← Джавами‘

Джавами‘ · id 37422

دروس الشيخ عبد الحي يوسف

عبد الحي يوسف

Полный текст (933 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

أعذار أخرى تبيح ترك الجمعة والجماعة ومن الأعذار: فوات الرفقة إن كان في سفر، فإن صلى المسافر في جماعة فاتته رفقة أصحابه المسافرين، فهذا عذر يبيح ترك الجمعة أو الجماعة. ومن الأعذار: الريح الباردة الشديدة في الليلة الظلماء. ومن الأعذار: غلبة النعاس، مثال ذلك: إنسان يريد أن يصلي، لكن غلبه النعاس، بحيث لا يعقل ما يقول، فهذا يجوز له أن ينام نوماً يسيراً حتى يذهب ما به، ثم يصلي وحده، وقد قال رسول الله ﷺ : (ليصل أحدكم نشاطه، فإذا نعس فليرقد، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه).

стр. 667

العبرة بالمشقة في الريح الباردة الشديدة السؤال ما هو المقياس في الريح الباردة الشديدة؟ الجواب المشقة، وربما تكون ريحاً باردة، ولكن الإنسان عنده من الثياب ما يقيه ذلك البرد، فليس في ذلك مشقة، أو من الناس مَنْ عنده من الحرارة الداخلية ما لا تؤثر فيه تلك الريح، ومعروف أن النحيف غير السمين.

стр. 668

يعذر الإنسان إن ترك الجمعة أو الجماعة لتطويل الإمام السؤال بعض الأئمة قد يطول تطويلاً فاحشاً، فهل يعذر الإنسان في ترك الجمعة والجماعة لتطويل الإمام؟ الجواب نعم، إذا كان طولاً زائداً عن السنة؛ ودليل ذلك أن النبي ﷺ لم يوبخ الرجل الذي انصرف من صلاته حين شرع معاذ في سورة البقرة، بل وبخ معاذاً وذلك أن معاذاً ﵁ كان يصلي بالناس، وكان فقيهاً صالحاً ﵁ وأرضاه، فافتتح سورة البقرة وبدأ يقرأ، وأطال كثيراً، فخرج أحد الناس من الصف ومشى إلى الخلف، وكبر وصلى وانتهى، وشكا معاذاً إلى رسول ﷺ ، ثم ذهب معاذ ولحقه ﵁، فقال الرسول ﷺ : يا رسول الله! إنه منافق، وكان الرجل يشكو للرسول ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إن معاذاً نشكوه مما يطول بنا، فغضب رسول الله ﷺ وقال: (إن منكم منفرين، أفتان أنت يا معاذ؟ إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة).

стр. 669

يعذر الإنسان إن ترك الجمعة أو الجماعة لسرعة الإمام الزائدة حال الصلاة السؤال هل يعذر الإنسان عن تركه الجمعة والجماعة لسرعة الإمام الزائدة؟ الجواب نعم، إذا كان يسرع إسراعاً لا يتمكن به الإنسان من فعل الواجب؛ كأن لا يتمكن من الطمأنينة في صلاته، وعليه أن يبحث عن مسجد آخر.

стр. 670

لا عذر لمن ترك الجمعة والجماعة لكون الإمام فاسقاً السؤال هل يعذر الإنسان عن تركه الجمعة والجماعة إذا كان الإمام فاسقاً، كأن يشرب الدخان أو يحلق لحيته أو بذئ اللسان ونحوها؟ الجواب لا يعذر، بل يصلي معهم، كما هو معروف في صلاتهم خلف الحجاج، لكن الحجاج لم يكن يدخن، ولم يكن يحلق اللحية، وإن كان عندي القتل أقبح من هذا كله. وقد تقدم: أن كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره، فليس في ذلك عذر، لكن إذا أمكن الناس خلع هذا الإمام دون إحداث فتنة، فهذا هو المطلوب، وإلا فلا.

стр. 671

حكم من يترك صلاة الجمعة والجماعة لأكله البصل السؤال الآكل للبصل هل يعذر إذا ترك الجمعة والجماعة؟ الجواب المسألة ترجع إلى النية، إن قصد بذلك ألا يصلي مع الجماعة فهذا حرام، أما إذا قصد التمتع به وأنه يشتهيه فليس بحرام، قياساً على المسافر في نهار رمضان، إن قصد بذلك الهروب من الصيام فهو آثم، قيل لأعرابي: دخل رمضان، قال: لأشتتن شمله بالأسفار، فمثل هذا آثم، أما إن كان طرأ عليه السفر، فهذا يفطر ولا إثم عليه اتفاقاً، كذلك من أكل الثوم أو البصل أو الفجل، أو غيره من ذوات الروائح الكريهة فإنه يصلي في بيته وهو معذور.

стр. 672

يُمنع الذي يؤذي الناس من حضوره المسجد، لكن ليس معذوراً والذي يؤدي الناس في حضوره المسجد فإنه لا يحضر ولا يأتي؛ لا لأنه معذور، بل دفعاً لأذيته، والفرق بينه وبين أصحاب الأعذار: أن المعذور يكتب له أجر الجماعة إذا كان من عادته الصلاة في الجماعة، والدليل على ذلك: قول النبي ﷺ : (إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له مثلما كان يعمل مقيماً صحيحاً)؛ لأن العذر ليس بيده، لكن صاحب البصل هذا مد يده وأكل البصل أو أكل الثوم.

стр. 673

لا يعذر المجرم الهارب من الشرطة عن حضور الجمعة أو الجماعة السؤال المجرم إذا خشي أنه إذا خرج إلى الجمعة أو الجماعة أمسكت به الشرطة، هل يعذر في الترك؟ الجواب لا يعذر؛ لأنه مطالب بحق من تعرض له بظلم، بخلاف الأول الذي هو الخوف من ضرب أو حبس، ومن باب أولى القتل إذا كان من سلطان ظالم ونحوه، فهذا معذور، لكن هذا الذي قتل، ولم يستطع أن يخرج إلى المسجد؛ لئلا يقبض عليه، فمثل هذا لا عذر له.

стр. 674

أحكام المسافر

стр. 675

سبب تسمية السفر بالسفر ومعناه لغة السفر لغة: مفارقة محل الإقامة؛ وسمي السفر سفراً؛ لأن الإنسان يسفر به عن نفسه، يعني: هو في بيته مكنون مستور، لكن إذا سافر برز للناس، وعرفه من لم يكن يعرفه، وقيل: لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر:٣٤] وهذا في الزمان الماضي، عندما كان السفر يستغرق زماناً طويلاً، حين كان الناس يستعملون الرواحل، لكنْ الآن إذا ذهب الإنسان إلى العمرة، فإن السفر لا يستغرق إلا ساعة أو تزيد قليلاً، فلا تستطيع أن تتعرف به على أخلاق الرجال، وتعرفون بأن القضاة من سلفنا الصالحين كانوا إذا زكى الرجل منهم رجلاً يسألونه: هل عاملته بالدينار والدرهم؟ هل سافرت معه؟ أما كونه أعرفه في المسجد وأسلم عليه ويسلم علي، فهذه ليست كافية.

стр. 676

حكم القصر للمسافر لا يحق لغير المسافر أن يقصر، ونضرب مثلاً لذلك بالمريض، حيث إنك إن زرت مريضاً في المستشفى، فقال لك: أنا منذ عشرة أيام لشدة المرض أقصر الصلاة، نقول له: وجب عليك أمران: التوبة إلى الله، وإعادة الصلاة، بينما لو قال هذا المريض أنا أجمع بين الصلاتين، بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، نقول له: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وفعلك صحيح، ولو قال مثلاً: أنا لشدة المرض أصلي الصلوات كلها في آخر الليل، نقول له: واجب عليك التوبة إلى الله، ولا إعادة عليك؛ لأنه ليس هناك فائدة، فهو من ناحية الكمية أوقعها صحيحة، لكن من ناحية الوقت قد أخل. إذاً: الأعذار ثلاثة: إما سفر، وإما مرض، وإما خوف، أما بالنسبة للسفر فهذا عذر يقتضي نقص الكمية والجمع في السفر، فالرباعية تصير اثنتين، ثم يحق لك الجمع بين الصلاتين المشتركتين في الوقت، في الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في وقت أحدهما. وبالنسبة للمرض فإنه ليس هناك نقص في الكمية، وإنما هناك جمع إن احتاج إليه. وبالنسبة للخوف فإن هناك تغيير في الكيفية، ولو كان هناك سفر مع الخوف نقص أيضاً في الكمية، فمثلاً: لو دهمنا العدو لا قدر الله فالصلاة الرباعية تبقى رباعية، لكن الكيفية تختلف؛ كما قال الله : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة:٢٣٩] أي: نحن في حال شدة القتال والخوف الشديد نصلي مستقبلين القبلة أو مستدبريها، نصلي ونحن ماشون، ونحن نجالد العدو، وسواء بطهارة أو بغير طهارة، فهنا اختلفت الكيفية، لكن تبقى الكمية كما هي. فالأعذار: إما سفر وإما مرض وإما خوف، وقال المالكية ﵏: يسن لمن سافر سفراً مباحاً أن يقصر الرباعية، ولا قصر للمسافر في صلاة المغرب؛ لأنها وتر النهار، ولا قصر في صلاة الصبح؛ لأن قصرها يجعلها وتراً، وهذا التعليل فقط، ويكفينا أن الرسول ﷺ قصر في الرباعية فقط في السفر، ولم يقصر في صلاة المغرب ولا في صلاة الصبح.

стр. 677

عدم جواز قصر الصلاة الرباعية لمن كان سفره محرماً القصر في الصلاة الرباعية لا يسنُّ إلا لمن سافر سفراً مباحاً، كالتجارة مثلاً، أو سافر سفراً مستحباً أو واجباً، كصلة الرحم، ومن سافر سفراً محرماً فلا يجوز له أن يقصر، وأوضح مثال للسفر المحرم في هذا الزمان: سفر المرأة بغير محرم، كسيدات نساء الأعمال، فمن نساء الأعمال من تذهب إلى ماليزيا لحضور مؤتمر كذا، وتذهب إلى دبي لحضور مهرجان كذا وهي وحدها، فهذه لا تقصر، فمن سافر سفراً محرماً فلا يحل له أن يقصر، كسفر المرأة بغير محرم، ومن سافر ليقتل معصوماً، أو سافر ليبرم عقداً ربوياً، أو سافر للفواحش أجاركم الله، كأن يسافر لممارسة الخنا ويشرب المسكر، فلو فرض أنه يصلي فليس من حقه أن يقصر. ومن سافر سفراً واجباً كمن سافر لحجة الفريضة، أو لطلب العلم الواجب، فمن حقه أن يقصر، ومن سافر سفراً مستحباً، كمن سافر للحجة الثانية، فمن حقه أن يقصر، ومن سافر سفراً مباحاً للنزهة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الروم:٤٢] أو سافر للتجارة، أو سافر إلى الصين من أجل أن يستجلب بعض البضائع، فهذا من حقه أن يقصر. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 678

فقه الصلاة_أحكام صلاة الجمعة [١] إن يوم الجمعة يوم عظيم في الإسلام، هدى الله إليه المسلمين في حين أن اليهود والنصارى ضلوه، وشرع الله فيه صلاة الجمعة، وهي ركعتان قبلهما خطبتان، وهي واجبة عيناً على كل ذكر حر مكلف مستوطن خالٍ من الأعذار، ووقتها كوقت الظهر، وقد ذكر العلماء في سبب تسميتها بهذا الاسم عدة أقوال، كما أنه قد حصل خلاف في العدد الذي تنعقد به صلاة الجمعة.

стр. 679

مقدمة في فضل يوم الجمعة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكر الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار. أما بعد: فالكلام هنا إن شاء الله يتناول الأحكام المتعلقة بصلاة الجمعة، ويوم الجمعة هو خير أيام الأسبوع؛ لأن النبي ﵊ قال: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة، ما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة حذراً من قيام الساعة)، وقال النبي ﷺ أيضاً: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة)، والجمع بين الحديثين هو كما قال ابن القيم ﵀: بأن يوم الجمعة خير يوم باعتبار الأسبوع، ويوم عرفة خير يوم باعتبار السنة. وثبت عن نبينا ﷺ أنه قال: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، وهذا اليوم الذي فرض الله عليهم فضلوا عنه وهدانا الله إليه، والناس لنا فيه تبع، اليهود غداً والنصارى بعد غد). إذاً: فقد فرض الله على اليهود والنصارى تعظيم يوم الجمعة لكنهم ضلوا عنه، فعوقب اليهود بالسبت وعوقب النصارى بالأحد، وهدانا الله معشر أمة محمد ﷺ لعبادته في هذا اليوم العظيم، وقد أخبر النبي ﵊ بأجر كبير لمن استوفى شروط الجمعة وأتى بسننها وآدابها، فقد ثبت عنه في الحديث أنه قال: (من غسل يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فأنصت كان له بكل خطوة يخطوها أجر صيام سنة وقيامها، وذلك على الله يسير)، وثبت عنه ﷺ أنه قال: (من تطهر يوم الجمعة بأحسن ما يجد من طهر، ثم لبس من أحسن ثيابه، ثم مس من طيبه أو طيب بيته، ثم خرج إلى المسجد فلم يفرق بين اثنين، ثم صلى ما كتب الله له أن يصلي، ثم إذا خرج الإمام جلس فاستمع وأنصت غفر له ما بين الجمعة والجمعة وزيادة ثلاثة أيام، وذلك أن الله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠]). فيوم الجمعة ثوابه عظيم، وأجره كبير، وحري بالمسلم أن يعرف الأحكام المتعلقة بهذه الفريضة؛ حتى يأتي بها على الوجه الأتم الأكمل، والكلام عن هذه الفريضة العظيمة ينحصر في عدة مسائل نذكرها تباعاً.

стр. 680

حكم صلاة الجمعة يقول المالكية ﵏: الجمعة فرض عين على المكلف الذكر الحر المقيم الخالي من الأعذار التي تمنع شهود الجمعة، وفرض العين: هو الذي يثبت على كل مسلم استقلالاً لا يغني فيه أحد عن أحد، لكن هذه الفرضية متوجهة لمن توافرت فيه ستة شروط من المكلفين، وكلمة المكلف تعني: من توافرت فيه صفتا البلوغ والعقل، فهذان شرطان، والمالكية أجملوهما في شرط واحد فبدلاً من أن يقولوا: الجمعة فرض عين على البالغ العاقل، قالوا: الجمعة فرض عين على المكلف، أي: البالغ العاقل. وقد جاء في هذا حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (رفع القلم عن ثلاث) وعد منهم الصبي والمجنون.

стр. 681

مطالبة الكفار بفروع الشريعة والمالكية لم يقولوا: الجمعة فرض عين على المسلم؛ لأن الكافر مطالب بالعبادات وجميع فروع الشريعة وسيحاسب عليها يوم القيامة، فسيحاسب على كفره وسيحاسب كذلك على ترك الصلاة والصيام؛ لأن الله قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٣٨ - ٤٣]. بل وأكثر من ذلك: أن الكافر سيحاسب على النعم في يوم القيامة، فسيحاسب على الماء البارد الذي شربه وسيعاقب عليه، وسيحاسب أيضاً على اللحم الذي أكله وعلى العافية التي كانت في بدنه؛ لأن الله قال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢]، ومفهوم قوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف:٣٢]؛ أنها ليست خالصة للكفار. وكذلك قول الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة:٩٣]، فمفهوم الآية: أن على الكفار جناح فيما طعموا، ويدل على هذا قول الله : ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨]، خاصة إذا علمنا بأن الكافر يدب على أرض الله، ويستظل بسمائه، ويتقلب في نعمه، ثم بعد ذلك يستعمل هذا النعيم كله لحرب الله ورسوله.

стр. 682

من تجب عليهم الجمعة ؟ والجمعة فرض على المكلف لا على الصغير، ولا على المجنون، لكن الصغير يؤمر بها؛ لعموم قول النبي ﷺ : (مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر)، وفرضيتها: إنما هي على المكلف الذكر، فخرج بذلك الأنثى والخنثى، فالأنثى معروفة، والخنثى: هو الذي اشتبهت ذكوريته بأنوثيته ولم تتبين حقيقته، والدليل على عدم وجوب صلاة الجمعة على الأنثى حديث طارق بن شهاب أن النبي ﷺ قال: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة العبد المملوك والمرأة والصبي والمريض)، فعد النبي ﷺ المرأة ممن لا تجب عليهم الجمعة، وهذا الحديث رواه الإمام أبو داود والطبراني في الكبير والبيهقي، وطارق بن شهاب ﵁ من صغار الصحابة، فقد رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه فهو صحابي؛ لأن الصحابي: هو من رأى رسول الله ﷺ مسلماً ومات على إسلامه، وليس المقصود بالرؤية الرؤية البصرية فقط، بل الرؤية البصرية والرؤية القلبية؛ لكي يدخل فيه من كان أعمى كـ عبد الله بن أم مكتوم الصحابي الجليل، ويدخل في هذا التعريف ممن غزا معه ومن لم يغز ممن طالت صحبته، وكذلك من صافحه ولامسه صلوات ربي وسلامه عليه ومن رآه ولو من بعيد. فالجمعة واجبة على المكلف الذكر الحر وحديث طارق بن شهاب استثنى النبي ﷺ فيه العبد المملوك؛ لأنه مشغول بحق سيده، وهذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم، فبعض العلماء يرى دخول العبد في عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، وبعضهم يخصص هذه الآية بهذا الحديث، وبعضهم يتوسط ويقول: إن أذن له سيده فقد وجبت عليه، وإن لم يأذن فلا تجب عليه.

стр. 683

عدم وجوب الجمعة على المسافر فالجمعة واجبة على المكلف الذكر الحر المقيم، فخرج بذلك المسافر، والدليل على أن الجمعة لا تجب على المسافر حديث: (أن رسول الله ﷺ كان في أسفاره لا يصلي الجمعة، وإنما يصلي ظهراً)، وروى مسلم عن جابر ﵁ قال: (لما وصل رسول الله ﷺ بطن الوادي يوم عرفة نزل فخطب الناس، ثم بعد الخطبة أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر)، فإن قال قائل: لعله صلى الجمعة فكيف نجيب عليه؟ ف الجواب أن الرسول ﷺ تلك الصلاة سراً، فهذا دليل على أنها كانت ظهراً ولم تكن جمعة؛ لأننا نعرف أن الصلوات الجهرية: هي الصبح والعشاء والمغرب والجمعة، فلما صلى الرسول ﷺ سراً دل على أنها كانت ظهراً. وأيضاً: فقد جاء هنا أنه جمع تلك الصلاة مع العصر، لا تجمع الجمعة مع العصر، فالجمع لا يكون إلا بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء وكذلك نقول: إن خطبة الجمعة تكون بعد الأذان، وفي الحديث أنه خطب قبل الأذان، فعلم بأن هذه الصلاة ليست جمعة، وكذلك فقد خطب رسول الله هنا خطبة واحدة، والجمعة لا تصح إلا بخطبتين كما سيأتي معنا إن شاء الله. ثم إن جابراً وهو أعلم بما حدث منكم يقول: صلى رسول الله الظهر، فلا داعي أن نستنبط خلافه وهو الذي شاهد ذلك، وهو ﵁ عربي فصيح وقد نص على أنها كانت صلاة ظهر.

стр. 684

فائدة في سبب تسمية الجمعة بهذا الاسم ويوم الجمعة كان في الجاهلية يسمى: يوم العروبة، وسمي هذا اليوم بيوم الجمعة؛ لأن اكتمال خلق السموات والأرض كان فيه؛ وقد قال الله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق:٣٨]، وقيل: لأن آدم ﵇ اجتمع خلقه فيه، وقد صح عن النبي ﷺ بأن يوم الجمعة كان فيه خلق آدم، وقيل: لأن الأنصار قبل مقدم النبي ﵊ اجتمعوا على أسعد بن زرارة ﵁ وكان من النقباء ومن سادة الأنصار، فخطب فيهم وذكرهم، وقيل: لأن العرب قبل البعثة كانوا يجتمعون على سعد بن لؤي جد الرسول ﵊ الأعلى فيخطب فيهم ويذكرهم، وقيل: لأن الناس يجتمعون فيه، وعلى كلِّ هذه الأقوال فهي جمعة مشتقة من الاجتماع، فالاجتماع حاصل في خلق السموات والأرض، وفي خلق آدم، وفي اجتماع الأنصار على أسعد بن زرارة، أو اجتماع الناس على سعد بن لؤي، أو لاجتماع المسلمين في مساجدهم. والإسلام دين جماعة، وهذه الجماعة لها أنواع منها: جماعة الحي: وهي التي تكون في الصلوات الخمس، وجماعة البلد: وهي التي تكون في الجمعة، ففي بعض البلاد تكون هناك مساجد للناس يصلون فيها الصلوات الخمس، ولكن ليس للجمعة إلا جامع واحد، فالصلوات الخمس اجتماع حي، وصلاة الجمعة اجتماع بلد، ثم اجتماع البلاد كلها يكون في يوم عرفة.

стр. 685

أدلة وجوب صلاة الجمعة ودليل الوجوب من القرآن قول ربنا الرحمن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، ومن الأدلة أن النبي ﵊ شدد في النهي عن ترك الجمعة، فقد ثبت عنه ﵊ أنه قال: (لينتهين أقوام عن الجمعات ودعهم أو ليكونن من الغافلين)، ومعنى ودعهم: تركهم، تقول: دع عنك هذا، أي: اتركه، وقال ﵊: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه)، قال أهل العلم: أي: يصير الله قلبه قلب منافق؛ لأنه ترك الجمعة تهاوناً ثلاث مرات، وهذا الحديث يحذر مما وقع فيه بعض المسلمين الذين يختارون يوم الجمعة للنزهة فيترتب على ذلك تضييعها، وهذا فيه من الشر والفساد ما يحذرهم منه هذا الحديث: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه)، فالمؤمنون يحافظون على الجمعة، والمنافقون يتهاونون بها، ولذا قال الله عنهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون:٥]، وهذه الآية نزلت في عبد الله ابن سلول لما انخذل بثلث الجيش يوم أحد -وكانت غزوة أحد يوم السبت في الخامس عشر من شوال- فعصى عبد الله بن أبي رسول الله ﷺ ورجع بثلاثمائة من المقاتلين ثم بعد ذلك في يوم الجمعة خرج النبي ﷺ ليصعد على المنبر، وإذا بـ عبد الله بن أبي يقول: يا معشر الأنصار هذا رسول الله ﷺ ، وكأنهم لا يعرفونه، مع أن الله قد قال عنهم: ﴿وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف:١٥٧]. فلما قال ذلك بعدما صنع ما صنع يوم أحد قام في جمعة أخرى ليقول ما يقول فجذبوه من ثوبه وقالوا له: اجلس عدو الله فلست لهذا المقام أهلاً. فلا تستحق أن تنوه برسول الله ﷺ ، وأن تأمرنا بنصره وأنت الذي خذلته، فالمنافق -قاتله الله- ظهر نفاقه فخرج يتخطى رقاب الناس مغضباً وترك الصلاة فلقيه بعض الناس على الباب فقالوا له: ويلك! ما شأنك؟ قال: قمت لأشد أمر صاحبهم وأقويه فزجروني وكأني قلت: هجراً، فقالوا له: ويلك! ارجع يستغفر لك رسول الله، فقال: والله ما أريد أن يستغفر لي، فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون:٥]. ولذلك قال العلماء: إن من الحكمة في صلاة الجمعة أن يقرأ الإمام في الركعتين بسورة الجمعة والمنافقون، فأما الجمعة؛ فلأن فيها قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة:٩]، وأما المنافقون؛ فلأن من صفات المنافقين التهاون بالجمعة، وقد غلط من نسب إلى الإمام الشافعي أن الجمعة فرض كفاية، بل الجمعة فرض عين بإجماع المسلمين، وما قال الشافعي ولا غيره من أهل العلم ﵏ بأن الجمعة فرض كفاية على من توافرت فيه هذه الشروط، بأن يكون بالغاً عاقلاً ذكراً حراً مقيماً.

стр. 686

وقت صلاة الجمعة إن وقت الجمعة كوقت الظهر؛ لأنها بدل عنها، وصلاة الظهر يدخل وقتها بزوال الشمس؛ لأن جبريل ﵇ نزل على النبي ﷺ بعد ليلة المعراج فصلى، ثم نزل فصلى، ثم نزل فصلى حتى صلى الصلوات الخمس، فصلى به الظهر حين زالت الشمس، وصلى به العصر حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى به المغرب حين أفطر الصائم، وصلى به العشاء حين غاب الشفق، وصلى به الصبح حين طلع الفجر، ثم نزل فصلى به الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى به العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، وصلى به المغرب حين أفطر الصائم، وصلى به العشاء حين ذهب ثلث الليل الأول، وصلى به الصبح حين كادت الشمس أن تطلع، وقال له: يا محمد! الوقت ما بين هذين. ولذلك فالعلماء في كتب الفقه إذا بدءوا في بيان الأحكام فإنهم يبدءون بصلاة الظهر، وكذلك حين يذكرون الصلوات الخمس فإنهم يبدءون بالظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء ثم الصبح، وكثير من الناس يستغرب هذا، ولا غرابة في ذلك؛ لأن الظهر كانت أول صلاة صلاها جبريل برسول الله ﷺ . فوقت الجمعة هو وقت الظهر، أما نهاية وقتها فبالغروب وهو الوقت الضروري؛ لأن الصلاة لها وقت اختياري ووقت ضروري، فالوقت الاختياري: إلى أن يصير ظل كل شيء مثله حين يدخل وقت العصر، ووقت العصر الاختياري: منذ أن يصير ظل كل شيء مثله إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، ومنذ أن يصير ظل كل شيء مثليه إلى أن تغرب الشمس، فذلك هو الوقت الضروري المشترك بين الظهر والعصر، فمن أخر الصلاة إلى هذا الوقت من غير عذر فهو آثم، فلو أن شخصاً نام عن صلاة العصر وهو يعلم بأن صلاة المغرب مثلاً في الساعة السادسة والنصف وخمس دقائق فضبط المنبه على السادسة لكي ينام من الرابعة إلى السادسة، ثم قام وصلى في السادسة وعشر دقائق فهو آثم؛ لأنه أخر الصلاة إلى وقتها الضروري من غير عذر، وقد قال النبي ﵊: (تلك صلاة المنافق ينتظر حتى إذا كانت الشمس بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً)، لكن أصحاب الأعذار كالمرأة الحائض إذا طهرت فإلى أن تغتسل سيكون ظل كل شيء مثليه فعليها أن تصلي الظهر والعصر، وكذلك المجنون إذا أفاق في هذا الوقت فعليه أن يصلي الظهر والعصر ولا حرج عليه، وكذلك لو أن إنساناً كان صبياً ثم احتلم فهو أيضاً معذور فيصلي في الوقت الضروري، ومثله الإنسان الذي نام لشدة التعب والإرهاق ولم يستيقظ إلا في الوقت الضروري وليست هذه عادته فيجوز له الصلاة في الوقت الضروري. لكن لو أن بعض الناس عنده عادة وهي أنه يضبط المنبه على الوقت الضروري في صلاة الصبح وقد علم بأن صلاة الصبح يدخل وقتها في الخامسة والنصف، وأن الشمس تشرق في السادسة وتسع وثلاثين دقيقة، فيضبط المنبه على السادسة والنصف ويقول: أقوم وأتوضأ في أربع دقائق ثم بعدها أصلي فأكون قد أديت الصلاة، فهذا إثم واضح. هذا بالنسبة لأعذار الأفراد، لكن هل يتصور ذلك في صلاة الجمعة بعذر جماعي تؤخر به الجمعة إلى الوقت الضروري؟ الجواب نعم، فلو قدر الله أن عدواً دهم البلد فشغلنا بدفعه في يوم الجمعة، وما زلنا نقاومه حتى انجلت الغمة وزال الكرب ولم يبق إلا الوقت الضروري، ففي هذه الحالة نصلي الجمعة ثم نصلي العصر. فظهر بهذا أن وقت الجمعة يبدأ بزوال الشمس وينتهي بالغروب، لكننا نفرق بين الوقت الاختياري والوقت الضروري، والدليل على ذلك حديث أنس ﵁: (أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة حين تزول الشمس). قال ابن العربي ﵀: اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن الجمعة لا تجب حتى تزول الشمس، واتفقوا على أنه لو صلاها قبل الزوال لا تجزئه إلا ما روي عن أحمد بن حنبل ﵀، فهو يرى بأن وقت صلاة الجمعة هو وقت صلاة العيد أي: إذا طلعت الشمس وارتفعت قيد رمح، وذلك بعد طلوع الرمح بعشر دقائق إلى ربع ساعة، فعند الإمام أحمد يصح أن نصلي الجمعة في ذلك الوقت واستدل في ذلك بآثار مروية عن بعض التابعين، وهذا المذهب انقرض الآن، حتى الحنابلة لا نجدهم اليوم يصلون الجمعة قبل الزوال، ومما استدل به من الآثار قول بعض التابعين: صليت مع أبي بكر صلاة الجمعة في أول النهار، وصليت مع عمر حين كاد ينتصف النهار، وصليت مع عثمان حين كاد يذهب النهار، ولم ينكر أحد عليهم، لكن العلماء قالوا: إن هذا أثر لا يصح. والذي انعقدت عليه أقوال أهل العلم: أن الجمعة لا تصح إلا بعد زوال الشمس.

стр. 687

العدد الذي تنعقد به الجمعة وهذه مسألة عويصة بين العلماء.

стр. 688

القول بأنه اثنا عشر سوى الإمام فقد قال المالكية ﵏: أقل ما يجزئ فيها اثنا عشر حراً ذكراً مكلفاً مستوطناً، ويكون هؤلاء باقين مع الإمام من أول الخطبة إلى انتهاء الصلاة، فيكون الجميع مع الإمام. ودليلهم: حديث جابر ﵁ في الصحيحين وهو أن الصحابة انفضوا عن النبي ﷺ فلم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلاً، فنزل قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة:١١]، فهذا هو القول الأول.

стр. 689

القول بأنها لا تنعقد إلا بأربعين القول الثاني: قول الشافعية والحنابلة: وهو أن الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين، ودليلهم: الحديث الذي رواه الإمام أحمد: (أن النبي ﷺ بعث مصعباً بن عمير إلى المدينة، فلما كان يوم الجمعة صلى بهم وكانوا أربعين رجلاً، وكانت أول جمعة في المدينة) وهذا القول نرد عليه بحديث جابر في الصحيحين (بأن النبي ﷺ كان يخطب في الناس فلما جاءت القافلة -وقد كان الصحابة محتاجين إلى هذه القافلة؛ لما هم فيه من ضيق- فخرجوا ﵃ ولم يبق مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلاً)، وأين الدليل على أنهم عادوا؟ بل الأقرب أنهم ما عادوا؛ إذ أن كلاً منهم كان محتاجاً فابتاع منها حاجته، وتفقد كل منهم نصيبه إن كان له في التجارة نصيب، فالأصل أنهم ما عادوا ولا يقال بخلافه إلا أن يقوم دليل ناقل عن هذا الأصل. وأما المالكية ﵏ فالرد عليهم أيضاً نفس ما رد به على الحنابلة والشافعية، فيقال لهم: أثبتوا لنا أنه لو بقي مع النبي ﷺ أقل من هذا العدد لقال لهم: إن الجمعة لا تصح، فهذا إنما حصل اتفاقاً من غير قصد، فليس في هذا دليل على أن الجمعة لا تجزئ بأقل من ذلك.

стр. 690

القول بأنها تنعقد بأربعة وأما القول الثالث: فهو للحنفية: وهو أن الجمعة تنعقد بأربعة، واستدلوا بقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الجمعة:٩]، فالخطاب للجمع، وأقل الجمع ثلاثة، والإمام هو الرابع، فهم استدلوا باللغة وقالوا: المفرد واحد، والاثنان مثنى، والثلاثة جمع، فلابد أن يجتمع إلى الإمام جمع فيكونوا ثلاثة والإمام هو الرابع، ويرد عليهم بأن يقال: إن الخطاب هنا يراد به الجنس لا الجمع، أي: أن الخطاب متوجه إلى كل واحد من المؤمنين، كقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩] ومعروف بأن المرأة لا ينكحها إلا واحد ولا يطلقها إلا واحد، ولكن الخطاب للجنس، وليس المقصود عدداً بعينه. والقول الرابع: هو أن الجمعة تنعقد بثلاثة؛ لأن الجماعة تنعقد بثلاثة، وهو الذي رجحه أبو العباس بن تيمية ﵀، وأصحاب هذا القول استدلوا على ذلك: بأن أقل الجمع ثلاثة، فلو صلى واحد واستمع اثنان لكانت جمعة، وقد روى أحمد من حديث أبي الدرداء ﵁ وأبو الدرداء اسمه عويمر بن عامر، وكان من آخر الأنصار إسلاماً وهو صاحب قصة الصنم الذي كان يعبده، فعمد إليه أحدهم فبال عليه، فجعل أبو الدرداء يمسح البول عنه ويطيبه ويقول له: فعل الله بمن فعل بك كذا وكذا، وفي اليوم الثاني جاء وقد كسر وربط مع ميتة، فهنا أبو الدرداء فطن إلى أن القوم يبعثون إليه برسائل متتابعة بأن هذا الصنم لا يستحق أن يعبد من دون الله، فأسلم بعدها. وأبو الدرداء ﵁ قد روى أن رسول الله ﷺ قال: (ما من ثلاثة في قرية لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان)، فأصحاب هذا القول قالوا: ولفظ الصلاة يشمل الجمعة وغيرها، فتنعقد الجمعة بثلاثة أشخاص.

стр. 691

القول بأنها تنقعد باثنين القول الخامس: أن الجمعة تنعقد باثنين أحدهما يخطب والآخر يستمع، وهذا القول رجحه الشوكاني في شرح المنتقى أي: في كتابه نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، ودليل ذلك ما يلي: قالوا: في اللغة أقل الجمع ثلاثة، ولكن الرسول ﷺ قد قال: (الاثنان جماعة). قال الشوكاني ﵀: ومن ادعى الفرق بين الجمعة وغيرها فعليه بالدليل، يعني: الصلوات الخمس.

стр. 692

القول بأنها تنعقد بواحد القول السادس: وهو قول شاذ: وهو أن الجمعة تنعقد بواحد، ودليل شذوذه أنه ما ثبت عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم أنه صلى الجمعة وحده، وإنما ثبت أن ابن مسعود ﵁ صلى مع علقمة والأسود صلاة الجمعة، وهو القول الذي رجحه ابن تيمية ﵀، وأما شخص واحد فلم يرد ذلك. وقد قال الحافظ ابن حجر ﵀، أمير المؤمنين في حديث سيد المرسلين: والراجح أن الجمعة لا تنعقد إلا بجماعة يصح أن يطلق على صلاتهم اسم الجمعة بأن يجتمعوا، وليس ذلك مقيداً بعدد معين.

стр. 693

فقه الصلاة_أحكام صلاة الجمعة [٢] لقد فرض الله علينا فرائض وأحكاماً، وفصل لنا هذه الفرائض والأحكام حتى نعبده سبحانه على بصيرة، ومن هذه الفرائض: صلاة الجمعة التي هي أفضل الصلوات ويومها أفضل الأيام، فقد شرعها الله للعباد وبين خليله محمد ﷺ ما فيها من شروط وسنن وآداب ينبغي على العبد أن يتصف بها.

стр. 694

شروط صلاة الجمعة الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى من اهتدى بهداه. أما بعد: تقدم معنا الكلام في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: في حكم صلاة الجمعة. المسألة الثانية: في وقت صلاة الجمعة. المسألة الثالثة: في العدد الذي تنعقد به صلاة الجمعة. والآن نتكلم عن المسألة الرابعة، وهي: شروط الجمعة. والشرط في اللغة: هو العلامة. وفي الاصطلاح: ما يلزم من عدمه العدم، وهذه الشروط إما أن تكون شروط صحة، أو شروط وجوب، أو شروط وجود في العقليات، فمثلاً: استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة، والبلوغ شرط في وجوب الصلاة، فهذا شرط صحة وهذا شرط وجوب، أما شرط الوجود فكما لو قلت: شرط نزول المطر وجود السحاب، أليس كذلك؟ أو مثلاً: شرط وجود الحمل حصول النكاح، ونعني بالنكاح: الجماع لا العقد، سواء كان نكاحاً شرعياً أو غير شرعي، فلا يكون حمل من غير جماع، ولا يستدل بقصة مريم ﵍ فتلك معجزة.

стр. 695

الجماعة وأول شرط من شروط الجمعة: الجماعة، وقد مر معنا حديث طارق بن شهاب: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة)، ومر معنا في المحاضرة الماضية أن المالكية يقولون: إن الجماعة سنة مؤكدة في فرض غير جمعة، أما الجمعة فهم متفقون على أن الجماعة شرط فيها على الاختلاف الذي مضى في عدد من تنعقد بهم الجمعة.

стр. 696

الإمام الحر المقيم الشرط الثاني: الإمام الحر المقيم، لأن الجماعة لابد لها من إمام، فلا تصح هذه الإمامة من عبد، ولا من مسافر إلا الخليفة أو نائبه، والمالكية عندهم بأن الجمعة ليست واجبة على العبد، وليست واجبة على المسافر، معنى ذلك: أن العبد والمسافر لو صليا فجزاهما الله خيراً لكنها ليست واجبة عليهم، وبالتالي تكون في حقهم نفلاً، وقد مضى معنا أن من أصول المالكية: أن المتنفل لا يؤمه المفترض؛ لذلك قالوا: إذا كان مسافراً فصلى الجمعة أجزأته، ولو كان مثلاً عبداً فصلى الجمعة أجزأته، ولو كانت امرأة فصلت الجمعة أجزأتها، لكن لا يصلي بالناس المسافر ولا العبد، فلا يكونا إمامين للناس بناءً على الأصل الذي مضى. واستثنوا من ذلك الخليفة أو نائبه؛ لأن النبي ﷺ قال: (ولا يؤمن الرجل الرجلَ في سلطانه) فلو أن الخليفة مر بهذه البلاد فهذه البلاد سلطانه فلا يتقدم أحد عليه إلا بإذنه ولو كان مسافراًً، بل هو الذي يصلي بالناس. وبداية هذا الحديث قوله ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا سواء فأقدمهم سناً، أو سلماً، قال: ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه). فالجماعة شرط، والإمام الحر المقيم شرط، والصحيح أيها الإخوة الكرام! ما مضى بيانه؛ لأنه يجوز أن يؤم العبد الحر من غير كراهة؛ لأن سالماً مولى أبي حذيفة ﵄ كان يصلي بكبار المهاجرين في قباء، وفيهم عمر، وأبو سلمة وكذلك فللمسافر أن يؤم المقيم كما ثبت أن سيدنا عمر ﵁ ومن قبله رسول الله ﷺ كانوا يصلون بأهل مكة ويقولون لهم: أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، ولا فرق بين الجمعة وغيرها، فيصح إن شاء الله أن يصلي المسافر بالناس الجمعة، وهذا يحصل الآن كثيراً، فقد يمر داعية أو عالم من العلماء ببلد من البلاد فيقول له أهلها: صل بنا الجمعة، فبناءً على كلام المالكية ﵏ هذه الجمعة لا تصح؛ لأن هذا مسافر، والجمعة في حقه ليست واجبة.

стр. 697

الخطبتان قبل الصلاة ومن شروط صحة الجمعة: خطبتان قبل الصلاة، مما يطلق عليه اسم خطبة عند العرب، فتؤديان في الوقت المحدد للجمعة، ويقوم فيهن الإمام لحديث ابن عمر: (كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة قائماً ثم يجلس، ثم يقوم كما تفعلون اليوم)، والمالكية يقولون: الخطبتان لابد منهما، وما اشترطوا في هاتين الخطبتين شروطاً من جنس ما قاله غيرهم، فإن غير المالكية يقولون: لابد أن تشتمل الخطبة على خمسة أركان: أولها: الحمد، سواء كان بصيغة الفعل، كأن يقف الإمام فيقول: أحمد الله وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، أو بصيغة الاسم الحمد لله نحمده ونستعينه مثلاً، ويستدلون على ذلك بقول النبي ﷺ : (كل أمر لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع أو أبتر)، والحديث فيه كلام. الركن الثاني: الصلاة على الرسول ﷺ ، ويستدلون على ذلك بأن النبي ﷺ كان لا يخطب خطبة إلا حمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله ﷺ . لكن تقرر في الأصول أن فعله ﷺ المجرد لا يدل على الوجوب. الركن الثالث في الخطبة: قراءة آية، فلابد أن تشتمل الخطبة على آية، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء:١]، أو ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢] أو أي آية من القرآن بشرط أن يتم بها المعنى، فلو قرأ شخص آية: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر:٢١]، فهذه آية في سورة المدثر لكن من الذي نظر؟ ولأي شيء نظر؟ لم نعرفه، وكذلك لو قرأ: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٤] فإنا نعرف معناها من لغة العرب، أي: شديدتا الثواب، لكن عن أي شيء يتكلم؟! لكن مثلاً: لو قرأ آية يتم بها المعنى من جنس ما ذكرت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢]، فهذه فهم بها المعنى. الركن الرابع: الوصية بتقوى الله، كأن يقول: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، أو ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء:١] ونحو ذلك. أو اتقوا الله يا عباد الله! فالمهم أن تشتمل الخطبة على الأمر بتقوى الله. الركن الخامس: الدعاء. والمالكية لا يشترطون هذا، وإنما يشترطون خطبتين على كل منهما تطلق كلمة خطبة، أو لفظ خطبة في لغة العرب، وهي بالضم؛ للتفرقة بينها وبين الخِطبة، فالخِطبة غيرُ الخُطبة.

стр. 698

الفرق بين خطبة النبي والناس اليوم أيها الإخوان! قال الإمام ابن القيم ﵀ في الزاد: كانت خطب رسول الله ﷺ مشتملة على الوصية وتعليم الأحكام، والحديث عن الجنة بما يشوق المؤمنين إليها، وعن النار بما يخوفهم منها، ولم تكن خطب الناس اليوم إلا عن الحديث عن الموت، وأنكم ستموتون وكذا، فهذا ليس فيه جديد، والموت لا يناقش فيه أحد، حتى الكافر أبو جهل، أو فرعون أو شارون هم جميعاً مقرون بأنهم سيموتون، فقضية أن الإمام يركز على الموت فهذا لا ينبغي. وكذلك بعض الناس يحول الخطبة إلى نشرة أخبار، وهذا أيضاً لا ينبغي؛ لأن من يبدأ خطبته بأحداث هذا الأسبوع يصير وكأنه يقرأ جريدة أو مجلة، فهذا لا ينبغي، نعم الخطيب يعالج في خطبته قضايا المسلمين، ويتكلم عن واقعهم، لكنه لا يخرج عن معنى الخطبة، ولا بد أن يربط هذا الواقع بالكتاب والسنة، لذلك تجد بعض الناس -نسأل الله العافية- يخطب وربما يتكلم على المنبر ساعة أو تزيد ولا يأتي بآية أو حديث، والخطبة الشرعية ليست هكذا. كذلك تجد بعض الناس يموت الخطبة إماتةً فيجعل الناس ينامون، ولربما تسمع غطيط بعضهم؛ لأن كلامه فيه ملل، وخطبته لا ريح لها، (وقد كان رسول الله ﷺ إذا خطب علا صوته ﵊، واشتد غضبه، واحمرت عيناه كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم)؛ لأنه ﵊ منفعل بما يقول. ويستحب كذلك تقصيرهما ما استطاع المرء إلى ذلك سبيلاً؛ لأن النبي ﵊ قال: (إن قصر الخطبة وطول الصلاة مئنة من فقه الإمام) وكان ﷺ أحياناً يصعد على المنبر ما يزيد على أن يقرأ سورة ثم ينزل. وقضية الخطبة من الورقة لا بأس بها إذا كان يرى بأن الورقة أضبط للكلام، وأدعى إلى أن يأتي بالآية والحديث، كما نزل بهما الوحي، فهذا طيب، بشرط: أن يفقه ما يقرأ، أما أن يأتي شخص يأخذ له ورقاً ولا يعرف ما فيها، ويقف على المنبر، ويقول: واحد وخمسين، واحد وخمسين من أحوال المسلمين، وبعد الصلاة يأخذ الناس الكتاب فيبحثوا عن معنى واحد وخمسين لأنهم لم يفهموها فيجدونها مكتوبة: آه آه من أحوال المسلمين، وهو قرأها: واحد وخمسين واحد وخمسين من أحوال المسلمين! وبعضهم قال: إن الرباطم والزناعم وكررها ثم تركها وهي: إن الربا طم، والزنا عم، وصاحبنا قرأها: رباطم وزناعم، فبعض الناس حقيقة يحمل كتباً ألفت في غير هذه البلاد فيقف على المنبر يقول: ما بال الفساد قد انتشر في شارع عماد الدين! وشارع عماد الدين من الشوارع المعروفة في القاهرة، وهو يكلم الناس عن شارع عماد الدين وليس موجوداً، ولو قال: في شارع الجمهورية لكان أمراً معقولاً. وبعض الناس يدعو أيضاً لبعض السلاطين الذين ماتوا؛ لأن تأليف الكتاب قديم، فمثل هذا كله حرام؛ لأن خطبة الجمعة مسئولية، وكما قيل: بأن الجمعة حصة ثقافية أسبوعية إجبارية، والله هو الذي أتى بالناس ولم تات أنت بهم، فربنا سبحانه هو الذي جمعهم لك. ثم في الجمعة مزية ليست في غيرها من الدروس ولا المحاضرات: وهي أنه لا يستطيع أحد أن يمشي، أليس كذلك؟ بينما الآن في الدرس من الممكن للبعض أن يخرج، وكذلك في الجمعة لا يصلح الكلام، بينما الآن يصح أن تتكلم مع صاحبك، وكذلك لا يمكن أن تضحك في الجمعة. فينبغي للإمام أن يتقي الله ، فيعتني بالجمعة بأن يوصل للناس معلومات صحيحة ولو كانت يسيرة أو قليلة، فليس بالضرورة أن أخطب ساعة، أو أربعين دقيقة أو نصف ساعة، ولو كانت الخطبة في عشر دقائق يخرج الناس منها بفائدة لبرئت الذمة أمام الله، أما أن يكون همه أن يقولوا: فلان خطب ساعة! أو فلان خطب خمسة وأربعين دقيقة، ولا يبالي بما يقول، فمثل هذا مذموم مقبوح ولا تبرأ ذمته عند الله. أيها الإخوان! ينبغي أن يستحضر الإمام أنه قائم مقام رسول الله ﷺ ، فهو في أشرف المقامات، فإن أول من تولى الخطبة هو سيدنا محمد ﵊. فينبغي أن يستحضر الإمام ذلك فيتقي الله في كلامه الذي يوصله إلى المسلمين. كذلك ينبغي له أن يتأدب بالآداب الشرعية؛ فإن النبي ﵊ في خطبته ما كان يزيد على أن يشير بأصبعه ﵊، وليس كما يصنع بعض الأئمة من التلويح بقبضته كأنه يهدد أمريكا وروسيا، أو كما يفعل بعض الأئمة بأن يضع يديه في خاصرتيه ونحوه، أو يضرب المنبر، وبعض الأئمة يبلغ به الحماس فيشير بكذا إلى أن تطير الساعة من يده، وبعض الأئمة خطب يوم الجمعة فلما قام طارت الساعة، وبعد قليل وقع العكاز، فقام شخص من الناس من كبار السن وأخذ حذاءه وذهب، فعاتبه الإمام وقال: يا فلان! أنا أخطب وأنت ذاهب؟! فقال له: وقعت الساعة ثم وقع العكاز ثم بعدها لا أدري ماذا سيقع؟! فينبغي للإمام يوم الجمعة أن يتقيد بهذه الآداب فلا يكثر من الحركات والالتفاتات، وإنما يقتدي برسول الله ﷺ ، فلقد كان لا يزيد على أن يشير بإصبعه حتى في الدعاء الأخير، وبعض الأئمة تجده يرفع يديه في نهاية الخطبة، ولما أرى أحد الصحابة رضوان الله عليهم أحد الناس يخطب في الجمعة ويرفع يديه، قال: قبح الله هاتين اليدين القصيرتين، والله ما كان رسول الله ﷺ يزيد على أن يشير بأصبعه حتى في الدعاء. أما بالنسبة للشعر فليس منه مانع إذا كان شعراً فيه ذكر لشمائل رسول الله ﷺ ، أو كان شعراً يرقق القلب، ويرغب في الآخرة، أو كان فيه ثناء على الصحابة رضوان الله عليهم، أو على الصالحين من عباد الله فلا مانع من ذلك إن شاء الله.

стр. 699

أن يحضر أقل عدد تجزئ به الجمعة الشرط الرابع: أن يحضر الخطبتين أقل عدد تجزئ به الجمعة، فقالوا: أقل عدد اثنا عشر، معنى ذلك على قول المالكية: أنه لو كان المصلون مع الإمام اثنا عشر رجلاً وفي أثناء الخطبة أحدث أحدهم فخرج بطلت الخطبة فلابد من استئناف الخطبة من جديد، وهذا سيفتح باباً للناس، فأي واحد لم تعجبه الخطبة، أو الإمام ما أعجبه فسيقوم ويقول: والله أنا أحدثت، أو يترك المسجد مرة واحدة، وكذلك قولهم: أقل عدد تجزئ به الجمعة اثنا عشر فلو كان فيهم شخص مسافر فلا تجزئ، ولو كان فيهم شخص مملوك لا تجزئ، ولو كانوا إحدى عشر رجلاً ومعهم صبي لا تجزئ، فأقل عدد تجزئ به الجمعة عندهم اثنا عشر رجلاً، ولكن تقدم معنا الكلام بأن الشريعة ما جعلت للجمعة حداً محدوداً، وإنما هو العدد الذي يصح أن يطلق عليهم اسم جمع.

стр. 700

أن يكون المسجد مبنياً بناءً معتاداً لأهل البلد الشرط الخامس: الجامع المبني بناءً معتاداً لأهل البلد فأعلى، ولا يضر أن يكون خطة، أي: حصيراً، والآن قد تجد الحصير في بناء بعض المساجد فلا مانع، لكن لو كان أهل البلد بناؤهم من الحصير والمسجد مسلح فلا مانع إذا كان أعلى من بناء أهل البلد يعني: أرفع، أو كانت بيوت أهل البلد مثلاً من الطين فبني عندهم مسجد من الحجارة فلا مانع من ذلك. واشتراط الجامع أيها الإخوة الكرام! يخالف الدليل، فقد ثبت أن رسول الله ﷺ انتقل من قباء إلى المدينة يوم الجمعة، فأدركته الصلاة في بطن الوادي (وادي رانونا) فجمع بأصحابه فيه، وكان قد وصل الرسول ﵊ إلى المدينة يوم الإثنين ضحى كما قال سيدنا أنس: قدم رسول الله ﷺ المدينة يوم الإثنين ضحىً فأنار منها كل شيء، وتوفي يوم الإثنين ضحى فأظلم فيها كل شيء، وما إن نفضنا أيدينا من تربته حتى أنكرنا قلوبنا. فلما جاء الرسول ﵊ نزل على إخوانه من بني النجار في قباء، فمكث عندهم بقية يوم الإثنين، ويوم الثلاثاء والأربعاء والخميس، ولما كان يوم الجمعة ارتحل إلى المدينة، ثم لما كان في الطريق من قباء إلى المدينة دخل وقت الجمعة، فالرسول ﷺ صلى بأصحابه الجمعة في (وادي رانونا) بين قباء والمدينة، وما كان هناك جامع، والآن بني المسجد الذي يسمى مسجد الجمعة، فمن أكرمه الله بزيارة المدينة فسوف يرى ذلك المسجد في الموضع الذي صلى فيه رسول الله ﷺ وقد سمي مسجد الجمعة. إذاً: فهذا الشرط أيها الناس! يمكن أن يتصور ذهنياً وليس مذهبياً، فإذا سئلت عن مذهب مالك فقل: شروط الجمعة في مذهب مالك كذا وكذا وكذا ومنها: الجامع. لكن اعلم أيها الأخ الكريم! بأنه لو كنا أهل بلد مستوطنين فوجبت علينا الجمعة وليس عندنا مسجد فالواجب علينا أن نصلي الجمعة ولو كان في ميدان، مثلما كان يصنع النبي ﵊ في يومي الفطر والأضحى، ومثلما كان يصنع في الاستسقاء.

стр. 701

الاستيطان الشرط السادس: الاستيطان بدور، جمع دار، ومثله أخفاف: جمع خف، وهو القصب أو الحصير، والمقصود من هذا الكلام: أن أهل البادية العرب الرحل لا تجب عليهم الجمعة، فهؤلاء الذين يسكنون ههنا ثم بعد شهور لا أثر لهم ولا عين فلا تجب عليهم الجمعة، والاستيطان بدور أي: ما بني بحجر أو أسمنت أو خشب ونحو ذلك، فالمهم أن يكون من المباني. أما أهل الخيام وهم أهل البادية فلا جمعة عليهم؛ لأن البدو الذين كانوا حول المدينة لم يأمرهم النبي ﷺ بالجمعة مع أنهم كانوا مستوطنين في أماكنهم؛ لكونها ليست ببناء، فوجود جماعة تستقر بهم القرية، وكونهم ساكنين في مكان، وعندهم سوق، فهذا دليل على أن هؤلاء القوم مستقرون في هذا المكان، فهؤلاء الذين تجب عليهم الجمعة. والعدد عند المالكية الذي تنعقد به الجمعة هل يستثنى منه السلطان؟ ثم الشرط الذي قبله نحن قلنا: شرط الجمعة الجماعة فهل يستثنى منهم السلطان؟ الجواب لا، لابد من وجود الجماعة، ولابد من وجود العدد، ولابد من الخطبتين، فالقول أن النبي ﷺ صلى في وادي رانونا؛ لكونه سلطاناً فلا يستقيم الاستدلال بمثل هذا. إذاً: أيها الإخوان! عندنا ستة شروط عند المالكية. أولها: الجماعة. ثانيها: الإمام الحر المقيم، الذي تجب عليه الجمعة، وتقدم معنا أن الصحيح والعلم عند الله تعالى أنه يصح أن يصلي بنا الجمعة الإمام إذا كان عبداً، أو كان مسافراً. الثالث: الخطبتان، وقد يقول شخص: ما دليل اشتراط الخطبتين؟ نقول: التواتر القطعي، قال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩]، والمراد: الخطبة؛ لأن السعي واجب ووسيلة، فإذا وجبت الوسيلة وجبت الغاية والاستدلال هذا واضح؛ لأن ربنا ما قال: فاخطبوا، وإنما قال: (فاسعوا) ونحن نسعى للخطبة لذكر الله، فإذا كان السعي واجباً وهو وسيلة فالغاية واجبة. كذلك التواتر القطعي أن النبي ﷺ واظب على الجمعة صيفاً وشتاء، شدة ورخاء. فإذا قلنا بهذا، فما هو مثل الشدة؟ و الجواب أنه صلى بالناس الجمعة في تبوك، ومكث تسعة عشر يوماً أليس كذلك؟ وهذه حقيقة لا أستطيع أن أجزم بها؛ لأن النبي ﷺ كان في تبوك مسافراً! لكن عندنا غزوة أحد، فقد كانت في يوم السبت، والرسول ﷺ صلى بالناس الجمعة، واستشارهم عن وضع خطة؛ لأنه جاءه خطاب من العباس عمه ﵁ بأن أهل مكة قد خرجوا يريدون المدينة، فالرسول ﵊ بعد الجمعة استشار الناس: ماذا نصنع، هل نبقى في المدينة أو نخرج؟ فكل واحد قال رأيه من الأحداث والشيوخ، وبعد ذلك أتي بجنازة ﵊ فصلى عليها، ثم دخل فلبس لأمته، أي: عدة الحرب، وقال تلك الكلمة التي صارت مثلاً: (ما كان لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه). فالتواتر القطعي أن النبي ﷺ ما قال: نحن في حالة طوارئ نصلي بدون خطبة، لا، وإنما خطب ﷺ في ذلك اليوم الخطبتين، ولو لم تجب الخطبة لكانت الجمعة كغيرها من الصلوات كصلاة الصبح، أو العصر. هل تبطل الخطبتان إذا أحدث الإمام؟! وبعض الناس يقولون: إذا أحدث الإمام في الخطبة أو تذكر أنه ما كان متوضئاً فإنه يواصل، ولكن المشكلة تبقى في الصلاة بعد ذلك، والمالكية يرون أنه لابد أن يخطب واحد فيما يصلي الثاني، وعند غيرهم يجوز، ولعله الراجح؛ لأنه لا دليل يدل على المنع، وبعضهم قال: تبطل الخطبتان بما يناسبهما كقذف أو لعن فمثلاً: الإمام وهو يخطب -وهذا غير متصور- يقول: وإن فلاناً قد زنا، أو إن فلانة زانية، أو يلعن من لا يستحق اللعن، كأن رأى شخصاً يتخطى الرقاب فقال: اجلس لعنك الله، فالخطبة باطلة! نعم؛ لأن مقتضى الخطبة الوصية بتقوى الله، وهذا الذي يخطب يأتي بما يغضب الله، فإذا لعن من لا يستحق اللعن فخطبته تبطل ويجب عليه أن يستأنف. لكن لو لعن من يستحق في الخطبة فقال: لعن الله إبليس، أو قال: فرعون لعنه الله، فلا حرج في ذلك إن شاء الله.

стр. 702

سنن الجمعة

стр. 703

الغسل أولها: الغسل، لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل) وهذا فعل أمر بدخول لام الأمر عليه، لكن ما الذي صرف الأمر من الوجوب إلى السنية أو الاستحباب؟ الذي صرفه أن عمر ﵁ كان على المنبر فدخل عثمان، فـ عمر ﵁ قطع خطبته ولام عثمان؛ لأنه جاء متأخراً، ولا يوجد مانع أن الإمام يتكلم مع المأمومين في الجمعة، لكن الممنوع أن يتكلم المأموم مع مأموم، فالرسول ﷺ لما جاء الرجل يتخطى رقاب الناس، قال: (يا هذا! اجلس فقد آذيت وآنيت) آنيت يعني: جئت متأخراً، فـ عمر لام عثمان؛ لأنه جاء متأخراً، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين! والله ما إن سمعت النداء حتى توضأت وأتيت، فقال له عمر: توضأت ولم تغتسل؟ يعني: هذه مصيبة ثانية، جاء متأخراً وأيضاً لم يغتسل، ما وجه الدلالة؟ أنه لو كان الغسل واجباً لقال عمر لـ عثمان ارجع فاغتسل. وأوضح من هذا أن النبي ﵊ قال: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل)، فدل هذا على أن الغسل ليس بواجب.

стр. 704

التجمل السنة الثانية: تحسين الهيئة في استعمال خصال الفطرة من قص شارب، ونتف إبط، وحلق عانة، وسواك، ولبس الثياب البيض، فيستحب لك أيها المسلم أن تحسن هيأتك في يوم الجمعة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، ولقول النبي ﵊: (لو اتخذ أحدكم ثوبين لجمعته سوى ثوب مهنته). ولحديث ابن عباس قال ﵊: (البسوا من ثيابكم البيض، وكفنوا فيهن موتاكم)، فهذا مما يحمد لأهل هذه البلاد؛ لأنهم في يوم الجمعة قل أن تجد بينهم متبنطلاً. لكن أغلب الناس يحرص يوم الجمعة على أن يلبس الثياب البيض ويتعمم، وأن يرتدي أحسن ما عنده، وهذا شيء طيب، فهو إحياء لسنة المصطفى ﷺ . أيها الأخ الكريم! عود نفسك أن تقص شاربك، وأن تقلم أظافرك، وأن تحلق إبطك وعانتك، وأن تلبس الثياب البيض الحسنة، وتتطيب وما إلى ذلك.

стр. 705

التطيب السنة الثالثة: التطيب؛ لحديث سلمان عليه من الله الرضوان أن النبي ﵊ قال: (لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى). فإذا كان يوم الجمعة فاحرص على أن تتطيب.
следующие страницы →