Полный текст (933 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
كلام سيد قطب في تفسير الآية
يقول سيد قطب ﵀: يحذر الله الذين آمنوا أن يطيعوا الذين كفروا، فطاعة الذين كفروا عاقبتها الخسارة المؤكدة وليس فيها ربح ولا منفعة، فبها الانقلاب على الأعقاب إلى الكفر، فالمؤمن إما أن يمضي في طريقه يجاهد الكفر والكفار ويكافح الباطل والمبطلين، وإما أن يرتد على عقبيه -والعياذ بالله- كافراً، ومحال أن يقف سلبياً بين بين، محافظاً على موقفه ومحتفظاً بدينه، فإنه قد يخيل إليه هذا، فيخيل إليه في أعقاب الهزيمة، وتحت وطأة الجرح والقرح أنه يستطيع أن ينسحب من المعركة مع الأقوياء الغالبين وأن يسالمهم ويطيعهم وهو مع ذلك محتفظ بدينه وعقيدته وإيمانه وكيانه، وهذا وهم كبير.
فالذي لا يتحرك إلى الأمام في هذا المجال لا بد أن يرتد إلى الوراء، والذي لا يكافح الشر والباطل والضلال والطغيان والذي لا تعصمه عقيدته ولا يعصمه إيمانه من طاعة الكافرين والاستماع إليهم والثقة بهم؛ يتنازل في الحقيقة عن عقيدته وإيمانه منذ اللحظة الأولى، فليست العبرة بهزيمة في معركة، فالرسول ﷺ وأصحابه يوم أحد هزموا بنص القرآن الكريم، فالله بين بأنهم نصروا أولاً ثم انكسروا في الأخير، لكن هل شك رسول الله ﷺ لحظة؟ لا، والله! فهو ﷺ قال لأصحابه ودمه ينزف: (اصطفوا لأثني على ربي)، وأثنى على ربه ﷻ بكلمات وكأنه المنتصر ﵊، وهو في حقيقة الأمر منتصر؛ لأن المبدأ والعقيدة ما تغيرت ولا تزلزلت، والأنبياء هكذا سنتهم يدال عليهم مرة ويدالون مرة، وهذه سنة الله كما قال جل في علاه: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠].
стр. 877
صور من الثبات على المنهج
وكاتب هذه الكلمات سيد قطب ﵀ تمكن منه أهل الطغيان، وسجن وعذب وأوذي، ثم في ختام الأمر قتل رحمة الله عليه، لكن هل ذهب فكره؟ وهل نسي أمره؟ وهل ذابت عقيدته؟ لا، والله! بقيت كلماته كما قال: إن كلماتنا تبقى عرائس من الشمع حتى إذا رويناها بدمائنا دبت فيها الحياة، فما زال إلى يومنا هذا كثير من أبناء حركة الإسلام والصحوة الإسلامية موجههم الأول هو فكر سيد قطب، وما بثه وما نثره في كتبه.
بل أبلغ من ذلك أبو العباس ابن تيمية شيخ الإسلام رحمة الله عليه، هذا الرجل الذي قاتل التتار، وقاتل الصليبيين، وأحيا السنة، وأمات البدعة، وجاهد في الله حق جهاده، بعض العلماء هددوه وما اتقوا الله فيه، ووشوا به عند السلطان، فألقي في السجن ومات فيه، رحمة الله عليه، فمات في سجن القلعة، لكنه ما هزم، بل ما زال فكره ﵀ هو المغذي وهو المحرك، وما زال علماء الإسلام يرجعون إلى فتاويه وإلى كتبه وإلى أقواله التي طبقت المشارق والمغارب.
وأبلغ من هذا وأوضح الإمام أحمد رحمة الله عليه الذي جلد بالسياط في فتنة خلق القرآن، لكنه ﵁ ما تنازل ولا تغير؛ فجعل الله العاقبة له وأظهر أمره، وصار إمام أهل السنة.
ومن قبله مالك رحمة الله عليه وأبو حنيفة وسفيان الثوري وغير هؤلاء كثيرون ممن لم يطيعوا الذين كفروا، ولم يداهنوا الذين نافقوا، ولم يتنازلوا عن شيء من الدين، فما ردوا على أعقابهم خاسرين، بل جعل الله لهم رفعة الذكر في الدنيا وإن شاء الله جنة عرضها السموات والأرض في الآخرة.
وهناك أناس يطيعون الذين كفروا شيئاً فشيئاً إلى أن يبلغ بهم الأمر أن يتنازلوا عن الدين كله، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 878
كلام الجصاص في تفسير الآية
قال أبو بكر الرازي الجصاص ﵀ في أحكام القرآن: فيها دلالة على النهي عن طاعة الكفار مطلقاً، ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩]، لكن أجمع المسلمون على أنه لا يندرج تحته من وثقنا بنصحه منهم، كالجاسوس والخريت الذي يهدي على الطريق، فالرسول ﷺ لما هاجر هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة كان دليلهم عبد الله بن أريقط وكان كافراً، لكن الرسول ﷺ ائتمنه ومشى خلفه وهو يصف له الطريق إلى أن بلغ المدينة، فالرسول ﷺ وثق به، فقد يكون كافر من الكفار خريتاً خبيراً بالطريق، أو يصلح أن يكون جاسوساً للمسلمين، وأوضح من هذا صاحب الرأي ذي المصلحة الظاهرة، والزوجة تشير بصواب، يعني: لو فرض أن إنساناً متزوجاً من كافرة كأن تكون نصرانية أو يهودية فبينك وبينها ولد أو أولاد، فأنت تقول: نذهب بالأولاد إلى مدرسة كذا، وهي قالت: لا، بل نذهب بهم إلى مدرسة كذا والسبب كذا وكذا وكذا وكذا، ووجدت أن رأيها صواب، هنا في هذه الحالة لا نقول: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩] فإشارة الزوجة -مع كفرها- لو أشارت بالصواب فالقول قولها، كذلك الخبير والجاسوس، وصاحب الرأي ذي المصلحة الظاهرة.
стр. 879
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض)
النداء السابع عشر في الآية السادسة والخمسين بعد المائة من سورة آل عمران: قو ل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران:١٥٦].
هذه الآية أيضاً في سياق الحديث عن غزوة أحد، فإنه لما قتل من المسلمين سبعون عليهم من الله الرضوان، بدأ المنافقون يشككون المسلمين ويحاولون أن يلقوا الندم في قلوبهم ويقولون لهم: لو قعد هؤلاء الذين خرجوا للقتال كما حكى الله عنهم: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٥٦].
هذه الفرية التي يروج لها المنافقون قال الله عنها في سورة النساء: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨].
وهنا في هذه الآية الله يقول: يا مؤمنون! لا تتشبهوا بهؤلاء الكفار الذين لا يؤمنون بقضاء الله وقدره، فأنتم مؤمنون، قد أنزل الله عليكم قرآناً، وفي هذا القرآن بيان أن الآجال محدودة، وأن الأنفاس معدودة، وأنه ﴿َإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، وأنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، ولا يموت أحد إلا في الساعة التي عينها رب العالمين ﷻ لقبض روحه.
وقوله تعالى: ((لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا))، فلا تكونوا كالمنافقين، أمثال عبد الله بن أبي وأصحابه الذين قالوا كما قال الله تعالى: ((الَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ))، فاللام هنا بمعنى عن، أي: عن إخوانهم، والمقصود بالإخوة هنا أخوة النسب، أو اللام لام التعليل أي: لأجل إخوانهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء:٥١]، أي: لأجل الذين كفروا، فقوله تعالى: ((وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ)) أي في النسب.
((إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ)) أي: خرجوا مسافرين للتجارة أو لغيرها ((أَوْ كَانُوا غُزًّى)) أي خرجوا للغزو والجهاد في سبيل الله، لو كانوا مقيمين أو باقين ((عِنْدَنَا)) أي: في الظلال وفي البيوت وحيث هم، ((لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا))، ما ماتوا في السفر، ولا قتلوا في الغزو، قال الله : ((لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ))، فجعل هذا الاعتقاد الفاسد مسيطراً عليهم ومستبداً بهم ليزدادوا حسرة على موتاهم وقتلاهم قال تعالى: ((لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ))، واللام كما يقول أهل اللغة لام العاقبة، فعاقبتهم الحسرة كما في قوله سبحانه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨] أي لتكون العاقبة الحزن والحسرة في قلوبهم والعداوة.
فهاهنا أيضاً: ((لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ))، والحسرة الندامة على فراق المحبوب، وهؤلاء المنافقون جلسوا يتحسرون، ويقولون: إخواننا هؤلاء ضيعوا الحزم وما أحسنوا الرأي، ولا أبرموا الأمر، خرجوا للغزو وما كان ينبغي لهم أن يخرجوا، وما زالوا متلهفين على ما فاتهم، وهذا صنيع من لا يؤمن بقضاء الله وقدره.
قال الله : ((وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ)) فالحياة بيده، والموت بيده، فقد يحيي من خرج للغزو مع تعرضه للحتوف، وقد يكون في سفينة مع قوم فيغرقون جميعاً ويسلمه الله ، وقد يكون الإنسان في مكان يشب فيه حريق أو يهدم بيت على من فيه والله ينجي من شاء، وقد يكون إنسان آمناً في سربه، وعلى فراشه، وفي ريعان شبابه، وميعة صباه، واكتمال قوته، ووفرة صحته ثم يختطفه الموت.
فـ خالد بن الوليد رضوان الله عليه البطل المجاهد الذي عقمت النساء أن يلدن مثله والذي قال فيه أبو بكر الصديق: إن أسدكم قد عدى على أسد الفرس فغلبه على خراذيله، أي: قطع اللحم التي بين يديه، ولما بدأ خالد يفتح الفتوح في بلاد فارس، -هذا البطل الأشم والأسد الضرغام ﵁ تعرض للشهادة مراراً حتى بلغ من حاله أنه في بعض بلاد الروم وجد كيساً فاستخرجه ثم سأل سيد الروم وقال له: ما هذا؟ قال له: إنه لم يكن شيء أبغض إلي من شر أدخله على قومي، وإني قلت: لو كان هؤلاء الناس أهل شر أحتسي هذا السم فأموت، يعني: هيأ هذا السم من أجل أن ينتحر، وهذا صنيع الكفار في كل زمان، فقال خالد ﵁: باسم الله خير الأسماء الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، ثم أخذ السم ليتناوله، فأسرع إليه المسلمون ليمنعوه لكنه غلبهم ﵁ وابتلع السم، فقال ملك الروم: والله! إن قوماً فيهم هذا لن يغلبوا، وما حدث لـ خالد شيئاً ﵁، فهذه من كراماته، ثم مات هذا البطل على فراشه، وقال وهو على فراش الموت: ما في موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وهاأنا أموت كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء! وهذه سنة الله ، فقد يحيي المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد وإن كان تحت ظلال النعيم قال الله تعالى: ((وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) فبصره نافذ لا تخفى عليه خافية، قال أهل التفسير: وهذا تهديد للمؤمنين أن يماثلوا المنافقين في هذا الاعتقاد الفاسد.
ونظير هذه الآية قول الله : ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٦٨]، وكذلك كان المنافقون يقولون للمؤمنين: ﴿لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة:٨١]، قال الله : ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء:٧٢]، وقال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب:١٨]، وهذا حال المنافقين، يثبطون المؤمنين عن القتال قبل أن يقع، ثم إذا وقع وقُتِلَ ناس جرياً على سنة الله ، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران:١٤٦]، فهذه سنة الله ، فهؤلاء يقولون: هؤلاء حمقى مغفلون، سفهاء، لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.
وهذه الآية تشير إلى عقيدة لا بد أن تنطوي عليها قلوبنا، وهي الإيمان بقضاء الله وقدره، أنه لا يقع في الكون شيء إلا وقد كتب عند الله، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]، أي: من قبل أن نخلقها، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن:١١]، وكما قال رسول الله ﵌: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك).
فلذلك الإنسان المسلم إذا نزلت به مصيبة فإنه يستسلم لقضاء الله وقدره، فلو أصابه حادث، أو نزل به نقص في المال، أو هلك له ولد أو والد أو زوج فلا يقول: لو فعلت كذا لما حدث كذا، ولو أني ما أتيت من هذا الطريق لما وقع هذا الحادث ونحو ذلك، بل يجب على المسلم أن يرضى بقضاء الله وقدره، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١]، ولذلك ينسب للشافعي ﵀ أنه صور هذا المعنى فقال: تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر فكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكاً وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري وكم من عروس زينوها لزوجها وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر
стр. 880
من فوائد الآيات السابقة
هذه الآيات يستفاد منها فوائد: الفائدة الأولى: النهي عن التشبه بالكفار والمنافقين، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٥].
الفائدة الثانية: أن دأب المنافقين في كل زمان تثبيط المؤمنين عن الجهاد في سبيل الله .
الفائدة الثالثة: أن الله يعاقب الإنسان بعمله ولا يظلم ربك أحداً، فلما قالوا هذه القولة الكاذبة الخاطئة قال الله : ((لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ)).
الفائدة الرابعة: أن الإحياء والإماتة بيد الله ، فهو المحيي وهو المميت.
الفائدة الخامسة: علم الله الذي أحاط بكل شيء.
стр. 881
نداءات الرحمن لأهل الإيمان [٧]
أمر الله المؤمنين بالصبر والمصابرة على طاعته واجتناب نهيه، وأن يتقوه لعلهم يفلحون في الدنيا والآخرة.
وأمرهم بحسن العشرة مع أزواجهم.
وأرشدهم لحفظ أموالهم وأنفسهم.
стр. 882
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا)
النداء الثامن عشر في آخر آية من سورة آل عمران: قول ربنا ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]، وقد نزلت بضع وخمسون آية في شأن غزوة أحد وما كان فيها من مصاب المسلمين في سبعين من خيارهم، وما كان من مصاب المسلمين في رسول الله ﷺ ، حيث جرح وشج رأسه صلوات ربي وسلامه عليه، حتى بلغ من شدة الضرب عليه أن البيضة قد تهشمت على رأسه، فختم ربنا السورة بهذه الآية، فكأنه يقول: يا مؤمنون! اصبروا على تكاليف الدين، واصبروا على تحليل الحلال وعلى تحريم الحرام، واصبروا على فعل المأمور واجتناب المحظور، واصبروا على قضاء الله وقدره، واصبروا على الصلوات الخمس وعلى غير ذلك من التكاليف.
((وَصَابِرُوا))، المصابرة حقيقتها: أن يصبر الإنسان أمام الصابر، فالمصابرة مفاعلة، فأمامك عدو صابر، يصيبه القرح والجرح ويؤذى ويقتل ومع ذلك هو قادر عليك، صابر في مواجهتك وفي قتالك، فواجب عليك أن تصبر أمام هذا الصابر، وهذا معنى قول الله : ((وَصَابِرُوا)).
وقال زيد بن أسلم: معناه مصابرة الأعداء، وقال الحسن البصري ﵀: أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم، وهو الإسلام فلا يدعوه لسراء ولا ضراء ولا لشدة ولا رخاء حتى يموتوا مسلمين، وأمروا أن يصابروا الأعداء الذين يكيدون لدينهم.
فالأمر الأول بالصبر، والأمر الثاني بالمصابرة، والأمر الثالث قال الله : ((وَرَابِطُوا))، أي: أقيموا في الثغور مرابطين خيلكم، مستعدين للجهاد في سبيل الله، وهذا معنى المرابطة أو الرباط.
وقيل: بل المراد الصبر على الصلوات الخمس مع جماعة المسلمين، واستدلوا لذلك بما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط).
ولا تنافي بين التفسيرين، فتفسير المرابطة بأنها المرابطة على الصلوات الخمس، نوع من أنواع الرباط، وبأنها ربط الخيل استعداداً للجهاد في سبيل الله، هذا كذلك نوع من أنواع الرباط.
قال الله : ((اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ)) أي: اتقوا الله بفعل المأمور، واجتناب المحظور، والصبر على المقدور، فاتقوا الله بأن تعملوا بطاعة الله على نور من الله رجاء ثواب الله، وأن تصبروا عن معصية الله على نور من الله خوفاً من عقاب الله، واتقوا الله بأن تخافوا من الله ، وأن تعملوا بكتابه، وأن تقنعوا بما رزقكم، وأن تستعدوا للقائه ﷻ .
وقوله تعالى: ((لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) لعل بمعنى اللام أي: لتفلحوا، بمعنى: اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لتفلحوا، أو المعنى على رجاء منكم أن يحصل لكم الفلاح، والفلاح البقاء مع المحبوب بعد الخلاص عن المكروه.
قال الإمام النسفي ﵀ في محاسن التأويل: قيل: معنى الآية: اصبروا في محبتي، وصابروا على نعمتي، ورابطوا أنفسكم في خدمتي؛ لعلكم تظفرون بقربي.
ذكر هذا الوجه من أوجه التفسير.
وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ في فضل الرباط والمرابطين، فروى البخاري في صحيحه من حديث سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها).
وفي صحيح مسلم عن سلمان: (رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله، الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان).
وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن الزبير ﵄ قال: (خطب عثمان بن عفان ﵁ في الناس يوماً فقال: أيها الناس! إني سمعت من رسول الله ﷺ حديثاً لم يمنعني أن أحدثكم به إلا الظن بكم وبصحابتكم، فليختر مختار لنفسه أو ليدع).
يعني: أن عثمان يقول لهم هذا الحديث أنا كتمته؛ لأني أعلم أني لو حدثتكم به فكلكم ستعملون به وتتركونني وأنا حريص على صحبتكم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من رابط ليلة في سبيل الله كانت كألف ليلة قيامها وصيامها).
وقال ﵊: (حرمت النار على عين دمعت من خشية الله، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله).
وفي صحيح الإمام البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعثٌ رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة أو كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع).
وهذه الآية قد دلت على معانٍ سبقت في آيات مضت، فقول الله : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا)) قد مضى معنا نظيره في قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ [البقرة:٤٥]، وقول الله : ((وَصَابِرُوا)) دلت عليه آيات من القرآن كقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، وقول الله : ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥]، وقال سبحانه: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال:٦٥]، وكذلك الرباط، فكل الآيات التي أمرت بالجهاد فهي قد أمرت ضمناً بالرباط؛ لأن الرباط نوع من أنواع الجهاد.
وأما قول الله : ((وَاتَّقُوا اللَّهَ)) فقد مر معنا في آية الصيام والتي هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، ومر معنا في آية القصاص: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة:١٧٨]، إلى أن قال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩]، فكل التشريعات التي جاءت بها شريعة الإسلام إنما جاءت لتحصيل هذا الغرض العظيم، وهو تقوى الله ، وقد مر معنا قول ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢]، وذلك بأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وعرفنا أن تقوى الله سببٌ لكل خير في الدنيا والآخرة، نسأل الله أن يجعلنا من المتقين.
стр. 883
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً)
النداء التاسع عشر في الآية التاسعة عشر من سورة النساء: قول ربنا ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، وهذه الآية المباركة هي النداء الأول بوصف الإيمان في سورة النساء، وقد جاءت لتعالج نوعاً من الظلم كانت المرأة تتعرض له في الجاهلية.
روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: (كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فأنزل الله هذه الآية) يعني: المرأة في الجاهلية كانت تورث عن الرجل كما يورث المتاع، والأرض، والمال، فإذا مات الرجل فأولياؤه أي: أبناؤه أحق بها إن شاء بعضهم تزوجها، فيمكن في عهدهم أن يتزوج الولد امرأة أبيه، وإن شاءوا زوجوها وأكلوا صداقها، وإن شاءوا حبسوها إلى أن تموت فيرثوها.
وكان من أشهر ما وقع من ذلك في الجاهلية أنه لما مات أمية بن عبد شمس وترك امرأته وكان له من تلك المرأة أولاد أربعة العاص وأبو العاص والعيص وأبو العيص، وكان له أولاد من امرأة أخرى منهم أبو عمرو بن أمية، فلما مات أمية بن عبد شمس تزوج أبو عمرو امرأة أبيه التي هي أم العاص وأبي العاص والعيص وأبي العيص، فولدت له مسافر، أنجب منها ولداً أسماه بهذا الإسم، وولد آخر اسمه أبو معيط، فكان مسافر وأبو معيط إخوة للعاص وأبي العاص والعيص وأبي العيص من أمهم، وفي الوقت نفسه هم أعمامه! انظروا إلى هذه اللخبطة والفوضى التي كان يعيش فيها أهل الجاهلية، فأنزل الله هذه الآية: ((لا يَحِلُّ لَكُمْ)) أي لا يجوز، ويحرم عليكم ((أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا))، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بضم الكاف: ﴿كُرْهًا﴾ [النساء:١٩]، فقوله: ((لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا))، أو (كُرهاً) بمعنى الإجبار والمشقة، قال الله : ((لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا)) أي لا يجوز أن تجعلوا المرأة كالمتاع يتزوج الواحد منكم بالواحدة منهن من غير رضاها، أو يعضلها حتى تفدي نفسها.
стр. 884
حرمة عضل المرأة وأنواعه
قال الله: ((وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ))، وحقيقة العضل في اللغة: الحبس والمنع.
وكان هناك أيضاً صور من الظلم، فمن صور الظلم أن الرجل يتزوج بالمرأة ثم بعد ذلك يملها ويكره العيش معها، وبدلاً من أن يسرحها بإحسان، يبدأ يضايقها ويكدر صفوها ويسيء معاشرتها ويضارها من أجل أن تفتدي منه بالمال، فتقول له: طلقني، فيقول: لا أفعل حتى تردي إلي الصداق وما دفعت، وهذا حرام في الإسلام.
وكذلك من أنواع العضل الداخل في هذا النهي أن يمنع الأب ابنته من الزواج بغير سبب شرعي، إما لأن عندها راتباً وهو يتأكل من وراء هذا الراتب، أو لأنها ذات مال وهو لا يريد للزوج أن يشاركه في هذا المال، أو لغير ذلك من الأسباب غير الشرعية.
قال القرطبي ﵀: متى صح في ولي أنه عاضل نظر القاضي في أمر المرأة وزوجها، والولي هو الأب أو الأخ إن لم يكن الأب موجوداً.
قال الله : ((وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ)) أي: لا تضار المرأة ولا تسيء معاشرتها من أجل أن ترد إليك ما دفعته، قال الله : ((إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ)) أي: ظاهرة، وفي قراءة: ﴿مُبَيَّنَةٍ﴾ أي: يبينها من يدعيها، والمعنى: أن المرأة والعياذ بالله لو وقعت في الزنا فللزوج أن يضيق عليها ويضارها من أجل أن ترد إليه ما دفع، وهذا قول ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، فعندهم الفاحشة المبينة هي الزنا.
وقال الضحاك وعكرمة: الفاحشة المبينة: النشوز والعصيان، يعني: إذا الرجل دفع صداقاً، ودفع مهراً وأثث بيتاً واشترى لها ذهباً وأنفق نفقات كثيرة ثم بعد ذلك اكتشف أنها ناشز، يقول لها: ائتني بالماء، فتقول له: لا، بل تقوم أنت تشرب! فهذا نشوز وعصيان وتمرد؛ لأن من السنة أن تخدم المرأة زوجها، وهذه قسمة الحياة، وقد كانت أمهات المؤمنين يخدمن الرسول ﵊، ففي هذه الحالة يجوز أن تضجرها وتضيق عليها حتى تستبرئ منك ببعض حقها أو كله وتفارقها؛ لأنها تسببت في بعثرة بيت الزوجية بسوء خلقها ونشوزها، وأحوجتك إلى تجديد زوجة أخرى، فمن العدل في هذه الحالة أن تطالب بكل ما دفعته، فتعيده إليك وتسرحها.
стр. 885
حسن معاشرة الزوجة
قال الله : ((وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ))، المعاشرة: مفاعلة من العشرة وهي المخالطة، ومشتقة من العشيرة أي: الأهل، والمعروف ضده المنكر، وسمي الأمر المكروه منكراً؛ لأن النفوس لا تأنس به، فقوله تعالى: ((وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ))، معناه: أنصفوهن في المبيت والنفقة وأجملوا في القول، وطيبوا أقوالكم لهن.
قال أهل العلم: تطييب القول يكون في النداء، فتنادي زوجتك بالاسم الطيب: يا فلانة! أو كما كان النبي ﷺ أحياناً يقول: (يا عائش!) أو يقول: (يا حميراء!)، ونحو ذلك، كنوع من التدليل للزوجة، فهذا من السنة، ومن غلظت طباعهم لا يعرفون هذا الكلام، وليس من السنة ولا من الأدب أن تناديها: يا امرأة! فهذا لا يجوز، وهذا من سوء المعاشرة وعدم الطيب، بل الواجب أن تناديها بأحب الأسماء، كيا فلانة! أو يا أم فلان، أو تلقبها وتدللها ثم بعد ذلك تجمل في الطلب، أحضري لي كذا، فإذا أردت أن تأتي لك بما تريد تدعو لها، كجزاك الله خيراً، أو أحسن الله إليك، ونحو ذلك من الكلام.
فطيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم معهن، وحسنوا هيئاتكم، يعني: كما تحب من زوجتك أن تتجمل لك فأنت أيضاً تجمل لها، فهذا من المعاشرة بالمعروف كما قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨]، وقال ﷺ : (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)، وكان من أخلاقه صلوات الله وسلامه عليه أنه جميل العشرة دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم ويوسعهم نفقة، ويضاحك نساءه، وبعض الرجال يعتقد أن من الحزم أن يكون دائماً عبوساً! وهذا خطأ، بل الرسول ﷺ كان يضاحك أهله ويسابق عائشة ﵂، ويتودد إليها بذلك، كما قالت عائشة: (سابقني رسول الله ﷺ فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم) يعني: قبل أن تبدن، وتسمن، (ثم سابقته بعد أن حملت اللحم فسبقني وقال: هذه بتلك)، يعني: واحدة بواحدة.
وكان ﷺ يجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها، يعني إذا كان مبيته عند أم سلمة، فكل نسائه يجتمعن في بيت أم سلمة ويتناول معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار ﵊.
وبعض الرجال بلغ به من سوء العشرة أنه لا ينام معها في سرير واحد قط، بل عندما ينزل في بعض الفنادق ويجد أن السريرين ملتصقان، ينادى العامل في الفندق ويقول له: أبعد السريرين عن بعضهما! فهذا من سوء المعاشرة ومن غلظة الطبع نعوذ بالله من ذلك.
وكان ﷺ إذا صلى العشاء يدخل منزله ويسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام ويؤانسهم بذلك، فهذا من عاداته ﷺ مع أنه كان مشغولاً، فهو إمام المسجد، وهو القائد، وهو رئيس الدولة، وهو النبي الذي يوحى إليه، وهو القاضي، وهو المفتي ﵊، وهو الذي يقوم من الليل حتى تتورم قدماه، ومع ذلك ﵊ كان يسمر مع أهله، وليس كما يصنع بعض الرجال الآن لا يأتي البيت إلا آخر الليل، فإذا أرادت أن تكلمه بشيء يقول: أنا تعبان أو أنا مشغول، أو أنا كذا، ثم يعطيها ظهره وينام، وقد يحصل بسبب هذا كراهية.
стр. 886
الصبر على الزوجة
قال الله : ((فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ)) أي: لعيب في أخلاقهن؛ لأنها غضوبة، أو لأن صوتها عالٍ، أو لدمامة في خلقهن؛ لأنها ما صارت جميلة في عينيك، أو لتقصير في العمل الواجب عليها، فقد لا تحسن المرأة العمل في البيت فلا تعرف طبخ الطعام، ولا ترتيب الأمور، أو ربما تميل إلى غيرها، فإذا حصلت الكراهية في تلك الحال فاصبروا ((فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا))، فهذه التي كرهتها ربما يجعلها الله سبباً لدخولك الجنة، فإن كرهتموهن فاصبروا ولا تعجلوا بمفارقتهن، ((فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا))، قال ابن عباس: هو أن يعطف عليها فيرزق منها ولداً ويكون في ذلك الولد خير كثير.
ومن الخير الكثير في ذلك امتثال أمر الله وقبول وصيته التي فيها سعادة الدنيا والآخرة، وقال رسول الله ﷺ : (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر)، فلذلك سيدنا عمر لما جاءه رجل قال له: إني أريد أن أطلق، قال: ولم؟ قال: لا أحبها، فضربه ﵁ وقال: أكل البيوت تبنى على الحب، فأين الرعاية؟ إنما يتعايش الناس بالإسلام والإحسان، يعني: ليس بالضرورة أن يكون هناك حب، فالحب الذي نسمع به إنما هو في المسلسلات وغيرها، وكلها خيال، وأوهام، وإنما الناس يعيشون بأن يذكر بعضهم بعضاً.
يقول سيد قطب ﵀: وما أعظم قول عمر بن الخطاب ﵁ لرجل أراد أن يطلق زوجه؛ لأنه لا يحبها: ويحك! ألا تبنى البيوت إلا على الحب؟ فأين الرعاية؟ ثم قال: وما أتفه الكلام الرخيص الذي ينعق به المتحذلقون باسم الحب، وهم يعنون به نزوة العاطفة المتقلبة، ويبيحون باسمه انفصال الزوجين وتحطيم المؤسسة الزوجية بل خيانة الزوجة لزوجها؛ لأنها لا تحبه، وخيانة الزوج لزوجها لإنه لا يحبها، وما يهجس في هذه النفوس التافهة الصغيرة معنىً أكبر من نزوة العاطفة الصغيرة المتقلبة، ونزوة الميل الحيواني المسعور.
فهؤلاء بعيدون عن الله يقول تعالى: ((فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)).
وقال الإمام أبو بكر بن العربي الإشبيلي المالكي صاحب أحكام القرآن: كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد القيرواني من العلم والدين في المنزلة والمعرفة بمكان، يعني: كان رجلاً عالماً كبيراً، وكانت له زوجة سيئة العشرة، تقصر في حقوقه، وتؤذيه بلسانها، فيقال له في أمرها ويعذل بالصبر عليها، يعني كان يقال له: ألا تتخلص منها؟ ألا تأدبها؟ فكان يقول: أنا رجل قد أكمل الله علي النعمة في صحة بدني ومعرفتي وما ملكت يميني، فلعلها بعثها الله إلي عقوبة على ذنبي، فأخاف إن فارقتها أن تنزل بي عقوبة هي أشد منها، فانظروا كيف هذا التفسير! ويحكى أن امرأة جميلة ومليحة كان زوجها ذميماً، فنظرت في المرآة يوماً فقالت له: إني لأظن أني أنا وأنت من أهل الجنة إن شاء الله، قال لها: ولم؟ قالت له: لأنك رزقت بي فشكرت، وأنا ابتليت بك فصبرت!
стр. 887
من فوائد الآية السابقة
من فوائد الآية: أولاً: إبطال قانون الجاهلية القائم على أن ابن الزوج يرث امرأة أبيه.
ثانياً: حرمة العضل من أجل الاستيلاء على المهر وغيره.
ثالثاً: جواز العضل حال الوقوع في الفاحشة من قبل الزوجة.
رابعاً: وجوب المعاشرة بالمعروف.
خامساً: ترغيب الزوج في الصبر حال كراهية الزوجة.
سادساً: الإرشاد إلى إعماق النظر، وتغلغل الرأي في عواقب الأشياء، وعدم الاغترار بالبوارق الظاهرة.
أسأل الله أن يصلحنا وأزواجنا.
стр. 888
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)
النداء العشرون في الآية التاسعة والعشرين من سورة النساء: قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩].
قرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف العاشر (تجارةً)، بنصب التاء، على أن (كان) ناقصة، واسمها ضمير يعود على الأموال و (تجارة) خبرها، فالتقدير: إلا أن تكون الأموال تجارة.
وقرأ الباقون (تجارةٌ) برفع التاء على أن (كان) تامة، تكتفي بمرفوعها، والتقدير: إلا أن تحدث تجارة أو تقع تجارة.
قال ابن عباس ﵄: لما أنزل الله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)) قال المسلمون: إن الله نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل أموالنا، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فشق على الناس، فأنزل الله سبحانه، ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور:٦١]، إلى آخر الآية التي في سورة النور.
وهذه الآية المباركة فيها بيان لبعض المحرمات المتعلقة بالأموال والأنفس إثر بيان تحريم النساء على غير الوجوه المشروعة، ففي الآية إشارة إلى كمال العناية بالحكم المذكور.
يقول الله : ((لا تَأْكُلُوا)) الأكل مجاز في الانتفاع بالشيء انتفاعاً تاماً، ولا يعود معه إلى الغير، أكل الأموال والاستيلاء عليها عليها بنية عدم إرجاعها إلى أربابها، قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨] أي بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية، كأنواع الربا والقمار وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في قالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا.
ومن أكل الأموال بالباطل: أكل مال اليتيم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠]، وكذلك الرشوة، قال النبي ﷺ : (لعن الله الراشي والمرتشي والرائش) رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة والإمام أحمد في المسند.
ومن أكل أموال الناس بالباطل: احتكار السلع الضروريات لإغلائها، وبيع ما ليس يباع كالعرض والذمة والخلق والدين والضمير.
قال تعالى: ((إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ))، وهذا استثناء منقطع، وكأنه سبحانه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في الأموال، لكن المتاجرة المشروعة كعقد المضاربة والمشاركة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال، كما قال سبحانه ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١]، وكقوله: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦].
والتجارة في اللغة: المعاوضة، ومنه الأجل الذي يعطيه البارئ سبحانه للعبد عوضاً عن الأعمال الصالحة التي هي بعضاً من فعله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف:١٠]، وقال تعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩]، ويقول الله : ((وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)) أي: بارتكاب محارم الله، وتعاطي معاصيه، وأكل أموالكم بينكم بالباطل.
قال ابن عطية رحمه الله تعالى: وأجمع المأولون أن المعنى: هو النهي عن أن يقتل بعض الناس بعضاً.
وقال الزمخشري عن الحسن: إن المعنى لا تقتلوا إخوانكم، ففي الإجماع الذي نقله ابن عطية ﵀ نظر.
وقال أبو حيان: وعلى هذا المعنى أضاف القتل إلى أنفسهم؛ لأنها كنفس واحدة أو من جنس واحد.
وقال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)) أي فيما أمركم به، أو نهاكم عنه، فما نهاكم عما يضركم إلا رحمة بكم.
وقيل: بل المعنى: أنه سبحانه أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصاً لخطاياهم، وكان بكم يا أمة محمد ﷺ رحيماً، حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة.
وهذه الآية المباركة تضمنت النهي عن أمرين عظيمين، وأحدهما أعظم من الآخر وهما: النهي عن قتل النفس، والنهي عن أكل المال بالباطل، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته بيده يجؤ بها بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) رواه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁.
وقال ﵊: (كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح فأخذ سكيناً حز بها يده فما رقأ الدم حتى مات، قال الله : عبدي بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة) رواه الشيخان من حديث جندب بن عبد الله البجلي ﵁.
وفي حديث ابن مسعود ﵁: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه الشيخان.
стр. 889
ما يستفاد من الآية
في الآية الكريمة فوائد: منها: الأسلوب الرفيع للقرآن وما فيه من الإيجاز في قوله تعالى: ((لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ))، وقوله: ((وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)) بأن شمل أموالك وأموال غيرك، وقتل نفسك وقتل غيرك.
ومن فوائدها: إضافة الأموال والأنفس إلى عموم المؤمنين، ففيه دلالة على أن المؤمنين كالجسد الواحد.
ومن فوائدها: إباحة المكاسب والتجارات القائمة على تبادل المنافع بالتراضي.
ومن فوائدها: أن إباحة التجارة دليل على أنه يجوز للإنسان أن يشتري بدرهم سلعة تساوي مائة، والمشهور إمضاء البيع، قاله ابن جزي المالكي ﵀.
وقال الطبري في هذه الآية: إبانة من الله تعالى ذكره عن تكذيب قول المتصوفة المنكرين طلب الأقوات بالتجارات والصناعات، والله تعالى يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ)) أي: اكتساباً، فقد أحل الله ذلك.
ومن فوائد الآية: تحريم قتل النفس وقتل أنفس الآخرين.
ومن فوائدها: إثبات الاسم المبارك الحسن وهو (الرحيم) لله .
стр. 890
نداءات الرحمن لأهل الإيمان [٨]
من مراحل تحريم الخمر أن الله نهى المؤمنين عن الصلاة وهم سكارى، ثم نزل التحريم الصريح للخمر في كل وقت.
وقد أمرنا الله بطاعته وطاعة رسوله، فإن في ذلك كل خير في الدنيا والآخرة، وأمر الله أيضاً بطاعة أولي الأمر فيما لا يخالف الحق، وفي ذلك مصالح عديدة وفوائد كثيرة.
стр. 891
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون)
النداء الحادي والعشرون في الآية الثالثة والأربعين من سورة النساء: قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء:٤٣].
مناسبة هذه الآية لما قبلها أن الله تعالى ذكر في الآيات التي سبقتها قيام العبد بين يديه يوم القيامة فقال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤١ - ٤٢]، وفي هذه الآية ذكر الله قيام العبد في الصلاة، وقيام العبد في الصلاة بين يدي الله يذكره بقيامه بين يديه يوم القيامة؛ لذلك لا بد أن يكون حاضر القلب، خاشع الجوارح، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢].
стр. 892
سبب نزول هذه الآية
أما سبب نزول هذه الآية فقد روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً ودعانا فسقانا خمراً، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)).
قال أبو عيسى الترمذي ﵀: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 893
معاني مفردات هذه الآية
ينادينا ربنا ﷻ -معشر المؤمنين- ويقول لنا: ((لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ)) أي: حال كونكم مسلوبي العقول بفعل السكر، وقول الله : ((لا تَقْرَبُوا)) مبالغة في النهي، ونجد دائماً أن الله ﷻ إذا نهى عن كبيرة من الكبائر فإنه لا ينهى عن فعلها فقط، وإنما ينهى عن قربانها، يقول الله : ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام:١٥١]، وقال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:١٥٢]، وقال ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]، وقال هنا أيضاً ((لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ)) أي: حال كونكم سكارى.
قوله : ((وَأَنْتُمْ سُكَارَى)) السكارى: جمع سكران، وهو مشتق من السكر، وهو السد، يقال: هذا باب مسكر إذا كان مغلقاً مشدوداً، وكأن السكران قد سُدَّت منافذ عقله فلا يعي شيئاً، والسكران هو الذي تناول شيئاً بفعل نفسه فأذهب معه عقله مع نشوة وطرب.
قوله: ((حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)) أي: حتى تعود إليكم عقولكم التي تميزون بها أقوالكم وأفعالكم، ويظهر من هذه الآية أن السكران لا يعلم ما يقول.
يقول ابن جزي المالكي ﵀: ومن هذه الآية انتزع بعض العلماء: أن طلاق السكران لا يقع؛ لأنه لا يعلم ما يقول، وأيضاً قال بعض أهل العلم: ردة السكران لا تقع.
أي: لو أن السكران حال ذهاب عقله تلفظ بكلمات فيها ردة فإنه لا يحكم عليه بأنه مرتد؛ لأنه لا يعي ما يقول.
يقول الإمام النسفي رحمه الله تعالى: قراءة سورة الكافرون بطرح اللامات كفر.
يعني: لو أن رجلاً قرأ سورة الكافرون وطرح اللامات، أي: أنه بدلاً من أن يقول: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:٢] قال: أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، وأنا عابد ما عبدتم، وأنتم عابدون ما أعبد، فطرح اللامات عمداً فإنه يكفر.
قال: ومع ذلك لم يحكم النبي ﷺ بكفر الصحابي الذي قرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون، ولا حكم بالتفريق بينه وبين امرأته، ولا بتجديد الإيمان.
وكما نهانا ربنا عن الصلاة حال السكر فقد نهانا أيضاً عن الصلاة في حال الجنابة، فقال: ((وَلا جُنُبًا)) والجنابة إما أن تكون بجماع أو بإنزال، يقال: رجل جنب، وامرأة جنب، ورجلان جنب، وامرأتان جنب، ورجال جنب، ونساء جنب، فهذه الكلمة لا تثنى ولا تؤنث، ((وَلا جُنُبًا)) أي: ولا تقربوا الصلاة وأنتم على جنابة.
وقال بعض أهل التفسير: بل المقصود مواضع الصلاة وهي المساجد، أي: لا تقربوا المساجد وأنتم جنب.
قوله: ((وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ)) العبور هو الجواز والمرور، وإذا لم يكن ثمة طريق إلا من المسجد فللجنب أن يمر فيه.
قوله: ((وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ)) أي: يا أيها الناس! من كان منكم مريضاً، والمرض: هو خروج الجسم عن حال الاعتدال والصحة إلى حال الاعتلال والعلة، والسفر: هو الخروج من الدار أو من محلة القوم إلى مكان تقصده، ((أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ)) الغائط: هو المنخفض من الأرض، وكل مكان منخفض تسميه العرب غائطاً، وهو كناية عن الحدث الخارج من السبيلين، فالعرب كانت تأنف أن تتخذ الكُنُف في بيوتها، فإذا أراد أحدهم أن يحدث فإنه يرتاد مكاناً منخفضاً من أجل أن يستتر عن أعين الناس، والغائط حقيقة عرفية مستعملة في الحدث.
قوله: ((أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ)) الملامسة هنا هي الجماع، وقال بعضهم: بل المراد الجماع وما دونه من التقبيل ونحوه، وقال بعضهم: بل المراد مطلق اللمس، أي: مباشرة الجسم بالجسم، وفي هذه الأحوال كلها: لو كنتم جنباً، أو كنتم مرضى، أو كنتم على سفر، أو حصل منكم جماع للنساء ((فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا))، والتيمم: هو القصد، والصعيد: هو ما ظهر على وجه الأرض من جنسها، والطيب: هو الطاهر، ((فَتَيَمَّمُوا)) أي: اقصدوا إلى ما ظهر على سطح الأرض من تراب، أو رمل، أو حصباء، أو غير ذلك، ((فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ)).
ونلاحظ في الوضوء أن الإنسان يغسل وجهه ويديه، ويمسح رأسه، ويغسل رجليه فرضاً، وفي الغسل فإنه يعمم بدنه بالماء، وأما بالنسبة للتيمم فقد اقتصر على مسح الوجه واليدين، والمراد باليدين: الكفان، والعلة في ذلك كما يقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمة الله عليه: أن التيمم لا يقصد به التطهير الحسي، ولا يقصد به تجديد النشاط، ولكنه مجرد استكمال الحالة للصلاة، قال الله : ((فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا)) أي: بالترخيص والتيسير، ((غَفُورًا)) أي: عن الخطأ والتقصير.
стр. 894
أدب القرآن في استخدام الألفاظ
يقول الأستاذ سيد قطب ﵀ في (الظلال): ولا بد أن نقف أمام بعض التعبيرات الرائقة في هذه الآية المباركة التي تدل على أدب القرآن، يقول الله : ((أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ))، ولم يقل سبحانه: أو ذهبتم فعملتم كذا وكذا، أي: بلتم وتغوطتم وخرجت منكم الفضلة والأذى، ولا قال سبحانه: أو جئتم من الغائط، وإنما قال: ((أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ))، وهذا يدل على أدب الخطاب، واستعمل الكناية هنا ليكون هذا الأدب نموذجاً للبشر حين يتخاطبون.
وكذلك حين يعبر الله عما يكون بين الرجل والمرأة فإنه لا يعبر بتعبيرات مكشوفة أو ألفاظ فاضحة، وإنما يقول: ((أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ))، ويقول في آية أخرى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٢١]، وفي آية ثالثة يقول: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]، ويقول في آية رابعة: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران:٤٧]، هذا هو تعبير القرآن في الحديث عن مثل هذه الشئون.
стр. 895
من فوائد الآية
هذه الآية المباركة يستفاد منها عدة فوائد: الفائدة الأولى: اشتداد تحريم الخمر عند قرب وقت الصلاة، وهي حرام بالليل والنهار، وسواء قرب وقت الصلاة أو بَعُد، لكن ذلك التحريم يشتد إذا قرب وقت الصلاة؛ لأن فيه ذهاب الخشوع الذي هو لب الصلاة وروحها ومقصودها.
الفائدة الثانية: إذا كان الله تعالى قد نهانا عن الصلاة في حال السكر فإنه يقاس على السكر ما كان مثله مما يذهب بالخشوع كالنعاس، قال النبي ﷺ : (إذا نعس أحدكم فليرقد؛ فلعله يذهب يستغفر ربه فيسب نفسه)، فالنعسان بمنزلة السكران لا يدري ما يقول.
الفائدة الثالثة: أن الآية فيها إشارة إلى أنه ينبغي لمن أراد الصلاة أن يقطع عنه كل شاغل، ولذلك قال النبي ﷺ : (لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان) أي: إذا كان هناك طعام وأنت تشتهيه فكل ثم صل، وإذا كان الإنسان حاقناً يحتاج للتبول، أو حاقباً يحتاج للتغوط فإنه يذهب يقضي حاجته ثم يأتي إلى الصلاة، ولا يصلي وهو مشغول بطعام أو شراب أو غير ذلك.
ومن فوائدها الحث على حضور القلب في الصلاة، وتحريم دخول المسجد على الجنب إلا مروراً.
وفي الآية أيضاً دليل على أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأن الله سمى المتيمم جنباً.
وكذلك في الآية إشارة إلى القاعدة المتفق عليها وهي: أن المشقة تجلب التيسير، وأنه يجب طلب الماء قبل شروعه في التيمم، ويشترط لجواز التيمم عدم الماء أو التضرر باستعماله.
стр. 896
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)
النداء الثاني والعشرون في الآية التاسعة والخمسين: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩].
هذه الآية تعالج مشكلة قديمة جديدة، وهذه المشكلة ما انفكت البشرية تعاني منها، وهي: ما هي طبيعة العلاقة بين الراعي والرعية، أو بين الحاكم والمحكوم، أو بين الدولة وبين الشعب؟ هذه القضية أريقت بسببها دماء، وأزهقت أرواح، وأتلفت ممتلكات، وصارت عداوات وبغضاء بين الناس، فهذه الآية تضع لها العلاج المناسب.
стр. 897
سبب نزول هذه الآية
سبب نزول هذه الآية كما قال ابن عباس ﵄ وهذه رواية الشيخين البخاري ومسلم: نزلت في عبد الله بن حذافة السهمي ﵁، فقد بعثه رسول الله ﷺ على سرية فلما خرجوا وجد عليهم في شيء -يعني: غضب على أفراد السرية؛ لتقصير وقعوا فيه، أو ذنب اقترفوه-، فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي حطباً، فلما جمعوا الحطب دعا بنار فأضرمها فيه ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها -أي: ادخلوا في هذه النار-، فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النار فلا تعجلوا حتى تلقوه، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه، فقال لهم: (لو دخلتموها ما خرجتم منها أبداً، إنما الطاعة في المعروف) أي: لو دخلتم هذه النار التي أمركم عبد الله بن حذافة أن تدخلوها لدخلتموها ومنها إلى نار جهنم مباشرة، (إنما الطاعة في المعروف).
стр. 898
طبيعة العلاقة بين الراعي والرعية
هذه الآية تقرر طبيعة العلاقة بين الناس وبين ولي الأمر، وفي الآية التي سبقتها أمر الله ولاة الأمر بأمرين اثنين: أمرهم بأداء الأمانات إلى أهلها، وأمرهم بالحكم بالعدل، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨]، ثم في هذه الآية بين حقوق ولاة الأمر: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ)) أي: اتبعوا كتابه ﷻ ، ((وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)) أي: خذوا بسنته صلوات الله وسلامه عليه، وعظموا أمره ونهيه، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]، وقد حذر النبي ﵊ من أناس يقول الواحد منهم: أعمل بالقرآن ولا أعمل بالسنة فقال: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه، ألا إنما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله) أي: أن ما قال فيه النبي ﷺ : هذا حرام فكأن الله تعالى قال فيه: هذا حرام؛ لأنه ﵊ لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، فهو مؤيد بالوحي من ربه؛ ولذلك كرر الفعل في هذه الآية، فلم يقل: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول؛ بل قال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ))، فكرر الفعل هنا للاهتمام بتحصيل طاعته صلوات ربي وسلامه عليه؛ لتكون أعلى من طاعة أولي الأمر، فنطيعه في كل شيء.
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ))، الأمر هنا هو: الشأن وما يُهتم به من الأحوال والشئون، وأولي الأمر هم أصحاب الأمر الذين بيدهم التوجيه، وإصدار القرارات، وإملاء السياسات.
وطريق ثبوت هذه الصفة لهم إما أن تكون بإسناد ذلك إليهم من الخليفة ونحوه، والآن لعدم وجود خليفة يضم شتات المسلمين قال أهل العلم: إن القائم على إقليم معين أو على قطر معين هو بمنزلة الخليفة أو تكون هذه الولاية ثابتة لهم عن طريق جماعة المسلمين، فالمسلمون هم الذين ولوا فلاناً من الناس عليهم، أو عن طريق صفات الكمال التي تجعلهم محل اقتداء الأمة بهم، وهي الإسلام والعلم والعدالة فالإنسان إذا كان حسن إسلامه، وكان عنده علم، وهو عدل في نفسه وليس بفاسق ولم يأت بشيء من خوارم المروءة فإن الناس يقتدون به.
قوله: ((وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)) قيل: هم الأمراء، وقيل: هم العلماء، ولا معارضة بينهما، فالأمراء بيدهم الحل والعقد، والعلماء أمرنا الله بالرجوع إليهم والنزول على حكمهمض فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣]، وقال النبي ﷺ في الأمراء: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني) وهو في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁.
стр. 899
حقوق الوالي على الرعية
إن لولي الأمر حقوقاً على الرعية، وهذه الحقوق تتمثل في الآتي: أولاً: السمع والطاعة لهم في العسر واليسر، والمنشط والمكره كما في حديث عبادة ﵁ في الصحيحين: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، فقال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان).
وفي الحديث الآخر قال ﵊: (سيليكم ولاة بعدي، فيليكم البر ببره، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق، وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم)، فالرسول ﷺ يأمرنا بطاعة ولاة الأمر في طاعة الله، ولو أمر ولي الأمر بما فيه معصية الله فلا قيمة لأمره؛ لأن قضاء الله أحق وشرط الله أسبق، (ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).
ثانياً: عدم منازعتهم فيما ولاهم الله من أمور المسلمين، فنفوس العباد مجبولة على التطلع إلى الجاه إلا من رحم الله، فكثير من الناس يطمعون أن يكونوا وزراء، أو رؤساء، أو قادة، أو ولاة وما أشبه ذلك، لكن المسلم العاقل يعتقد أن هذا الوزير أو هذا الوالي أو هذا الرئيس في بلاء ومصيبة كما قال النبي ﷺ : (إنكم ستحرصون على الإمارة، وإنها خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها).
وقال ﷺ : (ما من أمير يتولى أمر عشرة من الناس إلا جاء يوم القيامة ويده مغلولة إلى عنقه، فإما أن يفكه عدله، وإما يوبقه جوره)، فلا ننازعهم، وإنما نعتقد أنهم في بلاء، وقد جرت العادة بأن الوزير إذا استُوْزِر، والرئيس إذا رئس فالناس يهنئونه، ولو أنصفوا لعزوه وقالوا له: أحسن الله عزاءك، وجبر الله كسرك؛ لأنه لو مكث في ولايته أو وزارته يوماً ثم انصرف عنها أو مات فسيحاسبه الله على الرعية كلهم.
ثالثاً: الوفاء ببيعتهم وعدم إعانة الخارجين عليهم، قال الإمام القرطبي ﵀: لو خرج خارج على إمام معروف بالعدالة وجب على الناس جهاده، فإن كان الإمام فاسقاً والخارجي مظهِراً للعدل فلا ينبغي للناس أن يسارعوا إلى نصرة الخارجي حتى يتبين أمره فيما يظهر من العدل، أو تتفق كلمة الجماعة على خلع الإمام الأول، وذلك أن كل من طلب هذا الأمر أظهر من نفسه الصلاح.
الحق الرابع لولي الأمر: أن تبذل له النصيحة في رفق ورحمة، فليس الغرض هو التشنيع عليه والتحريض على خلعه، وإنما نبذل له النصيحة في رفق ورحمة، وهذا من حق المسلم على المسلم.
خامساً: عدم متابعتهم في الباطل، وعدم تزيين المنكر لهم، بل لا بد من الإنكار عليهم بالطرق المشروعة، قال رسول الله ﷺ : (إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: يا رسول الله! ألا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا) رواه الإمام مسلم.
الحق السادس: أداء الصلاة معهم ما داموا مسلمين.
سابعاً: أن هذه الطاعة ليست قاصرة على نوع معين من الحكام ذوي النسب الشريف، بل هي لكل من ولي أمر الأمة مسلماً براً كان أو فاجراً، شريفاً كان أو وضيعاً، كما قال رسول الله ﷺ : (اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)، وفي رواية: (وإن كان عبداً حبشياً مجدوع الأطراف)، هذه هي الحقوق التي تجب.
стр. 900
أهمية وجود الوالي
واعلموا أن وجود الحاكم خير من عدمه ولو كان فاجراً ظالماً، والعراق خير مثال على ذلك، فلما فقد الحاكم صارت الأمور فوضى لا يأمن الناس على أموالهم ولا دمائهم ولا أعراضهم، ولا يستطيعون أن ينتشروا في الطرقات آمنين، ولذلك قال علماؤنا ﵏: لا بد للناس من إمام، ولا بد للناس من إمرة بارة كانت أو فاجرة، قال العضد الإيجي ﵀: إن في نصب الإمام دفع ضرر مظنون، وإنّ دفع الضرر واجب شرعاً، وبيان ذلك: أنّا نعلم علماً يقارب الضرورة أن مقصود الشارع فيما شرع من المعاملات والمناكحات والحدود والمقاصات وإظهار شعائر الشرع في الأعياد والجماعات، إنما هو مصالح عائدة إلى الخلق معاشاً ومعاداً، وذلك المقصود لا يتم إلا بإمام يكون من قبل الشارع يرجعون إليه فيما يعنّ لهم.
وهذا الكلام من الوضوح بمكان.
стр. 901
إنما الطاعة في المعروف
قال الله : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ)) فالمتنازعان إما أن يكون الرعية مع الراعي، وإما أن يكون الرعية فيما بينهم، وإما أن يكون العلماء فيما بينهم اختلفوا في مسألة من المسائل أو قضية من القضايا أو نازلة من النوازل، أو الأمراء فيما بينهم، فقد يختلف الأمراء فيما بينهم كما هو حادث في كثير من بلاد الله ، وسواء كان الاختلاف في شأن من شئون الدين، أو شأن من شئون الدنيا، قال الله : ((فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ)) و (شيء) هنا نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم، ((فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)) أي: حال حصول النزاع بينكم يا مسلمون! سواء كنتم أمراء، أو علماء، أو عامة فهذا النزاع ردوه إلى الله والرسول، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠].
قوله: ((فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)) أي: إلى الكتاب والسنة كما قال مجاهد وغير واحد من علماء السلف، ولذلك قال مروان بن الحكم الخليفة الأموي لـ أبي حازم العبد الصالح: ألستم قد أمرتم بطاعتنا في قوله تعالى: ((وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ))؟ فقال أبو حازم: أليس قد نزعت الطاعة عنكم إذا خالفتم الحق بقوله سبحانه: ((فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ))؟ أي: إلى القرآن وإلى الرسول في حياته، وإلى أحاديثه بعد وفاته.
((فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)) أي: أن دليل إيمانكم بالله وباليوم الآخر أنه عند التنازع ترجعون إلى الكتاب والسنة، ((ذَلِكَ خَيْرٌ)) أي: في العاجل، ((وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)) أي: أحسن عاقبة ومآلاً.
لقد تنبأ رسول الله ﷺ بأنه سيأتي أمراء فيهم شر وعدوان وعدم قيام بحقوق الرعية، فما العلاج؟ قال ﵊: (من رأى من أميره شيئاً فكرهه فليصبر؛ فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة جاهلية) رواه الشيخان.
وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال في حديث طويل: (وإن هذه الأمة قد جعلت عافيتها في أولها)، وهذا صحيح ليس فيه شك، فأولها كان يحكمها أبو بكر، وعمر، وعثمان وعلي خيار من خيار من خيار، ثم من جاء بعدهم من هو أقل خير منهم، ولكن الخير ما زال مستمراً، (وإن هذه الأمة جعلت عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتن يرقق بعضها بعضاً) يعني: كل ما جاءت فتنة ونظر الناس في المصيبة وحجم الفتنة فإنهم سيرون أن التي قبلها فتنة رقيقة، (وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر)، يقول عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة: الذي يروي هذا الحديث: دنوت من عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت له: أنشدك الله أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، فقال له عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ونقتل أنفسنا، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:٢٩] الآية، قال: فسكت عبد الله بن عمرو بن العاص ثم قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله.
стр. 902
حكم الخروج على الحاكم الظالم والكافر
إن أهل السنة متفقون على أن الحاكم الفاسق الفاجر لا يجوز الخروج عليه؛ لأن مفسدة الخروج عليه أعظم من مفسدة فسقه وفجوره، وأنا دائماً أضرب للناس مثالاً حول هذا الأمر، وهو: أن رجل المرور يقوم بضبط الشئون، وينتصف للناس من بعضهم لبعض، ويمنع التعدي، ولا يسلم هو من ظلم أحياناً، فيظلم الناس أحياناً ببذاءة لسانه، وأحياناً يظلم الناس في أمور أخرى، لكن رجل المرور هذا لو غاب في يوم ما فالناس يترحمون عليه ويقولون: يا ليته كان موجوداً بظلمه وتعديه! لم؟ لأن مفسدة غيابه أعظم من مفسدة وجوده، فوجوده فيه مصلحة ومفسدة، ولكن وجوده أهم من غيابه، فنقول: وكذلك الحاكم أو الإمام، فكل إنسان يريد أن يعمل انقلاباً ويحدث بلبلة، ويريق الدماء، هذا شر يترتب عليه تضييع الكثير من المصالح، وارتكاب الكثير من المفاسد.
وهنا مسألة وهي: لو كان الحاكم كافراً وليس فاسقاً، كما يوجد في بعض بلاد المسلمين حكام يحلون الحرام ويحرمون الحلال، فمثل هذا أجمع أهل العلم على أن خلعه واجب إذا توافرت القدرة على ذلك، وأما ما جرت عليه عادة بعض الصالحين من شباب المسلمين بأنهم إذا رأوا الحاكم قد ظهر منه الكفر البواح الذي عندهم من الله فيه برهان فإنهم يخرجون من مسجد من المساجد أو من مكان ما وهم مائة أو مائتان، أو ألف أو ألفان فيحملون الأسلحة، وهذه الأسلحة ليست دبابات ولا طائرات، فيريدون الخروج بها على الحاكم! فيقوم هذا الكافر أو الفاجر فيدكهم دكاً بطائراته ودباباته، ولربما تهدمت المساجد على رءوس أهلها، وبعد ذلك يحاصرون الدعوة ويحدثون في الأرض الفساد فنقول: إن مثل هذا الخروج مفسدته راجحة وغالبة، بل تكاد تكون مفسدته محضة ليس فيه مصلحة أصلاً، فيا حبذا لو أن الناس فهموا هذه القواعد من أجل أن يسلموا من كثير من الشرور، وفي هذه الآية سبع فوائد تأملوها تعرفوها.
وصلى الله على سيدنا محمد.
стр. 903
نداءات الرحمن لأهل الإيمان [٩]
للجهاد أحكام كثيرة بينها الله في كتابه للمؤمنين، ومن ذلك أن يأخذوا حذرهم من أعدائهم وأن ينفروا على كل حال، وأن يتبينوا إذا رأوا من أظهر الإسلام من الكفار، فلا يستعجلوا بقتله بحجة كفره، فإن الله كلفنا بالأخذ بالظاهر وهو يتولى السرائر.
стр. 904
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات)
النداء الثالث والعشرون في الآية الحادية والسبعين من سورة النساء: قول ربنا ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء:٧١].
هذه الآية واحدة من الآيات التي تضع أحكاماً وآداباً للجهاد في سبيل الله، وكثير من آيات القرآن قد تناولت هذا الموضوع بالتفصيل، ولا غرابة؛ فإن رسول الله ﷺ قد عد الجهاد ذروة سنام الإسلام.
يقول الله لنا: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ))، الحذر والحذر: بمعنى واحد كالإثر والأثر، وأخْذ الحذر معناه: الاحتياط والاحتراز من المخوف، يقال: حذر من كذا، إذا احترز منه، وابتعد عنه، واحتاط له.
قوله تعالى: ((خُذُوا حِذْرَكُمْ)) قال أهل التفسير: هذا يشمل الأخذ بجميع الأسباب التي بها يستعان على قتالهم، كما قال أبو بكر الصديق ﵁ لـ خالد بن الوليد لما بعثه إلى الشام: حاربهم بمثل ما يحاربونك به السيف بالسيف، والرمح بالرمح، قال أهل التفسير: ويشمل ذلك استعمال الحصون والخنادق، وتعلم الرمي والركوب، وتعلم الصناعات التي تعين على ذلك، وما به يعرف مداخلهم ومخارجهم ومكرهم، ويكون أخذ الحذر كذلك ببذل المال للجهاد في سبيل الله كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف:١٠ - ١١]، ويشمل ذلك أيضاً تجهيز الغازي، قال رسول الله ﷺ : (من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا).
ويدخل في ذلك معرفة حال العدو، ومعرفة أرضه، وسلاحه، وبلاده، وما يتوقف على ذلك من معرفة الهندسة والكيمياء، وجر الأثقال، وما يعين على ذلك من صناعة الطائرات، والقنابل، والدبابات، والبوارج المدرعة، والمدافع المضادة للطائرات إلى غير ذلك؛ حتى لا يؤخذ المسلمون على غرة فتستباح بيضتهم، وتحتل أرضهم، ويعارَض ويحارَب دينهم.
((خُذُوا حِذْرَكُمْ)) لا من العدو الخارجي فحسب، بل حتى من العدو الداخلي كذلك، وهم المنافقون الذين يثبطون المسلمين عن القتال كما قال الله : ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء:٧٢]، وفي هذه الأيام التي ترفع فيها رايات الجهاد في فلسطين، وفي العراق، وفي أفغانستان، وفي غيرها من بلاد الله نجد كتابات تنشر هنا وهناك بأنه لا فائدة من المقاومة، وأنه لا بد للمسلمين أن يبحثوا عن أرضية مشتركة بينهم وبين عدوهم، ويقبلوا بحكم الواقع، هكذا يروج كثير من الناس لمثل هذه الأفكار الكاذبة الخاطئة، فهؤلاء جميعاً نحن مأمورون بأخذ الحذر منهم ((خُذُوا حِذْرَكُمْ)).
وقد كان رسول الله ﷺ عاملاً بهذه الآية، فكان ﵊ على علم بأرض عدوه، وكان له العيون والجواسيس الذين يأتونه بالأخبار، ففي غزوة بدر قبل أن يذهب ﷺ بعث طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضوان الله عليهما إلى الحوراء على ساحل البحر؛ من أجل أن يترصدوا عير أبي سفيان، وكان أحياناً يبعث بـ حذيفة بن اليمان وأحياناً بـ عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي وغيرهم رضوان الله عليهم، ولما أخبر ﷺ بأن قريشاً قد نقضت العهد الذي أبرم في الحديبية استعد لفتح مكة، ولم يفلح أبو سفيان في تأجيل المعركة، وكان يظن أن المسلمين ما علموا بنقضه للعهد.
قوله: ((خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا))، وهو من نفر ينفُر بالضم، ومن نفر ينفِر بالكسر، وهو الخروج للجهاد في سبيل الله كما قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ [التوبة:٣٨ - ٣٩]، ((فَانفِرُوا ثُبَاتٍ))، الثبات: جمع ثبة، أي: جماعة بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة، وسرية بعد سرية، ((أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا)) أي: انفروا كلكم إلى الجهاد، وقد طبق رسول الله ﷺ الأمرين معاً، فتارة كان يبعث بالقطعة من الجيش، أو بالنفر المعينين لمهمة من المهام كما فعل في سرية عبد الله بن جحش الأسدي ﵁، فقد بعث به إلى وادي نخلة بين مكة والطائف، وبعث سرية بقيادة محمد بن مسلمة لقتل عدو الله كعب بن الأشرف اليهودي، وبعث عبد الله بن أنيس وهو رجل واحد لقتل خالد بن سفيان بن نبيح الكلبي الهذلي الذي كان يجمع الجيوش في وادي عرنة من أجل أن يغزو المدينة المنورة، وأحياناً يخرج النبي ﷺ بالمسلمين جميعاً، كما حدث في غزوة تبوك، فطبق الأمرين معاً، ((فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا)).
стр. 905
هدي النبي في الجهاد
كان هدي النبي ﷺ في الجهاد أحسن الهدي، وأكمله، وأعلاه، وأفضله، قال الإمام ابن القيم ﵀ في (زاد المعاد): كان ﷺ إذا أراد غزوة ورى بغيرها، فيقول مثلاً إذا أراد غزوة حنين: كيف طريق نجد ومياهها؟ ومن بها من العدو؟ ونحو ذلك، فهو يريد حنين ناحية الطائف ويسأل عن نجد؛ لأن في داخل الصفوف منافقين، وفي داخل الصفوف عيون للأعداء، وجواسيس ينقلون أخبار المسلمين، ويدلون على عوراتهم، فلذلك كان صلوات ربي وسلامه عليه يأخذ بالأسباب، ولا يبين الوجهة التي يقصدها، وإنما يوري بغيرها، وكان يقول: (الحرب خدعة) وخدعة: اسم مَرَّة، أي: خدعة واحدة تحسم بها الحرب، أو أن خدعة مصدر بمعنى أنها تعتمد على الحيلة والخداع، وكان يبعث العيون يأتونه بخبر عدوه، ويبعث الطلائع، ويبيت الحرس، وما كان يقول: أنا رسول الله ﷺ منصور بأمر الله فناموا أيها المسلمون! واطمئنوا فأنتم محروسون بعين الله، وإنما كان يقيم الحرس يحرسونه هو وأصحابه رضوان الله عليهم، وكان إذا لقي عدوه وقف ودعا واستنصر الله، وأكثر هو وأصحابه من ذكر الله، وخفضوا أصواتهم؛ لأن الله تعالى قال لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥] فذكر الله عند التقاء الصفين مطلوب، وكان يرتب الجيش والمقاتلة، ويجعل في كل جنبة كفؤاً لها، وكان يبارَز بين يديه بأمره، وكان يلبس للحرب عدته، ويلبس ﵊ اللأمة -وهي الدرع الواقي- من الحديد من أجل أن يتقي به الضربات، وكان يضع على رأسه البيضة من أجل أن يتقي الضربات، وفي يوم أحد هشمت هذه البيضة على رأسه صلوات الله وسلامه عليه من كثرة ما وجه له من الضربات، وكانت له الألوية والرايات، فهذه راية بني فلان، وهذه راية بني فلان، وكان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثاً، أي: أنه إذا فتح بلداً فإنه ﵊ يقيم بها ثلاثة أيام ثم يقفل، وأحياناً كان يقيم أكثر من ذلك كما فعل ﵊ في فتح مكة، حيث أقام بها تسعة عشر يوماً، وكان إذا أراد أن يغير انتظر، فإذا سمع في الحي مؤذناً لم يغر وإلا أغار، وكان ربما يبيت عدوه كما فعل ببني المصطلق، وربما فاجأهم نهاراً كما فعل باليهود في خيبر، جاءهم بالنهار وهم يحملون مساحيهم ومكاتلهم، فمجرد ما رأوا الرسول ﷺ قالوا: (محمد والخميس)، والخميس هو الجيش، فقال ﵊: (إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، الله أكبر خربت خيبر)، ففتحها الله عليه، وكان يحب الخروج يوم الخميس بكرة النهار، وكان العسكر إذا نزلوا انضم بعضه إلى بعض حتى لو بسط عليهم كساء لعمهم، وكان يرتب الصفوف ويعبئهم عند القتال بيده ويقول: تقدم يا فلان! تأخر يا فلان! وكان يستحب للرجل منهم أن يقاتل تحت راية قومه، وكان إذا لقي العدو قال: (اللهم! منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب؛ اهزمهم وانصرنا عليهم)، ولربما قال: (سيهزم الجمع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر).
وكان يقول: (اللهم! أنزل نصرك)، وكان يقول: (اللهم! أنت عضدي، وأنت نصيري، وبك أقاتل)، وكان إذا اشتدت الحرب، وحمي الوطيس، واحمرت الحدق يحتمي الصحابة برسول الله ﷺ ، فلا يكون أحد أقرب إلى العدو منه ﵊، يقول علي: وإن الشجاع منا للذي يحاذيه يقف في صفه وكان يقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)، صلوات الله وسلامه عليه.
وكان يجعل للصحابة شعاراً، وهو ما يسمى الآن بكلمة السر، من أجل أن يعرف الناس بعضهم بعضاً إذا تكلموا، فكان شعارهم مرة (أمت أمت)، ومرة (يا منصور!) ومرة (حاميم لا ينصرون)، وكان يلبس الدرع والخوذة ويتقلد السيف، ويحمل الرمح، ويتترس بالترس، وكان يحب الخيلاء في الحرب ﵊، فالخيلاء ممنوعة ومحرمة، لكنها في الحرب مطلوبة، قال ﵊ في الحديث الذي رواه أبو داود وابن حبان: (إن من الخيلاء ما يحبه الله، ومنها ما يبغضه الله، فأما الخيلاء التي يحبها الله فاختيال الرجل بنفسه عند اللقاء -أي عند الحرب- واختياله عند الصدقة، وأما التي يبغضها الله فاختياله في البغي والفخر).
وكان ﷺ ينهى عن قتل النساء والولدان، وكان ينظر في مقاتلة العدو فمن رآه أنبت قتله، ومن رآه لم ينبت استحياه، وكان إذا بعث سرية يوصيهم بتقوى الله ويقول لهم: (سيروا باسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تمثلوا)، فالتمثيل بالعدو ولو كان كافراً حرام لا يجوز، وذلك كأن نفقأ عينه، أو تقطع أذنه، أو تجدع أنفه، فهذا كله حرام، وليس من التمثيل ذبحه؛ لئلا تخلط الأمور، فالذبح يجوز؛ لأن الرسول ﷺ قال: (إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة)، وما عندنا في الشريعة نص يحرم الذبح، لكن هم يريدون أن يحكمونا بمقاييسهم ومعاييرهم، ويريدون أن يجعلوا القتل بالشنق والخنق والقتل بالحقنة أو بالكرسي الكهربائي شيئاً حضارياً ومباحاً، وأما القتل ذبحاً فوحشية، وليس ذبح البشر وحدهم وحشية عندهم، بل حتى لو ذبحت خروفاً فأنت متوحش ولست متحضراً، فالخروف عندهم يصعق بالكهرباء، أو يضرب بمثقل أو بعيار ناري، والطيور تلقى في الماء الحار فتخرج ميتة مسلوخة، فهذه هي الحضارة عندهم، وأما ذبحها وتذكيتها على ما شرع الله فهذه وحشية لا تليق! وقد كان رسول الله ﷺ يقول لأصحابه: (سيروا باسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليداً)، وأيضاً نحن المسلمين منهيون عن تخريب العامر، وقطع الشجر المثمر، وقتل الشيخ الكبير، والطفل الصغير، والمرأة التي لا تقاتل، وأما المرأة إذا كانت تشترك في القتال فإنها تقتل.
ومن فوائد هذه الآية: وجوب أخذ الحذر من أعدائنا، وأن أخذ الحذر يكون بإعداد العدة والحيطة بإرسال العيون.
ومن فوائدها: وجوب النفرة للجهاد في سبيل الله، وهذا النفرة تكون حسب المصلحة، فإما جماعات وإما جميعاً، ((فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا)).
أسأل الله أن يجعلنا من المجاهدين في سبيله.
стр. 906
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا)
النداء الرابع والعشرون في الآية الرابعة والتسعين من سورة النساء: قول ربنا ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء:٩٤].
هذا النداء كسابقه يتحدث عن أحكام الجهاد وآدابه، ففي النداء الذي مضى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء:٧١]، وهذا النداء يحذر عباد الله المؤمنين من أن يجترئوا على سفك الدم بغير حق.
стр. 907
سبب نزول هذه الآية
سبب نزول هذه الآية كما روى الإمام البخاري من حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: (كان رجل في غنيمته فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك: ﴿فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء:٩٤] الآية).
قال ابن عباس ﵄: عرض الدنيا تلك الغنيمات التي أخذها الصحابة من ذلك الرجل الذي قتلوه.
وذكر ابن عباس سبباً آخر لنزول هذه الآية رواه الإمام أحمد عنه قال: (مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب رسول الله ﷺ يرعى غنماً له فسلم عليهم، فقالوا: لا يسلم علينا إلا تعوذاً منا فعمدوا إليه فقتلوه وأتوا بغنمه إلى النبي ﷺ فأنزل الله هذه الآية).
وهناك سبب ثالث ذكره الإمام ابن جرير الطبري ﵀، قال: قال عبد الله بن عمر ﵄ (بعث رسول الله ﷺ محلم بن جثامة مبعثاً فلقيه عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام وكانت بين محلم بن جثامة وعامر بن الأضبط عداوة في الجاهلية، فعمد إليه فرماه محلم بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ ، وجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ليستغفر له، فقال له ﷺ : لا غفر الله لك، فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه فما مضت له سابعة حتى مات، -أي: مات بعد سبعة أيام- فدفنوه فلفظته الأرض، فجاءوا إلى النبي ﷺ فذكروا له ذلك، فقال ﵊: إن الأرض لتقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظكم، فطرحوه بين صدفتي جبل وألقوا عليه الحجارة، ونزلت الآية: ((وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)) [النساء:٩٤]).
وفي الصحيح أن أسامة بن زيد ﵄ (كان في معركة فلما أهوى بسيفه على رجل تشهد الرجل شهادة الحق فقتله أسامة، فلما جاء وأخبر النبي ﵊ قال: أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟! قال: يا رسول الله! ما قالها إلا تعوذاً من القتل، قال ﵊: فهلا شققت عن صدره! كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟! حتى قال أسامة: تمنيت أني ما أسلمت إلا يومئذ).
هذه أربعة أسباب مروية في سبب نزول هذه الآية، وكما علم من علوم التفسير بأنه لا مانع من أن تتعدد الأسباب ويكون المنزل واحداً، فقد تنزل آية واحدة وتتعدد أسبابها.
стр. 908
مفردات الآية
فالله ينادينا: يا مؤمنون! ((إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) أي: خرجتم مسافرين غزاة وغايتكم إعلاء كلمة الله : ((إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا))، وفي قراءة نافع وحمزة والكسائي وخلف العاشر: (فتثبتوا)، فالمراد أن الإنسان يتأكد مما يراد منه، ويتبين الأمر على وجهه الصحيح قبل أن يقدم على سفك الدم.
قوله: ((وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ))، وفي قراءة نافع وابن عامر وحمزة وأبي جعفر ((وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا))، بغير ألف (السلم) أي: استسلم وانقاد لحكمكم، وعلى القراءة الأخرى: ((وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ)) أي: التسليم، وهي تحية الإسلام، ((لَسْتَ مُؤْمِنًا)).
وفي قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع (لست مؤمّناً) أي: لن نؤمنك على نفسك، والمعنى: لا تقولوا لمن ظهر من حاله أنه مسلم أو أنه مستسلم: أنت تقول هذا الكلام تعوذاً من القتل، وطلباً للسلامة، وحذراً من بأسنا، لا عليكم بالظاهر، وكلوا إلى الله السرائر، ((وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)) أي: والحال أنكم تبتغون عرض الدنيا أغناماً كانت أو أبقاراً أو إبلاً، وهي حطام سريع النفاذ.
قال الله : ((فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ)) أي: عند الله خير من متاع الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام، فما عند الله من الرزق الحلال خير لكم مما طلبتموه من غير طريقه.
ثم ذكرهم ربهم ﷻ بالحال التي كانوا عليها: ((كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ)) أي: كذلك كنتم من قبل هذه الحال تسرون إيمانكم كهذا الذي أسر إيمانه، وكنتم في مكة قلة مستضعفين في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس، وكان كثير منكم يستخفي بإسلامه، ولا يستطيع أن يجهر به بين قومه.
وقيل في معنى قول الله : ((كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ)) أي: أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة فحصنت بها دماؤكم، وعصمت أموالكم، من غير انتظار للاطلاع على مواطئة قلوبكم ألسنتكم، بل بمجرد ما قال أحدكم: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله عصم دمه وماله وعرضه، ولم يقل أحد له: لا، بل ننتظر ونتثبت هل أنت مسلم على الحقيقة أما أنك تقول ذلك حذراً من القتل، ((كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ)) أي: كذلك كنتم كفرة، فهذا أيضاً من معاني هذه الآية: كذلك كنتم كفرة فمن الله عليكم بالإسلام، فلا تنكروا أن يكون ذلك الشخص كافراً ثم من الله عليه في لحظة فدخل في الإسلام.
((كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ)) أي: بالعزة والنصر والسؤدد حتى أظهرتم إيمانكم، وأشهرتم دينكم، واستقمتم على أمر ربكم.
((كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ)) قيل أيضاً: من منّة الله التوبة، فقد تاب الله على أسامة وعلى غيره من الصحابة الذين عمدوا إلى قتل الإنسان الذي أظهر الإسلام متأولين أنه قال ذلك تعوذاً من القتل، وأما محلم بن جثامة فلم يتب الله عليه؛ لأنه تعمد قتل نفس معصومة من أجل إحنة وعداوة شخصية لا من أجل الله.
قوله: (فتبينوا) كرر الله الأمر بالتبين للتأكيد، فقال في أول الآية: ((إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا))، وهنا قال: (فتبينوا)، ثم ختم الآية بقوله: ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا))، قال سعيد بن جبير ﵀: هذا تهديد ووعيد أي: لا تتهافتوا إلى القتل واحتاطوا فيه؛ لأن سفك الدم عند الله عظيم، ولذلك لا بد من التثبت والتبين.
стр. 909
من فوائد الآية
لقد اشتملت هذه الآية على عدة فوائد: أولها: مشروعية الضرب في الأرض والسفر للتجارة أو للغزو، وهذا دأب الصالحين من عباد الله منذ القديم.
ثانيها: وجوب التبين والتثبت قبل الإقدام على سفك الدم.
ثالثها: وجوب أخذ الناس بظواهرهم وإرجاع سرائرهم إلى الله تعالى، فكل من شهد شهادة الحق فإننا نجري عليه أحكام الإسلام، ولو مات صلينا عليه ودعونا له، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، وأما هل هو في باطنه مسلم أو ليس مسلماً فهذا علمه عند ربي سبحانه.
رابعها: تحريم التشكيك في النوايا، والتفتيش عما في الصدور، فلا تقل: فلان نيته ليست خالصة، وفلان نيته ليست بطيبة، فلان ما أراد بالإسلام إلا منفعة دنيوية؛ لأن ما في القلوب لا يطلع عليه إلا علام الغيوب ، وأما أنت فعليك بالظاهر، ثم من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، فالله نهى الصحابة عن القتل من أجل عرض الدنيا، وقال لهم: ((فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ)).
ومن فوائد هذه الآية: الاعتبار بالحال السابقة وبذل الأعذار للناس، فبعض الناس يكون في ضلال وخبال، ثم يمن الله عليه بالهداية فيستقيم ويحافظ على الفرائض، ثم بعد ذلك هذا الإنسان الذي كان ضائعاً حتى الأمس القريب إذا رأى إنساناً في ضياع مفرط فإنه ينظر إليه شزراً ويشمت به، لا، المفروض أن يعتبر هذا الإنسان الشامت بحاله التي كانت من قبل، ويرجو كما من الله عليه أن يمن على أخيه المسلم.
ومن فوائد الآية: عظيم منة الله على المؤمنين بإعزاز الدين وإظهار أهله، فقد من الله علينا بإظهار ديننا ونشر ألويته في الآفاق.
يقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمة الله عليه: دلت الآية على حكمة عظيمة في حفظ الجامعة الدينية، وهي بث الثقة والأمان بين أفراد الأمة، وطرح ما من شأنه إدخال الشك؛ لأنه إذا فتح هذا الباب عسر سده، وكما يتهم المتهم غيره فللغير أن يتهم من اتهمه، وتتنابز الأمة بالألقاب: يا كافر! يا مشرك! يا منافق! يا عدو الله! ونحو ذلك من التهم التي ما ينبغي أن تشيع في مجتمع المسلمين.
أختم هذا البحث فأقول: إذا كانت الآية فيمن أظهر الإسلام ولم يُعلم الباعث له على ذلك فأين هذا من حرْص من لم يهتدوا بكتاب الله في إسلامهم ولا في عملهم في الأحكام على تكفير من يخالف أهواءهم من أهل القبلة، بل من أهل العلم الصحيح والدعوة إلى الكتاب والسنة؟ فقد نبتت في الناس هذه النابتة فنسأل الله العافية، وسلفهم في ذلك الخوارج؛ فإنهم يحرصون على تكفير كل من خالفهم في صغير أو كبير، ولو كان المخالف لهم أقدم إسلاماً وأرسخ إيماناً وأقوى علماً كـ علي بن أبي طالب ﵁.
وكذلك نبتت في المسلمين نابتة إذا خالف الواحد منهم أخاه فإنه يسارع إلى تبديعه واتهامه بأنه مخالف للسلف، مباين لسبيل الأولين، وأنه قد أتى بحلة جديدة وملة ما عرفت، وهكذا يبدأ الناس يتنابزون بالألقاب؛ فهؤلاء جميعاً نخاطبهم بقول الله : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا))، وخاصة إذا كانت المسألة حمالة أوجه، وللاجتهاد فيها مساغ، وقدر أن هذا المسلم يصلي معك الخمس، ويستقبل معك قبلة واحدة، ولعل له تأويلاً سائغاً، ولعل له سلفاً ممن سبقه من أهل العلم، فنسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.
стр. 910
نداءات الرحمن لأهل الإيمان [١٠]
أمر الله عباده أن يكونوا قوامين بالقسط شهداء لله، ومن ذلك أن يؤمنوا بالله ورسوله والكتب المنزلة على أنبيائه ورسله، وأن يؤمنوا بالملائكة واليوم الآخر، ليكونوا بذلك أولياء الله في أرضه.
стр. 911
قول الله : (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط)
النداء الخامس والعشرون في الآية الخامسة والثلاثين بعد المائة من سورة النساء: يقول ربنا ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء:١٣٥].
قرأ ابن عامر وحمزة بن حبيب: (وإن تلووا) بضم اللام وواو ساكنة بعدها على أنها فعل مضارع من ولي يلي ولاية، وولاية الشيء هي الإقبال عليه، وقرأ الباقون: (وإن تلووا) بإسكان الواو وبعدها واوان: الأولى: مضمومة، والثانية: ساكنة على أنه فعل مضارع من لوى يلوي، يقال: لويت فلاناً حقه إذا لم أعطه.
سبب نزول هذه الآية المباركة كما روى ابن المنذر من طريق ابن جريج عن مولى لـ ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة كانت البقرة أول سورة نزلت ثم أردفتها سورة النساء قال: فكان الرجل يكون عنده الشهادة قبل ابنه أو ابن عمه أو ذوي رحمه فيلوي بها لسانه أو يكتمها؛ لما يرى من عسرته، حتى يوسر فيقضي حين يوسر، فنزلت: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ)).
стр. 912
معاني المفردات
قول ربنا ﵎: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ)).
القوام: صيغة مبالغة، أي: كونوا في كل أحوالكم قائمين بالقسط، وهو العدل في حقوق الله وحقوق عباده، والقسط في حقوق الله: ألا يستعان بنعمه على معصيته، بل تصرف في طاعته، والقسط في حقوق الآدميين: أن تؤدي جميع الحقوق التي عليك كما تطلب حقوقك.
((شُهَدَاءَ لِلَّهِ)) أي: أدوها ابتغاء وجه الله، كما قال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق:٢]، حسبة لله وتعاملاً مباشراً مع الله، لا لحساب أحد من المشهود لهم أو عليهم، ولا لمصلحة فرد أو جماعة أو أمة، بل تجرداً من كل ميل وهوى، ومن كل مصلحة، ومن كل اعتبار.
((وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ)) أي: ولو عاد ضررها عليكم، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجاً ومخرجاً.
والمراد بذلك: الإقرار، فهو شهادة على النفس بإلزام الحق.
((أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ)) أي: ولو عاد ضررها على الوالدين والأقربين، فإن الحق حاكم على كل أحد.
((إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا)) أي: إن يكن المشهود عليه غنياً يرجى في العادة ويخشى، فلا ترعاه لغناه، أو كان فقيراً يترحم عليه في الغالب ويحمى، فلا تشفق عليه لفقره.
((فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا)) أي: الله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك، وأعلم بما فيه صلاحهما، فلا يكن غناه ولا فقره سبباً للقضاء له أو عليه، والشهادة له أو عليه.
والمقصود من الآية: التحذير من التأثر بأحوال يلتبس فيها الباطل بالحق لما يحس به من عوارض يتوهم أن مراعاتها ضرب من إقامة المصالح، وحراسة العدالة، فمن الناس من يتوهم أن الغنى يربأ بصاحبه عن أخذ حق غيره، فيقول في نفسه: هذا في غنية عن أكل حق غيره، وقد أنعم الله عليه بعدم الحاجة، ومن الناس من يميل إلى الفقير رقة له، فيحسبه مظلوماً، أو يحسب أن القضاء له بمال الغني لا يضر الغني شيئاً، فنهاهم الله عن هذه التأثيرات بكلمة جامعة، وهي قوله سبحانه: ((إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا)).
يقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى: وقد عرفت قاضياً لا مطعن في ثقته وتنزهه، ولكنه كان مبتلى باعتقاد أن مظنة القدرة والسلطان ليسوا إلا ظلمة من أغنياء أو رجال، فكان يعتبر هذين الصنفين محقوقين، فلا يستوفي التأمل لحججهما.
قال تعالى: ((فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا)) أي: فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إياكم على ترك العدل في أمركم وشئونكم، بل الزموا العدل على أي حال كان، كما قال سبحانه: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]، وذلك ما قاله عبد الله بن رواحة ﵁ حين أراد اليهود رشوته ليرفق بهم، فقال لهم: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي، ولأنتم أبغض إلي من أعدادكم من القردة والخنازيز، وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على ألا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض.
قال الله تعالى: ((فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا)) يحتمل المعنى هنا: العدل أو العدول، كأنه قال: فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو: إرادة أن تعدلوا عن الحق.
((وَإِنْ تَلْوُوا)) أي: وإن تحرفوا الشهادة وتغيروها كما قال مجاهد وغير واحد من السلف، واللي هو التحريف وتعمد الكذب، كقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧٨].
((أَوْ تُعْرِضُوا)) أي: تكتموا الشهادة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة:٢٨٣] وقال النبي ﷺ : (خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها).
((فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)) وسيجازيكم على ذلك.
стр. 913
ما يستفاد من الآية
في الآية فوائد عظيمة: منها: وجوب إقامة العدل بين الناس.
ومنها: أهمية العدل لقيام المجتمعات.
ومنها: وجوب الإخلاص في ذلك لله وحده.
ومنها: أن العدل مطلوب مع القريب والبعيد، وأنه لا تأثير للغنى والفقر في أداء الشهادة، وأن الله ﷻ أولى بالغني والفقير.
ومنها: النهي عن اتباع الهوى، وأن اتباع الهوى مانع من إقامة العدل.
ومنها: النهي عن التحريف في الشهادة، وتحريم الإعراض عن أدائها.
ومنها: أن شهادة الإنسان على والديه وأقاربه مقبولة، وأن شهادة الإنسان على والديه لا تنافي برهما، وشهادته على أقاربه لا تنافي صلتهم.
ومنها: علم الله المحيط الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
стр. 914
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله)
النداء السادس والعشرون من نداءات الرحمن لأهل الإيمان في الآية السادسة والثلاثين بعد المائة من سورة النساء: يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦] وفي قراءة ابن كثير وأبي عمرو بن العلاء البصري: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نُزِّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦].
стр. 915
توجيه طلب الإيمان من المؤمنين في قوله (يا أيها الذين آمنوا آمنوا)
هناك إشكال عند كثير من أهل التفسير في قول الله : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا)) وهو كيف أنهم مؤمنون ويطالبون بالإيمان؟ ذكروا في ذلك وجوهاً: الوجه الأول: أن المخاطبين بهذه الآية هم أهل الكتاب؛ فقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) أي: آمنوا بموسى وعيسى، ((آمِنُوا)) آمنوا بالله إيماناً شرعياً صحيحاً، وبرسوله محمد ﷺ ، ((وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ)) محمد ﷺ ، والكتاب هو القرآن ((وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ)) أي: جنس الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله، إذاً: المخاطب بهذه الآية هم أهل الكتاب.
الوجه الثاني: أن المخاطب بهذه الآية هم المنافقون، فقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) أي: آمنوا بألسنتهم، ((آمِنُوا)) بقلوبكم، ((آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ)) إيماناً يتواطأ عليه القلب مع اللسان، ولا يكن إيمانكم لسانياً لا يغني عنكم من الله شيئاً.
الوجه الثالث: أن المخاطبين بهذه الآية هم أمة محمد ﷺ ، والمراد بالأمر بالإيمان: الدوام والثبات عليه حتى موافاة رب العالمين ﷻ به، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] وهو ﵊ سيد المتقين، لكن المعنى: اثبت على تقوى الله، وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] وهو ﵊ من يومه الأول يبلغ رسالة ربه، لكن المراد الدوام والاستمرار.
يقول العلامة الطاهر بن عاشور ﵀: وهو الجاري على ألسنة أهل العلم، وبناء عليه جعلوا الآية شاهداً لاستعمال صيغة الأمر في طلب الدوام، كما أن الله يأمرنا في القرآن كثيراً بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:١١٠]، ومن المعلوم أن المؤمن لابد له من صلاة وزكاة، لكن المراد هو المداومة والاستمرار.
الوجه الرابع في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)): أنه خطاب للمؤمنين، أي أن المطلوب منكم إيماناً لا تشوبه كراهية بعض كتب الله، تحذيراً من ذلك؛ لئلا يدفعهم بغض اليهود الذين كانوا يساكنونهم المدينة وما بينهم من الشنآن إلى مقابلتهم بمثل ما يصرح به اليهود من تكذيب محمد ﷺ ، وإنكار نزول القرآن، فاليهود -قاتلهم الله- كانوا ينكرون نبوة محمد ﷺ ، وينكرون نزول القرآن، فالله حذر المؤمنين من أن يسلكوا مسلكهم، وأن يقابلوا ظلمهم بظلم المثل، وقد بدر من بعض المسلمين شيء من ذلك لما قال واحد من اليهود وهو في السوق: لا والذي اصطفى موسى على البشر.
يحلف بالله الذي اصطفى موسى على البشر، وهذا كلام فيه نوع عنصرية وعنجهية، فرفع المسلم يده فلطمه لطمة منكرة وقال له: أتقول هذا ورسول الله ﷺ بين ظهرانينا، أي: أنت تقول هذا الكلام والرسول ﷺ موجود عندنا في المدينة، أما تعرف أنه ﵊ قد اصطفاه الله على العالمين؟ فلما جاء اليهودي يشكو للنبي ﷺ ، قال ﵊: (لا تخيروا بين الأنبياء)، وهو عليه الصلاة السلام يعلم أنه المخير، وأنه أول شافع وأول مشفع، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول من يأخذ بحلقة باب الجنة، وصاحب المقام المحمود، والحوض المورود، وأكثر الأنبياء تابعاً، وإمام الأنبياء في ليلة الإسراء وخطيبهم صلوات ربي وسلامه عليه، وكلهم صلوا من ورائه دلالة على أفضليته، لكنه ﵊ نهى عن التفضيل بين الأنبياء إذا كان ذلك على سبيل العصبية والفخر، وهضم بعض الأنبياء، أو التوسل بذلك إلى الحط من أقدارهم صلوات الله وسلامه عليهم.
فالخطاب في هذه الآية إما أن يكون لأهل الكتاب، وإما أن يكون للمنافقين، وإما أن يكون للمؤمنين على إرادة الدوام والاستمرار كما قال سبحانه: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، وإما أن يكون خطاباً للمؤمنين تحذيراً لهم من أن يسلكوا مسلك اليهود الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض.
следующие страницы →