Полный текст (933 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
التخلف عن الإمام
الخامس عشر من مكروهات الصلاة: التخلف عن الإمام، يعني الإمام سجد ثم جلس للتشهد، وتجد بعض الناس يطيل السجود، فهذا مكروه، قال رسول الله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) يعني: لا تتأخروا عنه.
ومن المكروهات أيضاً: بسط اليدين في السجود، أن يسجد الإنسان على ذراعيه؛ لأن الرسول ﷺ قال: (لا يبسطن أحدكم يديه انبساط الكلب أو انبساط السبع) بل يجب أن تسجد على كفيك.
стр. 562
وضع إحدى الرجلين على الأخرى في السجود
السادس عشر: وضع إحدى الرجلين على الأخرى في السجود؛ لأن الإنسان لو فعل ذلك لا يكون ساجداً على سبعة أعظم كما أمر نبينا ﵊.
стр. 563
كفت الثوب
السابع عشر من مكروهات الصلاة: كفت الثوب، بعض الناس يدخل الصلاة وهو يكفت كأن عنده معركة مع الملائكة، وبعض الناس يكفت إزاره أيضاً.
стр. 564
تطويل الإمام لتكبيرة الإحرام وللتسليم
الثامن عشر من مكروهات الصلاة: تطويل الإمام لتكبيرة الإحرام وللتسليم، مما يسبب أن يسبقه بعض المؤتمين، قالوا: ومن علامة جهل الإمام التطويل في تكبيرة الإحرام وتسليمة التحليل.
стр. 565
تطويل الإمام للسجدة الأخيرة
التاسع عشر من المكروهات: ما يفعله بعض الأئمة من تطويل السجدة الأخيرة، وبعض الناس لما سئل عن هذا قال: هذه سجدة مودع، انظروا إلى الفلسفة! فليس هذا من السنة بل هذا من الخرافات التي زادها بعض الناس.
стр. 566
التنكيس في قراءة السور
العشرون من المكروهات: التنكيس كأن يقرأ في الركعة الأولى سورة (قل أعوذ برب الناس) وفي الركعة الثانية (قل أعوذ برب الفلق).
стр. 567
المصافحة بعد الصلاة
الحادي العشرون من المكروهات: المصافحة بعد الصلاة، فهذا ليس من السنة، وفي بعض البلاد يقولون لمن أنهى الصلاة: حرماً فيجيب بقوله: جمعاً.
وهذه أمور زادوها استحساناً من عند أنفسهم، وليست من السنة، بل قد تفوت بعض الأشياء المستحبة، مثلاً كان الرسول ﷺ قبل أن يلتفت إلى الناس يستغفر الله ثلاثاً ويقول: (اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام) ثم يقبل على الناس بوجهه، فينبغي نهي الناس عن هذا بأسلوب طيب، فمن مد لك يده صافحه، ثم قل له: أنت تريد الخير، لكن المصافحة ليس محلها بعد الصلاة.
стр. 568
الأسئلة
стр. 569
حكم النفث في الصلاة
السؤال
ما حكم من كان عنده وسوسة في الصلاة فالتفت عن يساره ونفث؟
الجواب
إذا كان لحاجة يجوز، لحديث عثمان بن أبي العاص الثقفي ﵁ في صحيح مسلم قال: يا رسول الله! إن الشيطان قد لبس علي صلاتي، فقال ﵊: (ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسست في صلاتك فاتفل عن يسارك ثلاثاً واستعذ بالله منه)، قال عثمان: ففعلته فأذهبه الله عني.
وهذا التفل يكون أثناء الصلاة، أما بعد الصلاة فليس فيه فائدة، فالشيطان بعد الصلاة سيذهب، وهو يوسوس في الصلاة، والرسول ﷺ قال: (إن الشيطان إذا سمع الأذان ولى وله ضراط)، وفي لفظ آخر: (وله خبج كخبج الحمار) يعني: ليس ضراطاً خفيفاً وإنما كضراط الحمار، فإذا انتهى الأذان رجع إلى المسجد يوسوس بين الناس، فإذا سمع الإقامة ولى وله ضراط، فإذا انتهى رجع، فأول ما يدخل الناس في الصلاة يوسوس.
أحد الشيوخ الكرام يحكي فيقول: إن رجلاً أعطاه زكاة ماله، وكانت خمسين ألف ريال، يقول: فحملتها معي في السيارة، وكان معي الأهل والأولاد، فوضعت الشنطة في الصندوق في الخلف على أساس أن الأولاد أنزلهم في مكان ما، والشنطة أدخلها وأغلق عليها، قال: فأنزلت الأولاد ونسيت الشنطة في الصندوق ودخلت المسجد، وتنفلت وجلست أنتظر الإقامة - وهو داعية معروف - قال: فرآني إمام المسجد فجاء وسلم علي وبدأ يتكلم معي، قال: ثم أقسم عليه بالله أن يصلي بالناس، قال: فقمت وصليت بالناس، وبعد أن كبرت ذكرني الشيطان بالشنطة، قال: والله! ما أدري كيف صليت، قال: ما عقلت من الصلاة شيئاً، قال: فانتهيت فقام الإمام وحلف علي أن ألقي على الناس موعظة، قال: أعطيتهم كلمتين وخرجت أركض، والحمد لله وجدت الشنطة كما هي، قال: فأدخلتها وركبنا ثم أعدت الصلاة.
هكذا الشيطان، وجرب مرة عندما يكون عندك شيء ضائع مثل ورق مهم أو مال أو غير ذلك، فعندما تدخل في الصلاة فالشيطان يعطيك الحكاية كلها إلى أن تتذكره، فهذا هو حال الشيطان مع الآدمي، نسأل الله العافية.
стр. 570
حكم مسابقة الإمام
السؤال
ما حكم مسابقة الإمام؟
الجواب
مسابقة الإمام محرمة، ومماثلته مكروهة، وهذا صنيع كثير من الناس والله المستعان.
стр. 571
حكم الدعاء بعد بعض آيات القرآن
السؤال
بعض الناس يقول أقوالاً بعد بعض آيات القرآن، فما حكم ذلك؟
الجواب
ثبت أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٤٠] فقال: (بلى وأنا على ذلك من الشاهدين)، لكن أكثر العلماء يقولون: هذا خاص بصلاة النافلة، أما في صلاة الفريضة فلا يقال هذا، وكان الرسول ﷺ في صلاة النافلة إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بآية فيها عذاب استعاذ، وإذا مر بآية فيها ذكر للجنة قال: اللهم إني أسألك من فضلك.
أما ما يقوله بعض الناس إذا قرأ الإمام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فيقولون: استعنت بالله، فهذا من الأمور المكروهة، بل قد تبطل صلاتهم لأنه كلام أجنبي، والصلاة أفعال وأقوال مخصوصة، فلا تزد شيئاً من عندك.
стр. 572
أحكام صلاة الخوف
أحكام صلاة الخوف ينبغي أن يحيط بها كل مسلم؛ لأن كل مسلم ينبغي أن ينوي الجهاد، قال رسول الله ﷺ : (من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق)، فأحكام صلاة الخوف متعلقة بالجهاد، ولذلك كل إنسان ينبغي أن يحيط بها علماً.
стр. 573
حكم صلاة الخوف والدليل على مشروعيتها
صلاة الخوف سُنَّت لقتال مشروع سواء كان واجباً كالجهاد في سبيل الله والقتال دون النفس، أو جائزاً كالقتال دون المال، فالإنسان يقاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، أو يقاتل دون نفسه، يعني: لو أن إنساناً جاء يريد قتلك فلا تستسلم له، والرسول ﷺ قال: (من قتل دون نفسه فهو شهيد).
فواجب أن تدافع عن نفسك ولو أدى ذلك إلى قتل الآخر، فهذا قتال واجب.
وربما يكون القتال جائزاً كما لو كان قتالاً دون المال، كأن يأتي إنسان يريد أن يأخذ مالك، (جاء رجل إلى الرسول ﷺ فقال: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: لا تعطه، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: أنت شهيد، قال: أرأيت لو قتلته؟ قال: هو في النار).
والأصل في مشروعية صلاة الخوف قول الله : ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء:١٠٢].
стр. 574
كيفية صلاة الخوف
ثبت أن رسول الله ﷺ صلى صلاة الخوف مع أصحابه.
وفي غزوة الأحزاب شُغل الرسول ﵊ بمدافعة المشركين حتى غربت الشمس فقال: (شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً)، والصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
ثم أمر بلالاً أن يقوم إلى وادي بطحان فأذن وأقام الصلاة فصلى بالناس العصر بعد غروب الشمس، ثم أذن فأقام فصلى بالناس المغرب، وهذا قبل أن تشرع صلاة الخوف، فرحمة من الله بعباده لئلا تفوتهم الصلاة جعل للحرب صلاة خاصة اسمها صلاة الخوف، ولا تأثير للخوف على عدد الركعات، فصلاة الخوف ليست مثل صلاة السفر الرباعية تصير ركعتين، بل صلاة الخوف الأربع أربع، والثلاث ثلاث، والركعتان ركعتان.
فإن كانت في الحضر فتصلى على هيئتها، يعني لو أن العدو جاءنا إلى مكاننا -لا قدر الله- فنصلي الصلاة على هيئتها، وإذا سافرنا للعدو فإنها تقصر، فالظهر والعصر والعشاء تصلى ركعتين.
ورد في صفتها وجوه متعددة وكلها جائزة، وهذا الذي نسميه: اختلاف التنوع مثل الاختلاف في التشهد، أنت تتشهد فتقول: (التحيات لله والصلوات والطيبات) كما جاء في حديث ابن مسعود، وآخر يقول: (التحيات لله الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله).
ورجل يقول: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم).
وآخر يقول: (اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته).
وآخر يقول: (اللهم صل على عبدك محمد النبي الأمي) وهذا كله ثابت عن الرسول ﷺ .
كذلك ألفاظ الأذان، مؤذن يقول: (الله أكبر، الله أكبر) يكبر مرتين، ومؤذن في مسجد آخر يقول: (الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر) كبر أربع مرات، هذا كله جائز.
وكذلك في الإقامة، بعض الناس عنده الإقامة عشر كلمات: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، وهذا مذهب المالكية، وبعض المذاهب الإقامة عندها إحدى عشر كلمة مثل الشافعية والحنابلة، والحنفية عندهم الإقامة تسع عشرة كلمة، فيربعون التكبير، ثم يثنون الشهادة، ويثنون حي على الصلاة، ويثنون حي على الفلاح، ويثنون قد قامت، ويثنون التكبير، والشهادة في الأخير مرة واحدة.
وهذا كله نسميه اختلاف التنوع.
كذلك في الحج شخص يحج مفرداً، وهذا يحج قارناً، وهذا يحج متمتعاً، كله جائز، وهذا من اختلاف التنوع.
صلاة الخوف لها وجوه متعددة كلها جائز، منها ما رواه مالك والبخاري ومسلم عن صالح بن خوات عمن صلى مع النبي ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف.
وسميت بذات الرقاع، لأن الناس تقرحت أقدامهم فوضعوا عليها الرقاع.
روى صالح بن خوات عن بعض الصحابة (أن طائفة صفت مع الرسول ﵊، وصفت طائفة تجاه العدو -أي: مقابل العدو- فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائماً للركعة الثانية وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا تجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم).
فهذه هي الصفة المشروعة.
والخوف الموجب لهذه الصلاة لا يخلو من حالتين؛ الحالة الأولى: خوف هجوم العدو، وفي هذه الحالة يقسم الإمام الناس إلى طائفتين: طائفة تواجه العدو، وطائفة يصلي بها ركعة واحدة إذا كانت الصلاة ثنائية، ثم يقف الإمام ساكتاً أو قارئاً في الركعة الثانية وتتم الطائفة الأولى لنفسها ثم تنصرف تجاه العدو، على نفس الصفة التي ذكرها صالح بن خوات، وتأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية ويسلم الإمام ويتمون لأنفسهم، وإن كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية انتظرهم في جلوس التشهد.
الحالة الثانية: أن يشتد الخوف وتطول المعركة يعني: قد حمي وطيسها، وتأججت نيرانها، هناك رصاص يطلق، ورءوس تطير، ودماء تسيل، وأصوات تعلو، والخوف شديد، ولا يمكن في الحالة هذه أن يصلوا جماعة، فيصلون رجالاً قياماً على أقدامهم أو راكبين على آلياتهم، الذي في المدرعة في المدرعة، والذي في الدبابة في الدبابة، والذي في الطيارة في الطيارة، يصلون قياماً على أقدامهم أو ركباناً، مستقبلي القبلة إن تمكنوا أو غير مستقبليها؛ لأن الله قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة:٢٣٩].
وفي حديث ابن عمر: (فإذا كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها)، وهو يروي هذا عن رسول الله ﷺ .
والسنة أن تُصلى بأذان وإقامة، وعلى الإمام أن يعلمهم كيفيتها قبل الشروع فيها وجوباً إن جهلوها، وندباً إن علموها لاحتمال نسيانها، مثل صلاة الكسوف يستحب للإمام أن يشرح للناس أن صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان؛ لأن أكثر الناس لا يعرفونها، والذين يعرفونها قد ينسون، وفي بعض الأحيان حتى صلاة الجنازة قد تحتاج لشرح، وإن كان -والحمد لله- أغلب الناس يعرفونها.
стр. 575
الحكمة من مشروعية صلاة الخوف
من حكمة مشروعية صلاة الخوف بيان أهمية الصلاة وعظيم منزلتها في الإسلام، فلو تأملتم في أركان الإسلام الخمسة تجدون أن الأركان الأربعة تسقط أحياناً، فشهادة التوحيد تسقط عن الأخرس، والصيام يسقط عن الشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض المزمن، والزكاة تسقط عن الفقير، والحج يسقط عن الفقير، أما الصلاة فلا تسقط عن الشيخ الكبير، ولا عن المرأة العجوز، ولا عن الفقير، ولا عن الأخرس، ولا عن الأعمى، ولا عن الأعرج، ولا عن المريض حتى لو كان في مرض الموت فيجب أن يصلي، فإن عمر بن الخطاب لما طُعن ترك الصلاة لأنه تكلم وقال: طعنني الكلب، فالصلاة بطلت، فأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فأتم بالناس الصلاة، ثم حمل عمر إلى بيته وهو مغشي عليه ﵁، فلما أفاق قالوا: الصلاة الصلاة يا أمير المؤمنين، قال: أما إنه لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وصلى وهو على حاله عليه من الله الرضوان.
أيضاً من الحكم: بيان أهمية صلاة الجماعة، حيث لم يتركها النبي ﷺ في الحرب فكيف في السلم؟! ومن الحكم: بيان يسر الإسلام وسماحته، وأن الله رفع الحرج عن هذه الأمة، فعندما تتأمل في هذه الصلاة تدرك أن هذا الدين من عند الله، وعندما تتأمل في إباحة الكذب في حال الحرب تدرك أن هذا الدين من عند الله، ما يمكن لبشر أن يجلس ويشرع قوانين لحال الحرب والسلم والأمن والخوف والتشريعات في العبادات، وفي المعاملات، والجنايات، والأسرة، والميراث، والزواج، والطلاق، والعدة، وغير ذلك، وهذا كله في كتاب واحد فيه آيات معدودة، ليس كتاباً فيه مائة ألف آية أو خمسون ألف آية، فالقرآن ستة آلاف آية وزيادة، فهذا القرآن من عند الله وأحكامه لا تتناقض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢].
ومن الحكم: بيان كمال هذه الشريعة حيث شرعت لكل حالة ما يناسبها.
ومن الحكم أيضاً: تعظيم شأن الجهاد في الإسلام، وذلك للاستعداد له حيث إننا فوتنا كثيراً من شروط الصلاة وأركانها من أجل الجهاد، فهل يصح في الصلاة أن تستدبر القبلة؟ لا يصح، لكن في الجهاد يصح ذلك إذا اشتد الخوف.
وهل يصح في الصلاة أن الإمام يقوم للركعة الثانية، ويصلي المأموم الركعة الثانية بسرعة ويسلم ويترك الإمام قائماً؟ لا يصح، لكن في وقت الحرب كثير من أحكام الصلاة فوِّتت من أجل الجهاد.
стр. 576
فقه الصلاة_مبطلات الصلاة
للصلاة مبطلات كثيرة تنافي ما شرعت من أجله، وقد بين الفقهاء هذه المبطلات، واختلفوا في بعضها، فينبغي معرفة هذه المبطلات، ومعرفة الراجح فيما اختلف الفقهاء فيه، لئلا يقع المسلم دون انتباه منه في أحدهما.
стр. 577
من فضائل طلب العلم
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه, عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.
أما بعد: أيها الفضلاء! قبل الدخول في موضوع مبطلات الصلاة لابد من بيان جملة أمور: الأمر الأول: طلب العلم هو خير ما أنفقت فيه الأعمار، وبذلت فيه الجهود، وصرفت إليه أنواع الاهتمام؛ لأن العلم الشرعي باب عظيم لنيل رضوان الله ، والفوز بالجنة، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العمل رضاً بما يصنع، وإن طالب العلم ليستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر).
وثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إنما بعثت معلماً)، ويقول في القرآن الكريم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، وكانت مزية آدم ﵇ على الملائكة أن الله علمه ما لم تكن الملائكة تعلمه، كما قال : ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة:٣٢ - ٣٣].
فالله ميز آدم ﵇ بالعلم، وكذلك أصحاب النبي ﵊ تميز بعضهم بالعلم حتى فاق غيره؛ فعُرِف عن أبي هريرة ﵁ بأنه راوية الإسلام، وعُرِف عن معاذ بن جبل بأنه أعلم الأمة بالحلال والحرام، وعُرِف عن زيد بن ثابت بأنه أفرض هذه الأمة -أي: أعلمها بالفرائض-، وعُرِف عن أبي بن كعب بأنه أقرأ هذه الأمة: (ورأى رسول الله ﷺ في منامه رجالاً على كل منهم قميص؛ منهم من يبلغ قميصه ثدييه، ومنهم من يبلغ قميصه حقويه، ومنهم يبلغ قميصه ركبتيه، ورأى على عمر بن الخطاب قميصاً يجره جراً، قالوا: يا رسول الله! فما تأولته؟ قال: العلم).
стр. 578
بيان كون العلم سبب خيري الدنيا والآخرة
الأمر الثاني: أريد أن أنبه إلى أن العلم سبب لخير الدنيا والآخرة إن قرن بالعمل، فالعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل، ومطلوب من الإنسان أن يعمل بما علم وكما قيل: وعالم بعلمه لم يعملن معذب من قبل عباد الوثن
стр. 579
الفرق بين العقيدة والفقه
الأمر الثالث: العقيدة هي التي يسميها العلماء بالفقه الأكبر، وكما قال الإمام الغزالي رحمة الله عليه: إن كلمة الفقه من الألفاظ التي طرأ عليها التخصيص بغير مخصص، فصارت في اصطلاح المتأخرين تطلق على الإحاطة بجملة من الأحكام الشرعية العملية المستفادة من أدلتها التفصيلية، فصار الفقه قاصراً مفهومه على العبادات والمعاملات، والأنكحة، أو ما يسمى بالأحوال الشخصية والجنايات، وما أشبه ذلك، ولكن حقيقة الفقه هو: العلم بالطريق الموصل إلى الله.
أو كما قال بعضهم: الفقه هو: معرفة أحكام الله عقائد وعمليات.
فالعقيدة بفروعها كافة والحديث عن الله وأسمائه وصفاته، وأفعاله ﷻ ، والحديث عن أركان الإيمان، والحديث عن الجنة والنار، وعذاب القبر ونعيمه، هذا كله فقه، لكنه فقه القلوب؛ لأنه يتعلق بالعقائد التي تنعقد عليها القلوب.
ومطلوب منا معرفة هذين النوعين من الفقه: معرفة العقائد، ومعرفة العمليات، وهذا الذي عناه رسول الله ﷺ لما قال: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قيل: وما رياض الجنة يا رسول الله! قال: مجالس الذكر).
قال عبد الله بن مسعود ﵁: هي المجالس التي يتعلم فيها الحلال والحرام، أي: أن يتعلم المرء كيف ينكح كيف يطلق كيف يبيع كيف يشتري، هذه هي مجالس الذكر، وليست مجالس الذكر هي التي يردد فيها الناس لفظ الجلالة مفرداً، أو يرددون فيها يا لطيف! يا لطيف! أو يستعملون بعض الآلات وما أشبه ذلك.
ومجالس الذكر هي أن يغدو الإنسان إلى بيت من بيوت الله فيتعلم آية أو آيتين أو ثلاثاً، أن يجتمع مع إخوانه يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم، ويتذاكرون سنة رسول الله ﷺ وسيرته المطهرة، هذه هي مجالس الذكر.
стр. 580
بيان قدر الأئمة الأربعة
الأمر الرابع: هذه الدراسة التي نتناولها هي على مذهب مالك ﵀، ولعل قائلاً يقول: ولمَ ندرس مذهب مالك؟ ولم لا ندرس غيره؟
و
الجواب
أن الأمة قد اجتمع قولها على إجلال الأئمة الأربعة، وهم: الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، والإمام أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، والإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، والإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رحمة الله على الجميع.
ولا يعني ذلك أنه لا يوجد في الأمة سوى هؤلاء الأئمة، بل هناك مثلهم، ومن هو أعلم منهم، ومن هو دونهم، وكلهم إمام مقدم متبوع، وعلى رأس هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة، وكذلك عبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن عباس، فهؤلاء جميعاً لهم أقوال، ولهم فقه منثور في الكتب، ثم من بعدهم: الإمام أبو سعيد الحسن بن يسار البصري، والإمام أبو عمرو عبد الرحمن الأوزاعي، والإمام سفيان الثوري، والإمام خالد بن يزيد الكلبي المعروف بـ أبي ثور، والإمام الليث بن سعد المصري، والإمام داود بن علي الظاهري، والإمام سفيان بن عيينة فهؤلاء جميعاً أئمة كبار، لكن قيض الله لهؤلاء الأربعة تلاميذ حفظوا أقوالهم، وسجلوا آراءهم، وبعد ذلك نشروها، وفرعوا عليها، وقعدوا، وكتب الله لهم القبول.
والإمام مالك ﵀ إمام مقدم، من أئمة أهل السنة، عرف عنه العلم والورع والأدب الجم، وعرف عنه سلامة المعتقد، وصحة الاستدلال مع هيبة العلم ووقار التقى، كما قال القائل في مدحه: يدع الجواب فلا يراجع هيبة والسائلون نواكس الأذقان عز الوقار ونور سلطان التقى فهو المهاب وليس ذا سلطان فالإمام مالك ﵀ إمام مقدم بين أهل السنة؛ كان قوالاً بالحق: صموت إذا ما الصمت زين أهله وفتاق أبكار الكلام المختم وقد أثنى عليه الأئمة الكبار كـ أبي حنيفة والشافعي وأحمد رحمة الله على الجميع.
فإذا درسنا مذهب مالك ﵀ فإنما ندرسه؛ لأنه المذهب ولأن أقواله لا تخرج عن الكتاب والسنة مع التأكيد على أننا نعتقد -معشر أهل السنة- أنه ليس في هذه الأمة معصوم سوى رسول الله ﷺ ، فهو الذي لا ينطق عن الهوى.
أما سائر من دونه -بداية من أبي بكر ﵁ الذي هو خير هذه الأمة بعد نبيها وانتهاءً بمن دونه- فالكل يؤخذ من قوله ويرد، ويخطئ ويصيب، لكن هؤلاء الأئمة الكبار صوابهم أكثر من خطئهم، ولو كان لهم أخطاء في بعض الأقوال أو الفتاوى فهذه الأخطاء سيئات مغمورة في بحور حسناتهم، ولا أعني بالسيئات ما كان ضد الحسنة؛ لأنهم مأجورون أخطئوا أو أصابوا، كما ثبت عن نبينا ﷺ أنه قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد)، والمذموم: أن يقول الإنسان على الله ما لا يعلم، قال : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، وقال: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦].
والنبي ﵊ قال: (هلا سألوا إذ جهلوا، إنما شفاء العي السؤال)، وقال: (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار).
وقال ابن عباس ﵄: من ترك (لا أدري) أصيبت مقاتله، فعلى طالب العلم أن يعود لسانه على قول: لا أدري، كما كان الأئمة الكبار يفعلون ذلك.
стр. 581
مسئولية الإنسان عن أقواله وأفعاله
الأمر الخامس: علينا أن نعلم أننا مسئولون ومحاسبون عما ننطق ونتكلم به.
стр. 582
مبطلات الصلاة
مبطلات الصلاة على نوعين: النوع الأول: ما يكون سابقاً عليها، كفقد الطهارة، فإذا صلى إنسان من غير طهارة فصلاته باطلة، قال النبي ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، وقال ﷺ : (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول).
النوع الثاني: مبطلات تكون في أثناء الصلاة، فمن ترك ركناً عمداً أو سهواً ولم يتدارك ذلك أثناء الصلاة فإنها تبطل بذلك، وهذه المبطلات على مذهب مالك ﵀ وهي:
стр. 583
ترك فرض من فرائضها
أولاً: ترك فرض من فرائضها، وكلمة الفرض وكلمة الركن وكلمة الواجب عند جمهور العلماء معناها واحد؛ اللهم إلا في الحج فإنهم فرقوا بين الركن والواجب، أو بين الركن والفرض، فمثلاً: يقولون: الأركان في الحج أربعة: الإحرام، وطواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، ثم بعد ذلك يعددون الواجبات: الإحرام من الميقات، والمبيت بمزدلفة، والمقام بعرفة إلى أن يجمع بين الليل والنهار، ورمي الجمار في أيام التشريق، والمبيت بمنى، وطواف الوداع، وما إلى ذلك.
أما في الصلاة في الصيام في الزكاة فإن الركن والفرض والواجب بمعنى واحد.
والحنفية وحدهم هم الذين يفرقون بين الفرض والواجب، فحين نقول: تبطل الصلاة بترك فرض من فرائضها فالمقصود: بترك ركن من أركانها، سواء كان هذا الركن قولياً كقراءة الفاتحة، أو كان هذا الركن فعلياً كالركوع أو السجود.
فإن قيل: ما الدليل على أن الصلاة تبطل بترك ركن من أركانها؟ قلنا: حديث أبي هريرة ﵁ -وهو في الصحيحين- في قصة الرجل الذي أساء الصلاة وفيه: (أنه جاء والنبي ﷺ جالس مع أصحابه، وصلى صلاة سريعة، ثم جاء فسلم -وقال: السلام عليك يا رسول الله! قال: عليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل، فذهب الرجل فأعادها على تلك الهيئة، ثم جاء فسلم، فقال: عليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل، فذهب وأعادها ثالثة، ثم جاء فسلم، فقال: وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أحسن غيرها فعلمني فداك أبي وأمي، فقال له النبي ﷺ : إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، وكبر، واقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تطمئن قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن قاعداً وافعل ذلك في صلاتك كلها).
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ حكم ببطلان صلاة ذلك الرجل؛ لفقد ركن واحد من أركانها، وهو الطمأنينة؛ فقد أتى بكل أركانها، لكنه لما لم يطمئن قال النبي ﵊: (فإنك لم تصل)، فدل ذلك على أن ترك ركن من أركان الصلاة يجعلها باطلة، فإن تركها عمداً فقد بطلت، وإن تركها سهواً ولم يتدارك وطال الفصل فقد بطلت كذلك.
وأركان الصلاة هي: النية المعينة، وتكبيرة الإحرام، والقيام لها، وقراءة الفاتحة والقيام لها، والركوع والرفع منه، والسجود، والرفع منه، والطمأنينة، والاعتدال، والترتيب، والسلام المعرف بالألف واللام.
стр. 584
تعمد ترك ركن من أركانها الفعلية
الأمر الثاني: تعمد زيادة ركن من الأركان الفعلية، كركوع أو سجود، فلو أن إنساناً بدلاً من أن يركع مرة واحدة ركع مرتين معللاً ذلك بقوله: كما أني أسجد سجدتين أركع ركعتين، أو أنه بدلاً من أن يسجد سجدتين سجد ثلاثاً، فهذا تلاعب بالصلاة، وقد اتفق أهل العلم على أن من تعمد زيادة ركن فعلي فقد بطلت صلاته؛ لأن هذا تلاعب بالصلاة، والدليل على هذا قول رسول الله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وقوله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) كما جاء ذلك في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂.
قال العلماء: قوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) هو مقياس العمل في الباطن، وقوله: (من عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) مقياس العمل في الظاهر، فمن أجل أن يقبل العمل عند الله لابد أن يستقيم الباطن والظاهر، فلو أن إنساناً جاء إلى المسجد ولم تخرجه الصلاة وإنما خرج مجاملة أو لشهود عقد نكاح، أو لأن هناك مبايعة يريد أن يتمها، أو يقصد إنساناً له عليه دين يريد أن يقابله في المسجد ونحو ذلك؛ فليس له أجر، ولو أن إنساناً خرج ونيته الصلاة، لكن صلى على غير الصفة المشروعة فزاد في الأركان ونقص فأيضاً لا تقبل منه.
ولو أن الإنسان تعمد زيادة ركن قولي كالفاتحة، أو كبر تكبيرة الإحرام مرتين، فالمشهور عند الأئمة الأربعة أنها لا تبطل، وإنما البطلان متعلق بزيادة الركن الفعلي.
ويقول المالكية أيضاً: لو سها فأخرج الصلاة عن صفتها بأن صلى -مثلاً- الصلاة الثنائية أربعاً، والصلاة الثلاثية كالمغرب صلاها ستاً، والصلاة الرباعية كالظهر والعصر والعشاء صلاها ثمانياً ساهياً فإنها تبطل، وهذا السهو لا يغتفر؛ لأنه أخرج الصلاة عن صفتها وعن شكلها.
وقد جاء في صحيح مسلم أن الوليد بن عقبة صلى بالناس في الكوفة على عهد عثمان ﵁ الصبح أربعاً، ثم التفت إليهم، وقال: أزيدكم؟ فقال له أحدهم: والله ما زلنا في زيادة منذ أن وليت علينا.
فعزله عثمان ﵁ وجلده؛ لأنهم ذكروا عنه أنه كان شارباً الخمر.
стр. 585
الانشغال بما يشغل عن أداء ركن من أركانها
الأمر الثالث: ما يشغل عن أداء ركن من أركانها، مثاله: من صلى ضاماً فخذيه؛ مدافعة للأخبثين: البول والغائط، ومثله: إنسان يعاني من الغثيان، ففي كل حين يمسك بفمه تارة وببطنه أخرى فهو في شغل عن الصلاة، ففي مثل هذه الحال تبطل صلاته، والأصل في ذلك حديث أمنا عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان).
والأخبثان: البول، والغائط.
وهكذا المريض بمرض السكر إذا دافع البول خوفاً من خروجه، حتى اضطر إلى الجلوس؛ خوفاً من خروج البول؛ فإن صلاته تبطل.
وكذلك من وضع شيئاً في فمه وشغله ذلك عن قراءة الفاتحة وبدأ يعاني ما يعاني فإنها تبطل صلاته.
ولابد أن نعرف بأن الطعام هنا مقيد بالحاجة، فمثلاً: لو جئت إلى البيت جائعاً، وقد استبد بك الجوع، فأقيمت الصلاة في المسجد فكل، ثم بعد ذلك صل، وقد جاء عن ابن عباس ﵁ أنه كان بين يديه شواء، فأقيمت الصلاة فقال: (لا تعجلونا حتى نفرغ) أي: حتى يقضي الإنسان نهمته من الطعام، لكن لو لم تكن للإنسان في الطعام حاجة، كأن يكون قد أخذ حاجته من الطعام، وإنما ينتظر غيره، من فاكهةٍ أو حلوى أو غير ذلك، فلو جلس إلى هذا فقد ارتكب إثماً؛ لأن هذا ليس قوتاً، ولا ضرورياً، فالواجب تركه وإدراك الصلاة.
стр. 586
الضحك
الأمر الرابع: الضحك في الصلاة، فمن ضحك في صلاته فقد بطلت؛ فقد أجمع أهل العلم على أن الضحك في الصلاة مبطل لها، وهذا الإجماع حكاه الإمام أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى.
ومن ابتسم في صلاته فأكثر العلماء على أن الصلاة لا تبطل بذلك، لكن الذي يسبب البطلان هو القهقهة والضحك.
وجمهور العلماء على أن صلاة من ضحك فيها باطلة والوضوء صحيح، وانفرد الإمام أبو حنيفة ﵀ فقال: تبطل الصلاة والوضوء، واستدل على ذلك بحديث ضعيف فيه: (أن قوماً ضحكوا في الصلاة، فأمرهم النبي ﷺ أن يعيدوا الوضوء والصلاة).
ورد عليه العلماء فقالوا: أولاً: الحديث لا يثبت، ثانياً: أنه مناقض للأصول؛ إذ كيف يكون الشيء ناقضاً في الصلاة، ولا يكون ناقضاً خارجها؟!! ولذلك لو أن إنساناً توضأ ثم لقي إنساناً فضحك معه فوضوءه لا يبطل باتفاق الحنفية، وغيرهم يقولون: لا يبطل وضوءه ولو ضحك في الصلاة؛ إذ كيف يبطل الضحك الوضوء في الصلاة ولا يبطله خارج الصلاة؟ وردوا على الحنفية بأن قياسكم هذا مناقض للأصول.
стр. 587
تعمد النفخ فيها
الأمر الخامس: تعمد النفخ في الصلاة، وقيده بعض العلماء بإذا بدا منه حرفان، والدليل على ذلك حديث أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال لـ أفلح، -وهو غلام من غلمان النبي ﵊: (يا أفلح! ترب وجهك).
وهذه كلمة لوم، مثل قوله ﷺ لـ معاذ: (ثكلتك أمك يا معاذ!)، ولما أراد النبي ﷺ أن ينفر بعد حجة الوداع ويرجع إلى المدينة قيل له: (يا رسول الله! إن صفية قد حاضت، ولم تطف) يعني: لم تطف طواف الإفاضة، فقال: (عقرى حلقى) يعني: يدعو عليها بذهاب الشعر (أحابستنا هي؟ ثم قيل: قد طافت، فقال: فانفروا إذاً).
قال العلماء: هذا كله ليس على ظاهره؛ لأن الرسول ﷺ عندما يقول لأحد أصحابه: ثكلتك أمك، أو ترب وجهك، أو تربت يمينك، أو حلقاء عقرى، أو مثل ذلك من الكلام، فإنه لا يراد به ظاهره، وإنما هو على ما جرى به لسان العرب.
فهذا الغلام كان إذا سجد نفخ، فقال له النبي ﷺ : (ترب وجهك).
وجاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (النفخ في الصلاة كلام) وهذا موقوف عليه، والحديث الأول -الذي هو حديث أفلح - رواه الإمام الترمذي، وقد ضعفه بعض أهل العلم؛ لأنه من رواية ميمون أبي حمزة.
أما حديث ابن عباس ﵁ فقد رواه سعيد بن منصور في سننه، قال ابن المنذر: ولا يثبت.
فالنفخ يبطل الصلاة ليس استدلالاً بحديث ابن عباس، ولا بحديث أم سلمة في خبر أفلح، وإنما لأن النفخ بمنزلة الكلام، فلذلك تبطل الصلاة بالنفخ.
стр. 588
الأكل والشرب
الأمر السادس الذي تبطل به الصلاة: الأكل أو الشرب، والدليل على ذلك الإجماع، قال ابن المنذر ﵀: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من أكل أو شرب في صلاة الفرض عامداً أن عليه الإعادة ولو أكل لقمة.
قال أهل العلم: ويعفى عن الشيء اليسير، كحبة بين أسنانه، وبعض الناس في رمضان يأكل التمر، ثم بعد ذلك يصلي دون أن يتمضمض، وفي أثناء الصلاة يعبث بلسانه بين ثناياه، ويبتلع ما يخرج منها، والأولى ألا يفعل ذلك؛ لأن بعض العلماء يبطلها حتى بالحبة اليسيرة، بل بعضهم يبطلها حتى بالنخامة التي تأتي من الرأس إذا بلعها في أثناء الصلاة.
ويلاحظ في كلام ابن المنذر أنه قيد الإعادة بالفرض؛ لأن العلماء ﵏ يقولون: إن النفل أوسع من الفرض، بمعنى: أنه يجوز في النفل ما لا يجوز في الفرض، وقد روي عن بعض الصحابة أنه كان يشرب في صلاة النفل.
ومما يدل على أن النفل أوسع من الفرض: أن الإقامة مخصوصة بالفريضة، وما عرف عن رسول الله ﷺ أنه كان يقيم للنافلة، ولو صلاها جماعة كصلاة الكسوف، والخسوف، والاستسقاء، والتراويح في رمضان.
стр. 589
تعمد القيء
الأمر السابع: تعمد القيء، إلا إذا غلبه وكان طاهراً يسيراً أي: قليلاً ولم يبتلع منه شيئاً.
وهذه كلها احترازات، فإذا ابتلع منه شيئاً فقد تحقق أنه أكله؛ لأن القيء نتاج الطعام.
وقولهم: وكان طاهراً لأنه إذا مكث الطعام في جوف الإنسان زماناً فتغيرت رائحته وتغير لونه فإنه قد خرج من حد الطهارة إلى النجاسة، فهذا أيضاً تبطل به الصلاة، وإذا تعمد القيء مطلقاً بطلت صلاته.
إذاً: لا تبطل الصلاة إذا ذرعه القيء، أي: غلبه وكان طاهراً، أي: لم يتغير؛ بأن أكل قبل قليل ثم قاء، وكان شيئاً يسيراً وليس كثيراً.
стр. 590
الكلام لغير إصلاحها
الأمر الثامن: الكلام إلا القليل لإصلاحها، فمن تكلم في الصلاة لغير مصلحة الصلاة فقد بطلت صلاته، والدليل على ذلك حديث زيد بن أرقم ﵁ قال: (كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جانبه، حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨].
فأُمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام).
وقوله هنا: أُمرنا ونهينا، معناه: أن الآمر والناهي هو رسول الله ﷺ ، فهو في حكم المرفوع.
وكذلك جاء في حديث معاوية بن الحكم السلمي: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من الكلام، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن) فـ معاوية بن الحكم ﵁ جاء، وما كان يعرف بأن الصلاة قد منع فيها الكلام، فكبر، ثم سأل من بجواره: كم صليتم؟ قال: فما ردوا علي شيئاً، ثم عطس أحد الناس، فقلت له: يرحمك الله، فرمقني الناس بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه! ما لكم تنظرون إلي؟ قال: فأخذوا يضربون أفخاذهم، فسكت، قال: فلما سلم دعاني رسول ﷺ فوالله! ما رأيت معلماً أحسن منه، فداه أبي وأمي، والله! ما نهرني، ولا كهرني، ولا ضربني، ولكن قال لي: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن.
وأما الكلام القليل لإصلاحها فلا يبطلها، مثاله: إذا قام الإمام إلى خامسة فقلت له: سبحان الله! سبحان الله! فإذا لم ينتبه فقلت له: أتممت أربعاً، أو الصلاة تامة فهو كلام قليل يسير؛ يقصد به الإصلاح.
والدليل على ذلك: (أن الرسول ﷺ صلى بالصحابة إحدى صلاتي العشي -الظهر أو العصر- فسلم بعد ركعتين، ثم قام ﵊ واستند على المنبر، وشبك بين أصابعه على هيئة المغضب، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابوا أن يكلموه، فقال ذو اليدين -وسمي ذي اليدين إما لأن يديه طويلتان، أو لأنهما قصيرتان-: يا رسول الله! قصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: ما قصرت ولا نسيت، قال: بل نسيت، فقال ﷺ : أحقاً ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم يا رسول الله.
فاستقبل ﷺ القبلة، وصلى ركعتين، ثم سجد للسهو).
فهنا حصل كلام، لكن النبي ﷺ بنى على ما مضى، ولم يستأنف الصلاة، فوجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ بنى على ما مضى، فدل ذلك على أن الكلام القليل لإصلاحها لا يبطلها.
أما إذا حصل الكلام في الصلاة -ولو كان بآيات، والمقصود الكلام- فقد بطلت الصلاة مثال ذلك: طرق الباب طارق، وقلت: (أدخلوها بسلام آمنين) فالصلاة باطلة.
وهكذا لو أن أحداً من الناس سألك وأنت في الصلاة: ما مالك؟ فقلت: (والخيل والبغال والحمير) فصلاتك باطلة، أو لو أن إنساناً في الصلاة أتى بأمر عجيب، وذكرت آية أو بعض آية وقلت: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨]، أو لو أن إنساناً تكلم بمصيبة، أو ذكر أن فلاناً قد مات، فقلت: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦] فصلاتك باطلة، ولو سألك شخص: من أين جئت؟ وأنت في الصلاة، وقلت: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج:٤٥] فصلاتك باطلة، أو لو أن إنساناً في الصلاة قال لك: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠]، فقلت: (لا إله إلا الله) بطلت أيضاً؛ لأنك قصدت الكلام، ولو جاء إنسان -مثلاً- يطلب كتاباً فقلت وأنت في الصلاة: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم:١٢] فصلاتك باطلة، ولو أنك جائع، وأنت تصلي الظهر أو العصر فدخلت الزوجة، فقلت: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف:٦٢] فأيضاً صلاتك باطلة.
فالمقصود بأنك إذا نويت الكلام ولو كان بالقرآن فقد بطلت الصلاة، لكن إذا كان الكلام قليلاً وقصد به إصلاحها فلا تبطل الصلاة.
فإن قيل: إن النبي ﷺ أمر المسيء صلاته أن يعيد، ولم يأمر معاوية بن الحكم أن يعيد، مع أن الأول ارتكب مبطلاً وهو ترك الطمأنينة، والثاني ارتكب مبطلاً وهو الكلام، فلمَ أمر أحدهما بالإعادة ولم يأمر الثاني؟ ف
الجواب
أن معاوية بن الحكم معذور بحداثة التشريع؛ لأن نزول قول الله : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] رافع للأصل الذي هو إباحة الكلام، فلما ارتفع هذا الأصل ولم يعلم معاوية برفعه عذره رسول الله ﷺ ، بينما الآخر المسيء صلاته الأصل وجوب الطمأنينة، ولذلك أمره النبي ﷺ بإعادة الصلاة التي صلاها، ولم يأمره بإعادة ما مضى، فكأنه ﷺ عذره لجهله فيما مضى، ولم يعذره للجهل في تلك الصلاة الحاضرة.
стр. 591
السلام مع الشك في تمامها
الأمر التاسع: من سلم شاكاً في تمام صلاته، فلو أن إنساناً غلب عليه الشك هل صلى ثلاثاً أم أربعاً في الصلاة الرباعية، فسلم، وهو في حال شك، فهذا صلاته باطلة؛ لأن رسول الله ﷺ حكم على الشاك بألا يسلم فقال ﵊: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى: أثلاثاً أم أربعاً؟ فليصل ركعة، وليسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم) يعني: إما أنه يستيقن فيبني على ما استيقن، فإن استيقن التمام بعدما طرأ له الشك فلا كلام، وأما إن استمر معه الشك فواجب عليه أن يبني على الأقل، فإذا كان قد شك أصلى اثنتين أم ثلاثاً؟ فليجعلها اثنتين.
وإذا شك أصلى ثلاثاً أم أربعاً؟ فليجعلها ثلاثاً، وليأت برابعة، فإن كانت تمام الصلاة فالحمد لله، وإن كانت زيادة كان فيها ترغيم للشيطان.
كما أخبر النبي ﵊.
واستثنى العلماء هنا مسألة -وهي الآن غير موجودة- وذلك إذا دعاك رسول الله ﷺ وأنت في الصلاة فإنه يجب عليك أن تجيبه، والدليل على ذلك حديث أبي سعيد بن المعلى في صحيح البخاري قال: (كنت أصلي، فدعاني رسول الله ﷺ ، فلما فرغت أتيته) يعني: أن هذا الصحابي ما أجابه في الصلاة، وإنما انتظر إلى أن فرغ، ثم جاء إلى النبي ﷺ ، فقال له ﵊: (ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟ فقال: يا رسول الله! كنت أصلي، فقال ﵊: ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]) فها هنا تنازع الإنسان أمران: الصلاة فريضة، وإجابة النبي ﷺ أيضاً فريضة، ومعلوم أنه إذا تزاحمت الواجبات نقدم الأهم فالمهم، فهنا نقدم إجابة الرسول ﷺ ، ثم بعد ذلك الصلاة يمكن تداركها.
وأيضاً: لو كان الإنسان في صلاة، فرأى أعمى يسير نحو هاوية، كأن أوشك أن يقع في بئر أو حفرة، ففي هذه الحالة يترك الصلاة وينقذ هذا الأعمى، أو يتكلم مع هذا الأعمى ويقول له: أمامك حفرة يا فلان! أو أمامك نار، ثم يستأنف صلاته.
يعني: يبدأ من جديد، ولا إثم عليه إن شاء الله.
стр. 592
سجود المسبوق الذي لم يدرك ركعة سجود السهو
الأمر العاشر: سجود المسبوق الذي لم يدرك ركعة مع الإمام سجود سهو قبلياً كان أو بعدياً.
مثاله: لو جئت إلى صلاة العشاء وأدركت مع الإمام التشهد الأخير، فإذا سجد هذا الإمام سجود سهو -سواء كان قبلياً أو بعدياً- فسجدت معه بطلت صلاتك؛ لأنك في هذه الحالة تنزل منزلة من تعمد زيادة ركن فعلي؛ لأنك لست في حكم المأموم.
قال رسول ﷺ : (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، معنى ذلك أنك لو لم تدرك ركعة فلا تعد مأموماً؛ لذلك لا تسجد مع الإمام لا قبلياً ولا بعدياً، أما إذا أدركت مع الإمام ركعة فأنت مأموم، فإذا سجد الإمام سجوداً قبلياً فاسجد معه، أما إذا سجد سجوداً بعدياً فلا تسجد معه، بل أتم صلاتك، ثم اسجد بعد الصلاة.
فالخلاصة: أن من أدرك ركعة يسجد مع الإمام السجود القبلي، أما السجود البعدي فلا، بل يقوم ويتم صلاته، ثم يسجد بعد السلام كما فعل الإمام.
أما إذا لم يدرك مع الإمام شيئاً وذلك بأن جاء في التشهد الأخير، أو جاء في السجدة الأخيرة، أو جاء بعدما رفع الإمام من الركوع في الركعة الرابعة، فحكمه: ألا يسجد لا قبلياً ولا بعدياً، ولو سجد فصلاته باطلة؛ لأنه تعمد زيادة ركن فعلي، وهذه المسألة انفرد بها مالك ﵀، أما الأئمة الثلاثة فيقولون: من أدرك مع الإمام من الصلاة ولو لحظة قبل السلام فقد أدرك الصلاة، فيسجد مع الإمام السجود القبلي.
стр. 593
ترك سجود السهو القبلي الناشئ عن ثلاث سنن
الأمر الحادي عشر: ترك سجود السهو القبلي إن كان ناشئاً عن ثلاث سنن وطال، مثلاً: إذا صليت الصبح فقرأت الفاتحة، ثم ركعت ونسيت قراءة السورة، فهذه ثلاث سنن: السورة قراءتها سنة، والقيام لها سنة، والجهر بها سنة أو في الركعة الأولى من صلاة الظهر بعد الفاتحة إذا ركعت، ونسيت السورة، فقد تركت ثلاث سنن: السورة سنة، والقيام لها سنة، والإسرار بها سنة، فيجب عليك سجود السهو القبلي، فإن تركته وطال الفصل فصلاتك باطلة، والطول هنا محدد بالعرف، فمثلاً: لو أنك نسيت سجود السهو، ثم بعد ذلك قمت، فصليت السنة، ثم بعد ذلك تكلمت مع بعض الناس، ثم خرجت خارج المسجد، ثم تذكرت أنك لم تسجد للسهو، فإنهم يعتبرون هذا فاصلاً طويلاً، فلا بد من إعادة الصلاة.
فإن قيل: لمَ حددوه بالثلاث؟ ف
الجواب
قالوا: لأن الثلاث هي أول حد الكثرة.
بمعنى: لو أنك تركت سنتين مثلاً: تركت التكبير للركوع، وهذه سنة، وتركت التسميع -قول سمع الله لمن حمده- وهذه سنة، فهذا معفو عنه، أما إذا كانت السنن ثلاثاً فأكثر، وتركت سجود السهو لها، فإن الصلاة تبطل.
стр. 594
الأفعال الكثيرة
الأمر الثاني عشر: الأفعال الكثيرة، والمالكية ﵏ عندهم حد الكثير أنه إذا نظر إليه الناظر لا يظنه في صلاة.
والشافعية يحدون الكثير بالثلاث حركات في الركن الواحد، فإذا تحرك عندهم الإنسان ثلاثاً تبطل الصلاة، وبعضهم قال: الأفعال الكثيرة هي التي تحتاج إلى اليدين معاً، أما ما كان بيد واحدة فيعد قليلاً.
فمثلاً لو أن إنساناً عبث بلحيته فإنه يحتاج إلى يد واحدة، أما العمامة فتحتاج إلى اليدين كلتيهما، لكن عند المالكية أن الأفعال الكثيرة -كعبث بلحية، وحك جسد، وإصلاح رداء، ونحوه- إذا أكثر الإنسان منها بطلت صلاته، وهذا موجود عند بعض الناس اليوم، فتجده في الصلاة تارة يحك، وتارة يعبث، وتارة ينظف أظافره، وتارة يعبث بجيوبه، وتارة ينظر في الساعة، ولربما لو كانت الكهرباء مقطوعة ثم جاءت فإنه يرفع نظره ليتأكد من المراوح هل اشتغلت أم لا، فهذا تبطل صلاته.
أما الأفعال القليلة فلا تضر، وذلك كإصلاح رداء، ودفع مار، وإشارة بيد، والأدلة على ذلك كثيرة، منها: الدليل الأول: (أن النبي ﷺ صلى وهو حامل أمامة بنت زينب، فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها).
الدليل الثاني: (أن النبي ﷺ خلع نعليه وهو في الصلاة).
وهذه حركات.
الدليل الثالث: (أن النبي ﷺ أمر بقتل الأسودين في الصلاة)، والأسودان: العقرب، والحية، وسميت الحية حية لطول حياتها، وهذه حكمة الله في أن الأشياء المؤذية حياتها طويلة، وأعظم الأشياء إيذاءً إبليس، وهو أطول الخلق عمراً.
الدليل الرابع: (أن النبي ﷺ فتح الباب لـ عائشة وهو في الصلاة).
وهذه كلها أحاديث صحاح ثابتة.
الدليل الخامس: كان الرسول ﷺ في الصلاة وأمامه سترة فجاءت جارية لتمر بين يديه، فما زال ﷺ يتقدم حتى مرت من خلفه، وكذلك جاءت شاة لتمر فتقدم ﷺ حتى مرت من خلفه، وأيضاً في صلاة الكسوف كان الرسول ﷺ يصلي بالناس، فتناول شيئاً ثم وهو في الصلاة تراجع ﵊، حتى ركب الناس بعضهم بعضاً، ثم بعد الصلاة سألوه، فقال ﷺ : (رأيت الجنة والنار في مقامي هذا، فتناولت عنقوداً من عنب الجنة، لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار -وهذا سبب رجوعه ﵊ فلم أر كاليوم قط منظراً أفظع، ورأيت أكثر أهلها من النساء).
وبالمناسبة فإن النساء أكثر أهل النار وأكثر أهل الجنة.
فالشاهد أن الحركة حصلت من الرسول ﵊ كما في هذه الأحاديث كلها.
ولما نزل عليه جبريل وأخبره أن في نعليه نجاسة خلعهما وهو في الصلاة، فدل ذلك على أن الفعل القليل في الصلاة لا يضر.
وهذا لا يسلم منه أحد إلا من رحم الله، فالإنسان في الصلاة قد يحتاج إلى حك جسد، أو إصلاح رداء، أو دفع مار، ونحو ذلك، فهذا معفو عنه.
أما إذا كانت الصلاة كلها عبثاً ولعباً فهذه الصلاة باطلة نسأل الله العافية.
стр. 595
الفتح على غير الإمام
الأمر الثالث عشر: الفتح على غير إمامه، فإذا كان الإمام يقرأ وارتج عليه، وبعض الناس فتح عليه فهذا لا مانع منه، لكن الفتح له آداب، فمثلاً: تجد في صلاة التراويح أن الإمام لو تنحنح أو أراد أن يأخذ نفساً أو بعض الأئمة الموفقين ربما يغلبه البكاء فتجد بعض الناس من خلفه معه مصحف فيباشر بالرد سريعاًً، فمثلاً: لو أن الإمام وقف عند قوله: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات:١]، فمباشرة يقول له: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات:٢]، ويبدأ يطارد الإمام، وكذلك لو أن الإمام سكت أو أخطأ تجد أن المسجد كله يرد عليه، وهذا لا ينبغي، ولذلك قال الرسول ﷺ : (ليلني منكم أولو النهى والأحلام).
فحبذا لو ترك للإمام الفرصة، بل قال بعض المالكية: نتركه إلى أن يردد الآية ثلاثاً، فإذا قرأ: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات:١].
ثم سكت، ثم قال: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات:١]، ثم سكت، ثم قال: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات:١].
ففي هذه الحالة نقول له: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات:٢] فيفتح على الإمام، لكن مطاردة الإمام هذه ليست مطلوبة.
والدليل على جواز الفتح على الإمام حديث عبد الله بن عمر: (أن النبي ﵊ صلى صلاة فقرأ فيها، فلبس عليه) لأنه ﵊ بشر، وقد قال: (إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني)، قال: (فلبس عليه ﵊، فلما انصرف قال لـ أبي: أصليت معنا؟ قال: نعم، قال: فما منعك).
يعني: فما منعك أن تفتح علي؟ أو ما منعك أن تذكرني؟ أو ما منعك أن تلقنني؟ فدل ذلك على أن المأموم يستحب له أن يفتح على الإمام.
أما مسألة الفتح على غير الإمام فإن صورتها: أن يكون رجل يصلي خلف إمام وآخر يقرأ بجانبه، فقرأ الذي بجانبه مثلاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البينة:٧]، وارتج عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البينة:٧] فأشفق عليه الذي في الصلاة فقال له: ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٧]، فإنه بهذا تبطل صلاته.
والعلة: أن هذا تعليم وتعلم، فكان من جنس كلام الناس.
وأريد أن أنبه هنا على أمرين: الأمر الأول: أن الفقه يقوم على دعامتين، الدعامة الأولى: الدليل.
والدعامة الثانية: التعليم.
يعني: أن الأدلة لابد أن تحفظ سواء كانت آية أو حديثاً والتعليم أيضاً احرص عليه، وليس بالضرورة أن تعبر بنفس الكلام الذي أملي عليك، بل يمكن أن تعبر من عندك، لكن بشرط أن يكون المعنى هو هو.
فالفتح على غير الإمام تبطل به الصلاة؛ لأنه لا يعد صلاة، وإنما يعد درساً.
стр. 596
الإحداث فيها
الرابع عشر: من أحدث في الصلاة، مثل إنسان كان يصلي فسبقه الحدث فتبطل صلاته؛ لحديث علي بن طلق قال رسول الله ﷺ : (إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينطلق وليتوضأ، وليعد الصلاة).
وأبو هريرة ﵁ لما ذكر الحديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) فسأله رجل من حضرموت: ما الحدث؟ قال: فساء أو ضراط.
قال أهل العلم: فسر أبو هريرة الحدث ببعض أفراده؛ لأن كلمة (الحدث) ليست الفساء والضراط وحدهما، وإنما من بال وهو في الصلاة أو تغوط وهو في الصلاة فإنها تبطل بذلك.
فإن قيل: لمَ فسر أبو هريرة الحدث بهذين: الفساء والضراط؟ قالوا: لأنهما يقعان غالباً في الصلاة أكثر من غيرهما، فيمكن أن الواحد وهو في الصلاة يحصل منه فساء أو ضراط، ولكن نادراً أن الإنسان يبول أو يتغوط في الصلاة.
ففسر الحدث ببعض أفراده لغلبته في الصلاة، أو تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، يعني: إذا كان الفساء والضراط حدث، فمن باب أولى البول والغائط، وهذا كما قال ربنا : ﴿َلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء:٢٣]، إذاً: من باب أولى لا تنهرهما ولا تضربهما، ولا تشتمهما.
وكما قال النبي ﷺ : (لعن الله السارق يسرق البيضة).
فالذي يسرق دجاجة أو يسرق ديكاً لا شك أنه ملعون من باب أولى.
стр. 597
نسيان الحدث
الأمر الخامس عشر: نسيان الحدث كإنسان دخل في الصلاة وهو لا يدري أنه محدث، قال رسول الله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ).
стр. 598
أصول مبطلات الصلاة عند المالكية
هذه مبطلات الصلاة عند المالكية، وهي خمسة عشر، وفي بعض كتب المالكية يفصلون أكثر، لكن مردها إلى هذه الخمسة عشر، فمثلاً: قالوا: رفض النية، أي: تركها وإبطالها، وهذا يندرج تحت تعمد ترك ركن من الأركان؛ لأن النية ركن، فلو أنه ترك النية، يعني: في أثناء الصلاة عزم على الخروج منها تبطل صلاته، وهكذا لو علق النية، فمثلاً: زيد إنسان مدين لك، وعنده مال، وقلت في نفسك: أنا جئت أتفقد زيداً فلعل زيداً إن رآني هرب، فأنا أضمرت في نفسي: إن جاء زيد وأنا في الصلاة خرجت، من أجل أن أمسك به، فهذا مندرج تحت تعمد ترك ركن من أركان الصلاة.
أيضاً ذكروا من المبطلات: تعمد زيادة تشهد بعد الركعة الأولى أو الثالثة، وهذا يدخل في تعمد زيادة ركن فعلي، والتشهد ليس ركناً، وإنما الجلوس هو الركن، فإن من أركان الصلاة السلام من جلوس، فلو سلمت في الصلاة وأنت قائم فصلاتك ليست صحيحة.
كذلك قالوا: التصويت عمداً كأن يصوت وهو في الصلاة مثل صوت الغراب، أو زجر هرة فقال: بس: م الله الرحمن الرحيم، فهذا صلاته باطلة.
كذلك ذكروا من مبطلات الصلاة: طروء ناقض للوضوء، وهذا هو الذي ذكرناه أخيراً، فإنه داخل تحت من أحدث في الصلاة.
أيضاً ذكروا من النواقض: كشف العورة المغلظة، وهذه داخلة في النواقض التي هي قبل الصلاة؛ لأنه اختل شرط من شروطها، يعني: من صلى قبل دخول الوقت نقول: صلاته باطلة، ومن صلى إلى غير القبلة فصلاته باطلة، ومن صلى دون أن يستر العورة فصلاته باطلة، ومن صلى بغير طهارة فصلاته باطلة؛ وذلك لتخلف شرط من شروط صحة الصلاة.
فهو أصلاً دخل في الصلاة دون أن يحصل شروطها.
أيضاً: طروء نجاسة على المصلي، أو علمه بها أثناء الصلاة، أو طروء شاغل عن إتمام فرض، وقد ذكرنا منه اثنين: ما يشغل عن أداء الفرض، ومثلنا له باحتباس البول، أو غثيان النفس، أو كثرة الهم، بحيث إنه لا يعقل كم صلى؟ ولا يعقل من صلاته شيئاً.
وهذا يحصل أحياناً.
أيضاً: الردة، نسأل الله العافية، وأعاذنا الله منها! فلو أن إنساناً ارتد في أثناء الصلاة فإنه تبطل صلاته، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧]، والآية هنا من قبيل اللف والنشر المرتبين، يعني: أنهما فعلان ترتب عليهما عقوبتان، فالفعلان: ((وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ))، والعقوبتان: ((فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) يعني: كل فعل تقابله عقوبة؛ لئلا يقول قائل بأن في الآية: ((فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ))، فإذا ارتد في صلاته ثم رجع إلى الإسلام فإنه تكون صلاته صحيحة، ويبني على ما مضى، بل نقول له: لا؛ لأنه لما ارتد حبط عمله، ومن جملة العمل الصلاة، وعلى هذا تكون باطلة.
كذلك ذكر المالكية من جملة النواقض: الاتكاء على عصاً أو حائط لغير عذر، قالوا: لأنه يكون مخلاً بالقيام، فيدخل هذا الناقض في الناقض الأول الذي هو تعمد ترك ركن من أركانها، ومن أركان الصلاة القيام للقادر عليه.
стр. 599
مبطلات الصلاة التي ذكرها الحنفية ولم يذكرها المالكية
الحنفية رحمة الله عليهم ذكروا مبطلات غير التي قالها المالكية، ومن ذلك: الدعاء بما يشبه كلام الناس، كأن يقول: اللهم زوجني فلانة، فمن قال هذا وهو في الصلاة فعند الحنفية صلاته باطلة، لكن يقال لهم: أليس هذا دعاءً بأمر مشروع؟ فما الذي يجعلها باطلة؟ كذلك أيها الإخوان! الحنفية ﵏ قالوا: من مبطلات الصلاة: التأفيف، والتضجر، والأنين، والتأوه، وهذا كله يرجع إلى ما ذكره المالكية في مسألة أنه إذا كان النفخ مبطلاً فهذا من باب أولى.
والإنسان يجد في المساجد عجباً!! كذلك من المبطلات: تشميت العاطس، وهذا يدخل في الكلام لغير مصلحة الصلاة.
ومن المبطلات كذلك عند الحنفية والحنابلة أيضاً: رؤية المتيمم ماءً، فمثلاً: أنا افتقدت الماء، والتمسته، وما وجدته، فطلبته وحرصت عليه ولو بالثمن، فما وجدت فتيممت وشرعت في الصلاة، ثم سمعت خرير الماء وأنا في الصلاة، فتبطل الصلاة عند الحنفية، أما المالكية والشافعية فلا تبطل عندهم عملاً بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، ولقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، ولأنك شرعت في العمل الصالح بالشرط الذي أقدرك الله عليه، فتتم صلاتك، بخلاف الحنفية والحنابلة الذين يقولون: إذا رأى المتيمم الماء يقطع الصلاة؛ لأن هذه الصلاة تبطل، ويذهب يتوضأ، ويستأنف من جديد.
كذلك الحنفية يقولون: من المبطلات: قدرة المومئ على الركوع والسجود، والمؤمئ هو الذي يصلي إيماءً قال النبي ﷺ : (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، وإن لم تستطع فعلى جنب، فمن لم يستطع فليومئ إيماءً).
فقالوا: لو تصور بأن إنساناً يومئ في الصلاة، وفي أثناء الصلاة زال العذر، ففي هذه الحالة هذه الصلاة تبطل، ويستأنف من جديد بالركوع والسجود.
قالوا: من المبطلات: وجدان العاري ساتراً، فمثلاً: إذا لم يجد الإنسان شيئاً يستره في الصلاة ولا ثوب حرير ففي هذه الحالة لا يصلي عارياً، بل يتضام، يعني: لا يأتي بالسجود على الهيئة المشروعة بأن يدافع عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، ويجنح، وإنما يتضام، فلو وجد ثوباً وهو يصلي، فالحنفية يقولون: تبطل صلاته ويبدأ من جديد.
أيضاً: من المبطلات عندهم: محاذاة المرأة لرجل بساقيها أو قدميها محرماً كانت أو غير محرم، ولو عجوزاً شوهاء، وفي الحج الإنسان أحياناً قد يصلي وفجأة يجد بجواره امرأة، وربما تكون شابة، بل أغرب من ذلك أن كثيراً من الناس يصلي في البيت مع زوجته، ويقيمها إلى جواره وهذا خطأ، فإذا صليت بزوجتك أو بأمك أو بابنتك فالمفروض أن تكون من خلفك، كما قال أنس: (وصففت أنا واليتيم خلفه، والعجوز من ورائنا)، فهذا الحديث أصل في أن المرأة لا تحاذي الرجل في الصلاة، ولو كانت أصغر.
كذلك يعدون من المبطلات أيضاً: زوال الشمس في العيدين، فوقت صلاة العيد من طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح إلى زوالها، فلو أن أناساً أخروا صلاة العيد ثم شرعوا فيها فزالت الشمس قبل أن يأتوا بركعة فقد خرج وقتها، وبطلت.
стр. 600
مبطلات الصلاة عند الحنابلة
الحنابلة رحمة الله عليهم يذكرون من المبطلات: اللحن في القراءة بما يغير المعنى، فمثلاً: قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٧]، لو أن رجلاً سبق لسانه فقال: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم شر البرية فمثل هذا يغير في المعنى، ومثله أيضاً: قول الله في قصة ابني آدم: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]، إلى أن قال: ﴿فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ [المائدة:٣٠ - ٣١] لو قال: فبعث الله غباراً ﴿يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة:٣١] فهذا مبطل للصلاة.
فكلام الحنابلة هذا لو أننا أخذنا به فسنحكم ببطلان صلاة أهل السودان، ففيهم أئمة كبار السن يقرءون: إنا أنزلناه في ليلة الغدر، وما أدراك ما ليلة الغدر، ليلة الغدر خير من ألف شهر، وبعضهم يقرأ: المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباغيات الصالحات، والباغيات: جمع بغية.
نسأل الله العافية، لكن القول المعتمد بأن الحروف إذا تقاربت مخارجها يعفى فيها مثل الضاد والظاء.
следующие страницы →