسيحي، والديانة الإبراهيمية، والملة الإبراهيمية، والتوحيد بين الأديان، والصداقة الإسلامية المسيحية، وغير ذلك من العناوين البراقة الخداعة الخلابة، وهذه الدعوة لديها مسرب تاريخي، وذلك أنها كانت في زمن النبوة الأولى على أيام رسول الله ﷺ ، حيث بدأ اليهود والنصارى في محاولة إضلال المسلمين كما حكى ربنا في كتابه الكريم في قوله: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة:١٣٥]، وفي قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة:١١١]، ورسول الله ﷺ موجود، والعلم مبثوث، فما وجدت رواجاً بل قمعت في مهدها، ثم أيضاً في القرون المزكاة القرون الفاضلة بحديث: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، خمدت هذه الدعوة وما سمع لها ذكر، لكن بعد انقراض تلك القرون المفضلة جاءت المرحلة الثانية بدعوى أن الخلاف بين الإسلام والنصرانية واليهودية كالخلاف بين المذاهب الفقهية الأربعة. وتلقى هذه الدعوة وتلقفها المنحرفون من الملاحدة والغلاة من أمثال الحلاج وابن سبعين والعفيف التلمساني وغيرهم، فنطقوا بالكفر حتى قال قائلهم: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة نعوذ بالله من الضلال، فهؤلاء هم دعاة وحدة الوجود، حتى قالوا: إن فرعون نفسه كان مؤمناً، ثم قتل منهم من قتل، وشرد بهم من خلفهم، ثم جاءت المرحلة الثالثة في أعقاب الحرب العالمية الأولى لما نشطت الدعوة الماسونية التي تريد تذويب الفوارق بين الأديان تحت شعار الكلمات الثلاث: إخاء، حرية، مساواة. ثم نشط الدعاة للتقريب بين الأديان، وقد كتب أحد علماء هذه البلاد في هذا، وهو الشيخ الأمين الحاج محمد أحمد، ونقل عن الشيخ الدكتور محمد محمد حسين ﵀ قوله: كان شيخ من شيوخ الأزهر اسمه الشيخ: حسين الطويل، وكان رجلاً عالماً فحلاً، وكانت الأمة لا يزال فيها خير كثير، فجاءه أحد المستشرقين الإيطاليين وقت إفطاره، وكان الشيخ يفطر فولاً وبصلاً، يعني: يأكل فطوراً معتاداً، فدخل عليه المستشرق ثم شرع يكلمه بأن الأديان كلها شيء واحد، وأننا نريد التقريب، والخلاف الذي بيننا لا يضر، والشيخ لا يجيبه ويأكل فوله وبصله، واستمر في أكله إلى أن جف ريق ذلك الخبيث، وكان الشيخ قد فرغ من طعامه، فشرب ماءً ثم قال له: يا خواجة ما رأيك في فول بالبصل؟ يعني: كلامك هذا كله دخل من ههنا وخرج، قال: أنت تريد مني أن أكذب القرآن وقول الله: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ [البقرة:٢١٧]، والقرآن قال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، والقرآن قد قرر هذه الحقائق أيضاً في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]، وفي قوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩]، فكيف أقبل منك هذه الدعوى؟ ثم في ظل ما يسمى بالنظام العالمي الجديد صارت هذه الدعوى جهرية مكشوفة، فيدعى إلى وحدة الأديان صراحة، حتى صدرت دعوة -ونسأل الله العافية- إلى طباعة التوراة والإنجيل والقرآن في غلاف واحد، فيكون الحق والباطل مع بعض! وكانت هناك فكرة في بعض البلاد بأن يقام ما يسمى بمجمع الأديان أي: معبد وكنيسة ومسجد في مكان واحد، وداخل سور واحد! ومن المضحكات المبكيات: أنها أقيمت صلاة مشتركة دعا إليها البابا بين أتباع الديانات الثلاث في الفاتيكان في إيطاليا، وأمهم فيها البابا! يقول الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله: هذه أول مرة في تاريخ الإسلام يأتم المسلمون فيها برجل كافر، البابا دعا إلى هذه الصلاة، ودعا بعد إلى صلاة تسمى صلاة روح القدس.

стр. 393

سبب دعوى التقريب بين الأديان في أوساط المسلمين أيها الإخوة الكرام! ما أسباب هذه الدعوى؟ الآن يوجد بعض المسلمين قد يتلبس بهذا الباطل فما السبب؟ هناك عدة أمور أولها: الجهل بالدين، فمثل هذه السورة ما عرفوها ولا عرفوا تفسيرها، فهم ما عرفوا حقائق القرآن وبدهيات العقيدة. ثانياً: الانهزام النفسي، فالواحد منهم يحاول أن يتقرب إلى الكفار، ويظن أن هذا هو الطريق للدعوة إلى الله. ثالثاً: الخوف من سطوة الكفار وقهرهم، وذلك أن الكفار الآن هم الأعلون وهم الذين يأمرون وينهون. رابعاً: المصالح والمنافع الزائلة، فمؤتمرات وتذاكر وسفريات وحوافز وحسابات وما أشبه ذلك، تجعل الحليم حيران، ومن أجلها يبيع الناس دينهم، نسأل الله العافية والسلامة.

стр. 394

أهداف دعوى التقريب بين الأديان ما أهداف هذه الدعوى؟ ما الهدف من وراء الدعوة إلى وحدة الأديان، أو التقريب بينها؟ هناك عدة أهداف رمى القوم إليها وقد حققوها، الهدف الأول: إيجاد مرحلة التشويش على الإسلام، وبلبلة أفكار المسلمين. وهذا قد حصل، فلو سألت جدك: اليهود والنصارى مؤمنون أم كفار؟ لقال: هم كفار قولاً واحداً، لكن الآن صارت هذه القضية محل تعاط ونقاش بين الناس، فيقول قائلهم: يا أخي هم ليسوا كفاراً! إذاً: فأين آيات القرآن كقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، وكقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، وكقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:٣٠]؟ وهناك عشرات الآيات في إثبات كفر القوم، ويكفيهم أنهم كفروا بمحمد ﷺ . يا إخواننا! لو أن معنا إنسان يصلي الآن قال: أنا كافر بعيسى، سنقول له: أنت لست مسلماً، أليس كذلك؟ بلى، ونقوله له: لست مؤمناً، وليس لك في الجنة نصيب، والأمر كذلك لو قال أحد: أنا كافر باليسع أو بإلياس أو بأي نبي من الأنبياء. فهؤلاء الذين كفروا بمحمد ﷺ ، كيف يكون لهم في الإيمان نصيب؟! الهدف الثاني: حل الرابطة الإسلامية، وإحلال هذه الرابطة البديلة اللعينة مكانها، الآن نحن ندعوا لإخواننا في فلسطين والعراق، ما الذي بيننا وبينهم؟ هل بيننا وبينهم مصالح؟ نحن في هذا المسجد ندعو لإخواننا في فلسطين وليس بيننا وبينهم لا تجارة ولا نسب ولا شيء، وما بيننا وبينهم إلا ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]. فهذه الآية لو تركت وصار اليهود والنصارى أيضاً إخوة لنا كما نسمع الآن بكثرة: إخواننا المسيحيين! لما عاد لأمة الإسلام ميزة. إذاً: فلو شاهدت في التلفزيون حرباً بين شارون وأحمد ياسين نقول: والله هذين أخوين اختلفا، ندعوا ربنا أن يصلحهم، وستكون حينها أنت أهل حياد؛ لأن شارون أخونا وأحمد ياسين أخونا، وكلنا موحدون! بل من خبثهم يقولون: لابد من التقريب بين الموسوية والعيسوية والمحمدية، فهل نعرف ديانة اسمها المحمدية؟ أنت الآن لو سألتك ما ديانتك؟ هل تقول: أنا محمدي؟! لا. بل تقول: أنا مسلم، كما قال الله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ﴾ [الحج:٧٨]، ولم يقل: هو سماكم المحمديين، لكن هكذا بلبلوا الأفكار. الهدف الثالث: أرادوا قصر المد الإسلامي واحتوائه، فالآن أكثر الديانات انتشاراً في أوروبا الإسلام فضلاً من الله ونعمة، وهكذا في كثير من بلاد الله ، فلما وجدوا ذلك وكنائسهم تعصف الريح بأبوابها ولا يتردد عليها أحد، أرادوا خلط الأمور؛ بحيث أن الأوروبي أو الأمريكي إذا أراد أن يدخل في الإسلام يقول: لم الإسلام؟ فهو والنصرانية واليهودية شيء واحد، ومن معين واحد، وفي مصب واحد، لكن الطرق مختلفة. هكذا أرادوا. الهدف الرابع: أرادوا كف ألسنة المسلمين وأقلامهم عن تكفير من كفره الله ورسوله ونجحوا. فالآن كثير من الناس لا يجرؤ على أن يقول: النصارى كفار، ولا يستطيع أن يكتب هذا، فنجحوا في إرهاب الناس بحيث يعتقدون الحق باطلاً والباطل حقاً. الهدف الخامس: إبطال أحكام الإسلام في معاملة أهل الكتاب، مثل قول ربنا: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]، وهذا الكلام لا يذكره أحد، بل صار الشعار المعتبر في كثير من بلاد الله: حق المواطنة، وأن الناس جميعاً سواء في الحقوق والواجبات دون النظر إلى الجنس أو الدين، حتى إن بعض المخرفين وهو صحفي لا له في العير ولا في النفير، ألف كتاباً سماه: مواطنون لا ذميون، وقال: لا حاجة إلى مسمى أهل الذمة. إذاً: أين نذهب بهذه النصوص؟ هل نلغيها ونشطبها؟ بل تاريخنا كله وما أجمع عليه علماؤنا هل نضيعه؟! هذه الأهداف عملوا للوصول إليها، وقد نجحوا نسأل الله العافية.

стр. 395

حكم الإسلام في دعوى التقريب بين الأديان الدعوى لتقريب الأديان دعوة بدعية كفرية ضالة، ولا يدعو إليها من يؤمن بالله واليوم الآخر، وهي تنقض أصل الإيمان بالله؛ لأن عقائد اليهود والنصارى عقائد إلحادية، وهذه الدعوة تنقض أصل الإيمان بالرسل؛ لأن النصارى يكفرون بمحمد ﷺ ، واليهود يكفرون بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. ثم هذه الدعوى تنقض أيضاً أصل أن الإسلام ناسخ لما قبله، ومهيمن على ما سواه من الشرائع كما قال الله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨]، فتصير هذه الشريعة الحقة والشرائع الباطلة كلها سواء بمقتضى هذه الدعوة الباطلة، وكذا العقيدة القائمة على التوحيد الخالص، والعقائد التي فيها الزلل والدخل والانحراف والإلحاد تصير أيضاً واحدة. ولذلك اقرءوا هذه السورة المباركة واقرءوا تفسيرها، وعضوا عليها بالنواجذ، ونسأل الله أن يتوفانا مسلمين.

стр. 396

تفسير سورة النصر الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين، وأن يجمعنا في جنات نعيم. سورة النصر هي سورة مدنية باتفاق أهل التفسير، وقد اشتملت على ست وعشرين كلمة، واثنتين وسبعين حرفاً، وهذه السورة هي آخر سورة من القرآن نزلت كاملة، ويدل على ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: (أن ابن عباس سأله: ما آخر سورة نزلت من القرآن جميعاً؟ فقال له: هي سورة النصر، فقال: ابن عباس: صدقت). هذه السورة المباركة قال عنها بعض أهل التفسير: نزلت عقيب حنين، وبعضهم قال: نزلت قبيل الفتح، وبعضهم قال: نزلت في حجة الوداع.

стр. 397

البشارة بنصر الله لنبيه وفتح البلدان له قال الله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١]، هذه السورة افتتحت بالشرط: ((إِذَا جَاءَ)) هذا هو فعل الشرط، وجوابه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:٣]. ومعنى: ((إِذَا جَاءَ))، أي: إذا حصل وتحقق، والنصر: هو الإعانة على الأعداء والتغلب عليهم، وأضيف هذا النصر لله لتعظيمه، وللإشعار بأنه نصر عزيز خارق للعادة جاء وفق ترتيب إلهي وإعداد رباني. الفتح: هو الاستيلاء على بلاد الأعداء ودخولها، وسمي فتحاً: لأنه يكون دخولاً من الباب، كما قال الله في قصة موسى مع قومه: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة:٢٣]، وقد يكون هذا الفتح من خلال اقتحام الثغور وما أشبه ذلك. قوله سبحانه: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:٢]، (الناس): اسم جمع يدل على مجموعة من الآدميين. (ورأيت): الرؤيا ههنا إما أن تكون رؤية علمية، أي: إذا جاءتك الأخبار وتواترت عندك، ويحتمل أن تكون رؤية بصرية لمجيء هؤلاء الناس إلى رسول الله ﷺ . والمراد بقوله سبحانه: ((فِي دِينِ اللَّهِ))، أي: في الإسلام، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وقال سبحانه: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. ومعنى ﴿أَفْوَاجًا﴾ [النصر:٢] أي: جماعات وأمماً فوجاً إثر فوج.

стр. 398

وجوب مقابلة النعم بالشكر ومعنى الإنابة قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣]. (فسبح) أي: نزه ربك ﷻ عن كل نقص وعيب، وصفه بكل كمال، سبح: قائلاً ذلك بالحمد، وقد كان رسول الله ﷺ كما في ثبت من حديث أمنا عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ بعدما نزلت هذه السورة: (يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن). ومعنى: ((وَاسْتَغْفِرْهُ))، أي: اطلب منه المغفرة. يقول العلامة الطاهر بن عاشور ﵀: في هذه الآية أربع مؤكدات: أولاً: حرف التوكيد إن في قوله: (إنه)، ثانياً: الفعل الناسخ (كان)، الذي يدل على الثبوت والدوام، ثالثاً: صيغة المبالغة في قوله: (تواباً) أي: كثير التوبة على عباده، رابعاً: التنوين المشعر بالتعظيم ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣].

стр. 399

نعي سورة النصر للنبي ﷺ أجله في هذه السورة مسائل نعرض لها إن شاء الله. المسألة الأولى: نعت هذه السورة إلى رسول الله ﷺ نفسه، وأخبرت النبي الأكرم والرسول الأعظم ﷺ بأنه ميت، وأن أجله قد دنا، ويدل على ذلك ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان عمر ﵁ يدخلني في مجلسه، فوجد بعض الناس من ذلك في نفسه، يعني: بعض كبار الصحابة قالوا: لم يدخل عمر هذا الغلام ولنا أبناء مثله؟ يعني: إذا سمح لصغار السن بالدخول فليسمح للجميع، فتألم عمر ﵁ ولم يعجبه ذلك منهم، فقال لهم: إنه من قد علمتم، يعني: هذا الشاب الصغير الذي أدخله عنده من العلم والفهم والقدرة على تأويل القرآن ما ليس عند كثير من الكبار، ثم أراد أن يريهم ذلك عملياً فدعاه يوماً معهم، ثم قال لهم: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١]؟ فقال بعضهم: أمرنا ربنا إذا نصرنا وفتح علينا أن نحمده ونستغفره، وسكت آخرون، قال: وأنت يا ابن عباس ما تقول؟ قال: أقول: هذه السورة نعت إلى رسول الله ﷺ نفسه. قال الله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١]، أي: فتح مكة، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:٢]، فتلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣]. فقال عمر: والله ما أعلم منها إلا ما تقول، أي: هذا الذي تقوله هو الصواب، ويؤيد ذلك رواية الإمام البيهقي ﵀ عن أم سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ لما نزلت هذه السورة دعا ابنته فاطمة ﵂ وقال لها: إنه قد نزلت علي سورة، فقرأها عليها، ثم أسر إليها بكلمات فبكت، ثم أسر إليها بكلمات فضحكت، ثم أخبرت ﵂: أن رسول الله ﷺ قد أسر إليها بأنه مقبوض فبكت، ثم أسر إليها بأنها أول أهله لحوقاً به فضحكت ﵂، وقد لحقت برسول الله ﷺ بعد أربعين يوماً من وفاته ﷺ ، وقد توفاها الله ولما تبلغ الثلاثين من عمرها، فلحقت بأبيها ﷺ في أعلى عليين في جنات نعيم ترد عليه حوض الكوثر. فلذلك يقول محمد إقبال ﵀: نسب المسيح بن مريم سيرة بقيت على طول المدى ذكراها والمجد يشرق من ثلاث مطالع في مهد فاطمة فما أعلاها هي بنت من؟ هي أم من؟ هي زوج من؟ من ذا يداني في الفخار أباها هي ومضة من نور عين المصطفى هادي الشعوب إذا تروم هداها ﷺ . وقد قال ﵊: (فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما يؤذيها، ويريبني ما أرابها).

стр. 400

مشروعية صلاة الفتح المسألة الثانية: قال الإمام ابن كثير ﵀: دلت هذه السورة على مشروعية صلاة الفتح، وذلك أن رسول الله ﷺ لما فتح الله له مكة صلى ثمان ركعات في وقت الضحى، فقال بعضهم: هي صلاة الضحى. ونقول: كيف تكون صلاة الضحى، وما كان ﷺ يواظب عليها؟ فكيف يصليها وهو في سفر وقد كان خلال تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة ويفطر ومعه عشرة آلاف من أصحابه؟ فدل ذلك على أنها صلاة الفتح. ثم اختلفوا: هل تكون ثمان ركعات بتسليمة واحدة، أو أنها تكون بتسليمة في كل ركعتين؟ قال: وقد روى أبو داود في سننه: أن رسول الله ﷺ كان يسلم من كل ركعتين، وكذلك فعل سعد بن أبي وقاص ﵁ حين فتح المدائن.

стр. 401

الكفار لا يردعهم إلا حق تحرسه القوة المسألة الثالثة: دلت هذه السورة على أن الناس لا يحترمون إلا من كان عنده حق تحرسه القوة، ومن ظن أن الناس سيحترمونه لأنه حلو اللسان، أو لأنه طيب المعشر، أو نحو ذلك -وأعني بالناس الكفار- فهو واهم، إذ الكفار لا يردعهم إلا حق تحرسه قوة. ويدل على ذلك: ما قاله الحسن البصري ﵀: لما فتح الله لرسوله ﷺ مكة، قالت العرب: أما إذ ظفر بأهل الحرم وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل فليس لنا به يدان، فجاءوا أفواجاً فوجاً إثر فوج يعلنون إسلامهم عند رسول الله ﷺ . فسبب دخولهم في الإسلام هو فتح مكة، قالوا: مكة حمى الله أهلها من أصحاب الفيل وكانوا في جيش قوي من الأحباش، ثم فتحها محمد ﷺ ودخلها في عشرة آلاف فارس، قالوا: فما لأحد به قوة ولا طاقة، فجاءوا مسلمين. ويدل على ذلك أيضاً ما رواه البخاري من حديث عمرو بن سلمة ﵁ قال: لما فتحت مكة جاءت أحياء العرب مسلمة، وذلك أنهم كانوا يتلومون بإسلامهم، يتلومون يعني: ينتظرون ويتريثون، يقولون: إذا ظهر على قومه وغلبهم فهو نبي. هذه هي العلامة. ولذلك جاءت الوفود بعد ذلك حتى سمي العام التاسع عام الوفود، ولا تظنوا أن مجيء الوفود كان أمراً سهلاً هيناً على الرسول ﷺ ، فقد دخل مع بعضهم في مفاوضات شاقة عسيرة دلت على أن القوم ما فهموا الإسلام بعد. وأذكر لكم مثلاً لذلك: جاء وفد ثقيف -وهم الذي ذهب إليهم الرسول ﷺ ورجموه بالحجارة وأسمعوه كلاماً سيئاً- على رأسهم عبد يا ليل بن عمرو وفيهم عثمان بن أبي العاص الثقفي ﵁، فجاءوا فقال المغيرة بن شعبة: يا رسول الله! دعني أكرم قومي، فقال له ﷺ : ما أمنعك من أن تكرمهم، ولكن أنزلهم حيث يسمعون القرآن، فضربت لهم خيام في المسجد بحيث يسمعون القرآن ويشاهدون الصلاة لعلهم يتأثرون، فمكثوا أياماً، ثم جاءوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: جئناك لتقاضينا، فقال ﵊: إذا أسلمتم أقاضيكم، أي: إذا حصل الإسلام بعد ذلك يحصل بيننا مفاوضة، أما لو لم تسلموا فلا مقاضاة ولا صلح، فارتفع القوم، يعني: انفضت جلسة المحادثات وذهبوا يتشاورون، فقال بعضهم لبعض: إنا نخشى يوماً كيوم مكة فلنرجع إلى الرجل، قالوا له: نسلم ولكننا -بدأت الشروط- قوم نغترب ولابد لنا منه، فقال ﵊: لا والله؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]. قالوا: فالخمر فإنها عصير أرضنا، والطائف كلها عنب وتمور، قال: لا والله فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ﴾ [المائدة:٩٠]، إلى أن قال: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠]. قالوا: فالربا فإنه أموالنا كلها، قال: لا والله لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، فإن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٨]، فارتفعوا، وذهبوا وتشاوروا ثم جاءوا، فقالوا: نسلم ولكن ماذا نصنع بالربة -مؤنث الرب- وكان عندهم اللات صنم يجللونه ويكسونه كما يكسى البيت الحرام، فقالوا: ما نصنع بالربة؟ أي: اللات مؤنث الله، فقال: تهدم، قالوا: هيهات هيهات، والله لو علمت أنها تهدم لأهلكت القوم. وكان عمر بن الخطاب يسمع فما صبر، وقال: يا ابن عبد يا ليل ما أجهلك! حتى متى لا تعقل؟ إنها حجارة لا تضر ولا تنفع، فقال: ما جئنا لنكلمك يا ابن الخطاب. يعني: خليك في حالك، ثم قالوا: يا رسول الله! تول أنت هدمها فأما نحن فإنا لا نهدمها أبداً، ثم قالوا: يا رسول الله! ائذن لنا قبل رسولك، فنحن أعرف بقومنا، فأمر عليهم عثمان بن أبي العاص ﵁ لنجابته وحرصه على العلم. فلما بلغ القوم مشارف بلاد ثقيف تقنعوا على هيئة المكروب المحجول، فقالت ثقيف: ما جاء الوفد بخير، وكان عبد يا ليل رجلاً عاقلاً، فقال لهم: أنا أعرف بالقوم فإنا لو أخبرناهم أنا قد صالحنا الرجل أبو، فجاءوا محجولين مكروبين ونزلوا عند اللات، عند الصنم ذاته، فقال القوم: لعله قد طال العهد بها، جاءوا يسلمون، ثم بعد ذلك قالوا: ما جئتم به؟ قالوا: جئنا من عند رجل فظ غليظ قد دوخ العرب ودان له الناس يقتل بغير حساب، وإنه قد عرض علينا أموراً أبيناها، عرض علينا أن نذر الربا، وأن نترك الزنا، وأن نمنع الخمر؛ فأبينا عليه ذلك كله، قالوا: نعم، والله لا يكون ذلك، قالوا: إذاً تجهزوا للحرب، هيئوا سلاحكم، ورمموا حصنوكم، وتهيأوا لحرب محمد، فذهب القوم ثلاثة أيام يجهزون، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب، فجاءوا قالوا: هلا رجعتم إلى محمد فصالحتموه، فقال: عبد يا ليل قد فعلنا فاقبلوا من الله عافيته. الحمد لله هذا الذي حصل والأمر تم، فأرسل النبي ﷺ وفداً فيه خالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة من أجل أن يهدموا اللات، فخرج القوم جميعاً رجالاً ونساءً وتحصنوا، وقالوا: ستمتنع اللات من هادميها وستطبش بهم، فقال المغيرة -وهو ثقفي- لـ خالد بن الوليد ولمن معه: دعوني أضحككم من ثقيف، فأخذ الكردين -الفأس- ثم ضربها، ثم ألقى به وبقى يتلبط في مكانه -يرفس- فقال القوم: أبعد الله المغيرة، قتلته اللات، هلم من كان منكم جريئاً فليفعل، يعني: يتحدون الباقي، فقام المغيرة ﵁ وقال: يا قوم! حتى متى لا تعقلون؟ سأريكم، وبدل ما كان يضرب قدمه صعد فوق رأسه وبدأ يهشمه من فوق إلى أن أتى عليه كله، ثم تتابعت بعد ذلك وفود العرب كلهم فأسلموا.

стр. 402

التوبة طريق الأنبياء المسألة الرابعة: قول الله : ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣]. التوبة هي طريق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ففي القرآن الكريم نقرأ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٣٧]، ونقرأ قول نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح:٢٨]، وقول سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥]، قول إبراهيم ﵇ بعدما بنى البيت: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٢٨]. وقد كان رسول الله ﷺ يكثر من التوبة والاستغفار رغم أن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فنسأل الله أن يتوب علينا أجمعين.

стр. 403

تفسير سورة المسد

стр. 404

سبب نزول سورة المسد الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين، وأن يجمعنا في جنات نعيم. سورة المسد تسمى في بعض المصاحف سورة أبي لهب، وهي سورة مكية. سبب نزولها كما روى البخاري من حديث عبد الله بن عباس ﵄: (أنه لما نزل قول الله : ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]، قام رسول الله ﷺ في البطحاء فنادى: واصباحاه، فاجتمع إليه أهل مكة، فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن الجيش مصبحكم أو ممسيكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقام أبو لهب من بين الناس وقال له: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟) فأنزل الله هذه السورة ليحكم على هذا الإنسان بالتباب وبالهلاك والخسار. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (نزلت هذه السورة لما جاء أبو لهب إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا محمد! ما لي إن آمنت بك، فقال ﵊: ما يعطى المسلمون، قال: ما لي عليهم فضل، قال النبي ﷺ : وأي شيء تبغي؟ فقال الخبيث: تباً لهذا الدين أن أكون وهؤلاء سواء). وقال عبد الرحمن بن كيسان ﵀: نزلت هذه السورة لأن الوفود كانت تأتي رسول الله ﷺ ، فكان أبو لهب ينطلق إليهم أولاً، فيسألونه عن النبي ﷺ ويقولون له: أنت أعلم به، فيقول لهم: إنه ساحر كذاب، فلا تأتوه، فيرجع الوفد دون أن يلقى رسول الله ﷺ . فجاء في مرة وفد من الوفود وأصروا على أن يلقوا النبي الأكرم ﷺ ، فادعى أبو لهب دعوى كاذبة خاطئة، فقال لهم: ما زلنا نعالجه تباً له، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فاكتأب، فأنزل الله هذه السورة. خلاصة هذه الروايات وغيرها: أن هذا الإنسان الشقي الذي كتب الله له الشقاوة في الأزل كان يمارس نوعاً فريداً غريباً من العداوة والكراهية لرسول الله ﷺ ، رغم أنه كان ابن أخيه إلا أنه كان يبغضه ويمقته وكان ينفر الناس منه، ولا يبالي في ذلك بأن يأتي بالأفعال التي يأنف منها العقلاء.

стр. 405

علة تخصيص أبي لهب بالذكر دون غيره يروي الإمام أحمد وابن إسحاق من حديث عباد بن ربيعة الديلي ﵀ قال: إني لفي سوق ذي المجاز مع أبي إذ أقبل رجل شاب يقول: أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، قولوا: لا إله إلا الله تملكوا بها العرب والعجم، وخلفه رجل وضيء أحول ذو غديرتين يقول: لا تصدقوه فإنه كذاب، لا تصدقوه فإنه صابئ، لا تصدقوه فإنه ساحر، فكان الناس يقولون: ما هذا؟ فكانوا يجابون: بأن هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله، والرجل خلفه هو عمه أبو لهب. فكان الناس يقولون: عمه أعرف به، ما دام أن عمه قال: بأنه ساحر، وأنه صابئ، وأنه كذاب فهو كذلك، فكان هذا الرجل من أعظم الصادين عن سبيل الله، ولذلك خصه الله بسورة، وما خص أمثاله ونضراءه في الكفر ممن مضى معنا خبرهم: كـ أبي جهل والوليد بن المغيرة المخزومي والعاص بن وائل السهمي وأمية بن خلف الجمحي وشيبة بن ربيعة، لكن هذا الإنسان لما كان لصيقاً بالنبي ﵊، وكانت هذه الرحم كفيلة بأن تعطفه عليه، وأن تجعله على الأقل كما كان أبو طالب، فمع أنه ما كان مؤمناً لكنه ما كان يؤذي رسول الله ﷺ ، بل كان يمدحه ويثني عليه ويدفع عنه ويقول: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً تالله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفيناً كان يدافع عن الرسول ﷺ . فأنزل الله هذه السورة في أبي لهب لفرط عداوته، والبلوى أنه ما كان وحده، وإنما كانت تعينه زوجه التي هي مثله في الخبث، وصدق الله إذ يقول: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور:٢٦].

стр. 406

خسارة أبي لهب وهلاكه قال الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]. (تبت): من التباب، والتتبيب: هو الخسار والهلاك، كما قال الله : ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر:٣٧]، وكما قال الله : ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود:١٠١]، أي: خسار وهلاك. فمعنى: (تبت): خسرت وهلكت يداه، وأبو لهب كله خاسر هالك، لكن الله خص يديه بالذكر؛ لأن اكتساب الأعمال في الغالب يكون بهما، فهو من إطلاق الجزء وإرادة الكل. وقال بعض أهل التفسير: إن الله ذكر يديه الخبيثتين لأنه لما قال للنبي ﷺ : تباً لك سائر اليوم، ما اكتفى بالكلمة القبيحة وإنما أخذ حجراً يريد أن يرمي به رسول الله ﷺ ، فحكم الله عليه بالخسار. وتبت الأولى في قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، دعاء وتب في آخر الآية: خبر، فكأن الله دعا عليه بالهلاك والخسار، ثم قال: وقد هلك وخسر. أما أبو لهب فهو عبد العزى بن عبد المطلب عم النبي ﷺ ، وكانت كنيته أبو عتبة، وكني بـ أبي لهب إما لحسنه وإشراقه كما يقولون، فقد كان حسن الوجه وضيئاً، أو أن الله كناه، كما يقول العلامة الطاهر بن عاشور ﵀: كناه الله بهذه الكنية من باب الدلالة على أنه ملتجئ إلى جهنم، فهو جهنمي، واسمه له نصيب من مصيره. وقال أهل التفسير: كان النبي ﷺ له أربعة أعمام: اثنان مسلمان واثنان كافران، أما المسلمان فـ حمزة والعباس، وأما الكافران فـ أبو لهب وأبو طالب، وكلاهما على غير أسماء المسلمين، أما أبو لهب فكان اسمه عبد العزى وأما أبو طالب فكان اسمه عبد مناف.

стр. 407

تفسير قوله تعالى (ما أغنى عنه ماله وما كسب) وأبو لهب هذا كما قال المفسرون: كناه الله بذلك لا تكريماً له، وإنما كراهية أن يذكر باسمه؛ لأن اسمه قبيح. قال الله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:٢]. (ما) نافية، أي: ما دفع عنه ماله التباب ولا منع عنه الهلاك، كما قال الله : ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل:١١] ويقول الواحد من أهل جهنم: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩]، وقال الله: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية:١٠]. والمراد بـ (ماله) في قوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:٢] المال التالف القديم الذي ورثه عن أبيه عبد المطلب. قوله: (وما كسب) أي: ما اكتسبه بكده وعرقه، وقيل: (وما كسب) هنا أي: الأولاد؛ لأن أبا لهب كان يسخر ويقول: إن كان ما يقول ابن أخي حقاً أن هناك قيامة وناراً فإني سأفتدي من عذاب النار بمالي وولدي، قد قال الله : ﴿لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة:٣] وقول الله : (وما كسب) يمكن أن ينطبق فعلاً على الولد؛ لأن الحديث خرجه أبو داود قال رسول الله ﷺ : (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه)، قالوا: ومما يدل على ذلك أن بني أبي لهب بعد سنين طويلة كانوا مختصمين فجاءوا إلى ابن عباس ليحكم بينهم، فاقتتلوا في أثناء عرض القضية على ابن عباس اقتتلوا، فقام ابن عباس ليحجز بينهم فدفعه أحدهم فطرحه على الفراش، فغضب ابن عباس وقال: أخرجوا عني الكسب الخبيث، هؤلاء الأولاد.

стр. 408

تفسير قوله تعالى (سيصلى ناراً ذات لهب) قال الله : ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣]. تقدم معنى هذا اللفظ في قول الله : ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٤] وفي قول الله : ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى:١٢] فـ (سيصلى) السين للتحقيق، ومعنى: (سيصلى) سيدخل، ويقاسي حر نار شديدة. قوله: (سيصلى ناراً) التنوين للتعظيم؛ لأنها نار فوق مدارك العقول، ومعنى: ((ذَاتَ لَهَبٍ)) [المسد:٣] أي: ذات شرر وإحراق شديدين.

стр. 409

تفسير قوله تعالى (وامرأته حمالة الحطب) قال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:٤]. قوله: (وامرأته) أي: زوجه، كما قال الله : ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١] أي: زوجه، وكما قال الله : ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ [هود:٧١] أي: زوجه، وامرأة أبي لهب هي العوراء أم جميل بنت حرب، واسمها أروى، ويقال لها: العوراء،، وأم قبيح كما قال ابن العربي ﵀، وهي أخت أبي سفيان بن حرب، ولذلك كان معاوية يمزح مرة مع عقيل، فقال: هذا عقيل بن أبي طالب وعمه أبو لهب، فقال له عقيل وهذا معاوية بن أبي سفيان وعمته حمالة الحطب، يعني: نحن تساوينا، فالله ذكر هذه المرأة وكانت شريرة كزوجها بل أشد. قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:٤] وصفها الله بقوله: (حمالة الحطب) قيل: لأنها عيرت رسول الله ﷺ بفقره وكانت غنية، فعيرها الله بأنها مع غناها بخيلة، ومن بخلها أنها تحمل الحطب، يعني: لا تكلف أحداً أن يأتيها بالحطب، بل تذهب له بنفسها لشدة بخلها. فقوله: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:٤] هذه لعنة من الله عليها، وذلك لأنها كانت تأخذ شوك السعدان والإبالة وما أشبه ذلك من الأذى وتطرحه في طريق رسول الله ﷺ ؛ من أجل أن تدمي رجليه صلوات الله وسلامه عليه. وقيل: وصفت بـ (حمالة الحطب)؛ لأنها كانت لمامة أو قتاتة، أي: تسعى بالنميمة بين الناس، وقد قال ﷺ : (لا يدخل الجنة نمام)، وقال الله : ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١٠ - ١١].

стр. 410

تفسير قوله تعالى (في جيدها حبل من مسد) قال الله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:٥]. معنى (في جيدها) أي: في عنقها ومعنى (حبل): وهو ما يوصل به بين الأشياء، فقوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:٥] أي: حبل من ليف اليمن، وهو ليف شديد غليظ، قالوا: ومناسبة الآية: أنها كانت لها قلادة فاخرة غالية، فكانت تقول: واللات والعزى لأنفقنها في حرب محمد، فأبدلها الله مكان هذه القلادة في النار حبلاً من ليف تسحب به في نار جهنم حتى تبلغ قمتها، ثم تطلق فتبلغ قعرها وأسفلها، هكذا يفعل بها في النار.

стр. 411

مسائل مفيدة في سورة المسد وههنا مسائل: المسألة الأولى: قال أهل التفسير: هذه السورة من معجزات رسول الله ﷺ ؛ لأنها نزلت وأبو لهب حي، فأخبر الله بأنه من أهل النار، وأنه سيصلى ناراً ذات لهب، وفعلاً مات أبو لهب على الكفر، وكان يملك أن يكذب القرآن بأن يقول: من أجل أن أعلمكم بأن محمداً كاذب، هأنذا أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، فكيف أذهب إلى النار، لكنه ما استطاع صرف نفسه عما هو عليه من الكفر؛ ليتحقق وعد الله. المسألة الثانية: دلت هذه السورة على أن النسب لا يغني عن صاحبه من الله شيئاً، وإذا فسد العمل فلا ينفع النسب كما قال بعضهم: لقد رفع الإسلام سلمان فارس كما حط الكفر الشريف أبا لهب فـ سلمان ﵁ من أبوه؟ من يعرف أباه؟ لا نعرف إلا أنه سلمان الفارسي أبو عبد الله ﵁، ومع ذلك نحبه ونجله ونترضى عليه، وأبو لهب نعرف نسبه وشرفه وأنه مكي قرشي هاشمي ومن بني عبد المطلب، ومع ذلك إذا ذكرناه قلنا: لعنه الله. قال الله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]. فالنسب لن يغني، وقد قال الرسول ﷺ : (يا صفية يا عمة رسول الله! اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئاً، يا عباس يا عم رسول الله! اعمل فإني لا أغني عنك من الله شيئاً). ولذلك نقول: هذه السورة سيف مصلت على كل رجل وامرأة سلك سلوك أبي لهب وامرأته، وصد عن الإسلام صدودهما، وجحد جحودهما، وعادى الله ورسوله كعداوتهما، فكم في أيامنا من آباء لهب وأمهات لهب، ممن احترفوا عداوة الله ورسوله، وإنما ذلك كما قال الله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩]. كم من الناس يدعون إلى مذاهب وضعية، وكم من يعادي شريعة رب البرية، فهؤلاء نقول لهم: لن ينفعكم أنكم شرفاء أو أشراف، أو أنكم تنتسبون إلى بيت معين، فلن يغني عنكم ذلك من الله شيئاً. المسألة الرابعة: هذا الرجل من إيغاله في العداوة كان قد زوج ابنيه عتبة وعتيبة من بنتي رسول الله ﷺ ، رقية وأم كلثوم، فلما نزلت هذه السورة أمر ولديه بأن يطلقا بنتي محمد ﷺ ؛ ليثقل كاهله ويزيده هماً وغماً. ثم بعد ذلك كان الولد شراً من أبيه في العداوة، فأراد أن يخرج مع أبيه في سفر فجاء إلى الرسول ﷺ وقبل أن يأتي قال لأبيه: لآتين محمداً ولأوذينه في ربه، فجاء فبصق على وجه رسول الله ﷺ ، وقال له: يا محمد أنا كافر بالذي دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فقال النبي ﷺ : (اللهم سلط عليه كلباً من كلابك) فرجع الولد إلى أبيه وقال: يا أبت لقد أتيت محمداً فآذيته في ربه فقال: يا بني وما قال لك؟ قال: اللهم سلط عليه كلباً من كلابك، قال أبو لهب: فاحذر يا بني، فإني لا آمن عليك دعوة محمد، فلما خرجوا في ذلك السفر، جمع أبو لهب التجار لما جن عليهم الليل وقال لهم: لقد علمتم أن محمداً دعا على ابني دعوة لا آمنها عليه، فلا تدعوه وحده وافرشوا حوله، ففعل القوم ذلك وجعلوه في الوسط، يقول هبار بن الأسود وهو يحكي هذه القصة بعدما أسلم: فلما انتصف الليل جاء سبع فشم وجوهنا جميعاً، طبعاً هم رأوه لكن كل منهم يصور نفسه أنه نائم، قال: فلما لم يجد بغيته وثب في وسطنا، وأخذ عتبة من بيننا ثم هزمه هزمة فسخ فيها رأسه، فجاب رأسه نصين، قال: فلما أخبرنا أبا لهب قال: لقد علمت أن دعوة محمد لا تخطئ، فهكذا كان يقول. المسألة الأخيرة: كيف كانت خاتمة هذا الخبيث؟ نعوذ بالله من سوء الختام، ومن خزي الدنيا وعذاب الآخرة، هذا الرجل لما خرج المشركون لمعركة بدر ما خرج معهم وإنما بعث مكانه العاص بن هشام، ثم بعد ذلك جلس في مكة ينتظر الأخبار، فجاء من يحمل الأخبار فقال أبو لهب ماذا صنعتم؟ قال: واللات والعزى ما إن لقينا محمداً وأصحابه حتى منحناهم أكتافنا، يقتلونا ويأسرون، وكان معهم رجال ذوو ثياب بيض على خيل بلق ما رأيتهم قبل ذلك أبداً. وكان هناك واحد اسمه: أبو رافع، وهو غلام للعباس، فرفع خباءه وقال وهو فرح: هؤلاء هم الملائكة، فعمد عدو الله أبو لهب إلى هذا الغلام فضربه ضربة حتى شجه شجة منكرة، يقول أبو رافع: فشاورته -يعني: صارعته- لكني كنت شخيصاً ضعيفاً فطرحني أرضاً وقعد على صدري، فعمدت أم الفضل -التي هي زوجة العباس - إلى عمود فسطاطها -أي: عمود خيمتها- فضربته على رأسه فشجته وقالت له: استضعفته أن غاب سيده؟! قال: فقام يلعق جراحه، ولم يعش بعد معركة بدر سوى سبعة أيام. وابتلاه الله بالعدسة، والعدسة: غدة معدية كانت العرب تخاف منها، فهلك بها، فلما هلك تركه أولاده حتى أنتن، فجاءهم بعض رجال قريش، فقال لهم: أما تستحون؟ ألا تسترون أباكم؟ قالوا: قد علمت ما أصابه، وإنا نخشى العدوى، قال: هلم أعينكم عليه، فبدأوا يغسلونه من بعيد، يعني: مثلما تغسل سيارة أو حاجة من بعيد، فشروه بالماء ثم حملوه من أطراف فراشه، فأسندوه إلى جدار وغيبوه بالحجارة: ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٧]. قال العباس ﵁: أبا لهب بعدما مات بزمان فقلت: يا أخي ما لقيت بعدنا؟ قال: ما لقيت بعدكم إلا شراً، غير أني أسقى في كل يوم اثنين من نقرة إبهامي، شربة بعتاقتي ثويبة، يعني: لما بشر بأن الرسول ﷺ ولد ففرح بأن عبد الله أخاه الذي مات ولد له مولود ذكر فأعتق الجارية، فرحه هذا بالرسول ﷺ ، ما ضيعه له الله ، فيسقى في كل يوم اثنين من نقرة، والنقرة: بين الإبهام والسبابة، فتأتي له كذا نقطة ماء يشربها، لو أعطوها لعطشان فلن تغن عنه شيئاً. فما بالكم من حمالة الحطب التي مثواها النار، أعوذ بالله من الضلال ومن الخبال، ونسأل الله أن يتوفانا على الإيمان.

стр. 412

تفسير من سورة الإخلاص إلى سورة الناس سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن في الأجر والجزاء؛ لأنها اشتملت على صفة الله ؛ لذا على الإنسان أن يمعن النظر في تفسيرها، وأن يكثر من قراءتها؛ لما فيها من المعاني العظيمة، ومن الأجر العظيم والثواب الجزيل.

стр. 413

فضل سورة الإخلاص سورة الإخلاص يقال لها أيضاً: سورة (قل هو الله أحد)، وهذه السورة المباركة يحفظها المسلمون جميعاً صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، وقد جبلوا على حبها وقراءتها. وقد كان رسول الله ﷺ يقرأ هذه السورة مع سورة: (قل يا أيها الكافرون) في الركعتين قبل صلاة الصبح، وفي الركعتين بعد صلاة المغرب، وفي ركعتي الطواف. وهذه السورة المباركة قد اشتملت على أربع آيات فيها خمس عشرة كلمة، وستة وستين حرفاً.

стр. 414

سبب نزول سورة الإخلاص روى الإمام أحمد من حديث أبي بن كعب ﵁: (أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : يا محمد! انسب لنا ربك؛ فأنزل الله هذه السورة). وقال عكرمة ﵀: لما قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وكل منهم قال: نحن نعبد إلهنا، فقالت اليهود: نحن نعبد عزيراً، وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح، وقال المشركون: نحن نعبد الأوثان، وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر؛ أنزل الله هذه السورة. وقال الضحاك: بعثت قريش عامر بن الطفيل إلى رسول الله ﷺ ليقول له عنهم: يا محمد! لقد شققت عصانا، وسفهت أحلامنا، وعبت دين آبائك، فانظر ماذا تريد؟ إن كنت فقيراً أغنيناك، وإن كنت مجنوناً داويناك، وإن كنت قد هويت امرأة زوجناك، فقال عليه الصلاة السلام: (لست بفقير، ولا مجنون، ولا هويت امرأة، وإنما أنا رسول الله إليكم أدعوكم لأن تعبدوه، وأن تخلعوا عبادة الأوثان) فرجع عامر بن الطفيل لما قال له النبي ﵊ هذا فأرسله المشركون ثانية، وقالوا له: قل له: يا محمد! صف لنا إلهك، أمن ذهب هو؟ أم من فضة؟ أم من حديد؟ أم من خشب؟ أم من نحاس؟ فأنزل الله هذه السورة. فالمشركون لخفة أحلامهم، وقلة عقولهم، ما خطر ببالهم إلا الآلهة الباطلة التي يصنعونها بأيديهم من حديد أو من نحاس أو من خشب أو من ذهب أو من فضة، هذا هو الإله في تصوراتهم الباطلة. فأنزل الله هذه السورة المباركة؛ ليثبت أنه الإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي ليس له كفؤ، ولا شبيه ولا ند، ولا مثيل، لم يلد ولم يولد ﷻ .

стр. 415

ذكر بعض الأحاديث الواردة في فضل سورة الإخلاص هذه السورة المباركة ورد في فضلها أحاديث كثيرة، وهي أحاديث صحاح ثابتة، منها: الحديث الأول: روى الشيخان البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ بعث رجلاً أميراً على سرية، فكان إذا صلى بهم يقرأ بـ (قل هو الله أحد)، فلما ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ قال: سلوه لمَ يفعل ذلك؟ فلما سألوه قال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحبها، فقال له النبي ﷺ : فإن الله يحبك كما أحببتها). الحديث الثاني: روى الإمام البخاري تعليقاً عن أنس بن مالك ﵁: (أن رجلاً كان يؤم الأنصار في مسجد قباء، وكان لا يصلي بهم صلاة إلا قرأ سورة وقرأ قبلها (قل هو الله أحد) -يعني: يقرأ (قل هو الله أحد)، ثم يقرأ بعدها بالسورة التي يريد- فقال له أصحابه: يا هذا! إنا نراك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترضى حتى تضم إليها أخرى، فإما أن تكتفي بها، وإما أن تقرأ سواها، فقال: والله! ما أنا بفاعل، فإن شئتم أممتكم، وإن شئتم تركتكم، فكرهوا أن يتركهم؛ لأنهم كانوا يرونه أفضلهم وأعلمهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : ما يمنعك أن تطيع أصحابك فيما أرادوا؟! فقال: يا رسول الله! إني أحبها، فقال له ﷺ : حبك إياها أدخلك الجنة). ففي الحديث الأول: أن حبها سبب لمحبة الله. وفي الحديث الثاني: أن حبها سبب لدخول الجنة. الحديث الثالث: روى الإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁: (أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ (قل هو الله أحد)، ولم يزل يرددها حتى أصبح، فغدا على رسول الله ﷺ وكأنه يتقالها -يعني: أن هذا الرجل استغرب أن صاحبه ما قرأ من القرآن سوى (قل هو الله أحد)، من أول الليل إلى آخره يرددها- فقال له النبي ﷺ : والذي نفسي بيده! إنها لتعدل ثلث القرآن). الحديث الرابع: روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (احشدوا -يعني: اجتمعوا- فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، قال: فحشد من حشد، ثم خرج نبي الله ﷺ فقرأ: (قل هو الله أحد) ثم دخل، فقال بعضنا لبعض: قال رسول الله ﷺ : إني سأقرأ عليكم ثلث القرآن؛ إني لأرى هذا خبراً جاءه من السماء- يعني: ظنوا أنه سيخرج ويواصل- ثم خرج نبي الله ﷺ فقال: إني قلت: سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا وإنها تعدل ثلث القرآن). أيها الأخوة الكرام! (قل هو الله أحد) تعدل ثلث القرآن، وللعلماء في ذلك تأويلات ثلاثة: التأويل الأول: أنها تعدل ثلث القرآن في حق من كان لا يحسن غيرها، كما هو حال بعض العجائز، وبعض الشيوخ الكبار. التأويل الثاني: أنها تعدل ثلث القرآن، لو أن إنساناً قرأ ثلث القرآن ليس فيه (قل هو الله أحد). التأويل الثالث: أنها تعدل ثلث القرآن باعتبار أجناس المعاني، فإن القرآن فيه ثلاثة معانٍ: التوحيد، والأحكام، والقصص والأخبار. ولما كانت (قل هو الله أحد) مشتملة على التوحيد: توحيد الله في أسمائه وصفاته، ونفي الشبيه والمثيل عنه ﷻ ، كانت هذه السورة تعدل ثلث القرآن. قال الإمام ابن رشد ﵀ في كتابه (البيان والتحصيل): وأجمع العلماء على أن من قرأ (قل هو الله أحد) لا يساوي أجره أجر من أحيا ليله بالقرآن كله. يعني: فلا يظن إنسان أنه لو قرأ (قل هو الله أحد) ثلاثاً أن ثوابه كثواب من قرأ القرآن كله. الحديث الخامس -وفيه بشارة عظيمة-: روى الإمام أحمد من حديث معاذ بن أنس الجهني ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من قرأ (قل هو الله أحد) عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! إذاً نكثر قصورنا، قال: الله أكثر وأطيب). وجاءت رواية أخرى رواها الإمام مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من قرأ (قل هو الله أحد) عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة، ومن قرأها عشرين مرة بنى الله له قصرين في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة بنى الله له ثلاثة قصور في الجنة، فقال له عمر بن الخطاب: إذاً تكثر قصورنا يا رسول الله! قال: الله أوسع وأطيب)، قال ابن كثير: وهذا مرسل جيد. فالموفق من عباد الله يكثر من قراءة هذه السورة ولا يبالي؛ لأنها صفة الرحمن. الحديث السادس: في الصحيحين عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان لا يأوي إلى فراشه ليلاً حتى ينفث في يديه بـ (قل هو الله أحد) والمعوذتين، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده). الحديث السابع: روى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر الجهني قال: (لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته فأخذت بيده فقلت يا رسول الله! بمَ نجاة المؤمن؟ قال: يا عقبة! أخرس لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك، قال: ثم لقيني مرة أخرى، فابتدأني فأخذ بيدي، فقال: يا عقبة بن عامر! ألا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم؟ قال: قلت: بلى، جعلني الله فداك، قال: فأقرأني (قل هو الله أحد) و (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) ثم قال: يا عقبة! لا تنساهن ولا تبيت ليلة حتى تقرأهن، قال: فما نسيتهن وما بت ليلة قط حتى أقرأهن، قال عقبة: ثم لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله! أخبرني بفواضل الأعمال، فقال: يا عقبة! صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك). هذه جملة أحاديث صحاح في فضل هذه السورة المباركة، والموفق من عباد الله من أكثر من قراءة هذه السورة، فمن أراد أن تكثر قصوره في الجنة، ومن أراد أن يحبه الرحمن، ومن أراد أن يدخل الجنة، ومن أراد أن يعصمه الله من الشيطان، ومن أراد أن يزداد إيماناً وهدىً؛ فليكثر من قراءة هذه السورة التي تعدل ثلث القرآن.

стр. 416

تفسير قوله تعالى: (قل هو الله أحد) يقول الله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] (قل) مر نظيرها في ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] وذكرنا أنها تعني: الاهتمام بما بعد فعل القول، والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الكفار: عامر بن الطفيل ومن كان معه ممن سألوك أن تنسب ربك، وأن تصف ربك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أي: الله واحد لا شريك له، قال أهل العلم: وكلمة (أحد) أبلغ من (واحد) وذلك من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن الواحد يدخل في الأحد، والأحد لا يدخل في الواحد. الوجه الثاني: أن كلمة (أحد) تعني: النفي المطلق، فمثلاً: لو قلت: إن فلاناً لا يغلبه واحد، فمعنى ذلك: أنه يمكن أن يغلبه اثنان، لكن لو قلت: إن فلاناً لا يغلبه أحد، فقد نفيت الغلبة عنه تماماً. الوجه الثالث: أن كلمة (واحد) تستعمل في الإثبات، وكلمة (أحد) تستعمل في النفي، فتقول: رأيت رجلاً واحداً، وتقول: ما رأيت أحداً. وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] قال بعض أهل التفسير: تأملت الشرك فإذا هو من ثمانية وجوه: من ناحية الكثرة والعدد، ومن ناحية النقص والتقلب، ومن ناحية كونه علة أو معلولاً، ومن ناحية الشريك والضد.

стр. 417

تفسير قوله تعالى: (الله الصمد) قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] من أسمائه ﷻ الحسنى الصمد، وهو فعل بمعنى مفعول، أي: المصمود الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها وهو لا يحتاج إلى أحد. فمن أراد الغنى، ومن أراد العلم، ومن أراد الفهم، ومن أراد الحكم، ومن أراد النجاة، ومن أراد الأموال والأولاد فعليه أن يلجأ إلى الله ، ومن أصابه الضر فليلجأ إلى الله، كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل:٥٣] أي: تلجأون إليه ﷻ . وقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ قال ابن عباس في معنى اسم الله الصمد: (هو السيد الذي كمل سؤدده). والشريف الذي كمل شرفه، والعظيم الذي كملت عظمته، والحليم الذي كمل حلمه، والحكيم الذي كملت حكمته، والعليم الذي كمل علمه، وهو سبحانه كما قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أحدية الله دلت عليها كثير من نصوص القرآن، كقول الله : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣]. وقول الله في سورة التوبة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]. وقوله في سورة إبراهيم: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم:٥٢]. وقوله في سورة الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر:٢٢] وتكرر ذلك إلى آخر السورة. وقوله في سورة ص: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص:٦٥ - ٦٦]. وقوله : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] وهو ما يسميه العلماء: برهان التمانع، أو دليل التمانع. وقوله في سورة الإسراء: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا * تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٢ - ٤٤].

стр. 418

تفسير قوله تعالى: (لم يلد ولم يولد) الإله الواحد ﷻ يصف نفسه بأنه الصمد، ثم ينفي العلة والمعلول فيقول: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣]. و السؤال هل الإنسان يولد أولاً أم يلد؟ وهذا لا يحتاج إلى تفكير، فالإنسان يولد أولاً. فلماذا قدم ربنا في الآية نفي كونه والداً على نفي كونه ولداً؟ قال العلماء ﵏: قدمه لاعتبارين: الاعتبار الأول: أن الآية نزلت في الرد على المشركين من اليهود والنصارى والعرب، فاليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، والعرب قالوا: الملائكة بنات الله، فالله قال: ((لَمْ يَلِدْ)) من أجل أن يرد على هؤلاء. الاعتبار الثاني: أنه لم يوجد في الكون من نسب إلى الله أنه مولود، لكن وجد من نسب إلى الله أنه والد، ولذلك قال سبحانه: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣]، وهذا المعنى قد تكرر في القرآن مراراً، كقول ربنا سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة:١١٦]. وقوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦]. وقوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٤]. وقال سبحانه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٥٨]. وأكثر من فتن به البشر وألهوه هو المسيح ابن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، هذا العبد الصالح الطيب المبارك الذي دعا إلى عبادة الله وحده فتن الناس به؛ لكونه من أم بلا أب، والله نفى ألوهية عيسى ﵇ بقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥] فالمسيح بشر، يأكل الطعام، وتعتريه نوازع البشرية، فيحتاج إلى الخلاء للبول والغائط. والمسيح ﵇ بشر، أوذي كما يؤذى البشر، والله لا يستطيع أحد أن يضره. والمسيح ﵇ شأنه كشأن آدم ﵉، كما قال : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران:٥٩ - ٦٠]. قال رسول الله ﷺ : (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) رواه الشيخان. وقال النبي ﷺ : (قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، أما شتمه إياي فقوله: اتخذ الرحمن ولداً، وأما تكذيبه إياي فقوله: ليس بقادر على أن يعيدني). قال ﷺ : (لا أحد أصبر على أذى من الله؛ ينسبون إليه الصاحبة والولد وهو يرزقهم ويعافيهم) ما أحلمه سبحانه وبحمده على عباده! كما قال سبحانه في الحديث القدسي: (إني والجن والإنس في نبأ عظيم: أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بالنعم ويتبغضون إلي بالمعاصي، فبي حلفت لأتيحنهم فتنة تدع الحليم فيهم حيراناً).

стр. 419

تفسير قوله تعالى: (ولم يكن له كفواً أحد) الله يقول: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] أي: مكافئاً ومماثلاً ونداً وشبيهاً ونظيراً، وهذا كما قال سبحانه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] فليس لله مثيل، وليس له شبيه، وليس له نظير. وهذه السورة المباركة كان رسول الله ﷺ يواظب على تلاوتها في ركعتي الفجر، وفي الركعتين بعد صلاة المغرب، وفي ركعتي الطواف، وفي صلاة السفر، وفي صلاة الوتر، وفي غير ذلك من المواضع، وهذا يدل على أن لها شأناً وقدراً، نسأل الله أن يرزقنا الإيمان والعمل بها.

стр. 420

ذكر ما ورد في فضل المعوذتين نشرع الآن في تفسير سورة الفلق: سورة الفلق نزلت هي وسورة الناس معاً، واصطلح أهل التفسير وعلماء القرآن على تسميتهما بالمعوذتين، وقد وردت أحاديث في فضلهما معاً، ومن ذلك: ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث عقبة بن عامر الجهني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: (ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط؟ قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس). وروى الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: (بينا أنا أقود برسول الله ﷺ في نقب من تلك النقاب إذ قال لي: يا عقبة! ألا تركب؟ قال: فأجللت رسول الله ﷺ أن أركب مركبه، ثم قال: يا عقيب! ألا تركب؟ قال: فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول الله ﷺ وركبت هنية، ثم ركب، ثم قال: يا عقيب! ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: فأقرأني (قل أعوذ برب الفلق)، و (قل أعوذ برب الناس)، ثم أقيمت الصلاة، فتقدم رسول الله ﷺ فقرأ بهما، ثم مر بي، قال: كيف رأيت يا عقيب؟! اقرأ بهما كلما نمت، وكلما قمت). وروى الإمام البخاري عن أمنا عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح بيده، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه، طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث، وأمسح بيد النبي ﷺ عنه) لأن الرسول ﷺ بلغ به الوجع والمرض أنه لا يستطيع أن يحرك يديه، فكانت أمنا عائشة ﵂ هي التي تقرأ، وهي التي تنفث، ولكن من أدبها أنها لم تكن تمسح بيديها، وإنما كانت تأخذ يدي رسول الله ﷺ فتمسح بهما؛ لأنها تعلم أنه لا أبرك ولا أفضل ولا أكرم منهما.

стр. 421

تفسير قوله تعالى: (قل أعوذ برب الفلق) قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] مقول القول محذوف، قدره بعض أهل العلم: قيل لي: قل. وقال ابن القيم ﵀: التقدير: قيل لي هذا اللفظ فقلت كما قيل لي، قال: والسر في ذلك: أن يعلم الناس يقيناً أن رسول الله ﷺ مبلغ عن الله، ينقل اللفظ كما هو، ولا يتصرف فيه بزيادة ولا نقصان، قال الله له: (قل) فنقلها (قل). والخطاب في قوله تعالى: (قل) له ثم لسائر الأمة. وقوله: ((قُلْ أَعُوذُ)) أي: ألتجئ وأستجير. وقال بعض أهل العلم: من معاني الاستعاذة: اللصوق، ولذلك تقول العرب: أطيب اللحم أعوذه، أي: ما كان ملتصقاً بالعظم. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ قال أبو حيان: الفلق فعل بمعنى مفعول، فلق: بمعنى مفلوق، ومن معاني الفلق: الصبح؛ لأنه ينفلق من الليل. ومن معاني الفلق كذلك: الجبال والصخور؛ لأنها تنفلق عن الماء، كما قال الله : ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ [البقرة:٧٤]. ومن معاني الفلق: الرحم؛ لأنه ينفلق عن الحيوان. قال بعض أهل التفسير: المقصود بقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] جميع الخلق، والمعنى: أستعيذ برب الفلق ﷻ من أربعة أشياء: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢] وهذا فيه عموم، أي: من شر كل ذي شر خلقه الله ، من أنسي، أو جني، أو طير، أو دابة، أو سبع. ثم بعد هذا العموم خصوص: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٣ - ٥].

стр. 422

تفسير قوله تعالى: (من شر ما خلق) كلمة (من شر) تكررت أربعة مرات، قال العلامة الطاهر بن عاشور ﵀: لأن المقام مقام ابتهال فناسب فيه التكرار، قصداً لإجابة الدعاء. وهذا كما قال الله حاكياً عن إبراهيم ﵇ أنه قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]، إلى أن قال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤١]. فكلمة: (ربنا) جعل يكررها؛ لأن المقام مقام ابتهال، يرجو به إجابة الدعاء.

стр. 423

تفسير قوله تعالى: (ومن شر غاسق إذا وقب) قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ الغاسق هو: الليل في قول جمهور المفسرين، وقد استعيذ بالليل لأنه مظنة الشرور؛ ففي الليل ينشط أهل الباطل، ويكثر اللصوص، وتنتشر السباع، وذوات السموم، والهوام، ويتعذر السير، وتعثر النجدة، ولا يبقى مغيث إلا الله. وفي الليل كذلك ينتشر أهل الريبة وأهل الفساد، هذا كله يكون في الليل، ولذلك نستعيذ برب العالمين من شر الليل إذا وقب، أي: إذا دخل. وفي القرآن الكريم قال الله : ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق:١٧ - ١٨] فالغاسق هو: الليل، وقيل: الغاسق هو: القمر إذا أظلم، فقد جاء في سنن الترمذي أن النبي ﷺ قال لـ عائشة وأشار إلى القمر: (استعيذي بالله من شر الغاسق إذا وقب) أي: إذا أظلم. فأهل الريبة كذلك ينتظرون غياب القمر، وذهاب ضوئه، من أجل أن يمارسوا فسادهم، وغيهم، وظلالهم. قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ النفاثات: جمع نفاثة، وهن: النساء السواحر اللائي يعقدن عقداً ثم ينفثن فيها، وقيل: ليس المقصود النساء، وإنما المقصود: النفوس النفاثات، سواء كانوا رجالاً أو نساءً.

стр. 424

تفسير قوله تعالى: (ومن شر النفاثات في العقد) قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ الغاسق هو: الليل في قول جمهور المفسرين، وقد استعيذ بالليل لأنه مظنة الشرور؛ ففي الليل ينشط أهل الباطل، ويكثر اللصوص، وتنتشر السباع، وذوات السموم، والهوام، ويتعذر السير، وتعثر النجدة، ولا يبقى مغيث إلا الله. وفي الليل كذلك ينتشر أهل الريبة وأهل الفساد، هذا كله يكون في الليل، ولذلك نستعيذ برب العالمين من شر الليل إذا وقب، أي: إذا دخل. وفي القرآن الكريم قال الله : ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق:١٧ - ١٨] فالغاسق هو: الليل، وقيل: الغاسق هو: القمر إذا أظلم، فقد جاء في سنن الترمذي أن النبي ﷺ قال لـ عائشة وأشار إلى القمر: (استعيذي بالله من شر الغاسق إذا وقب) أي: إذا أظلم. فأهل الريبة كذلك ينتظرون غياب القمر، وذهاب ضوئه، من أجل أن يمارسوا فسادهم، وغيهم، وظلالهم. قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ النفاثات: جمع نفاثة، وهن: النساء السواحر اللائي يعقدن عقداً ثم ينفثن فيها، وقيل: ليس المقصود النساء، وإنما المقصود: النفوس النفاثات، سواء كانوا رجالاً أو نساءً.

стр. 425

تفسير قوله تعالى: (ومن شر حاسد إذا حسد) قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥] الحسد اسم الفاعل منه: حاسد، والحسد هو: تمني زوال النعمة عن الغير، وهو على درجتين كما قال أهل العلم: الدرجة الأولى: أن يتمنى زوال النعمة عن الغير، وانتقالها إليه. الدرجة الثانية -وهي شر منها-: أن يتمنى زوال النعمة عن الغير، وإن لم تنتقل إليه، المهم أن تزول.
следующие страницы →