Полный текст (933 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
جواز إحرام الحاج والمعتمر الآتي من السودان من جدة
السؤال
هل يجوز للحاج والمعتمر الآتي من السودان إلى بيت الله العتيق الإحرام من جدة؟
الجواب
نعم، يجوز للحاج والمعتمر الخارج من السودان الإحرام من جدة.
стр. 72
حكم تطهير غير المحارم لنجاسة الرجل العاجز
السؤال
أخي متخلف عقلياً وقد بلغ الحلم، ولكن لا يوجد من ينظفه من النجاسة إذا قضى حاجته إلا أمي، وهي طاعنة في السن وزوجتي، فهل يجوز لزوجتي ذلك؟ وكيف العمل إذا كان لا يجوز لها تنظيفه؟
الجواب
زوجتك لا يجوز لها أن تقوم بالأمر طالما أن الوالدة موجودة وأنت موجود، فأنتم تقومون بواجبكم نحوه، ونسأل الله أن يعظم أجركم، ونسأله كذلك أن يكشف عنكم البلاء، وأن يشفي أخاكم، وفي الحقيقة هذا من البلاء، والله يقول: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]، ما تدري لعل في هذا خيراً لكم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦]، وقال سبحانه: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، لكن زوجتك لا يحل لها الاطلاع على عورة أخيك لأنه لا ضرورة، حتى في حال التطبيب، نقول: إذا مرض رجل لا يجوز للطبيبة أن تكشف على عورة هذا الرجل، فقم بهذا الأمر أنت، ولا تكلف أمك فوق طاقتها، أما إن كانت هناك مشقة من جهة أنك أحياناً تخرج إلى العمل الذي تقتات منه وليس أحد في البيت سوى أمك، فلتقم هي بهذا، وسيعظم الله أجرها، لكن زوجتك لا يجوز لها ذلك.
стр. 73
لا تسلب عن القاتل صفة الإيمان
السؤال
معلوم أن القاتل يكون أخاً لولي القتيل، ولا تنتفي منه صفة الإيمان، فكيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]؟
الجواب
هذه الآية فيها كلام كثير لأهل العلم، والصحيح الذي عليه جمهور العلماء: أن هذه الآية مقيدة بالآية التي في النساء وتكررت مرتين، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨]، فأيهما أعظم الشرك أم القتل؟ الشرك، فاللهُ هنا يبين أن من مات مشركاً ليس له طريق إلى المغفرة، أما من مات وله ذنوب دون الشرك فهو تحت المشيئة، فمن قتل نفساًًًًًًًًًًً، أو ارتكب فاحشة، أو شرب خمراً، أو غير ذلك فهو تحت المشيئة، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له, ولذلك لو أن إنساناً قتل مؤمناً وحكم عليه بالقصاص وقتلوه به، فإننا نغسله ونكفنه ونصلي عليه في المسجد، وندعو له: اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، ولو كان كافراً ما فعلنا به ذلك.
والمعنى نفسه موجود في قول الله : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩]، فهنا سماهم مؤمنين، رغم أنهم اقتتلوا، كذلك الرسول ﷺ لما صعد على المنبر ومعه الحسن ابن فاطمة ﵉، وقال: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، وفعلاً أصلح الله به في العام الذي سمي بعام الجماعة سنة أربعين أو واحد وأربعين من الهجرة، فسمى النبي ﷺ الفئتين المتقاتلتين (مسلمتين) رغم أنهما تقاتلتا، فالقاتل إذاً لا تسلب عنه صفة الإيمان، حتى لو قلنا بظاهر الآية التي في سورة النساء فلا يلزم من الخلود نفي الإيمان.
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم تقبل منا الصيام والقيام واجعله خالصاً لوجهك الكريم.
اللهم اجعلنا من عتقائك في هذا الشهر المبارك من النار، اللهم اجعلنا من عتقائك في هذا الشهر المبارك من النار، اللهم اجعلنا من عتقائك في هذا الشهر المبارك من النار.
اللهم لا تفرق جمعنا هذا إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وعمل متقبل مبرور.
اللهم اجعل هذا المجلس المبارك شاهداً لنا لا علينا، واجعله في صحائف حسناتنا يوم نلقاك، اللهم كما جمعتنا فيه نسألك أن تجمعنا في جنات النعيم وأن ترزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم، وأن تجعلنا إخواناً على سرر متقابلين.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
стр. 74
لباب النقول في أسباب النزول [٣]
لقد جعل الله القرآن الكريم كتاب هداية، فقد بين فيه أصول الدين وفروعه، وتناول القرآن الكريم قسطاً كبيراً من القواعد والأصول التي تقرر بها الأحكام، ومن ذلك نزول آياته على وقائع حادثة معينة تبياناً وإرشاداً، وقد يكون للواقعة والسبب الذي نزل بشأنه النص القرآني صور، وللعلماء فيها كلام عظيم وتفصيلات مهمة.
стр. 75
حالات تعدد الروايات في سبب النزول وكيفية التعامل معها
تقدم معنا الكلام في أنه إذا روي أكثر من رواية حول سبب نزول آية واحدة من كتاب الله فهذا الأمر لا يخلو من إحدى حالات أربع: الحالة الأولى: أن تكون إحدى الروايتين صحيحة والأخرى ليست كذلك، ومثال هذا سبب نزول قول الله : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣]، فهناك رواية صحيحة بأن امرأة من شياطين قريش -وهي العوراء أم جميل - قالت: يا محمد! ما أرى شيطانك إلا قد ودعك.
فأنزل الله هذه الآية.
وهناك رواية عند الإمام الطبراني في قصة دخول الجرو وموته تحت سرير رسول الله ﷺ ، مع أننا لو أثبتنا هذه الرواية لا يكون هناك تعارض.
الحالة الثانية: أن تكون الروايتان صحيحتين، ولكن يمكن الترجيح بينهما، كحديث ابن مسعود ﵁ في قصة مرور النبي ﷺ على نفر من اليهود وسؤالهم إياه عن الروح، ورواية ابن عباس أن السائلين هم المشركون، وأنهم سألوا بإيعاز من اليهود.
فنقدم الرواية الأولى؛ لأن ابن مسعود أقدم إسلاماً من ابن عباس، ويحمل ذلك على أنه قد رأى هذه الحادثة، أما ابن عباس ﵁ فقد رويت له رواية.
الحالة الثالثة: أن تكون الروايتان صحيحتين، ولكن لا يمكن الترجيح بينهما، ويمكن أن تكون الآية قد نزلت فيهما، ومثال ذلك آيات اللعان، فقد قيل: إن سبب نزولها أن هلال بن أمية الواقفي رمى زوجته بـ شريك بن سحماء، وقيل: بل الرامي هو عويمر العجلاني، والروايتان صحيحتان، فنقول: لا تعارض، وتحمل الروايتان على أن الرمي حصل من هذا ومن هذا؛ فنزلت الآيات فيهما.
الحالة الرابعة: استواء الروايتين -أو الروايات- في الصحة وعدم إمكان الترجيح بينهما، وعدم إمكان القول بأن الآية قد نزلت فيهما، ومثاله قول الله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]، قيل: نزلت عقيب أحد، وقيل: نزلت يوم الفتح، وما بين أحد والفتح خمس سنوات، ولذلك لا سبيل إلى القول بأن الآية قد نزلت في الأمرين جميعاً، إلا أن يحمل ذلك على تعدد أو تكرر النزول، أي أنها نزلت مرة بعد مرة.
стр. 76
عموم اللفظ وخصوص السبب
إن موضوع عموم اللفظ وخصوص السبب أشبه بعلم الأصول أكثر من شبهه بعلوم القرآن، فقد اعتنى به الأصوليون في مبحث العام والخاص.
وإذا كان هناك أربع حالات أو أربع صور في تعدد الروايات في سبب النزول، فإن لقضية عموم اللفظ وخصوص السبب أربع صور أيضاً: الصورة الأولى: أن يكون كل من السبب واللفظ النازل عليه خاصاً.
الصورة الثانية: أن يكون كل من السبب واللفظ المنزل عليه عاماً.
وهاتان الصورتان لا خلاف فيهما بين أهل العلم.
الصورة الثالثة: أن يكون السبب عاماً واللفظ النازل عليه خاصاً.
الصورة الرابعة: أن يكون السبب خاصاً واللفظ النازل عليه عاماً، فهاتان الصورتان محل خلاف بين أهل العلم، والذي عليه جمهور العلماء أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
стр. 77
مثال عموم اللفظ وخصوص السبب
مثال كون اللفظ عاماً والسبب خاصاً أن إحدى النساء جاءت إلى رسول الله ﷺ -واسمها خولة بنت ثعلبة - تشكي زوجها فقالت: يا رسول الله! كان صدري له سقاء، وبطني له وعاء، وحجري له حواء، حتى إذا كبر سني ورق عظمي ظاهر مني، إلى الله أشكو.
فقولها: (كان صدري له سقاء) أي: يسقي أولاده، (وكان بطني له وعاء) أي: حاملة لأولاده، (وكان حجري له حواء) أي يضم أولاده.
وكان من عادة أهل الجاهلية أن الواحد منهم إذا غضب من امرأته يقول لها: أنت علي كظهر أمي.
يعني: أنت حرام علي كحرمة أمي.
فتبقى المسكينة معلقة إلى أن يرضى الزوج فيرجع إليها.
فزوجها أوس بن الصامت ﵁ كان فيه حدة، فحصل بينهما كلام فقال لها: أنت علي كظهر أمي.
فجاءت تشكو، ومما قالت في شكواها: وعندي منه أولاد إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا.
وهذه قسمة معروفة فعلاً، فالأم لو أخذت الأبناء فمن أين ستؤكلهم؟ ولو أبقتهم لصاحبها سيتزوج ويأتي لهم بشيطانة تعكر عليهم صفوهم.
وكان الرسول ﷺ ساكتاً والمرأة تلح في السؤال، والسيدة عائشة ﵂ كانت جالسة في ناحية من البيت، وكانت بعد ذلك تقول: سبحان من وسع سمعه الأصوات! إني لأسمع حديثها ويخفى علي بعضه، فسمعها الله من فوق سبع سماوات وأنزل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١] إلى أن بين الكفارة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة:٣]، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة:٤]، وهذه مشكلة تحصل اليوم كثيراً، فبعض الرجال ممن لا عقول لهم إذا حصل بين الواحد منهم وبين المرأة خلاف في لقيمات أو في شيء تافه قال لها: أنت حرام علي مثل أمي، وهذا ذنب وإثم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة:٢]، فكيف تصير امرأتك أمك؟! ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤] إلا أن يقصد أنه في الاحترام يعاملها مثل أمه فهذا أمر آخر، أما أن الزوجة تحرم عليك كحرمة أمك فهذا زور، ومن قال ذلك فهو آثم تلزمه الكفارة، وليس له أن يعتبر ذلك أمراً عادياً إذا ذهب غضبه، بل عليه ألا يقربها إلا بعد عتق رقبة، والآن ليس هناك رقاب، فيبقى الصيام، ولكن الواقع أن كثيراً من الناس لا يلتزمون بهذا، فتجد أحدهم يرمي الكلمة ثم يقول: لقد اتفقنا! فهذه الآيات عند كثير من المسلمين حبر على ورق لا يفكر فيها إلا القليل منهم.
فالسبب في هذه القصة خاص برجل معروف اسمه أوس بن الصامت وامرأة معروفة اسمها خولة بنت ثعلبة، لكن اللفظ عام؛ لأن ربنا قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣] ولفظ (الذين) من ألفاظ العموم، لذلك قال العلماء: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
стр. 78
مثال خصوص اللفظ وخصوص السبب
وأما كون السبب خاصاً واللفظ خاصاً فمثاله أن الرسول ﷺ كان جالساً في المسجد فجاءت امرأة فقالت: يا رسول الله! إني وهبت لك نفسي.
فهذه المرأة الصالحة الطيبة الفاضلة ﵂ كانت تفكر في مستقبلها في الآخرة، فهي تعرف أنها لو تزوجت بالرسول ﷺ فلن يسكنها في قصر، بل في حجرة من طين، وستمر عليها الأيام لا يوجد فيها سوى تمر وماء، فقد كان الرسول ﷺ يمر عليه الهلال والهلال والهلال ولا يوقد في بيته نار، وليس لهم طعام إلا الأسودان: التمر والماء.
فهذه المرأة قالت: (وهبت لك نفسي) من أجل أن تكون من بعد زوجته في الجنة، فهي في الدنيا ستعيش سنين في الشظف، ثم بعد ذلك ستنتقل إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فلما قالت ذلك صعد رسول الله ﷺ النظر فيها وصوبه، ثم سكت ﵊، يقول الصحابة: (حتى أشفقنا عليها من طول القيام)، فوجد أحد الصحابة فرصة عظيمة، وعرف أن هذه المرأة صالحة ولن تكلفه كثيراً؛ لأن التي تأتي وتهب نفسها لا تريد دنيا، فقال: يا رسول الله! زوجنيها.
فقال ﵊: (ابذل لها شيئاً) أي: ادفع لها مهراً، فمشى ثم رجع فقال: يا رسول الله! ما عندي إلا إزاري، فقال: (وما تصنع بإزارك؟! اذهب فالتمس ولو خاتماً من حديد) فذهب ثم جاء فقال: ما وجدت شيئاً، فقال ﵊: (هل معك شيء من القرآن؟ فقال: نعم معي كذا وكذا وكذا، حتى عد عشرين فقال له النبي ﷺ : اذهب فقد زوجتكها بما معك من القرآن)، فأنزل الله : ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠].
стр. 79
مثال آخر لخصوص اللفظ وخصوص السبب
ومثال ذلك أيضاً أنه لما تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش ودعا الصحابة إلى الطعام ثم أكلوا من الطعام، ثم مكثوا يتحدثون، كانت الحجرة ضيقة، وكانت زينب ﵂ قد جعلت وجهها للحائط، فقال أحد الصحابة: إن مات رسول الله ﷺ نكحت بعده عائشة.
فلو أن هذا الرجل في بيتك وقال هذا الكلام وبلغ سمعك فماذا أنت صانع؟! لعله لا يخرج من بيتك حياً، مع أن الذي قيل في بيته هذا الكلام هو سيد البشر ﷺ ، ومع ذلك ما تغير ﷺ تجاه هذا الصحابي، ولا قال شيئاً، وأنزل الله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٣]، فهنا السبب خاص واللفظ خاص، فهذه حالة خاصة، وإلا فإن غير رسول الله ﷺ لو مات جاز أن تتزوج امرأته من بعده.
стр. 80
مثال خصوص السبب وعموم اللفظ
وأما كون السبب خاصاً واللفظ عاماً فمثاله قول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء:٥١ - ٥٢]، فهذه الآية سبب نزولها أن جماعة من المشركين جاءوا إلى اليهود، فبدأ اليهود يحرضونهم على حرب الرسول ﷺ ، فقالوا لهم: يا معشر اليهود! أنتم أهل العلم بالكتاب الأول، نسألكم بالله: أديننا خير أم دين محمد؟ واليهود كانوا يعرفون أن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويسجدون لها ويطوفون حولها، فالمسألة لا تريد اجتهاداً، لكن اليهود على عادتهم في التحريف قالوا لهم: وما دينكم؟ فقالوا: نحن ننحر الكوماء، -والكوماء الناقة الكبيرة- في الشتاء، ونطعم الحاج، ونقري الضيف.
فقال لهم اليهود: لا والله، دينكم خير من دين محمد.
فهنا سبب خاص، ونزلت الآية عامة في الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، وحكم الله عليهم باللعنة فقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء:٥٢].
وقد رجح السبكي تقي الدين رحمه الله تعالى في جمع الجوامع أن هذه مرتبة متوسطة، فهي دون السبب وفوق التجرد.
стр. 81
الأسئلة
стр. 82
سبب تسمية سورة غافر بسورة المؤمن
السؤال
لماذا سميت سورة غافر بسورة المؤمن؟
الجواب
لأن فيها خبر مؤمن آل فرعون، كما في قوله : ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨]، وسور القرآن بعضها لها أكثر من اسم، مثل الفاتحة، فإن أسماءها كثيرة، منها: الفاتحة، وأم الكتاب، وأم القرآن، والكافية، والشافية، والسبع المثاني، والقرآن العظيم، والأساس، وغير ذلك.
وسورة التوبة تسمى التوبة، وبراءة، والفاضحة، والبحوث، والمزلزلة، والمقشقشة، والمدمدمة.
والبقرة وآل عمران تسميان الزهراوين.
стр. 83
تقسيم إرث من مات عن أختين وابني عم
السؤال
مات رجل عن أخت شقيقة ورجلين من أبناء عمه، فما نصيب كل منهم من الميراث؟
الجواب
الأخت الشقيقة لها النصف والباقي لابني عمه إن لم يكن هناك ذكر أقرب منهما.
стр. 84
حكم بث الأصوات الموسيقية في ميكرفون المسجد
السؤال
مؤذن أحد المساجد يضع الراديو بالقرب من الميكرفون لينقل أذان المغرب في رمضان ويفطر بعيداً عن المسجد مع أهله وجماعته، لكن بعدما ينتهي الأذان يعقبه موسيقى يسمونها موسيقى الإفطار تسبب إزعاجاً لأهل القرية، فما حكم هذا؟
الجواب
هذه -والله- مصيبة، وأذكر أنه كان لنا درس في مسجد، وكان جهاز الصوت التابع للمسجد فيه شيء من الخراب، فحانت مني سكتة فدخلت الإذاعة على الخط بسبب الجهاز، وكان الذي في الإذاعة مباراة كرة، فقال المذيع: باركومبا يطلع بالكورة.
وكان هذا في المسجد على ملأ من الناس، وما أدري أباركومبا مازال حياً أم مات.
فما من شك أن هذا الرجل منتهك لحرمة بيت الله؛ لأن المعازف محرمة، ويعظم البلاء حين يأتي بها إلى الجامع، وعن طريق الميكرفون يعمم الشر على الناس، فهذا الرجل ينصح؛ لأن فعله هذا هو من الشر بمكان عظيم، وخير له ألا يؤذن أصلاً من أن يحدث هذا؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
стр. 85
معنى الاستعاذة بالله تعالى من الحور بعد الكور
السؤال
نحن نعوذ بالله من الحور بعد الكور، فما معنى ذلك؟
الجواب
الاستعاذة بالله تعالى من الحور بعد الكور معناها الاستعاذة به من النقصان بعد الزيادة، لذلك كان من دعائه ﷺ : (اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا).
стр. 86
حكم قول (سبحانك) ونحوه عند ذكر تمجيد الله في دعاء القنوت
السؤال
في دعاء القنوت يقول بعض الناس عند سماع تمجيد الله: سبحانك، فما صحة ذلك؟
الجواب
هذا مما تلقاه الناس عن إخواننا المصريين، وتجد بعضهم إذا وصل الإمام إلى قوله: فإنك تقضي ولا يقضى عليك إلخ يقولون: حقاً إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، يا ألله، وهذه سمعوها من الإذاعة المصرية ولكنها ليست سنة عن الرسول ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين، ولا قال بها أحد من الأئمة، فالذي ينبغي هو أن تؤمن فقط، لا أن تخترع كلمات من عندك.
стр. 87
حكم طلب ما بعد الأمر بـ (قل) في القرآن الكريم
السؤال
عند سماع تلاوة القرآن يمر القارئ بطلب مقدم بـ (قل) فهل للسامع أن يطلب ما بعد الأمر إن كان طلباً أو استعاذة؟
الجواب
لا، فهل في نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] أقول: هو الله أحد؟! وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] أقول: يا أيها الكافرون؟! ليس ذلك مقصوداً، وإنما (قل) خوطب بها النبي الأكرم ﷺ .
стр. 88
وقت إمساك الصائم عن المفطرات
السؤال
متى يكون الإمساك في حق الصائم عن المفطرات، هل مع بداية الأذان أم قبل أن يقول المؤذن: الصلاة خير من النوم؟
الجواب
إذا أذن المؤذن فأمسك عن الأكل، وإن كان في فمك شيء فأخرجه، لأن الرسول ﷺ قال: (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)، أي: إذا قال ابن أم مكتوم: الله أكبر فأمسكوا.
وقد جاءتنا فتاوى جديدة يقول قائلها: يجوز الأكل إلى أن يقول المؤذن: الصلاة خير من النوم، والعجب أننا رأينا أحد الناس يمر في المساجد يقول للناس: يجوز الأكل إلى الإقامة! وهذه فوضى في الفتاوى، فقد صار كل إنسان يفتي بما يخطر على باله، وينبغي أن يكون على الفتوى محتسبون كما أن على الخبازين محتسبين، فالمخابز يجري عليها تفتيش وأصحاب السمكرة وغيرهم من أصحاب المهن عليهم مفتشون يتابعونهم إلا الفتوى، فأي إنسان يمكن أن يقوم في المسجد ويتكلم ويفتي ويشرع ويضل عباد الله ، وهذا من الشر العظيم، ونسأل الله أن يتوب علينا أجمعين.
стр. 89
حكم الذهاب لأداء العمرة حال الاستدانة
السؤال
أنا تاجر وأريد الذهاب للعمرة إن شاء الله، علماً بأنني على مدار السنة دائن مدين، هل يجوز لي الذهاب؟
الجواب
إذا كانت الديون مؤجلة فاذهب ولا حرج، وإذا كانت الديون قد حان وقت سدادها فاستأذن من أصحابها.
стр. 90
حكم أداء صلاة العشاء في المسجد أثناء صلاة الناس التراويح
السؤال
ما حكم الصلاة في المسجد في جماعة أثناء التراويح؟
الجواب
هذا أقل أحواله الكراهة، فمن جاء بعد صلاة العشاء فإنه يدخل مع الإمام في التراويح بنية العشاء، ولا حرج في ذلك؛ لأنه يصح أن يصلي المفترض خلف المتنفل.
стр. 91
لباب النقول في أسباب النزول [٤]
هناك وجوه شبه كثيرة تربط بين اليهود وإخوانهم المنافقين، وتتجلى العلاقة واضحة عندما يقفوا في صف واحد ضد الهدى وفي وجه رسول الهدى، قاهر العدى.
وقد توعد الله كلا الصنفين الخبيثين بالعذاب الشديد في الآخرة.
стр. 92
فضل سورة البقرة وأصناف المدعوين الذين تحدثت عنهم
سيكون الكلام عن أسباب نزول بعض آي القرآن مما أورده الإمام الجلال السيوطي ﵀ في كتابه: (لباب النقول في أسباب النزول).
ونبدأ بأطول سور القرآن وأغزرها أحكاماً، وهي (سورة البقرة) هذه السورة المباركة أيها الإخوان! أمرنا رسول الله ﷺ بقراءتها والعناية بها فقال: (اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة)، أي: السحرة، وأخبرنا ﷺ : (أن لكل شيء سناماً وسنام القرآن سورة البقرة، من قرأها في بيته نهاراً لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام، ومن قرأها ليلاً لم يدخل الشيطان ثلاث ليال).
وأخبرنا بأن الشياطين تنفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة، هذه السورة المباركة في أولها خمس آيات في شأن المؤمنين، وآيتان في شأن الكافرين، وثلاث عشرة آية في شأن المنافقين، فالصنف الأول: مؤمنون ظاهراً وباطناً، والصنف الثاني: كافرون ظاهراً وباطناً، والصنف الثالث: مؤمنون في الظاهر كفار في الباطن.
стр. 93
سبب نزول قوله تعالى: (إن الذين كفروا سواء عليهم أنذرتهم)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أسباب نزول الآية السادسة والسابعة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٦]، وأخرج ابن جرير من طريق ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنهما نزلتا في يهود المدينة].
هذه الآية أيها الإخوان! ظاهرها أن الكافر لا يؤمن، سواء حصل الإنذار أو لم يحصل، وسواء تليت عليه الآيات أو لم تتلَ، لكن كما قال أهل التفسير: هي من العام المخصوص، أي: قوله: ((الَّذِينَ كَفَرُوا))، عموم أريد به أناس مخصوصون من الكفار.
فقول ابن عباس: (نزلنا في يهود المدينة) وذلك لأن عندهم من الأدلة والبراهين على صحة نبوة محمد ﷺ ما ليس عند غيرهم من الكفار، لكن كفروا حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق.
стр. 94
سبب نزول قوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أسباب نزول الآية الرابعة عشرة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:١٤]، أخرج الواحدي والثعلبي من طريق محمد بن مروان السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال عبد الله بن أبي: انظروا كيف أرد عنكم هؤلاء السفهاء، فذهب فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بـ الصديق سيد بني تيم، وشيخ الإسلام، وثاني رسول الله في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد بني عدي بن كعب الفاروق، القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم أخذ بيد علي فقال: مرحباً بابن عم رسول الله وختنه، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله، ثم افترقوا فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟ فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليه خيراً، فرجع المسلمون إلى النبي ﷺ وأخبروه بذلك فنزلت هذه الآية].
عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين من أكفر خلق الله، كافر، ولما هاجر الرسول ﵊ إلى المدينة كان قومه يعقدون له الخرز من أجل أن يصنعوا له تاجاً يتوجوه ملكاً على الأوس والخزرج، فلما وصل ﵊ إلى المدينة صار الملك لله، فـ ابن سلول امتلأ صدره غيظاً وحنقاً وحقداً، وبدأ يمارس حرباً قذرةً على الرسول ﷺ ، وتارة يتكلم في عرضه، وتارة يتكلم في ذمته المالية، وتارة يطعن في كونه نبياً، ولما حصلت هزيمة أحد قال: لو كان نبياً ما غلب، ولكنه ملك كسائر الناس، تارة يَغلب وتارة يُغلب.
هكذا قال ابن سلول، وكان المسلمون كالجبل الأشم لا يتزلزلون.
هنا في هذه الحالة يريد من ناحية أن يظهر خلاف ما يبطن؛ لأنه في باطنه يعتقد أن هؤلاء المؤمنين كـ أبي بكر وعمر وعلي سفهاء، ومن ناحية أخرى يريد أن يوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء؛ لأنه جرت عادة الناس أن الأقران إذا أثني على أحدهم فإن الآخر يغضب ويتحسس، فهذا الخبيث يأخذ بيد أبي بكر ويقول: مرحباً بسيد بني تيم، مرحباً بثاني رسول الله في الغار، الباذل نفسه وماله لله ورسوله، ثم يأخذ بيد عمر ويقول: مرحباً بسيد بني عدي بن كعب مرحباً بـ الفاروق، الباذل نفسه لرسول الله، ثم يأخذ بيد علي ويقول: مرحباً بابن عم رسول الله ﷺ ، وسيد بني هاشم ما خلا رسول الله.
стр. 95
سبب نزول قوله تعالى: (أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أسباب نزول الآية التاسعة عشرة قوله تعالى: ((أَوْ كَصَيِّبٍ))] يعني: عندنا في السورة مثلان، اصطلح أهل التفسير على تسميتهما: بالمثل الناري، والمثل المائي.
والأمثال في القرآن علم، قال : ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣]، وكان بعض الصالحين يقول: إني إذا قرأت المثل في القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي.
وأمثلة القرآن على نوعين أمثلة ظاهرة، وأمثلة كاملة، فمن الأمثلة الظاهرة قول الله : ﴿مَثَلُهُمْ﴾ [البقرة:١٧] أي: مثل المنافقين ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة:١٧]، يعني: إذا قال المنافق: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله فهل هو صادق أم كاذب؟ هو كاذب، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١]؟ فالمنافق كذاب، لكن لما قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فالمسلمون عاملوه بالظاهر، فأجروا عليه أحكام لا إله إلا الله، فعصموا دمه وماله، وزوجوه وتزوجوا منه، فهو انتفع بلا إله إلا الله في الدنيا، لكن إذا نزل به الموت لا تنفعه لا إله إلا الله.
قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة:١٧] هذا هو المثل الناري، إنسان أوقد ناراً ثم انتفع بضوئها في أحلك اللحظات، وفي أحوج ما يكون إليها أطفأها الله، فكذلك المنافق قال: لا إله إلا الله كاذباً؛ فانتفع بها في الدنيا، لكن عند الموت لو جئنا بمكبر صوت أقوى من هذا ووضعناه في أذنه وقلنا: يا فلان قل: لا إله إلا الله، فبعض الناس قال: أنا كافر بلا إله إلا الله، وبعض الناس قال: هي أشد علي من الجبال الراسيات، لو وضعتم علي جبلاً لكان أهون من أن تقولوا لي: قل: لا إله إلا الله، فالله ضرب هذا المثل، وضرب مثلاً آخر فقال: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة:١٩]، الصيب هو المطر ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:١٩].
ضرب الله هذا المثل، لعدم انتفاع المنافقين بأنوار الوحي، فالقرآن بالنسبة للمؤمنين تطمئن به القلوب وتخشع، وتدمع به العيون، ولكن القرآن بالنسبة للمنافق ظلمات، ولذلك كانوا يستمعون للقرآن من الرسول ﷺ مع الصحابة، لكن إذا خرجوا قال بعضهم لبعض: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد:١٦].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخرج ابن جرير من طريق السدي الكبير عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مُرَّةَ عن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا: كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله فيه رعد شديد، وصواعق وبرق، فجعلا كلما أصابتهما الصواعق يضعان أصابعهما في آذانهما من الفَرق -ي: من الخوف-أن تدخل الصواعق في مسامعهما فتقتلهما، وإذا لمع البرق مشيا في ضوئه، وإذا لم يلمع لم يبصرا، فجعلا يقولان: ليتنا قد أصبحنا فنأتي محمداً فنضع أيدينا في يده، فأتياه فأسلما ووضعا أيديهما في يد الرسول ﷺ وحسن إسلامهما، فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين مثلاً للمنافقين الذين بالمدينة.
قال ابن عباس: وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي ﷺ جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقاً من كلام النبي ﷺ ، أن ينزل فيهم شيء] يعني: كما قال الله عن قوم نوح: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح:٧].
стр. 96
سبب نزول قوله تعالى: (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أسباب نزول الآية (٢٦)، (٢٧) قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾ [البقرة:٢٦]] أي: مثل بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا، أي: فما دونها، والعرب تستعمل كلمة الفوق بمعنى الدون، كما تستعمل كلمة وراء بمعنى أمام كما في قوله سبحانه: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف:٧٩]، يعني: قدامهم، أقول لك: فلان فقير؟ تقول لي: أو فوق ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخرج ابن جرير عن السدي بأسانيده: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقِين أو للمنافقَين، الذي هو المثل الناري والمثل المائي، قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾ [البقرة:٢٦] إلى قوله: ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة:٢٧].
عن ابن عباس: إن الله ذكر آلهة المشركين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ [الحج:٧٣]] يعني: هذه الأصنام التي تعبدونها أيها الكفار من دون الله لا تستطيع أن تخلق أحقر المخلوقات وهي الذباب.
ولو أن الذباب خطف منهم شيئاً من الذي كانوا يضعونه عند الأصنام من المأكولات، كما في قول الله : ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام:١٣٦]! فإن هذه الأصنام لا تستطيع أن تسترد ما أخذه الذباب، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]، فالأصنام طالب، والذباب مطلوب، أو على العكس: ((ضَعُفَ الطَّالِبُ))، الطالب المشركون، والمطلوب أصنامهم، وفي الآية الأخرى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ﴾ [العنكبوت:٤١]، مرة الذباب، ومرة العنكبوت، فقال الكفار: ما شأن هذا الذي ينزل على محمد؟! أيذكر الله الذباب والعنكبوت؟! الله أعلى وأجل، هذا الكلام لا يشبه كلام رب العالمين، ربنا عظيم فلا يتكلم عن الذباب والعنكبوت، فأنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦].
стр. 97
سبب نزول قوله تعالى: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أسباب نزول الآية (٤٤) قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]] هذه الآية خوطب بها بنو إسرائيل، فكان الواحد منهم يكون له صاحب من الأنصار، يقول له: يا فلان! الزم هذا الرجل فإنه رسول الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في يهود أهل المدينة.
كان الرجل منهم يقول لصهره ولذوي قرابته ولمن بينه وبينهم رضاع من المسلمين: اثبت على الدين الذي أنت عليه، وما يأمرك به هذا الرجل فإن أمره حق، وكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه].
العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فهذه الآية نزلت في بني إسرائيل ولكننا نحن أيضاً مخاطبون بها، ولذلك قال الحكيم: يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى كي ما يصح به وأنت سقيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم ويقول الرسول ﷺ : (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فيدور في النار كما يدور الحمار في الرحى، وتندلق أقتابه -أي: أمعاؤه- فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون: يا فلان! أما كنت تأمرنا وتنهانا -أنت كنت تخطب الجمعة، وتعمل لنا دروساً، وكنت تمر بنا ونحن نشرب الخمر، أو نلعب الميسر، أو نفحش فكنت تأمرنا وتنهانا- فيقول: نعم.
كنت آمركم ولا أفعل، وأنهاكم وأفعل)، كان يمر بهم وهم يشربون الخمر، فيقول لهم: الخمر حرام، اتقوا الله! وهو داخل البيت عنده قارورة، يأمر الناس بالبر وينسى نفسه، نعوذ بالله من تلك الحال.
وما زال شيوخنا يذكرون لنا قصة الرجل الذي خطب يوم الجمعة وأمر الناس بالصدقة، وأتاهم بالآيات والنصوص والأشعار حتى أبكاهم، وبعد الصلاة انتظر في المسجد يسلم على الناس، فلما رجع إلى البيت، وجد ولده قد أخرج القمح والسكر والبلح والبصل وبدأ يوزع، والمساكين قد اجتمعوا عليه، فقال له: يا أحمق ماذا تصنع؟ قال له: أنا سمعت منك وبدأت أطبق، قال له: يا مسكين! نحن نتكلم وهم يعملون.
قال سيد قطب ﵀ في الظلال: وهذه آفة رجال الدين، حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة تتفاعل معها القلوب، يقول: يكفي رجال دين، رجال المال، ورجال الأعمال، ورجال السياسة، فهناك طبقةٌ اسمها رجال دين، وهؤلاء الذين زوروا الدين على امتداد الزمن.
стр. 98
سبب نزول قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أسباب نزول الآية (٦٢) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٦٢]، أخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قال سلمان: (سألت النبي ﷺ عن أهل دين كنت معهم فذكرت من صلاتهم وعبادتهم، فأنزل الله هذه الآية: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ)) [البقرة:٦٢])].
سلمان ﵁ بدأ رحلة طويلة، كان أصلاً في أصبهان في إيران، ثم انتقل من أصبهان إلى راهب في عمورية في أرض الروم، ثم إلى بلاد الشام، ثم إلى وادي القرى إلى أن وصل إلى المدينة، وكان آخر راهب قال له: لا أعلم أحداً على الدين الحق، لكن قد أظل زمان نبي يخرج، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة.
فـ سلمان، كان في المدينة يعمل عند يهودي، فقال له يهودي آخر: قاتل الله بني قيلة يعني: الأوس والخزرج اجتمعوا على رجل في قباء جاء من مكة يزعم أنه نبي، يعني أن اليهودي يسخر منه، فاليهود عندهم عقدة التفوق، قال الله عنهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، فهم لا يتصورون نبوة في غير بني إسرائيل، فاليهودي عندما قال هذا الكلام، يقول سلمان: فأخذتني عروراء، يعني: رجفة، قلت له: ماذا قلت؟ قال: فرفع سيدي اليهودي يده فلطمني لطمة منكرة، قال: ما شأنك تدخل في كلام الكبار، فقلت: لا شيء، وإنما سمعت فأحببت أن أستثبته عما قال، قال: ورجعت إلى عملي، فلما أمسى أخذ ﵁ صحناً من تمر حتى ذهب إلى الرسول ﷺ في مكانه، وأصحابه من حوله، فقال له: (بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب فقراء، فهذه صدقة، فكف ﷺ يده، وقال لأصحابه كلوا، قال: سلمان هذه والله واحدة.
فجاء في اليوم الثاني بطبق ثانٍ، وقال له: هذه هدية فسمى الله وقال لأصحابه: كلوا وأكل معهم، قال سلمان: وهذه والله ثانية، بقيت الثالثة، فبدأ يتابع الرسول ﷺ ، حتى كانوا في جنازة في بقيع الغرقد، والرسول ﷺ جالس وهم يحفرون، وبدأ سلمان يدور من حوله وهو ﷺ أذكى الناس، وأصفاهم قريحة، وأجودهم عقلاً عرف بأن سلمان يفتش عن شيء، فألقى رداءه ﷺ ، فوجد سلمان بين كتفيه خاتم النبوة كبيضة حمامة عليها شعرات، فأكب يقبل ظهر رسول ﷺ ويبكي، فقال له النبي ﷺ : تحول، ما شأنك؟ فحكى له ما كان، وأسلم، وشهد شهادة الحق) فصار من ذلك اليوم سلمان ابن الإسلام رضوان الله عليه، نسأل الله أن يجمعنا به في الجنة.
هذا الرجل المبارك يسأل النبي ﷺ ، عن أولئك القوم الطيبين الذين كانوا يعبدون الله على دين المسيح ما شأنهم؟ فأنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة:٦٢]، يعني: الآية تتكلم عن ناس كانوا على دين الحق قبل مجيء الإسلام، ليس كما يظن الجهال والمخرفون الآن، فيستدلون بهذه الآية على أن اليهود والنصارى الموجودين الآن الذين كفروا بمحمد ﷺ ، بل كفروا بموسى وعيسى؛ على أنهم يمكن أن يكون لهم في الجنة نصيب، وهذا من التدليس والتلبيس والتزوير الذي لا يليق بعباد الله المؤمنين.
стр. 99
الأسئلة
стр. 100
حرمة دم المسلم
السؤال
قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال:٧٢]، فهل يجوز أن تتخلى بعض الدول والجماعات عن نصرة إخوانهم بذريعة أن هناك مواثيق وقوانين ومعاهدات وما إلى ذلك أم لها الحق أن تنقض المواثيق والمعاهدات كلها بالتعدي على أي مسلم؟
الجواب
إذا تعدى من بيننا وبينهم ميثاق على مسلم واحد، فقد انتقض الميثاق بيننا وبينهم، ولذلك قريش لما أعانت بكراً على خزاعة، فالرسول ﷺ اعتبر هذا نقضاً للعهد الذي أبرم في صلح الحديبية.
أما قول الرسول ﷺ للصحابيين: (أوفيا بعهدكما ونستعين بالله عليهم) فهذا العهد كان في شأن حذيفة وأبيه ﵄، كان المشركون قد أمسكوا بهما وهما في عمرة، وأخذوا عليهما عهداً ألا يعينوا الرسول ﷺ ، ونحن عندنا قاعدة: بأن الحق السابق لا يرفع بالحق اللاحق، فهؤلاء أخذوا العهد، فحقهم سابق، بعد ذلك مجيء حذيفة وأبيه إلى الرسول ﷺ حق لاحق.
стр. 101
حكم الاستهزاء بالحديث النبوي
السؤال
تردد في هذه الأيام رسائل في الجوال بين الشباب على شاكلة الأحاديث النبوية مثل: عن أبي نوكيا كثر الله رصيده اتصل علينا، فإن لم تستطع فبرسالة، فإن لم تستطع فبرنة، فما حكم هذا؟
الجواب
هذا من الاستهزاء والسخرية بالرسول ﷺ وبالسنة، والواجب الضرب على أيدي هؤلاء، ولا يفعلها سليم القلب أبداً، فالإنسان الذي يجعل من الأحاديث النبوية مادة للسخرية والتندر وإدخال الكلمات الأعجمية، هذا إنسان قد بلغ من الحقارة شأواً بعيداً، فأنا أريد أن أنصح الإخوان نصيحة عامة فأقول: رسائل الجوال يا إخواننا مزعجة، وبعض الناس يرسل إليك رسالة فيها دعاء: اللهم أعط فلاناً كذا وكذا، وما إلى ذلك، بينما ينبغي أن يكون دعاء المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب، وهناك دعوات لا تجوز، فرجل أرسل لي رسالة فيها: أسأل الله أن يعطيك عمر نوح، وجمال يوسف، وصبر أيوب، وحكمة لقمان، إلى أن ختمها بالرسول ﷺ ، سبحان الله! الأشياء التي جعلها الله في القمة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مثلاً: عمر نوح ألف سنة، فهل يعيش الرجل ألف سنة في هذا الزمن؟! والرسول ﷺ قال: (أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين)، ففيه اعتداء.
قال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]: من الاعتداء في الدعاء أن تسأل الله المستحيل، كأن تقول: اللهم لا تمتني أبداً، أي: خلدني في الأرض، هذا مستحيل، اللهم أنزلني في الجنة منزلة فوق منزلة النبيين، هذا مستحيل! كذلك قولهم: جعلك الله ملازماً للحق، نقيباً، رائداً، وأمسك بالرتب حتى وصل للمشير، وهذا أيضاً من الاعتداء في الدعاء لا ينبغي.
стр. 102
حكم صلاة المفترض خلف المتنفل
السؤال
إذا حضر الشخص إلى المسجد وهم يصلون صلاة التراويح وهو يعلم ذلك، هل يصلي معهم بنية صلاة العشاء؟
الجواب
نعم؛ لأنه يصح أن يصلي المفترض خلف المتنفل.
стр. 103
حكم النوم عن صلاة الوتر
السؤال
أنام كثيراً عن صلاة الوتر ولا أصليها في المسجد بنية أن أقوم، ولكنني لا أستطيع فما الحكم؟
الجواب
يا أخي أوتر ثم نم، فإن قمت فالحمد لله، صل مثنى مثنى، ولا توتر ثانية، فإذا لم تقم، حينئذٍ تكون عملت الذي عليك، قال رسول الله ﷺ : (إذا نام العبد وهو ينوي أن يقوم من الليل فغلبته عيناه فنام، كتب الله له ثواب ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه).
стр. 104
تفسير قوله تعالى (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)
السؤال
ما المقصود بقوله تعالى في الآية الكريمة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]؟
الجواب
ذكرنا أن هذه الآية إما أن تكون منسوخة لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]؛ لأن الصيام كان في الأول على التخيير الذي يريد الصيام صام والذي يريد الفطر أطعم عن كل يوم مسكيناً وأفطر إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] فصار الصوم واجباً على المستطيع الذي عنده مال، والذي ما عنده مال.
وعلى الرأي الثاني أن هذه الآية محكمة، وأنها في شأن الشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض الزمن.
стр. 105
حكم من أفطر رمضانات متتالية بعذر شرعي
السؤال
ثلاث رمضانات متتالية مرَّت وأنا حامل مرةً ومرضع مرةً فما الحكم في ذلك؟
الجواب
عليك القضاء.
стр. 106
حكم قضاء الصلاة ممن تركها كسلاً
السؤال
تقول امرأة: تركت الصلاة لسنوات كثيرة كسلاً وعدم تعود، وعدت إلى الله وواظبت على صلاتي، ماذا أفعل فيما فاتني، مع العلم أنني أم لخمسة أطفال، وأجد صعوبة في القضاء؟
الجواب
يا أمة الله! أسأل الله أن يتوب علينا أجمعين، الصلاة دين، ومن شروط صحة التوبة أداء الحقوق، سواء كانت حقوقاً لله أو حقوقاً للعباد، والصلاة حق الله، فمن تاب وجب عليه القضاء على حسب الطاقة، فلا تشتغلي بنافلة، ولا بتطوع وإنما اشتغلي بالقضاء، مع كل فرض صلي فرضاً أو فرضين، إلى أن يغلب على الظن أنه قد تم الأمر.
стр. 107
تفسير كلمة الشفع والوتر
السؤال
ما هو الشفع؟ وهل هو ركعتان قبل الوتر؟
الجواب
الشفع: هو الزوج، والوتر: هو الفرد، فالثلاثة كلها وتر، لكن لئلا نشبهها بصلاة المغرب نصلي ركعتين ونسلم، ومن ثم نصلي ركعة، ويمكن نصلي الثلاث متصلة بتشهد واحد.
стр. 108
الطلاق الشرعي والطلاق البدعي
السؤال
ما معنى قول العلماء: الطلاق الشرعي هو أن تطلق المرأة في طهر لا تمسها فيه؟ وهل من جامع امرأته بالليل، ثم طلقها في الصباح لا يقع طلاقه؟
الجواب
من جامع امرأته في الليل ثم طلقها في الصباح وقع طلاقه وهو آثم؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يطلق امرأته وهي حائض، ولا يجوز أن يطلق امرأته وهي نفساء، ولا يجوز أن يطلقها في طهر قد مسها فيه، بل تنتظر إلى أن تطهر، وبعد ذلك إن شئت طلق وإن شئت أمسك.
والغرض من هذا أمرين: الأمر الأول: تأخير الطلاق وتأجيله، بحيث أن الإنسان يتروى ويفكر.
الأمر الثاني: هو عدم إطالة مدة العدة، يعني: لو طلقت امرأة وهي حائض فهذه مشكلة؛ لأن الحيض لا يعتد به، وإنما العدة بالأقراء التي هي الأطهار، قال : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨].
стр. 109
لباب النقول في أسباب النزول [٥]
اليهود هم من كذب رسل الله وجحدوا آياته، وآذوا أنبياء الله وأولياءه، وفي القرآن الكريم عدد كثير من الآيات التي تذكر أوصافهم وتبين لؤم طباعهم وخسة نفوسهم، فهم الذين حرفوا صفة رسول الله ﷺ في التوراة من جملة ما حرفوه، وهم المفترون على الله تعالى بأنه لن يذيقهم النار إلا أياماً معدودةً، وهم الجاحدون لرسالة محمد ﷺ بعد أن كانوا يستفتحون به على مشركي العرب، وهم الذين أعلنوا عداوتهم لأمين الوحي جبريل ﵇ ولي الأنبياء، فأي خير يرتجى ممن هذه أفعالهم وهذه طبائعهم؟!
стр. 110
سبب نزول قوله تعالى: (وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم)
الآية السادسة والسبعون من سورة البقرة قول الله : ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٧٦].
سبب نزول هذه الآية كما أخرج ابن جرير عن مجاهد ﵀ قال: (قام النبي ﷺ تحت حصونهم يوم قريظة فقال: يا إخوان القردة، ويا إخوان الخنازير، ويا عبدة الطاغوت.
فقالوا -أي: قال اليهود بعضهم لبعض-: من أخبر بهذا محمداً؟! ما خرج هذا إلا منكم، أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليكون لهم حجة عليكم).
فاليهود مسخ الله طائفة منهم قردة؛ لأنهم مسخوا شرع الله ، فالله حرم عليهم الصيد في يوم السبت؛ ثم ابتلاهم بأنه كان في يوم السبت تأتيهم حيتانهم شرعاً، أي: منع الصيد فكثرت الحيتان، وكانت ترفع رءوسها تتراءى لهم، ثم في يوم الأحد كانت هذه الحيتان تختفي، فاليهود ما صبروا طويلاً، بل لجئوا إلى الحيلة، فكما يخادعون البشر أرادوا أن يخدعوا رب العالمين ﷻ ، فكانوا يأتون بالشباك، ويأتون بالحبل الطويل الذي ربط فيه الطوق، ويربطون طرفه بوتد على الشاطئ، وفي يوم السبت الذي حرم فيه الصيد كانوا إذا جاءت الحيتان رموا هذا الطوق لأنه مربوط على الشاطئ، ثم إذا غربت شمس السبت جروه وسحبوه وهم يضحكون، ويقولون: ما صدنا يوم السبت، فلما مسخوا شرع الله مسخهم الله قردة وخنازير، هذه القصة كان اليهود يخفونها، بحيث لم يعرفها أحد، والله قد قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة:١٥]، فالرسول ﷺ لما حصلت خيانة اليهود يوم قريظة، ومالئوا الكفار من قريش وتميم وغطفان، ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٥] رجع إلى بيته، فخلع لأمته ووضع سلاحه، فنزل عليه جبريل فقال له: يا محمد! أو قد وضعت السلاح؟! فقال: نعم، قال له: فإن الملائكة لم تضع أسلحتها، وإني ذاهب إلى قريظة فمزلزل بهم الأرض فاتبعني.
فقال الرسول ﷺ لأصحابه: (من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة) وخرج بنفسه ﵊، وأول ما وصل إلى حصونهم خاطبهم بهذا الكلام فقال: (يا إخوان القردة، يا إخوان الخنازير، يا عبدة الطاغوت) فهنا اليهود استغربوا، كيف عرف محمد ﷺ هذه المعلومات الخطيرة، فقال بعضهم لبعض: ما خرج هذا إلا منكم، ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٧٦]، قال الله : ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة:٧٧] وهل تخفى على الله خافية في الأرض أو في السماء؟!
следующие страницы →