Полный текст (1 195 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الأسئلة
стр. 107
بيان ما يقال بعد المؤذن عند قوله: الصلاة خير من النوم
السؤال
ماذا نقول عند قول المؤذن: الصلاة خير من النوم، هل نقول: صدقت، أم ماذا نقول؟
الجواب
في الحديث: (قولوا مثلما يقول)، وهذا النص عام إلا في الحيعلتين فإنها مستثناة، فتقول مثلما يقول المؤذن، فإن قال: الصلاة خير من النوم، فقل: أنت أيضاً: الصلاة خير من النوم.
стр. 108
مقدار الوقت بين الأذانين في الفجر
السؤال
كم مقدار الوقت الذي بين أذان بلال وأذان ابن أم مكتوم هل هو ثلث ساعة أم أقل أم أكثر؟
الجواب
الثلث كثير؛ لأن حديث البخاري يوضح هذا؛ فإن فيه: (ولم يكن بين أذان بلال وأذان ابن أم مكتوم إلا أن ينزل ذا ويصعد ذا)، وابن أم مكتوم رجل أعمى، فكان ينزل بلال ويصعد ابن أم مكتوم، ونزول الأعمى قد يحتاج إلى وقت، فيُجعل بينهما: عشر دقائق أو ربع ساعة أو اثنا عشر دقيقة، ولا يزاد على هذا.
стр. 109
حكم إجبار الزوجة على الخلع
السؤال
هل يجوز للزوج أن يضيق على زوجته ليجبرها على الخلع ثم يأخذ منها المهر وزيادة على المهر ويأخذ كل مستحقاتها ويأخذ أكثر مما يستحق؟
الجواب
هذا أمر واقع، فبعض إخواننا هداهم الله يستحلون من المرأة ما يستحلون، والله يقول: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء:٢١]، فأنت تزوجتها بكراً ستعود إلى بيت أبيها ثيباً، ألا تستحي من ربك أن تعوضها عما صنعت بهذا فمنهم من يسرق القائمة، ومنهم من يجبرها على التوقيع على بياض بالتنازل عن حقها، ومنهم من يجبرها على التنازل عن المتعة والعدة ومؤخر الصداق حتى تحصل على الحرية، ويتبجح بذلك في المجالس.
فمثل هذا نقول له: أما تستحي من ربك ؟! ألا تعلم أنك بذلك تأكل ناراً في بطنك وجوفك؟ فلا ينبغي لرجل يتقي الله أن يأخذ من حق المرأة شيئاً أبداً؛ لأن الله يقول: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾ [النساء:٤]، فلا بد أن تطيب نفس المرأة بالعطاء.
اتصلت بي أخت فاضلة وقالت: زوجي يجبرني على أن أرد الصداق إليه وأنا معه الآن، والمهر الذي دفعه هو ألف ونصف، واشترت هي بالألف والنصف قطعة أرض في السبعينات، وهذه الأرض الآن بعشرين ألفاً، فهو يريد أن يأخذ الصداق وربح الصداق.
أرأيتم إلى رجل كهذا؟ فيا عبد الله! كيف تستمتع بالمرأة بدون صداق؟ فالصداق هو الذي أحلها لك، وهو الذي مكنك منها، أما أن تأخذ حقوقك الشرعية بغير صداق فأنت مفترٍ ظالم.
فأقول: إخوتي الكرام! لنتق الله في أمورنا.
والله تعالى أعلم.
стр. 110
العدة شرح العمدة [١١]
الصلاة لها شروط وأركان وواجبات وسنن ومستحبات ومكروهات، نصت عليها السنة النبوية، وبينت أحكامها، كما أن الفقهاء شرحوا هذه الشروط والأركان وبينوا ذلك استنباطاً من السنة النبوية، ومن شروط الصلاة المعلومة ستر العورة.
стр. 111
شروط صحة الصلاة
ذكرنا فيما مضى أن من شروط صحة الصلاة: الأول: الطهارة من الحدثين: الأكبر والأصغر.
الثاني: دخول الوقت، وتحدثنا عن الوقت تفصيلاً، وقلنا: لكل صلاة وقت لا بد أن يدخل حتى تؤدى، لأن البعض قد يسأل فيقول: أنا مسافر إلى القاهرة في الساعة الحادية عشرة صباحاً، وسأصل إليها بعد العصر، فهل أستطيع أن أصلي الظهر والعصر جمع تقديم في بلدي؟
و
الجواب
لا يجوز؛ لأن وقت الظهر لم يدخل بعد، وهذا كلام بدهي يعرفه الغالب من الناس.
стр. 112
الفرق بين الشرط والركن
والفرق بين الشرط والركن: أن الشرط: خارج عن ماهية الفعل، وهو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم.
مثاله: دخول الوقت شرط لصحة الصلاة، استقبال القبلة.
والركن: ما كان داخل في ماهية الشيء أو الفعل.
مثاله: تكبيرة الإحرام، قراءة الفاتحة، الركوع، الاعتدال من الركوع، السجود، الجلسة بين السجدتين.
стр. 113
ستر العورة
الثالث: ستر العورة، وللعلامة ابن عثيمين ﵀ كلام جميل في الشرح الممتع في شرح زاد المستقنع، فقال رحمه الله تعالى: وعورة الصلاة تختلف عن عورة النظر.
أي: أن العورة خارج الصلاة تختلف عن العورة داخل الصلاة، فلا تقاس عورة الرجل خارج الصلاة على عورته في الصلاة، فهذه عورة وهذه عورة.
مثال ذلك: للمرأة في بيت زوجها أن تكشف شعرها، فإذا أرادت أن تصلي في البيت فيلزمها أن تستر شعرها، سواء كان زوجها موجود أو غير موجود.
مثال آخر: يقول العلماء: إن عورة الرجل من السرة إلى الركبة، وهذا هو القول الراجح، لكن لا يستطيع أن يصلي الرجل وهو كاشف الكتفين ونصف البطن، وإنما لا بد أن يستر أحد عاتقيه على الأقل.
وهنا لغز فقهي يقول: امرأة تصلي فبطلت صلاتها بكلمة من غيرها، كيف ذلك؟
الجواب
أن المرأة التي تصلي أمة، يعني: عبدة مملوكة، وللأمة أن تصلي مكشوفة النحر وجزء من الصدر، لكن لو أنها صلت كاشفة الشعر والنحر، فقال لها سيدها وهي تصلي: أنت حرة، عند ذلك أصبح الشعر والنحر عورة في حقها، فيلزمها تغطيتهما.
ثم قال في الشرح: وستر العورة واجب، لما روت عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)، رواه أبو داود، ومعنى الحديث: أن الله لا يقبل صلاة المرأة البالغ إلا بخمار ساتر، فتلبسه وتغطي به نفسها حتى وإن لم يرها أحد.
قال رحمه الله تعالى: ويجب سترها بما يستر لون البشرة من الثياب والجلود أو غيرها، فإن وصف لون البشرة لم يعتد به؛ لأنه غير ساتر.
стр. 114
حدود عورة الرجل والأمة في غير الصلاة
عورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة، لما روى أبو أيوب ﵁ أنه -هذه عورة نظر وليست عورة صلاة- قال: قال رسول الله ﷺ : (أسفل السرة وفوق الركبتين من العورة)، وعن جرهد: أن رسول الله ﷺ قال: (غط فخذك فإن الفخذ من العورة)، رواه أحمد، وفي رواية أخرى عند أحمد: (الفرجان من الرجل)، وفي المقابل فعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ يوم خيبر حسر الإزار عن فخذه حتى أني لأنظر إلى بياض فخذ رسول الله ﵊.
والحقيقة أن عورة الرجل في النظر لا في الصلاة فيها خلاف، هل هي من السرة إلى الركبة؟ أم هي القبل والدبر فقط؟ فمن العلماء من قال: إن عورة الرجل من السرة إلى الركبة، لحديث جرهد السابق، ومنهم من قال: إن الفخذ ليس بعورة، لحديث مسلم أن النبي ﷺ : (كان يجلس في حجرة عائشة وقد بدا جزء من فخذه فدخل أبو بكر فظل النبي على حاله، ثم دخل عمر فظل النبي على حاله، فلما دخل عثمان أسرع النبي ودارى فخذه وجذب القميص عليه وعدل من جلسته، فقالت عائشة: يا رسول الله ما هذا الذي عملت؟ قال: ألا أستحي من رجل تستحيي منه الملائكة)، ولحديث البخاري في يوم خيبر.
لكن هناك قاعدة أصولية تقول: إن الدليل القولي مقدم على الدليل الفعلي، فحديث: (إن الفخذ عورة) قولي، وحديث: جلسة النبي ﷺ وقد بدا جزء من فخذه فعلي، فيقدم القول على الفعل، لأنه ربما أنه ﷺ قد جلس تلك الجلسة لعذر، أو لعل ذلك خاص به، أي: أنه قد يطرأ على الفعل ما يمكن أن يصرف به، أما القول فلا احتمال لفهمه إلا هذا الفهم، وعلى هذا فإن الأحوط من أقوال العلماء: أن عورة الرجل من السرة إلى الركبة؛ لأن حديث جرهد في هذه المسألة واضح وبين.
والعورة إن كانت تُرى من خلف القميص وجب سترها؛ لأنها لم تُستر بعد.
стр. 115
حدود عورة المرأة في الصلاة وغيرها
والحرة كلها عورة إلا الوجه والكفين، لقوله سبحانه: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١]، قال ابن عباس: وجهها وكفيها؛ ولأنه يحرم ستر الوجه والكفين في الإحرام، ولو كانا عورة لم يجز كشفهما، وعنه: في الكفين أنهما عورة؛ لأن المشقة لا تلحق بسترهما، فأشبه سائر بدنها، وما عدا ذلك فعورة، لقول النبي ﷺ : (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)، وعن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله! تصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ قال: (نعم إذا كان سابغاً يغطي ظهور القدمين)، فالحديثان يتكلمان عن عورة المرأة في الصلاة، وعورة المرأة في الصلاة تختلف عن عورة النظر، وصلاة المرأة في البنطلون باطلة، لا كما يزعم بعض من ينتسب إلى العلم ظلماً وزوراً أن صلاة المرأة بالبنطلون جائز! وذلك حتى نحببهم في الصلاة، ثم بعد ذلك نقول لهم: إن الصلاة بالبنطلون باطلة! إن هذا تميع في دين الله لا يقبل، بل ولا يرضي الله ، فضلاً عن أن البنطلون للمرأة لا يجوز؛ لأن فيه تشبهاً بالرجال، حتى ولو كانت مع زوجها بمفردها، قال النبي ﷺ : (لا تلبس المرأة لبس الرجل، ولا يلبس الرجل لبس المرأة)، فالبنطال من ملابس الرجال، وليس للمرأة أن تلبس البنطال، وذلك كالعباءة، فهي من ملابس النساء، وليس للرجل أن يلبس العباءة، وإلا فهو متشبه بالنساء، وللمرأة أن تلبس سراويل تحت الجلباب حتى تستر نفسها، ولها أن تصلي في جلباب يجر إلى الأرض فيستر قدميها، والقدم موضع خلاف بين العلماء، لكن هذا الحديث قد حسم هذه القضية فقال: إن صلت في درع وخمار وليس عليه إزار؟ قال: (نعم إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها)، إذاً لا بد أن يكون الجلباب يغطي ظهور القدمين، لكن إن ظهر العقب فلا تبطل الصلاة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وعليه فمطلوب من المرأة إذا صلت أن تلبس الخمار والجلباب الطويل حتى تستر نفسها في صلاتها.
стр. 116
عورة الأمة كعورة الرجل
ثم قال رحمه الله تعالى: وعورة الأمة كعورة الرجل، لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ قال: (إذا زوج أحدكم أمته أو أجيره فلا ينظر إلى شيء من عورته، فإنما تحت السرة إلى الركبة عورة)، وكذلك أم الولد والمعتق بعضها كالأمة، وأم الولد كـ هاجر أم ولد إبراهيم ﵇، وهي في الفقه تُسمى كذلك، لا أن نقول: هاجر زوجة إبراهيم ﵇، ولذلك لما سألها جبريل: من أنت؟ فقالت له: أنا أم ولد إبراهيم، ولم تقل: أنا زوجة إبراهيم، وإنما قالت: أنا أم ولد، وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة، فلو أن رجلاً أعتق جزءاً من أمته فإنها تأخذ حكم الأمة تماماً، والكلام هذا لا داعٍ للتفصيل فيه؛ لأنه غير موجود في الواقع.
стр. 117
حكم من صلى في ثوب أو دار مغصوبة
ومن صلى في ثوب مغصوب أو دار مغصوبة أو توضأ بماء مسروق لم تصح صلاته؛ لأنه استعمل في شرط العبادة ما يحرم استعماله، وهذا كلام الحنابلة، وأما كلام الجمهور: فالصلاة صحيحة مع الإثم، وهذا الكلام معتبر وهو الراجح.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: والقميص الذي يلبسه المسلم ينبغي أن يكون مطابقاً للشرع، فمنه ما هو محرم لذاته، ومنه ما هو محرم لوصفه، فإن كان محرماً لذاته فالصلاة فيه باطلة، كمن صلى في ثوب حرير، أو صلى بثياب عليها تصاوير، أو صلى بثياب نسائية، فعند الحنابلة: الصلاة باطلة، وعند الجمهور: الصلاة صحيحة مع الإثم؛ لأن هذه الثياب محرمة لذاتها.
وأما المحرم لوصفه، كمن صلى مسبلاً، فصلاته باطلة عند الحنابلة، لأنهم لم يفرقوا بين المحرم لذاته والمحرم لوصفه، وعند الجمهور صحيحة مع الإثم، لذا فيحرم على الرجل أن يلبس قميصاً يجر إلى الأرض، لقول النبي ﷺ : (ما جاوز الكعبين ففي النار)، وقوله: (ثلاثة لا يزكيهم الله ولا ينظر إليهم ولا يكلمهم يوم القيامة: ومنهم: مسبل الإزار)، أي: أن يجعل القميص أو الجلباب بعد الكعبين.
стр. 118
حكم من صلى في ثوب نجس
وكذلك: من صلى في ثوب نجس، فصلاته باطلة عند الحنابلة؛ ولأن الصلاة قربة منهي عنها على هذا الوجه، فكيف يتقرب بها بما هو عاصٍ به، أو يؤمر بما هو منهي عنه؟! ورواية أخرى عند أحمد رحمه الله تعالى: أن الصلاة تصح؛ لأن التحريم لا يعود إلى الصلاة، كما لو غسل ثوبه بماء مغصوب، أو صلى وعليه عمامة حرير؛ لأن الرأس ليس بعورة، إنما لو ستر فرجه بحرير فهذا كلام مختلف فيه.
ولبس الحرير والذهب مباح للنساء دون الرجال، لما روى أبو موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (حرم لبس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم)، قال ابن عبد البر: وهذا إجماع.
стр. 119
حكم لبس الدبلة عند الخطوبة
وأما لبس الدبلة عند الخطوبة فلا يجوز، وكذلك الذهب لا يجوز لبسه للرجال عند الخوف من سرقة الفلوس، لأنه لا يجوز للمسلم أن يحل مشكلته بحرام، قال النبي ﷺ : (من لبس ذهباً من الرجال لبس في يده نار)، والدبلة عادة ليست إسلامية، حتى وإن كانت من فضة، لأنهم كانوا يعتقدون قديماً أن الدبلة ترتبط بعرق في القلب، واحد اثنين باسم الأب والابن وروح القدس، ويعتقدون أن العرق الذي في الأصبع يمتد إلى القلب، وما دامت الدبلة موجودة فالحب موجود، وإذا خلعت الدبلة خلع معها الحب! لذا قد يعجب المرء من رجل يتزوج أربعاً أين يضع هذه الدبل كلها! وأما الذهب المحلق فحلال للنساء بدون أدنى شك، ويجوز للإنسان أن يلبس خاتماً من فضة كما كان النبي ﵊.
стр. 120
حكم لبس الحرير عند الحاجة
قال رحمه الله تعالى: [إلا عند الحاجة فيجوز للرجل أن يلبس الحرير كحكة أو قمل أو مرض ينفعه لبسه]، أي: إذا كان في الجلد مرض أو حكة، وقال الأطباء: لا بد أن يلبس الحرير، ففي هذه الحالة يجوز لبسه؛ لما روي: (أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شكيا القمل إلى رسول الله ﷺ فرخص لهما في قميص الحرير، فرأيته عليهما)، متفق عليه.
ومن صلى في ثوب واحد بعضه على عاتقه أجزأ ذلك، لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يصل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء)، كالفنيلة الحمالة التي لا تستر أحد الكتفين، لذا لا بد أن تستر أحد الكتفين في الصلاة، والصلاة جائزة لكن مع الكراهة؛ للحديث الذي ذكرناه، والمقصود بـ (عاتقيه) أي: كتفيه.
وهنا تنبيه مهم بالنسبة للبس الحرير: فيجوز لمن له حكة في الجلد، وليس هناك ثياباً يستطيع أن يلبسها إلا الحرير، فله ذلك، أما إذا وجدت الثياب واستطاع لبسها، فلا يجوز له لبس الحرير.
стр. 121
حكم صلاة من لم يجد ما يستر عورته
قال ﵀: [فإن لم يجد إلا ما يستر عورته سترها؛ لأن سترها شرط لصحة الصلاة، وقد قدر عليه، فلزمه كسائر شروطها؛ ولأن ذلك واجب في غير الصلاة ففيها أولى]، أي: إذا لم يجد من الثياب إلا ما يستر عورة النظر فيحصله وصلاته صحيحة.
ثم قال: [فإن لم يكف جميعاً ستر الفرجين]، أي: يستر الفرجين أولاً، ثم من السرة إلى الركبة، فإذا لم يجد إلا ملابس تغطي إما الدبر وإما القبل، فقال بعضهم: يغطي الدبر؛ لأنه إذا ركع وسجد بدا، ومنهم من قال: يغطي القبل؛ لأنه يتوجه به إلى القبلة، وصلاة لاعبي الكرة بالشورت باطلة، انعدم الستر بكل حال صلى جالساً ويومئ إيماءً بالسجود؛ لأنه يحصل به ستر أغلب العورة، وعن أحمد رحمه الله تعالى: يصلي قائماً ويركع ويسجد؛ لأن المحافظة على ثلاثة أركان أولى من المحافظة على شرط واحد (ستر العورة).
فإن حصل أن هناك مجموعة من العراة، فإن الإمام يقف في وسط الصف كالنساء ولا يقف أمامهم، وهذا بالإجماع، لكن هل يصلون قياماً أم قعوداً؟ عند الإمام أحمد في رواية: يصلون قعوداً حتى يسترون العورة في الأرض، ثم يومئوا برءوسهم، وفي الرواية الأخرى: يصلون قياماً؛ لأن القيام والركوع والسجود أركان، وستر العورة شرط، فالمحافظة وتحصيل هذه الأركان أولى من شرط واحد (ستر العورة)، وهذا هو الراجح، ويغمضون عيونهم، وتغميض العينين في الصلاة مكروه إلا لضرورة، كأن تصلي وأمامك شيء يذهب بخشوعك في الصلاة، فلا حرج أن تغمض عينيك عند ذلك.
ومن لم يجد إلا ثوباً نجساً أو مكاناً نجساً صلى فيهما ولا إعادة عليه؛ لأن ستر العورة واجب في الصلاة وفي غيرها، وهو مخاطب ومأمور بها، فإذا صلى فقد أتى بما أمر به، فيخرج عن العهدة، لكن: هل عليه أن يعيد الصلاة أم لا؟ روايتان عن أحمد: الأولى: أنه لا يعيد، والثانية: يلزمه الإعادة، والراجح من أقوال العلماء: أنه يعيد إن لم يخرج الوقت، والله تعالى أعلم.
стр. 122
حرمة القدح في العلماء
هناك من الشباب -هداهم الله- هوايتهم القدح في العلماء، فيقول أحدهم: هذا عالم ثورجي! وهذا عالم فوضوي! وهذا عالم كذا؛ لأني سمعت من الشيخ الفلاني يقول عنه كذا وكذا، فأقول: ما شأنك يا قزم؟ فأنت قزم حينما تخطئ حق عالم من العلماء، ولذا لا ينبغي لطويلب علم أن يعطي نفسه الحق في أن يخطئ العلماء بحجة أنه سمع من الشيخ الفلاني يقول عن الشيخ فلان كذا وكذا، فهذا عذر قبيح، بل هذا من صنع السفهاء الذين لم يتعلموا، ولن يصلوا أبداً، لأنهم تركوا لأنفسهم حرية القدح في أهل العلم، ولذا فلحوم العلماء مسمومة، فاحذر أن تأكل السم بنفسك، وإذا قدح بعض أهل العلم في بعضهم، أو تناطح العلماء فيما بينهم، فإن ذلك يطوى ولا يروى، ولا يجوز لأخ فاضل بدأ في طلب العلم أن يبدأ الطريق بتناول العلماء بالسب والقدح، والله تعالى أعلم.
стр. 123
العدة شرح العمدة [١٢]
الطهارة من الحدث شرط في صحة الصلاة، فإن الله لا يقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول، والطهارة من السكينة تكون في الثوب والبدن وموضع الصلاة، وقد يعفى عن يسير النجاسة، كما أن على المصلي أن يحرص على الطهارة والبعد عن النجاسة؛ حتى تكمل صلاته وتصح.
стр. 124
طهارة البدن والثوب والمكان من النجاسة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، ترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
أما بعد: فلا زلنا في كتاب العدة ومع شروط صحة الصلاة، وقد قلنا: إن شروط صحة الصلاة ستة، وقد ذكرنا منها ثلاثة: الشرط الأول: دخول الوقت.
الشرط الثاني: الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر.
الشرط الثالث: ستر العورة.
стр. 125
الطهارة من النجاسة
قال المصنف ﵀: (الشرط الرابع: الطهارة من النجاسة في بدنه وثوبه وموضع صلاته، إلا النجاسة المعفو عنها كيسير الدم ونحوه، وإن صلى وعليه نجاسة لم يكن علم بها، أو علم بها ثم نسيها فصلاته صحيحة، وإن علم بها في الصلاة أزالها وبنى على صلاته، والأرض كلها مسجد تصح الصلاة فيها إلا المقبرة والحمام والحش وأعطان الإبل وقارعة الطريق).
فأما طهارة النعل الذي يصلي به المصلي، فالدليل على ذلك: أن النبي ﷺ صلى مرة بنعله وفيه نجاسة، وصلى الصحابة خلفه بالنعال -لأنهم كانوا يفعلون كما يفعل النبي ﵊ فجاء جبريل فأخبر النبي ﷺ أن بنعله أذى، أي: نجاسة، فخلع نعليه وخلع الصحابة دون أن يسألوا، ولما انقضت الصلاة سألوا، فقال ﵊: (أما أنا فجاءني جبريل فأخبرني أن بهما أذىً)، يعني: نجاسة، فيجب على المصلي أن يتخلص فوراً من النجاسة التي على ثيابه أو نعله، والصلاة في النعال جائزة بضوابط، منها: أن لا يكون فيهما نجاسة، وأن يكون المسجد من حصى، وهذا هو الفرق بيننا وبين أهل الكتاب، فأهل الكتاب لا يصلون في نعالهم، وإنما هي خاصية لهذه الأمة المحمدية.
стр. 126
طهارة المكان من النجاسة
وأما طهارة المكان، فلحديث أبي داود: أن رجلاً دخل المسجد فبال فيه، فهم به الصحابة ليزجروه، فنهاهم النبي ﷺ وقال: (دعوه حتى يكمل بولته، ثم أريقوا عليها سجلاً من ماء)، ففي الحديث أنه لا بد من طهارة مكان الصلاة.
стр. 127
طهارة الثوب من النجاسة
قال في الشرح: (الشرط الرابع: الطهارة من النجاسة في بدنه وثوبه وموضع صلاته)، لقوله ﵇ لـ أسماء بنت عميس في دم الحيض: -فقد كانت تصاب بحيض واستحاضة، فأمرها النبي ﷺ أن تحك دم الحيض- (حتيه) -أي: اقرضيه- (ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء وصلي فيه)، فقد أمرها النبي ﷺ بإزالة النجاسة قبل الصلاة، فدل ذلك على أنها ممنوعة من الصلاة فيه قبل غسله.
وهنا
السؤال
هل يجوز للمرأة أن تصلي في ثوب أصابه دم الحيض؟
الجواب
نعم، بشرط أن تحته ثم تقرصه ثم تغسله، ومعنى: تحته: أي: أن تمسك الدم ثم تخلل بين أجزائه، وعليه فهذه ثلاث خطوات: تحُت، ثم تقرض، أي: تعصر، ثم تغسل حتى يزال الدم، ولذا فالحديث دليل على أنه لا بد من إزالة النجاسة من الثوب الذي يصلي فيه المصلي، إلا النجاسة المعفو عنها كيسير الدم ونحوه، لأنه عفي عنها لمشقة التحرز على ما سبق في باب المياه، والمصنف رحمه الله تعالى يقرر أن الدم نجس، ولكن الراجح أنه ليس بنجس، لكن لو أصاب الثوب دم كثير فينبغي أن يزال، وهنا يأتي سائل فيقول: ثوبي مصاب بدم برغوث، فهل تجوز الصلاة فيه؟
و
الجواب
أن كل ذلك ورع يا عبد الله! فيعفى عن يسيره طالما يشق أن تتحرز منه، والمشقة تجلب التيسير، وهناك أناس يضيقون على أنفسهم، فربما قد تأتي أشياء لا يمكن بحال أن تتحرز منها، كسيارة تسير في الطريق فجاء على قميصك رذاذ، فهذا الرذاذ غير متميز، وهناك مشقة في إزالته، فيعفى عن يسير النجاسة طالما أن هناك مشقة في إزالتها.
стр. 128
حكم من صلى وعلى ثوبه نجاسة لم يكن علم بها أو علم بها ثم نسيها
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن صلى وعليه نجاسة لم يكن علم بها، أو علم بها ثم نسيها)، أي: إن صلى المسلم وفي ثوبه نجاسة لم يكن يعلم بها، أو علم بها لكنه نسيها، ففيه روايتان عن أحمد: إحداهما: يعيد، لأنها طهارة واجبة فلم تسقط بالجهل كالوضوء، والثانية: لا يعيد؛ لما روى أبو سعيد ﵁: (أن النبي ﷺ خلع نعليه في الصلاة فخلع الناس نعالهم، فقال: مالكم خلعتم نعالكم؟)، فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: (أما أنا فأتاني جبريل فأخبرني أن فيهما قذراً)، فوجه الحجة: أن النبي ﷺ لم يكن علم بالنجاسة حتى أخبر بها، وبنى على صلاته، ولو علم بالنجاسة وهو في الصلاة، فإن أمكنه أن يزيلها بغير عمل كثير أزالها وبنى على صلاته، كما فعل النبي ﷺ ، وإن لم يمكنه إلا بعمل كثير استأنفها، كالسترة إذا وجدها وهو في الصلاة بعيدة منه، لأن اتخاذ السترة واجب من واجبات الصلاة.
واختار الشافعي رحمه الله تعالى وهو رواية عن أحمد كما ذكرنا: أنه يعيد طالما أن الوقت لم يخرج بعد، ومعنى رواية عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أن أحد تلامذته نقل عنه رأياً، ثم نقل تلميذ آخر رأياً آخر، والعلامة المرداوي في كتاب: (الإنصاف في الراجح من مسائل الخلاف) قد رجح بين الروايات في المذهب الواحد، لا في المذاهب المتعددة.
والراجح: أن الوقت إذا لم يخرج فإن عليه أن يعيد الصلاة، فإن خرج الوقت فلا إعادة، ويعذر بخطئه وبعدم علمه، وكذلك: من صلى بثوب نجس، ثم علم بالنجاسة وهو في الصلاة، فإن أمكنه إزالة النجاسة بحركة يسيرة أزالها؛ للحديث الذي رواه البخاري في كتاب الصلاة: أن الشقي عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي ﷺ وهو ساجد، فوضع على ظهره الشريف سلا الجزور، فجاءت ابنته فاطمة ﵂ وأزالت النجاسة عن أبيها، وأكمل النبي ﵊ صلاته، قال البخاري في صحيحه وابن حجر معلقاً: وفي الحديث: إذا عرضت للمصلي نجاسة فاستطاع أن يزيلها أزالها وأتم الصلاة، وإن لم يستطع إزالتها إلا بحركة كثيرة تخل بالصلاة، أزالها ثم أعاد الصلاة من أولها.
стр. 129
مواضع النهي عن الصلاة
قوله: (والأرض كلها مسجد)، أي: أن الأرض كلها مسجد تصح الصلاة، لحديث جابر بن عبد الله ﵄ عند البخاري في كتاب التيمم، أن النبي ﷺ قال: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وبعثت إلى الناس كافة)، فالشاهد في الحديث قوله ﷺ : (وجعلت لي الأرض مسجداً)، أي: كل الأرض يجوز أن تصلي فيها إلا المقبرة، فلا تصل في المقبرة ولا تصل إلى القبور، لقول النبي ﷺ : (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)، وقوله: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك)، وقوله ﵊: (لا تتخذوا القبور مساجد)، فكل هذه النصوص المحكمة الواضحة البينة تدل على أن الصلاة في المساجد التي فيها قبور لا تصح، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن كان المسجد قد بني أولاً ينبش القبر ويزال من المسجد، وإن كان القبر قبل المسجد فيهدم المسجد؛ لأنه لا يجتمع قبر مع مسجد في دين الإسلام أبداً، ولذلك أقول: هذه ظاهرة منتشرة عندنا وفي بعض البلاد الإسلامية، فتدفن الأموات في المساجد، وتقام لها الأضرحة، ثم يطاف بها، ويسمى المسجد باسم صاحب الضريح، وتعجب عندما تجد أن علماء السوء يدافعون عن هذا، ولا غرو في ذلك؛ لأن صناديق النذور تجلب الملايين من السفهاء والأغنياء، حتى لو خرج صاحب الضريح حياً لقتلوه مرة أخرى للمصلحة التي تعود إليهم! وهذه قصة تدل على جهل هؤلاء الذين يطوفون بالقبور يُذكر أن رجلين جاءا بجحش ودفناه، وأعدا له مقاماً ليطوف الناس به، وفعلاً عندما كان الناس يأتون إلى المسجد يطوفون بالقبر، وتقول: مقام سيدي جحش! فاختلف الرجلان على صندوق النذور -لأنه يجلب الكثير- فقال أحدهما للآخر: وهل نسيت أننا دفناه مع بعض؟ أي: أنه لا يفعل هذا الفعل إلا من لا عقل له ولا شرع عنده، ولذا فالمساجد ليست مكاناً للدفن، وليست مكاناً للقبور أبداً.
وهنا شبهة عريضة يرددها بعض الناس: إن قبر النبي في مسجده، وهذا كذب وافتراء، فقبر النبي ﷺ في حجرة عائشة، وكان المسجد يبعد عن الحجرة إلى أن جاء عبد الملك بن مروان في زمن الدولة الأموية فوسع المسجد وألحق به الحجرة، يعني: أن الأمر أولاً لم يكن في عهد الخلفاء الراشدين، والنبي ﵊ قد نهانا أن ندفن في المسجد، فلم هذا الإصرار العجيب على هذا الفعل الذي يخالف الشرع؟! إن لم يكن فيه إلا ما يحدث من طواف وطلب للمدد فيكفي.
وأذكر أن رجلاً نذر خروفاً للبدوي إن نجح ابنه في الثانوية -والنذر لغير الله شرك- فشاء الله أن يمرض الخروف، ثم شاء الله أن يموت الخروف، فإذا به يقول: يا بدوي لم استعجلت عليه؟ كنت سآتيك به بعد أيام! فأثبت له أنه يحيي ويميت من دون الله ، إنها سفاهة عقول خربة، حتى المرأة إذا أرادت الحمل قيل لها: اذهبي إلى مقام سيدي فلان، وطوفي به واذبحي له، إلى هذا الحد ما زلنا نقوم بهذه الأعمال الشركية، فإن تحدثنا ونهرنا ومنعنا قالوا: أصوليون، متحجرون، إرهابيون، رجعيون، متخلفون، وخذ المصطلحات الكثيرة من قاموس البذاءات، ونسأل الله العافية.
وكذلك: لا يجوز الصلاة في الحمام والحش، أي: موضع قضاء الحاجة، وأعطان الإبل، أي: المكان الذي تبرك فيه، فهذه الأماكن الأربعة التي لا يجوز فيها الصلاة من سائر الأرض.
قال الشارح: أما المقبرة والحمام؛ فلما روى أبو سعيد في سنن أبي داود، أن النبي ﷺ قال: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)، وأما الحش فبطريق التنبيه عليه بالنهي عن هذين الموضعين، أي: إن كان الحمام لا تجوز فيه الصلاة، فمن باب أولى الخلاء، وأما أعطان الإبل؛ فلما روى جابر بن سمرة كما عند الإمام مسلم: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم، قال: أنصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا)، والنهي عن الصلاة في أعطان الإبل لعلتين: الأولى: أن الإبل بها شيطنة، فحينما تثور لا يستطيع أحد أن يقف في وجهها.
الثانية: أن الإبل حينما تبرك تستر النجاسة التي تنفصل عنها، وهي مظنة النجاسة.
ولذا قال الشارح: ولأنها مظنة النجاسة، فإن البعير إذا برك صار سترة للبائل -يعني: يستر البول- بخلاف الغنم فإنها لا تستر، فأقمنا المظنة مقام حقيقة النجاسة.
بمعنى: أن الإبل قد تستر ما تحتها من نجاسة -وليس معنى ذلك أن بول الإبل نجس- فنظن أن هناك نجاسة، وطالما أننا نظن فلا نصل في ذلك الموضع.
وأنا لست في مجال الحكم على الصلاة في المساجد التي بها قبور، فأقول: الصلاة باطلة أو
стр. 130
استقبال القبلة
قال المصنف رحمه الله تعالى: (الشرط الخامس: استقبال القبلة)، أي: أن استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤]، ومعلوم أن النبي ﷺ قد صلى في المدينة ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً إلى المسجد الأقصى، وكان بعد كل صلاة يقلب بصره في السماء سائلاً الله أن يحول القبلة إلى المسجد الحرام، فأنزل الله عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤].
ثم قال: (إلا في النافلة على الراحلة والعاجز)، فاستثنى اثنين من شروط استقبال القبلة: النافلة على الراحلة، والعاجز، كمريض مربوط، أو لا يستطيع أن يتحرك في سرير مرضه، أو أسير مربوط في اتجاه غير اتجاه القبلة، أو في صلاة الخوف؛ لأنه ليس من الحكمة أن أعطي ظهري للعدو وأصلي إلى القبلة.
стр. 131
سقوط استقبال القبلة للعاجز والمتنفل على الراحلة
قال الشارح: (إلا في النافلة على الراحلة للمسافر فإنه يصلي حيث كان وجهه، لما روى ابن عمر: أن النبي ﷺ كان يسبح -يعني: يصلي- على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومئ برأسه، وكان يوتر على بعيره ﷺ ، متفق عليه)، وعليه فيجوز للإنسان وهو في القطار أو في السيارة أو على البعير أو على الدابة أن يصلي وهو جالس، وليس شرطاً أن يستقبل القبلة، وقد دخل النبي ﷺ مكة ساجداً على راحلته ﷺ ، وفي ذلك يقول: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، وهذا في صلاة النافلة على الراحلة فحسب، وأما في الفريضة فلا بد فيها من استقبال القبلة.
ثم قال الشارح: (والعاجز عن الاستقبال لخوف أو غيره؛ لأنه فرض عجز عنه أشبه القيام؛ لأن الله قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة:٢٣٩])، أي: صلوا قياماً على أرجلكم، أو وأنتم راكبون في حال القتال، ولذا فإن عجز عن استقبالها في حال الفرض جاز له أن يصلي إلى جهة غير القبلة، كالمسافر في الطائرة سفراً طويلاً، كيومين أو ثلاثة، فله أن يصلي إلى غير اتجاه القبلة؛ لأنه عاجز عن استقبالها، وله أن يصلي قاعداً إن عجز عن القيام، ولا يجوز له أن يؤخر الصلاة -طالما أنه مسافر- حتى يخرج وقت الصلاة الأخرى، كالظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، فحد أقصى أن يؤخر الظهر إلى آخر وقت العصر، أما أن يخرج وقت الظهر ويخرج وقت العصر، أو يخرج وقت المغرب ويخرج وقت العشاء ولا صلاة، فلا يجوز ذلك مطلقاً، وإنما يصلي حسب قدرته واستطاعته، لأن الله قال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وأما إن كان في سيارة وسيقف بعد ساعة أو ساعتين، فلا بد عليه أن ينتظر حتى يحقق القيام في الصلاة، ولا يجوز له أن يصلي إيماءً ويقول: إنه مسافر، بل طالما أنه يستطيع القيام واستقبال القبلة فلا بد من ذلك، وهذا الكلام في حال العجز التام عن استقبالها، والأمر ليس بيده.
стр. 132
إصابة عين الكعبة لمن كان قريباً منها وجهتها لمن كان بعيداً عنها
قال المصنف: (فإن كان قريباً منها -أي: الكعبة- لزمته الصلاة إلى عينها)، ففرق بين ثلاثة أشياء: من هو داخل المسجد الحرام، فهذا يستقبل عين الكعبة، ومن هو داخل مكة، فهذا يستقبل المسجد الحرام، ومن في أقطار الأرض، فهذا يستقبل مكة، وعليه فنحن نصلي إلى جهة مكة، ولا يقل قائل: نحن نصلي إلى جهة المسجد الحرام أو إلى الكعبة، ولعل هذا في سورة البقرة بين وواضح، فإذا كنت تصلي داخل المسجد فيلزمك أن تتوجه إلى الكعبة، وإن كنت تصلي في مكة فيلزمك أن تتوجه إلى المسجد الحرام، وإن كنت تصلي في خارج مكة فيلزمك استقبال مكة المكرمة؛ لأن مكة يطلق عليها المسجد الحرام، والراجح من أقوال أهل العلم: أن مكة كلها حرم، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٧]، فالمسجد الحرام المقصود به هنا: هو مكة بدون شك، وليس إخراج الناس من المسجد، بل من مكة، ولذلك يقول ربنا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة:٢٨]، فالمقصود بالمسجد الحرام هو مكة بإجماع المفسرين، فلا يجوز لمشرك أن يدخل مكة، ثم قال الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة:٢٨]، أي: إن خفتم فقراً فلا تخافوا، أو خفتم أن ينقطع العون والمدد فما عند الله أكثر، أو خفتم أن تنقطع الإعانات والدعم فلا تحزنوا.
стр. 133
حكم الصلاة لمن خفيت عليه القبلة في الحضر
ثم قال رحمه الله تعالى: (وإن كان بعيداً فإلى جهتها)، لأنه لا يستطيع إصابة العين بخلاف القريب.
قال: (وإن خفيت القبلة في الحضر سأل واستدل بمحاريب المسلمين، فإن أخطأ فعليه الإعادة)، أي: إن كان لا يعرف جهة القبلة، واجتهد في تحديدها، ثم صلى وبان له خطؤه بعد ذلك، فصلاته صحيحة ولا إعادة عليه، وإن صلى دون أن يجتهد في معرفة القبلة، فيلزمه الإعادة، وإن صلى في مسجد وجاء آخر فقال له: القبلة في الجهة الأخرى، لزمه الاستدارة إلى اتجاه القبلة؛ لما ثبت أن أهل قباء استداروا في صلاة الفجر وهم يصلون بعد أن وصلهم خبر تحويل القبلة، ولم يسلموا ويخرجوا من الصلاة، وإنما استداروا في الصلاة.
وقول المصنف: (واستدل بمحاريب المسلمين)، وكلمة: (المحاريب) قد يفهمها البعض بأنها التجويف الذي في الحائط، لا، بل المحاريب مكان الصلاة، قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران:٣٩]، أي: في مكان صلاته، لا في المكان المجوف الذي يعمله المسلمون اليوم، فهو من البدع المحدثة، وقد دفع ذلك الشيخ الجزائري بقوله: طالما أنه أقيم للإرشاد إلى جهة القبلة فليس بشيء، لكن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى يرى أنه بدعة، والمهم أننا نمتثل خير الهدي، وخير الهدي هو هدي نبينا محمد ﷺ ، فهل أقام ﵇ تجويفاً في حائط؟ ما أقام ﵊، لكن أحياناً الضرورة تستدعي ذلك: كأن يكون المسجد ضيقاً، فإن دخل الإمام في هذا التجويف ترك صفاً، ففي هذه الحالة ليست للتعبد وإنما لسعة المسجد، فتختلف الأمور عند ذلك، والخلاصة: أن السنة أن لا تقام هذه التجاويف في الحوائط، وإنما المحاريب هي أماكن الصلاة.
стр. 134
حكم الصلاة لمن خفيت عليه القبلة في السفر
ثم قال رحمه الله تعالى: (وإن خفيت القبلة في السفر اجتهد وصلى ولا إعادة عليه)، وإن أخطأ؛ لأنه أتى بالمأمور فيخرج عن عهدة الأمر، ودليل أنه أتى بما أمر به: أنه اجتهد وليس عليه أكثر من الاجتهاد، وهو مأمور بالصلاة إلى الجهة التي يغلب على ظنه بعد الاجتهاد أنها جهة الكعبة، قال: (وإن اختلف مجتهدان لم يتبع أحدهما الآخر)، لأنهما تعارضا فتساقطا، ثم قال: (ويتبع الأعمى والعامي أوثقهما في نفسه) كما نقول في الأحكام.
стр. 135
شرط النية
الشرط السادس: النية، وقد اعتبرها بعض العلماء ركناً، وبعضهم اعتبرها شرطاً، وهنا اعتبرها شرطاً، وقد فرقت سابقاً بين الركن والشرط، وعليه فالنية شرط لصحة الصلاة، ولا تصح الصلاة إلا بها، قبل دخوله الصلاة، فإن نوى أن يصلي الظهر فلا يجوز له أن يصلي العصر بنية الظهر، لأن الأعمال بالنيات، والنية محلها القلب، ويعبر عنها بالإرادة، وبالابتغاء وبالباعث، يقول ربنا : ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ﴾ [الليل:١٩ - ٢٠]، والابتغاء يعني: النية، وقال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢]، فالإرادة هنا بمعنى: النية، ولأنها عبادة أشبهت الصوم، ويجب أن ينويها بعينها إن كانت معينة ظهراً أو عصراً لتتميز عن غيرها، وإن كان سنة معينة كالوتر لزمه تعيينها، وإن لم تكن معينة كالنافلة المطلقة أجزأه نية الصلاة، لأنها غير معينة، والنية تقدم على التكبير بلا شك؛ لأنها لا بد أن تسبق أول أعمال الصلاة، وهي تكبيرة الإحرام.
والله تعالى أعلم.
стр. 136
العدة شرح العمدة [١٣]
يستحب للعبد عند المشي إلى الصلاة أن تكون خطاه متقاربة، وعليه السكنية والوقار، لأنه في صلاة ما قصد الصلاة، وإذا أتى المسجد شرع له الدخول مباشرة مع الإمام إذا كان قد شرع في الصلاة، كما أن على المصلي أن يلتزم بآداب الصلاة داخل المسجد وخارجه.
стр. 137
أمور في الصلاة يجب التنبيه عليها
قبل أن ندخل في باب: آداب المشي إلى الصلاة، أحب أن أتكلم وأنبه على أمور تحدث في الصلاة، فأقول: سأصلي أمامكم على المنبر، لحديث مالك بن الحويرث عند البخاري قال: ما أردت أن أصلي، ولكن أردت أن أبين لكم كيف صلى رسول الله ﷺ ، ولذا فالتعليم بوسائل الإيضاح من أهم الوسائل لوصول ورسوخ المعلومة، لأننا في المساجد قد نجد واحداً يضع يده هكذا، والآخر هكذا، والثالث تحت السرة وهكذا، كما نجد أيضاً عند الاعتدال من الركوع يرفع البعض يديه، وفريق آخر لا يرفع، مع أن الثابت أن يرفع المسلم يديه عند الرفع من الركوع خلافاً للمالكية، لأنهم لا يعملون بخبر الآحاد إذا خالف عمل أهل المدينة، وهذا كلام في أصول المالكية.
والمهم أنني أريد أن أقول: إننا نختلف بجوار بعضنا البعض في كيفية الصلاة! رغم أن النبي ﵊ قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ونقل الصحابة لكيفية صفة صلاته ﵊ بل حتى عندما كان يقرأ في الصلاة وأصابته عطسة فقطع القراءة وركع، وتحريك الأصبع في التشهد، ووضع اليدين على الركبتين في حال الركوع، كل ذلك نقلوه عن النبي ﵊ نقلاً دقيقاً، وعليه فلا يجوز للمسلم أن يخالف في ذلك.
أيضاً: التأمين فلا زلنا نخطئ فيه ونصر على الخطأ، قال شيخنا العلامة الألباني رحمه الله تعالى: إنه لا بد حتى يحصل المأموم على الأجر أن يوافق تأمينه تأمين الإمام.
أما نحن فحالنا أننا نسبق الإمام بالتأمين، فبمجرد أن يقول: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، نقول بسرعة: آمين، والإمام لم يشرع بعد في قول آمين، بينما لو وافق تأمين المأموم للإمام غفر له ما تقدم من ذنبه.
كذلك: تجد البعض عندما يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام أو عند الركوع أو عند الرفع من الركوع يرفعهما وكأنه ينش الذباب، أو يرفعهما بكسل جداً، أو يرفعهما كالسيف! والسنة الثابتة عن النبي ﵊ أن تكون الأصابع متجهة إلى القبلة، وفي حذو المنكبين تحت شحمة الأذنين، لحديث أبي داود رحمه الله تعالى.
لكن تعال في زمننا اليوم، فتجد أن كل واحد يرفع يديه حسب هواه، وكيفما أراد، بل بعضهم قد لا يرفع أبداً، ولذلك حينما نتعلم كيفية صفة الصلاة لا بد أن ننقلها إلى العباد في كل مسجد، فنقول: إن صفة صلاة النبي ﷺ هي: أن يكبر المسلم تكبيرة الإحرام، ثم يضع اليمنى على اليسرى في أول الصدر، ثم يقول دعاء الاستفتاح وينظر إلى محل سجوده، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يركع، ثم يرفع من الركوع، ثم يسجد على سبعة أعظم، لقول النبي ﵊: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وأن لا أكف يداً ولا شعراً)، ونعمل ذلك عملياً أمام الناس، ثم يبين حركة الإصبع عند التشهد، ثم ينقل الخلاف: هل النزول إلى السجود على الركبتين أم على اليدين؟ فالشيخ أبو إسحاق يرى النزول على اليدين أولاً، وابن القيم في زاد المعاد يقول: لا بد من النزول على الركبتين، والراجح: النزول على اليدين، وسأبين سبب ذلك إن شاء الله تعالى، والمهم حركة الإصبع في التشهد، لأننا نجد البعض قد يعمل بأصابعه هكذا، فيقبضها ثم يبسطها، والسنة أن تكون الأصبع تجاه القبلة لا تتحول عنها، والبعض الآخر قد يحلق بإصبعه كذا، والذي بجانبه متضايق منه، والبعض أيضاً: عندما يقف في الصف يريد أن يضع رجله في رجل الذي بجانبه، بل وربما قد يضعها فوق رجل أخيه! والبعض كذلك: قد يفتح رجليه مائتين وثمانين درجة! فيقف في الصف مباعداً بين رجليه، وكذلك بعض الناس قد يقف في الصلاة مكتوفاً هكذا، وهو يظن أنه على حق، وسأنقل لكم الكيفية بالنصوص، والجمع بين الأدلة كما وردت عن النبي ﷺ ، وأموراً أخرى عجيبة في الصلاة نراها ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 138
آداب المشي إلى الصلاة
وسنشرع في باب: (آداب المشي إلى الصلاة) فنقول: قال المصنف رحمه الله تعالى: [يستحب المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار، ويقارب بين خطاه، ولا يشبك أصابعه، ويقول: باسم الله: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨] الآيات إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩]، ويقول: (اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا رياءً ولا سمعةً، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)، فإذا سمع الإقامة لم يسع إليها؛ لقول رسول الله ﷺ : (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا).
وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، وإذا أتى المسجد قدم رجله اليمنى في الدخول، وقال: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قدم رجله اليسرى وقال ذلك، إلا أنه يقول: وافتح لي أبواب فضلك].
стр. 139
المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار
يستحب المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار، لأن العبد إذا خرج من بيته فهو في صلاة، فإذا أتى والإمام ساجد، فلا ينتظر حتى يقوم، فإن ذلك فيه مخالفة للنص: (فما أدركتم فصلوا)، وكذلك إذا أتاه وهو قائم أو راكع، لكن البعض قد يجد الإمام ساجداً فيقول: قد فاتت الركعة، ولا يدخل مع الإمام، فنقول له: هب أن ملك الموت أتاك وأنت خارج الصلاة، ولم تدخل بعد، فكان الأفضل لك أن يأتيك وأنت داخل الصلاة، وكذلك النص فيه: أن المأموم يدخل مع الإمام على أي هيئة كان.
وتعال إلى بعض المساجد، فتجد أن المأموم يدرك الإمام وهو راكع، فيريد المأموم أن يدرك الركعة، فيقول بصوت حتى يسمعه الإمام: إن الله مع الصابرين! فهذا العمل لا يجوز، لأن العبد مأمور بأن ما أدركه من الصلاة صلى، وما فاته أتم.
стр. 140
مقاربة الخطا عند المشي إلى الصلاة
قول المصنف: (ويقارب بين خطاه)، أي: يكثر من خطواته عند ذهابه إلى المسجد، لأن تلك الخطوات مكتوبة له في صحائف عمله، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢]، فخطوة ترفعك درجة، وخطوة تحط عنك خطيئة، وهذا ما فعله الرسول ﷺ كما في مسند ابن حميد رحمه الله تعالى، وكذلك فعله أنس وهو يسير مع تلميذه ثابت البناني، قال ثابت: كنت أسير مع أنس بن مالك فضيق الخطا، فقلت: يا أنس ما هذا الذي تصنعه؟ فقال: أما تعلم يا ثابت أن خطواتنا إلى بيت الله تكتب في صحائف أعمالنا؟ وقال النبي ﷺ : (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً كلما غدا أو راح)، وقال ﵊: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط).
стр. 141
النهي عن تشبيك الأصابع في الصلاة
وقوله: (ولا يشبك أصابعه)، أي: في الصلاة، وعند الإتيان إليها، والبخاري رحمه الله تعالى قد أورد حديثاً في صحيحه، فيه: (أن النبي ﷺ صلى ركعتين ناسياً، ثم قام إلى مؤخرة المسجد وشبك بين أصابعه)، فقام رجل يقال له ذو اليدين: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال ﵊: ما قصرت الصلاة ولا نسيت، ثم قال: أحقاً ما قال ذو اليدين؟، - وفي القوم أبو بكر وعمر - فقالوا: نعم يا رسول الله، ثم صلى بهم ركعتين وسجد للسهو بعد التسليمتين، فكيف نجمع بين النهي عن التشبيك بين الأصابع في الصلاة وبين هذا الحديث الذي ورد فيه: (وشبك بين أصابعه)؟ قال ابن حجر في الفتح: إن فعل النبي ﷺ كان بعد انصرافه من الصلاة، أما والمسلم في صلاة أو هو آتٍ من بيته إلى المسجد فلا يجوز ذلك، ولذلك بوب البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الصلاة باب: (تشبيك الأصابع في المسجد)، ليجمع بين النصوص التي تنهى عن التشبيك، والنصوص التي تبين أن النبي ﷺ قد فعله.
стр. 142
صلاة ركعتين عند دخول المسجد
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويقول: "اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك ")، هذا الدعاء ليس عليه دليل، وإنما الصواب أن يقول دعاء الخروج من البيت: (اللهم اجعل في سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، ومن خلفي نوراً، ومن فوقي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً، واجعل لي نوراً)، وهذا هو الثابت في دعاء الخروج، فإذا وصل إلى المسجد دخل برجله اليمنى - وكم أحزن عندما أجد مسلماً يدخل المسجد برجله اليسرى - وقال: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج خرج برجله اليسرى وقال: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنبي وافتح لي أبواب فضلك.
ويستحب له أن يصلي ركعتين تحية المسجد، وإن كان دخوله في وقت سنة صلى السنة وأجزأته عن التحية، وإن كان دخوله والناس يصلون فرضاً صلى معهم وأجزأته عن تحية المسجد، وعليه: فالمهم أن يكون أول فعل يفعله عند دخوله المسجد أن يصلي.
وكذلك يوم الجمعة إذا جاء والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين، لقول النبي ﷺ : (من جاء والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين)، ومن باب أولى من جاء إلى حلق العلم، فلا يجوز له أن يجلس حتى يصلي ركعتين.
стр. 143
الانتظار للصلاة صلاة
ثم ينتظر في مصلاه حتى يأمر الإمام المؤذن بالإقامة، وهذه هي السنة عن نبينا ﷺ ، لا كما يفعله بعض الناس في المساجد، فتجد أحدهم يأمر المؤذن بالإقامة أو ربما قد يحدث فوضى في المسجد، ونسي أن هناك آداباً للمسجد لابد أن تراعى، بل الأعجب من ذلك أن تجد بعض المصلين يصلون لحالهم ثم ينصرفون قبل الجماعة الكبرى، وهذين مثالين يبينان جهل الناس بهذا الأمر: الأول: لو أن بعض الناس دخلوا مسرحاً، وأخبروا بأن الستار سيرفع في الثامنة، فقال أحدهم: بل في الثامنة إلا خمس! لقالوا له: ما شأنك أنت؟! ولا يمكن أن يؤمر برفع الستار إلا في الوقت المحدد، والمخرج الفني هو الذي يأمر بذلك، والجمهور كأن على رؤوسهم الطير.
الثاني: أن الحكم هو الذي يأمر ببداية المباراة ونهايتها، فهو الذي يملك تحديد الوقت، الوقت الضائع والوقت بعد الضائع، وهو الذي ينظر ويعطي الأمر بالإشارة، ولا يقوم بذلك أحد غيره.
стр. 144
إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة نافلة
قوله: (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، أي: إذا أقيم للصلاة فلا يجوز التنفل، خلافاً للأحناف؛ لأن أفضل وقت عندهم للصلاة هو آخره وليس أوله، وهذا تجده كثيراً في الحرم المكي، فتجد الشيخ يصلي الفجر وبعضهم يصلي السنة، والحديث حجة عليه: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، وهذا ليس فيه جدال، لكن لو أقيمت الصلاة والمسلم يصلي النافلة، فما الحكم؟
الجواب
أنه بالخيار، فإن استطاع أن يتم قبل أن يدخل الإمام في تكبيرة الإحرام ودعاء الاستفتاح فليتم، لأن الإقامة وتكبيرة الإحرام تحتاج إلى وقت، لكن لو أنه في الركعة الأولى وأقيمت الصلاة، ففي هذه الحالة يخرج من الصلاة دون تسليم، وهذا اختيار فقهائنا، والله تعالى أعلم.
وأما صلاة النافلة بعد الفجر فتجوز، أي: صلاة سنة الفجر إن فاتت.
стр. 145
العدة شرح العمدة [١٤]
علم النبي ﷺ أصحابه كل دقائق الصلاة، وهم نقلوا لمن بعدهم كل أفعاله في اختلاف أحواله ﵊، فلابد للمسلم من الحرص على تتبع هديه ومعرفة كيف صلى؛ حتى يصلي صلاة صحيحة موافقة لصلاة نبيه ﷺ .
следующие страницы →