Полный текст (1 195 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
حكم تخصيص بعض الليالي بالقيام
السؤال
في أحد المساجد بعض الناس يخصصون يومين في الأسبوع لصلاة القيام؟
الجواب
هذا غير صحيح وهذا ابتداع في دين الله .
стр. 702
حكم دخول المدخن إلى المسجد
السؤال
هل التدخين ينقض الوضوء؟
الجواب
لا ينقض الوضوء، إنما المدخن لا يجوز له أن يدخل المسجد؛ لأنه أكثر ممن أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً، وإنما العلة في عدم دخول من أكل البصل هو أن رائحة فمه تؤذي الملائكة وتؤذي المصلين، وإن لم يكن في المسجد مصلين.
стр. 703
حكم الجمع بين الأضحية والعقيقة
السؤال
هل يجوز جمع الأضحية والعقيقة؟
الجواب
لا يجوز، فالأضحية نسك وهي مقدمة على العقيقة.
стр. 704
حكم جعل العصمة بيد الزوجة
السؤال
هل يجوز شرعاً أن يتزوج رجل بامرأة وتكون العصمة في يدها؟
الجواب
نعم يجوز باتفاق جمهور العلماء أن تكون العصمة بيد الزوجة، وما معنى العصمة في يد الزوجة؟ معناها: أن الزوج وكّل الزوجة شرعاً في أن تطلب الطلاق متى شاءت، وليس أن تطلق نفسها، وأن تقول له: طلقني، فيقول لها: أنتِ طالق، ولا يجوز له أن يمتنع؛ لأنه يجوز له أن يوكّل غيره في طلاق زوجته، كما يجوز له أن يوكل غيره فيجوز له أن يوكّل الزوجة في أن تطلب الطلاق متى شاءت، وهذا كلام الجمهور وأدلتهم كثيرة، منها: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ [الكهف:١٩] إذاً وكّلوا واحداً منهم في أن يأتي بطعام، فالوكالة هنا تجوز، وللزوج أن يفوض وهو يملك الحق.
لكن السؤال الأهم: هل يسقط حق الزوج في الطلاق إن فوّض للزوجة في طلب الطلاق؟ لا يسقط، أي أنه يجوز له أن يطلق حتى وإن لم تطلب هي.
стр. 705
المنهجية في طلب العلم وفائدة مجالسة العلماء
السؤال
من هم الشيوخ الذين تلقيت عندهم العلم؟ وكيف طلبت العلم؟ وبم تنصح طلاب العلم؟
الجواب
هذا موضوع طويل، ولكن طلبت العلم من منهجي الدراسي، إضافة إلى مقابلتي للعلماء والتي كان فيها الفوائد الكثيرة.
أي أنك لا بد أن تجلس تحت أقدام العلماء سواء في المسجد الحرام أو المسجد النبوي فتقابل العلماء، وكان الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى يفتح بيته في بعض أيام الحج إن جاء إلى مكة لطلبة العلم، ولا يتناول الطعام إلا مع الفقراء والمساكين في هذا الوقت، فكان له دروس منهجية علمية فضلاً عن دروس بعض علمائنا، وممن أُقدّره وأسأل الله أن يشفيه رجل عالم فقيه وهو الشيخ محمد مختار الشنقيطي شفاه الله ، فهو رجل يحمل فقهاً لا يبارى فيه، ولذلك درس علمه في الحرم يحضره أكثر من عشرين ألف طالب علم؛ لأنه في الفقه ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
وفي علم الحديث الدكتور عبد المحسن العباد فهذا الرجل في علم الحديث أمة، فإذا شرح البخاري أو مسلماً أو النسائي أو أبا داود في الحرم المدني يقول لطالب عنده: اقرأ، فيقول الطالب: قال المصنف ﵀: حدثنا مكي بن إبراهيم فيقول الشيخ: مكي بن إبراهيم ثقة ثبت، روى له أصحاب الكتب الستة ووثقه ابن حبان يترجم لرجال الإسناد من ذاكرته، من أول السند إلى آخره، فهؤلاء هم العلماء، لا المتردية والنطيحة من الذين لا يعلمون شيئاً، رجل يترجم لرجال الإسناد من ذاكرته، ويوثق ويجرّح على حسب قراءته في كتب الأسانيد، وانظر إلى مدى الإحاطة بالعلم.
ومن الشيوخ أيضاً الذين ينبغي أن تستمع إليهم في هذا المجال من علمائنا هناك في المملكة -لأن المدينة بها مجموعة من العلماء في العقيدة والحديث والفقه- الشيخ عطية محمد سالم ﵀، وكان من الشرقية من بلد تسمى المهدية، ثم رحل على قدميه إلى السعودية بعد أن اختلف مع أبيه، وظل يطلب العلم حتى حصل على الوسائل العلمية وأصبح قاضياً شرعياً في المدينة رحمه الله تعالى، قد شرح الموطأ ذهاباً وإياباً أكثر من مرة، وهو حجة في الفقه المالكي.
عموماً لا بد لطالب العلم في هذا الزمن أن يجلس ليتعلم على أيديهم؛ لأنه كما قيل قديماً: من لم يرحل إلى بغداد يعتبر مذمة فيه؛ لأن بغداد كانت قبلة العلماء، فكانت تعج بعلماء الأمة كـ ابن حنبل وابن الجوزي وابن أبي الدنيا والخرائطي والحافظ البغدادي، وحدث ولا حرج عن المفسرين والمحدثين، فمن لم يكن يرحل إليها يعتبر مذمة في طلبه للعلم، كذلك من لم يرحل إلى المدينة أو مكة ليسمع العلم الحقيقي من أهلها والعلم الذي عليه نور العلم السلفي، فهؤلاء هم علماء الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، فضلاً عن الدراسة المنهجية، فالحمد لله رب العالمين، درسنا في جامعة الأزهر، ثم الآن في دار العلوم، ونسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى، وأساتذتي في دار العلوم جزاهم الله خيراً، فإن فيهم العلماء كالدكتور عبد الحميد مدكور الذي هو في علمه أمة، وهكذا الدكتور مصطفى حلمي في العقيدة وغيرهم من نماذج يحتذى بها في طلبها للعلم.
أسأل الله سبحانه أن يوفق الجميع، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.
стр. 706
العدة شرح العمدة [٤٦]
من أتى محظوراً من محظورات الإحرام فعليه كفارة حسب المحظور الذي أتاه، ومن تكرر منه المحظور قبل الكفارة فكان من جنس واحد أجزأته كفارة واحدة غير قتل الصيد فإن في كل واحد كفارة، وقتل الصيد والجماع يستوي في وجوب كفارته العمد والسهو، أما سائر المحظورات فلا شيء عليه إذا سها.
стр. 707
أحكام الإحصار والفوات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين، ثم أما بعد.
فلا زلنا مع باب الفدية في كتاب الحج والعمرة من كتاب العدة شرح العمدة للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى.
كنا قد تحدثنا عن محظورات الإحرام وعن الفدية، وذكرنا بأن محظورات الإحرام تسعة وهي: ١ - حلق الرأس.
٢ - تقليم الأظافر.
٣ - الطيب في بدنه أو ثوبه.
٤ - لبس المخيط.
٥ - تغطية الرأس والأذنان منه.
٦ - قتل الصيد البري الوحشي المباح.
٧ - الوطء والمباشرة بدون جماع.
٨ - عقد النكاح لنفسه أو لغيره.
٩ - الوطء في الفرج.
هذه محظورات تسعة، وكل محظور له فديته، ونحن الآن نتحدث عن المسألة التي قال عنها المؤلف: (وفدية الجماع بدنة) فلو أن رجلاً جامع زوجته وهو محرم قبل التحلل الأصغر يلزمه أربعة أشياء: ١ - أن يتم النسك.
٢ - أن يقضي من قادم.
٣ - عليه بدنة، وحجه فاسد.
٤ - إذا لم يستطع أن يذبح بدنة فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
ثم قال المؤلف: [وكذلك الحكم في دم الفوات] الفوات هو: أن يفوته الحج ليس بسبب الإحصار، فكل إحصار فوات، وليس كل فوات إحصاراً، فما هو الإحصار وما هو الفوات؟ الإحصار شيء يمنعه من أداء النسك كعدو، أو يحول بينه وبين دخول مكة كشرطة ترحله ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، فالذي حال بين النبي ﷺ وبين أداء العمرة المشركون في صلح الحديبية، وهذا إحصار؛ لأن الذي حال بينه وبين مكة عدو، أي: أن الإحصار هو أن أُمنع عن البيت رغم إرادتي.
أما الفوات: فهو أن يفوتني الحج لمرض، فهنا فوات وليس إحصاراً، لأنه لم يمنعني أحد، وربما يفوتني الحج لنوم في منى ولم أستيقظ إلا في يوم النحر، أي: أن عرفة فاتتني، وربما يفوتني ركن من أركان الحج ولا أستطيع أن أحصّله، فهذا يسمى فواتاً، فكل إحصار فوات، وليس كل فوات إحصاراً.
قال: [وكذلك الحكم في دم الفوات] بمعنى أن من فاته الحج فعليه دم، فإن لم يستطيع ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦] قال: [لأن عمر ﵁ قال لـ هبار بن الأسود لما فاته الحج: إذا كان عام قابل فحج، فإن وجدت سعة فاهد، فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت إن شاء الله].
فلو أن رجلاً لبى بحج وأدى المناسك، ثم نام في منى في ليلة التاسع من ذي الحجة، وظل نائماً إلى يوم النحر، فهنا فاته الحج؛ لأنه فاته ركن، فنقول له: اهد -أي اذبح- وإن لم تستطع فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت، وعليك القضاء من قادم.
قال: [وعنه] أي رواية أخرى عن أحمد [لا هدي عليه] والصواب أن عليه الهدي [والأول أصح لأنه قول عمر وجماعة من الصحابة، وعنه: لا قضاء عليه إن كانت نفلاً] والراجح أن عليه القضاء؛ لأن الله قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] والمعنى: إذا بدأتم في نسكها فلا بد أن تتموها، فعليه القضاء من قابل.
هذا الراجح من أقوال العلماء.
إذاً: الفوات هو من فاته الحج أو ركن من أركان الحج لا بسبب الإحصار، إنما بسبب النوم أو بسبب عذر، فنقول له: عليك الهدي، والهدي هو أن يذبح شاة، ثم تتم النسك وتقضي من قابل.
[والمحصر يلزمه دم] والمحصر هو الذي حبسه حابس عن دخول مكة، إلا إذا اشترط كما في حديث ضباعة بنت الزبير حيث قال لها النبي ﷺ : (حجي واشترطي: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني) فإن لم أشترط عند الإحرام فإن أحصرت فيلزمني دم في المكان الذي أحصرت فيه سواء في الحرم أو الحل؛ فإن أصحاب النبي ﷺ حينما توجهوا إلى مكة ومنعهم المشركون من دخولها، فأمرهم النبي ﷺ أن يتحللوا وأن يذبحوا، وقال عمر: علام نقبل الدنية في ديننا؟ فتحلل النبي ﷺ وذبح، يقول تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، فإن لم يجد المحصر دماً فعليه صيام عشرة أيام، ولا تقل: صيام ثلاثة أيام في الحج؛ لأنه لم يدخل مكة، فهو أحصر، فعليه صيام عشرة أيام.
[وثبت أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه يوم حصروا في الحديبية أن ينحروا، ويحلقوا، ويحلوا؛ فإن لم يجد صام عشرة أيام.
رواه البخاري؛ لأنه دم واجب للإحرام، فكان له بدل ينتقل إليه كدم المتمتع والطيب واللباس].
شأنه شأن أي دم.
فلو أن رجلاً أحرم من جدة لأداء مناسك الحج، وبينما هو في الطريق إلى مكة تم القبض عليه لعدم الحصول على تصريح الحج، وتم ترحيله ورد إلى جدة مرة ثانية، فما هو الواجب عليه؟ إن اشت
стр. 708
حكم المحظور إن تكرر
قال: [ومن كرر محظوراً من جنس غير قتل الصيد فكفارة واحدة] المعنى: أن محظورات الإحرام إما أن تكون متجانسة وإما أن تكون مختلفة، كأن يكون تطيب ثم تطيب ثم تطيب، المحظورات هنا ثلاثة من جنس واحد، أو لبس المخيط ثم لبس المخيط ثم لبس المخيط، إما أن يرتكب محظوراً من جنس واحد، وإما أن يرتكب محظوراً من أجناس مختلفة كأن تطيب ولبس المخيط وحلق رأسه، فهنا ارتكب ثلاثة محظورات مختلفة، فإما أن تكون المحظورات متجانسة وإما أن تكون مختلفة.
قال: [ومن كرر محظوراً من جنس غير قتل الصيد فكفارة واحدة] اصطاد نعامة، ثم اصطاد نعامة، عليه فديتان؛ لأن الصيد يلزمه فيه الضمان؛ لأن هذه النعامة تختلف عن النعامة الأخرى.
قال: [وذلك مثل من حلق ثم حلق] حلق رأسه وهو محرم، ثم حلق وهو محرم، ارتكب محظوراً واحداً مرتين، لكن المحظور من جنس واحد.
[أو لبس ثم لبس، أو تطيب ثم تطيب، فالحكم فيه كما لو فعل ذلك دفعة واحدة -أي: مرة واحدة- وتجزئه كفارة واحدة؛ لأنها تتداخل، فهي كالحدود والأيمان].
أي: أن هذه الحالة تشبه من حلف يميناً على شيء، ثم حلف عليه مرة أخرى وكرر الأيمان ثلاث أو أربع مرات على شيء واحد، فإن حنث فكفارتها كفارة واحدة؛ لأن اليمين حتى وإن تكرر فهو يتعلق بشيء واحد.
قال: [فإن كفّر عن الأول قبل فعل الثاني سقط حكم ما كفّر عنه فصار كأنه لم يفعله، وثبت لما بعده حكم المنفرد].
أي أنه تطيب فكفّر عن هذا بذبح شاة.
فمن تطيب وهو محرم فالفدية في حقه إحدى ثلاث على التخيير: إما أن يذبح شاة، وإما أن يصوم ثلاثة أيام، وإما أن يُطعم ستة مساكين.
فلو أنه تطيب وفعل الفدية، ثم تطيب بعد أن كفّر، فلا نقول هنا الكفارة الأولى تجزئ عن الثانية، فإن كفّر عن الأولى يلزمه أن يكفّر عن الثانية.
قال: [فإن كفّر عن الأول قبل فعل الثاني سقط حكم ما كفّر عنه، فصار كأنه لم يفعله، وثبت لما بعده حكم المنفرد، وهكذا لو كرر شيئاً من محظورات الإحرام التي لا يزيد الواجب فيها بزيادتها ولا يتقدر بقدرها، فأما ما يتقدر الواجب بقدره -وهو إتلاف الصيد- فإن في كل واحد منها له جزاؤه سواء فعل مجتمعاً أو متفرقاً، ولا يتداخل بحال ما لم يكفر عن الأول قبل فعل الثاني لما سبق].
وهذا هو الراجح من روايات الإمام أحمد.
إذاً: من فعل محظوراً من جنس واحد لزمه كفارة واحدة، طالما لم يكفر عن الأول، لكن إن كفّر عن الأول فيلزمه كفارة عن الثاني إن عاد إلا الصيد، فإنه إن اصطاد ولم يفد، ثم اصطاد ولم يفد، يلزمه للأول فدية وللآخر فدية؛ لأن الصيد ضمانه ضمان أعيان.
[وإن فعل محظوراً من أجناس -أي: أجناس مختلفة- وذلك مثل إن حلق، وقلّم، ولبس، وتطيب، ووطئ فعليه لكل واحد كفارة، وعنه: إن مس طيباً، ولبس، وحلق فكفارة].
عن أحمد روايتان، لكن الراجح إن فعل محظورات مختلفة فعليه لكل محظور كفارة، فإن تطيب، ولبس المخيط، وحلق الشعر فعليه ثلاث كفارات، فإذا حلق وتطيب ولبس المخيط ووطئ عليه أربع كفارات، وهكذا إن تعددت المحظورات طالما كانت من أجناس مختلفة يلزمه عن كل محظور فدية.
ثم قال: [والحلق، والتقليم، والوطء، وقتل الصيد يستوي عمده وسهوه].
وهذه مسألة مهمة في محظورات الإحرام، فمثلاً محرم نسي وجامع، أو لبس غطاء على رأسه، أو تطيب ما حكمه؟ انظر إلى المحظور، هل يستطيع رده أم لا يستطيع؟ الطاقية التي لبسها هل يستطيع أن يزيلها؟ شعر الرأس إن حلقه هل يستطيع أن يرده؟ أما العامد فلا فصال فيه وحكمه معروف، إنما الكلام في الناسي، فننظر إلى المحظور الذي ارتكبه؛ فإن استطاع أن يرده ويتخلص منه فلا شيء عليه، وإن لم يستطع فعليه الفدية، فهناك فرق بين المحظورين: إذا استطاع أن يرد، وإن لم يستطيع.
فالطيب يستطيع إزالته بمسحه أو بغسله بالماء؛ لأن المحرم الذي رآه النبي ﷺ وعليه أثر الطيب أمره أن يزيل الطيب ولا شيء عليه؛ لأنه أخطأ ولا يعرف الحكم.
إذاً: من قتل صيداً وهو ساه هل يستطيع أن يرد الصيد وقد قتله؟ طالما لا يستطيع يكون الساهي كالعامد، فإن استطاع فلا شيء عليه.
وهنا نقول: رجل قلّم أظافره وهو محرم ناس، ما حكمه؟ ليس عليه شيء، وإذا لبس المخيط وهو ساه فليس عليه شيء.
إذاً: الساهي حكمه يختلف، إن استطاع أن يزيله فلا شيء عليه، وإن لم يستطع فعليه فدية سواء كان عامداً أو ساهياً.
стр. 709
ما يسقط من كفارات الحج والعمرة بالسهو وما لا يسقط
قال: [والوطء وقتل الصيد يستوي عمده وسهوه -يعني: في وجوب الضمان- لأنه ضمان إتلاف، فاستوى عمده وخطؤه كمال الآدمي].
كذلك قال: [وسائر المحظورات لا شيء في سهوه].
أي الطيب، لبس المخيط، تغطية الرأس، لا شيء في سهوه.
[قال أحمد ﵀: قال سفيان: ثلاثة في الحج العمد والنسيان سواء: إذا أتى أهله، وإذا أصاب صيداً، وإذا حلق رأسه].
ويقاس على حلق الرأس تقليم الأظافر؛ لأنه لا يستطيع أن يرد الشعر ولا الأظافر.
[قال أحمد: إذا جامع أهله بطل حجه؛ لأنه شيء لا يقدر على رده]، والشعر إذا حلقه فقد ذهب لا يقدر على رده، والصيد إذا قتله فقد ذهب لا يقدر على رده فهذه الثلاث: العمد، والخطأ، والنسيان فيها سواء، وكل شيء من النسيان بعد هذه الثلاث فهو يقدر على رده.
مثلاً: إذا غطى المحرم رأسه، ثم ذكر فألقى الغطاء عن رأسه، فليس عليه شيء، أو لبس خفاً ثم نزعه، فليس عليه شيء.
[وعنه: أن الفدية تلزم الجميع].
والراجح الأول؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
ما الفرق بين من يقدر ومن لا يقدر؟ نقول: طالما يقدر على أن يرد الشيء نلزمه بفعله، تماماً كرجل صلى صلاة الظهر ثم تبيّن بعد الصلاة أنه صلى بثوب نجس، فنقول له: طالما لم يخرج الوقت أعد الصلاة، وإن خرج الوقت فلا إعادة عليه، وطالما يستطيع أن يحصل في الوقت فنأمره بالتحصيل.
ولذلك قال: [يستوي عمده وسهوه في ثلاثة أشياء].
стр. 710
مواضع الإتيان بالهدي والفدية ولمن تكون
قال: [وكل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم].
إذاً: فالهدي والفدية لمساكين الحرم، إلا المعسر الذي يذبح في مكانه سواء من حل أو حرم، إما لأنه أُحصر في عرفة، أو الحديبية، أو منى، فالمحصر يذبح في حله أو حرمه حيث أُحصر، أما الهدي فلا بد أن يذبحه في الحرم، وليس المقصود بالحرم هو المسجد الحرام وإنما حدود مكة، والفدية كذلك لا بد أن تذبح في الحرم، لكن هناك فرق بين الهدي والفدية، أولاً: الفدية لا يأكل منها، والهدي يأكل منه.
ثانياً: الهدي آخره آخر أيام التشريق بعد غروب شمس اليوم الرابع، والفدية تمتد إلى حيث استطاع، وربما ارتكبت محظوراً من محظورات الإحرام وأستطيع الذبح، وأريد أن أذبح ولكن ليس معي نقود في الحرم، فيمكنني أن أرسلها وأنا في مصر لتذبح بعد ذي الحجة ولا شيء علي.
ثالثاً: أن كلاهما يجزئ في الأضحية، وتنطبق عليها شروط الأضحية، فلا يكون الهدي ولا الفدية عوراء ولا عرجاء ولا غير ذلك؛ لأن هذا لا يجزئ في الأضاحي، ولا يجزئ من الضأن إلا ما له ستة أشهر، ومن الماعز ما له سنة، ومن البقر ما له سنتان، ومن الإبل ما له خمس سنوات، إنما الفرق بينهما أن الهدي يأكل منه والفدية لا يأكل منها.
كذلك لو أن رجلاً عليه كفارة يمين فعليه إطعام عشرة مساكين، ولا يأكل منها، والهدي حكمه حكم الأضحية، وكذلك النذر لا يأكل منه؛ لأن النذر ينبغي أن يكون لله تعالى، وهذا ما سنتحدث عنه في الباب الأخير من النذر والأضحية.
قال: [وكل هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣] والطعام كالهدي في اختصاصه بمساكين الحرم؛ لقول ابن عباس: الهدي والطعام بمكة، والصوم حيث شاء، ولأنه طعام يتعلق بالإحرام فأشبه لحم الهدي].
فالإطعام هو لستة مساكين من مساكين الحرم، والذبح يكون في الحرم، أما الصيام فحيث شاء.
أما الطيب فحكمه إن كان ناسياً أنه لا شيء عليه، ولكن عليه أن يزيل أثر الطيب؛ لأنه يقدر على رده، وإن كان عامداً فهو بالتخيير: إما أن يذبح شاة، وإما أن يصوم ثلاثة أيام، وإما أن يُطعم ستة مساكين.
فإن اختار ذبح الشاة فيذبحها في الحرم، وليس لها موعد فيذبحها متى شاء؛ لأنها فدية، وليس له أن يأكل منها، وإن اختار الإطعام فيطعم ستة من مساكين الحرم، وإن اختار الصيام فيصوم حيث شاء؛ لقول ابن عباس: (الدم والطعام بمكة، والصوم حيث شاء).
قال: [ومساكين الحرم من كان فيه سواء كان من أهله أو وارداً إليه كالحاج وغيره].
ومساكين الحرم هم كل من كان في الحرم سواء كان من أهله أو وارداً عليه، وينطبق عليه ما ينطبق على مصارف الزكاة الثمانية في سورة التوبة.
قال: [وهم الذين يجوز دفع الزكاة إليهم].
أي: المساكين الذين يجوز دفع الزكاة إليهم.
[إلا فدية الأذى فإنه يفرقها في الموضع الذي حلق فيه.
نص عليه] فدية الأذى وفدية الإحصار.
لماذا استثنينا أذى الرأس والإحصار؟ [لحديث كعب بن عجرة؛ لأن النبي ﷺ أمر كعب بن عجرة بالفدية في الحديبية ولم يأمره ببعثه إلى الحرم].
كعب بن عجرة كان يشكو من تساقط القمل من رأسه، والقمل مرض جلدي يصيب جلدة الرأس فيحتاج معه إلى إزالة الشعر، وكعب بن عجرة قال: (يا رسول الله! إني أشكو من وجع في رأسي، فأمره بإماطة الشعر وأن يفدي في مكانه) هل ذبح كعب بن عجرة في الحرم أم خارج الحرم؟ خارج الحرم.
وعلى هذا يقول أحمد والدليل معه: استثنينا فدية الأذى وفدية الإحصار، أما فدية الأذى فمستثناة بحديث كعب بن عجرة، وأما فدية الإحصار فمستثناة بفعل النبي ﵊.
قال: [وهدي المحصر ينحره في موضعه؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه نحروا هداياهم بالحديبية] والحديبية خارج مكة من الحل وليست حرماً، وعلى هذا يستثنى من الذبح في الحرم الأذى والحصار.
قال: [وروي أن النبي ﷺ نحر هديه عند الشجرة التي كانت تحتها بيعة الرضوان] ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] وعمر بن الخطاب هو الذي أزال هذه الشجرة من جذورها؛ لأنه رأى أن البعض ربما تبركوا بها؛ لأن تحتها تمت البيعة، فاجتزها من جذورها سداً لذريعة الشرك، وعندنا في الشرقية شجرة يرحل الناس إليها، وهناك (مضخة للماء) والتي تريد أن تحمل تشرب من مائها وتغتسل منه أسأل الله أن يزيلها، وهذا كله شرك نسأل الله العافية.
ولو أن الأمر بيد أصحاب التوحيد لهدمت هذه الأماكن التي يشرك فيها مع الله ، واندثرت هذه القباب العالية التي يُذبح عندها، ويُطلب منها المدد.
ومن اللطائف: أن رجلاً قال: إني نذرت للبدوي شاة إن شفيت ابنتي، فجاءتها حمى فماتت -إنا لله وإنا إليه راجعون- فنزل هذا الرجل يخ
стр. 711
الأسئلة
стр. 712
حكم شعر اللحية المتساقط
السؤال
محرم يهذّب اللحية فوقع شيء من شعره، هل عليه شيء؟
الجواب
ليس عليه شيء، إذا لم يتعمد فعل ذلك.
стр. 713
حكم تكرار العمرة من التنعيم
السؤال
ما حكم تكرار العمرة من التنعيم؟
الجواب
بالنسبة لتكرار العمرة من التنعيم فمختلف فيها، والراجح فيها عدم الجواز.
стр. 714
حكم العمل في المقاهي
السؤال
رجل يعمل في المقهى ما حكم عمله؟
الجواب
نقول: ما طبيعة المقهى؟ إن كانت القهوة تقدم شاياً وقهوة وغير ذلك فلا بأس، وإن كانت تقدم شيشة ولعب طاولة فعمله حرام، ينظر أولاً إلى طبيعة المقهى هل يعمل في الحلال أم في الحرام.
стр. 715
حكم التحلل بقص جزء صغير من الشعر
السؤال
هل يصح عند التحلل من الإحرام قص جزء صغير من شعر الرأس أم قص عموم الشعر؟
الجواب
الصواب أن تعم الشعر بالتقصير، حتى أن بعض العلماء قالوا: إن من قص بعض الشعر لم يتحلل، أي: أنه ارتكب محظوراً يحاسب عليه؛ لأن حلق بعض الرأس ليس من السنة أبداً.
стр. 716
العدة شرح العمدة [٤٧]
الطواف بالبيت العتيق ركن من أركان الحج والعمرة، إلا أنه يكون طواف قدوم في العمرة أما في الحج فطواف الركن هو الإفاضة، ويشرع للطائف بالبيت استلام الحجر الأسود، فإن لم يستطع اكتفى بالإشارة إليه مع التكبير، كما يشرع له أن يرمل في الثلاثة الأشواط الأول ويمشي في الأربعة الباقية.
стр. 717
استحباب دخول مكة من أعلاها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فلا زلنا مع كتاب: (العدة شرح العمدة) للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى، ومع شرح كتاب الحج والعمرة، باب: (دخول مكة).
قال ﵀: [يستحب أن يدخل من أعلاها؛ لما روى ابن عمر: (أن رسول الله ﷺ دخل مكة من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى)، وروت عائشة: (أن النبي ﷺ لما جاء مكة دخل من أعلاها، وخرج من أسفلها)، متفق عليه].
إن هذا الكلام يحتاج إلى تحقيق، بمعنى: هل دخول النبي ﷺ مكة كان على سبيل السنة، أم أن دخوله كان من العادات، وهناك رسالة ماجستير للأخ الفاضل محمد سليمان الأشقر -على ما أذكر- تحمل هذا العنوان: (أفعال النبي ﷺ وعلاقتها بالتشريع)، فمن أفعاله ما يعد تشريعاً، ومن أفعاله ما يعد عادة.
وهب أنه ركب هنا دابة، فهل المستحب أن نركب في هذا المكان دابة؟ وهذه الرسالة موجودة، وإن شاء الله سنحاول أن نقف على بعض عناصرها.
стр. 718
دخول المسجد من باب بني شيبة
قال: [ويدخل المسجد من باب بني شيبة؛ لأن النبي ﷺ دخل منه]، أي: هل يستحب لمن دخل المسجد الحرام أن يدخل من باب بني شيبة، لأن النبي ﵊ دخل منه، ومعلوم أن المسجد الحرام له أكثر من باب: باب السلام، وباب العمرة، وباب الملك فهد، وباب الملك عبد العزيز، إلى غير ذلك من الأبواب.
قال: [وفي حديث جابر الذي رواه مسلم وغيره: (أن النبي ﷺ دخل مكة عند ارتفاع الضحى، فأناخ راحلته عند باب بني شيبة ودخل المسجد)].
أيضاً هل نستطيع أن نقول: إن من أراد أن يدخل مكة فليدخلها في الضحى، أم أن النبي ﵊ قد وافق الضحى عند دخوله مكة؟ إن من أفعال النبي ﷺ ما يعد تشريعاً، ومنها ما يعد عادة، فإذا ندب النبي ﵊ أصحابه إلى فعل معين فهو للاستحباب، ثم هل الصحابة والسلف كانوا يدخلون مكة من أعلاها، ويدخلون المسجد الحرام من باب بني شيبة، تأسياً بالنبي ﷺ ؟ إن الضابط أن يفعله الصحابة على أنه سنة؛ لأنهم يتأسون بالنبي ﵊، ثم يُنظر في هذا الفعل، هل كان هذا الفعل على سبيل الاستحباب فعلاً، أم لا؟ فإن كان على سبيل الاستحباب فهو مستحب، وإن كان عادة فهو العاديات التي لا يُستحب للإنسان الإتيان بها، كحادثة تأبير النخل لما نهاهم النبي ﷺ عن ذلك، ثم قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، أي أن هذا ليس على سبيل التشريع.
стр. 719
ما يفعله الحاج عند رؤيته للبيت
قال: (فإذا رأى البيت رفع يديه وكبر الله وحمده ودعا، وروي رفع اليدين عند رؤية البيت عن ابن عمر وابن عباس)، أي: أن رفع اليدين، وقول: الله أكبر الحمد لله، ثم الدعاء، من فعل ابن عباس وابن عمر له حكم الرفع؛ لأنه لا يمكن أن نتصور أن الصحابي يأتي بعبادة من عند نفسه، بل قد رأى النبي ﷺ يفعل ذلك ففعله، ولذا فأقوال الصحابة وأفعالهم في الأمور التعبدية لها حكم الرفع، وكذلك في الأمور العقدية المرتبطة بالعقيدة.
قال: [وروى أبو بكر بن المنذر عن النبي ﷺ أنه قال: (لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن: افتتاح الصلاة) يعني: عند تكبيرة الإحرام (واستقبال البيت، وعلى الصفا والمروة) فيستحب بعد أن يرتقي جبل الصفا أو المروة أن يرفع يديه ويدعو الله (وعلى الموقفين، والجمرتين)]، والموقفان: عرفة، ومزدلفة؛ لحديث أسامة بن زيد: (رفع يده -يوم عرفة- حتى سقط خطام الدابة من يده)، وكذلك فعل ﵊ في مزدلفة.
والجمرتان: الجمرة الصغرى، والجمرة الوسطى، فيرمي الجمرة الصغرى بسبع حصيات، ويكبر بعد كل حصاة، ثم يقف مستقبل الكعبة ويدعو، وكان ابن عمر ﵄ يدعو بمقدار قراءة سورة البقرة، وكذلك يفعل في الجمرة الوسطى والكبرى، لكن لا يقف يدعو بعد رمي الجمرة الكبرى، وهذا ما سنوضحه إن شاء الله في بيان صفة الحج والعمرة.
قال: (ولأن الدعاء يستحب عند رؤية البيت؛ فقد أمر برفع اليدين عند الدعاء، ويستحب أن يدعو فيقول: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابة وبراً، وزد من عظمه وشرفه ممن حجه واعتمره تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابة وبراً، الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً كما هو أهله، وكما ينبغي لكريم وجهه وعز جلاله، الحمد لله الذي بلغني بيته، ورآني لذلك أهلاً، والحمد لله على كل حال، اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام، وقد جئتك لذلك؛ اللهم تقبل مني واعف عني، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت)، ذكر هذا الدعاء أبو بكر الأثرم، وبعضه مروي عن سعيد بن المسيب، وهو يليق بالمكان فذكرناه).
وسعيد بن المسيب كما هو معروف من كبار التابعين، ومراسيله يؤخذ بها؛ لأنه أخذها عن الصحابة، ولذلك فمراسيل التابعين الكبار، كمراسيل سعيد بن المسيب حينما يأخذونها عن الصحابة لها حكم الرفع، وأصل الدعاء هنا مشروع، فيدعو المسلم بما شاء، وهذا الدعاء الذي أورده المصنف هو على سبيل الاستئناس.
стр. 720
الابتداء بطواف العمرة لمن كان معتمراً، وبطواف القدوم لمن كان مفرداً أو قارناً
قال: [ثم يبتدئ بطواف العمرة إن كان معتمراً]، وهذا بالنسبة للحاج المتمتع.
[أو بطواف القدوم إن كان مفرداً أو قارناً]، والفرق بينهما: أن طواف القدوم سنة، لا حرج على من تركه، بينما طواف العمرة ركن من أركان العمرة، إن تركه بطلت العمرة.
كذلك يسن في طواف القدوم وطواف العمرة الاضطباع والرمل، وليس هناك اضطباع ولا رمل إلا في طواف القدوم وطواف العمرة، والاضطباع: أن يكشف كتفه الأيمن في حال الطواف، والرمل: أن يقارب بين الخطا في الأشواط الثلاثة الأولى، ولذا قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيضطبع بردائه فيجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على الأيسر، وتبقى كتفه اليمنى مكشوفة، وهو مستحب في طواف القدوم؛ لما روى أبو داود وابن ماجه عن يعلى بن أمية: (أن النبي ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، وقذفوها على عواتقهم اليسرى)]، قال بعض العلماء: إن الرمل كان لعلة، وهي: أن المشركين قالوا: إن النبي ﷺ وأصحابه قد أصابتهم حمى المدينة، فرملوا ليروهم القوة، هذا الكلام في الحقيقة محل نظر؛ لأن الصحابة بعد ذلك كانوا يرملون في العصور المتتابعة، والرمل والاضطباع للرجال دون النساء.
стр. 721
استلام الحجر الأسود وتقبيله
قال: [ويبدأ بالحجر الأسود فيستلمه]، يعني: يستلم الحجر الأسود ويبدأ الطواف من عنده، [وهو أن يمسحه بيده ويقبله، قال أسلم: (رأيت عمر بن الخطاب ﵁ قبل الحجر وقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك)، متفق عليه.
وروى ابن ماجه عن ابن عمر قال: (استقبل النبي ﷺ الحجر، ثم وضع شفتيه عليه)]، أي: لم يضع يديه ثم قبله، وإنما قبله مباشرة ﵊.
قال: (يبكي طويلاً، فإذا هو بـ عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا عمر! هاهنا تسكب العبرات)]، أي: الدموع، وإن تعسر عليه استلام الحجر الأسود، فله أن يشير إليه بيده اليمنى ويقول: باسم الله والله أكبر، ثم يطوف، وليس معنى ذلك: أن يؤذي الناس بغرض تقبيل الحجر، لا، فإن إيذاء المسلمين حرام، وتقبيل الحجر سنة؛ فلا يرتكب حراماً لأجل سنة.
قال: [ويقول عند استلامه: باسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ ].
стр. 722
صفة الطواف بالبيت العتيق
قال: [ثم يأخذ عن يمينه ويجعل البيت عن يساره]، أي: يبدأ بالطواف من الحجر الأسود، ويجعل الكعبة عن يساره.
стр. 723
الرمل ثلاثاً والمشي أربعاً في الطواف
قال: [فيطوف سبعاً يرمل في الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر، ويمشي في الأربعة الأخر، ومعنى الرمل: إسراع المشي مع مقاربة الخطا من غير وثب، وهو سنة في الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم، لا نعلم في ذلك خلافاً بين أهل العلم]، وقد يقول قائل: لم يقل: من طواف القدوم وطواف العمرة أيضاً؛ لأن طواف العمرة أولاً طواف بالبيت، كذلك: أن قوله: (طواف القدوم)، يشمل طواف العمرة وطواف القدوم للقارن وللمفرد على السواء.
ثم قال: [وقد ثبت أن النبي ﷺ رمل ثلاثاً ومشى أربعاً، رواه جابر وابن عباس وابن عمر في أحاديث متفق عليها، وحديث جابر من أفراد مسلم]، أي: أن حجة الوداع للنبي ﷺ انفرد بها جابر بن عبد الله، وقد رواها الإمام مسلم في صحيحه، وهي أفضل ما روي في حجة الوداع؛ لأن جابراً قد تعقب حج النبي ﷺ من لحظة خروجه إلى حين عودته.
стр. 724
سبب الرمل
قال: [وسبب الرمل فيما روى ابن عباس: (أن النبي ﷺ قدم مكة فقال المشركون: إن محمداً وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال، وكانوا يحسدونه -أي: هذا ادعاء- قال: فأمرهم رسول الله ﷺ أن يرملوا ثلاثاً ويمشوا أربعاً) رواه مسلم]، لذا أراد بعض العلماء أن يجعل الرمل لعلة، وعندما تزول العلة يسقط الحكم؛ لأن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماًَ، وهذا كلام غير صحيح؛ لأن الثابت من فعل الصحابة بعد ذلك أنهم حافظوا على مثل هذه السنة، ومثله: الالتفات يميناً ويساراً عند الأذان، سواء سمع من على يمينه أو لم يسمع، فلا يأت أحد فيقول: إن الالتفات يميناً ويساراً شرع حتى يسمع من في يمين ويسار المؤذن، لا، لأن الأمر بذلك سنة، ولأنه ربما قد تكون هناك علة أخرى لا نعرفها، ولذا قال المصنف: [فإن قيل: أليس الحكم إذا تعلق بعلة زال بزوالها؟ ف
الجواب
أن النبي ﷺ قد رمل واضطبع في حجة الوداع بعد الفتح، ثبت أنها سنة ثابتة.
وقال ابن عباس: (رمل النبي في عمرته كلها وفي حجه، وأبو بكر وعمر وعثمان والخلفاء من بعدهم)].
وفي المقابل: سن عثمان لنداء الجمعة الأول، وذلك بعد اتساع الرقعة الإسلامية، لكن بعد معرفة الأوقات بأكثر من طريقة، ووجود مكبرات الصوت، فقد زالت العلة، وبزوالها زال فعل عثمان ﵁، ولذا إذا أراد المسلم أن يطبق سنة عثمان فلا بأس، لكن يؤذن قبل الجمعة بنصف ساعة تقريباً، لأن الأذان الأول إعلام باقتراب دخول الوقت، لا أن يؤذن الأذان الأول في وقت الصلاة، ثم يؤذن الأذان الثاني والإمام على المنبر، فهذه بدعة ومخالفة لسنة عثمان التي يحتذي بها، ومثله: الأذان الأول في الفجر؛ لينبه النائم وليغتسل الجنب قبل دخول الوقت الحقيقي للفجر.
وكذلك: ما أورده البخاري رحمه الله تعالى في كتاب التيمم من حديث سيدنا عمر ﵁: لما نزل النبي ﷺ وادياً مع أصحابه، فأرادوا أن يناموا، فقال: من يقوم على إيقاظنا في الفجر؟ فقال بلال: أنا يا رسول الله! فقام سيدنا بلال يحرسهم لأجل أن ينبههم لصلاة الفجر، فنام بلال -لأنهم نزلوا بواد بعد طول تعب وسهر وعناء- والنبي ﷺ والصحابة حتى ارتفعت الشمس، فاستيقظ الصحابة على حرارتها، يقول عمر: فكنت ثالث القوم -وكان النبي ﷺ ما زال نائماً- وكنا نكره أن نوقظه؛ لعله يوحى إليه، فأخذ عمر يكبر بصوت مرتفع فاستيقظ النبي ﷺ ، فعاتب بلالاً، فقال: بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك يا رسول الله! وفي الحديث فوائد كثيرة جداً، منها: مشروعية إيقاظ النائم بالتكبير، ومشروعية النداء بعد خروج الوقت، وصلاة النافلة بعد خروج الوقت، وصلاة الجماعة بعد خروج الوقت، والصلاة الفائتة تقضى على صفتها، بمعنى: أنه إذا نام عن العشاء إلى الفجر، صلى الفجر أولاً، ثم صلى العشاء جهراً؛ لأن القضاء على صفة الفرض، وإن ضاق الوقت لقضاء الفائتة سقط الترتيب للمشقة والعجز، كمن قام من النوم والناس يصلون الفجر ولم يصل العشاء بعد، فليصل الفجر مع الجماعة أولاً، ثم يصلي العشاء، ويسقط الترتيب للعجز.
ومثله: من فاته قيام الليل قضاه جهراً؛ لحديث مسلم: (من نام عن حزبه أو نسيه؛ فليصله من بعد طلوع الفجر إلى الظهر)، ولذلك يرى الشيخ ابن عثيمين: أن من فاته الوتر في الليل قضاه شفعاً، فإن كان يصلي الوتر ثلاث ركعات، قضاه بعد الفجر أربعاً، بزيادة ركعة عن ركعات الوتر المعتادة، والدليل ما روت عائشة: (أن النبي ﷺ كان إذا نام عن صلاة الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة).
стр. 725
ما يفعله الحاج عندما يحاذي الركن اليماني والحجر
قال: [وكلما حاذى الركن اليماني والحجر استلمهما وكبر وهلل]، فالركن اليماني يستلم ولا يشار إليه، بينما الحجر الأسود يستلم ويشار إليه، بل ويقبل أيضاً إن استطاع، وهذه سنة لا ينبغي للإنسان الإصرار عليها مع الزحام الشديد، وبعض النساء قد تزاحم الرجال لأجل تقبيل الحجر، وهذا أمر لا ينبغي ولا يجوز.
قال: [لأن ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في طوافه)، قال نافع: وكان ابن عمر يفعله، رواه أبو داود]، ونافع هو مولى ابن عمر، وعكرمة مولى ابن عباس، والسلسلة الذهبية هي مالك عن نافع عن ابن عمر.
قال: [وروى البخاري عن ابن عباس قال: (طاف النبي ﷺ على بعير، كلما أتى الركن أشار إليه وكبر)]، وفيه جواز أن يطوف المسلم على بعير، وأن يدخل المسلم ببعيره إلى المسجد، وقد بوب البخاري رحمه الله تعالى باباً سماه: باب: (دخول البعير إلى المسجد)، واستدل بهذا الحديث، لكن المسجد في تلك الأيام كان مفروشاً بالتراب أو بالحصباء، أما الآن فلا يمكن أن يدخل المسلم ببعيره إلى أي مسجد، ثم يستدل بحديث البخاري! ومثله: جواز الطواف بالعربة للحاجة، كأن يكون الإنسان عاجزاً عن الطواف راكباً، وبعض الناس استحب أن يطوف راكباً؛ لأن النبي ﷺ طاف راكباً، لكن هل فعل النبي هنا للتشريع أم لأنه عجز عن الطواف راجلاً؟
стр. 726
ما يقوله الحاج بين الركنين
قال: [ويقول بين الركنين -الركن اليماني والحجر الأسود-: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]؛ لما روى الإمام أحمد في المناسك عن عبد الله بن السائب: (أنه سمع النبي ﷺ يقول بين ركن بني جمح والركن الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١])]، والحديث وإن كان ضعيفاً إلا أن له شاهداً صحيحاً، فنذكره على سبيل الاستئناس، وقيل: الحديث حسن.
قال: [وروى ابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (وكل به -يعني: الركن اليماني- سبعون ألف ملك، فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؛ قالوا: آمين)]، هذا الحديث ضعيف، والمشروع أن يقول بين الركن اليماني وبين الحجر الأسود: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
قال: [ويدعو في سائره بما أحب]، أي: ليس هناك دعاء بصفة معينة حول الكعبة، لكن تجد أنه قد أُلِفت كتب كثيرة في الدعاء حول الكعبة، في الشوط الأول كذا، وفي الشوط الثاني كذا وهكذا، وتجد الناس يسيرون وهم يدعون دعاء جماعياً، ويرفعون أصواتهم بذلك، وهذا مخالف للسنة، والعجب أنهم يدعون دعاءً جماعياً باصطحاب المرشد الذي يقرأ لهم من الكتاب ويرددون خلفه، فتسمع العجائب من هذا المرشد، بل وأحياناً تسمعه يقرأ القرآن خطأً عند الطواف أو السعي بين الصفا والمروة، فلا ينبغي أبداً أن يكون هناك دعاء جماعي بهذه الطريقة، وكذلك النساء لا يجوز لهن رفع الصوت بالدعاء، وقد تجد بعض الناس يعقد الصفقات بالهاتف أثناء الطواف، وبعضهم يتحدثون في أمور الدنيا وشهواتها! وهذا إن دل فإنما يدل على أن الناس في غفلة، وأن القلوب لا زالت معلقة بالدنيا، وحدث ولا حرج عن المخالفات التي تحدث في الطواف والسعي.
قال: [لما روي عن ابن عباس: أنه كان إذا جاء إلى الركن اليماني قال: اللهم قنعني بما رزقتني، واخلف لي على كل غائبة بخير ويستحب أن يقول: اللهم اجعله حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً، رب اغفر وارحم واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم، وكان عبد الرحمن بن عوف يقول: رب قني شح نفسي، وعن عروة قال: كان أصحاب النبي ﷺ يقولون: لا إله إلا أنت، وأنت تحيينا بعد ما أمتنا، ويستحب الإكثار من ذلك.
قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : (إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، رواه الأثرم وابن المنذر]، والحديث قد يكون ضعيفاً في نظر من حققه، بينما الترمذي هنا حسنه وصححه، وهذا كثير، فتجد من العلماء من يضعِّف الحديث، وتجد منهم من يصحح الحديث، فمثلاً: صلاة التسابيح صححها الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وابن الجوزي قال عنها: موضوعة، والراجح في صلاة التسابيح أن حديثها ضعيف لا شك في هذا، والشيخ ابن باز ﵀ قال: حديثها منكر، وهي صلاة تشرع في العمر مرة واحدة، فمن العلماء من قال: إنها موضوعة، ومنهم من قال: هي صحيحة، وبعض الناس بارك الله فيهم يتمسكون برأي واحد في الحديث، فإذا ضعف الشيخ الألباني حديثاً ﵀ يقولون: ضعيف، ولا يقرئون آراء حفاظ الأمة في الحديث، كـ ابن حجر وابن عساكر والسيوطي رحمهم الله تعالى، لذا ينبغي على المسلم أن يصغي إلى آراء العلماء وحكمهم على الحديث، ولا يكتفي بالحكم على الحديث من عالم واحد فقط، ثم له أن ينظر في الحكم عليه إن كان من أهل الصنعة، كما ينبغي على المسلم ألا يتسرع في الحكم على الحديث إذا رأى من ضعفه، لأنه ربما قد يكون صحيحاً من طرق أخرى، كـ الترمذي رحمه الله تعالى فهو يتساهل كثيراً في تصحيح الحديث.
стр. 727
حكم الطواف دون وضوء أو الإحداث أثناءه
وهنا مسألة: ما حكم من أحدث وهو يطوف، هل يخرج ويتوضأ ثم يتم طوافه، أم يبدأ من جديد، أم ليس هناك وضوء على من طاف بالبيت؟ المسألة خلافية بين الفقهاء: جمهور الفقهاء الأربعة يرون أنه يشترط الوضوء للطواف بالبيت، ودليلهم: أن الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أحل فيه الكلام؛ فجعلوا الطواف كالصلاة فيشترط فيه ما يشترط في الصلاة.
وشيخ الإسلام ابن تيمية -بمفرده- يرى أنه لا يشترط الوضوء للطواف بالبيت، وقال: قياس الجمهور قياس مع الفارق من وجوه، ثم أخذ يسرد تلك الوجوه ﵀.
والراجح هو قول جمهور الفقهاء الأربعة؛ لأن المسألة عليها أكثر من دليل.
لكن لو أحدث وهو يطوف ثم توضأ، فهل يبني على ما سبق أم يبدأ الطواف من أوله؟ من العلماء من قال: يبني على ما سبق، واعتبر كل شوط عبادة مستقلة، ومنهم من قال: يبدأ من أوله؛ واعتبر السبعة الأشواط عبادة واحدة، وذلك كمن أحدث في الركعة الثالثة من الصلاة الرباعية فخرج وتوضأ، ثم عاد يصلي من أولها.
والراجح: أنه يبني على ما سبق؛ لأن المشقة تجلب التيسير، ولا يمكن أن نقول له: استأنف، خاصة إذا كان قد أتى بخمسة أشواط أو ستة، فضلاً عن أن العلماء قالوا: إن من طاف شوطاً وأراد أن يستريح قليلاً لتعبه فله ذلك، ثم يطوف الشوط الثاني بعد قليل، بحيث لا يتسع الوقت بين الشوطين، فيكمل الطواف من حيث انتهى، لكن بإلغاء الشوط الذي كان فيه، والله تعالى أعلم.
стр. 728
العدة شرح العمدة [٤٨]
يسن لمن قضى الطواف حول البيت أن يصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم، ثم يخرج إلى الصفا من بابه، والسعي سبعة أشواط يبدأ الشوط الأول بالصفا وينتهي السابع بالمروة وأثناء ذلك يهرول بين العلمين الأخضرين في كل شوط.
стр. 729
صلاة ركعتين خلف المقام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فلا زلنا مع كتاب الحج والعمرة، باب: (دخول مكة).
قال المصنف ﵀: [ثم يصلي ركعتين خلف المقام]، أي: بعد الانتهاء من طواف العمرة إن كان متمتعاً، أو طواف القدوم إن كان قارناً أو مفرداً، يصلي ركعتين خلف المقام؛ لقول ربنا سبحانه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥].
وقصة مقام إبراهيم أخرجها الإمام البخاري في صحيحه من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: أن إبراهيم ﵇ لما كلفه الله بأن يرفع قواعد البيت، وكلف ولده إسماعيل أن يعاونه، قام إبراهيم يبني وإسماعيل يساعده إلى أن بلغت الكعبة إلى طوله، فأتى له بحجر فقام عليه، وذلك ليرفع البناء، وفي هذا إشارة إلى أن العبد ينفذ أوامر الله ثم يزيد عليها فوق طاقته، كالنوافل والمستحبات، فلما قام إبراهيم ﵇ على هذا الحجر أمرنا الله أن نتخذ هذا المقام مصلى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥].
وهذه من موافقات عمر للوحي، فقد قال ﵁: (يا رسول الله لو اتخدنا من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]) ومعنى المقام: أن تصلي فتجعل المقام بينك وبين الكعبة.
وشيخنا ابن باز له فتوى وهي: أن الحرم كله مقام في حال الزحام، فلا يشترط أن تصلي إلى المقام مباشرة، فلو صليت في الطابق الثاني عند الزحام جاز، ولو صليت فوق السطح جاز، طالما أنك تجعل المقام بينك وبين الكعبة في حال الزحام الشديد، بينما البعض يصر على أن يصلي بالقرب من المقام فيعرقل الطواف، والناس قد تدوسه وهو ساجد، وهو يظن أنه بذلك يحسن صنعاً.
стр. 730
تخفيف الركعتين
ثم من السنة أن يخفف الركعتين، فيقرأ في الأولى: بـ (الكافرون)، وفي الثانية بـ (الإخلاص).
قال ﵀: [روى جابر في صفة حج النبي ﷺ : (حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم وقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]، فجعل المقام بينه وبين البيت)، قال محمد بن علي: ولا أعلمه إلا ذكره عن النبي ﷺ ، كان يقرأ في الركعتين: ((قل هو الله أحد))، و: ((قل يا أيها الكافرون))، ومهما قرأ فيهما بعد الفاتحة جاز وحيث ركعهما جاز، فإن ابن عمر ركعهما بذي طوى، رواه البخاري وأحمد.
ولا بأس أن يصليهما إلى غير سترة، فإن النبي ﷺ صلاهما والطواف بين يديه وليس بينهما شيء، وكذلك سائر الصلوات بمكة لا يعتبر لها سترة]، وخالف في ذلك الشيخ الألباني ﵀ فقال: لا بد من اتخاذ السترة في المسجد الحرام.
لكن اتخاذ السترة عند الطواف وبين المقام من المشقة البالغة، والمشقة تجلب التيسير، والواجبات -على القول بأن السترة واجبة- تسقط بالعجز، والطواف مقدم على الصلاة، قال تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥]، فقدم الطواف على الركوع والسجود، وعليه فلا يمكن أن نأمر المصلي بأن يتخذ سترة عند الصلاة إلى المقام؛ لأنه يترتب على ذلك تعطيل الطواف، وهذه من المشقة التي لا يمكن التحرز منها كما قال العلماء.
стр. 731
حكم الركعتين خلف المقام
وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الركعتين خلف المقام، هل هما واجبتان أم هما من السنن المؤكدة عن النبي ﷺ ؟ والراجح والله تعالى أعلم: أنهما من السنن المؤكدة عن النبي ﷺ ، وتصليان في أي وقت، حتى وإن كان وقت كراهة، كالصلاة بعد الفجر، لقول النبي ﷺ : (لا صلاة بعد الفجر حتى تشرق الشمس)، والصلاة بعد العصر، والصلاة عند شروق الشمس وعند غروبها، والصلاة عندما تكون الشمس في وسط السماء، يعني: قبل الظهر بقليل.
فهذه الأوقات الخمسة ينهى فيها عن التنفل المطلق، والصلاة ذات السبب تصلى في أي وقت، كدخول الرجل المسجد بعد الصبح، وهذا هو مذهب الشافعي وهو الراجح، خلافاً للإمام مالك الذي كان ينهى عن الصلاة المسببة في هذه الأوقات، ويروى أن مالكاً دخل يوماً المسجد بعد الصبح فقال له شاب: صل ركعتين تحية المسجد.
فصلى، فقيل له: يا إمام صليت وخالفت ما تقول! قال: خشيت من أن ينطبق علي قول الله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات:٤٨]، فالإمام مالك رغم أنه يرى عدم الصلاة المسببة في أوقات الكراهة إلا أنه صلاها مرة، وعلى كل فالصلاة المسببة ومنها هذه الصلاة، أي: صلاة ركعتين خلف المقام، جائزة في أي وقت من ليل أو نهار، ومتى ما انتهى المسلم من الطواف صلاهما في أي وقت.
стр. 732
العودة إلى الركن لاستلامه بعد الفراغ من ركعتي الطواف
قال: [ويعود إلى الركن فيستلمه، يعني: إذا فرغ من ركعتي الطواف وأراد أن يخرج إلى الصفا فقال أحمد: يعود فيستلم الحجر، وكان ابن عمر يفعل ذلك ولا نعلم في ذلك خلافاً، والأصل فعل النبي ﷺ له، ذكره جابر في صفة حجة النبي ﵊]، وجابر بن عبد الله هو الذي روى حجة رسول الله ﷺ في صحيح مسلم.
стр. 733
ما يفعله الحاج عند خروجه إلى الصفا من بابه
قال: [ثم يخرج إلى الصفا من بابه فيرقى عليه ويكبر الله ويهلله ويدعوه]، أي: يخرج إلى جبل الصفا من بابه فيرقى عليه ويدعو الله ، وبين الصفا والمروة وادٍ كان منخفضاً، وهي اليوم ما بين المصباحين الأخضرين أو العلمين الأخضرين، وقد كانت تهرول فيها هاجر يوم أن بحثت عن الماء لابنها إسماعيل، والحديث عند الشيخين، وفيه أن سعيد بن جبير لما شعر باقتراب أجله برز لتلامذته ليسألوه، فأكثروا عليه في السؤال، فكان مما سألوه عنه أنهم سألوه عن مقام إبراهيم، فروى هذا الحديث الطويل وفيه: أنه لما كان بين إبراهيم وبين زوجه سارة ما كان، ومحاولة ملك مصر أن يفعل الفاحشة بزوجته فدعت عليه، ثم وهبها أو أعطاها هاجر ﵍، وكانت أمة مملوكة، ثم أعطتها سارة لإبراهيم ﵇ فتسرى بها، أي: دخل بها لأنها كانت من الإماء، فحملت هاجر ﵍، فغارت سارة عند ذلك، والغيرة شيء معروف عند النساء لا يمكن أن تنكر بأي حال من الأحوال، عند ذلك أمر الله إبراهيم أن يفصل بين زوجتيه سارة وهاجر، لأن الحكمة لمن تزوج بامرأتين أن يفصل بينهما، ولا يدعهما في مكان واحد، فإن حدث ما لا يحمد عقباه فلا يلومن إلا نفسه، فكان من إبراهيم أن جعل سارة في الشام، وأخذ هاجر وولدها الرضيع إلى شبه الجزيرة، واتخذت هاجر ذيلاً لثوبها يربط بحزامه على وسطها لتمحو أثر أقدامها حتى لا تتبعها سارة، فتعرف مكانها فتلحق بها، فوضع إبراهيم ﵇ زوجه وولدها الرضيع في واد غير ذي زرع، ووضع لهما جراباً من تمر وإناء من ماء، ثم تركهما وانصرف، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]، فنادت هاجر فلم يجبها، حتى إذا ذهب إلى طريق كدا بعد أن بلغ الثنية التفت إليها فقالت له: يا إبراهيم لمن تتركنا أنا وابنك الرضيع، أربك أمرك بهذا؟ فقال: نعم، فقالت: إذاً فلن يضيعنا الله، وهذا من صدق التوكل على الله .
ثم أخذت أمنا هاجر تبحث عن الماء -بعد أن نفد ماؤها- لتشرب هي ورضيعها، فأخذت تصعد إلى جبل الصفا، ثم تهبط إلى بطن الوادي فتهرول فيه، ثم تصعد إلى جبل المروة، وهكذا حتى أتمت سبعة أشواط وهي تنظر إلى ولدها إسماعيل لعله قد مات؛ لأنه كان يتقلب ظهراً على بطن من شدة الجوع والعطش، وبينما هي في الشوط السابع سمعت صوتاً فقالت لنفسها: صه، يعني: أنصتي، فإذا بجبريل ﵇ يقوم بين يديها: من أنتِ؟ قالت: أنا أم ولد إبراهيم، ولم تقل: أنا زوجة إبراهيم، لأنه فرق بين أم الولد وبين الزوجة، فقال: لمن ترككما في هذا المكان القحط ولمن وكلكما؟ فقالت: وكلنا إلى الله، فقال: هو حسبكما، فضرب الأرض فانفجر ماء زمزم، فأخذت هاجر تحيط الماء حرصاً على عدم ضياعه، قال ﷺ : (رحم الله هاجر لو تركت زمزم لأصبحت عيناً جارياً على سطح الأرض)، لكن حرص هاجر جعل الماء في هذه البقعة.
стр. 734
الدعاء عند الوقوف بجبل الصفا
قال: [قال جابر: ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا قرأ قول الله سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨]، أبدأ بما بدأ الله به -أي: أبدأ بالصفا- فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت -يعني: رقى إلى الصفا حتى رأى الكعبة- فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك وقال مثل هذا ثلاث مرات.
وكان ابن عمر يقوم على الصفا فيكبر سبع مرات ثلاثاً ثلاثاً، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم اعصمني بدينك وطاعتك وطاعة رسولك، اللهم جنبني حدودك، اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وأنبيائك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم يسرني لليسرى وجنبي العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، واجعلني من أئمة المتقين، واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين، اللهم إنك قلت وقولك الحق: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وإنك لا تخلف الميعاد، اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعني منه، ولا تنزعه مني حتى توفاني عليه، اللهم لا تقدمني للعذاب ولا تؤخرني لسوء الفتن، ويدعو دعاءً كثيراً حتى أنه ليملنا وإنا لشباب]، أي: أنه من طول دعائه لا يستطيع الشباب أن يحاكوه.
ولا يشترط الوضوء للسعي بين الصفا والمروة، والذهاب من الصفا إلى المروة يعتبر شوطاً، ومن المروة إلى الصفا شوطاً آخر، لا كما يفعله بعض الناس، فيحسب الذهاب من الصفا إلى المروة والعودة من المروة إلى الصفا شوطاً واحداً، فيسعى أربعة عشر شوطاً! والبعض قد يعقد لكل شوط دعاء، والبعض الآخر قد يلحن في قراءة القرآن، حتى تجد البعض يقول: (فلا جناح عليه أن يتطوف بهما)، والناس تردد خلفه ولا تعلم الخطأ، فينبغي على العبد أن تعلوه السكينة والوقار، وأن يعيش هذه المناسك العظيمة.
ومن اللطائف في هذا المقام: أن ابن عباس كان يرى أن ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين من رمضان، فلما سئل عن ذلك قال: الطواف حول البيت سبع، والسعي بين الصفا والمروة سبع، وعدد السموات سبع، وعدد الأرضين سبع، والمسلم يسجد على سبعة أعضاء، ويسمى الولد في يوم سابع ولادته، وقال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ﴾ [الحاقة:٧]، وقال في موضع آخر: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان:٢٧].
стр. 735
الهرولة بين العلمين الأخضرين وكيفية احتساب الشوط في السعي
قال ﵀: [ثم ينزل فيمشي إلى العلم، ثم يسعى إلى العلم الآخر]، يعني: أنه يسعى بين العلمين الأخضرين، وهي منطقة الوادي التي كانت تهرول فيها أمنا هاجر ﵍.
قال: [ثم يمشي حتى يأتي المروة فيفعل كفعله على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه، حتى يكمل سبعة أشواط]، ولا يشترط التتابع بين السبعة الأشواط، فله أن يستريح ثم يكمل طالما أنه ليس هناك فرق زمني كبير بين الشوط والشوط، لكن ليس من المقبول أبداً أن يسعى شوطاً ثم يخرج إلى الفندق وينام ثلاث ساعات، ثم يغتسل ويعود فيكمل! نقول له: أن يستريح لكن بالحد المعقول الذي لا يخرج عن المألوف أو عن انقطاع التتابع، وله أن يشرب أثناء السعي، وأن يقضي حاجته إذا أراد.
قال: [يحتسب بالذهاب سعيةً وبالرجوع سعيةً، يفتتح بالصفا ويختم بالمروة، هذا وصف السعي، قال جابر في صفة حج النبي ﷺ : (ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدنا مشى)].
والهرولة لا تكون إلا للرجال دون النساء، فالمرأة تمشي بسكينة ووقار، والخطأ أن تهرول المرأة، لأنها بذلك تظهر مفاتنها فلا يجوز.
стр. 736
التحلل بحلق الشعر أو تقصيره للرجل والأخذ منه قدر أنملة للمرأة
ثم بعد أن يتم السبعة الأشواط يتحلل، فيحلق أو يقصر، والمرأة تأخذ من ظفيرتيها قدر أنملة الأصبع، ومن المخالفات أن بعض الناس عندما يقصر يأخذ جزءاً يسيراً من شعره، وهذا لا يجوز، حتى أن بعض العلماء قد أوجب عليه دماً؛ لأنه ما حلق أو قصر التقصير الصحيح، فيأخذ من جميع أجزاء رأسه، والمستحب لمن حج قارناً أن يؤخر الحلق إلى حجه، وإن كان سيؤدي عمرة فقط في رمضان ثم يعود إلى بلده، فالأولى أن يحلق.
стр. 737
حرمة الأخذ من اللحية
ولا يجوز للمسلم أن يأخذ من لحيته، فإن قال قائل: حديث أم سلمة عند مسلم: (إذا أهل بالحجة وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره)، فهل للمسلم بعد أن يضحي أن يأخذ من شعر لحيته؟! ف
الجواب
لا يجوز، وأما فعل ابن عمر ﵄ أنه كان يأخذ ما زاد على القبضة فمخالف لروايته: (أعفوا اللحى)، فتقدم الرواية على الفعل، ومثل ذلك: حديث أبي هريرة ﵁: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أولاهن بالتراب)، وكان أبو هريرة يغسله ثلاثاً، فنقدم روايته على فعله كما هو مقرر في علم الأصول.
أيضاً: جاء في البخاري: أن الصحابة كانوا يعرفون قراءة النبي ﷺ في صلاة العصر من اضطراب لحيته، يعني: أن لحيته كانت تهتز، وهذا يدل على أن لحيته ﵊ كانت كبيرة وكثيفة، وحالنا اليوم أننا نأخذ من اللحية كثيراً ونحتج بفعل عبد الله بن عمر ﵄، ونقول: إن ابن عمر ﵄ قد حج ستين حجة وكان يأخذ من لحيته على مرأى ومسمع من الصحابة، ولم يثبت عن أحد أنه أنكر عليه، فكيف ذلك؟! ف
الجواب
أولاً: غير صحيح أن ابن عمر ﵄ حج ستين حجة.
ثانياً: أن فعل ابن عمر هذا ليس حجة على غيره من الصحابة، فقد كان بعض الصحابة من تبلغ لحيته إلى سرته، وليس فعل بعضهم حجة على بعض، وإنما الحجة الدليل، وهذا كلام الأصوليين.
ومثل ذلك: أن الكل يُجمع على أن الحجاب من الفروض الإسلامية، والعجيب أنهم يشترطون على المذيعة أو المضيفة حتى تحصل على عمل: أن تظهر نحرها وشعرها، ولم نر مذيعة أو مضيفة محجبة، وإلا فالفصل ينتظرهما، فهم بذلك يناقضون أنفسهم، وإلا فما دام أنه فريضة من الفرائض فلماذا لا يعمل به؟! وكذلك اللحية فهي فرض، ومع ذلك يعبثون بها!!
стр. 738
البدء بالصفا والختم بالمروة في السعي
قال ﵀: [ويفتتح بالصفا ويختم بالمروة؛ لأن النبي ﷺ بدأ بالصفا، وقال: (أبدأ بما بدأ الله به)، فيقتضي الترتيب؛ لأنه أمر يقتضي الوجوب، فلو بدأ بالمروة لم يعتد بذلك الشوط]، أي: لو أن حاجاً بدأ بالمروة فإنه لا يحسب له شوطاً، لأن الترتيب في الآية: ﴿إِنَّ الصَّفَا﴾ [البقرة:١٥٨]، يقتضي الوجوب، ومثله في الوضوء، خلافاً لبعضهم، قال الشافعي رحمه الله تعالى: إن إدخال العضو الممسوح بين المغسولين -في الآية- لا يفيد إلا الترتيب، حيث قال الله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة:٦]، فـ (أرجلكم) معطوفة على (وأيديكم إلى المرافق)، فكما أنه تغسل الذراعان فكذلك تغسل القدمان، وإدخال الممسوح بين المغسولين أفاد الترتيب، لأن الترتيب لو كان غير مقصود لجاء بالمغسول على حاله وجاء بالممسوح كذلك على حاله، وهذا الكلام معتبر وله حجته.
قال: [ثم يقصر من شعره إن كان معتمراً وقد حل، إلا المتمتع إن كان معه هدي والقارن والمفرد فإنه لا يحل]، أي: بعد انتهائه من السعي بين الصفا والمروة يحلق أو يقصر إن كان متمتعاً، ويجوز له كل شيء من محظورات الإحرام حتى النساء، وأما إن كان قارناً أو مفرداً أو متمتعاً قد ساق الهدي، فإنه لا يحل له أن يتحلل، وإنما يظل على إحرامه، فالقارن قد قرن بين حج وعمرة، والمفرد سيؤدي حجاً فقط، والمتمتع الذي ساق الهدي من بلده يلزمه أن يقرن؛ لأن النبي ﷺ قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولتحللت).
قال: [لما روى ابن عمر قال: (تمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال للناس: من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت والصفا والمروة وليقصر وليحلل)، متفق عليه.
والأحاديث في ذلك كثيرة لا نعلم فيها خلافاً].
وقد جمع ووفق ابن عثيمين بين الروايات الثلاث التي تقول: إن النبي ﷺ قد حج متمتعاً، وحج قارناً، وحج مفرداً، وكلها صحيحة، فقال رحمه الله تعالى: حج النبي ﷺ قارناً لأنه ساق الهدي، وحج مفرداً لأنه أتى بأعمال الحاج المفرد والتي هي نفس أعمال الحاج القارن، فكلاهما لهما طواف واحد وسعي واحد، ما عدا الدم، فالقارن يلزمه دم والمفرد لا يلزمه، وحج ﷺ متمتعاً لأنه أدى العمرة مع الحج، أي: في سفرة الحج، ولا شك أن التمتع هو أفضلها.
стр. 739
من كان معه هدي بقي على إحرامه وأدخل إحرام الحج على العمرة
قال: [أما من كان معه هدي فإنه يقيم على إحرامه ويدخل إحرام الحج على العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً]، أي: يظل محرماً ويدخل الحج على العمرة، لكن لا يجوز له أن يدخل العمرة على الحج، وهذا مذهب أحمد وهو الصحيح.
قال: [وفي حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (من كان معه هدي فليهل بالحج مع عمرته، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً).
стр. 740
المعتمر غير المتمتع يحل سواء كان معه هدي أو لم يكن معه هدي
قال: [وأما المعتمر غير المتمتع فإنه يحل سواء كان معه هدي أو لم يكن معه هدي، فإن كان معه هدي نحره عند المروة]، يعني: أنه يعتمر عمرة فقط، كمن يعتمر في رمضان ولم يؤد الحج، لكن هب أن إنساناً أحرم بالعمرة في رمضان وساق معه الهدي، فيجوز له أن يتحلل ويذبح الهدي، لأنه لم يسق الهدي في أشهر الحج.
قال: [وحيث نحره من مكة جاز -يعني: أن المعتمر لا بد عليه أن ينحر هديه في مكة- لأن النبي ﷺ اعتمر ثلاث عمر سوى العمرة التي مع حجته فكان يحل، وقال النبي ﷺ : (كل فجاج مكة طريق ومنحر).
следующие страницы →