← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 37427

التعليق على العدة شرح العمدة - أسامة سليمان

أسامة سليمان

Полный текст (1 195 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

استحباب الإكثار من التلبية قال: [ويستحب الإكثار منها على كل حال؛ لما روى ابن ماجه عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مسلم يضحي لله ويلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت بذنوبه فعاد كيوم ولدته أمه)، ويستحب رفع الصوت بها؛ لما سبق، ولا يستحب ذلك للنساء؛ لأنهن عورة، فالإخفاء في حقهن أستر لهن]. المرأة تلبي فلا تسمع إلا نفسها. وصوت المرأة ليس بعورة، لكن إن ارتفع الصوت عن الحد المطلوب فيعتبر فتنة، إنما قولنا: صوت المرأة عورة هذا الكلام غير صحيح من وجوه كثيرة شرعية، فإن الله قال في سورة البقرة: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢]. فإذا كنت مديناً لك وكتبنا الدين واستشهدنا رجلاً وامرأتين على الورقة، فجحدت الدين وأنكرته، فرفع الأمر إلى القاضي، والقاضي طلب الشهود الرجل والمرأتين وسألهم: هل أقرض هذا الرجل هذا الرجل بهذه الورقة؟ فهل تجيب المرأة أم تتنحنح لأن صوتها عورة؟ هذا لا يمكن أبداً، فالقرآن أباح لها أن تشهد، إذاً: هنا نقول: صوتها ليس بعورة. ولننظر في حديث البخاري: (هل على المرأة غسل إذا هي احتلمت يا رسول الله؟! قال: نعم، إذا رأت الماء) وقالت النساء: (يا رسول الله! اجعل لنا يوماً كما للرجال أياماً). إذاً: تحدثن، وقد ثبت هذا من طرق عدة لكن المنهي عنه هو الخضوع بالقول، قال : ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]، إذاً: المنهي عنه هو الخضوع، وإنما المطلوب أن يكون صوتها على طبيعته، وبعض الإخوة يأمر زوجته -وهذا غير شرعي- أنها تخشن الصوت، وإذا تكلمت لا تعرف هل هي رجل أم امرأة، وهذا غير صحيح، بل اتركها على طبيعتها فلا تلين ولا تغلظ، فالمنهي عنه للمرأة الخضوع بالقول وليس النهي عن القول. فصوت المرأة ليس عورة إلا إذا كان في معصية الله، أما إذا كان في الطاعة فنأمرها أن تخفض الصوت، فما بالك بالمعصية بأن تقف وتغني وتهيج الدنيا؟! نسأل الله العافية. قال المصنف: [وهي آكد -يعني: التلبية- إذا علا نشزاً]. النشز: العلو والترفع، ومنه النشوز، قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] النشوز هنا: العلو والترفع على الرجل، ومنه نشزت الأرض، أي: ارتفعت، وأرض ناشزة، يعني: مرتفعة. فنشوز المرأة: ترفعها على الزوج، فلا تسمع له كلاماً، ولا تطيع له أمراً. فتتأكد التلبية إذا علا مكاناً مرتفعاً. قال المصنف: [أو هبط وادياً أو سمع ملبياً أو فعل محظوراً ناسياً أو لقي ركباً وفي أدبار الصلوات المكتوبة وبالأسحار]. هذه أوقات يستحب فيها أن يكثر من التلبية؛ لحديث جابر، وحديث جابر بن عبد الله في مسلم هو العمدة في حجة الوداع؛ لأنه روى الحج كما رآه في صفحتين أو ثلاث في صحيح مسلم، فحديث جابر هو مرجعنا في حجة النبي ﵊، وفيه: (كان رسول الله ﷺ يلبي في حجته إذا لقي ركباً أو علا أكمة أو هبط وادياً وفي أدبار المكتوبة ومن آخر الليل). قال إبراهيم النخعي: كانوا يستحبون التلبية دبر الصلاة المكتوبة وإذا هبط وادياً، وإذا على نشزاً، وإذا لقي ركباً، وإذا استوت به راحلته.

стр. 667

العدة شرح العمدة [٤٣] إذا أحرم المحرم لحج أو عمرة فإنه يلزمه عند ذلك ترك أمور تسمى محظورات الإحرام، كحلق الشعر وقص الأظفار ولبس المخيط ومس الطيب وإتيان النساء ونحوها، ومن هذه المحظورات ما لا يلزمه فدية ومنها ما يلزمه فدية، ومنها ما يلزمه فدية مغلظة.

стр. 668

باب محظورات الإحرام قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب محظورات الإحرام: وهي تسعة]. المحظور بمعنى: الممنوع، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء:٢٠] يعني: ممنوعاً. فيحظر على المحرم تسعة أشياء، والنساء تشترك مع الرجال في بعض هذه المحظورات وينفرد الرجال ببعضها. قال: [الأول والثاني: حلق الشعر وقلم الظفر. الثالث: لبس المخيط. الرابع: تغطية الرأس، والأذنان منه. الخامس: الطيب في بدنه وثيابه. السادس: قتل الصيد. السابع: عقد النكاح حرام، ولا فدية فيه. الثامن: المباشرة لشهوة فيما دون الفرج. التاسع: الوطء في الفرج]. وأذكرها بالتفصيل: المحظور الأول: حلق الرأس، يحظر على المحرم أن يحلق رأسه، أو أن يأخذ من شعره، وهذا في حق المرأة والرجل. المحظور الثاني: قلم الظفر، يعني: تقليم الأظافر. قال المصنف: [ففي ثلاثة منها دم]. والمذهب هنا مرجوح ضعيف؛ لأنه فرق بين الثلاث شعرات وما زاد عن ثلاث، لكنني سأقرأ ثم أبين الراجح إن شاء الله تعالى.

стр. 669

فدية ارتكاب محظور من محظورات الإحرام قال المصنف: [ففي ثلاثة منها دم، وفي كل واحد مما دونها مد طعام وهو ربع الصاع]. بمعنى: لو أن رجلاً أخذ من رأسه وهو محرم ثلاث شعرات فأكثر فعليه دم، فإن أخذ شعرتين ففي كل شعرة مد، والمد ربع صاع، فكأنه قال: الشعرة الأولى عليها مد والشعرة الثانية مد والشعرة الثالثة مد، فإذا زاد عن هذا الحد يلزمه دم، ولكن هذا الكلام فيه تكلف، والشيخ ابن عثيمين يرى أن المحظور هو حلق كل الرأس، أما شعرة وشعرتان وثلاث فما سمعنا بهذا. فمثلاً: رجل محرم حك رأسه فنزلت أربع أو خمس شعرات مرة واحدة، فهل نقول له: عليك دم؟ هذا كلام ما ينبغي، فالمحظور على المحرم أن يحلق كل الرأس؛ لأن الله قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة:١٩٦]. والمذهب أيضاً قاس على شعر الرأس كل الشعور، فإن أخذ من شعر صدره أو قدمه أو أي مكان من جسده ثلاثاً أو أربعاً أوجبوا عليه الدم. فأقول: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ شعره إلا من عذر، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦]. وروى البخاري ومسلم عن كعب بن عجرة أنه قال له النبي ﷺ : (لعلك تؤذيك هوام رأسك؟) الحديث. فـ كعب بن عجرة كان فيه مرض جلدي في رأسه، فقال له النبي ﵊: (احلق رأسك يا كعب!)، يعني: أذن له أن يحلق وهو محرم، لكنه أمره بفدية، وفدية حلق الرأس للمحرم هي: (صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو اذبح شاة). إذاً: (أو) على التخيير وليس على الترتيب، فإذا جاءك رجل وقال: أنا عندي ألم في رأسي وأريد أن أحلق، فقل له: احلق لكن يلزمك فدية، والفدية هي صيام ثلاثة أيام، لكن هل يشترط أن يصوم هذه الثلاثة الأيام في الحج؟ أو يشترط أن يصوم جزءاً منها في الحرم وجزءاً إذا عاد؟ الجواب يصومها متى شاء وأينما شاء، هذا طالما أنها فدية فعل محظور، وأما فدية ترك الواجب فكما قال تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦]. قال: (صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو اذبح شاة) كلمة: (أو) للتخيير، فأنت مخير، وسنأتي إلى الفدية في باب مستقل ونشرحها بالتفصيل إن شاء الله تعالى. قال: [وهذا يدل على أن الحلق قبل ذلك محرم، وشعر الرأس والجسد في ذلك سواء]. قولهم في المذهب: (وشعر الرأس والجسد في ذلك سواء) فيه تكلف؛ لأنهم ساووا بين شعر الرأس وشعر الصدر وشعر اليد وشعر القدم. فإذا أخذ رجل من قدمه شعرات يلزمونه بدم، وهذا كلام لا ينبغي، ولا نقبله؛ لأنه ليس عليه دليل، فنقول: حلق شعر الرأس فقط يلزمه الفدية. وأجمعوا على أن المحرم ممنوع من تقليم أظفاره إلا من عذر؛ لأن قطع الأظفار إزالة جزء أحرم به، فحرم كإزالة الشعر، إلا أن ينكسر فله إزالته من غير فدية، وقد قالوا عن الأظافر ما قالوا عن الشعر، يعني: الظفر الواحد فديته مد، الظفران مدان، الثلاثة ثلاثة أمداد، والأربعة دم، وهكذا إذا زاد عن ثلاثة فعليه دم. قال الشارح: [قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن للمحرم أن يزيل ظفره بنفسه إذا انكسر؛ لأنه يؤذيه ويؤلمه أشبه الشعر يطلع في عينه، والصائل يصول عليه. والقدر الذي يجب فيه الدم: أن يحلق ثلاث شعرات فصاعداً. قال القاضي: هذا المذهب؛ لأنه شعر آدمي يقع عليه اسم الجمع المطلق، فجاز أن يتعلق به الدم كالربع. وعنه: أن القدر الذي يجب به الدم أربع شعرات، وهو اختيار الخرقي؛ لأنها كثير فوجب بها الدم كالربع فصاعداً]. هذا الكلام في الحقيقة أيضاً كما ذكرنا مرجوح، والراجح أن الفدية واجبة بحلق الشعر، وهي على التخيير. قال الشارح: [وفي كل واحدة فما دونها مد من طعام يكون ضماناً لها، يعني: ما دون الثلاث؛ لأن ما ضمنت جملته ضمنت أبعاضه كالصيد، وعنه: في كل شعرة قبضة من طعام، روي ذلك عن عطاء، وعنه في الشعرة درهم، وفي الشعرتين درهمان، والأول أولى، لما سبق، والأظفار كالشعر ومقيسة عليها]. والحقيقة: هنا تفصيله في هذا الكلام ليس عليه دليل، فإذا انكسر ظفر من الحاج أو المعتمر فأزاله فلا شيء عليه. وهكذا إن أخذ من أظفاره شيئاً ناسياً فلا شيء عليه؛ لأن الرجل الذي تطيب وهو محرم أمره النبي ﵊ أن يضع الطيب عن نفسه، وما أمره بفدية؛ لأنه جاهل، فقد يرتكب المحظور جاهلاً وقد يرتكب المحظور ناسياً، وهناك محظورات يعفى عنها إن نسي ومحظورات لا يعفى عنها سنتحدث عنها إن شاء الله تعالى. وإن خرج في عينه شعر فقلعه أو نزل شعره فغطى عينيه أو انكسر ظفر فقصه فلا شيء عليه. فالمحظور أن يأخذ متعمداً، أما لو نسي رجل فأخذ من ظفره ناسي

стр. 670

حكم لبس المحرم للمخيط قال المصنف رحمه الله تعالى: [الثالث: لبس المخيط]. يحظر على المحرم أن يلبس المخيط، وهذا للرجل فقط، أما المرأة فتحرم في ملابسها، فهذا المحظور يخص الرجل. والمخيط عندنا هو ما يفصل على الجسد؛ لأن البعض يظن أن المخيط ما كان به خيط، وهذا جهل مركب، فإن في كل الثياب خيط، حتى في الإزار الذي يلبس، وفي الحزام الذي يربط، وفي الخف الذي يلبس، فهذا ليس معناه أن يخلعوا الساعات لأن حزامها جلد فيه خيط. فهي من المخيط؛ ففهموا أن المخيط هو كل ما فيه خيط، وليس كذلك فإن المخيط هو ما يفصل على الجسد. ثم قال: [إلا ألا يجد إزاراً فيلبس السراويل] والإزار للمكان الأسفل، والرداء للمكان الأعلى، فإذا لم تجد إزاراً فالبس السروال الذي ليس مخيطاً، وليس السروال المفصل على الجسد مثل (البيجامة) ونحوها. فالمحرم إن لم يجد الإزار يلبس السروال وإن لم يجد نعلين فيلبس خفين، لكن شريطة أن يجعل الخفين تحت الكعبين، والكعب: هو النتوء الذي يبرز من اليمين واليسار في القدم، يلبس بحيث يكون حائط الخف أسفل الكعب ولا يعلو ذلك. قال الشارح: [أو لا يجد نعلين فيلبس خفين ولا فدية عليه، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من لبس القميص والسراويل والخفاف والبرانس]. ننتبه من إجماعات ابن المنذر، قال علماؤنا: لا تعتد بإجماع ابن المنذر ولا تصحيح الحاكم ولا وضع ابن الجوزي، فـ ابن الجوزي متساهل ممكن يقول على حديث في مسلم: موضوع، فلا تعتد به. والحاكم يصحح بسهولة، وابن المنذر يتساهل في نقل الإجماع، فأحياناً يقول: أجمعوا ولا إجماع، فإجماعات ابن المنذر في كتابه تحتاج إلى استئناس من ناقل آخر، يعني: لا تقل: المسألة فيها إجماع ودليلي أن ابن المنذر نقل الإجماع؛ لأن ابن المنذر يحتاج إلى من يكون بجنبه يؤيد نقله. وكذلك أيضاً هنا ابن قدامة قال: وأجمع العلماء، وهذه المسألة ليس فيها إجماع، وكلمة إجماع قد تطلق ويراد بها إجماع أهل المذهب أو إجماع أهل المصر أو إجماع علماء معينين وهكذا. قال الشارح: [قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من لبس القمص والسراويل والخفاف والبرانس. والأصل في هذا ما روى ابن عمر أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : (ما يلبس المحرم من الثياب؟)]. والحديث هذا متفق عليه. فهذا الرجل يسأل النبي ﷺ عما يلبس المحرم من ثياب، والأصل أن يلبس كل شيء، والمحظور لبس أشياء معينة، فعدد له ما لا يلبس وهذه إجابة حكيم ﷺ ، فالسؤال عما يلبس، فأجابه بما لا يلبس والباقي يلبسه، فقال: (لا تلبس القمص)، والقميص للرجل والجلباب للمرأة، قال تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]. قال: (لا تلبسوا القمص ولا العمائم)، فغطاء الرأس لا يجوز، وبعض المحرمين إذا ما نام وهو محرم يلتف بالبطانية ويدخل رأسه تحتها، وهذا لا يجوز؛ لأنه غطى الرأس. والبعض أيضاً يضع على أنفه الكمامة ثم يرفعها إلى أعلى رأسه ويضعها مثل الطاقية على رأسه ويمشي، وهذا أيضاً غطى جزء من الرأس لا يجوز. وفي مرة من المرات في مطار جدة كانوا يعطون حقن تطعيم للحاج الذي لم يطعم، فرأيت رجلاً يأتي بكالونيا ويمسح مكان الحقنة للمحرم، وهذا طيب، فانظروا إلى المحظورات التي ترتكب. ومحرم آخر أتى بصابونة (لوكس) ودخل يغتسل بها، وهذا طيب لا يجوز، وهكذا معجون أسنان برائحة هذا لا يجوز إلى غير ذلك من المحظورات التي تقع بغير عمد أو بغير دراية. قال: (لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس)، البرانس هي غطاء الرأس، فإن لم يجد قميصاً فيلبس سروالاً، والسراويلات المفصلة على الجسد لا تجوز، والسروال الفضفاض الواسع يلبسه في حالة عدم وجود الإزار أو الرداء. قال: (ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فيلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس)، يعني: الطيب، متفق عليه. يعني: لا تلبس من الثياب شيئاً مسه الزعفران، ولذلك ذكرنا قبل ذلك: أن المحرم حينما يحرم يطيب المغابن والمفارق ولا يطيب الإحرام، فيضع عليه طيباً كما يفعل البعض. قال الشارح: [وروى ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب بعرفات: (من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سروايل المحرم) متفق عليه، وهو ظاهر في إسقاط الفدية؛ لأنه لم يذكرها]. إذاً: محظورات الإحرام تسعة. ذكرنا منها ثلاثة، ويبقى ستة، ذكرنا منها حلق الرأس ثم تقليم الأظافر ثم لبس المخيط. وإن شاء الله نكمل بعد

стр. 671

الأسئلة

стр. 672

حكم إجابة النساء على أسئلة المسابقة مع سماع الرجال السؤال في أحد المساجد كانت هناك مسابقة دينية وكانت النساء ترد على الأسئلة ويسمعها الحضور، فهل هذا يجوز أم لا؟ لأني منعت من هذا الفعل فهاجمني الحضور، فهل أخطأت أم لا؟ وما هو الحكم الصحيح؟ الجواب المرأة يجوز لها أن تجيب لكن دون أن تخضع بالقول، لكن لا ينبغي للحضور أن يهاجموك، وهذا مهم جداً أيها الإخوة الكرام. نحن بحت أصواتنا في عدم التكفير وفي عدم الخروج على ولي الأمر وفي عدم إحداث تفجيرات وقتل النفوس البريئة حتى وإن كانت كافرة، والكلام هذا نقوله منذ عشرين أو خمس وعشرين سنة. والآن أرباب الجماعات الإسلامية ألفوا خمسة كتب توزع وتباع يعودون فيها إلى ما ذكرنا بعد أن بحت الأصوات، فلا داعي لأن نختلف. وأما هل للمرأة أن ترد إذا سئلت؟ فالنساء الصحابيات فعلن ذلك، لو أني سألت الأخوات الحاضرات وقلت للأخت أم عبد الله أو الأخت أم محمد: هل فعلت كذا؟ فقالت: نعم، فعلت يا شيخ. فيجوز ذلك وليس فيه مخالفة.

стр. 673

حكم تنظيم الحمل السؤال رجل يحب الأولاد، اختلف هذا الرجل مع زوجته بعد المولود الأول حول الفترة المناسبة للمولود الأول والمولود الثاني، فهل يجعل الفترة سنة؟ الجواب يجوز للمرأة أن تأخذ فترة راحة بين المولود الأول والثاني مدة الرضاعة على الأقل، قال : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣] وكونها تحمل وهي ترضع هذا يضعف المولود الجديد، وأما كونه يحب الأولاد فهل يريد في كل تسعة أشهر أن تأتي له بواحد؟ ما هذا الكلام؟ نسأل الله العافية، فلابد أن ترضع المدة الشرعية. قال العلماء: إن حملت المرأة وهي ترضع فإنه يؤثر ذلك على الجنين؛ لأنه لا يتغذى، فلا ترضع وهي حامل، فيجوز في الحولين أن تستريح المرأة في مدة الرضاعة.

стр. 674

حكم سفر المرأة مع نساء من غير محرم السؤال هل يجوز للمرأة أن تسافر للحج مع أخوات صالحات؟ الجواب لا يجوز للمرأة أن تسافر مع غير محرم.

стр. 675

تقييم كتاب: تنبيه الغافلين لأبي الليث السمرقندي السؤال ما قولكم في كتاب السمرقندي؟ الجواب وجدنا عليه ملاحظات، وفيه أحاديث موضوعة وضعيفة كثيرة؟

стр. 676

الرد على من يتهمون علماء أهل السنة المعاصرين بأنهم على عقيدة اليهود السؤال هناك على النت مجموعة من الصوفية يرسلون صورة الشيخ الألباني وابن باز وابن عثيمين ويقولون للناس: احذروا شياطين نجد الثلاثة، فهؤلاء الوهابيون على عقيدة اليهود؟ الجواب الحقيقة دفع إلي أخ نيجيري كتاباً في الأسبوع الماضي أعد له رداً وهو العلاقة بين اليهودية والوهابية. يقولون: إن الشيخ ابن باز وابن عثيمين والألباني والدارمي وحافظ حكمي وبعض علماء السلف كلهم على عقيدة اليهود؛ لأنهم يشبهون الله بالمخلوق، والذي ألف الكتاب أبى أن يكتب الاسم وكتب على الكتاب: إعداد فريق باحثين. فلماذا لا تكتب الاسم؟ وهؤلاء الذين يقولون عن علماء أهل السنة: احذروا هؤلاء العلماء، هؤلاء يا أخي الفاضل لا وزن لهم عند الناس، هؤلاء يا أخي الفاضل! لا يعرفون شيئاً، لا يعرفون كيف يخرجون حديثاً، ولا يعرفون الفرق بين حلقة الذكر والرقص. ولهم في ذلك عجائب، منها أن امرأة قال لها أحدهم: أنا عينتك وصيفة لسيدنا الخضر، يعني: معاونة لسيدنا الخضر! فهؤلاء يا أخي في الله واهمون، وهؤلاء لا يعرفون أركان الصلاة ولا واجبات الصلاة، ويقولون: نحن أرباب العلم اللدني، العلم الباطن علم الإلهامات! قابلني أحدهم في الفجر يوماً فقال: لا زال اللبن في فمي، الرسول سقاني لبناً في المنام! وذهبت إلى بيته وقد علق صوراً للأقطاب والأوتاد والمشايخ، وكل واحد في وضع غريب، فيا أخي استحي أن تعلق الصور هذه. وهكذا تجد هؤلاء أصحاب مخدرات وحشيش ونحو ذلك، وتجد المرأة منهم في احتفال المولد بجانب الرجل، بل وتسافر معه، فما هذه المصيبة؟ وأين المحرم؟ يخرجون مختلطين ويظنون أنهم من أولياء الله الصالحين وهكذا، فأفهمونا أن الدين دروشة. فالدين علم بالدليل، والذي يقدح في هؤلاء العلماء يقدح في أبي بكر وعمر؛ لأن هؤلاء لم يأتوا بجديد، إنما أتوا بما أتى به الصحابة والتابعون، فلذلك اجعل المرجعية إلى سلفك، يعني: إن كان للشيخ ابن باز رأياً فله في السلف نظير في قوله، فيا عبد الله هل أتى الرجل بجديد في الدين لم يقله أحد من السلف؟ أم أنه على عقيدة الإمام مالك وعقيدة الإمام أحمد وعقيدة أبي حنيفة. لذلك هذا المجرم مؤلف الكتاب لما جاء إلى كتاب السنة لـ ابن حنبل والكتاب فيه إثبات صفات الله، وعدم تأويلها وإثباتها بلا كيف، وهذه عقيدة ابن حنبل في كتابه السنة، قال: وفي الكتاب المنسوب زوراً إلى ابن حنبل! فيريد أن يبطل هذا الكتاب، وإذا نفى هذا عن ابن حنبل ماذا يقول في عقيدة مالك ﵁ وعقيدة أبي حنيفة وعقيدة الشافعي؟ فدائماً هم يسبون سلفهم دون أن يشعروا، وهذا حقد دفين. وهؤلاء للأسف الشديد هم الذين يرتقون المناصب وتفتح لهم الأبواب ويتحدثون إلى العوام، وتجد منهم من يأتي في إحدى القنوات التلفزيونية ويقول: البارحة جاءني سيدي في النوم وخبطني خبطة طيرني على الأرض، ويقول: ما كنت أستطيع الإنجاب فجاءني الرسول ﷺ فجعل يدلك في ظهري وفي الآخر خبطني، والصبح وجدت امرأتي حاملاً. وآخر يقول: يا شيخ! وأنت ذاهب إلى العمرة لا تنس أن تسلم على سيدي، يعني النبي ﷺ ، وهو سيد الجميع ﵊ رغم أنوفنا، فقلت: سمعاً وطاعة يا دكتور، فبعد أن أتيت قال لي: سلامك وصل، فقلت: كيف؟ قال: جاءني في المنام وأخبرني! فهؤلاء يعتمدون على المنامات والخزعبلات، حتى أنهم يعتقدون أن النبي ﷺ يخرج من قبره فيصافحهم، ويذهب إلى عرفة ويأتي إلى ميدان الحسين في القاهرة، هذا ما كتبه أحدهم، وهم إلى الآن يعتقدون هذا، قال قائلهم: رأيت المصطفى كالبدر يأتي يزور حسينه حيناً وحيناً يخرج من القبر يزورهم ويعود مرة أخرى إلى المدينة، ولذلك هم يعتقدون أنهم يقابلون النبي في الحياة، يعني يجتمعون به ﷺ ويجتمعون مع الأقطاب والأوتاد ونحو ذلك!

стр. 677

الرد على من يطعن في صحة حديث: ولوغ الكلب في الإناء السؤال استمعت إلى برنامج ديني في التلفزيون لشيخ ذكر حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب)، ذكر الشيخ هذا الحديث وقال: الكلام هذا كلام فاضي؟ الجواب هؤلاء يا أخي الفاضل معتزلة، يعرضون النص على عقولهم فما قبلت قبلوه وما لا فلا. وهذا الرجل علماني صرف يقدح في البخاري منذ زمن، فلا داعي أبداً أن تقف عند هؤلاء، وهذا الرجل يقدح في أحاديث في البخاري، وهو إما أن يكذب النبي ﷺ وإما أن يكذب البخاري. وفي هذا الحديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً) في رواية: (أولاهن بالتراب) وفي رواية (إحداهن بالتراب)، وفي رواية (آخرهن بالتراب)، والراجح: (أولاهن)، كما حقق ذلك ابن حجر. وأثبت العلم أن الكلب يفرز في لعابه أشياء لا تموت إلا بالتراب، وسواء أثبت العلم أولم يثبت العلم نحن نصدق قول نبينا، ولا نعتبر بقول هؤلاء العلمانيين، فهؤلاء يا عبد الله لا قيمة لأقوالهم، وصدق القائل: لو كل كلب عوى ألقمته حجراً لأصبح الصخر مثقالاً بدينار فهؤلاء واهمون وهؤلاء موتى القلوب، نسأل الله لهم الهداية.

стр. 678

العدة شرح العمدة [٤٤] الحاج أو المعتمر إذا دخل في النسك يحرم عليه إتيان أي محظور من محظورات الإحرام، وهي تتفاوت فيما بينها من حيث لزوم الفدية من عدمها، ومن حيث إفساد الحج والعمرة أو إبطالهما من عدمه، وهذه المحظورات يشترك فيها الرجل والمرأة إلا ما جاء الدليل باستثنائه كلبس المخيط للمرأة.

стр. 679

تابع محظورات الإحرام الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: طبتم وطاب ممشاكم، وأسأل الله أن يجزيكم خيراً على سعيكم لطلب العلم، ولا زلنا مع كتاب الحج والعمرة، باب: محظورات الإحرام، ومع المحظور الرابع.

стр. 680

تغطية الرأس قال المؤلف رحمه الله تعالى: [تغطية الرأس والأذنان منه]. أي: أنه يحظر على المحرم أن يغطي رأسه، والأذنان من الرأس؛ لذا كان النبي ﷺ إذا أراد أن يمسح رأسه في الوضوء مسحها مقبلاً ومدبراً، ثم مسح بفضل ماء رأسه أذنه، ولذلك تأخذ الأذنان حكم الرأس. ما الدليل على أن تغطية الرأس تحظر على المحرم؟ عمدتنا في هذا حديث الرجل الذي وقصته دابته وهو محرم -وقصته يعني: ضربته في بطنه بعد أن وقع من عليها- فمات، فقال النبي ﷺ في حقه -والحديث في البخاري -: (لا تخمروا رأسه)؛ لأنه محرم، لأنه لما كان حياً فإنه لا يخمر رأسه فيترك كذلك على حاله وهو ميت، ويفهم منه: أن غير المحرم يغطى رأسه. لذلك قال: [قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من تخمير رأسه، والأصل فيه نهي النبي ﷺ عن لبس العمائم والبرانس، وقوله في المحرم الذي وقصته راحلته: (لا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) -الحديث أخرجه البخاري - علل منع تغطية رأسه ببقائه على إحرامه، فعلم أن المحرم ممنوع من ذلك، وكان ابن عمر يقول: (إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها)]. لماذا خص الرأس في الرجل والوجه في المرأة؟ لأن الأصل في الرجل أن يغطي الرأس، والأصل في المرأة أن تغطي الوجه، فكونه يكشف الرأس خرج عن مألوفه، وكونها تكشف وجهها خرجت عن مألوفها، ولكن حينما تخالط الرجال ينبغي لها أن تسدل الخمار على وجهها حتى لا تؤخذ هذه ذريعة في كشف الوجوه، وهذه حجة واضحة على أنهم كانوا يعلمون أن وجه المرأة لا يجوز أن يظهر. يقول: [وأنه ﵇ نهى أن يشد المحرم رأسه بالسير، وفائدة قوله: (والأذنان من الرأس) أي: يحرم تغطيتهما، وقد قال ﵇: (الأذنان من الرأس)]. والحديث في السلسلة الصحيحة.

стр. 681

الطيب في البدن والثوب قال: [المحظور الخامس: الطيب في بدنه وثيابه]. يحظر على المحرم أن يتطيب في بدنه وثيابه. [أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من الطيب، وقد قال النبي ﷺ في المحرم الذي وقصته راحلته: (لا تحنطوه)]. ومعنى (لا تحنطوه) أي: لا تطيبوه، فهنا نقول: قوله: (لا تحنطوه)، يشير إلى عدم جواز تطييبه وهو ميت، فمن باب أولى وهو حي. [وفي لفظ مسلم: (لا تمسوه بطيب)، فلما منع الميت الطيب لإحرامه كان الحي أولى بذلك، وعليه الفدية لذلك، ومعنى الطيب: كل ما يعد للشم كالمسك والكافور والعنبر والغالية والزعفران وما أشبه ذلك مما تطيب رائحته]. ولذلك يحظر على المحرم أن يستخدم الصابونة ذات الرائحة، ومعجون الأسنان ذا الرائحة النفاذة، وكل الأشياء التي فيها طيب يحظر عليه أن يستخدمها، ومنها: ما تقدمه المضيفات على الطائرة للركاب من مناديل معطرة، فيستخدمها المحرم بعد الميقات وهذا لا يجوز، ولو كان الأمر بيدنا لقلنا: لا ينبغي أن توزع في موسم الحج والعمرة مناديل معطرة؛ لأن الناس لا تعرف الحكم، يطيبون عرقهم بهذه المناديل بعد الميقات وهذه مخالفة.

стр. 682

قتل الصيد [السادس: قتل الصيد، وهو ما كان وحشياً مباحاً]. قتل الصيد جاء في القرآن دليل منعه وهو قول ربنا سبحانه: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥]، وقال سبحانه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦]. فلو أن رجلاً محرماً اصطاد صيداً من عرفة، ورجلاً غير محرم اصطاد صيداً من منى، ما حكم الأول وما حكم الآخر؟ عرفة من الحل، لكنه محرم، ويحظر عليه أن يصطاد من حرم أو من حل، وأما غير المحرم فقد اصطاد من منى وهي من الحرم؛ فيحظر صيد الحرم سواء لمحرم أو لغير محرم، إذاً: العبرة بالحكم الشرعي، إن اصطاد في حل وهو محرم لا ينبغي، وإن اصطاد في الحرم لا ينبغي؛ لأن من خصائص بلد الله الحرام أنه يمنع فيه الصيد. قوله: (قتل الصيد وهو ما كان وحشياً)، الوحشي هو ما لا يقتنى في البيت. فلو أن رجلاً محرماً اصطاد بطة فلا شيء عليه؛ لأن هذا لا يسمى صيداً، إنما الصيد هو الوحشي الذي لا يقتنى في الدار. ولو أن رجلاً محرماً اصطاد حمامة فعليه فدية؛ لأن الحمامة الأصل فيه الطير، ولذلك قال: (ما كان وحشياً مباحاً)، مباحاً يعني: حلالاً، فإن كان محرماً فلا يجوز. قال: [لا خلاف بين أهل العلم في تحريم قتل الصيد واصطياده على المحرم، وقد قال سبحانه: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥]]. ومن جانب آخر لو أن محرماً اصطاد من البحر سمكة فلا شيء عليه. [وقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة:٩٦]]. فصيد البحر يجوز أما صيد البر فلا يجوز، وأما الأهلي فلا يحرم، والأهلي هو الذي يقتنى عند الأهل، يعني: يستأنس، تفتح الحظيرة ويبيت عندك وتقدم له الطعام والشراب. هذا لا يعد صيداً، إنما هذا يسمى أهلياً، أما الوحشي فهو الذي لا تتحكم فيه. [أما الأهلي فلا يحرم؛ لأنه ليس بصيد، وإنما حرم الصيد، والحرام ليس بصيد أيضاً لأنه محرم]. إذاً: الذي يحرم على المحرم من الصيد هو الوحشي المباح البري، وأما المحرم فالأصل فيه أنه يحرم؛ لأنه محرم، فلو أن رجلاً اصطاد خنزيراً وهو محرم فهذا لا يجوز؛ لأنه يحرم عليه، فالأصل فيه أنه حرام. قال: [وأما صيد البحر فإنه مباح، قال سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة:٩٦]]. وسنتحدث عن باب الفدية عن كل محظور وفديته، وهي تسعة محظورات لكل محظور فدية. يستثنى للمحرم أشياء يقتلن في الحل والحرم، لحديث: (خمس يقتلن في الحل والحرم)، فلو قتل المحرم حية فلا شيء عليه؛ لأن هذا خاص يقيد العام، وسنتحدث عن هذا بالتفصيل في باب الفدية.

стр. 683

عقد النكاح هناك محظور ليس له فدية وهو عقد النكاح، فيحظر على المحرم أن يزوج نفسه أو يزوج غيره، قد يقول قائل: قد ورد حديث صحيح في البخاري أن النبي ﷺ عقد على ميمونة وهو محرم فما تقولون فيه؟ أقول: للعلماء فيه أقوال، فمنهم من قال محرم يعني: في الأشهر الحرم. وهو الصحيح، فليس معنى محرم أنه تلبس بالإحرام، وإنما عقد عليها وهو في الأشهر الحرم. هذا هو الجمع بين النصوص التي لا يمكن أن تتعارض مع بعضها البعض. قال: [السابع: عقد النكاح]. أي: عقد الزواج. [لقوله ﵇: (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب)]. ومعنى: (لا ينكح) أي: يتزوج، (ولا ينكح) يعني: يزوج، (ولا يخطب) يعني: لا يخطب لنفسه أو لغيره، وهذا يحدث من المسلمين، تراه محرماً، وإذا به يقول لمن رأى أنه يزوجه ابنته: إن عندي ابنة فما رأيك أن تتزوجها. إنك محرم فلماذا تتكلم عن الزواج، ولكن المشكلة أنه لا يعرف أن هذا لا يجوز.

стр. 684

المباشرة لشهوة فيما دون الفرج قال: [المحظور الثامن: المباشرة لشهوة فيما دون الفرج]. رجل محرم باشر زوجته دون الفرج، يعني: قبل، مست بشرته بشرتها، لكنه لم يجامع. قال: [فإن أنزل]. يعني: إن باشر وأنزل وهو محرم [فعليه بدنة]، وحجه صحيح؛ لأنه لم يباشر بالجماع، [وإن لم ينزل فعليه شاة]. إذاً: إن باشر دون الجماع فأنزل فيلزمه بدنة، وإن لم ينزل يلزمه شاة. هذه الفدية. قال: [وحجه صحيح]. والبدنة هي الناقة التي تجزئ أن تكون أضحية، لا عوراء ولا تولاء ولا عضباء ولا عرجاء ولا هتماء وهي التي لا أسنان لها، والعضباء: التي ليس لها قرن، والتولاء التي تدور في المرعى تتخبط، لابد أن تكون صحيحة من العيوب، فقولنا تجزئ أضحية، يعني: أن لها نفس شروط الأضحية. قال: [وحجه صحيح لا نعلم أحداً قال بفساد حجه]. من باشر وأنزل أو لم ينزل طالما لم يجامع حجه صحيح وعليه فدية، إما بدنة وإما شاة. [ولأنها مباشرة فيما دون الفرج تعرت عن الإنزال فلم يفسد بها الحج كاللمس، والمباشرة لا توجب الاغتسال فأشبهت اللمس؛ وعليه الفدية؛ لأنه هتك الإحرام بذلك الفعل، كما لو تطيب أو لبس المخيط؛ والفدية شاة؛ لأنها ملامسة لم يقترن بها الإنزال، فأشبه لمس ما دون الفرج، فأما إن أنزل فعليه بدنة؛ لأنه جماع اقترن به الإنزال فأوجب بدنة، كما لو كان في الفرج، وهل يفسد حجه بذلك؟ روايتين: إحداهما: لا يفسد نص عليه أحمد؛ لأنه استمتاع لا يجب بنوعه الحد، فلا يفسد به الحج، كما لو لم ينزل، الثانية: يفسد نص عليه لأنها عبادة يفسدها الوطء، فأفسدها الإنزال عن مباشرة كالصائم، واختارها أبو بكر والخرقي ومن نصر الأولى قال: الأصل عدم الإفساد، والجماع: هو الوطء في الفرج، ولا يصح إلحاق غيره به فإنه أعظم، ولذلك يختلف الحال فيما بين الإنزال أو عدمه، ويجب بنوعه الحد، ويتعلق به اثنا عشر حكماً، فكيف يلحق به ما دونه مع أن شرط القياس التساوي، ولا يصح القياس على الصيام، فإن الصيام يخالف الحج في المفسدات]. إلى آخره. معنى هذا: أنه إن باشر ما دون الفرج فهناك احتمال أن ينزل أو لا ينزل، فإن أنزل فيلزمه بدنة، وإن لم ينزل فيلزمه شاة، لكن هل يفسد الحج؟ قال بعضهم: إن لم ينزل فلا فساد، وإن أنزل ففي المسألة روايتان عن الإمام: الرواية الأولى: أنه لا يفسد؛ لأنه لا يمكن أن يقاس على الجماع، والرواية الثانية: أنه يفسد، والرأي الراجح عدم الفساد.

стр. 685

الوطء في الفرج قال: [المحظور التاسع: الوطء في الفرج]. يعني: الجماع، هنا نفرق بين أمرين، جامع قبل التحلل الأكبر، أم قبل التحلل الأصغر؛ لأن الحج فيه تحللان، التحلل الأول: وهو بعد رمي الجمرات، ثم يذبح ويحلق، يفعل في يوم النحر ثلاثة أمور، أولاً: يرمي الجمرة، ثم يذبح، ثم يحلق، وقد يؤخر طواف الإفاضة إلى أيام التشريق، هذا يسمى التحلل الأصغر، فإن جامع بعد التحلل الأصغر فله حكم، وإن جامع قبله فله حكم، وإن جامع بعد التحلل الأكبر حكم. قال: [فإن كان قبل التحلل الأول فسد الحج، ووجب المضي في فاسده والحج من قابل]. يعني: إن جامع قبل أن يرمي جمرة العقبة وقبل أن يذبح وقبل أن يحلق فهو لم يتحلل التحلل الأول الأصغر، وإن جامع قبل هذا فسد حجه، يعني: بعد أن جاء من المزدلفة وقبل أن يرمي الجمرة، بعد أن وقف بعرفة وأدى النسك وفعل مناسك الحج، قبل أن يرمي الجمرة في يوم النحر جامع فحجه فاسد، ولكن يجب عليه أن يمضي في حجه حتى يتمه، ثم يلزمه وجوباً القضاء من العام القادم؛ لأن الحج فسد. هل هناك فرق بين الحج الفاسد والحج الباطل؟ نعم، هناك فرق، مصطلح الفاسد هو الباطل عند الجمهور إلا في الحج والزواج، والذين فرقوا بين الفاسد والباطل هم الأحناف، لكن الجمهور لم يفرقوا، والفاسد عندهم هو الباطل، أقول: الصلاة باطلة، أو الصلاة فاسدة كلاهما صحيح، إلا في الحج والزواج، فما الفرق؟ الباطل في الحج: ما غاب أحد أركانه، إن لم يقف بعرفة فحجه باطل؛ لأنه تخلف عنه ركن، إن لم يطف طواف الإفاضة فحجه باطل؛ لأنه تغيب عنه ركن من أركانه، إنما يفسد الحج إذا فعل الأركان كلها لكنه جامع قبل التحلل الأول، هنا نقول: حجه فاسد، رجل تزوج من أخته من الرضاعة مع استيفاء شروط النكاح من الولي والإشهار والشهود والصداق كل شروط النكاح وأركانه تمت إلا أن التي عقد عليها هي أخته من الرضاعة، هل هذا فاسد أم باطل؟ فاسد، إن غاب الولي فالزواج باطل، فهناك فرق بين الفساد والبطلان في الحج والزواج فقط، أما ما دون الحج والزواج فالفساد هو البطلان. قال: [أما فساد الحج في الجماع في الفرج فليس فيه خلاف]. ليس هناك خلاف بين العلماء أن الحج يفسد إذا جامع في الفرج. [قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام إلا الجماع، والأصل في ذلك ما روي عن ابن عمر أن رجلاً سأله فقال: إني وقعت على امرأتي ونحن محرمان، فقال: أفسدت حجك، انطلق أنت وامرأتك مع الناس، فاقض ما يقضون، وحل إذا حلوا، فإذا كان العام المقبل فحج أنت وامرأتك، واهديا هدياً، فإن لم تجدا هدياً فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتما]. يعني: ترتب على الجماع أربعة أشياء، أولاً: فساد الحج، ثانياً: المضي في النسك، ثالثاً: وجوب الحج من العام القابل، رابعاً: الفدية. لأنه لا ينبغي له إن بدأ في مناسك الحج أن يقطعها حتى وإن أفسدها؛ لأن الله قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، معناه: أتموا الحج إذا بدأتم في مناسكه ولا تقطعوه حتى ولو فسد. قال: [ويجب على المجامع بدنة، روي ذلك عن ابن عباس لأنه جماع صادف إحراماً تاماً فوجبت به البدنة، كبعد الوقوف هذا إذا وطئ قبل التحلل الأول؛ لأنه يكون قد وطئ في إحرام تام، وإن كان بعد التحلل الأول ففيه شاة]. يعني: رجل جامع زوجته بعد أن رمى الجمرة وذبح وحلق، وتحلَل تحلُلاً أصغر، يجوز له كل شيء إلا النساء، الطيب والمخيط وكل المحظورات إلا النساء، لكن إن جامع بعد التحلل الأول فعليه شاة، وحجه صحيح؛ لأنه تحلل التحلل الأول. قال: [ويحرم من التنعيم ليطوف محرماً]. بمعنى: أنه بعد أن تحلل تحللاً أصغر ووقع على زوجته فنلزمه بشاة، ونلزمه أن يذهب إلى التنعيم ليحرم وليطوف محرماً، لو قال قائل: كيف يطوف محرماً وهو قد تحلل؟ قلنا: أبطل التحلل بالجماع، فيخرج إلى التنعيم ويحرم مرة ثانية وعليه شاة، إذاً: السؤال الآن: الذي جامع بعد التحلل الأول ما الواجب عليه؟ أولاً: شاة، ثانياً: أن يحرم من التنعيم ليطوف محرماً. قال: [ولا يفسد حجه وهو قول ابن عباس؛ وذلك لقول النبي ﷺ : (من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً؛ فقد تم حجه وقضى تفثه) -يعني: نسكه- ولأن الحج عبادة لها تحللان، فوجود المفسد بعد تحللها الأول لا يفسدها، كما بعد التسليمة الأولى في الصلاة]. يعني: رجل سلم تسليمة واحدة من صلاة، ثم أحدث ما حكم الصلاة؟ صحيحة، هكذا الحج، تحلل التحلل الأول، كأنه سلم التسليمة الأولى، انتهى الحج، لكن بقي عليه طواف الإفاضة، وجامع قبله فنلزمه بشاة وحجه صحيح، لكن يحرم من التنعيم ليطوف محرماً؛ لأنه جامع قبل التحلل الأكبر. والتفث هو النسك: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج:٢٩]، وتفثهم يعني: نسكهم. قال: [ولأن الحج عبادة لها تحللان، والواجب شاة لأنه وطء لم يفس

стр. 686

حكم الوطء في العمرة قال: [وإن وطئ في العمرة أفسدها]. رجل ذهب للعمرة، ثم أحرم من الميقات -ميقات أهل مصر رابغ- بعد الميقات جامع زوجته وهو محرم بعمرة، عمرته فاسدة، ويستكمل النسك، وعليه هدي، ويقضي إذا استطاع من قابل، وتبقى في رقبته قضاء دين. [وإن وطئ في العمرة أفسدها، ولا يفسد النسك بغيره، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام إلا الجماع، والعمرة كالحج]. رجل أحرم بعمرة ومر على الميقات وهو محرم، ثم جامع قبل أن يطوف ويسعى ويتحلل، فما حكمه؟ أولاً: يؤدي النسك، ثانياً: يلزمه شاة، ثالثاً: القضاء من قابل. والشاة ليست إلا في حالتين، أولاً: بعد التحلل الأول إذا جامع في الفرج، ثانياً: إذا باشر، ولو باشر وأنزل دون الفرج فعليه بدنة؛ وإن لم ينزل فعليه شاة.

стр. 687

استواء المرأة والرجل في أحكام الحج قال: [والمرأة كالرجل إلا أن إحرامها في وجهها ولها لبس المخيط]. المرأة كالرجل تماماً، لكن إحرامها في وجهها، ولها لبس المخيط. [وذلك لأن أمر النبي ﷺ المحرم باجتناب شيء يدخل فيه الرجال والنساء]. هذه قاعدة فقهية: أن ما ينطبق على الرجال ينطبق على النساء، إلا ما خص النساء بدليل، يعني: حينما يقول: الختان واجب للذكور، إذاً: هو واجب للنساء، إذا أردتم أن تخصصوه يلزمكم دليل، ما ينطبق على الرجال ينطبق على النساء، وفي كل الأحكام الشرعية هم سواء إلا ما خص النساء بدليل، مثل الميراث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، إذاً: خصها بدليل أن لها نصف الرجل، كذلك الشهادة: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، إذاً: الشاهدة خصها بدليل، أيضاً العقيقة عن الذكر شاتان وعن الأنثى شاة، خصها بدليل، أما كل الأحكام الشرعية فهما فيها سواء إلا ما خصها دليل، إذاً: الذي يقول: إن ختان الأنثى ليس بواجب يلزمنا نحن الدليل أم يلزمه هو؟ يلزمه هو. قال: [فما ثبت في حق الرجل فمثله في حق المرأة، لكن استثنى منه لبس المخيط؛ والتظليل مبالغة في ستر المرأة لأنها عورة]. يعني: أن تستر نفسها وتحرم في ملابسها، ولا يحرم في الأبيض إلا الرجل، والمرأة لابد أن تخالف، وأفضل ملابس للمرأة السوداء، طبعاً كل النساء المصريات يلبسن أبيض في أبيض، الحذاء أبيض والجلابية بيضاء، والرجل يحرم في أبيض!! هذا لا يجوز، لابد أن تخالف المرأة الرجال. [إلا الوجه فتجردها يفضي إلى انكشافها فأبيح لها هذا، ولهذا أبحنا للمحرم عقد الإزار لئلا يسقط فتنكشف العورة، ولم يبح له عقد الرداء]. الإزار في المنطقة السفلى، قوله: (أبحنا للمحرم أن يعقده)، يعني: أن يربطه إما بحزام أو بدبوس أو نحوه، أما الرداء فلا يجوز له أن يعقده كأنه قميص ولو فعل فقد ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام؛ لأنه مفصل على الجسم كأنه مخيط، ونحن نريد أن نجرده، وهو يريد أن يلبس رداء ويخيطه على نفسه، فصله بأزرار بكباسين وأغلقها، وبعضهم يضع له جيوباً، فأصبح مخيطاً، يعني: يمكن الآن أن يلبس بنطلوناً ويمشي بالرداء في القاهرة، لكننا لا نريد هذا للمحرم. [ولم يبح عقد الرداء، وهذا مما لا نعلم فيه خلافاً]. يعني: لم يختلف أحد من العلماء أنه لا يجوز عقد الرداء. [قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة ممنوعة مما منع عنه الرجال إلا بعض اللباس، وأجمع أهل العلم على أن للمحرمة لبس القميص والدرع والسراويلات والخمر والخفاف -يعني: لها أن تلبس كل شيء- وفي حديث ابن عمر: (نهى النساء ﷺ في إحرامهن عن لبس القفازين والنقاب)]، وتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلي أو سراويل، فلا تلبس ملابس مزركشة تلفت النظر؛ لأن من شروط ملابس المرأة: ألا يكون لباس زينة، يعني: لا تحرم في لون فسفوري أو برتقالي أو بنفسجي أو أحمر، هذه ملابس لا تصلح أن تحرم فيها، لابد أن تحرم في ملابس لا تخالف بها الجميع، ولا تنفرد بها عن بني جنسها، وهذا يسمى لباس الشهرة، وقد نهينا بعض الإخوة عن لباس الشهرة، تجد مثلاً في حي الزيتون الناس كلهم يلبسون الجلابية الوردية أو المائية أو الأصيل، وهو يلبس بنغلادش، ويصير معروفاً بزيه البنغلاديشي. لا يجوز أن يشتهر بين الناس بلباس شهرة، وهذا ليس كلامنا وإنما هو كلام العلماء، حتى قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: لو أن المجتمع يستنكر تربية الشعر ولا يألفها، فترك الأمور المستحبة لأجل عدم الشهرة يجوز، يعني: رغم أن تربية الشعر مستحبة، إلا أنها في المجتمع شيء غير معروف، إذاً: نترك المستحب لئلا نشتهر به. وهذا الكلام في الممتع شرح زاد المستقنع إن أردت أن تعود إليه -يعني: ممكن أن تكون أنت الوحيد في مجتمعك الذي تفعل هذا الفعل المستحب فتعرف به، يقول القائل: وكيف ننشر السنة؟ لابد أن نمهد لها، لا تخالف بني جنسك حتى يشار إليك بالبنان، بل كن مثل بني جنسك ولا تتميز. ثبت في صحيح البخاري: (كان الرجل يدخل على أصحاب رسول الله ﷺ والنبي ﷺ يجلس في وسطهم، فينظر إليهم فيقول: أيكم محمد) لم يتميز عليهم بلباس ولا بجلسة، كان كواحد منهم لا يلبس زياً يميز به حتى يقال أنه رجل دين، ليس عندنا في الإسلام هذا، نحن في الإسلام طالما أن بني جنسك لا يرتكبون حراماً، فكن معهم، ولا تفهم كلامي خطأ، فأنا لا أقترب من دائرة الواجب ولا المحرم، كلامي في المستحب، قد يقول قائل: طالما أن بني جنسي كلهم يسبلون الإزار فأنا أيضاً أسبل من أجل ألا أخالفهم؟! فأقول: الإسبال حرام، خالف وخالف، وانتبه ألا تخالف في الحرام، إن كان الأمر واجباً فافعله ولا تنظر إلى المجتمع، إن كان محرماً فكف عنه، ل

стр. 688

العدة شرح العمدة [٤٥] تنقسم الفدية في حق من أتى محظوراً من محظورات الإحرام إلى ضربين: ضرب للإنسان فيه التخيير، وآخر لا يجوز فيه إلا الترتيب، فالذي على التخيير هو إزالة الأذى ولبس المخيط والطيب والصيد، فهو مخير بين الصيام والإطعام والذبح، والذي على الترتيب هو فدية المتمتع ومن ترك واجباً من واجبات الحج؛ فإنه يذبح، فإن لم يجد فيصوم، فإن لم يجد فيطعم.

стр. 689

فدية ارتكاب محظورات الحج والعمرة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ثم أما بعد. فلا زلنا مع كتاب الحج والعمرة، من كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى، ومع باب الفدية. قال ﵀: [وهي على ضربين] أي على نوعين: [أحدهما على التخيير] الضرب الأول من الفدية أن المكلف يخير بين فعل وفعل، ففي علم الأصول فرق بين التخيير بين فعل وفعل، وبين الانتقال من فعل إلى فعل، أي: إن عجز عن الفعل الأول ينتقل إلى الفعل الثاني، مثال ذلك: كفارة اليمين، تجد أن الكثير من الناس يقولون لمن أراد أن يكفّر عن يمينه: صم ثلاثة أيام، وهذا خطأ؛ لأن الصيام لا يصار إليه إلا إذا عجز عن الإطعام أو الكسوة أو تحرير رقبة، يقول الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩] وكلمة (فمن لم يجد) معناها: أنه لا يستطيع أن ينتقل إلى الصيام إلا إذا عجز عن الإطعام، لكنه مخير بين الإطعام والكسوة وتحرير رقبة، فإذا انتقل إلى الكسوة وهو قادر على الإطعام فكفارته صحيحة؛ لأنه مخيّر بين الثلاث.

стр. 690

فدية الأذى واللبس والطيب قال ﵀: [أحدهما على التخيير: وهي فدية الأذى واللبس والطيب]. ذكرنا أن محظورات الإحرام تسعة، وكل محظور من هذه المحظورات له حكم، فربما كانت له فدية، وربما لم تكن له كالنكاح، وما له فدية منها ما هو على سبيل التخيير، ومنها ما هو على الترتيب. قال: [وهي فدية الأذى] والأذى هو أذى الرأس ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة:١٩٦] الأذى يعني حلق الشعر للأذى، وليس كالمذهب شعر الصدر أو شعر القدم أو شعر اليد، إنما النص جاء بشعر الرأس، فالمذهب قاس الشعور الأخرى على شعر الرأس، وهذا كلام مرجوح. [واللبس] أي: لبس المخيط [والطيب] أي: التطيب [فله الخيار بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعامه ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين، أو ذبح شاة]. فلو أن رجلاً تطيب وهو محرم ذاكراً غير ناس، متعمداً غير مخطئ؛ لأن الناسي له حكم، والمخطئ له حكم، فإذا كان المحرم يعرف الحكم فجاء بالطيب وتطيب، أو لبس المخيط أو كان لا يستطيع أن يخلع الجوارب من قدمه لعذر طبي، فيلبس وعليه فدية، والفدية على التخيير بين ثلاثة: إما صيام ثلاثة أيام في أي وقت، أو الإطعام، أو ذبح شاة، وإن استطاع أن يذبح وانتقل إلى الصيام فلا شيء عليه، وإن استطاع أن يصوم وأطعم فلا شيء عليه، والإطعام هنا يكون ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين، والصاع أربعة أمداد، والمد ملء كفي الرجل المعتدل من أرز أو تمر بحسب غالب قوت أهل البلد. قال: [ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين، أو ذبح شاة. أما فدية الأذى فهي على التخيير لما سبق في محظورات الإحرام، وحديث كعب بن عجرة المتفق عليه، وأما فدية اللبس والطيب فهي مقيسة على فدية الأذى، لكونه ترفه بذلك في إحرامه، فلزمه الفدية كالمترفه بحلق شعره، ولا فرق بين قليل الطيب وكثيره، وقليل اللبس وكثيره؛ لأنه معنى حصل به الاستمتاع بالمحظور، فاعتبر مجرد الفعل كالوطء، وليس الحكم في كل دم وجب لترك واجب، يعني أن ذلك على التخيير لا على الترتيب]. فلو أن رجلاً لا يستطيع أن يخلع (الفنيلة الحمالة) لعذر في جسده، نقول له: أحرم واترك (الفنيلة) على جسدك وعليك الفدية، ويخير بين ثلاثة أشياء، لحديث كعب بن عجرة أنه كان به أذى من رأسه، فأباح له النبي ﷺ أن يحلق الرأس وأن يفدي. ولو أن رجلاً تطيب وهو ناس فلا شيء عليه؛ لأن من فعل محظوراً من محظورات الإحرام وهو ناس فلا شيء عليه؛ لأن النبي ﷺ رأى رجلاً أثر الطيب يبدو من إحرامه، فأمره أن يزيل عن نفسه الطيب وأن يتم النسك، ولم يأمره بفدية؛ لأنه ناس أو مخطئ غير عالم بالحكم، والخطأ معناه: أنه ظن أن هذه الزجاجة ماء وهي طيب، فوضع الماء على وجهه فإذا به طيب، فهنا لا شيء عليه ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. قال ﵀: [وكذلك الحكم في كل دم وجب لترك واجب، يعني: أن ذلك على التخيير لا على الترتيب]. هذا الكلام يحتاج إلى استدراك؛ لأن ترك الواجب لا بد ألا ينتقل إلى الصيام إلا إذا كان عاجزاً عن الذبح، أي: أن قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦] معناه: أنه لا يخير بين الذبح والصيام إلا حينما لا يستطيع الذبح.

стр. 691

فدية قتل الصيد قال: [وجزاء الصيد مثل ما قتل من النعم، أجمع أهل العلم على وجوب الجزاء على المحرم بقتل الصيد، وقال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥]]. والمقصود: أن من قتل صيداً فعليه مثله، ويشترط أن يكون وحشياً مباحاً، ومعنى وحشي: أنه لا يقتنى في البيوت، ومعنى مباح: أنه ليس بحرام، فقال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:٩٥] أي أنه يحكم بالمشابه أو المماثل ذوا عدل. قال المصنف ﵀: [فمن قتل الصيد ابتداء من غير سبب يبيح قتله ففيه الجزاء، فأما إن اضطر إلى أكله فيباح له أكله بلا خلاف نعلمه، ويلزمه ضمانه؛ لأنه قتله لحاجة نفسه ودفع الأذى عنه من غير معنى حدث في الصيد يقتضي قتله فلزمه جزاؤه كحلق الرأس لدفع الأذى عنه]. فلو أن رجلاً اصطاد لسبب شرعي، كأن بلغ به الجوع مبلغه، وإن لم يصطد هلك، في هذه الحالة نقول له: يلزمك ضمان هذا الصيد لصاحبه إن كان له صاحب، ولذلك من أسباب نقصان عقود التأمين: أنها تجعل الضامن شريكاً في التأمين، والمفروض شرعاً أن الضامن هو المتسبب في التلف، فلو أن رجلاً صدم سيارة في الطريق العام، فيرفع القضية على شركة التأمين، وكان من المفترض أن من يلتزم بالضمان من أتلف، لكن هنا يدخل طرف ثالث يفسد العقد، فمن أسباب فساد عقود التأمين الأربعة التي ذكرها العلماء: أن من يلتزم بالضمان ليس هو المتسبب في التلف، وعندنا في الشريعة أن من أتلف شيئاً يلزمه الضمان، فالضمان على من أتلف لا على شركة التأمين التي تتاجر بعقود ضرر وربا. قال: [وإن صال عليه] يعني: صال عليه الصيد [فلم يقدر على دفعه إلا بقتله، فله قتله ولا ضمان عليه]. أي: أنه اعتدى عليه الطائر، ولا يستطيع أن يدفعه عن نفسه إلا بقتله، فله قتله ولا ضمان عليه. [لأنه ألجأه إلى قتله فلم يجب ضمانه كالآدمي الصائل] والصائل: هو المعتدي الذي يبدؤك بالقتال، فيلزمك أن تدافع عن نفسك وإلا أصبحت مقصراً، أي: أن رجلاً جاء إلى دارك واعتدى عليك، وأراد أن يدخل البيت وأن يأخذ مالك، أو أن يعتدي على عرضك، فهذا يسمى في الشرع صائل، ولا بد أن ندفعه، كابن آدم لما قال لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة:٢٨] أي: أن ابن آدم الأول هو الصائل، والآخر هو المعتدى عليه. ما معنى قوله: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة:٢٨]؟ قال بعض العلماء: المعنى: لئن بسطت إلي يدك لتبدأني بالقتال فلن أبسط إليك يدي لأبدأك بقتال، فهو كف عن البدء، وليس معنى ذلك أنه كف عن الدفاع. وقال بعضهم: أي: لن أبدأ بقتلك إلا إذا بدأت بقتلي، هذا المعنى المقصود في الآية، ولا يؤخذ من الآية أن الصائل تسلّم له نفسك، وتقول: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة:٢٨] فهذا الكلام غير صحيح، لكن شرعاً لا بد أن تدفع عن نفسك، (من مات دون ماله فهو شهيد، ومن مات دون عرضه فهو شهيد)، (قيل: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أن يأخذ مالي؟ قال: لا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: فقاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار)، وهذا هو الحكم الشرعي؛ لأنك هنا تدافع عن نفسك.

стр. 692

ما يضمن من الصيد قال: [ولو خلّص صيداً من سبع أو شبكة فتلف بذلك فلا ضمان عليه]. رأى المحرم صيداً في شبكة فأراد أن يخلّصه من الشبكة، أو من فم السبع، وهو يخلّصه مات وتلف، فلا ضمان عليه؛ لأن العبرة هنا بالنية، والنية عنده أن يخلّصه فلا ضمان عليه. قال: [لأنه فعل أبيح لحاجة الحيوان فلم يضمن ما تلف به، كما لو داوى ولي الصبي فمات بذلك. ولا فرق بين العامد والمخطئ في وجوب الجزاء]. هناك محظورات لا فدية على صاحبها إن ارتكبها ناسياً أو مخطئاً، ولو افترضنا أن رجلاً اصطاد صيداً وهو محرم خطأ، أي أنه وجه حجراً في أمر مشروع له أن يقذفه، فجاء في صيد فمات، فهنا تلزمه الفدية حتى وإن كان مخطئاً. [لما روى جابر قال: (جعل رسول الله ﷺ في الضبع يصيده المحرم كبشاً)]. والضبع هو حيوان يشبه الكلب، فهذا إذا اصطاده المحرم فعليه كبش، أي أن النبي ﷺ قضى على من اصطاد ضبعاً بكبش. [وقال في بيض النعام يصيده المحرم ثمنه ولم يفرق، ولأنه ضمان إتلاف أشبه مال الآدمي، وعنه: لا كفارة في الخطأ]. أي أن الرواية الأخرى عن أحمد أنه لا كفارة في الخطأ، والرواية الأولى أنه يلزمه. [لأن الله سبحانه قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة:٩٥] فدليل خطابه أنه لا جزاء على الخاطئ]. إنما هنا نلزمه بالضمان بحكم الوضع لا بحكم التكليف، فعندنا أحكام تكليفية وأحكام غير تكليفية، فلو أن ابنك الصغير قذف حجراً في زجاج جارك فأتلف الزجاج، فيلزمك أنت الضمان بخطاب الوضع؛ لأنه غير مكلف، فيلزم وليه الضمان، ولو أن مجنوناً أتلف شيئاً يلزم من يقوم على رعايته الضمان. والرواية الأولى عن أحمد هي الأرجح.

стр. 693

ضابط الصيد قال: [والصيد ما جمع ثلاثة أشياء: أن يكون مباح الأكل، لا مالك له، ممتنعاً. قال بعض أهل اللغة: فيخرج منه ما لا يحل أكله كسباع البهائم] أي: أنه إذا اصطاد فيصطاد للأكل أو الطعام، فالصيد الغير مباح لا يعتبر. [والمستخبث من الحشرات] ولو أن محرماً اصطاد مثلاً صرصاراً، فنقول هذا مستخبث من الحيوانات ولا فدية عليه. قال: [وما عليه ملك فما ليس بوحشي يباح للمحرم]. أي أنه أليف ويقتنى في البيوت، ولو أن محرماً اصطاد دجاجة، فالدجاج هنا تربى في البيوت فهي ليست وحشية، وإنما أليفة وتربى في البيت. قال: [يباح للمحرم ذبحه وأكله كبهيمة الأنعام والخيل والدجاج] المحرم يذبح دجاجاً حتى وإن اصطاده [لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافاً، والاعتبار في ذلك بالأصل لا بالحال، فلو استأنس الوحشي وجب فيه الجزاء، ولو توحش الانسي لم يجب فيه جزاء؛ ولهذا وجب في الحمام اعتباراً بأصله]. فالأصل في الحمام أنه طائر لا يؤلف، ولكن الإنسان ألفه وأعد له مكاناً يعود إليه آخر النهار، والأصل فيه أنه طائر غير مألوف، فيلحق بأصله، فإن اصطاد المحرم حماماً يلزمه فدية؛ لأن الأصل في الحمام أنه وحشي، ولا يستلزم أن يكون مفترساً، وإنما هنا وحشي بمعنى أنه غير مألوف، فلو أن محرماً اصطاد ضباً، والضب قد ألفه صاحبه، فهنا أيضاً العبرة بالأصل لا بالتغير. [والواجب في صيد البر دون صيد البحر؛ لقوله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦] إذا ثبت هذا فجزاء الصيد مثله من بهيمة الأنعام: وهي الإبل والبقر والغنم؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥]]. لذلك الحمام والظبي قضي فيه بشاة، والنعامة قضي فيها ببدنة. الشاهد: أنه إذا اصطاد المحرم صيداً يحرم عليه، فلا بد أن يحكم فيه ذوا عدل في المقابل، فإن اصطاد حماماً يلزمه شاة، وإن اصطاد ظبياً يلزمه شاة، وإن اصطاد نعامة يلزمه بدنة وهكذا.

стр. 694

ما يضمن به الصيد بهيمة الأنعام ثلاثة أنواع هي: الإبل، والبقر، والغنم. لذلك في الأضحية يشترط أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام، كما قال ربنا سبحانه: ﴿مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨]، ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦]. [وهي الإبل والغنم لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥]، وليس المراد حقيقة المماثلة؛ فإنها لا تتحقق بين النعم والصيود، لكن أريد المماثلة من حيث الصورة والمشابهة من وجه، وكونه أقرب بهيمة الأنعام به شبهاً؛ لأن الصحابة ﵃ أجمعوا على وجوب المثل، فقال عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية: في النعامة بدنة]. وأقرب شبه للنعامة هي الجمل، فهذه المماثلة من حيث الشبه. [وحكم أبو عبيدة وابن عباس في حمار الوحش بدنة، وحكم عمر وعلي في الظبي بشاة، وحكموا في الحمام بشاة، إلا الطائر فإن فيه قيمته في موضعه]. والمعنى: أن هذه التي اصطادها المحرم جعلنا لها مثل ما قتل من النعم يحكم به رجلان منا. يقول السائل الكريم: الضبع لا يحل أكله، هل معنى ذلك أنه ليس فيه فدية؟ نحن نشترط في الصيد الذي يصطاده المحرم شروطاً: أن يكون مباحاً، أي: ليس محرماً، وإنما محرم أن تصطاده، وكذلك وحشي أي لا يؤلف، فإن تحقق هذان الشرطان جاز أن تصطاده. ثانياً: أن بعض البلاد تأكل الضبع، وأنا أخبرت أن هناك بلاداً أكثر وجبة لها هي الضبع. قال: [إلا الطائر فإن فيه قيمته في موضعه، وهذا هو الأصل في الضمان بدليل سائر المضمونات من الأموال، وتعتبر القيمة في موضع الإتلاف، كما لو أتلف مال آدمي قوم في موضع الإتلاف كذا هاهنا]. بمعنى الطائر إلا الحمامة، فلو أن محرماً اصطاد طائراً يقوّم بقيمته؛ لأنه ليس له مماثل في المعنى، فيقوم بالقيمة في موضع الإتلاف. [إلا الحمامة ففيها شاة والنعامة فيها بدنة، لما سبق من قضاء الصحابة ﵃. ويتخير بين إخراج المثل وتقويمه بطعام، فيطعم كل مسكين مداً، أو يصوم عن كل مد يوماً]. فهو هنا أيضاً بالخيار بين أن يقوّم بإخراج المثل، أو أن يقوم بطعام، فيطعم عن كل مسكين مداً، أو يصوم عن كل مد يوماً. [وعن أحمد أنها على الترتيب] أي أن إحدى الروايتين عن أحمد أنها على التخيير، والأخرى أنها على الترتيب، أي أنه لا ينتقل إلى الإطعام أو الصيام إلا إذا عجز عن المثل. [فيجب المثل أولاً]. أولاً لو كان على الترتيب يجب المثل. [فإن لم يجد أطعم، فإن لم يجد صام، روي نحوه عن ابن عباس ﵄؛ لأن هدي المتعة على الترتيب وهذا آكد منه، فإنه يفعل محظوراً، وعنه: لا طعام في الكفارة، وإنما ذكر في الآية ليعدل به الصيام؛ لأن من قدر على الإطعام قدر على الذبح. كذا قال ابن عباس، ودليل الرواية الأولى قوله سبحانه: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة:٩٥]]. فكلمة ((أوْ)) هنا للتخيير، إذاً إما أن يلزم بالمثل أو بالإطعام، أو بالصيام عن كل مد يوماً. [روي عن ابن عباس ﵄ قال: كل شيء أو فهو مخير، وأما ما كان فإن لم يجد فهو للأول الأول؛ ولأن هذه الفدية تجب بفعل محظور، فكان مخيراً بين ثلاثتها كفدية الأذى]. وهو الراجح أنه مخير بين واحدة من الثلاث. ولأقرب لك المفهوم: لو أن محرماً اصطاد حمامة وجاء يقول لك: ما الحكم؟ تقول له: أنت مخير بين ثلاثة أشياء: ١ - أن تذبح شاة؛ لأن الصحابة قضوا في الحمامة بشاة. ٢ - أو تطعم بقيمة الشاة فقراء. ٣ - أو أن تصوم عن كل مد يوماً. [فإذا اختار المثل ذبحه وتصدق به على مساكين الحرم؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]، وإن اختار الإطعام فإنه يقوم المثل بدراهم، والدراهم بالطعام، ويتصدق به على المساكين لكل مسكين مداً من البر كما يدفع إليهم كفارة اليمين، وإن اختار الصيام صام عن كل مد يوماً؛ لأنها كفارة دخلها الصيام والإطعام، فكان اليوم في مقابلة المد ككفارة الظهار، وعنه] يعني: رواية أخرى عن أحمد، والرأي الأول هو الراجح. هل هناك من الأشياء التي يصطادها المحرم شيء لا مثل له في المعنى؟ نعم. الجراد، فإنك لو نظرت إلى الجراد لتحقق فيه، فالجراد يؤكل للحديث: (أحل لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان فهما السمك والجراد، وأما الدمان فهما الكبد والطحال) وإن كان فيه ضعف، ولكن أنا أستأنس به هنا؛ لأنه في بعض البلدان الجراد يؤكل وكذلك الضبع يؤكل. فهناك من الأشياء التي تصطاد ما لا مثل له كالجراد، فكيف أقومه؟ بقيمة، لا أ

стр. 695

أنواع الفدية الواجبة على الترتيب [الضرب الثاني من الفدية على الترتيب وهو: التمتع يلزمه شاة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع]. الشارح قبل ذلك ذكر الحكم في كل دم وجب لترك واجب، وأن ذلك على التخيير، والأصل أن ترك الواجب ليس على التخيير وإنما على الترتيب. فلو أن رجلاً حج متمتعاً، حيث أدى عمرة ثم تحلل، ثم ظل على حله إلى اليوم الثامن من ذي الحجة، ثم لبس الإحرام ولبى بالحج، فعليه دم؛ لأن المتمتع يشترط أن يظل في مكة ولا يعود إلى وطنه، وإن خرج خارج مكة وعاد إلى وطنه أو ذهب إلى المدينة ثم عاد فيكون مفرداً؛ لأن المدينة لها ميقات، ومصر لها ميقات، والمتمتع يلزمه بعد أداء النسك في يوم العيد أن يذبح، فالله قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]. إذاً: يلزمه أن يذبح، ولو عجز عن الذبح فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فتلك عشرة كاملة، كذلك الأمر في كل واجب، فأي واجب يتركه يُلزم بالذبح أو الصوم. فلو أن رجلاً حج وترك طواف الوداع، وطواف الوداع واجب، وأما طواف الإفاضة فركن، فالذي يترك طواف الوداع يلزمه هدي، أو صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. ولو أن رجلاً حج وترك المبيت بمزدلفة، فهنا المبيت بمزدلفة على الراجح واجب، فيجبر بدم أو يصوم إن عجز عن الذبح، وهذا على الترتيب وليس على التخيير. [لقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦]]. فإذا لم يصم هناك ثلاثة أيام صام العشر كاملة هنا، وليس المقصود بقوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦] أي: أنه لا بد أن يرجع إلى وطنه، وإنما إذا رجعتم بعد انتهاء النسك، هذا هو المقصود. قال: [وفدية الجماع بدنة، فإن لم يجد فصيام كصيام المتمتع لما سبق من إجماع الصحابة، وكذلك الحكم في البدنة الواجبة بالمباشرة بالقياس على البدنة الواجبة بالوطء]. فإذا باشر فأنزل فعليه بدنة، وإن باشر ولم ينزل فعليه شاة. فإذا جامع وأنزل إما أن يكون قبل التحلل الأصغر أو بعد التحلل الأصغر، فإن كان قبل التحلل الأصغر فعليه أن يمضي في النسك، وأن يذبح بدنة، وأن يحج من قابل، فإن عجز عن البدنة يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وهذا كلام المصنف. قال: [وكذلك الحكم في دم الفوات] دم الفوات: هو الإحصار، والفوات له أحكام سنتحدث عنها إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، قبل أن ندخل في باب دخول مكة، وباب صفة الحج والعمرة. اللهم اكتب لنا حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وعملاً صالحاً متقبلا يا رب العالمين.

стр. 696

الأسئلة

стр. 697

حكم طلاق غير المدخول بها السؤال أنا عاقد على امرأة، وكان من شروط العقد ألا تعمل، فكذبوا عليّ أنها لا تذهب إلى العمل، وكانت تذهب من ورائي، فعلمت بذلك فقلت لأبي، فقال لي: إنك ستتزوجها شئت أم أبيت. فقلت له: هي طالق طالق طالق، فما حكم ذلك الطلاق، وهل من نصيحة لهذه المرأة؟ الجواب أنت الآن طلّقت ثلاثاً، فهي طالق لا شك لأنك طلّقت، فلا يشترط أن تكون موجودة، وأنت تقول: أنا عاقد، أي قبل البناء، والمعقود عليها دون بناء ليس لها عدة، لكن إن أردت أن ترجع إليها فيلزمك عقد ومهر جديدين. أما أهل البنت فأقول لهم: اتقوا الله في الصدق؛ فإن الصدق منجاة، قلتم له: إنها لا تعمل، ثم كذبتم عليه وهي تذهب إلى العمل، وهذا يبطل عقد الزواج؛ لأن المؤمنين على شروطهم، طالما أن الشرط لم يحل حراماً ولم يحرم حلالاً، فهو اشترط ألا تعمل، وأنتم وافقتم على شرطه، فأنتم كذبتم عليه وخدعتموه. وأقول لأبيه أيضاً: لا يجوز لك شرعاً أن تكره الابن على الزواج من امرأة كذبت عليه، أو كذب عليه أهلها. أما الحكم الشرعي: فهي طالق ولا تحل لك إلا بعد عقد ومهر جديدين.

стр. 698

حكم بدء الحج بالوقوف بعرفة السؤال رجل والدته مريضة يريد أن يحج هذا العام هو وزوجته، ولكنه اقترح على زوجته أن يسافر هو وهي من محل عمله في الكويت في ٩ ذي الحجة، أي يوم الوقوف بعرفة، فهل يجوز هذا، وهل للحج أركان؟ الجواب نعم يجوز أن يذهب من الكويت إلى عرفة مباشرة؛ لأنه سيكون قد فاته منى، ومنى من المستحبات وليست من الواجبات، ومن أدرك عرفة فقد أدرك الحج.

стр. 699

حكم قبول الهدايا المأخوذة بالربا السؤال أهدي إلي ثلاجة وعلمت أنها اشتريت بالقسط بفائدة، فما حكم هذه الهدية؟ الجواب لا شيء عليك، فالإثم على من أهداك وليس عليك.

стр. 700

حكم العمل المباح لدى تاجر مخدرات السؤال تاجر مخدرات عنده سباكة في بيته، وأنا سبّاك استدعاني لأصلح سباكته، فهل عملي مشروع أم غير مشروع، وهل أجري حلال أم حرام؟ الجواب المال في يده هو حرام، أما في يدك أنت فحلال، وهذه القاعدة مهمة جداً؛ لأن البعض يخلط بينهما أحياناً، والله تعالى أعلم.

стр. 701

حكم تخصيص بعض الليالي بالقيام السؤال في أحد المساجد بعض الناس يخصصون يومين في الأسبوع لصلاة القيام؟ الجواب هذا غير صحيح وهذا ابتداع في دين الله .

стр. 702

حكم دخول المدخن إلى المسجد السؤال هل التدخين ينقض الوضوء؟ الجواب لا ينقض الوضوء، إنما المدخن لا يجوز له أن يدخل المسجد؛ لأنه أكثر ممن أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً، وإنما العلة في عدم دخول من أكل البصل هو أن رائحة فمه تؤذي الملائكة وتؤذي المصلين، وإن لم يكن في المسجد مصلين.

стр. 703

حكم الجمع بين الأضحية والعقيقة السؤال هل يجوز جمع الأضحية والعقيقة؟ الجواب لا يجوز، فالأضحية نسك وهي مقدمة على العقيقة.

стр. 704

حكم جعل العصمة بيد الزوجة السؤال هل يجوز شرعاً أن يتزوج رجل بامرأة وتكون العصمة في يدها؟ الجواب نعم يجوز باتفاق جمهور العلماء أن تكون العصمة بيد الزوجة، وما معنى العصمة في يد الزوجة؟ معناها: أن الزوج وكّل الزوجة شرعاً في أن تطلب الطلاق متى شاءت، وليس أن تطلق نفسها، وأن تقول له: طلقني، فيقول لها: أنتِ طالق، ولا يجوز له أن يمتنع؛ لأنه يجوز له أن يوكّل غيره في طلاق زوجته، كما يجوز له أن يوكل غيره فيجوز له أن يوكّل الزوجة في أن تطلب الطلاق متى شاءت، وهذا كلام الجمهور وأدلتهم كثيرة، منها: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ [الكهف:١٩] إذاً وكّلوا واحداً منهم في أن يأتي بطعام، فالوكالة هنا تجوز، وللزوج أن يفوض وهو يملك الحق. لكن السؤال الأهم: هل يسقط حق الزوج في الطلاق إن فوّض للزوجة في طلب الطلاق؟ لا يسقط، أي أنه يجوز له أن يطلق حتى وإن لم تطلب هي.

стр. 705

المنهجية في طلب العلم وفائدة مجالسة العلماء السؤال من هم الشيوخ الذين تلقيت عندهم العلم؟ وكيف طلبت العلم؟ وبم تنصح طلاب العلم؟ الجواب هذا موضوع طويل، ولكن طلبت العلم من منهجي الدراسي، إضافة إلى مقابلتي للعلماء والتي كان فيها الفوائد الكثيرة. أي أنك لا بد أن تجلس تحت أقدام العلماء سواء في المسجد الحرام أو المسجد النبوي فتقابل العلماء، وكان الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى يفتح بيته في بعض أيام الحج إن جاء إلى مكة لطلبة العلم، ولا يتناول الطعام إلا مع الفقراء والمساكين في هذا الوقت، فكان له دروس منهجية علمية فضلاً عن دروس بعض علمائنا، وممن أُقدّره وأسأل الله أن يشفيه رجل عالم فقيه وهو الشيخ محمد مختار الشنقيطي شفاه الله ، فهو رجل يحمل فقهاً لا يبارى فيه، ولذلك درس علمه في الحرم يحضره أكثر من عشرين ألف طالب علم؛ لأنه في الفقه ما شاء الله لا قوة إلا بالله. وفي علم الحديث الدكتور عبد المحسن العباد فهذا الرجل في علم الحديث أمة، فإذا شرح البخاري أو مسلماً أو النسائي أو أبا داود في الحرم المدني يقول لطالب عنده: اقرأ، فيقول الطالب: قال المصنف ﵀: حدثنا مكي بن إبراهيم فيقول الشيخ: مكي بن إبراهيم ثقة ثبت، روى له أصحاب الكتب الستة ووثقه ابن حبان يترجم لرجال الإسناد من ذاكرته، من أول السند إلى آخره، فهؤلاء هم العلماء، لا المتردية والنطيحة من الذين لا يعلمون شيئاً، رجل يترجم لرجال الإسناد من ذاكرته، ويوثق ويجرّح على حسب قراءته في كتب الأسانيد، وانظر إلى مدى الإحاطة بالعلم. ومن الشيوخ أيضاً الذين ينبغي أن تستمع إليهم في هذا المجال من علمائنا هناك في المملكة -لأن المدينة بها مجموعة من العلماء في العقيدة والحديث والفقه- الشيخ عطية محمد سالم ﵀، وكان من الشرقية من بلد تسمى المهدية، ثم رحل على قدميه إلى السعودية بعد أن اختلف مع أبيه، وظل يطلب العلم حتى حصل على الوسائل العلمية وأصبح قاضياً شرعياً في المدينة رحمه الله تعالى، قد شرح الموطأ ذهاباً وإياباً أكثر من مرة، وهو حجة في الفقه المالكي. عموماً لا بد لطالب العلم في هذا الزمن أن يجلس ليتعلم على أيديهم؛ لأنه كما قيل قديماً: من لم يرحل إلى بغداد يعتبر مذمة فيه؛ لأن بغداد كانت قبلة العلماء، فكانت تعج بعلماء الأمة كـ ابن حنبل وابن الجوزي وابن أبي الدنيا والخرائطي والحافظ البغدادي، وحدث ولا حرج عن المفسرين والمحدثين، فمن لم يكن يرحل إليها يعتبر مذمة في طلبه للعلم، كذلك من لم يرحل إلى المدينة أو مكة ليسمع العلم الحقيقي من أهلها والعلم الذي عليه نور العلم السلفي، فهؤلاء هم علماء الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، فضلاً عن الدراسة المنهجية، فالحمد لله رب العالمين، درسنا في جامعة الأزهر، ثم الآن في دار العلوم، ونسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى، وأساتذتي في دار العلوم جزاهم الله خيراً، فإن فيهم العلماء كالدكتور عبد الحميد مدكور الذي هو في علمه أمة، وهكذا الدكتور مصطفى حلمي في العقيدة وغيرهم من نماذج يحتذى بها في طلبها للعلم. أسأل الله سبحانه أن يوفق الجميع، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.
следующие страницы →