← Джавами‘

Джавами‘ · id 37422

دروس الشيخ عبد الحي يوسف

عبد الحي يوسف

Полный текст (933 стр.). Показаны 911–933 · переход к 916.

стр. 911

قول الله : (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط) النداء الخامس والعشرون في الآية الخامسة والثلاثين بعد المائة من سورة النساء: يقول ربنا ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء:١٣٥]. قرأ ابن عامر وحمزة بن حبيب: (وإن تلووا) بضم اللام وواو ساكنة بعدها على أنها فعل مضارع من ولي يلي ولاية، وولاية الشيء هي الإقبال عليه، وقرأ الباقون: (وإن تلووا) بإسكان الواو وبعدها واوان: الأولى: مضمومة، والثانية: ساكنة على أنه فعل مضارع من لوى يلوي، يقال: لويت فلاناً حقه إذا لم أعطه. سبب نزول هذه الآية المباركة كما روى ابن المنذر من طريق ابن جريج عن مولى لـ ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة كانت البقرة أول سورة نزلت ثم أردفتها سورة النساء قال: فكان الرجل يكون عنده الشهادة قبل ابنه أو ابن عمه أو ذوي رحمه فيلوي بها لسانه أو يكتمها؛ لما يرى من عسرته، حتى يوسر فيقضي حين يوسر، فنزلت: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ)).

стр. 912

معاني المفردات قول ربنا ﵎: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ)). القوام: صيغة مبالغة، أي: كونوا في كل أحوالكم قائمين بالقسط، وهو العدل في حقوق الله وحقوق عباده، والقسط في حقوق الله: ألا يستعان بنعمه على معصيته، بل تصرف في طاعته، والقسط في حقوق الآدميين: أن تؤدي جميع الحقوق التي عليك كما تطلب حقوقك. ((شُهَدَاءَ لِلَّهِ)) أي: أدوها ابتغاء وجه الله، كما قال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق:٢]، حسبة لله وتعاملاً مباشراً مع الله، لا لحساب أحد من المشهود لهم أو عليهم، ولا لمصلحة فرد أو جماعة أو أمة، بل تجرداً من كل ميل وهوى، ومن كل مصلحة، ومن كل اعتبار. ((وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ)) أي: ولو عاد ضررها عليكم، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجاً ومخرجاً. والمراد بذلك: الإقرار، فهو شهادة على النفس بإلزام الحق. ((أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ)) أي: ولو عاد ضررها على الوالدين والأقربين، فإن الحق حاكم على كل أحد. ((إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا)) أي: إن يكن المشهود عليه غنياً يرجى في العادة ويخشى، فلا ترعاه لغناه، أو كان فقيراً يترحم عليه في الغالب ويحمى، فلا تشفق عليه لفقره. ((فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا)) أي: الله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك، وأعلم بما فيه صلاحهما، فلا يكن غناه ولا فقره سبباً للقضاء له أو عليه، والشهادة له أو عليه. والمقصود من الآية: التحذير من التأثر بأحوال يلتبس فيها الباطل بالحق لما يحس به من عوارض يتوهم أن مراعاتها ضرب من إقامة المصالح، وحراسة العدالة، فمن الناس من يتوهم أن الغنى يربأ بصاحبه عن أخذ حق غيره، فيقول في نفسه: هذا في غنية عن أكل حق غيره، وقد أنعم الله عليه بعدم الحاجة، ومن الناس من يميل إلى الفقير رقة له، فيحسبه مظلوماً، أو يحسب أن القضاء له بمال الغني لا يضر الغني شيئاً، فنهاهم الله عن هذه التأثيرات بكلمة جامعة، وهي قوله سبحانه: ((إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا)). يقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى: وقد عرفت قاضياً لا مطعن في ثقته وتنزهه، ولكنه كان مبتلى باعتقاد أن مظنة القدرة والسلطان ليسوا إلا ظلمة من أغنياء أو رجال، فكان يعتبر هذين الصنفين محقوقين، فلا يستوفي التأمل لحججهما. قال تعالى: ((فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا)) أي: فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إياكم على ترك العدل في أمركم وشئونكم، بل الزموا العدل على أي حال كان، كما قال سبحانه: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]، وذلك ما قاله عبد الله بن رواحة ﵁ حين أراد اليهود رشوته ليرفق بهم، فقال لهم: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي، ولأنتم أبغض إلي من أعدادكم من القردة والخنازيز، وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على ألا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض. قال الله تعالى: ((فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا)) يحتمل المعنى هنا: العدل أو العدول، كأنه قال: فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو: إرادة أن تعدلوا عن الحق. ((وَإِنْ تَلْوُوا)) أي: وإن تحرفوا الشهادة وتغيروها كما قال مجاهد وغير واحد من السلف، واللي هو التحريف وتعمد الكذب، كقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧٨]. ((أَوْ تُعْرِضُوا)) أي: تكتموا الشهادة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة:٢٨٣] وقال النبي ﷺ : (خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها). ((فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)) وسيجازيكم على ذلك.

стр. 913

ما يستفاد من الآية في الآية فوائد عظيمة: منها: وجوب إقامة العدل بين الناس. ومنها: أهمية العدل لقيام المجتمعات. ومنها: وجوب الإخلاص في ذلك لله وحده. ومنها: أن العدل مطلوب مع القريب والبعيد، وأنه لا تأثير للغنى والفقر في أداء الشهادة، وأن الله ﷻ أولى بالغني والفقير. ومنها: النهي عن اتباع الهوى، وأن اتباع الهوى مانع من إقامة العدل. ومنها: النهي عن التحريف في الشهادة، وتحريم الإعراض عن أدائها. ومنها: أن شهادة الإنسان على والديه وأقاربه مقبولة، وأن شهادة الإنسان على والديه لا تنافي برهما، وشهادته على أقاربه لا تنافي صلتهم. ومنها: علم الله المحيط الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

стр. 914

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله) النداء السادس والعشرون من نداءات الرحمن لأهل الإيمان في الآية السادسة والثلاثين بعد المائة من سورة النساء: يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦] وفي قراءة ابن كثير وأبي عمرو بن العلاء البصري: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نُزِّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦].

стр. 915

توجيه طلب الإيمان من المؤمنين في قوله (يا أيها الذين آمنوا آمنوا) هناك إشكال عند كثير من أهل التفسير في قول الله : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا)) وهو كيف أنهم مؤمنون ويطالبون بالإيمان؟ ذكروا في ذلك وجوهاً: الوجه الأول: أن المخاطبين بهذه الآية هم أهل الكتاب؛ فقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) أي: آمنوا بموسى وعيسى، ((آمِنُوا)) آمنوا بالله إيماناً شرعياً صحيحاً، وبرسوله محمد ﷺ ، ((وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ)) محمد ﷺ ، والكتاب هو القرآن ((وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ)) أي: جنس الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله، إذاً: المخاطب بهذه الآية هم أهل الكتاب. الوجه الثاني: أن المخاطب بهذه الآية هم المنافقون، فقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) أي: آمنوا بألسنتهم، ((آمِنُوا)) بقلوبكم، ((آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ)) إيماناً يتواطأ عليه القلب مع اللسان، ولا يكن إيمانكم لسانياً لا يغني عنكم من الله شيئاً. الوجه الثالث: أن المخاطبين بهذه الآية هم أمة محمد ﷺ ، والمراد بالأمر بالإيمان: الدوام والثبات عليه حتى موافاة رب العالمين ﷻ به، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] وهو ﵊ سيد المتقين، لكن المعنى: اثبت على تقوى الله، وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] وهو ﵊ من يومه الأول يبلغ رسالة ربه، لكن المراد الدوام والاستمرار. يقول العلامة الطاهر بن عاشور ﵀: وهو الجاري على ألسنة أهل العلم، وبناء عليه جعلوا الآية شاهداً لاستعمال صيغة الأمر في طلب الدوام، كما أن الله يأمرنا في القرآن كثيراً بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:١١٠]، ومن المعلوم أن المؤمن لابد له من صلاة وزكاة، لكن المراد هو المداومة والاستمرار. الوجه الرابع في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)): أنه خطاب للمؤمنين، أي أن المطلوب منكم إيماناً لا تشوبه كراهية بعض كتب الله، تحذيراً من ذلك؛ لئلا يدفعهم بغض اليهود الذين كانوا يساكنونهم المدينة وما بينهم من الشنآن إلى مقابلتهم بمثل ما يصرح به اليهود من تكذيب محمد ﷺ ، وإنكار نزول القرآن، فاليهود -قاتلهم الله- كانوا ينكرون نبوة محمد ﷺ ، وينكرون نزول القرآن، فالله حذر المؤمنين من أن يسلكوا مسلكهم، وأن يقابلوا ظلمهم بظلم المثل، وقد بدر من بعض المسلمين شيء من ذلك لما قال واحد من اليهود وهو في السوق: لا والذي اصطفى موسى على البشر. يحلف بالله الذي اصطفى موسى على البشر، وهذا كلام فيه نوع عنصرية وعنجهية، فرفع المسلم يده فلطمه لطمة منكرة وقال له: أتقول هذا ورسول الله ﷺ بين ظهرانينا، أي: أنت تقول هذا الكلام والرسول ﷺ موجود عندنا في المدينة، أما تعرف أنه ﵊ قد اصطفاه الله على العالمين؟ فلما جاء اليهودي يشكو للنبي ﷺ ، قال ﵊: (لا تخيروا بين الأنبياء)، وهو عليه الصلاة السلام يعلم أنه المخير، وأنه أول شافع وأول مشفع، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول من يأخذ بحلقة باب الجنة، وصاحب المقام المحمود، والحوض المورود، وأكثر الأنبياء تابعاً، وإمام الأنبياء في ليلة الإسراء وخطيبهم صلوات ربي وسلامه عليه، وكلهم صلوا من ورائه دلالة على أفضليته، لكنه ﵊ نهى عن التفضيل بين الأنبياء إذا كان ذلك على سبيل العصبية والفخر، وهضم بعض الأنبياء، أو التوسل بذلك إلى الحط من أقدارهم صلوات الله وسلامه عليهم. فالخطاب في هذه الآية إما أن يكون لأهل الكتاب، وإما أن يكون للمنافقين، وإما أن يكون للمؤمنين على إرادة الدوام والاستمرار كما قال سبحانه: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، وإما أن يكون خطاباً للمؤمنين تحذيراً لهم من أن يسلكوا مسلك اليهود الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض.

стр. 916

معنى الإيمان بالله الله يخاطبهم: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ)) أي: آمنوا بالله إيماناً شرعياً صحيحاً بأركانه الأربعة: إيماناً بوجوده ﷻ ، وبربوبيته وأنه الخالق الرازق المحيي المميت النافع الضار الذي بيده ملكوت كل شيء، وإيمان بألوهيته ، وأنه الإله المعبود بحق ولا يستحق العبادة أحد سواه فلا إله غيره، وكل ما عبد سواه فهو معبود بباطل، وأنه الحكم الذي له حق التشريع والتحليل والتحريم، وإيمان بأسمائه وصفاته، وأنه موصوف بالكمال ﷻ ، ومنزه عن كل نقص، وله الأسماء الحسنى والصفات العلا.

стр. 917

كيفية إنزال الكتب على الأنبياء قوله تعالى: ((آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)) محمد ﷺ ، ((وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ)) القرآن، ((وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ)) يشمل جميع الكتب ما علمنا منها وما لم نعلم، ما سماه الله لنا في القرآن، وما لم يسمه. ونلاحظ في قول الله : ((وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ)) أن الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام كانت كتبهم تنزل جملة واحدة، كما في قصة موسى ﵇: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٤٤ - ١٤٥]، فرجع موسى إلى قومه وهو يحمل الألواح فيها التوراة كاملة، ولما وجد قومه يعبدون العجل ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه، أما نبينا محمد ﷺ فالله ما أنزل عليه القرآن جملة واحدة، وإنما كما قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء:١٠٦]، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان:٣٢] أي: ينزل شيئاً بعد شيء على حسب الحوادث والأحوال، فلربما تنزل منه السورة كاملةً، ولربما تنزل الآيات أو الآية أو بعض آية مراعاة من الله لحال هذه الأمة.

стр. 918

تعظيم أمة محمد للأنبياء أمة محمد ﷺ هي الأمة الوحيدة التي حققت هذا الإيمان، فما من مسلم يستطيع أن يذكر نبياً من الأنبياء بسوء، ولو فعل لقلنا له: لست بمسلم، وما من مسلم يستطيع أن يذكر كتاباً من الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه بسوء، بل نؤمن بها كلها، ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، فأمة محمد ﷺ تؤمن بالكتاب كله، وأما الأمم الأخرى سواء كانوا اليهود أو النصارى فلم يحققوا هذا الشرط، ويؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. يقول سيد قطب ﵀: والإيمان بالكتاب كله بوصف أن الكتب كلها كتاب واحد في الحقيقة هو السمة التي تنفرد بها هذه الأمة المسلمة؛ لأن تصورها لربها الواحد، ومنهجه الواحد، وطريقه الواحد هو التصور الذي يستقيم مع حقيقة الألوهية، ويستقيم مع وحدة البشرية، ويستقيم مع وحدة الحق الذي لا يتعدد والذي ليس وراءه إلا الضلال: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢]، هذه هي سمة هذه الأمة المباركة.

стр. 919

تفريق اليهود بين الله ورسله وملائكته قال الله : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦] أي: ومن خرج عن طريق الهدى وبعد عن القصد كل البعد؛ لأن الكفر ببعضه كفر به كله، ومن المعلوم أن اليهود عليهم لعائن الله لم يفرقوا بين الرسل فقط بل حتى بين الملائكة، فالملائكة عندهم فيهم رأي، ولذلك لما جاءوا للنبي ﷺ قالوا له: (يا محمد! إنا سائلوك عن أمور إن أجبتنا فأنت رسول، فقال لهم: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى إن أنا أخبرتكم لتتابعنني على ديني؟ قالوا: بلى، وأخذ عليهم العهود والمواثيق، -فطرحوا عليه أسئلة- فقالوا: ما الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه؟ وهل ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ ومن وليك من الملائكة؟ قال لهم: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى إن أنا أخبرتكم لتؤمنن بي ولتابعنني على ديني؟ قالوا: بلى، قال: أما تعلمون أن إسرائيل ﵇ -وهو يعقوب- قد كان أحب الطعام إليه لحم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها، فمرض مرضاً شديداً، فنذر لله إن عافاه أن يحرم أحب الطعام والشراب على نفسه؟ قالوا: بلى، قال: اللهم اشهد، ثم قال: أسألكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجدون في كتابكم أن ماء الرجل غليظ أبيض، وأن ماء المرأة رقيق أصفر؟ قالوا: بلى، قال: اللهم اشهد، قال: أسألكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجدون أنه إذا سبق ماء الرجل أشبه الولد أباه، وإذا سبق ماء المرأة أشبه الولد أمه؟ قالوا: بلى، -بقي سؤال واحد على طريقة المصابرة كما يقولون- قالوا له: الآن أخبرنا من وليك من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك؟ -وهذا نوع من المحاصرة- فقال لهم ﵊: إن وليي جبريل، وما بعث الله نبياً إلا وهو وليه، قالوا: جبريل ذاك عدونا لو كان غيره لاتبعناك) أي: هذه هي المشكلة بيننا وبينك، فاليهود قبحهم الله بما طبعوا عليه من عنصرية وعنجهية لهم رأي في الأنبياء، ولهم رأي في الملائكة، ولهم رأي في الكتب، أما أمة محمد ﷺ فإنهم يؤمنون بالكتاب كله، وبالرسل كلهم، وبالملائكة كلهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

стр. 920

ما يستفاد من الآية هذه الآية تثبت أن القرآن قد نزل منجماً، ونستفيد منها: وجوب الثبات على الإيمان والاستقامة عليه حتى الممات، وأن الإيمان بالله لا يصح إلا إذا انضم إليه الإيمان بمحمد ﷺ وبالقرآن، وأنه لا يصح الإيمان بالقرآن إلا إذا انضم إليه الإيمان بالكتب السابقة التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله، وأن إطلاق وصف الكفر يصلح على كل من أخل بواحد من تلك الأركان، سواء كان كفره بالله أو برسوله محمد ﷺ ، أو بأحد من المرسلين، أو بأي كتاب من الكتب، أو بأحد الملائكة، أو باليوم الآخر، ولا ضلال أعظم من ضلال من كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، نسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.

стр. 921

نداءات الرحمن لأهل الإيمان [١١] نهى الله المؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء، وأمرهم أن يوفوا بالعقود سواء كانت مع المؤمنين أو الكافرين، ونهاهم أن يحلوا شعائر الله، كل ذلك لمصلحتهم الدينية والدنيوية.

стр. 922

قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء) النداء السابع والعشرون من نداءات الرحمن لأهل الإيمان في الآية الرابعة والأربعين بعد المائة من سورة النساء: يقول ربنا ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء:١٤٤]. هذه الآية ناطقة بما دلت عليه آيات أخرى من القرآن، كقول ربنا الرحمن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١] وكقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]، وقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥٧]، وقول الله : ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٢٨]. إن الله ينادي المؤمنين في هذه الآية بألا يتخذوا الكافرين أعواناً ونصراء من دون المؤمنين، سواء كان كفرهم كفر شرك، أو كفر عناد ومكابرة، أو كفر نفاق؛ لأن الكفر في النهاية ملة واحدة، كما قال الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣] ويمكن أن يراد بالكافرين في هذه الآية مشركو مكة، ويمكن أيضاً أن يراد بهم أهل الكتاب الذين كانوا في المدينة من اليهود، ويمكن أيضاً أن يراد بهم المنافقون من أمثال عبد الله بن أبي بن سلول وأقرانه. يقول الله : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ))، ثم يوجه ربنا ﷻ سؤالاً: ((أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا)) أي: أتريدون يا من تتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أن تجعلوا لله حجة بينة في إنزال عقوبته بكم وتمكينه بكم أو أتريدون أن تجعلوا لله عليكم حجة في أن يسلط هؤلاء الكافرين عليكم بذنوبكم بعد ما اتخذتموهم أولياء؟!

стр. 923

من صور اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين إن اتخاذ الكافرين أولياء قضية لها صور في واقعنا المعاصر من الذين ينتسبون إلى الإسلام في الجملة سواء كانوا من الحكام أو المحكومين، إن اتخاذ الكافرين أولياء لها صور وأشكال ينبغي لكل واحد منا أن يحتاط لئلا يقع فيها، فمن هذه الصور: الرضا بكفر الكافرين، وعدم تكفيرهم، أو الشك في كفرهم، أو تصحيح أي مذهب من مذاهبهم الكافرة، فمن رضي بكفر الكافر، أو شك في كفره، أو صحح دينه ومذهبه فقد والاه من دون المؤمنين. ونحن الآن نجد فئاماً من المسلمين لا يعتقدون كفر اليهود والنصارى، بل يعتقدون أنهم في جملة أهل الإيمان، وأن الواحد منهم يمكن أن يصل إلى الجنة، وأنهم في النهاية يعبدون الله، فإذا كان المسلم يعبد الله في المسجد فذاك يعبد الله في الكنيسة أو الكنيس، وإذا كان المسلم يتبع محمداً ﷺ فذاك يتبع عيسى أو موسى، هكذا يعتقد بعض الأغرار من المسلمين مثل هذه العقيدة الباطلة، وما علم هؤلاء أن هذا من نواقض الإيمان؛ لأن الله أخبر أنه لا يقبل إلا الإسلام قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، والنبي ﵊ يقول: (والذي نفسي بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني، ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أهل النار) فهذه القطعيات الواضحات صارت عند كثير من الناس مبهمات. ومن صور الموالاة ومظاهرها: اتخاذ الكافرين أعواناً وأنصاراً وأولياء، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]. قال الإمام أبو محمد ابن حزم ﵀: صح أن قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين. ومن صور المولاة: الإيمان ببعض ما هم عليه من الكفر، أو التحاكم إليهم دون كتاب الله، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء:٥١]. ومما هم عليه من الكفر تلك المقولة التي شاعت عند الكفار: لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين، أو مقولة: دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، فإنك تجد بعض المسلمين يردد هذه المقولة، وقد ارتضاها واستبطنها واعتقد أن لله المسجد، وشهر رمضان، وموسم الحج، أما بعد ذلك فحياتنا نسيرها كيفما نشاء وكيفما نريد، وهذا هو مبدأ فصل الدين عن الدولة، فكثير من الناس الآن ينادي بأن تكون المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات دون النظر إلى الدين، بمعنى أننا لا ننظر هل هذا مسلم أو كافر ولا اعتبار لذلك، فإذا كان مواطناً فالمواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، ويرددون هذا الكلام سراً وعلانية، بل صار ذلك عند كثير من الناس من الأمور المسلمة، وهذا مما يناقض قول الله : ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]، ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]، فلو كان هناك مسلمان أحدهما بر والآخر فاجر فإنهما لا يستويان، ناهيك أن يكون أحدهما مؤمناً موحداً لله ، والآخر كافراً مشركاً بالله . ومن صور الموالاة: مودتهم ومحبتهم، وقد نهى الله عن ذلك بقوله: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]، قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أخبر الله أنك لا تجد مؤمناً يواد المحادين لله ورسوله، فإن الإيمان ينافي موادته كما ينافي أحد الضدين الآخر، فإذا وجد الإيمان انتفى ضده، وهو موالاة أعداء الله، فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه كان ذلك دليلاً على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب، وأن قلبه خال من الإيمان. وقال بعض العلماء المعاصرين: ومن مظاهر ذلك: أن الواحد منهم إذا لقي الكافر حياه، ووضع يده على صدره وقلبه، كأنه يقول له: مكانتك في القلب! أو وضع يده على رأسه كأنه يعني مكانتك فوق الرأس. ومن مظاهر موالاة الكافرين: مداهنتهم ومداراتهم ومجاملتهم على حساب الدين، قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩] وهذا كثير، فإنك تجد بعض الناس إذا جلس مع الكفار ينكر بعض مسلمات الدين أو يتنازل عنها، سواء كانت متعلقة بتشريع الجهاد، أو ببعض التشريعات من السياسة الشرعية كالجزية مثلاً، أو ببعض التشريعات المتعلقة بالمرأة، أو العلاقات الدولية كمعاملة الكفار، فتجده ينكر ذلك كله، حتى تكلم بعض الناس وكان وزيراً للتعليم في بعض البلاد لما بدأ الأمريكان يطالبون بتغيير المناهج لئلا تفرخ الإرهاب كما زعموا، قال هذا الوزير: أنا لما كنت وزيراً شكلت لجنة لحذف الآيات التي تحض على كراهية الآخر! وذلك كقول الله : ((لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) ومثيلاتها، فلو حذفها من المنهج ماذا سيصنع بالمصاحف وهي باقية؟ ولو حذفها من المصاحف ماذا سيصنع بها وهي في صدور المسلمين يقرءونها بالليل والنهار؟ فتجد بعض الناس -والعياذ بالله- يتفوه بالكفر وهو لا يدري! ومن مظاهر موالاتهم: طاعتهم فيما يأمرون به ويشيرون، وهذا الآن كثير، فإذا أمر أعداء الله بأمر فإنك تجد كثيراً من المسلمين يتبارون ويتسابقون ويتنافسون في تنفيذ إشاراتهم، وجعل أوامرهم واقعاً، وقد قال الله : ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٠٠]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩] هذا منطوق القرآن. ومن مظاهر موالاتهم: مجالستهم والدخول عليهم وقت استهزائهم بآيات الله، يقول الله : ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) [النساء:١٤٠] أي: في الكفر، ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٤٠]. زار الرئيس الأمريكي السابق بعض البلاد قبل سنة أو أكثر، وتكلم بأن المسلمين يجب عليهم أن يسمحوا للنساء بقيادة السيارات، وأن أكثر العلماء لا يمنعون المرأة أن تقود السيارة، وهذا أهون من أن تركب مع السائق الأجنبي الذي ليس بزوج ولا محرم ثم إن هذا الإنسان قال: إن المرأة يجب أن يسمح لها، ولا يعترض على ذلك أحد من علماء الدين، ولو كان النبي محمداً موجوداً لسمح لزوجاته بقيادة السيارات، بل لفتح وكالة سيارات، قال هذا الكلام والجلوس أكثرهم مسلمون يضحكون ويصفقون والعياذ بالله، وقد رد عليه بعض العلماء وسخروا منه وقالوا: هذا المسكين يتصور القضية على غير وجهها، ولو كان كلام كلنتون صحيح -وهو شيطان وليس بشيخ- لقال العلماء المعارضون: إن الرسول ﷺ منع من قيادة السيارات وهم لم يقولوا ذلك أبداً، وإنما يستدلون بأمور معينة درءاً للفتنة وسداً للذريعة، وغير ذلك من المسوغات التي يذكرونها. ومن مظاهر موالاتهم أيضاً: الرضا بأعمالهم والتشبه بهم، ومثال ذلك: الأعياد التي ستأتي بعد شهر والتي تسمى أعياد الكرسمس أو أعياد الميلاد، وبعدها أعياد رأس السنة، وتجد كثيراً من المسلمين ينتظرونها ويسأل بعضهم بعضاً: أين ستقضي فترة العيد؟ وبعضهم يهنئ بعضاً بقوله: كل سنة وأنت طيب، بل أحياناً يأتي أحدهم في صلاة الصبح ويقول للآخر: الصبح كل سنة وأنت طيب! في يوم الكرسمس أو في يوم شم النسيم، أو شم الفسيخ كما يسمونه. يهنئ بعضهم بعضاً بعيد من أعياد الكفار، وفي هذا دلالة على تمييع الشخصية، وعدم وضوح الوجهة. ومن مظاهر موالاتهم: البشاشة معهم والطلاقة، وانشراح الصدر لهم وإكرامهم وتقريبهم، وكون الإنسان يبش لهم وينشرح صدره لهم، وينطلق معهم ويكرمهم ويقربهم، هذا كله من مظاهر الموالاة. ومن مظاهر الموالاة: معاونتهم ونصرتهم على ظلمهم، وهذه القضية يشغبون بها كثيراً في العراق؛ لأن أحد المسلمين قُتل لأنه متعاون مع الصليبيين الكفار، ولا فرق بين من يتعاون مع الأمريكان في العراق، ومن يتعاون مع اليهود في فلسطين؛ لأن يهود فلسطين والأمريكان كفار، والكفر ملة واحدة، فهؤلاء معتدون وهؤلاء معتدون، وهؤلاء ظلمة محتلون وهؤلاء ظلمة محتلون، لا فرق بينهم، فالمسلم الذي يتعاون معهم، ويدلهم على عورات المسلمين، ويتجسس عليهم لمصلحة هؤلاء الكفار الغاصبين، لاشك أن حكمه حكمهم: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]. أيضاً من مظاهر الموالاة التي ينبغي أن ننتبه لها وننقلها لمن وراءنا: السكنى معهم في ديارهم وتكثير سوادهم، وقد روى أبو داود قال رسول الله ﷺ : (من جامع المشرك، وسكن معه فإنه مثله) وروى الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على

стр. 924

ما يستفاد من الآية من فوائد هذه الآية: تمام عدل الله، وأنه سبحانه لا يعذب أحداً قبل قيام الحجة عليه. ومن فوائدها: التحذير من المعاصي، فإن فاعلها يجعل لله عليه سلطاناً مبيناً. ومن فوائدها: تحريم موالاة الكافرين. قال ابن كثير ﵀: موالاتهم مصاحبتهم، ومصادقتهم، ومناصحتهم، وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة لهم. ومن فوائد الآية: أن موالاة الكافرين دليل ظاهر وحجة بينة على النفاق.

стр. 925

قول الله : (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) هذا هو النداء الثامن والعشرون من نداءات الرحمن لأهل الإيمان، وهو في الآية الأولى من سورة المائدة: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١]. في القرآن ثلاث سور بدأت بهذا النداء: سورة المائدة، وسورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١]، وسورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]. قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١]. يقول الإمام ابن عطية الغرناطي ﵀: وهذه الآية مما تلوح فصاحتها، وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصيرة بالكلام، ولمن عنده أدنى إبصار، فإنها تضمنت خمسة أحكام: الأمر بالوفاء بالعقود، وتحليل بهيمة الأنعام، واستثناء ما تُلي بعده، واستثناء حال الإحرام فيما يصاد، وما يقتضيه معنى الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم. حكي أن أصحاب الكندي قالوا له: أيها الحكيم! اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال نعم: أعمل مثل بعضه، فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدر عليه ولا يطيق هذا أحداً، وإني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة، فنظرت فإذا هو قد أمر بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلل تحليلاً عاماً، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، ولا يستطيع أن يأتي أحد بهذا إلا في مجلدات، أي: أن سطرين من كتاب الله تضمنت أحكاماً كثيرة، وصدق ربنا سبحانه حين قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:١١٥]. في هذه الآية ينادينا ربنا ﷻ بوصف الإيمان: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) ثم يأمرنا ((أَوْفُوا)) وقد سبق أن هذا النداء إما أن يعقبه أمر أو نهي، كما قال ابن مسعود: إذا سمعت الله يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) فأرعها سمعك؛ فإنه إما خير تؤمر به أو شر تنهى عنه.

стр. 926

أنواع العقود قال الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا)) الوفاء: هو الإتيان بالشيء وافياً كاملاً لا نقص فيه، والعقود: هي العهود، وحكى شيخ المفسرين الطبري ﵀ الإجماع على أن العقود هي العهود، والعقود معرفة بالألف واللام للاستغراق، فالمطلوب من المسلم أن يفي بالعقود التي أمر بالوفاء بها، وأولها: العقد الذي بينه وبين الله ، وهو الإقرار بألوهيته وربوبيته: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢] هذا عهد وعقد بين كل إنسان وبين ربنا ﷻ . ثم العقد العام الذي أخذه الله على آدم حين أهبطه من الجنة، كما قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨] فهذا عهد عام بيننا وبين ربنا ﷻ مطلوب منا فيه أن نتقيد بالضوابط التي وضعها ربنا ﷻ فيما أحل لنا وحرم علينا وفرض وأوجب فكل هذه عقود، فالصلاة عقد بينك وبين الله، والحج والصيام والصدقة وبر الوالدين وسائر الأوامر التي أمرت بها عقود بينك وبين الله. ثم العقود التي بيننا وبين رسول الله ﷺ ، فقد جاء في الحديث: (كان ﵊ إذا بايع الناس يأخذ عليهم ستة أمور: ألا يشركوا بالله شيئاً، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصونه ﷺ في معروف)، هذه عقود بيننا وبين النبي عليه والسلام، ثم قال لهم صلوات الله وسلامه عليه: (فمن وفى منكم فأجره على الله -أي: وفى بهذه العقود فأجره على الله- ومن أصاب منها شيئاً فأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له). والأمر بالوفاء بالعقود يشمل العقود التي بين المسلمين وغير المسلمين، كما في قول الله : ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة:٢]، وقول الله : ((وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ)). ويشمل كذلك العقود التي بين المسلمين، كعقود النكاح، والبيوع والمداينة، ونصرة المظلوم، وكل تعاقد وقع على غير أمر محرم فهذه كلها يجب الوفاء بها.

стр. 927

معاني المفردات قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)) خطاب من الله لنا. ثم قال سبحانه: ((أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ)) أي: أن بهيمة الأنعام لكم حلال، والبهيمة: كل ما لا عقل له، وسميت البهيمة بهيمة لإبهام أمرها من جهة عدم عقلها، ونقص فهمها، وعدم تمام نطقها وتمييزها، وما إلى ذلك فالدواب بهائم، والطيور بهائم، ولكن العرف خص كلمة البهيمة بذوات الأربع من دواب البر أو البحر، فكل ما كان يمشي على أربع فهو بهيمة. قول الله : ((بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ)) إضافة تفيد البيان، أي: ليست كل البهائم حلالاً لكم وإنما بهيمة الأنعام، وهي الأزواج الثمانية من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، فمن الضأن اثنين الكبش والنعجة، ومن المعز اثنين التيس والمعزة، ومن الإبل اثنين الجمل والناقة، ومن البقر اثنين الثور والبقرة، هذه كلها حلال. ((أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ)) إلا ما يتلى عليكم: هي العشرة التي حرمها ربنا في الآية الثالثة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة:٣]، فهذه العشرة حرام، ولو كانت من الإبل أو البقر أو الغنم لا يحل لكم أكلها. ((إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)) أي: إذا كنتم محرمين بالنسك بحج أو عمرة، ووصلتم إلى الحرم أو لم تصلوا فلا تستحلوا الصيد، والصيد هو: إمساك الحيوان الذي لا يألف، وهو غير الحيوانات الأليفة كالإبل والبقر والغنم، فهناك حيوانات لا تألف ولا يستطيع الإنسان أن يمسك بها إلا صيداً، إما باليد أو بوسيلة كالشباك، والحبائل، والرماح، والسهام، والكلاب، والبازات، هذه كلها وسائل صيد، ويمكن للإنسان أن يصيد بالكلب أو الباز أو السلاح أو الشباك أو بغير ذلك، فإذا كنتم محرمين فلا يحل لكم أن تصيدوا لا في الحرم، ولا في خارج الحرم. ثم ختم الله عز وحل الآية بقوله: ((إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ)) أي: إن الله هو الذي يحكم وهو الذي يحلل ويحرم ويأمر وينهى ويشرع، كما قال سبحانه: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، وقال: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام:٥٧]، وغير ذلك من الآيات التي تثبت أن الحكم لله، قال أهل التفسير: حكم الله على نوعين: الأول: الحكم القدري الكوني: ما يقع في هذا الكون من حياة أو موت، ومن صحة أو سقم، ومن غنى أو فقر، ومن طاعة أو عصيان، ومن هدى أو ضلال كل ذلك بحكم الله الكوني القدري، وكله بخلقه وإيجاده كما قال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن:١١]، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، هذا الحكم الكوني القدري يسري على الجميع. الثاني: الحكم الشرعي الديني: كقول الله : هذا حلال وهذا حرام، هذا واجب وهذا ليس بواجب، فهذا كله لله ، ولا يملك أحد سواه أن يشرع للناس حتى رسول الله ﷺ ؛ فإنه يشرع للناس بأمر الله، فتشريعه فرع عن تشريع رب العزة ﷻ ، وهو الذي قال: (ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله).

стр. 928

ما يستفاد من الآية هذه الآية اشتملت على فوائد منها: وجوب الوفاء بالعقود كلها ما كان لله وما كان للناس، وخاصة الشروط التي تكون في عقد النكاح، قال رسول الله ﷺ : (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج)، فالشروط التي تكون في عقد النكاح مطلوب من المؤمن أن يوفيها كاملة، ومن فوائد الآية: حل بهيمة الأنعام من الأزواج الثمانية، واستدل ابن عمر وابن عباس رضوان الله عليهم، وغير واحد من أهل العلم بهذه الآية على إباحة أكل الجنين إذا ذكيت أمه، فلو أنك ذبحت شاة ثم وجدت في بطنها جنيناً، فإن هذا الجنين لو خرج حياً فلا خلاف بين أهل العلم في أنه يذكى، لكن لو خرج ميتاً فقد قال رسول الله ﷺ : (ذكاة الجنين ذكاة أمه) أي: أن ذكاة أمه تسري عليه فيؤكل حلالاً. ومن فوائد الآية: تحريم الأنواع العشرة من المطاعم التي ذكرها الله سبحانه في الآية الثالثة؛ لأنه قال: ((إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ)) وقد عرفنا أن المتلو هو تلك العشرة. ومن فوائد الآية: أن كتاب الله يفسر بعضه بعضاً فقول الله : ((إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ)) فسر بعد ذلك بآيتين. ومن فوائد الآية: تحريم الصيد حال الإحرام بالنسك، سواء أكان في الحرم أو في غيره طالما أن المسلم متلبس بالنسك فلا يجوز له صيد البر، قال الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦]. ومن فوائد الآية: إباحة الصيد بعد الإحلال؛ لأن الله قال: ((وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)) وهذا منطوق الآية التي ستأتي إن شاء الله، فهي مفهومة من النص. قال أهل العلم: كل شيء كان جائزاً، ثم حرم لموجب، ثم أمر به بعد زوال ذلك الموجب؛ فالأمر للإباحة، كالبيع مثلاً فإنه حلال ولكنه يحرم بعد أن يصعد الإمام المنبر يوم الجمعة، بعد ذلك قال الله : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة:١٠]، فالأمر هنا للإباحة، كذلك قول الله : ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فجماع الزوجة في الحيض حرام، ثم قال الله : ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فيكون الأمر ههنا أيضاً للإباحة. ومن فوائد الآية أيضاً: إثبات الإرادة لله .

стр. 929

قول الله : (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله) النداء التاسع والعشرون من نداءات الرحمن لأهل الإيمان: قول ربنا ﵎ في الآية الثانية من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة:٢]. تعتبر سورة المائدة من أكثر سور القرآن التي اشتملت على النداء بوصف الإيمان، وأكثر سورة في القرآن نودي فيها المؤمنون بقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا))، فقد اشتملت على ستة عشر نداء، وقد مر في سورة البقرة أحد عشر نداء، وفي سورة آل عمران سبعة نداءات، وفي سورة النساء اثنا عشر نداء، وههنا في هذه السورة المباركة ستة عشر نداء.

стр. 930

سبب نزول الآية سبب نزول هذه الآية: أن رجلاً يقال له: الحطم بن هند البكري من ربيعة جاء إلى رسول الله ﷺ ، وقبل أن يدخل عليه قال النبي عليه الصلاة لأصحابه: (يدخل عليكم رجلٌ من ربيعة يتكلم بلسان شيطان)، جاء هذا الرجل وقد خلف خيله خارج المدينة، فدخل على النبي ﷺ فلما عرض عليه الإسلام ودعاه إلى الله قال: انظروا لعلي أسلم، وأرى في أمرك غلظة -يقول ذلك للنبي ﵊ ولي من أشاوره، سأذهب وأشاور القوم، ومن المعلوم أن الإنسان إذا آمن لا يقول: لي من أشاوره، ولو فهم الكلام على وجهه ما كان سيخاطب النبي ﷺ بقوله: أرى في أمرك غلظة، (فلما خرج قال النبي ﵊: لقد دخل بوجه كافر وخرج بقلب غادر، فمر بسرح من سرح المدينة) والسرح: الغنم التي خرجت للسوم، تطلب العلف والطعام، فساق هذا السرح وانطلق وهو يقول: قد لفها الليل بسواق حطم ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر الوضم باتوا نياماً وابن هندلم ينم بات يقاسيها غلام كالزلم خدلج الساقين ممسوح القدم يمدح نفسه، ويثني عليها، ثم أقبل هذا الرجل نفسه من العام الذي بعده حاجاً، وقد ساق هدياً، وهي تلك التي سرقها يهديها إلى الكعبة المشرفة، فأراد أصحاب رسول الله ﷺ أن يتعرضوا له، وأن يستولوا على ما معه، فأنزل الله هذه الآية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ)). قال ابن عباس: يعني مناسك الحج، وقيل: بل المراد الصفا والمروة، وقيل: بل محارم الله لا تنتهكوها.

стр. 931

حكم القتال في الأشهر الحرم قوله: ((لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ)) أي: إن الشهر الحرام أنتم مأمورون بتعظيمه، فلا تعتدوا فيه على أحد ولا تبتدئوا أحداً بقتال، كما قال سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ﴾ [البقرة:٢١٧]، والنبي ﵊ في حجة الوداع قال: (ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جماد وشعبان)، وجمهور العلماء على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥]، ولم يستثن ربنا سبحانه شهراً حراماً من غيره، ويدل على ذلك أن النبي ﷺ قاتل أهل الطائف في ذي القعدة، ولا خلاف بين أهل العلم في أن قتال الدفع في الشهر الحرام وغيره ليس داخلاً في النهي، فما يقوم به إخواننا في العراق أو فلسطين أو أفغانستان هو قتال دفع لا يشترط له أن يخرج الشهر الحرام، بل يجوز في الشهر الحرام كما يجوز في غيره، يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: وأما قتال الدفع إذا ابتدأ الكفار المسلمين بقتال فإنه يجوز للمسلمين القتال دفعاً عن أنفسهم في الشهر الحرام وغيره بإجماع العلماء.

стр. 932

معاني المفردات قوله تعالى: ((لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ)) أي: الأشهر الحرم، ((وَلا الْهَدْيَ)) أي: ما يهدى إلى البيت من النسائك، كالإبل والبقر، والغنم، فلا تتعرضوا له بسوء. ((وَلا الْقَلائِدَ)) القلائد: جمع قلادة وهو ما يجعل في عنق البهيمة من نعل أو لحاء شجر أو عروة مزادة أو غير ذلك دلالة على أنها نسك يتقرب بها إلى الله ، وقيل: المراد ذوات القلائد وهي البدن. قال سبحانه: ((وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ)) أي: قاصدين البيت الحرام، فلا تستحلوا قتال من قصد بيت الله الحرام؛ لأن من دخله كان آمناً، وهذا كله قبل نزول سورة التوبة التي قال الله فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]، ولذلك لما نزلت هذه السورة بعث أبو بكر ﵁ -وكان أمير الحج- منادياً ينادي: ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، فحرم على المشركين دخول البيت الحرام. ((وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا)) (فضلاً) أي: التجارة، ((وَرِضْوَانًا)) كان المشركون يأتون إلى الحج يبتغون بزعمهم رضوان الله ، فالله خاطبهم على ما يعتقدون. قال سبحانه: ((وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)) أي: إذا فرغتم من النسك، وحللتم من إحرامكم فقد أبحنا لكم ما كان محرماً عليكم في حال الإحرام من الصيد وذلك في قول الله : ((وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا)). قال سبحانه: ((وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ)) أي: لا يحملنكم، كما قال القائل: ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا أي: حملت فزارة. ((شَنَآنُ)) مصدر على وزن طيران، وقرأ بعضهم: (شنْآن) على أنها صفة كعطشان، وسكران، وهي قراءة ابن عامر وشعبة وابن وردان. وقوله: ((وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ)) أي: بغض قوم، ((أَنْ صَدُّوكُمْ)) أي: على أن صدوكم، وفي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ﴿إِنْ صَدُّوكُمْ﴾ [المائدة:٢] على أنها شرطية. ((أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا)) أي: أن هؤلاء الذين صدوكم عن المسجد الحرام عام الحديبية لا يحملنكم صدهم إياكم على أن تقابلوا الفعل الحرام بفعل حرام، فالمسلمون لديهم آداب وقواعد وأحكام وتعاليم يقفون عندها. قال الله : ((وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)) أي: على فعل الخيرات، وكل ما فيه تقوى الله، وقال بعض المفسرين: البر فعل الخيرات، والتقوى ترك المنكرات، وقال ابن جزي المالكي ﵀: الفرق بين البر والتقوى: أن البر عام في فعل الواجبات والمندوبات وترك المحرمات، وفي كل ما يقرب إلى الله، والتقوى في الواجبات وترك المحرمات دون فعل المندوبات، والمقصود: أن البر أعم من التقوى فبينهما عموم وخصوص. قال الله : ((وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)) والفرق بين الإثم والعدوان: أن الإثم ما كان ذنباً بين العبد وربه، والعدوان ما كان فيه تعد على الناس، فالإثم كالشرك وشرب الخمر، والعدوان ما كان فيه عدوان على الناس في أموالهم وأبدانهم وأعراضهم، فهذا يسمى عدواناً. قال سبحانه: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) شديد العقاب لمن عصاه ولم يتقه.

стр. 933

ما يستفاد من الآية هذه الآية المباركة أفادت تحريم انتهاك شعائر الله المكانية والزمانية، فنحن مأمورون بتعظيمها، فنعظم الأشهر الحرم، ونعظم بيوت الله، وأنبياء الله، وأولياء الله، وحرمات المسلمين، وكتاب الله ، وأصحاب رسول الله ﷺ ، وأهل العلم، فهذه كلها شعائر نحن مأمورون بتعظيمها ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] وسواء كانت هذه الشعائر زمانية أو مكانية. ثم أيضاً الأشهر الحرم لابد من تعظيمها، ومن عصى الله فيها فإثمه عظيم. وأفادت الآية: حرمة التعرض لما أهدي إلى البيت الحرام، وحرمة التعرض لمن سعى إلى البيت الحرام بنسك حاجاً كان أو معتمراً. وأفادت الآية كذلك: إباحة التلبس بالنسك، وهذا منصوص عليه في قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨]. وأفادت الآية: أن العدل واجب مع الموافق والمخالف، كما قال سبحانه: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾ [المائدة:٨] حتى مع من تبغضونهم وحتى مع من يخالفكم في الدين، فهذه هي العدالة المطلقة ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]. وأفادت الآية كذلك: أن الظلم لا يقابل بمثله مما فيه معصية لله عز وحل؛ لأن الله لا يمحو الخبيث بالخبيث، ومثاله: لو أن إنساناً لا يتقي الله سب أباك وأمك فلا تكن مكافئتك إياه بأن تسب أباه وأمه؛ لأن هذا تعد على من ليس له ذنب فلا تسب أباه ولا تسب أمه. وكذلك أفادت الآية: وجوب التعاون على البر والتقوى، وحرمة التعاون على الإثم والعدوان، ووجوب تقوى الله على كل حال.