Полный текст (933 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
تفسير قوله تعالى: (قل أعوذ برب الفلق)
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] مقول القول محذوف، قدره بعض أهل العلم: قيل لي: قل.
وقال ابن القيم ﵀: التقدير: قيل لي هذا اللفظ فقلت كما قيل لي، قال: والسر في ذلك: أن يعلم الناس يقيناً أن رسول الله ﷺ مبلغ عن الله، ينقل اللفظ كما هو، ولا يتصرف فيه بزيادة ولا نقصان، قال الله له: (قل) فنقلها (قل).
والخطاب في قوله تعالى: (قل) له ثم لسائر الأمة.
وقوله: ((قُلْ أَعُوذُ)) أي: ألتجئ وأستجير.
وقال بعض أهل العلم: من معاني الاستعاذة: اللصوق، ولذلك تقول العرب: أطيب اللحم أعوذه، أي: ما كان ملتصقاً بالعظم.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ قال أبو حيان: الفلق فعل بمعنى مفعول، فلق: بمعنى مفلوق، ومن معاني الفلق: الصبح؛ لأنه ينفلق من الليل.
ومن معاني الفلق كذلك: الجبال والصخور؛ لأنها تنفلق عن الماء، كما قال الله : ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ [البقرة:٧٤].
ومن معاني الفلق: الرحم؛ لأنه ينفلق عن الحيوان.
قال بعض أهل التفسير: المقصود بقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] جميع الخلق، والمعنى: أستعيذ برب الفلق ﷻ من أربعة أشياء: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢] وهذا فيه عموم، أي: من شر كل ذي شر خلقه الله ، من أنسي، أو جني، أو طير، أو دابة، أو سبع.
ثم بعد هذا العموم خصوص: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٣ - ٥].
стр. 422
تفسير قوله تعالى: (من شر ما خلق)
كلمة (من شر) تكررت أربعة مرات، قال العلامة الطاهر بن عاشور ﵀: لأن المقام مقام ابتهال فناسب فيه التكرار، قصداً لإجابة الدعاء.
وهذا كما قال الله حاكياً عن إبراهيم ﵇ أنه قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]، إلى أن قال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤١].
فكلمة: (ربنا) جعل يكررها؛ لأن المقام مقام ابتهال، يرجو به إجابة الدعاء.
стр. 423
تفسير قوله تعالى: (ومن شر غاسق إذا وقب)
قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ الغاسق هو: الليل في قول جمهور المفسرين، وقد استعيذ بالليل لأنه مظنة الشرور؛ ففي الليل ينشط أهل الباطل، ويكثر اللصوص، وتنتشر السباع، وذوات السموم، والهوام، ويتعذر السير، وتعثر النجدة، ولا يبقى مغيث إلا الله.
وفي الليل كذلك ينتشر أهل الريبة وأهل الفساد، هذا كله يكون في الليل، ولذلك نستعيذ برب العالمين من شر الليل إذا وقب، أي: إذا دخل.
وفي القرآن الكريم قال الله : ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق:١٧ - ١٨] فالغاسق هو: الليل، وقيل: الغاسق هو: القمر إذا أظلم، فقد جاء في سنن الترمذي أن النبي ﷺ قال لـ عائشة وأشار إلى القمر: (استعيذي بالله من شر الغاسق إذا وقب) أي: إذا أظلم.
فأهل الريبة كذلك ينتظرون غياب القمر، وذهاب ضوئه، من أجل أن يمارسوا فسادهم، وغيهم، وظلالهم.
قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ النفاثات: جمع نفاثة، وهن: النساء السواحر اللائي يعقدن عقداً ثم ينفثن فيها، وقيل: ليس المقصود النساء، وإنما المقصود: النفوس النفاثات، سواء كانوا رجالاً أو نساءً.
стр. 424
تفسير قوله تعالى: (ومن شر النفاثات في العقد)
قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ الغاسق هو: الليل في قول جمهور المفسرين، وقد استعيذ بالليل لأنه مظنة الشرور؛ ففي الليل ينشط أهل الباطل، ويكثر اللصوص، وتنتشر السباع، وذوات السموم، والهوام، ويتعذر السير، وتعثر النجدة، ولا يبقى مغيث إلا الله.
وفي الليل كذلك ينتشر أهل الريبة وأهل الفساد، هذا كله يكون في الليل، ولذلك نستعيذ برب العالمين من شر الليل إذا وقب، أي: إذا دخل.
وفي القرآن الكريم قال الله : ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق:١٧ - ١٨] فالغاسق هو: الليل، وقيل: الغاسق هو: القمر إذا أظلم، فقد جاء في سنن الترمذي أن النبي ﷺ قال لـ عائشة وأشار إلى القمر: (استعيذي بالله من شر الغاسق إذا وقب) أي: إذا أظلم.
فأهل الريبة كذلك ينتظرون غياب القمر، وذهاب ضوئه، من أجل أن يمارسوا فسادهم، وغيهم، وظلالهم.
قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ النفاثات: جمع نفاثة، وهن: النساء السواحر اللائي يعقدن عقداً ثم ينفثن فيها، وقيل: ليس المقصود النساء، وإنما المقصود: النفوس النفاثات، سواء كانوا رجالاً أو نساءً.
стр. 425
تفسير قوله تعالى: (ومن شر حاسد إذا حسد)
قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥] الحسد اسم الفاعل منه: حاسد، والحسد هو: تمني زوال النعمة عن الغير، وهو على درجتين كما قال أهل العلم: الدرجة الأولى: أن يتمنى زوال النعمة عن الغير، وانتقالها إليه.
الدرجة الثانية -وهي شر منها-: أن يتمنى زوال النعمة عن الغير، وإن لم تنتقل إليه، المهم أن تزول.
стр. 426
مسائل متفرقة تتعلق بسورة الناس
قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥] الحسد اسم الفاعل منه: حاسد، والحسد هو: تمني زوال النعمة عن الغير، وهو على درجتين كما قال أهل العلم: الدرجة الأولى: أن يتمنى زوال النعمة عن الغير، وانتقالها إليه.
الدرجة الثانية -وهي شر منها-: أن يتمنى زوال النعمة عن الغير، وإن لم تنتقل إليه، المهم أن تزول.
стр. 427
أهمية تعليم الأبناء كيف يرقي أحدهم نفسه
في هذه السورة مسائل: المسألة الأولى: ينبغي أن نعلم أولادنا كيف يرقي أحدهم نفسه بها، فقد كان رسول الله ﷺ يعلم أصحابه، ويحثهم على قراءة هذه السورة مع التي تليها إذا أصبحوا وإذا أمسوا، ودبر الصلوات المكتوبات، وعند النوم، هذا كله كان يفعله صلوات ربي وسلامه عليه.
стр. 428
حكم الاستعاذة بغير الله
المسألة الثانية: اعلموا أنه لا يجوز الاستعاذة بغير الله، ولا يستعاذ إلا بالله رب العالمين، وقد عاب ربنا على العرب استعاذتهم بغيره فقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] كان الرجل من العرب إذا نزل وادياً يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهائه، فيستعيذ بالجن من الجن والعياذ بالله!
стр. 429
أركان الاستعاذة
المسألة الثالثة: الاستعاذة لها أركان ثلاثة: مستعيذ، ومستعاذ به، ومستعاذ منه.
أما المستعيذ: فأنا وأنت.
وأما المستعاذ به: فهو الله رب العالمين، الذي يعيذ من شاء من عباده، ويجيره، ويحميه، ويدفع عنه السوء.
وأما المستعاذ منه: فجميع الشرور والآثام، ولذلك كان رسول الله ﷺ يستعيذ بالله من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع، ويستعيذ بالله من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وغلبة الدين وقهر الرجال، وكان يستعيذ بالله من زوال نعمته، وفجأة نقمته، وتحول عافيته، وجميع سخطه.
وكان يستعيذ بالله من الكفر والفقر، ومن عذاب القبر.
وكان يستعيذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال، هذه كلها شرور نستعيذ بالله منها.
стр. 430
ذكر قصة سحر لبيد بن الأعصم للنبي ﷺ
المسألة الرابعة: قول الله : ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] هذه السورة كما قال أهل التفسير: مدنية، وقد نزلت لما سحر لبيد بن الأعصم اليهودي من يهود بني زريق رسول الله ﷺ ، فمكث ﵊ مدة قيل: عشرين يوماً، وقيل: شهراً، وقيل: أربعين، مكث ﵊ مطبوباً، لا يدري ما وجعه، فنزل عليه ملكان من السماء، جلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال أحدهما: (ما بال الرجل؟ قال: مطبوب -أي: مسحور- قال: من طبه؟ -والملكان يتحاوران والنبي ﵊ يسمع- قال: لبيد بن الأعصم من يهود بني زريق في مشط ومشاطة في جف طلعة نخل ذكر في بئر ذروان) يعني: أن هذا الخبيث أخذ شيئاً من شعر رسول الله ﷺ ، وشيئاً من أسنان مشطه الذي كان يرجل به شعره، ثم عقد في ذلك عقداً ونفث من طلاسمه، ورقاه، ثم بعد ذلك جعل هذا السحر في لفافة مع جف طلع نخل ذكر، ثم ألقاه في بئر من آبار المدينة، فالملكان كانا يتحاوران بهذا الكلام (فقرأا على رسول الله ﷺ (قل أعوذ برب الفلق)، و (قل أعوذ برب الناس)، ومسحاه بهما، فقام ﵊ وكأنما نشط من عقال، وقال لـ عائشة: أشعرت أن الله قد أفتاني فيما استفتيه فيه، نزل عليَّ ملكان) وقص عليها الخبر.
ثم صحب جماعة من أصحابه وذهبوا إلى تلك البئر فنزحوها، فإذا ماؤها كنقاعة الحناء، وإذا طلعها كرءوس الشياطين، فأخرجوا تلك اللفافة، فوجدوا فيها إحدى عشرة عقدة، فطفق ﷺ يقرأ: (قل أعوذ برب الفلق) فيها خمس آيات، و (قل أعوذ برب الفلق) فيها ست آيات، فمجوعها إحدى عشرة آية، وكان ﵊ كلما قرأ آية يشعر بوخز في جسده، ثم تنحل عقدة فيشعر براحة، ثم يقرأ التي بعدها، فيشعر بوخز في جسده، ثم تنحل العقدة، فيشعر براحة، وهكذا حتى انحلت العقد جميعاً، فأمر بدفن ذلك السحر.
стр. 431
حكم السحر
السحر كفر، وممارسة السحر كفر؛ لأن الله قال: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، ولأن الله قال: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩].
وقال سبحانه فيمن يتعاطاه: ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢] أي: ما له نصيب، ولا ينفى الفلاح ولا ينفى الخلاق بالكلية إلا عمن كفر والعياذ بالله! فالساحر كافر.
وقد قال رسول الله ﷺ : (من تعلم شيئاً من السحر قليلاً أو كثيراً كان آخر عهده من الله).
стр. 432
أهمية رقية الإنسان لنفسه
السحر يدفع بالرقية قبل أن ينزل، فالإنسان الذي لا يريد أن يصيبه سحر ينبغي دائماً أن يرقي نفسه في الصباح إذا أصبح، وفي المساء إذا أمسى، فبعد صلاة الصبح يقرأ (قل هو الله أحد) والمعوذتين ثلاثاً، وبعد صلاة المغرب يقرأ (قل هو الله أحد) والمعوذتين ثلاثاً، ويقرأ آية الكرسي دبر كل صلاة، فالإنسان إذا فعل هذا لا يصيبه سحر، ولا يؤثر فيه.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ولو قيل: كيف أصيب رسول الله ﷺ ؟ ف
الجواب
أن ذلك كان من باب التشريع والتعليم لأمته.
أي: من أجل أن يعلم أمته كيف يعالجون.
стр. 433
حكم الذهاب إلى الساحر لفك السحر
لا يجوز في معالجة السحر الذهاب إلى الساحر، بل قال أهل العلم: من أصيب بالسحر فذهب إلى الساحر ليعالج السحر بالسحر فهو بمنزلة من يطهر الدم بالبول، فالإنسان إذا أصابه دم وصب على الدم بولاً، فإنه لا يزيده إلا نجاسة، فلا يجوز معالجة السحر بالسحر، وإنما السحر يعالج بالقرآن، كما فعل النبي ﵊.
стр. 434
حد الساحر
يجب على إمام المسلمين أو الحاكم الذي له سلطة إذا ثبت على الإنسان أنه يمارس السحر أن يقتله؛ لأن النبي ﷺ قال: (حد الساحر ضربة بالسيف).
ولأنه ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه).
وقال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) وذكر منها: (التارك لدينه المفارق للجماعة)، وقد علم أن الساحر تارك لدينه، مفارق للجماعة، فاعل للفساد، يمشي في الأرض لأذية المسلمين والمسلمات.
стр. 435
سبب ذكر النفاثات دون النفاثين
قال أهل التفسير: إن الله خص النساء بالذكر ههنا، كما خصهن بالذكر في القذف فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤] وقد أجمع أهل العلم على أن الذي يقذف رجلاً بالزنا، أو بالفاحشة، أن حكمه حكم من يرمي امرأة لا بد أن يجلد، لكن خص الله النساء بالذكر لأن القذف في حقهن أضر؛ لأن الرجل إذا قذف ليس الضرر العائد عليه كما لو قذفت المرأة.
وههنا أيضاً الله خص النساء بالذكر فقال: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] قال المفسرون: لأن السحر في النساء أغلب، وممارسته بينهن أكثر، وهو من الكيد الذي ذكره الله في القرآن حين قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف:٢٨].
стр. 436
بيان أن الحسد أول ذنب عصي الله به
قال الله : ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥].
قال أهل العلم: الحسد أول ذنب عصي الله به في الأرض، وأول ذنب عصي الله به في السماء، أما في السماء فلما حسد إبليس آدم وقال: أنا خير منه، وأما في الأرض فحين حسد قابيل هابيل فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله، فأصبح من الخاسرين.
стр. 437
الحسد يسبب الكبائر
الحسد -والعياذ بالله- قد يحمل الإنسان على الكفر بالله، وقد يحمل الإنسان على قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وقد يحمل الإنسان على أذية من لا يجوز له أذيته، وهذا ظاهر أيها الأخوان! فاليهود ما كفروا إلا حسداً، كما قال الله : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤] يعني: يحسدون محمداً ﷺ ، فهذا عموم أريد به الخصوص.
وكذلك قال الله : ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩]، فالحسد يحمل على الكفر، والحسد يحمل على قتل النفس، والحسد يحمل على سائر الشرور والآثام.
стр. 438
عظم ذنب الحسد
الحسد من كبائر الذنوب والعياذ بالله! وقد قال النبي ﷺ : (لا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا -عباد الله- إخواناً).
وقال: (إياكم والحسد! فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب).
وقال: (دب إليكم داء الأمم من قبلكم: البغضاء والحسد، هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين) أي: أن حسد المسلم المسلم، وبغض المسلم المسلم هذه هي الحالقة التي تحلق الدين، فإنك لو حسدت إنساناً على نعمة آتاه الله إياها، فإن حسدك هذا قد يحملك على أن تتكلم فيه بالباطل، وعلى أن تسلط عليه من يؤذيه، وعلى أن تتقول عليه ما ليس فيه، وهذا كله من الشر العظيم، والداء المستطير.
قال الإمام القرطبي ﵀: قال علماؤنا: الحاسد بارز الله من خمسة أوجه: أحدها: أنه كاره لقسمة الله، كأنه يقول له: يا رب! لمَ قسمت هذا؟ لمَ أعطيت فلاناً ومنعتني؟ هذا حال الحاسد والعياذ بالله! ثانياً: أنه ضاد فعل الله، فإن الله قد أعطى فلاناً من فضله، وهذا كاره لفضل الله على الناس.
ثالثاً: أنه خذل أولياء الله، أو هو يريد خذلانهم.
رابعاً: أنه أعان عدوه إبليس، والعياذ بالله! خامساً: هذا الحاسد قد اتصف بمساوئ الأخلاق، وتعرض لغضب الله .
قالوا: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا في الخلوة إلا جزعاً وهماً، ولا من الملائكة إلا بغضاً ولعنة، ولا من الله إلا مقتاً وبعداً، ولا في الآخرة إلا ناراً واحتراقاً.
قال الحسن البصري ﵀: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد، نفس دائم، وحزن لازم، وعبرة لا تنقطع.
فالحاسد الحزن ملازم له، ودائماً كأنه يريد أن يبكي، وكلما رأى على إنسان نعمة كأن هذه النعمة قد قطعت من جلده، وكأنها قد سلبت منه، وأعطيت لفلان هذا، ولذلك تجده دائماً في غم وهم.
قل للحسود إذا تنفس صعدة يا ظالماً وكأنه مظلوم فهو ظالم وفي الوقت نفسه يظهر وكأنه مظلوم.
стр. 439
الفرق بين الحسد والعين
يوجد فرق بين الحسد العين، قال العلامة الشيخ: عطية محمد سالم ﵀: ولم أجد من فرق بينهما مع وجود الفارق.
والفرق بين العين والحسد من وجوه: الوجه الأول: أن الحاسد -والعياذ بالله- قد يحسد شيئاً لم يره, وقد يحسد نعمة لم تحصل، فيحسد نعمة متوقعة، كما قال الله : ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ [الفتح:١٥]، والغنائم لم تأت بعد، ﴿بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الفتح:١٥].
أما العين فإنها لا تكون إلا لشيء موجود يراه الإنسان.
الوجه الثاني: أن الحسد -والعياذ بالله- لا يصدر إلا من نفس رديئة، وروح خبيثة، أما العين فقد تصدر من الصالح، وقد تصيب هذه العين من تحب، يعني: أحياناً الإنسان قد يصيب زوجته، أو يصيب ولده، أو يصيب ماله.
مثلاً: يرى سيارته وهي بهية جميلة، وقد غسلت، ونظفت، وجملت، فينظر إليها نظرة إعجاب ولا يذكر الله فيخرج في الطريق، فلا يمشي إلا قليلاً حتى يصيبها العطب، أو يحصل لها حادث، أو غير ذلك.
أو يرى ولده يتكلم بلسان فصيح، أو أنه ذكي، أو أنه يحسن التصرف، أو أنه بار ونحو ذلك، فينظر إليه بإعجاب ولا يذكر الله، فيصيبه بالعين.
فالإنسان قد يصيب ولده، وقد يصيب ماله، وقد يصيب زوجه، ولذلك ذكر الله هو العاصم، وقد حصلت العين حتى من بعض الصحابة، فقد روي الإمام مالك في الموطأ عن أمامة بن سهل بن حنيف ﵁ عن أبيه أن رسول الله ﷺ أمره بأن يتبعه إلى مكان إلى مهمة، فدخل ﵁ يتوضأ، وكان رجلاً حسناً مليحاً، أي: أن سهلاً ﵁ رزقه الله ملاحة وجمالاً وحسناً، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فلما دخل يتوضأ ﵁ وكشف عن جلده قال أحد الصحابة -وهو: عامر بن ربيعة وكان من المهاجرين- ما رأيت كاليوم جلداً قط ولا كأنه جلد مخبأة، والمخبأة: الفتاة العذراء التي دائماً تبقى في البيت لا تخرج، فجلدها يكون ناعماً؛ لأنها ما عانت حراً ولا قراً، فـ عامر بن ربيعة قال: ما رأيت كاليوم جلد قط كأنه جلد مخبأة، قال: فلبط سهل في مكانه، أي: لم يقم، فلما أخبر رسول الله ﷺ جاءه، ولما نظر إليه عرف، قال له: (من تتهم؟ قال: أتهم عامر بن ربيعة، فإنه قال كذا، وكذا، فتغيظ رسول الله ﷺ ، وذهب إلى عامر، فقال له: هلا بركت؟) يعني: هلا قلت: ما شاء الله، تبارك الله، أو ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، (علامَ يقتل أحدكم أخاه؟! اغتسل له).
فإذا عرف أن فلاناً هو الذي أصاب بالعين فإنه يؤمر بأن يغسل يديه، ووجهه، ورجليه، وركبتيه، وداخلة إزاره، ثم يؤتى بهذا الماء، فيصب على المعين؛ فإنه يبرأ بإذن الله.
стр. 440
الرد على من ينكر وقوع العين
بعض الفلاسفة أنكر وقوع العين، فقالوا: هذا غير معقول! كيف أن إنساناً يعاين الثاني فيقع؟! قال ابن القيم ﵀: وهؤلاء من أخف الناس عقولاً، وأكسفهم طباعاً، وأقلهم علوماً.
أي: أن الذي ينكر العين إنسان ليس عنده عقل.
قال الشيخ عطية ﵀: وهم محجوجون بكل موجود في الكون غير محسوس، يعني: أن عقولنا موجودة لكن أين هي؟! وأرواحنا موجودة لكن أين هي؟! وهذه الأشعة التي تستخدم في التقاط الصور الباطنة في باطن جسد الإنسان كيف هي؟ فلو أن الإنسان أصابه كسر أو أصيب بشيء في باطنه، فإنهم يوقفونه أمام جهاز ثم في لمح البصر هذا الجهاز ينقل ما في الداخل بصورة، وهذا كله الآن اخترعه البشر، وهو غير محسوس.
فالعين حق كما قال رسول الله ﷺ : (ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين)، وقال: (وإن العين لتدخل الرجل القبر)، وقال: (أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله بالعين) فالعين حق، يقول بعض أهل العلم: إن الإنسان العائن إذا رأى الشيء وأعجبه تخرج من عينه قوة سنية تخترق الشيء المعين، يعني: مثل أشعة إكس الآن، فالعائن تخرج من عينه هذه الأشعة، لكنها سنية، فتخترق الشيء المعين، فيحدث الأثر بإذن الله، فقد يمرض، وقد يموت، وقد يحصل له خلل في تفكيره، وفي ذهنه، وهذا موجود الآن، فكثير من الطلاب يقول: أنا كنت جيد الفهم، مقبلاً على الدرس، وأجد راحة في المذاكرة، وفجأة صرت كلما أفتح الكتاب أغلقه ولا أستطيع أن أفهم، وربما لا أرى السطور، وهذا غالباً يكون من العين؛ لأن هذا الطالب لم يعتن بالأذكار الشرعية، ولم يعتن بأداء الصلوات في أوقاتها، ولذلك أصابه ما أصابه، وإذا أراد الله أمراً هيأ له الأسباب.
стр. 441
أسباب الحسد
أسباب الحسد سببان: السبب الأول: إعجاب الحاسد بنفسه.
ثانيها: ازدراء المحسود.
يعني: أن الحاسد يرى نفسه أهلاً لكل نعمة، وأنه كان حقيقاً بهذا الفضل الذي أوتيه فلان، فيرى أنه هو أولى به منه، فيعجب بنفسه، وفي الوقت نفسه يزدري المحسود، فيقول: من هذا حتى يؤتيه الله مالاً؟! ومن هذا حتى يؤتيه الله علماً؟! ما قيمته؟ ما وزنه؟ ما أصله؟ ما فصله؟ من أبوه؟ كما قال إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف:١٢] باعتبار الأفضل، ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] وهذا إعجاب بالنفس وازدراء للمحسود، كما قيل: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالناس أعداء له وخصوم فالإنسان إذا رأى إنساناً في نعمة فكره هذه النعمة، فهذا حاسد والعياذ بالله!
стр. 442
علاج الحسد
علاج الحسد في أمرين اثنين: الأمر الأول: العلم.
الأمر الثاني: العمل.
أما العلم فبأن تعلم أن أقدار الله سلفت، وأن الأرزاق قد قسمت، وأن الله قسمها بحكمته وعلمه ﷻ ، كما قال في القرآن: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف:٣٢]، والكفار الأولون لما جحدوا نبوة محمد ﷺ جحدوها حسداً، كما قال عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] أي: أن محمداً فقير مسكين، فكيف يكون نبياً ونحن أغنياء، وعندنا الأموال، وعندنا البساتين، ولا يكون الواحد منا نبياً؟ وبعضهم حسده لأنه صغير في السن، كـ أبي بن خلف قال: أنا شيخ كبير، وإني أستحي من أن أتبع هذا الغلام القرشي! قال هذا ازدراءً بالنبي ﷺ .
ألا قل من كان لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في ملكه حيث لم ترض لي ما وهب ثانياً: العمل، بمعنى: أنك تحاول أن تكسر من حدة نفسك، فلو أنها حدثتك بازدراء إنسان فارفع من قدره، وأنزله منزلته، ولو أن نفسك حدثتك بتمني زوال النعمة عن الغير، فسل الله من فضله أن يعطيك مثلما أعطاه؛ فإنه سبحانه فضله عظيم، وخيره عميم.
ثم أيضاً لو أن نفسك حدثتك بأن تسوق إليه أذى، فكف هذه النفس وداوها.
والحسد جائز إذا كان حسداً على أمر ديني، كما قال رسول الله ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس).
يعني: لو رأيت إنساناً صلاته حسنة وتمنيت أن أفعل مثلما يفعل، فلا بأس، ولو أني رأيت إنساناً يقرأ القرآن بصوت ندي، فتمنيت أن يعطيني الله مثلما أعطاه، فلا بأس، ولو وجدت إنساناً غنياً ذا مال، وهو ينفق ذات اليمين وذات الشمال في مرضات الله، فتمنيت أن أعطى مثلما أعطي فلا بأس، أسأل الله سبحانه أن يداوي أمراض قلوبنا.
стр. 443
فضل سورة الناس
نشرع في تفسير سورة الناس، هذه السورة مدنية، اشتملت على ست آيات، في عشرين كلمة، وتسعة وسبعين حرفاً، فمن وفقه الله لقراءة هذه السورة، فله من الحسنات سبعمائة وتسعون حسنة.
стр. 444
حكم تكرار سورة واحدة في ركعتين
قبل أن ندخل في تفسير هذه السورة المباركة، أنبه على مسألة وهي: أنه في صلاة المغرب قرأ الإمام بسورة الناس في الركعة الأولى، وقرأ بسورة الناس في الركعة الثانية، وقد ظن بعض الإخوان أن هذا سهو وقع من الإمام، ولكن حقيقة الأمر أنه فعل ذلك عمداً، من أجل أن ينتبه الناس إلى سنة، وهي: (أن رسول الله ﷺ قرأ بسورة الزلزلة في ركعتين) يعني: قرأ في الركعة الأولى: (إذا زلزلت)، وقرأ في الركعة الثانية: (إذا زلزلت).
وكذلك مر معنا في تفسير سورة الإخلاص الحديث المروي في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁: (أن رجلاً كان يؤم الأنصار في مسجد قباء، فكان إذا صلى افتتح بـ (قل هو الله أحد)، ثم يضم إليها سورة أخرى، فقال له القوم: إنا نراك تفتح بهذه السورة ثم لا ترضى حتى تضم إليها أخرى، فإما أن تقرأها وحدها، وإما أن تقرأ غيرها، فقال: والله! ما أنا بفاعل، إن شئتم أممتكم، وإن شئتم تركتكم، فكرهوا أن يتركهم؛ لأنهم كانوا يرونه من أفضلهم، فشكوه إلى رسول الله ﷺ ، فسأله النبي ﵊: ما يمنعك أن تفعل كما يأمرك أصحابك؟ فقال: يا رسول الله! إني أحبها، فقال له النبي ﷺ : حبك إياها أدخلك الجنة).
فالشاهد: أن هذا الرجل كان يقرأ (قل هو الله أحد) في كل ركعة، ولم ينكر عليه ذلك النبي ﷺ .
والإمام البخاري ﵀ في كتاب الصلاة بوب باباً بعنوان: باب قراءة سورة في ركعتين، وأورد في ذلك أحاديث، ثم قال: وسئل قتادة عمن قرأ في ركعة بسورتين، وعمن ردد سورة في ركعتين، فقال قتادة: كلٌ كتاب الله يعني: أن ذلك داخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠].
стр. 445
تفسير قوله تعالى: (قل أعوذ برب الناس)
يقول ربنا ﷻ : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] الخطاب لرسول الله ﷺ ، والمفعول محذوف تقديره: قيل لي: (قل)، أو تقديره: قيل لي هذا اللفظ، فقلت كما قيل لي.
وأعوذ أي: أعتصم وأستجير.
وقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] رب الناس: مدبرهم وخالقهم، ورازقهم ﷻ .
وكلمة الناس هي من أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، وسمي الناس ناساً إما من النسيان، وإما من الأنس، وإما من النوس، وهو: التحرك والتردد.
стр. 446
تفسير قوله تعالى: (ملك الناس)
قال تعالى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس:٢] أي: حاكمهم، والمتصرف فيهم.
قال العلامة الشيخ عطية رحمة الله عليه: ملك ملوك الدنيا ملك سياسة ورعاية لا ملك تملك وتصرف، أما ملك الله فهو ملك خلق وإيجاد وتصرف، كما قال سبحانه: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى:٤٩].
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨٩].
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الجاثية:٢٧]، فهو سبحانه مالك كل شيء.
стр. 447
تفسير قوله تعالى: (إله الناس)
قال تعالى: ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:٣] أي: معبودهم ﷻ ، وإله بمعنى: مألوه، أي: أنه المعبود المطاع .
قال ابن كثير ﵀: وهذه الصفات الثلاث فيها تدرج، فإن الله قال: (رب الناس) وهذا يقر به الجميع، حتى مشركو العرب كانوا يقرون بأن الله ربهم وخالقهم ورازقهم.
ثم ترقى إلى أنه ملك الناس ﷻ ، المتصرف فيهم، ثم نتيجة الربوبية والملك أنه سبحانه ينبغي أن يكون هو المألوه، المعبود وحده، فلا يعبد معه غيره.
ويقول صاحب أضواء البيان ﵀: بين هذه السورة وسورة الفاتحة رباط بديع؛ فإن في سورة الفاتحة هذه الصفات الثلاثة، ففي مقابل قوله سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢].
وفي مقابل قوله سبحانه: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس:٢] قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] وهو مالك الأيام كلها.
وفي مقابل قوله سبحانه: ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:٣] قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢].
قال: فتكون الخاتمة كالبداية من باب عود على بدء، وكأن أول المصحف وآخره موضوعهما واحد، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢].
стр. 448
تفسير قوله تعالى: (من شر الوسواس الخناس)
قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:٤] الوسواس من الوسوسة، وهي: الحديث الخفي، والوسواس هو: الشيطان، كما قال رسول الله ﷺ : (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ما منكم من أحد إلا وكل به قرينه من الجن، قالوا: حتى أنت يا رسول الله! قال: حتى أنا، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم).
وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:٤] الخناس: من خنس إذا اختفى، فالخناس أي: المختفي، وفي الحديث: قال رسول الله ﷺ : (إن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس، فإذا غفل وسوس) فالشيطان نهاز فرص، ينتظر غفلة من الآدمي، فيوسوس له بكل شر، ولذلك سماه الله : (الوسواس الخناس).
стр. 449
تفسير قوله تعالى: (الذي يوسوس في صدور الناس)
قال تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس:٥] الله ذكر الصدور؛ لأنها سياج القلوب، والشيطان جاثم عليها.
والصدور -كما يقول العلامة الطاهر بن عاشور ﵀: هي التي يعبر بها عن حالة النفس، كما قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر:٥٦].
وقال: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
وفي الحديث يقول النبي ﷺ : (الإثم ما حاك في الصدر، وتردد في القلب، وكرهت أن يطلع عليه الناس).
стр. 450
تفسير قوله تعالى: (من الجنة والناس)
قال تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:٦] الموسوس على نوعين: نوع موسوس من الجِنة، وهم: الجن، وسموا جناً لاجتنانهم؛ لأنهم مستورون لا يرون، والموسوس الثاني من الناس، ويدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد من حديث أبي ذر الغفاري ﵁ قال: (أتيت رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد فجلست، فقال: يا أبا ذر! هل صليت؟ قلت: لا يا رسول الله! قال: قم فصل، فصليت ثم أتيته، فقال: يا أبا ذر! تعوذ بالله من شياطين الإنس، قلت: يا رسول الله! أو للإنس شياطين؟ قال: بلى، قلت: يا رسول الله! فما الصلاة؟ قال: خير موضوع، من شاء أقل ومن شاء أكثر، قلت: يا رسول الله! فالصوم؟ قال: فرض مجزئ وعند الله مزيد، قلت: يا رسول الله! فالزكاة؟ قال: أضعاف مضاعفة، قلت: فما أفضلها، قال: جهد من مقل أو سر إلى فقير، قلت: يا رسول الله! فأي الأنبياء كان أول؟ قال: آدم، قلت: ونبي كان؟ قال: نعم، نبي مكلم، قلت: يا رسول الله! فأي كتاب الله أعظم؟ قال: آية الكرسي: ((اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ))).
فهناك من يوسوس من الجنة، وهناك من يوسوس من الناس.
стр. 451
مقارنة بين سورتي: الفلق والناس
هذه السورة والسورة التي قبلها نزلتا معاً، وهناك ذكر ربنا صفة واحدة لنفسه، وهي: أنه رب الفلق، وذكر الاستعاذة من أربعة أشياء: من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد.
وهنا ذكر ربنا لذاته ثلاث صفات: رب الناس، ملك الناس، إله الناس، والمستعاذ منه شيء واحد: الوسواس الخناس، قالوا: لأن في السورة السابقة تلك كلها مضرتها في الدنيا، فالحاسد، والساحر، والليل أو القمر إذا غاب، أو شرور المخلوقات عموماً كلها ضررها في الدنيا، أما هذا فضرره يتعدى إلى الآخرة.
هذا أمر.
الأمر الثاني: أن تلك ظاهرة يستطيع الإنسان أن يتقيها، وأن يحترز منها، أما هذا الوسواس الخناس فإنه خفي غير ظاهر، كما قال الله : ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]؛ ولذلك كانت الاستعاذة منه أعظم.
стр. 452
سبب تقديم الجن على الناس في سورة الناس
في هذه السورة قدم الله الجنة على الناس، وفي سورة الأنعام قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام:١١٢] فقدم الإنس على الجن، لماذا؟ قالوا: لأن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من أن يتسلط عليهم الشياطين، لكن مخالطة خبثاء البشر لهم أكثر، يعني: شياطين الإنس أمثال: أبي جهل، وعقبة بن أبي معيط والوليد بن المغيرة المخزومي وأمثالهم؛ فإن هؤلاء كان ضررهم على رسول الله ﷺ أعظم من ضرر الشيطان الرجيم.
стр. 453
ذكر بعض شرور الشياطين
كل شر في هذا الكون إنما هو من الشيطان قاتله الله، ومن شروره -عليه لعنة الله- أنه قد جعل الله له مدخلاً في جوف ابن آدم، ونفوذاً إلى عروقه، فقد كان رسول الله ﷺ في بعض الأيام معتكفاً في المسجد، فجاءت زوجه صفية ﵂، فجلست معه تؤنسه، فلما أرادت أن تنقلب إلى بيتها قام يشيعها، وهذا من مكارم أخلاقه صلوات ربي وسلامه عليه، فجاء رجلان من الأنصار الكرام عليهما من الله الرضوان، فلما رأيا رسول الله ﷺ ومعه سواد امرأة أسرعا، فقال ﵊: (على رسلكما؛ إنها صفية زوجتي، فقالوا: سبحان الله! يا رسول الله!) يعني: لا يحتاج أن تبرئ ساحتك، أنت النبي، أنت الرسول، أنت المعصوم صلوات ربي وسلامه عليه، فقال ﵊: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلبيكما شراً فتهلكا) أي: يقذف في قلوبكم شك سوء نحو رسول الله ﷺ فيكون الكفر والعياذ بالله! يعني: أنه فعل ذلك حرصاً عليهما لا على نفسه صلوات الله وسلامه عليه.
ومن شر الشيطان أنه ملازم لك يا ابن آدم من المحيا إلى الممات، لا يفارقك، يعني: لا يكون عندك أمل بأن الشيطان سيموت ويريحك، جاء في بعض الآثار: (أن الشيطان لما طرد من الجنة قال: يا رب! أخرجتني من الجنة بسبب آدم وذريته، فأعطني، قال الله : لا يولد لآدم ولد إلا ولد لك عشرة، قال: يا رب! زدني، قال الله : جعلت صدورهم مساكن لك ولذريتك، قال: يا رب! زدني، قال الله : ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء:٦٤]).
ومن شره قاتله الله: أنه يفسد على العبد عبادته، قال رسول الله ﷺ : (إن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر وله ضراط، فإذا قضى أقبل) أي: إذا انتهى المؤذن يرجع الشيطان، (فإذا ثوب بالصلاة -أي: أقيمت الصلاة- أدبر، فإذا قضي رجع، حتى يخطر بين أحدكم وبين قلبه؛ يقول له: اذكر كذا، اذكر كذا، اذكر كذا، حتى ما يدري أصلى ثلاثاً أم أربعاً)، وهذا حاصل نكاد نراه.
ومن شر الشيطان قاتله الله: أن ابن آدم إذا نام عقد على قافيته ثلاث عقد، يقول له: عليك ليل طويل فنم، يعني: لا يريد له أن يقوم لصلاة ولا لذكر.
ومن شر الشيطان: أنه يبول في أذن ابن آدم حتى يصبح، لا يصلي بالليل ولا يذكر الله ، سئل رسول الله ﷺ عن رجل نام حتى أصبح فقال: (ذلك رجل بال الشيطان في أذنيه).
ومن شر الشيطان: أنه يحاول أن يصرف ابن آدم عن العبادة، قال النبي ﷺ : (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه كلها: قعد له بطريق الإسلام قبل أن يسلم، قال: تسلم، وتذر دينك ودين آبائك، ودين أجدادك؟ فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، قال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك؟ فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، قال: تجاهد، وإنما الجهاد ذهاب المال والنفس؟ فعصاه فجاهد، فمن فعل ذلك كان حقاً على الله إن قتل أن يدخله الجنة، وإن مات أن يدخله الجنة، وإن وقصته دابته أن يدخله الجنة).
والشيطان رضي لنفسه أن يكون قواداً لبني آدم، كما قال عنه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]، وقال : ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٦ - ١٧].
стр. 454
مداخل الشيطان على ابن آدم
حصر ابن القيم شرور الشيطان في أمور ستة يتدرج بها لابن آدم، فإنه يحاول أن يوقعه في الشرك، والكفر بالله، وتلك غاية أمله، فإذا أشرك العبد أو كفر فإن الشيطان قد سكت أنينه، وخف حنينه، وقنعت نفسه ورضيت، فإنه يريد للناس جميعاً أن يكونوا مشركين، وأن يكونوا كفاراً بالله .
فإذا لم يقدر على هذه انتقل إلى الثاني، فيوقع الإنسان في البدعة، التي هي بريد الكفر، فيوقعه في أن يشرع في الدين ما لم يأذن به الله، ويخترع من عنده.
فإذا لم يستطع أوقعه في كبائر الذنوب، كقتل النفس، والسرقة، والزنا، وقذف المحصنات الغافلات، وممارسة السحر، وما إلى ذلك.
فإن عجز عن هذه أوقعه في الذنوب الصغيرة، التي مثلها رسول الله ﷺ بجماعة خرجوا في سفر، ثم طلبوا حطباً ليوقدوا ناراً ينضجوا طعامهم، فجعل هذا يأتي بواحدة، وهذا يأتي بواحدة، حتى أنضجوا طعامهم، ثم قال: (إياكم! ومحقرات الذنوب؛ فإنهن يجتمعن على العبد حتى يهلكنه).
فإن عجز عن هذه انتقل إلى الخامسة، وهي: أن يشغل الإنسان بالعمل المباح عن العمل الواجب، كملاعبة الزوجة والعيال مثلاً، فيشغله بهذا عن صلاة الفريضة في بيت الله .
فإن عجز عن هذه الخامسة ينتقل إلى السادسة، وهي: أن يشغله بالعمل المفضول عن العمل الفاضل، كما يفعل ببعض طلبة العلم، حيث يشغلهم بتحقيق بعض المسائل التي قد تكون من الفضول عن تبليغ الدعوة، والقيام بواجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أو يشغل بعض الناس بقيام الليل، ثم ينيمهم عن صلاة الصبح، والفريضة أفضل من النافلة بغير شك.
стр. 455
كيفية الوقاية من شر الشيطان
كيف نتقي شر الشيطان؟ الشيطان عدونا، فالنسيان الذي نقع فيه من الشيطان، كما قال الله : ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف:٦٣]، وقال: ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨].
والشيطان سبب لسائر الشرور، كما قال : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]، وقال: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠]، وقال: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف:١٩]، وقال سبحانه: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:١١٧].
فالشيطان عدو لأبينا وعدو لنا، فكيف نتقي شره؟ نتقي شره بعشر وسائل هي: الوسيلة الأولى: الإكثار من الاستعاذة منه، قال الله : ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٠ - ٢٠٢]، فالاستعاذة بالله من الشيطان مطلوبة.
الوسيلة الثانية: قراءة هاتين السورتين العظيمتين: (قل أعوذ برب الفلق)، و (قل أعوذ برب الناس)، قال رسول الله ﷺ : (ما تعوذ متعوذ بمثلهن قط).
الوسيلة الثالثة: قراءة سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة، سورة البقرة من قرأها في بيته نهاراً لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام، ومن قرأها في بيته ليلاً لم يدخل الشيطان بيته ثلاث ليال.
الوسيلة الرابعة: قراءة آية الكرسي، وحديث أبي هريرة معروف لما وكله رسول الله ﷺ على حفظ صدقة الفطر، فجاء الشيطان يحثو، وعلَّم أبا هريرة أن يقرأ آية الكرسي إذا أوى إلى فراشه، وقال: إنه لا يزال عليك من الله حافظ حتى تصبح، فقال النبي ﷺ : (صدقك وإنه لكذوب).
الوسيلة الخامسة: قراءة خواتيم البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] لما جاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من قرأهما في ليلة كفتاه).
وفي الحديث الذي رواه أبو داود والحاكم قال رسول الله ﷺ : (إن الله كتب كتاباً وهو عنده فوق العرش قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين هما: خواتيم سورة البقرة).
الوسيلة السادسة: قراءة أول سورة غافر: ﴿حم﴾ [غافر:١] إلى قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:٣] مع آية الكرسي؛ لقول النبي ﷺ : (من قرأ (حم) إلى قوله: إِلَيْهِ الْمَصِيرُ مع آية الكرسي حين يصبح حفظ بها حتى يمسي، ومن قرأها حين يمسي حفظ بها حتى يصبح).
الوسيلة السابعة: ذكر الله ، فإن الذي لا يذكر الله يتمكن الشيطان منه، قال ربنا سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦].
الوسيلة الثامنة: المحافظة على الوضوء والصلاة، قال النبي ﷺ : (إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم تتقد، ألا ترون إلى احمرار عينيه، وانتفاخ أوداجه؟ فأطفئوه بالماء) فالإنسان إذا غضب، وإذا ثارت قوته الغضبية أو قوته الشهوانية، فعليه أن يستعين بالله على هذا الشيطان بالوضوء، فسواء ثار غضبك، أو ثارت شهوتك لما حرم الله ، فأطفئ ذلك بالماء.
الوسيلة التاسعة: ترك المعاصي، فعلى الإنسان أن يجتنب المعاصي كلها؛ لأن الشيطان لا سبيل له على عباد الله الصالحين.
الوسيلة العاشرة: ترك فضول النظر، وفضول الكلام، وفضول المخالطة، فعلى الإنسان أن يترك فضول النظر، فلا ينظر إلى كل شيء، بل يغض بصره، ويترك فضول الكلام، فلا يتكلم في كل شيء، فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، ويترك فضول المخالطة، فلا يخالط إلا من ينتفع به في دينه، أو دنياه، أو فيهما معاً.
стр. 456
مقدمة الطهارة_وسائل التطهير_أنواع النجاسات
بين الفقهاء أحكام الطهارة وأقسامها وأنواعها، وبينوا وسائل التطهير، كما بينوا أحكام النجاسات وأنواعها وكيفية تطهيرها.
وتستمد الطهارة أهميتها من أهمية العبادات التي لا تصح ولا تقبل إلا بالطهارة.
стр. 457
مقدمة في الطهارة
стр. 458
تعريف الطهارة
الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار.
وصلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد، ما اختلف الليل والنهار.
وصلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.
سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا لما تحب وترضى.
أما بعد: الطهارة في اللغة: هي النظافة، تقول: طهر الثوب من القذر، يعني: تنظف.
وأما في الشرع فهي: صفة اعتبارية أو معنوية قدرها الشارع شرطاً للصلاة.
стр. 459
أقسام الطهارة وأهميتها
الطهارة تنقسم إلى طهارة ظاهرة وطهارة باطنة، فالظاهرة: تشمل تطهير البدن والمكان والثوب، والباطنة تشمل تطهير القلب بالإيمان واجتناب الشرك، والإنسان إذا لم يطهر باطنه أولاً فلا فائدة له من طهارة الظاهر.
فالنوع الأول من الطهارة: طهارة الباطن، أو الطهارة المعنوية أو الأصلية.
وعدم طهارة الباطن قد يطلق عليها: نجاسة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]، وقد يطلق عليها: مرض، كما في قوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) [الأحزاب:٣٢].
وأمراض القلوب هي عبارة عن نجاسة معنوية، وهي تتدرج وتتفاوت، فمن أمراض القلوب الشرك، والشرك هو: أن تصرف شيئاً من العبادة لغير الله، أو أن تحب شيئاً من الأشياء كحب الله، أو تعتقد في أحد غير الله أنه يملك لك الضر أو النفع.
وهذا الشرك، إن لم يطهر الإنسان منه قلبه، فيا خسارته! قال الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢].
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١].
ومن أمراض القلوب أيضاً: الرياء، وهو: أن يعمل العبد العمل لا يريد به وجه الله، أو أنه يريد به وجه الله وغيره، فهذا هو: الرياء.
ومن أمراض القلوب كذلك: الحسد، وهو: تمني زوال النعمة عن الغير.
فهذه فالطهارة الباطنة نسميها الطهارة المعنوية، أو الطهارة الأصلية، وهي أهم من طهارة البدن، بل لا يمكن أن تقوم طهارة البدن مع وجود نجس الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة:٢٨]، فلو أن إنساناً سجد للصنم، أو للبشر، ثم بعد ذلك تطهر بأحسن صابون ووضع أطيب العطور، ولبس أحسن الثياب فهو نجس؛ لأن نجاسة القلب لا تغني عنها طهارة البدن.
والنوع الثاني: طهارة ظاهرة: وتسمى الطهارة الحسية، أو الطهارة الفرعية، وهي: ارتفاع الحدث، وزوال الخبث مثلاً: إنسان يصيبه الحدث، والحدث هو: وصف حكميٌ يقوم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة.
فلو أن إنساناً خرج منه ريح، فهذا نسميه حدثاً، أو خرج منه مذي نسميه حدثاً كذلك، ولو كان الحدث الأكبر: مثل خروج المني، فهو حدث أيضاً، فالطهارة الفرعية هي: ارتفاع الحدث وزوال الخبث، والمقصود به: النجاسة، وهي الأشياء التي حكمت الشريعة بأنها نجسة وسيأتي تفصيلها، مثل بول الآدمي ورجيعه، والدم المسفوح والعذرة لما لا يؤكل لحمه، كعذرة الحمار أو الكلب، فهذه كلها نسميها: أعيان نجسة، فكلمة نجس تعادل كلمة خبث.
فالطهارة الظاهرة هي ارتفاع الحدث، وزوال الخبث.
قلنا: وزوال الخبث، ولم نقل: وإزالة الخبث؛ لأنه قد يزول بنفسه، مثلاً: لو جاء كلب -أكرمكم الله- فبال في أرض المسجد، ثم أنزل الله من السماء ماء طهوراً، فغسل تلك النجاسة وأزالها المطر دون أن نعمل في إزالتها؛ ولذلك نقول: الطهارة هي ارتفاع الحدث وزوال الخبث.
إذاً: فالطهارة لغة: النظافة.
وهي نوعان: الأول: طهارة باطنة.
الثاني: طهارة ظاهرة.
والطهارتان مطلوبتان، فلا يقول أحد: أنا قلبي نظيف، فلماذا أتوضأ؟! قال ﷺ : (لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ)، ولو كان قلبه أطهر القلوب.
стр. 460
الحث على الطهارة
أمرنا ربنا ﷻ بالطهارة على اختلاف أنواعها، فمن ذلك: قول الله : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]، فهذه هي الطهارة الظاهرة وهي: الوضوء.
وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] يعني: الغسل، وهو: طهارة ظاهرة.
وفي طهارة الثياب قال سبحانه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤].
وفي طهارة المكان قال سبحانه: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥].
فالمطلوب: طهارة البدن، وطهارة الثياب، وطهارة المكان، وقبل ذلك كله طهارة القلب، ولذلك قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] ((يُحِبُّ التَّوَّابِينَ)) أي: من طهروا بواطنهم، ((وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)) أي: من طهروا ظواهرهم.
следующие страницы →