Полный текст (933 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
حكم من مات في البحر
السؤال
إذا توفي شخص في عرض البحر فأين ندفنه؟
الجواب
من توفي في عرض البحر، فإذا كنا قريبين من الشاطئ نغسله ونكفنه ونصبر إلى أن نصل إلى اليابسة فندفنه.
أما إذا كان الشاطئ بعيداً ونخشى عليه التغير، فإننا نغسله ونكفنه ونصلي عليه ونثقله أي: نربط معه حجر أو شيء ثقيل ثم نرميه في البحر.
وبعض العلماء قالوا: يربط بين لوحين ليبقى طافياً فيجده جماعة يدفنونه، لكن هذا يترتب عليه مفاتن أنه ربما يتكشف، وربما يجده قوم كفار فيعبثون به، فالأنسب أنه يثقل بشيء ثم يرمى في البحر.
стр. 632
حكم تطييب الميت في مواضع سجوده
السؤال
ما حكم تطييب الميت في مواضع السجود؟
الجواب
استحب بعض العلماء أن يطيب الميت في مواضع السجود، في الجبهة والكفين والركبتين وأطراف القدمين، وأن يوضع القطن في المنافذ، خاصة بعض موتى الحوادث، فالدم ينزف باستمرار، وفي هذه الحالة نحشو منافذه، يعني منخريه وفمه ودبره بالقطن من أجل أن يتماسك الدم.
стр. 633
حكم كشف وجه الميت وتقبيله
السؤال
ما حكم كشف وجه الميت وتقبيله قبل أن يدفن؟
الجواب
ورد أن الرسول ﷺ جاءه أبو بكر ﵁ فكشف عن وجهه وقبله بين عينيه وقال: طبت حياً وميتاً يا رسول الله.
فليس بمانع من كشف وجه الميت وتقبيله، لكن ليس معنى ذلك أن ندفنه وهو كاشف الوجه، اللهم إلا إذا كان شهيد المعترك؛ لأن شهيد المعترك يدفن في ثيابه التي مات فيها.
стр. 634
النظر الحرام لا يبطل الوضوء
السؤال
هل يبطل وضوء من نظر إلى امرأة وهو آت إلى المسجد؟
الجواب
من نظر إلى امرأة وهو آت إلى المسجد فقد ارتكب محرماً، لكن ليس كل حرام مبطلاً للوضوء.
وهكذا لا ينتقض وضوء من شرب سيجارة أو لبس خاتم ذهب أو شال حرير أو قميصاً أحمر، ولا يبطل وضوءه إلا إذا خرج منه شيء كمذي ونحوه.
стр. 635
فقه الصلاة_أحكام صلاة المسافر
لقد يسر الله سبحانه لهذه الأمة أمور دينها، وأعانها على التمسك بشريعتها، ويسر لها سبل الوصول إلى رضوانه، والفوز برحمته وجناته، ومن ذلك: تصدقه على هذه الأمة بالقصر في السفر؛ لما في الإتمام من المشقة على المسلم المسافر، والحقيقة أن هذه المسألة من المسائل الفقهية التي ينبغي للمسلم أن يفهمها، ويعرف معانيها؛ ليأخذ هذا الدين كما أمر الله ونبي الله، ومن يرد الله به خيراً يفقه في الدين.
стр. 636
أحكام قصر الصلاة في السفر
стр. 637
حكم الإتمام في السفر
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فقد تقدمت معنا المسألة الأولى: وهي حكم القصر للمسافر، وذكرنا أن جمهور العلماء ﵏: لا يبيحون القصر إلا لمن كان مسافراً سفراً مباحاً، وأولى منه السفر الواجب أو المندوب، فخرج من ذلك السفر المحرم والمكروه، فيسن للمسافر سفراً مباحاً قصر الصلاة الرباعية، وهي الظهر والعصر والعشاء، وكذلك له العمل ببقية الرخص من المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليهن، والفطر في نهار رمضان، وترك السنن الرواتب سوى ركعتي الفجر، ولا يستفيد من هذه الرخص كلها إلا من كان مسافراً سفراً مباحاً.
قال الشيخ ﵀: ويسن لمن سافر سفراً مباحاً أن يقصر الرباعية، ولو صلاها أربعاً صحت صلاته، والمسألة فيها خلاف، فقيل: الإتمام مكروه؛ لأن النبي ﷺ ما أتم في سفر، وقد قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وهذا يشمل الكمية والكيفية، وقيل: القصر واجب ومن أتم فهو آثم؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: (أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر)، فنقول: إن الإنسان إذا كان مسافراً سفراً مباحاً أو واجباً أو مستحباً فمن السنة أن يصلي الرباعية ركعتين؛ لأن هذا فعل سيدنا محمد ﷺ ، كما جاء عن ابن عمر ﵄ قال: (صحبت النبي ﷺ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك)، فليس من هدي النبي ﷺ أنه كان يصلي في السفر أربعاً، فالسنة أيها الإنسان إذا كنت في السفر أن تصلي اثنتين.
لكن بعض العلماء قالوا: ليس الأمر مجرد سنة، بل لو صلى أربعاً فقد أتى فعلاً مكروهاً؛ لأن النبي ﷺ قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، في الكمية والكيفية.
وقال بعض العلماء: ليس مكروهاً فقط، بل من صلى في السفر أربعاً فهو آثم؛ لحديث عائشة: بأن الصلاة أصلاً كانت ركعتين فزيدت صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر، فبقيت كما هي، والصواب في هذه المسألة هو قول المالكية: بأن القصر في السفر سنة ومن أتم أربعاً فصلاته صحيحة، لكنه ترك الأفضل والأولى، ويشهد لهذا أصلان: الأصل الأول: أن المسافر إذا ائتم بالمقيم صلى أربعاً باتفاق أهل العلم.
والأصل الثاني: أن عثمان ﵁ صلى بالناس في منى أربعاً وصلى خلفه الصحابة ﵁ الله عنهم.
وقد سئل أنس ﵁ فقيل له: ما بال المسافر إذا صلى صلى ركعتين وإذا ائتم بمقيم صلى أربعاً؟ فقال: هي السنة.
وكذلك فعل عثمان ﵁ حين صلى بالصحابة أربعاً في منى وصلوا خلفه، مع أن بعضهم كره هذا الفعل من عثمان، حتى إن عبد الله بن مسعود استرجع؛ لأن الرسول ﷺ وأبا بكر وعمر صلوا في منى قصراً، وصلى عثمان في أول خلافته قصراً ثم أتم بعد ذلك.
واختلفوا في سبب إتمامه فقيل: لأنه تأهل؛ أي: تزوج في مكة.
وقيل: لأنه رأى أن الأعراب كثيرون فخشي عثمان ﵁ أن يظن هؤلاء الأعراب أن الظهر والعصر والعشاء ركعتان، ففضل ترك هذه السنة خشية الالتباس على الناس، وهذا أصل مرعي.
وقيل: لأنه كان سلطاناً، والسلطان حيث نزل فالمصر مصره، وهذا تعليل عليل؛ لأن السلطان قبله كان رسول الله ﷺ ثم أبا بكر ثم عمر، فلو كان هذا مرعياً لكان أولئك أولى به.
стр. 638
أسباب خروج البغاة على عثمان ﵁ وبيان بطلانها
وهذه من الأسباب التي خرج بها أولئك البغاة على عثمان لما أرادوا قتله، وقالوا أيضاً: لأنه لم يشهد بدراً، وفر يوم أحد، وحرق المصاحف، وضرب عماراً حتى فتق أمعاءه، ونفى أبا ذر إلى الربذة، ورد الحكم بن أبي العاص إلى المدينة بعدما نفاه رسول الله ﷺ ، ووقف في المنبر حيث وقف رسول الله ﷺ ، وكان منبره ﷺ ثلاث درجات فجاء أبو بكر فنزل درجة، وجاء عمر فنزل درجة، وقالوا: أما عثمان فوقف حيث وقف رسول الله ﷺ ، وقالوا: أتم الصلاة في منى وقد قصرها ﷺ وأبو بكر وعمر، وقالوا أيضاً: إن عثمان حمى الحمى وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك.
ولو تأملنا هذه التهم لوجدناها تهماً زائفة باطلة، فأما أنه لم يشهد بدراً فلأن رقية ﵂ كانت مريضة وقد أمره رسول الله ﷺ أن يبقى معها لكي يمرضها، وفرض له ﷺ سهم رجل شهد بدراً.
وأما أنه فر يوم أحد فما فر وحده وإنما فر كثيرون وقد غفر الله له، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٥]، وأما أنه لم يشهد بيعة الرضوان فالرسول ﷺ بعثه إلى أهل مكة ليفاوضهم، وسبب بيعة الرضوان أصلاً: إشاعة مقتل عثمان، فبايع الصحابة من أجل ذلك، وضرب الرسول ﷺ بإحدى يديه على الأخرى وقال: اللهم هذه عن عثمان.
وأما قولهم: إنه ضرب عماراً ونفى أبا ذر فهذا كله كذب، ولو ضرب عماراً حتى فتق أمعاءه لما عاش، ومعروف أن عماراً ﵁ لم يقتل إلا يوم صفين.
فالشاهد: أن الصحابة صلوا خلف عثمان أربعاً، ولو كانت باطلة لما صلوا، فمن صلى في السفر أربعاً فصلاته صحيحة، لكنه ترك الأفضل؛ لأن النبي الأكرم ﷺ لم يتم في السفر.
стр. 639
الدليل على مشروعية القصر في السفر
والمسألة الثانية: الدليل على مشروعية القصر مأخوذة من الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء:١٠١]، وأما من السنة فحديث يعلى بن أمية ﵁ قال: قلت لـ عمر بن الخطاب: (ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) فقد أمن الناس؟ فقال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)، فبين الرسول ﵊ بأن الآية هاهنا- كما يقول أهل الأصول- وصف كاشف وليس قيداً للاحتراز، وبالمثال يتضح المقال: قال الله : ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣]، فإذا لم ترد الفتاة تحصناً فهل نشجعها على الزنا؟! لم يقل بهذا أحد، لكن قالوا: هو وصف كاشف أي: وصف للحال؛ لأن عبد الله ابن أبي بن سلول لعنة الله عليه كان عنده إماء وكان يكرههن على البغاء، أو أنه قيد خرج مخرج الغالب.
ومثال ذلك أيضاً: قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، فلو أن عندك زوجة، والزوجة عندها بنت من زوج سابق، وأنت لم تر هذه البنت ولا تعرفها، وهي مع خالتها في الصين أفيحل لك نكاحها لأنها ليست في حجرك والله تعالى يقول: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]؟
الجواب
لا، بل هي محرمة عليك، والقيد هنا خرج مخرج الغالب، لأن الغالب أن ربيبتي تكون في حجري.
فالقصر جائز لمن كان خائفاً ولمن كان آمناً إذا وجدت العلة وهي السفر.
وأما من الإجماع فقد حكى ابن المنذر وغيره الإجماع على مشروعية القصر في سفر تقصر في مثله الصلاة، كسفر الحج وسفر الجهاد وسفر العمرة.
стр. 640
المسافة التي يباح فيها القصر في السفر
المسألة الثالثة: ما هي المسافة التي يباح في مثلها القصر؟ قال المالكية ﵏: لا تقصر الصلاة إلا في سفر يبلغ أربعة برد، والبريد: أربعة فراسخ إلى ستة عشر فرسخاً، والفرسخ: ثلاثة أميال فأصبحت ثمانية وأربعين ميلاً، والميل: كيلو وستين بالمائة من الكيلو، فالمسافة تزيد على السبعين كيلو، ثم بعد ذلك شرق الفقهاء وغربوا وأتهموا وأنجدوا وخرطموا ودرمنوا، فقال بعضهم: مسافة القصر اثنان وسبعون كيلو متراً، وقال آخرون: مسافة القصر ثمانون كيلو وأربعة وستون بالمائة، وهو تحديد الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي في كتابه: الفتح الرباني شرح مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني.
وحدد المسافة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام في كتابه (تيسير العلام شرح عمدة الأحكام) فقال: إنها مسافة اثنين وسبعين كيلو متراً.
وجاء آخرون فقالوا: هي مسافة اثنين وسبعين كيلو متراً ومائتين وثمان وثلاثين من ألف.
وقال بعضهم: إنها مسافة أربعة وثمانين كيلو متراً، والمالكية ﵏ ها هنا قالوا: هي مسافة أربعة برد.
والبرد: جمع بريد، والبريد: مسافة نصف يوم، وسمي بريداً؛ لأنهم كانوا إذا أرادوا المراسلات السريعة جعلوها في البريد، فيرتبون بين مسافة كل نصف يوم مستقراً ومستراحاً يكون فيه خيل، فإذا وصل صاحب الفرس الأول إلى هذا المكان نزل عن الفرس ليستريح الفرس وركب فرساً آخر إلى مسيرة نصف يوم، وقدروه بالزمن فقالوا: أربعة برد، وتساوي يومين قاطبين بالسير المعتدل.
فالمالكية قالوا: هذه مسافة القصر، ومن سافر دونها فلا يقصر، واستدلوا بقول النبي ﷺ : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم)، قال الإمام أبو الوليد الباجي ﵀: إن مسيرة يوم وليلة ومسيرة أربعة برد واحد، واليوم والليلة في الغالب يسار فيه أربعة برد.
واستدلوا أيضاً بحديث ابن عباس أنه كان يقصر في المسافة ما بين مكة والطائف، ومكة وعسفان، ومكة وجدة، قال مالك: وذلك أربعة برد، وذلك أحب ما تقصر إلي فيه الصلاة.
واستدلوا أيضاً بحديث رواه ابن عباس بأن النبي ﷺ قال: (يا أهل مكة! لا تقصروا الصلاة في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان)، وهذا حديث رواه الدارقطني ﵀، وهو ضعيف.
وقد اختلف المالكية والشافعية في تقدير هذه البرد.
والراجح الذي استقر عليه قول أهل العلم أن كل ما يسمى سفراً عرفاً يجوز أن تقصر فيه الصلاة.
قال ابن قدامة ﵀ في المغني: التقدير بابه التوقيف؛ فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد، والحجة مع من أباح الفطر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه.
والمسافر في اللغة هو: من فارق محل إقامته، فيرجع في تعريفه إلى عرف الناس، فلا يعد الذهاب من جبرة مثلاً إلى المقرد سفراً.
فما سمي سفراً عرفاً جاز فيه القصر دون أن نحدد ذلك بمسافة ولا بأيام خاصة؛ حيث يستطيع الإنسان الآن أن يخرج من الخرطوم إلى مكة المكرمة في خلال ساعتين أو تزيد قليلاً ويكون في داخل الحرم.
وأيضاً في سفر المرأة بغير محرم نأخذ بعموم الرواية: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع محرم) وعلى هذا فكل ما يسمى سفراً عرفاً لا يجوز للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم، دون نظر إلى المسافة أو الوسيلة، فلا فرق في السفر بطيارة أو بسفينة فالحكم واحد.
стр. 641
استواء وسائل السفر في الحكم
المسألة الرابعة: هل تشترط وسيلة معينة للسفر؟
الجواب
لا تشترط فمن سافر في البحر فهو في الحكم كمن سافر في البر، وقد سأل تميم الداري عمر بن الخطاب ﵄ عن ركوب البحر، فأمره بقصر الصلاة فيه، وتميم بن أوس الداري الفلسطيني كان رجلاً نصرانياً فأسلم، وسبب إسلامه: حديث الجساسة، وهو في صحيح مسلم وفيه: أنه ركب البحر فاضطربت بهم السفينة، ثم أرفأت إلى جزيرة فوجدوا فيها دابة كثيرة الشعر لا يدرون قبلها من دبرها، قال: فخفنا أن تكون شيطانة، فسألناها ما أنت؟ فتكلمت بلسان عربي مبين وقالت: أنا الجساسة، واعمدوا إلى ذلك الدير فإن به رجلاً هو إلى خبركم بالأشواق، فدخلنا فإذا رجل عظيم الهامة كثير الشعر مجموعة يداه ورجلاه إلى عنقه، فقلنا: ما أنت؟ فبدأ يسألنا ويقول: هل أثمر نخل بيسان؟ فقلنا: نعم، فقال: يوشك ألا يثمر- وبيسان مدينة في فلسطين- وهل ما زال في طبرية ماء؟ -وطبرية بحيرة في فلسطين- قلنا: نعم، قال: يوشك ألا يكون بها ماء، ثم قال: هل خرج نبي الأميين؟ قلنا: نعم، قال: هل تابعته العرب؟ قلنا: لا، قال: إنه خير لهم لو تابعوه، قلنا له: ما أنت؟ قال: أنا الدجال، ويوشك أن أخرج فلا أدع بلداً إلا وطئتها إلا مكة وطيبة، فلما كلم تميم الرسول ﷺ بهذا الكلام أمر بلالاً بجمع الناس ثم قال لـ تميم: حدثهم، فضرب النبي على المنبر وقال: هذه طيبة وطابة، يعني: المدينة يريد بذلك أن يزيد المؤمنين إيماناً، مثل حكاية الرجل الذي كان يرعى الغنم فجاء ذئب وخطف واحدة منها وأقعى عليها، يعني: قارب على افتراسها، فلحق به الراعي وخلص الشاة، فقال له الذئب بلسان عربي مبين: أما تتقي الله وقد حلت بيني وبين رزق ساقه الله إلي؟ فقال الرجل: عجباً لذئب يتكلم بكلام الإنس! فقال له: ألا أدلك على أعجب من ذلك؟ قال وما ذاك؟ قال: محمد ﷺ يدعو إلى الله في المدينة وأنت مشغول بغنمك، فقال له: إذاً آتيه، ولكن من لي بغنمي؟ فقال له الذئب: أنا أحرسها لك، فجاء الأعرابي إلى الرسول ﷺ وحكى له، فجمع الرسول ﷺ الناس، وقال للأعرابي: حدثهم، فلما تكلم الأعرابي قال النبي ﷺ : (صدق.
لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، وحتى يكلم الرجل عذبة سوطه)، يعني: طرف عصاه، والحديث صحيح في سنن الترمذي.
وتميم الداري ﵁ سأل عمر بن الخطاب ﵁ عن ركوب البحر؟ -وكان عظيم التجارة في البحر- فأمره عمر بقصر الصلاة، واستدل ﵁ وهو الفقيه- بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس:٢٢]، وهذا يسمى عند الأصوليين: الإلحاق بنفي الفارق، فإذا كان ربنا ﷻ أباح القصر في البر فكذلك في البحر، والعلة المشتركة هي السفر.
وكذلك الجو، فإذا كنت في الطائرة وخشيت أن يخرج الوقت فصل في الطائرة، وقد كتب في ذلك العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ رسالة لطيفة في حكم الصلاة في الطائرة، ومما قاله فيها: وإذا دل الكتاب والسنة الإجماع على صحة الصلاة في سفينة البحر فاعلم أنه لا يوجد بينها وبين الطائرة فرق له أثر في الحكم؛ لأن كلاً منهما سفينة محرسة ماشية يصح عليها الإتيان بجميع أركان الصلاة من قيام وركوع وسجود واعتدال وغير ذلك، وكل منهما تمشي على جرم- بكسر الجيم- لأن الهواء جِرم بإجماع المحققين من نظار المسلمين والفلاسفة، وتتحقق صحة ذلك إذا نفخت قربةً -مثلاً- فإن الرائي يظنها مملوءةً بالماء ولو كان الهواء غير جرم لما ملأ الفراغ.
والشيخ ﵀ كان رجلاً فيلسوفاً بالإضافة إلى حفظه للقرآن والسنة والفقه وأقاويل العلماء وتبحره في العلوم والفنون، وقد جاءه فيلسوف فرنسي ذات مرة فقال له: ما الدابة؟ قال: الدابة كل ما يدب على الأرض، قال له: إذاً السيارة دابة، فقال له: لا؛ أنا قلت لك: كل ما يدب على الأرض، والسيارة لا تدب وإنما تدبب، يعني: لا تدب بنفسها بل لابد لها من قائد يحركها ويقودها فلا يصدق عليها اسم الدابة، ويجب التنبيه لهذا الأمر؛ لأن بعض الناس يقول: وركبنا الدابة ويقصد بها السيارة.
أما الدابة فهي كل ما دب على الأرض كالإنسان والحيوان والطائر وغيره، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦].
وبالنسبة للصلاة في الطائرة إذا كانت الرحلة طويلة بحيث يخشى فوات الصلاة، ففي هذه الحال يصح لك أن تصلي في الطائرة قصراً وجمعاً.
стр. 642
بيان متى يقصر المسافر الصلاة
المسألة الخامسة: متى يقصر المسافر؟
الجواب
لا يقصر حتى يجاوز البساتين المتصلة بالبلد، وبعض العلماء يقولون: لا يقصر إلا إذا فارق عمران قريته، فإذا كان من أهل البادية فلا يقصر إلا إذا فارق الخيام.
قال مالك ﵀: لا يقصر الذي يريد السفر الصلاة حتى يخرج من بيوت القرية، ولا يتم حتى يدخل أول بيوت القرية أو يقارب ذلك، وقد كان النبي ﷺ إذا خرج في سفر لا يقصر حتى يبلغ ذا الحليفة، وهي معروفة الآن باسم أبيار علي.
стр. 643
مسألة مهمة
وهنا مسألة مهمة: وهي أن الصلاة السفرية تقضى سفريةً والحضرية حضريةً، فمثلاً: إذا كنت مسافراً بالأمس في مدني ومع زحمة السفر نسيت صلاة العشاء ثم تذكرتها اليوم فإنني أقضيها في الخرطوم في محل إقامتي ركعتين كالسفر، وعلى العكس، فلو أنني كنت في مدني فتذكرت صلاة العشاء التي نسيتها في الخرطوم قبل أيام فإنني أقضيها أربعاً وهكذا.
стр. 644
فقه الصلاة_أحكام العيدين
الدين الإسلامي تشريع رباني تتجلى للمتأمل في عظمته وسعته وشموله معالم صحته وصدقه، وقد ينظر فيه قاصر الفهم فيظنه مقتصراً على بعض العبادات ظاهرة التكليف والمشقة، ولا يدرك تشريعه لعبادات فيما يحبه الناس ويشتهونه فطرة واتجاهاً وميولاً.
ومن ذلك: تشريعه للعيدين وأحكامهما بعد عبادتين مباركتين عظيمتين، ألا وهما: الصيام والحج.
стр. 645
تعريف العيد
الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم! علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.
أما بعد: فسنتكلم بعون الله تعالى في هذا المقام بكلام سهل ميسر، لا يحتاج إلى إمعان نظر أو فكر، بل أدلته واضحة بينة، سنتكلم عن أحكام العيدين، ونبدأ بتعريف العيد فنقول: سمي العيد عيداً؛ لعوده وتكرره؛ فهو يتكرر في كل عام، وقيل: لعوده بالسرور، وقيل: تفاؤلاً ليعود على من أدركه، مثلما سمى العرب الصحراء مفازة تفاؤلاً بأن سالكها سيفوز، مع أن الصحراء مظنة الهلاك، ومثلما سمى العرب الضرير بصيراً، والعليل صحيحاً، تفاؤلاً بأنه سيبصر أو أنه سيصح، فكذلك سموا العيد عيداً تفاؤلاً بأنه سيعود على من أدركه، ومثلما سميت القافلة تفاؤلاً بأن يقفل أصحابها، أي: يرجع من سافروا فيها.
وليس للمسلمين إلا عيدان كلاهما عقيب عبادة: عيد الفطر بعد عبادة الصيام، وعيد النحر في ختام العشر الأولى من ذي الحجة، والتي يكون فيها الحج، ومعلوم أنه لا يحج من المسلمين إلا قليل، فالباقون يشغلون أنفسهم بالأعمال الصالحة، لحديث أبي قتادة ﵁ قال رسول الله ﷺ : (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله تعالى من أيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلاً خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء).
стр. 646
حكم صلاة العيد
قد تقدم معنا الكلام مراراً: أن جميع مسائل الشرع لا تخلو من خمسة أحكام، وهي: الوجوب، والندب والإباحة، والكراهة، والتحريم، فإذا سئلت عن حكم شرب اللبن فقل: الإباحة، وإذا سئلت عن حكم صلاة الجمعة، فقل: الوجوب، وإذا سئلت عن الركعتين بعد صلاة العشاء فقل: الندب أو الاستحباب أو السنية، وإذا سئلت عن النوم على البطن، فقل: مكروه، وإذا سئلت عن شرب الخمر فقل: حرام.
ونحن نتكلم عن حكم صلاة العيد، أي: عيد الفطر وعيد النحر، ولا نقصد عيد الشجرة، أو عيد الحب، أو عيد الأم، أو عيد الجلاء، أو عيد الفاتح من سبتمبر أو بقية الأعياد.
فحكم صلاة العيد: أنها سنة مؤكدة، وهذا مذهب مالك والشافعي رحمة الله عليهما، واستدلا على ذلك بالقرآن والسنة والإجماع، فدليل الكتاب قول ربنا العزيز الوهاب: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، فمعنى: صل لربك أي: صلاة العيد، وانحر أي: نسكك بعد الصلاة، فهي مرتبة هكذا.
رتب الرسول ﷺ كما رتب القرآن، فإنه لما كان غادياً إلى صلاة العيد شم رائحة شواء، فسأل ﵊: (ما هذا؟ فقالوا: أبو بردة نحر) أي: أن أحد الصحابة استعجل وذبح، فقال ﵊: (مروه فليذبح مكانها أخرى، ثم قال: إن أول ما نبدأ به يومنا هذا أن نغدو إلى مصلانا ثم نرجع فننحر نسكنا، فمن فعل فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك فإنما شاته شاة لحم ليست من النسك في شيء)، فهذا السنية من السنة.
وإن قال أحد: قوله تعالى: ((فَصَلِّ)) أمر، والأمر يقتضي الوجوب، فنقول: نعم، لكن هذا الأمر صرف عن الوجوب إلى الندب بحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (خمس صلوات كتبهن الله على عباده، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة).
ومعنى ذلك: أنه ليس من الصلوات فرض إلا الخمس المكتوبات.
وإنما قلنا بأن صلاة العيد سنة مؤكدة: لمواظبة الرسول ﷺ والخلفاء من بعده عليها.
ولحديث أبي سعيد: (كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر ويوم الأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس على صفوفهم فيعظهم ويأمرهم).
وأما من الإجماع: فقد حكى أبو محمد بن حزم الاتفاق على أنها ليست بفرض، إذاً: فهي سنة، مع أن هذا الإجماع ليس مسلماً به؛ لأن بعض العلماء يحكي مسائلاً على أنها إجماع، وليس فيها إجماع، والخلاف فيها مشهور، وأكثر من يفعل ذلك الإمام الحجة أبو عمر بن عبد البر القرطبي المالكي رحمة الله عليه، فدائماً يقول: وأجمعوا على كذا ولا يكون هناك إجماع، وكذلك ابن المنذر ﵀ في كتاب الإجماع يقول: وأجمعوا وأجمعوا واتفقوا واتفقوا وهو يعني بذلك الجمهور، ولكن يقول: في المسألة من خالف.
وأما حكم صلاة العيد فالخلاف فيه قوي: فقد ذهب الحنابلة إلى: أنها فرض كفاية، وذهب الإمام أبو حنيفة وأبي العباس بن تيمية إلى: أنها فرض على الأعيان، أي: مثل صلاة الجمعة، واستدلوا على ذلك بأمور: أولاً: بما ثبت في الصحيحين: (أن النبي ﷺ أمر نساءه أن يخرجن لصلاة العيد، حتى أمر الحيض وذوات الخدور أن يخرجن وقال: من لم يكن عندها جلباب فلتعرها أختها).
فلم يستثنِ الرسول ﷺ في يوم العيد أحداً، وأمر النساء حتى الحيض منهن أن يخرجن، وأمر الحيض بأن يعتزلن المصلى، أي: يبتعدن قليلاً عن الناس الذين يصلون، حتى يشهدن الخير ودعوة المسلمين، وأمر ذوات الخدور، وذوات الخدور: هن الفتيات الشابات، يقال لهن: ذوات الخدور، ويقال لهن: المخدرات، أي: المستورات، فهن دائماً يجلسن في الخدر، وخلف الستر، فمثلاً لو طرق الباب طارق الذي يفتح الباب زوجتك أو العجوز وليس ابنتك الشابة، فإنها تكون مخدرة، أما الأشياء القبيحة التي يتناولها الناس فلا يطلق عليها مُخَدَرات وإنما مُخَدِرات-بكسر الدال-؛ لأنها تخدر الناس، أما هؤلاء فإنهن مُخدرات -بفتح الدال-؛ لأنهن يجلسن في الخدور، ومنه الحديث: (كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها) أي: في سترها.
فالنبي ﷺ أمر النساء حتى من كانت حائضاً، وليس عندها جلباب يليق بالصلاة، فقال ﵊: (لتعرها أختها) وتعرها: من الإعارة، أي: تسلفها، فكون النبي ﷺ ما عفا أحداً فهذا دليل على فرضيتها ووجوبها.
ثانياً: مواظبة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين عليها.
ثالثاً: أنها من شعائر الدين الظاهرة، بحيث يقاتل أهل بلد تواطئوا على تركها، فمثلاً: لو قال أهل بلد: نحتفل بالعيد ونلبس الجديد، ولكن لا نصلي صلاة العيد، فهؤلاء يحاسبون، مثلما لو تمالئوا على ترك الأذان، وقالوا: كان هذا الأذان عندما لم يكن للناس ساعات، أما الآن فعندهم ساعات، فما عادوا يحتاجون إليه، وصلوا بغير أذان، فإنهم يقاتلون؛ لأن هذه من شعائر الدين الظاهرة، ويميز بين دار الإسلام ودار الكفر بهذه الشعائر.
فمثلاً: لو نزلت لندن أو فرانكفورت فلن تسمع أذاناً، لكن لو نزلت الخرطوم أو القاهرة أو المدينة فستسمع الأذان في كل مكان، ولو أنك حضرت العيد في إحدى ديار الكفر فلن تشعر أن اليوم يوم عيد، لكن لو نزلت في بلد من بلاد الإسلام -رغم بعد الناس عن الإسلام الآن- إلا أنك تشعر بأن اليوم عيد من كثرة المكبرين والمهللين، وظهور البِشْر والسرور على وجوه الناس، وما يلبسونه من ثياب حسنة تشعر بأن عيداً قد حل على الناس.
وكلام الإمام ابن حزم رحمة الله عليه في أن الإجماع منعقد على أن صلاة العيد ليست فرضاً، غير مسلم له به، فالخلاف مشهور، وقد خالف ما ادعاه من الإجماع على عدم الفرضية أئمة كبار، كالإمام أبي حنيفة في قوله بأنها فرض عين، وكالإمام أحمد في قوله بأنها فرض كفاية.
أما القائلون: بأنها سنة مؤكدة فهم المالكية والشافعية رحمة الله على الجميع.
стр. 647
مقدار صلاة العيد
صلاة العيد بالاتفاق ركعتان، وقد حكى النووي: الإجماع على ذلك، والأصل في ذلك حديث ابن عمر ﵄: (صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ﷺ ، فالصبح والجمعة والأضحى والفطر والسفر كلها ركعتان تمام غير قصر.
стр. 648
وقت صلاة العيد
أوله: إذا ارتفعت الشمس وحلت السبحة أي: جازت، والسبحة هي: النافلة، ومنه قول الصحابي: (صلى رسول الله ﷺ صلاة المغرب ثم صلى العشاء ولم يسبح بينهما شيئاً) أي: لم يتنفل.
ومنه أيضاً حديث ابن عمر ﵄: (كان رسول الله ﷺ يسبح على راحلته في السفر: يومئ بركوعه وسجوده حيث ما توجهت به)، فمعنى: يسبح على راحلته أي: يتنفل، أما صلاة الفريضة فلا تكون إلا على الأرض، فالسبحة هنا معناها: النافلة، وتحل النافلة إذا طلعت الشمس ورؤيت من وراء البيوت، أي: ما بعد طلوع الشمس بعشر دقائق أو ربع ساعة، وبعد ذلك يجوز للناس أن يتنفلوا.
فأوله: إذا ارتفعت الشمس وحلت السبحة وفوق ذلك قليلاً.
وآخره: إذا زالت الشمس من يوم العيد، أي: مالت ناحية المغرب؛ لأنه معروف أن الشمس تطلع من جهة المشرق، فيبدو للإنسان ظل طويل في جهة المغرب، ثم بعد ذلك كلما ارتفعت الشمس كلما تقلص حجم الظل، وساعة استوائها في كبد السماء يكون الإنسان ليس عنده ظل، فإذا بدأ الظل في الزيادة عرفنا أن الشمس قد زالت ودخل وقت صلاة الظهر، فإذا صار ظلك مثلك فقد انتهى وقت الظهر ودخل وقت العصر، فإذا صار ظلك مثليك فقد دخل الوقت الضروري للظهر والعصر معاً، بحيث أنه من أخر الصلاة إلى ذلك الوقت من غير عذر صلاها، وأصحاب الأعذار هم: المريض، والمسافر، والناسي، وكذلك الحائض لو طهرت، والصبي لو احتلم، والمجنون لو عقل فنقول له: قم وصل الظهر والعصر.
وقوله: إذا زالت الشمس من يوم العيد، قال مالك: مضت السنة التي لا اختلاف فيها عندنا -أي: عند أهل المدينة- في وقت الفطر والأضحى: أن الإمام يخرج من منزله قدر ما يبلغ مصلاه وقد حلت الصلاة، أي: جازت.
ولو فات الناس وقت صلاة العيد فإنهم يقضونها في اليوم التالي.
стр. 649
أنواع الصلاة المقضية
وقضاء الصلاة على ثلاثة أنواع: النوع الأول: صلاة تقضى متى ما زال العذر، وهي الصلوات الخمس، فمن نام عن صلاة العصر صلاها متى استيقظ، وفي هذه الحالة يخطئ كثير من الناس، ويقولون: نصليها مع العصر غداً، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤]، وقال النبي ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك) فالصلوات الخمس تقضى متى ما زال العذر، فلو تذكر إنسان أنه صلى من غير طهارة ناسياً، أو أنه صلى الصبح جنباً فنقول له: صلها الآن فوراً.
النوع الثاني: صلاة لا تقضى وهي الجمعة، بل تقضى ظهراً، فلو فاتت صلاة الجمعة فلا تقضي ركعتين باتفاق أهل العلم، بل تقضى ظهراً.
النوع الثالث: صلاة تقضى في مثل وقتها من اليوم الثاني، وهي صلاة العيد، فقد حصل في زمن الرسول ﷺ أنهم صاموا يوم الثلاثين من رمضان، أي: تراءوا الهلال فما رأوه فأصبحوا صائمين، ثم بعدما زالت الشمس جاء بعض الناس من الأعراب وشهدوا بأنهم رأوا الهلال، فأمر النبي ﷺ الناس أن يفطروا، وواعدهم أن يخرجوا إلى المصلى غداً.
стр. 650
كيفية صلاة العيد
يكبر الإمام والناس بعده في الركعة الأولى ستاً غير تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمساً غير تكبيرة القيام، أي: في الركعة الأولى سبعاً وفي الثانية ستاً، والأصل في ذلك حديث نافع عن ابن عمر ﵄ قال: (شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة ﵁، فكبر في الركعة الأولى سبعاً قبل القراءة، وفي الآخرة خمساً قبل القراءة)، قال مالك ﵀: وهو الأمر عندنا أي: هذا هو المشهور، وإلا المسألة فيها خلاف.
قالت المالكية: وليس بين التكبير ذكر ولا دعاء، وإنما يسكت الإمام بقدر ما ينقطع تكبير من خلفه، يقول: الله أكبر، فإن قالوا: الله أكبر، فيقول ثانية: الله أكبر وهكذا.
وبعض الناس بين التكبيرتين يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ثم بعد ذلك يقول: الله أكبر، قال ابن مسعود: يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي ﷺ ، رواه البيهقي والطبراني في الكبير.
فلو وجدنا إنساناً يذكر الله بين التكبيرات لا ننكر عليه، فالأمر واسع، وأنا أذكر الخلاف دائماً من أجل أن تتسع الآفاق إن شاء الله، وقد حدث أن أحد إخواننا زار السودان قبل حين، فأنكر أن وجد الإمام لما قال: السلام عليكم قال كل الناس: السلام عليكم، بصوت عالٍ؛ لأنه ما رأى هذا في بلده، لكن في حقيقة الأمر هذا منصوص عليه عند المالكية، وهو: استحباب الجهر بتكبيرة الإحرام وتسليمة الختام، وأن من فضائل الصلاة الجهر بتكبيرة الإحرام وتسليمة الختام.
فحقيقةً لما ينشأ الإنسان في بلد معين وعلى مذهب معين يضيق أفقه فلا يتحمل الآخرين، وقد يكون الأمر فيه سعة.
فمثلاً: ذكروا في بعض بلاد الله ممن أهلها أحناف: أنه صلى أحدهم وبجانبه رجل وأشار بأصبعه في التشهد فقام وكسرها؛ لأنه ضيق الأفق، وقد سمع من الفقهاء الأحناف بأن هذا عبث لا يليق بالصلاة، ونحن عرفنا من سنة رسول الله ﷺ : أنه كان يقبض على أصابعه كلها ويشير بسبابته ﵊، ولربما حلق بين الإبهام والوسطى وأشار بسبابته، لكنه لا يستسيغ هذا الكلام، بل ما سمعه من علمائه فهمه: أن يجاهد وهو في الصلاة فيكسر أصبع أخيه المسلم الذي هو أقرب إلى السنة منه.
وهناك أمور كثيرة ينكرها الناس وهي عين السنة، حتى أنه في مرة من المرات جاء أحد الناس زائراً إلى المدينة المنورة، وهو من أهل هذه البلاد، ومعروف أنه في المسجد النبوي بعد كل صلاة يؤتى بجنازة غالباً، وأحياناً أربعاً، وأحياناً تسعاً، فبعد كل صلاة يقوم الناس ليصلوا، والمؤذن يقول: الصلاة على الأموات، أو الصلاة على الرجل، أو على المرأة، فقام وقال لي: يا أخي! هؤلاء الناس يحاربون البدع، هذه الصلاة التي يصلونها بعد الفريضة ما الذي أتى بها؟ فقلت له: أما سمعت المؤذن يقول: الصلاة على المرأة؟ أي: صلاة الجنازة، فعلى الإنسان أن لا يتعجل الإنكار.
стр. 651
شروط إنكار المنكر
يقول أهل العلم: من ينكر المنكر لابد أن تتوفر فيه من ثلاثة شروط، هي كالآتي: الشرط الأول: العلم، وبغير العلم قد ينكر الإنسان معروفاً، كالذي كسر أصبع الرجل، ومثل الذي أنكر الجهر بتسليمة التحليل، فالذي ينكر المنكر لابد أن يكون عالماً بما يأمر به وبما ينهى عنه، وعالم بأن الذي يأمر به معروف، وأن الذي ينهى عنه منكر، وإلا فالجاهل قد يأمر بمنكر وينهى عن معروف.
الشرط الثاني: أن يكون حليماً فيما يأمر به، حليماً فيما ينهى عنه، مثل الرسول ﷺ : (لما أساء الرجل الصلاة وقال: السلام عليك يا رسول الله! قال: وعليك السلام ارجع فصل فإنك لم تصل)، فأعاد الصلاة ثلاث مرات وفي كل مرة يسلم عليه فيرد ﵇ ويقول له: ارجع فصل فإنك لم تصل.
الشرط الثالث: أن يكون صبوراً فيما يأمر به وينهى عنه، فمثلاً: إذا وجدت من يسب -والسبة قبيحة ولا تليق بأهل المروءة- فقل له: السب حرام واتق الله، وليس بالضرورة الانتهاء عن المنكر مباشرة فإنه يراه حسناً: يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن لكن اصبر عليه، واجلس معه وسلم عليه غداً وإن سب، وبعد غد كذلك، وجرب معه أكثر من طريقة، فالمسلم لابد أن يصبر في أمره ونهيه، لكن بعض الناس دائماً يسلك مسلك الشدة وإن كانت المسألة حمالة أوجه.
стр. 652
سنن العيدين ومستحباتهما
أول سنن العيد: الغسل بعد صلاة الصبح؛ لحديث نافع: أن عبد الله بن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو للمصلى.
والأغسال المستحبة ستة: وهي غسل الجمعة، والعيدين، والإحرام، ودخول مكة، ويوم عرفة، وغسل من غسل ميتاً.
السنة الثانية: التطيب والتزين؛ لحديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده: (أن النبي ﷺ كان يلبس برد حبرة في كل عيد).
وجعفر هو ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، ومحمد أبو جعفر هو: محمد الباقر، وعلي بن الحسين هو: زين العابدين، والحسين هو: الشهيد ﵁ سيد شباب أهل الجنة، وعلي بن أبي طالب هو ختن الرسول وزوج البتول، ومعنى: ختن الرسول، أي: صهره، وزوج البتول فاطمة رضي الله عن الجميع.
فيستحب للإنسان في يوم العيد أن يلبس من الثياب أحسنها، وأن يضع من الطيب ألطفه، والنبي ﷺ كان يلبس في كل عيد بردة حبرة، أي: مخططة، وكان يتخذ ﵊ اللباس للعيد وللوفود، فإذا أتاه وفد لمقابلته كان يلبسه ﵊، وإلا فهو ذا سمت ووضاءة بأي لباس، كما قالت الصحابية: لو رأيت رسول الله ﷺ كأنك ترى الشمس طالعة، وكما قال أحد الصحابة: رأيت النبي ﷺ ليلة بدر وكانت ليلة الإضحيان -أي: ليلة مقمرة- فجعلت أنظر إلى القمر تارة وأنظر إلى النبي ﷺ تارة فلهو أجمل في عيني من القمر ﵊، ولكنه كان من أدبه وسنته: أن يتخذ ليوم العيد ثياباً مخصوصة.
السنة الثالثة: المشي إليها -أي: إلى صلاة العيد-؛ لقول علي ﵁: من السنة أن تخرج إلى العيد ماشياً.
وقد تقدم أن قول الصحابي: من السنة كذا، أن له حكم الرفع، أي: كأن النبي ﷺ قال: اخرجوا إليها ماشين، وهكذا يوم الجمعة فنقول: من لم يشق عليه المشي فعليه به، أما من يشق عليه فله أن يركب.
ويسن تأخر الإمام إلى وقت الصلاة، ودليله: (أن النبي ﷺ كان إذا خرج إلى العيد فأول شيء يبدأ به الصلاة) رواه الشيخان، فصلاة العيد يسن للناس التبكير إليها، فبعد صلاة الفجر يمشي الإنسان إلى المصلى ثم ينشغل بالتكبير إلى أن يخرج الإمام، والإمام ليس من السنة في حقه أن يبكر، وإنما يخرج وقت الصلاة مباشرة، فإذا رآه الناس قاموا إلى صلاتهم، كما هو الحال في الجمعة، أي: من السنة أن يخرج الإمام من بيته إلى المنبر، وليس كما يظن بعض الأئمة: أن من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، وفي الثانية بقرة ثم يقيس العيد عليه، فنقول: هذا مثاب على نيته، ولكنه ليس مثاباً على عمله؛ لأن عمله مخالف للسنة، فقد كان رسول الله ﷺ يخرج من بيته إلى المنبر في يوم الجمعة، وكان يخرج من بيته إلى المصلى في يوم العيد.
السنة الرابعة: أن يرجع من طريق غير التي أتى منها؛ لحديث جابر ﵂: (كان رسول الله ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق)، فإن قيل: إن الحكمة كثرة الخطى، قلنا: قد يكون الطريق الثاني أقل من الأول، إلا أن يقال: بأن الطريقين كلاهما أطول من الآخر، وهذا مستحيل، فلابد أن يكون أحدهما أطول من الآخر.
وقد قيل: إن الحكمة من ذلك: ليشهد له الطريقان، وقيل: ليشهد سكانهما من الجن والإنس، وقيل: ليسوي بينهما في مزية الفضل بمروره، هذا خاص برسول الله ﷺ ، وليست هناك ميزة لغيره، لكن الصحيح: أن الطريق الذي يمر منه النبي ﷺ له مزية ولا شك في ذلك، وقيل: للتبرك به ﷺ ، أو لتشم رائحة المسك من الطريق التي يمر بها، وقيل: لإظهار شعار الإسلام فيهما، وقيل: لإظهار ذكر الله تعالى، وقيل: ليغيظ الكفار والمنافقين واليهود، وقيل: ليرهبهم لكثرة من معه من الرجال، وقيل: حذراً من كيد الطائفتين أو إحداهما، والطائفتين هما: اليهود والمنافقين، وهذا ضعيف؛ لأنه لو كان كذلك ما كرر المرور ﵊؛ لأنه معروف بعد الإسلام أنه قضي على اليهود، وقيل: فعل ذلك ليعم المسلمين بالسرور به، والتبرك بمروره ورؤيته، والانتفاع به في قضاء حوائجهم في الاستفتاء أو التعليم أو الاقتداء أو الصدقة أو السلام عليه، وقيل: ليزور أقاربه الأحياء والأموات، أي: يزور ذهاباً وإياباً، وقيل: ليصل رحمه، وقيل: للتفاؤل بتغيير الحال إلى المغفرة والرضى، وقيل: كان في ذهابه يتصدق ﵊، فإذا رجع لم يبق معه شيء، فيرجع من طريق آخر لئلا يرد من سأله، وهذا الذي قال هذا الكلام هل كان مع النبي ﷺ ؟! وهل راقب جيبه؟! فهل يعجز ﵊ أن يقول: ليس عندي، فهذا في الحقيقة بعيد.
وكان بعض الناس يأتي ويطلب من الرسول ﷺ ، فالرسول ﷺ يقول: اذهب إلى السوق والشيء الذي تشتريه علي قضاؤه، حتى مر عمر بن الخطاب ﵁ فأشفق على الرسول ﷺ وقال: يا رسول الله! ما كلفك الله؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ لما قال عمر ﵁، فقال أحد الأنصار: يا رسول الله! أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالاً، فتهلل وجهه ﵊، وليس هناك كرم مثل هذا، فالكرم من الإنسان أن ينفق شيئاً مما عنده، أما الرسول ﷺ فينفق كل ما عنده، بل أكثر من ذلك إذا نفد ما عنده وأتاه من يسأله قال له: خذ، وعليَّ قضاؤه.
فالتعليل الأخير لمخالفة طريقه ﵊ تعليل ضعيف.
وقيل: إنه خالف بين الطريقين لتخفيف الزحام، وقيل: كان طريقه التي يرجع منها أبعد من التي يتوجه فيها، فأراد تكثير الأجر بتكثير الخطى في الذهاب، وأما في الرجوع فمن أجل أن يسرع إلى منزله، أي: أن الطريق الذي يذهب منه بعيد، والطريق الذي يرجع منه قريب، فهو يسلك البعيد في الذهاب من أجل كثرة الأجر، ويرجع من الطريق القريب في الرجوع حتى يدرك منزله، وهذا غير صحيح.
وقد ذكرنا حديث أبي بن كعب وفيه: (الرجل الذي كان أبعد الناس مسكناً من المسجد، وكانت لا تخطئه صلاة خلف رسول الله ﷺ فلما قالوا له: لو ابتعت حماراً لليلة الظلماء والليلة الشاتية؟ قال: إني لأرجو أن يكتب الله لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي منه، فقال له ﷺ : قد جمع الله لك ذلك كله) معناه: أن أجر الذهاب والرجوع مكتوب، فلو كان الطريق بعيداً كما قيل لكان النبي ﷺ سيحرص على أن يذهب منه ويرجع.
والمقصود من سرد هذه الأقوال: أن نعرف أن الأئمة ﵏ أجهدوا أنفسهم واستفرغوا وسعهم في فهم سنة الرسول ﷺ ، وليس صحيحاً ما يظنه بعض الناس: أن مثل أئمة الحديث هؤلاء يروون الأحاديث دون فقه بمعناها، حتى قال بعض الناس: إن علماء الحديث مع أهل الفقه بمنزلة من يأتي بالطوب والبناء يبنيه كما يريد، وما من شك بأن هذا خطأ، فعلماء الحديث ﵏ فقهاء، ولذلك لو تأملنا صحيح البخاري وجدنا أنه لا يخلو من الفقه، قال العلماء: تراجم البخاري دليل فقهه أي: أنه يستنبط من الأحاديث.
السنة الخامسة: الأكل قبل الغدو يوم الفطر؛ لحديث أنس: (كان النبي ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات) وفي رواية: (وتراً)، والوتر أقله واحدة، لكنه كان يأكل أكثر من واحدة؛ لأنه قال: يأكل تمرات، والمعنى: أن أقلها ثلاث، أما ما يصنعه بعض الناس كأن يأكل كيلو بمفرده، ومن ثم يأتي إلى المصلى ويمسك ببطنه ويصلي الركعتين، ويخرج سريعاً ولا يحضر الخطبة، فليس هذا من السنة، فالسنة أن تأكل تمرات، وجاء في الحديث الصحيح: (من تصبح بسبع تمرات من تمر المدينة -وفي بعض الألفاظ: ما بين لابتيها، وفي بعض الألفاظ: من تمر العوالي- لم يضره سم ولا سحر بإذن الله).
السنة السادسة: تأخير الفطر يوم الأضحى حتى يرجع فيأكل من أضحيته، لحديث بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁: (كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي).
وقوله: (فيأكل من أضحيته) مفهومه: بأن الذي لا يضحي لا حرج عليه لو أكل قبل خروجه للصلاة، لكن من كان يريد اتباع السنة وكان ذا سعة وأمكنه الله من الأضحية فلا يأكل حتى يرجع فينحر فيأكل من أضحيته.
السنة السابعة: التكبير جهراً في الغدو إلى المصلى، ويستمر التكبير إلى الشروع في الصلاة، فإذا جلسنا بعد صلاة الفجر فنبدأ بالتكبير ونرفع أصواتنا إلى أن يحين وقت الصلاة، وبالنسبة لعيد الفطر: فالمشروع: التكبير من ليلة العيد، لقول الله : ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥].
وأما بالنسبة للأضحى: فنكبر من ظهور هلال ذي الحجة، لحديث نافع: أن ابن عمر ﵄ كان يغدو إلى المصلى يوم الفطر إذا طلعت الشمس فيكبر حتى يأتي المصلى، ثم يكبر بالمصلى حتى إذا جلس الإمام ترك التكبير.
وإذا خرجت إلى المصلى فلا تصلي ركعتين، وإنما تأتي فتجلس وتستمر في التكبير حتى إذا خرج الإمام تقطع التكبير.
السنة الثامنة: أداء الصلاة في المصلى، أي: في الصحراء؛ لحديث أبي سعيد: (أن النبي ﷺ كان يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى)، وتكره صلاتها في المسجد إلا لعذر، كالبرد الشديد، والريح.
فأحياناً يمنع الناس من الخروج إلى المصلى عذر كالمطر أو الريح، أو عدم وجود مكان، أو أن السلطات منعت، كما حصل في بعض البلاد، فلا يصيروها فتنة في ي
стр. 653
تنبيهات
الأول: المشي من طريق والرجوع من طريق آخر فرضه بعض العلماء في كل صلاة، أي: أنه في أي صلاة لا بد أن تذهب من طريق وترجع من طريق آخر، وبعض العلماء فرضها في كل قربة، فمثلاً: ذهبت لزيارة والديك -وهي قربة- فتذهب من طريق وترجع من آخر، وكذلك لو ذهبت لعيادة مريض، لكن الأصل: أن نقتصر على ما وردت به السنة من مخالفة الطريق في يوم العيد وحده.
ومشكلة الناس أنهم يصلون العيد الساعة الثامنة، أو التاسعة، أو العاشرة، أو الحادية عشرة، والسنة في يوم الفطر التأخير وفي يوم الأضحى التبكير، وإنما التأخير في يوم الفطر ليتسنى للناس إخراج الزكاة، وفي يوم الأضحى التبكير ليتسنى للناس الذبح، ومثلما قال الشيخ كشك رحمة الله عليه: صارت الأضحية مشكلة: أما الأغنياء فإن الواحد منهم يذبح ولا يصلي أي: لا يهتم بصلاة العيد، فهو يذبح ثم يقعد ينظر إلى الخروف ويقول له: هيت لك، قال: وأما الفقير: فإنه ينظر إلى الخروف ويقول له: بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين.
الثاني: يسن التكبير في الأضحى، إثر خمس عشرة فريضة كما قالت المالكية، وينقطع عندهم بعد صلاة فجر اليوم الرابع، والصحيح: أن التكبير لا ينقطع إلا بعد صلاة العصر، أي: يكبر دبر كل صلاة فريضة كما كان يفعل سيدنا عمر ﵁ في منى، فقد يرفع صوته بالتكبير فترتج به منى، وهذا في عيد الأضحى فقط؛ لقول الله : ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣]، وقال النبي ﷺ : (أيام منى أيام أكل وشرب وذكر) وفي رواية: (وبعل)، والبعل هو: الزوج أو الزوجة.
الثالث: يبدأ المضحي في الأكل من الأضحية بالكبد؛ لأن الرسول ﷺ كان يبدأ بالكبد، لكن قال بعض العلماء: إن هذه من العادات وليست من السنن، كما أن النبي ﷺ كان يحب الدباء الذي هو القرع، فبعض الناس لا يحبه أصلاً، فلا نقول: إنه خالف السنة، لكن كمال المحبة أن تحب الدباء، وكمال المحبة أن تبدأ بالأكل من الكبد، كما قال أنس بن مالك: (رأيت رسول الله يتتبع الدباء في الصحفة قال: فما زلت أحب الدباء من يومه)، وكذلك لما لم يأكل من طعام أبي أيوب ففزع أبو أيوب وقال: (يا رسول الله! نستغفر الله هل نزل فينا قرآن؟ قال: لا، ولكن في طعامكم شيء من تلك الشجرة -الثوم- وإني أكرهه قال: وأنا أكره ما تكره يا رسول الله!) أي: مرة أخرى لن يأتي الثوم في بيتنا، لكن لو كان إنسان يحب الثوم لا نقول إنه خالف السنة، لكن لا ينبغي أن يؤذي عباد الله، قال ﷺ : (فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم).
ومن أكل ثوماً أو بصلاً ثم تسوك فإن ذهبت الرائحة فالحمد لله، وبعض الناس من أهل التجربة من محبي البصل والثوم قال: لو أكلت بعده بقدونساً ذهبت الرائحة والله أعلم.
الرابع: صلاة العيد هناك من يقول بأنها فريضة، وأما قيام الليل فلا يوجد أحد قال: إنه فريضة على آحاد الأئمة، وقال بعض العلماء: كانت فريضة على رسول الله ﷺ وحده؛ استدلاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل:١ - ٢].
стр. 654
فقه الصلاة_أحكام صلاة الجماعة
اختلف العلماء في حكم صلاة الجماعة، واتفقوا على أن صلاة الجمعة فرض عين، وهناك أعذار مسقطة للجمعة أو الجماعة، كالمطر والوحل والأمراض المنفرة والمؤذية، والخوف من ضرب، أو حبس أو قتل، واللباس المزري والمخل بالمرءوة، ومدافعة الأخبثين، وحضور الطعام مع الحاجة إليه والقدرة على تناوله، وفوات الرفقة في السفر، والريح الباردة الشاقة، وغلبة النعاس، وغيرها من الأعذار.
ويسن للمسافر قصر الصلاة الرباعية والجمع بين الصلاتين.
стр. 655
حكم الجماعة والجمعة والأعذار المسقطة للجمعة والجماعة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً كما يشاء ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.
أما بعد: فإن الجمعة آكد من الجماعة؛ لأن الجماعة قد مضى الخلاف في حكمها؛ فبعض أهل العلم يقول: بسنيتها، وبعضهم يقول: بوجوبها وجوباً كفائياً، وبعضهم يقول: بوجوبها وجوباً عينياً، أما الجمعة فلا خلاف بين أهل الإسلام أنها فرض عين، فإذا عذر الإنسان في ترك الجمعة، فمن باب أولى يعذر في ترك الجماعة.
стр. 656
المطر
والأعذار التي يترك لأجلها الجمعة والجماعة أولها: المطر: وهو الذي يحمل أوساط الناس، أي: من كانوا أوسط الناس عقولاً وحالاً على تغطية الرأس، أي: أناس معتدلون، فتسقط الأمطار فيغطون رءوسهم، فمثل هذا العذر يبيح ترك الجماعة، والأصل في ذلك: ما رواه الشيخان: أن ابن عباس ﵄، قال لمؤذنه في يوم مطر: إذا قلت: أشهد أن محمداً رسول الله فلا تقل: حي على الصلاة، وإنما قل: صلوا في بيوتكم.
فتعجب الناس من مؤذن يرفع الأذان، قال: أشهد أن لا إله الله، مرتين، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، مرتين، وبعدها بدلاً من أن يقول: حي على الصلاة، قال: صلوا في بيوتكم، واستنكر الناس ذلك، فقال ﵁: أتعجبون من هذا؟! قد فعل ذلك من هو خير مني، أي: رسول الله ﷺ ، إن الجمعة عزمة، أي: فريضة، وإني كرهت أن أخرجكم فتمشون في الطين والدحض، والأرض الدحض هي: غير الثابتة.
وكثير من الناس الآن إذا فعل سنة فاستنكر الناس، فإنه يغضب، ويقول: بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، ما أجهل الناس بالسنة، ما أجرأهم على الشرع، ويبدأ يقرع الناس، أقول: هذا في زمان ابن عباس، وجهل الناس هذه السنة واستنكروها، كذلك أمنا عائشة ﵂ لما مات سعد بن أبي وقاص ﵁ أمرت أن يؤتى بجنازته إلى المسجد، فتصلي عليها وهي في الحجرة؛ لأنها لا تستطيع أن تذهب إلى المقابر، فصلت على جنازة سعد وهي في حجرتها والجنازة في المسجد، فأكثر الناس من الإنكار، فقالت أمنا ﵂: ما أسرع ما نسي الناس! والله ما صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء إلا في المسجد.
فإذا كان في الصدر الأول وعلى أيام الصحابة منْ غابت عنهم بعض السنن، فمن باب أولى الآن لَّما بَعُد عهدنا بالنبوة، وعظم في المسلمين الجهل، فإننا نصبر على الناس ولا نعنفهم.
إذاً: العذر الأول الذي تسقط به الجمعة والجماعة: المطر، فإذا كان مطراً خفيفاً فإنه لا يؤثر، ويجب عليك أن تخرج للجمعة وللجماعة.
стр. 657
الوحل
العذر الثاني: الوحل (بفتح الواو والحاء) وهو: الطين الذي يحمل أوساط الناس على خلع النعال، ومعنى أوساط الناس واضح، فإنك تجد الأطفال خفاف العقول مجرد ما ينزل المطر -لو كان هناك طريق جافة- فإنهم يخلعون نعالهم ويخوضون في الطين، فهؤلاء لا اعتبار بهم، وإنما المقصود: من كانوا أهل عقلٍ وفطنة واعتدال، فإذا كان بينك وبين المسجد طين ودحض فأنت معذور في أن تصلي في بيتك.
стр. 658
الجذام الشديد
العذر الثالث: الجذام الشديد، وكذلك كل مرض يؤذي براحته أو عدواه، عافانا الله وإياكم والمسلمين، فيتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، فهذا المريض نقول له: صل في بيتك ولك أجر الجماعة إن شاء الله، إن علم الله من حالك أنك تحب الصلاة في الجماعة، لأنك تؤذي الناس بالعدوى؛ لأن الجذام معدٍ، وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) فكل مرض معدٍ نقول لصاحبه: صل في بيتك، وكذا كل مرض يؤذي براحته، ومنه -عافاني الله وإياكم- البخر، أي: إنسان يكون في فمه رائحة تؤذي الناس، فهذا يصلي في بيته ولا تثريب عليه، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١]، وقول النبي ﷺ : (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، ولأن النبي ﷺ لما مرض تخلف عن الجماعة، وكان ذلك في مرض موته، فهو قد تخلف عن خمس عشرة صلاة صلاها في بيته ﵊، فهذه الأدلة: ثلاثة من القرآن، وعندنا دليل من السنة القولية، ودليل من السنة العملية أو الفعلية، فالنبي ﷺ لما مرض تخلف عن الجماعة، وأمر أبا بكرٍ أن يصلي بالناس، وكذلك سيدنا عمر ﵁ لما طعن وحمل إلى بيته وسقي حليباً، فخرج الحليب من موضع الجرح، وعلم أنه ميت؛ أمر صهيباً أن يصلي بالناس.
стр. 659
المرض الذي يشق معه الوصول ماشياً أو راكباً
العذر الرابع: المرض الذي يشق معه الوصول ماشياً أو راكباً، وهذا في مذهب المالكية ﵏، يقولون: أنت مريض، وعذرك أنك لا تستطيع المشي، فعليك أن تركب إن كنت تستطيع الركوب أو عندك ما تركبه، فإن لم يكن عندك ما تركبه ولا تستطيع المشي، فأنت معذور في ترك الجمعة والجماعة.
стр. 660
تمريض قريب خاص أو احتضاره أو موته، أو تمريض بعيد لا أحد يقوم به
العذر الخامس: تمريض قريب خاص كولد ووالد وزوج أو احتضاره أو موته، وكذا تمريض بعيد لم يكن له من يقوم به، فعندك مثلاً ولدك في البيت أو زوجتك، وقد مرضت بداء عضال، وتحتاج إلى مرافق يلازمها ويداويها، ففي هذه الحالة أنت معذور في ترك الجمعة والجماعة، وكذلك لو أن المريض ليس من الأقارب، لكن ليس هناك من يقوم به، كحال أصحاب المهن الطبية كالأطباء والممرضين، فهؤلاء أيضاً يعذرون في ترك الجمعة والجماعة، والدليل قول الله : ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢] والإحياء يكون بالمداواة، والإحياء كذلك بتلقين الشهادة، فإذا كان عندك إنسان محتضر، فلا تتركه وتذهب لأداء صلاة الجمعة، فلربما فاضت روحه ولم يجد من يلقنه، فعليك أن تبقى معه وتلقنه شهادة التوحيد، قال النبي ﷺ : (لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله).
стр. 661
الخوف من الضرب أو الحبس أو القتل في غير حق شرعي
العذر السادس: الخوف من الضرب أو الحبس، ومن باب أولى القتل في غير حق شرعي، فإذا كان إنسانٌ في بلد ما يطارده حاكم ظالم، أو أمير جائر، وهو معرض للقبض عليه، كالشاب الذي يحافظ على الجماعة، ويوضع في القائمة السوداء، فمثل هذا معذور، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، فلربما يلقى في السجن من غير محاكمة؛ لأنه محافظ على الجماعة، فمن خاف من الضرب أو الحبس، ومن باب أولى القتل، فإنه يعذر في ترك الجمعة والجماعة، وكذلك الخوف على المال من النهب، كإنسان نزل بلداً وليس له فيها مكان يقيم به، فخشي أنه لو ترك متاعه (حقائبه وحاجياته) ودخل إلى المسجد أنه سيخرج فلن يجدها، فمثل هذا معذور، فنقول له: صل وحدك واحرس متاعك، ويمثل الفقهاء الأولون رحمهما الله: بإنسان شرد منه بعيره وهو داخل إلى المسجد، فقيل له: بعيرك في مكان كذا، فإذا دخل مع الجماعة يكون باله مع البعير، فنقول له: أدرك بعيرك، والله غفور رحيم، وقد ذكر الشيخ سعيد بن مسفر: أنه في مرة من المرات، أعطاه شخصٌ زكاة في رمضان مائة وخمسين ألف ريال في حقيبة، وقال له: وزعها، قال: فحملتها في السيارة ومعي أهلي، فذهبنا لزيارة بعض الأقارب؛ وخوفاً على الحقيبة من أن يعبث بها الأطفال وضعتها في الصندوق في الخلف، وذهبت وأوصلت أهلي، ثم ذهبت إلى صلاة العشاء، فرآني إمام المسجد، فقال: قد جاء الله بك اليوم تصلي بنا، قلت له: خير إن شاء الله، قال: وبعد الصلاة بارك الله فيك تذكرهم، فقلت له: خير إن شاء الله، فلما دخلت في صلاة العشاء، وقلت: الله أكبر، قال لي الشيطان: والحقيبة، فو الله ما أدري ما قرأت في الصلاة ولا ما فعلت، وبعد الصلاة اعتذرت للإمام، فقال لي: والله ما نتركك أبداً، لابد أن تعطينا كلمة، فأعطيتهم كلمة لا أدرى ما قلت فيها، ثم خرجت، فوجدت الحقيبة كما هي، فأخذتها ورجعت إلى المسجد فسجدت شكراً لله، ثم أعدت الصلاة مرة ثانية، إذاً: الإمام شدد عليه، وكان من الممكن أن الإمام يعذره، ويقول له: اخرج فأدرك مالك، ثم تلحق بالجماعة أو لا تلحق.
стр. 662
من لا يجد من اللباس إلا ما يزري به أو يخل بمروءته
العذر السابع: من لا يجد من اللباس إلا ما يزري به أو يخل بمروءته، كأن يكون شخصٌ ما وجد شيئاً من اللباس، أو أن ملابسه تلفت أو كان الباب مغلقاً، أو ما أشبه ذلك، ولم يجد إلا اللباس الداخلي الذي يسمى بالعلاقي والسروال، وليس هناك ما يستر به رأسه وهو صاحب هيئة حسنة، كأن يكون إمام مسجد ونحو ذلك، فلو خرج على هذه الحال لاستنكره الناس، وقالوا: إن فلاناً قد أصابته لوثة، أو إن فلاناً قد أصابته جنة، أو إن فلاناً حصل به كذا وكذا، فهذا له عذر يترك به الجمعة والجماعة، والأصل في ذلك كله: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، قال الإمام أبو بكر بن العربي المالكي الإشبيلي: كل عبادة تسقط بالعذر الذي يسلب القدرة أو يدخل في المشقة، مثالها: إنسان صائم، فسُلِب القدرة على الصيام، سقط عنه الصيام، كذلك لو أن إنساناً مسافراً يشق عليه الصيام يسقط عنه الصيام، وبعد ذلك يقضي، فالذي يسلب القدرة هو المرض، والذي يدخل في المشقة: الطين والمطر، أو البرد للعريان، أو لا يجد من الثياب ما يكفي، والجو شديد البرد، فإن الله يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وعندنا في ذلك أصل في كتاب الطهارة: بأن عمرو بن العاص ﵁ في غزوة ذات السلاسل لما أجنب تيمم ولم يغتسل، وصلى بالناس إماماً ولم ينكر عليه رسول الله ﷺ .
стр. 663
مدافعة الأخبثين
العذر الثامن: مدافعة أحد الأخبثين؛ لقوله ﷺ : (لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان) ولأن المدافعة تقتضي انشغال القلب عن الصلاة، وهذا خلل في نفس العبادة، وترك الجماعة خلل في أمر خارج عن العبادة، وهذا يحصل كثيراً، كأن يكون إنسان يريد أن يصلي الظهر مع الجماعة في مكان العمل مثلاً، وعنده وضوء، ولكنه حاقن أو حاقب، ولا يجد حماماً يقضي فيه حاجته، فينبغي له أن لا يصلي مع الجماعة على هذه الحال، بل يرجع إلى بيته، أو يصبر حتى يجد حماماً فيتخلص من الأخبث الذي في جوفه، ثم يصلي وحده؛ لأن الصلاة مع مدافعة الأخبثين فيها انشغال، فهذا خلل في نفس العبادة، بينما ترك الجماعة أمر خارج عن العبادة، كذلك نستدل بأن احتباس هذا الأخبث فيه ضرر على البدن، وقاعدة الإسلام: أنه لا ضرر ولا ضرار، فأنت حين تعاني من بعض الآلام وتذهب إلى طبيب المسالك البولية، فيبين لك أن السبب هو حبس البول زمناً طويلاً، فمدافعة أحد الأخبثين عذر في ترك الجمعة والجماعة.
стр. 664
حضور الطعام مع الحاجة إليه والقدرة على تناوله
العدد التاسع: من حضره طعام وهو محتاج إليه قادر على تناوله، لقوله ﷺ : (لا صلاة بحضرة طعام).
وروى البخاري: أن عبد الله بن عمر كان يسمع قراءة الإمام وهو يتعشى، وقال النبي ﷺ : (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء)، فإذا رجعت إلى بيتك وأنت جائع تعاني من مسغبة، وحضرت صلاة العصر، فإن أمكن أن تتناول ما يحصل به الشبع، أو يصل إلى حد الشبع، ثم تدرك الصلاة فذلك ما كنا نبغ، وإن تعارضا فابدأ بالطعام، لكن بشرطين: الشرط الأول: أن تكون قادراً على تناوله، كأن تكون جائعاً وتعاني من مسغبة، وكان ذلك في رمضان، وجاء وقت صلاة المغرب، فليس عليك حرج أن تذهب إلى الصلاة؛ لأن الطعام قد حضر، وأنت قادر على تناوله ومشغل بجوعك، وهذا معنى القدرة على تناول الطعام.
الشرط الثاني: ألا يتخذ ذلك عادة، وألا يدخل في التفريط، كأن يجعل وقت طعامه دائماً مع وقت الصلاة، وهذا مذموم بغير شك، واعلم أن الطعام إذا لم ينضج، فإن النفس لا تقدر عليه، لكن سمعنا أن بعض الناس يأكل اللحم نيئاً، ويسمونها مرارة.
стр. 665
ملازمة الدائن للمدين ولا شيء معه
العذر العاشر: ملازمة الغريم ولا شيء معه، وصورته: أن يكون لك عندي مال دين، وكلما ذهبت إلى المسجد أمسكت بخناقي، وقلت: يا مماطل! يا كاذب! يا من تأكل حقوق الناس! وتبدأ تسمعني ما أكره في صلاة الظهر، وكذلك في صلاة العصر، وكذلك في صلاة المغرب، فعلى ذلك فإن هذا عذر في ترك الجمعة والجماعة، ونعوذ بالله من غلبة الدين وقهر الرجال، لكن من الممكن أن تصلي في جامع آخر، حسب الخوف الذي يتبعك أنت.
стр. 666
أعذار أخرى تبيح ترك الجمعة والجماعة
ومن الأعذار: فوات الرفقة إن كان في سفر، فإن صلى المسافر في جماعة فاتته رفقة أصحابه المسافرين، فهذا عذر يبيح ترك الجمعة أو الجماعة.
ومن الأعذار: الريح الباردة الشديدة في الليلة الظلماء.
ومن الأعذار: غلبة النعاس، مثال ذلك: إنسان يريد أن يصلي، لكن غلبه النعاس، بحيث لا يعقل ما يقول، فهذا يجوز له أن ينام نوماً يسيراً حتى يذهب ما به، ثم يصلي وحده، وقد قال رسول الله ﷺ : (ليصل أحدكم نشاطه، فإذا نعس فليرقد، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه).
стр. 667
العبرة بالمشقة في الريح الباردة الشديدة
السؤال
ما هو المقياس في الريح الباردة الشديدة؟
الجواب
المشقة، وربما تكون ريحاً باردة، ولكن الإنسان عنده من الثياب ما يقيه ذلك البرد، فليس في ذلك مشقة، أو من الناس مَنْ عنده من الحرارة الداخلية ما لا تؤثر فيه تلك الريح، ومعروف أن النحيف غير السمين.
стр. 668
يعذر الإنسان إن ترك الجمعة أو الجماعة لتطويل الإمام
السؤال
بعض الأئمة قد يطول تطويلاً فاحشاً، فهل يعذر الإنسان في ترك الجمعة والجماعة لتطويل الإمام؟
الجواب
نعم، إذا كان طولاً زائداً عن السنة؛ ودليل ذلك أن النبي ﷺ لم يوبخ الرجل الذي انصرف من صلاته حين شرع معاذ في سورة البقرة، بل وبخ معاذاً وذلك أن معاذاً ﵁ كان يصلي بالناس، وكان فقيهاً صالحاً ﵁ وأرضاه، فافتتح سورة البقرة وبدأ يقرأ، وأطال كثيراً، فخرج أحد الناس من الصف ومشى إلى الخلف، وكبر وصلى وانتهى، وشكا معاذاً إلى رسول ﷺ ، ثم ذهب معاذ ولحقه ﵁، فقال الرسول ﷺ : يا رسول الله! إنه منافق، وكان الرجل يشكو للرسول ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إن معاذاً نشكوه مما يطول بنا، فغضب رسول الله ﷺ وقال: (إن منكم منفرين، أفتان أنت يا معاذ؟ إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة).
стр. 669
يعذر الإنسان إن ترك الجمعة أو الجماعة لسرعة الإمام الزائدة حال الصلاة
السؤال
هل يعذر الإنسان عن تركه الجمعة والجماعة لسرعة الإمام الزائدة؟
الجواب
نعم، إذا كان يسرع إسراعاً لا يتمكن به الإنسان من فعل الواجب؛ كأن لا يتمكن من الطمأنينة في صلاته، وعليه أن يبحث عن مسجد آخر.
стр. 670
لا عذر لمن ترك الجمعة والجماعة لكون الإمام فاسقاً
السؤال
هل يعذر الإنسان عن تركه الجمعة والجماعة إذا كان الإمام فاسقاً، كأن يشرب الدخان أو يحلق لحيته أو بذئ اللسان ونحوها؟
الجواب
لا يعذر، بل يصلي معهم، كما هو معروف في صلاتهم خلف الحجاج، لكن الحجاج لم يكن يدخن، ولم يكن يحلق اللحية، وإن كان عندي القتل أقبح من هذا كله.
وقد تقدم: أن كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره، فليس في ذلك عذر، لكن إذا أمكن الناس خلع هذا الإمام دون إحداث فتنة، فهذا هو المطلوب، وإلا فلا.
следующие страницы →