← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 37427

التعليق على العدة شرح العمدة - أسامة سليمان

أسامة سليمان

Полный текст (1 195 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

التحلل بحلق الشعر أو تقصيره للرجل والأخذ منه قدر أنملة للمرأة ثم بعد أن يتم السبعة الأشواط يتحلل، فيحلق أو يقصر، والمرأة تأخذ من ظفيرتيها قدر أنملة الأصبع، ومن المخالفات أن بعض الناس عندما يقصر يأخذ جزءاً يسيراً من شعره، وهذا لا يجوز، حتى أن بعض العلماء قد أوجب عليه دماً؛ لأنه ما حلق أو قصر التقصير الصحيح، فيأخذ من جميع أجزاء رأسه، والمستحب لمن حج قارناً أن يؤخر الحلق إلى حجه، وإن كان سيؤدي عمرة فقط في رمضان ثم يعود إلى بلده، فالأولى أن يحلق.

стр. 737

حرمة الأخذ من اللحية ولا يجوز للمسلم أن يأخذ من لحيته، فإن قال قائل: حديث أم سلمة عند مسلم: (إذا أهل بالحجة وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره)، فهل للمسلم بعد أن يضحي أن يأخذ من شعر لحيته؟! ف الجواب لا يجوز، وأما فعل ابن عمر ﵄ أنه كان يأخذ ما زاد على القبضة فمخالف لروايته: (أعفوا اللحى)، فتقدم الرواية على الفعل، ومثل ذلك: حديث أبي هريرة ﵁: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أولاهن بالتراب)، وكان أبو هريرة يغسله ثلاثاً، فنقدم روايته على فعله كما هو مقرر في علم الأصول. أيضاً: جاء في البخاري: أن الصحابة كانوا يعرفون قراءة النبي ﷺ في صلاة العصر من اضطراب لحيته، يعني: أن لحيته كانت تهتز، وهذا يدل على أن لحيته ﵊ كانت كبيرة وكثيفة، وحالنا اليوم أننا نأخذ من اللحية كثيراً ونحتج بفعل عبد الله بن عمر ﵄، ونقول: إن ابن عمر ﵄ قد حج ستين حجة وكان يأخذ من لحيته على مرأى ومسمع من الصحابة، ولم يثبت عن أحد أنه أنكر عليه، فكيف ذلك؟! ف الجواب أولاً: غير صحيح أن ابن عمر ﵄ حج ستين حجة. ثانياً: أن فعل ابن عمر هذا ليس حجة على غيره من الصحابة، فقد كان بعض الصحابة من تبلغ لحيته إلى سرته، وليس فعل بعضهم حجة على بعض، وإنما الحجة الدليل، وهذا كلام الأصوليين. ومثل ذلك: أن الكل يُجمع على أن الحجاب من الفروض الإسلامية، والعجيب أنهم يشترطون على المذيعة أو المضيفة حتى تحصل على عمل: أن تظهر نحرها وشعرها، ولم نر مذيعة أو مضيفة محجبة، وإلا فالفصل ينتظرهما، فهم بذلك يناقضون أنفسهم، وإلا فما دام أنه فريضة من الفرائض فلماذا لا يعمل به؟! وكذلك اللحية فهي فرض، ومع ذلك يعبثون بها!!

стр. 738

البدء بالصفا والختم بالمروة في السعي قال ﵀: [ويفتتح بالصفا ويختم بالمروة؛ لأن النبي ﷺ بدأ بالصفا، وقال: (أبدأ بما بدأ الله به)، فيقتضي الترتيب؛ لأنه أمر يقتضي الوجوب، فلو بدأ بالمروة لم يعتد بذلك الشوط]، أي: لو أن حاجاً بدأ بالمروة فإنه لا يحسب له شوطاً، لأن الترتيب في الآية: ﴿إِنَّ الصَّفَا﴾ [البقرة:١٥٨]، يقتضي الوجوب، ومثله في الوضوء، خلافاً لبعضهم، قال الشافعي رحمه الله تعالى: إن إدخال العضو الممسوح بين المغسولين -في الآية- لا يفيد إلا الترتيب، حيث قال الله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة:٦]، فـ (أرجلكم) معطوفة على (وأيديكم إلى المرافق)، فكما أنه تغسل الذراعان فكذلك تغسل القدمان، وإدخال الممسوح بين المغسولين أفاد الترتيب، لأن الترتيب لو كان غير مقصود لجاء بالمغسول على حاله وجاء بالممسوح كذلك على حاله، وهذا الكلام معتبر وله حجته. قال: [ثم يقصر من شعره إن كان معتمراً وقد حل، إلا المتمتع إن كان معه هدي والقارن والمفرد فإنه لا يحل]، أي: بعد انتهائه من السعي بين الصفا والمروة يحلق أو يقصر إن كان متمتعاً، ويجوز له كل شيء من محظورات الإحرام حتى النساء، وأما إن كان قارناً أو مفرداً أو متمتعاً قد ساق الهدي، فإنه لا يحل له أن يتحلل، وإنما يظل على إحرامه، فالقارن قد قرن بين حج وعمرة، والمفرد سيؤدي حجاً فقط، والمتمتع الذي ساق الهدي من بلده يلزمه أن يقرن؛ لأن النبي ﷺ قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولتحللت). قال: [لما روى ابن عمر قال: (تمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال للناس: من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت والصفا والمروة وليقصر وليحلل)، متفق عليه. والأحاديث في ذلك كثيرة لا نعلم فيها خلافاً]. وقد جمع ووفق ابن عثيمين بين الروايات الثلاث التي تقول: إن النبي ﷺ قد حج متمتعاً، وحج قارناً، وحج مفرداً، وكلها صحيحة، فقال رحمه الله تعالى: حج النبي ﷺ قارناً لأنه ساق الهدي، وحج مفرداً لأنه أتى بأعمال الحاج المفرد والتي هي نفس أعمال الحاج القارن، فكلاهما لهما طواف واحد وسعي واحد، ما عدا الدم، فالقارن يلزمه دم والمفرد لا يلزمه، وحج ﷺ متمتعاً لأنه أدى العمرة مع الحج، أي: في سفرة الحج، ولا شك أن التمتع هو أفضلها.

стр. 739

من كان معه هدي بقي على إحرامه وأدخل إحرام الحج على العمرة قال: [أما من كان معه هدي فإنه يقيم على إحرامه ويدخل إحرام الحج على العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً]، أي: يظل محرماً ويدخل الحج على العمرة، لكن لا يجوز له أن يدخل العمرة على الحج، وهذا مذهب أحمد وهو الصحيح. قال: [وفي حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (من كان معه هدي فليهل بالحج مع عمرته، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً).

стр. 740

المعتمر غير المتمتع يحل سواء كان معه هدي أو لم يكن معه هدي قال: [وأما المعتمر غير المتمتع فإنه يحل سواء كان معه هدي أو لم يكن معه هدي، فإن كان معه هدي نحره عند المروة]، يعني: أنه يعتمر عمرة فقط، كمن يعتمر في رمضان ولم يؤد الحج، لكن هب أن إنساناً أحرم بالعمرة في رمضان وساق معه الهدي، فيجوز له أن يتحلل ويذبح الهدي، لأنه لم يسق الهدي في أشهر الحج. قال: [وحيث نحره من مكة جاز -يعني: أن المعتمر لا بد عليه أن ينحر هديه في مكة- لأن النبي ﷺ اعتمر ثلاث عمر سوى العمرة التي مع حجته فكان يحل، وقال النبي ﷺ : (كل فجاج مكة طريق ومنحر).

стр. 741

إذا طاف وسعى المفرد أو القارن استحب له أن يفسخ نية الحج وينوي عمرة مفردة قال: [وأما القارن والمفرد فيستحب له إذا طاف وسعى أن يفسخ نية الحج وينوي عمرة مفردة، فيقصر ويحل من إحرامه ليصير متمتعاً]، يعني: لو أن رجلاً نوى أن يحج قارناً، وأدى الطواف والسعي، فيجوز له أن يتحلل ويجعلها عمرة ثم يحج متمتعاً؛ لأن الصحابة فعلوا ذلك، فقد قلبوا الطواف والسعي إلى عمرة، والعمرة أركانها الآتي: الإحرام، والطواف، والسعي. وحتى لا يلتبس الأمر: فالإحرام ركن من أركان العمرة أو الحج، والإحرام من الميقات واجب، فلو أن رجلاً أراد أن يحج، ولا يستطيع أن يدخل السعودية إلا بمهنة جزار أو خدمة الحجيج، فله أن يدخل بملابسه ويحرم منها أو من جدة، ويلزمه فدية؛ لأنه جاوز الميقات دون إحرام، لكن أصل الإحرام ركن، يعني: يعقد النية عند الميقات ويلبي، وإن لم يستطع الفدية صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده. وآخر: رجل اعتمر في رمضان، ولما جاءت أشهر الحج لبى بالحج مفرداً من مكانه، فله أن يحج مفرداً وليس عليه دم؛ لأنه أوقع العمرة في غير أشهر الحج، بينما المتمتع هو من أوقع العمرة في أشهر الحج، وأشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأوائل من ذي الحجة، فمن اعتمر فيها يعتبر متمتعاً ويلزمه دم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦]. ثم قال: [وإنما يجوز ذلك بشرطين أحدهما: أن لا يكون معه هدي، فإن كان معه هدي بقي محرماً حتى يفرغ من أفعال الحج؛ لأن النبي ﷺ : (أمر أصحابه في حجة الوداع الذين أفردوا الحج وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها عمرة إلا من ساق معه هدياً)، رواه جابر وابن عباس وعائشة متفق عليه، واحتج أحمد بقوله ﵇: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة)، والأحاديث في ذلك كثيرة صحاح تقرب من التواتر والقطع. الشرط الثاني: أن لا يكون قد وقف بعرفة؛ لأن النبي ﷺ إنما أمرهم بالفسخ قبل الوقوف] يعني: من أراد أن يحول الطواف والسعي إلى عمرة مفردة فله ذلك بشرطين: الأول: أن لا يكون قد ساق الهدي، والثاني: أن لا يكون قد وقف بعرفة؛ لأن من وقف بعرفة فقد انتهى حجه. قال: [والمرأة كالرجل إلا أنها لا ترمل في طواف ولا سعي، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنه لا رمل على النساء حول البيت، ولا بين الصفا والمروة، وليس عليهن اضطباع؛ لأن الأصل في الرمل والاضطباع أمر الجلد -يعني: القوة- ولا يقصد في ذلك النساء؛ ولأن النساء يقصد فيهن الستر وفي الرمل والاضطباع تعرُّض للانكشاف].

стр. 742

العدة شرح العمدة [٤٩] يشرع للحاج المبيت بمنى يوم التروية وليلة التاسع من ذي الحجة، وإن كان متمتعاً أحرم من منى، فإذا أضحى يوم عرفة خرج إلى عرفة وبقي فيها حتى غروب شمس يوم التاسع، ثم يدفع إلى مزدلفة ويصلي فيها المغرب والعشاء جمع تأخير، ويبيت فيها استعداداً لأداء مناسك يوم النحر.

стр. 743

ما يفعله الحاج يوم التروية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فلا زلنا مع كتاب الحج والعمرة، باب (صفة الحج). قال المصنف ﵀: [وإذا كان يوم التروية، فمن كان حلالاً أحرم من مكة وخرج إلى عرفات، فإذا زالت الشمس يوم عرفة صلى الظهر والعصر يجمع بينهما]، ويوم التروية هو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، وسمي بيوم التروية، لأنهم كانوا يتروون فيه الماء، حتى إذا ما صعدوا إلى عرفة أو ذهبوا إلى منى يكون معهم الماء، والمتمتع في اليوم الثامن يُحرم من مكانه الذي هو فيه، فإن كان في الفندق فله أن يغتسل ويطيب المفارق ويلبس الإزار والرداء، ثم يصلي ركعتين، وليس هناك ركعتين تسمى بـ (ركعتي الإحرام)، فهذا خطأ وهو شائع، لكن إن كانت هناك فريضة صلاها، وإن كانت نافلة صلاها، أو سنة الوضوء أو تحية المسجد، أي: أنها صلاة مسببة، ثم يلبي من مكانه: لبيك حجاً، لأنه قد لبى بالعمرة من الميقات، ويقول: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني. وهذا كله قبل الظهر يوم الثامن من ذي الحجة، ثم يتوجه إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، فيقصر الصلاة دون أن يجمع، أي: أنه يصلي الظهر ركعتين والعصر ركعتين والمغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين والفجر ركعتين، وكل فريضة في وقتها، وهناك صحابي جليل من الخلفاء الراشدين قد أتم الصلاة في منى، وهو عثمان بن عفان ﵁، وصلى خلفه عبد الله بن مسعود فقال: صليت خلف النبي ﷺ في منى فقصر، وصليت خلف أبي بكر فقصر، وصليت خلف عمر فقصر، فلما جاءت خلافة عثمان أتم عثمان، وقد اعتذر العلماء لفعل عثمان بأعذار عديدة، منها: أنه تأول، هل القصر في منى من النسك أم هو رخصة؟ من النسك، فلو أن رجلاً بيته في منى، فهل يصلي قصراً أم يتم؟ يصلي قصراً؛ لأن القصر من النسك وليست رخصة للمسافر دون غيره، ومن السنة أن يبيت في منى، وليس ذلك واجباً من واجبات الحج، ولا ركناً من أركانه، فإن بات في منى صلى الفجر فيها صبيحة اليوم التاسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة، وهو خير يوم طلعت فيه شمس العام، ثم بعد أن يصلي الفجر في منى ينتظر حتى يسفر النهار، ثم يتوجه بعد ذلك إلى عرفة. قوله: [وخرج إلى عرفات] أي: خرج إلى عرفات في اليوم التاسع من ذي الحجة، وكما تعلمون أن بعض المعاصرين يقترح على الأمة أن تعدد أيام عرفة لأجل تخفيف الزحام! أي: أنه بدلاً من أن يكون يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة ممكن أن يكون التاسع من شوال، وممكن أن يكون التاسع من ذي القعدة، والغريب أن الصحفي الذي كتب هذا المقال في جريدة الأهرام أو الأخبار -على ما أذكر- قال: وهذا اقتراح جدير بالدراسة، عرفة يتعدد وهو يوم واحد في السنة! وليس هناك عرفة سواه، ولكن أحياناً العقول تضل. وقوله: [فإذا زالت الشمس يوم عرفة]، أي: انحرفت عن وسط السماء، [صلى الظهر والعصر يجمع بينهما]، أي: صلى النبي ﷺ الظهر مع العصر في عرفة يجمع بينهما.

стр. 744

ذكر جابر لأفعال النبي في يوم الثامن والتاسع والعاشر من ذي الحجة قال: [وروى جابر في صفة حج النبي ﷺ الحديث إلى أن قال: (فحل الناس كلهم وقصّروا إلا النبي ﷺ ، ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، فركب رسول الله ﷺ فصلى بها -أي: بمنى- الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر فضُربت له بنمرة فسار رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت بنمرة فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي ﷺ ]، أي: أنه بعد الزوال أتى من نمرة إلى بطن الوادي إلى عرفة، وعرنة جزء منها من عرفة، وجزء منها خارج حدود عرفة، لذا فعرفة لها حدود معينة، ولا بد أن يقف الحاج على عرفة، فيقف عليها جزءاً من النهار مع جزء من الليل، وبذلك يكون قد أتى بالسنة، ولذلك لو أن حاجاً وقف على عرفة نهاراً، ثم ترك عرفة قبل غروب الشمس، فيكون بذلك قد ترك واجباً؛ لأن الوقوف في عرفة في جزء من الليل من واجبات الحج، فإن تركه يجبر بالدم. ولو أن رجلاً وقف على عرفة بعد غروب الشمس ولم يقف بالنهار، فحجه صحيح. ولو أن رجلاً ترك الوقوف على عرفة بالنهار، ولكنه وقف بالليل، فحجه صحيح ولا شيء عليه؛ لأن الوقوف بعرفة يكون ليلاً، فمن أدركها بالليل فقد أدرك الحج ولا شيء عليه؛ والجمع بين الوقوف في عرفة ليلاً ونهاراً سنة، ومن أدرك عرفة فقد أدرك الحج. ولو أن رجلاً خرج من بلده وتوجه مباشرة إلى عرفة، فأدرك عرفة قبل أن يؤذن الفجر، فحجه صحيح وعليه دم، لأنه ترك المبيت بمزدلفة ليلة العيد. قال: [فخطب الناس ﷺ ]، أي: أنه خطبهم خطبة الوداع قبل أن يصلي الظهر مع العصر، وخطب -كذلك- بعد زوال الشمس، أي: بعد أن دخل وقت الظهر، فقام فيهم خطيباً في خطبة جامعة لم يعرف التاريخ ولن يعرف مثلها في تمامها وكمالها. قال: (ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً)]، أي: أنه صلى الظهر والعصر جمعاً، وهذا من النسك. قال: [(ثم ركب حتى أتى الموقف واستقبل القبلة حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص)]، أي: أنه لم يترك عرفة إلا بعد غروب الشمس، فجمع ﷺ في الوقوف في عرفة بين الليل والنهار. قال: [(حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء)]، أي: جمع تأخير؛ لأن المغرب حان عليه في عرفة قبل أن يخرج منتصف الليل، لكن بعض الحجاج قد يركب السيارة فيكون هناك زحام، فيصل إلى مزدلفة في الساعة الثانية أو الثالثة فجراً، ويؤخر العشاء والمغرب إلى هذا الوقت! وهذا لا يجوز، يقول علماؤنا: إن خرج منتصف الليل نزل من سيارته وصلى في أي مكان، وليس شرطاً أن يصلي في مزدلفة؛ لأنه حبسه حابس عن الوصول إلى المزدلفة، لكن إن يسّر الله له فوصل إلى مزدلفة قبل منتصف الليل صلى بها المغرب والعشاء جمع تأخير. قال: [(فصلى بها المغرب والعشاء -أي بمزدلفة- بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبّح بينهما شيئاً)]، أي: أنه لم يصل النافلة؛ لأن الذي يجمع الصلاة ليس له أن يصلي النافلة، ومن باب أولى الذي يجمع ويقصر، لكن لو أتم صلى نافلة، والفريضة جُبرت عنه، فمن باب أولى النافلة. قال: [(ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر)]، أي: أنه صلى المغرب والعشاء ثم اضطجع، ولم يصل قيام الليل، لأنه ليس من السنة قيام الليل في ليلة المبيت بمزدلفة، ولأنه يحتاج إلى جهد لأداء النسك. ثم قال: [(فصلى الصبح حين تبيّن له الصبح بأذان وإقامة)]، أي: أنه صلى الصبح في مزدلفة، ولذلك من واجبات الحج المبيت بالمزدلفة، لكن رُخّص لأهل الأعذار أن يدفعوا من مزدلفة بعد منتصف الليل، كالساقي أو الرجل معه النساء وغير ذلك. قال: [(ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبره وهلله ووحده، ولم يزل واقفاً حتى أسفر جداً)]، أي: أنه مكث واقفاً في مزدلفة حتى ظهر ضوء النهار، وأسفر بمعنى: بدا وظهر، قال تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر:٣٤]، ومنه سفور المرأة، أي: ظهور مفاتنها، وسمي السفر سفراً؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، فلا تعرف الرجل إلا إذا سافرت معه، فتعرف أخلاقه الطيبة من معايبه. قال: [(فدفع قبل أن تطلع الشمس -أي: في يوم مزدلفة قبل طلوع الشمس- حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى)]، وهذا في صباح يوم العيد؛ لأنه بات في مزدلفة ليلة العيد، ثم توجه إلى منى ليسلك الطريق المؤدي إلى جمرة العقبة الكبرى أو العظمى، بحيث يرمي الحاج جمرة واحدة بسبع حصيات، وإجمالي ما يرميه الحاج في حجه ٤٩ حصاة إذا تعجّل، وإذا تأخر ٧٠ حصاة، ولذلك ربنا يقول: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْن

стр. 745

استحباب الإحرام للحاج المتمتع يوم التروية حين توجهه إلى منى قال رحمه الله تعالى: [ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي بذلك لأنهم كانوا يتروون من الماء فيما يعدونه ليوم عرفة، فالمستحب لمن كان بمكة حلالاً -من المتمتعين الذين حلوا من عمرتهم ومن كان مقيماً بها من أهلها وغيرهم- أن يحرموا يوم التروية حين يتوجهون إلى منى، لما تقدم من حديث جابر.

стр. 746

الوقوف بعرفة ركن لا يتم الحج إلا به ثم قال: [(وخرج إلى عرفات، فإذا زالت الشمس صلى بها الظهر والعصر يجمع بينهما)، لما سبق من حديث جابر، ثم يصير إلى الموقف، وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، وذلك لأن الوقوف بعرفة ركن لا يتم الحج إلا به إجماعاً، وقد قال ﷺ : (الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه) أخرجه أبو داود وابن ماجه]، وليلة الجمع هي ليلة مزدلفة، ومن جاء قبل الفجر وأدرك عرفة فقد أدرك الحج. قال: [وقال محمد بن يحيى: ما أرى للثوري حديثاً أشرف منه، وقال ﵊: (كل عرفة موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة)]، أي: أنه ﷺ وقف في عرفة وقال: (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف)، ولذا فليس من المعقول أن يقف الناس في الموقف الذي وقف فيه النبي ﷺ بالتحديد، ولكن لهم أن يتوزعوا في عرفة، وصعود جبل الرحمة في عرفة ليس من السنة؛ لأن البعض يقتتلون من أجل صعود جبل الرحمة، ويعتبرون ذلك من السنة، وهذه من المخالفات التي يقع فيها الحجيج، ولذا قال المصنف: [ولأنه لم يقف بعرفة فلم يجزه كما لو وقف بمزدلفة].

стр. 747

استحباب أن يقف الحاج بعرفة في موقف النبي ﵊ قال: [ويستحب أن يقف في موقف النبي ﷺ عند الجبل قريباً من الصخرات، لما في حديث جابر أن النبي ﷺ جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل جبل المشاة بين يديه. واستقبل القبلة، ويجعل جبل المشاة بين يديه ويستقبل القبلة لذلك]. ثم قال: [ويكون راكباً وهو أفضل؛ لأن النبي ﷺ وقف راكباً]، أي: وقف في عرفة راكباً، وطاف بالبيت راكباً، حتى أن أسامة بن زيد قال: (وقع خطام دابته من يده وهو يدعو الله في يوم عرفة).

стр. 748

الاجتهاد في الدعاء والثناء على الله في يوم عرفة قال: [ويكثر من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (أكثر دعاء رسول الله ﷺ عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)]، فينبغي لمن وفقه الله ولمن اصطفاه الله ولمن اختاره الله أن يقف على عرفة أن يجتهد في الدعاء، ولا يقض يوم عرفة في النوم كما يفعل البعض، أو في معصية الله سبحانه كما يفعل البعض؛ لأنكم لو رأيتم ماذا يحدث في عرفة لعلمتم أن الأمة في غفلة، فالبعض يصطحب معه إلى عرفة لعبة الطاولة والضمنة! والبعض قد يصطحب معه موبقات، والبعض قد ينام في يوم عرفة ولا يستيقظ إلا بعد غروب الشمس، وغاب عنه أن هذا الوقت هو وقت مبارك وطيب، ونبيه ﷺ كان يجتهد فيه بالدعاء، وهو الذي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لذا فإنه من بركة هذا اليوم المبارك أن ربنا يباهي بحجاج بيته الملائكة، فلا بد أن يراك ربك متضرعاً خائفاً وجلاً داعياً باكياً نادماً على فعل المعاصي السابقة. يقول: [ويجتهد في الدعاء والرغبة إلى الله إلى غروب الشمس؛ لأنه يوم ترجى فيه الإجابة، ولذلك أحببنا له الفطر ليتقوى على الدعاء]، وأما غير الحاج فله أن يصوم التسع من ذي الحجة، وغالب علماء السنة على مشروعيتها، فلا داعي أن نبدّع من صامها، ونكون بذلك قد خالفنا ابن القيم وشيخ الإسلام وابن عثيمين والنووي وابن حجر وغيرهم من حفاظ الأمة، وذلك بدون أن نبحث في المسألة، يقول الشيخ ابن عثيمين: إن الأصل فيه موجود: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر)، والصيام من العمل الصالح، فلا داعي أن نبدّع الناس بذلك. قال: [قالت عائشة ﵂: إن رسول الله ﷺ قال: (ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، فإنه ليدنو ثم يباهي بكم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟)]. ثم قال: [ويستحب أن يدعو بالمأثور من الأدعية مثل ما روي عن علي ﵁ قال: قال ﷺ : (أكثر دعاء الأنبياء قبلي ودعائي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، ويسر لي أمري)، وكان ابن عمر يقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، اللهم اهدني بالهدى، وقني بالتقوى، واغفر لي في الآخرة والأولى، ثم يرد يده فيسكت قدر ما كان إنسان قارئاً بفاتحة الكتاب، ثم يعود فيرفع يديه ويقول مثل ذلك، ولم يزل يفعل ذلك حتى أفاض، وسئل ابن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، فقيل له: هذا ثناء وليس بدعاء -أي: أنهم سألوه عن الدعاء فأجاب بالثناء- فقال: أما سمعتم قول الشاعر: أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه من تعرضه الثناء]. أي: هل أذكر حاجتي أم الثناء عليك يكفي؟ ومن أكرم من الله ؟ فإذا أثنى العبد على ربه سبحانه فإن هذا بمثابة الدعاء. قال: [وقوله: (إلى غروب الشمس)، معناه: أنه يجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس، ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة، فإن النبي ﷺ وقف بعرفة حتى غربت الشمس. كذا في حديث جابر].

стр. 749

صفة دفع الحجيج ليلة النحر إلى مزدلفة ووقته قال: [ثم يدفع مع الإمام إلى مزدلفة على طريق المأزمين وعليه السكينة والوقار، وذلك أنه لا ينبغي للناس أن يدفعوا حتى يدفع الإمام]، وهذا حين يكون للأمة إمام، فيتحرك الإمام ويتحرك الناس من خلفه، أما الآن فقد سقطت الخلافة الإسلامية، وكل يدّعي أنه إمام أهل السنة، بل ونجح أعداؤنا في وضع الحدود الجغرافية بين كل بلد وآخر، حتى رؤية رمضان وذو الحجة لم تفلح الأمة في توحيدها إلى الآن، ولذلك يروى أن هارون الرشيد نظر إلى سحابة في السماء فقال لها: أمطري حيث شئت فإن خراجك سيأتيني. أي: في أي بقعة من الأرض أمطرت فسيأتيني خراجك إن شاء الله، ومعنى هذا: أن الإسلام قد شمل كل بقاع الأرض، وأن الأرض كلها كانت تخضع للإسلام ولولي أمر المسلمين، فتأملوا في هذا وانظروا إلى ما وصلنا إليه! وحذيفة بن اليمان ﵁ حينما جاء من أرمينيا أو أذربيجان اقترح على ذي النورين أن يجمع المصحف على حرف واحد؛ لاختلاف القراء، فهذا يقرأ بلغة وهذا بلغة أخرى، والقرآن قد نزل على سبعة أحرف، فتأمل كيف أن حذيفة جاء من أقصى الدنيا، أي: أن الإسلام قد عم الأرض جميعاً، ولذا فلا أمان ولا اطمئنان في هذا العالم إلا إذا ساده الإسلام، فهو دين الله الذي ارتضاه للخلق أجمعين. قال: [وهو الوالي الذي إليه أمر الحاج من قبل الإمام، فالمستحب أن يقف حتى يدفع الإمام، ثم يسير نحو المزدلفة على طريق المأزمين؛ لأن النبي ﷺ سلكه وإن سلك الطريق الآخر جاز، ويكون عليه سكينة ووقار؛ لقوله ﵊ حين دفع وقد شنق القصواء بالزمام حتى إن رأسها ليصيب موركة رحله ويقول بيده اليمنى: (أيها الناس السكينة السكينة)]. ويحضرني الآن قول عمر ﵁ حينما نظر إلى الحجاج فوجد العدد كبير: الركب كثير والحاج قليل، أي: من ذهب طلباً لرضا ربه ومغفرته، وأتقن العمل، ويخاف ألا يتقبل الله منه، فهو حاج، وهؤلاء قليل، ومن ذهب ليقال: إنه قد ذهب ليحج، حتى أنك ترى السيارات والأعلام البيض، والطبل والمزامير في انتظاره، وبعد عودته من الحج لم يتغير سلوكه، فهؤلاء ركب وهم كثير. ثم قال: [وقال عروة: (سئل أسامة -وأنا جالس-: كيف كان رسول الله ﷺ يسير في حجة الوداع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص)]، أي: أنه إذا وجد الطريق ميسورة للمشي مشى، وإذا وجد الزحام توقف، وفي هذا إشارة إلى أنه لا ينبغي أن تزاحم الناس وتؤذيهم.

стр. 750

استحباب الإكثار من التلبية والذكر في يوم عرفة قال: [ويكون ملبياً ذاكراً لله ]، ولا يقطع الحاج التلبية إلا عند رمي جمرة العقبة، وعند الشروع في الطواف بالنسبة للمعتمر. قال: [فإن ذكره مستحب في جميع الأوقات وهو في هذا الوقت آكد؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة:١٩٨]؛ ولأنه زمن الاستشعار بطاعة الله تعالى والتلبس بعبادته والسعي إلى شعائره، فيستحب الإكثار فيه من ذكره، ويستحب التلبية، قال الفضل بن عباس: (أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة)]، وقد أردف النبي ﷺ خلفه ابن عباس ومعاذاً وأسامة بن زيد، وهنا في حجة الوداع أردف النبي ﷺ خلفه الفضل بن عباس، فرأى امرأة محرمة لكنها كشفت وجهها، فجعل ينظر إليها فصرف النبي ﵊ وجهه عنها وقال: (رأيت شاباً وشابة، فكيف آمن الشيطان عليهما؟)، وكلما عاد الفضل لينظر صرف النبي ﷺ وجهه، وهذا دليل لمن قال بعدم وجوب غطاء الوجه للمرأة، فنقول له: هذا في الحج، والمرأة قد أُمرت ألا تغطي وجهها في الحج إذا أمنت مخالطة الرجال، فإن قال قائل: فكيف ينظر إليها الفضل وقد خالطت الرجال؟ نقول: المرأة كانت تأمن من عدم المخالطة، لكن الفضل نظر فرآها وليس على وجهها حجاب، فلما نظر إليها جذبه النبي ﷺ ، فمعنى ذلك: حرمة النظر إلى الوجه؛ لأن الوجه يجمع المحاسن، ولذلك فهذه مؤامرة خبيثة على هذا الزي الإسلامي الذي عرفته الأمة منذ قديم الزمان.

стр. 751

صلاة الحاج للمغرب والعشاء والفجر بمزدلفة قال: [فإذا وصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء قبل حط الرحال يجمع بينهما]، أي: قبل أن يحط الرحال يصلي المغرب والعشاء، [والسنة لمن دفع من عرفة أن لا يصلي المغرب حتى يصل إلى مزدلفة، فيجمع بين المغرب والعشاء قبل حط الرحال، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم أن السنة أن يجمع الحاج بجمع -أي: بمزدلفة- بين المغرب والعشاء، والأصل في ذلك: أن النبي ﷺ جمع بينهما]. قال: [ثم يبيت بها -أي: بمزدلفة- والمبيت بمزدلفة واجب من تركه فعليه دم، وقال بعضهم: من فاته جمع فاته الحج]، أي: أن بعضهم قال: إن المبيت بمزدلفة ركن وليس واجباً، فانظر إلى خطورة المسألة، فمعظم الحجاج المصريين يدفعون من عرفة إلى الجمرة إلى منى ولا يبيتون بمزدلفة، بحجة أن المطوف قد فعل ذلك، فيا عبد الله! إن المبيت بمزدلفة واجب فلا ينبغي أبداً أن تتركه، وأقول لك: حتى يكون حجك صحيحاً خذ عنوان الفندق وأد النسك في اطمئنان وسكينة، ولا تخش على نفسك. قال: [ولنا قوله ﵇: (الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه)، يعني: من جاء من يوم عرفة]. ثم قال: [ثم يصلي الفجر بغلس] أي: بظلام. قال: [السنة أن يبيت بمزدلفة حتى يطلع الفجر فيصلي الصبح]، وهذا استدلال على أن وقت صلاة الفجر لا شبهة فيه، وقد نشرت مجلة التوحيد في عدد لها فتوى حول هذا الأمر؛ لأن البعض يؤخر الفجر عن الجماعة الأولى، ويظل يطعن في موعد الفجر حتى نام ولم يصل الفجر بعد، فيكفي في دخول الوقت غلبة الظن، وما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين، وإن قلت لأحد الإخوة: أنت الآن تشكك في موعد الفجر، فقال: نعم، قلت له: إذاً في رمضان كل واشرب بعد النداء، فقال: لا يجوز؛ احتياطاً للصيام، فإذاً هو غير متأكد وغير متيقن مما يقول، فلا داعي أبداً أن نثير هذه الشبهات والقلاقل في مواعيد استقرت، وأهل الخبرة أو أهل التخصص قد وضعوها في النتيجة، وإن كان هناك خطأ في التقدير فعليهم، وأنت الآن تصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء في موعد محدد، فلماذا تطعن في الفجر يا عبد الله؟! يقول: هناك أقوال كذا وكذا لبعض العلماء أو الدعاة! وأنا أعتقد أن هذه المسألة قد حسمت قديماً فلا داعي أبداً لهذا؛ لأن الفتنة لا زالت تذهب إلى بعض القرى، فبعض الناس لا يصلي الفجر مع الجماعة الأولى بحجة أنهم يصلون بليل، فيؤخر الجماعة فيخالف، أو يصلي مع الجماعة الأولى ثم يعود فيصلي مرة ثانية! ولا صلاة مرتين في اليوم، فيقع في المخالفات العديدة بسبب هذا الموضوع. قال: [والسنة أن يعجلها في أول وقتها ليتسع وقت الوقوف عند المشعر الحرام]، وهذا دليل آخر أيضاً، فيصلي الفجر في أول الوقت بغلس، أي: بظلام، وقد استدل علماؤنا على ذلك بأن نساء المؤمنين زمن النبي كن يخرجن من صلاة الفجر بغلس فلا يُعرفن، أي: أن الصلاة تنتهي والجو لا يزال مظلماً، فلا تعرف المرأة أختها، وفي البخاري: أن الرجل كان ينظر فلا يميز بين الرجل والأنثى من شدة الظلام، فلا داعي لمثل هذه الأمور، وهذا كلام مستقر، لذا فأقول: إن السنة أن يعجلها في أول وقتها. قال: [وفي حديث جابر: أن النبي ﷺ صلى الصبح حين تبين له الصبح، وفي حديث: أنه صلى الفجر حين طلع الفجر، وقائل يقول: قد طلع، وقائل يقول: لم يطلع]، أي: أن الصحابة اختلفوا، فمنهم من يقول: قد طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع بعد، فصلى ﵊ في هذا الوقت؛ حتى يتمكن من الدعاء عند المشعر الحرام.

стр. 752

الوقوف والدعاء عند المشعر الحرام قال: [ويأتي المشعر الحرام فيقف عنده ويدعو، وفي حديث جابر: (إن النبي ﷺ أتى المشعر الحرام فرقى عليه، وحمد الله وهلله وكبّره ووحده)]، أي: حمد الله فقال: الحمد لله، وهلله فقال: لا إله إلا الله، وكبّره فقال: الله أكبر، ووحّده . قال: [ويستحب أن يكون من دعائه: اللهم كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه، فوفقنا فيه لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٨ - ١٩٩].

стр. 753

دفع الحاج من المشعر الحرام قبل طلوع الشمس ثم قال: [ثم يدفع قبل طلوع الشمس؛ لأن النبي ﷺ كان يفعله، قال عمر: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس فيقولوا: أشرق ثبير كيما نغير]، وهذا من أقوال المشركين، فالنغير: العصفور الصغير، بمعنى: أشرق الصباح والعصفور صاح؛ ولذلك النبي ﷺ كان يقول لـ عمير الطفل الصغير: (يا أبا عمير ما صنع النغير؟)، والنغير هو العصفور، فكان لـ أبي عمير عصفور صغير يلعب به، وكان يسر به، وكان النبي ﷺ يمازحه فيقول له: ويقول: (يا أبا عمير ما صنع النغير؟ وهو يبكي ويقول: (مات النغير يا رسول الله).

стр. 754

استحباب الإسراع في وادي محسر والبدء برمي جمرة العقبة قال: [فإذا بلغ محسراً أسرع قدر رمية بحجر حتى يأتي منى، يستحب الإسراع في وادي محسر، وهو ما بين جمع منى، فإن كان ماشياً أسرع وإن كان راكباً حرك دابته، قال جابر: (إن النبي ﷺ لما أتى بطن محسر حرك دابته قليلاً)]. ثم قال: [فيبدأ بجمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات كحصى الخذف، ويقطع التلبية عند الرمي، وبعد رمي جمرة العقبة يحل له كل شيء إلا النساء، وبعد الرمي والذبح والحلق يكون قد تحلل تحللاً أصغر]، فيحل له كل شيء إلا النساء، وإن جامع بعد أن تحلل التحلل الأصغر فعليه دم، ويذهب إلى التنعيم فيحرم ويطوف بالبيت وهو محرم، وإن جامع قبل التحلل الأول، أي: قبل أن يرمي جمرة العقبة فقد فسد حجه ولزمه الإتمام وعليه بدنة، ويقضي من قابل، والبدنة يذبحها في الحرم في مكة.

стр. 755

نحر الهدي بعد الفراغ من رمي الجمرة قال: [ثم ينحر هديه، وذلك أنه إذا فرغ من رمي الجمرة يوم النحر ثم يحلق رأسه أو يقصر، والحلق أفضل- لأنه قد قصّر بعد أداء العمرة إن كان متمتعاً- ثم قد حل له كل شيء إلا النساء ثم يذهب إلى مكة فيطوف طواف الإفاضة ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً، أما إن كان قارناً قد سعى عند قدومه فلا يسعى]، لأن القارن والمفرد عليهما سعي واحد، أما المتمتع فعليه سعيان: سعي للعمرة وسعي للحج. إلى هنا نكون قد انتهينا من صفة الحج، ويبقى عندنا ثلاثة أبواب: باب: (ما يفعله في منى بعد الحل)، وباب: (أركان الحج والعمرة)، وباب: (الهدي والأضحية والعقيقة)، وهذا ما سنبينه إن شاء الله تعالى في وقت لاحق، ونكتفي بهذا القدر وجزاكم الله خيراً.

стр. 756

العدة شرح العمدة [٥٠] من أعمال الحج يوم النحر أن يرجع الحاج إلى منى بعد الإفاضة فيمكث بها ليالي التشريق كما فعل النبي ﷺ ويرمي الجمرات، ومن أراد التعجل في يومين من أيام التشريق فينفر بعد زوال يوم الثاني من أيام التشريق.

стр. 757

ما يفعله الحاج يوم النحر وأيام التشريق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أيها الإخوة الكرام الأحباب! لا زلنا مع كتاب الحج والعمرة، باب ما يفعله بعد الحل، والمعنى: بعد أن يتحلل الحاج برمي جمرة العقبة، وبالذبح والحلق يكون قد تحلل تحللاً أصغر، فإن طاف للإفاضة فقد تحلل تحللاً أكبر، سواء كان تحلل تحللاً أصغر أم أكبر هناك أفعال تلزم الحاج بعد الحل، يعني: ما يفعله بعد التحلل

стр. 758

حكم المبيت بمنى بعد الإفاضة يوم النحر وأيام التشريق يقول المصنف: [ثم يرجع إلى منى ولا يبيت لياليها إلا بها]، أي: أن الحاج بعد أن يرمي جمرة العقبة، وبعد أن يذبح ويحلق يعود إلى منى، فيبيت بها. قال الشارح: [وذلك أن السنة لمن أفاض يوم النحر أن يرجع إلى منى، قالت عائشة ﵂: (أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر)]، يعني: صلى الظهر بالمسجد الحرام، ثم طاف للإفاضة ثم عاد إلى منى. قال الشارح: [(ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي التشريق)، رواه أبو داود. وروى أحمد عن عبد الرزاق عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى)]. وهنا ننبه إلى أنه لا يلزم الحاج أن يطوف طواف الإفاضة يوم النحر؛ لأن وقت طواف الإفاضة يمتد إلى آخر ذي الحجة، فبعد تحلله الأصغر برمي جمرة العقبة، وبالذبح ثم الحلق؛ يكون قد تحلل تحللاً أصغر، فيجوز له كل شيء إلا النساء، فالنساء لا تحل له إلا بعد التحلل الأكبر، هذا يسمى التحلل الأصغر، وهو أن يفعل أمرين من ثلاثة: الرمي، والذبح، والطواف. والحلق لا يحسب ولا يعد. فإن فعل من هذه الثلاثة اثنين؛ فقد تحلل تحللاً أصغر، ويلزمه أن يعود فيبيت في منى ليالي التشريق، وهي: ليلة الحادي عشر من شهر ذي الحجة، وليلة الثاني عشر، وليلة الثالث عشر لمن أراد أن يتأخر، يقول تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣]، ونفي الإثم من صيغ الإباحة في علم أصول الفقه يعني: أنه يستوي الفعل مع الترك. قال الشارح: [(ثم رجع فصلى الظهر بمنى)، والمبيت في منى ليالي منى واجب]، يعني: ليالي التشريق المبيت بمنى واجب. قال الشارح: [وهي إحدى الروايتين عن أحمد]، أي: أن الحاج إذا ترك المبيت بمنى يلزمه دم؛ لأنه ترك واجباً، فالمبيت في منى واجب، ورمي الجمرات في أيام التشريق واجب مع جمرة العقبة. وقد سمعتم ما يحصل من زحام شديد عند الجمار فيسبب ضحايا، والأمر يحتاج إلى تأمل من فقهائنا، إن النبي ﷺ كان يرمي جمرة العقبة ثم يقف فيدعو طويلاً بمقدار ما يقرأ سورة البقرة، فهل يتيسر للحاج هذا الأمر في هذه الأيام؟ لا يمكن. ثانياً: إن منى مساحتها ضيقة، لا يمكن أن تتسع لمليوني حاج في وقت واحد؛ فإن الواجبات تسقط بالعجز كما يقول العلماء، والمشقة تجلب التيسير: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]. إن الجمود عند بعض النصوص وإن كان فيها تهلكة للأمة، لم يأمر به الله . قال الشارح: [لما روى ابن عمر: (أن النبي ﷺ رخص للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته)، متفق عليه]، وكونه يرخص للعباس مفهوم المخالفة أن من سوى العباس يجب عليه المبيت. والنبي ﷺ رخص للعباس ليبيت بمكة من أجل السقاية، فمن عدا العباس ليس له رخصة، هذا مفهوم المخالفة، ومفهوم المخالفة في أصول الفقه لا يُعمل به إلا بشروط؛ لأن البعض قد يستنبط من الآيات مفهوم المخالفة، والآية ليس لها مفهوم مخالفة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ [النور:٣٣]، قال قائلهم: الإكراه لا يجوز، فمفهوم المخالفة أن الرضا يجوز، وكما قلنا: إن الآية ليس لها مفهوم مخالفة، وكما في قول الله : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١]، غالب فعلهم أنهم كانوا يقتلون أولادهم خشية إملاق؛ فجاءت الآية بهذا فخرجت مخرج الغالب، فليس لها مفهوم مخالفة. فمن شروط مفهوم المخالفة: أن لا يخرج الكلام مخرج الغالب. قال الشارح: [وتخصيص العباس بالرخصة من أجل السقاية دليل على أنه لا رخصة لغيره. وروى ابن ماجه عن ابن عباس قال: (لم يرخص النبي ﷺ لأحد أن يبيت بمكة إلا العباس من أجل سقايته). وروى الأثرم عن ابن عمر ﵄ أن عمر ﵁ قال: لا يبيتن أحد من الحجاج إلا بمنى]، وكثير من الحجاج المصريين بعد أن يرموا جمرة العقبة لا يرجعون إلى منى، ولكنهم يجلسون عند الجمرات ثم يعودون إلى الفندق، فهم بهذا يتركون واجباً، والواجب أن يقضوا في منى أكثر من نصف الليل، فإذا دخلوا إلى منى بعد الغروب وبقوا فيها إلى الثانية بعد منتصف الليل، فيكونون قد قضوا غالب الليل وهذا جائز. وأما ألا يبيت ف

стр. 759

صفة رمي الجمرات يوم النحر وأيام التشريق ثم قال المصنف: [فيرمي بها الجمرات بعد الزوال]، يعني: يبيت بمنى ويرمي الجمرات، بعد الظهر، فيرمي جمرة العقبة قبل الزوال، والجمرتان يرميهما بعد الزوال، وهذا يحتاج إلى إعادة نظر، نعم قد روي عن النبي ﷺ الرمي بعد الزوال، لكن ليس معنى هذا أن الرمي لا يمتد، بل يمتد لأهل الأعذار إلى غروب الشمس، بل إلى الليل؛ لأنه من الصعوبة بمكان أن يرمي الحجيج مرة واحدة بعد الزوال؛ فلا بد أيضاً من إعادة النظر في بعض مناسك الحج في ضوء الزحام الشديد: كالرمل، فلا يمكن أن ترمل حول البيت في حال الزحام الشديد. وكالدعاء بعد رمي الجمار، فلا يتصور أن تقف وتدعو بمقدار سورة البقرة. فهناك بعض الأمور الفقهية تحتاج من فقهاء الأمة إلى إعادة نظر، لكن ليس كما قال الدكتور القرضاوي: أنه يجوز أن تتصدق بثمن الأضحية لأجل فلسطين. وهذا الكلام يخالف الشرع؛ لأن الأضحية نسك، والغرض منها إسالة الدماء في يوم النحر، وهذه الفتوى توزع على النقابات المهنية ويقولون فيها: خذ الأجر مرتين، أجر الأضحية وأجر التصدق لإخوانك في فلسطين، ولم يقل بهذا الكلام أحد من أهل العلم أبداًَ، وليس له سلف، فإن الأضحية نسك، ونحن نجل العلماء ونقدرهم، لكن الحق أحب إلينا، فإسالة الدماء في يوم العيد مقصودة لذاتها، وأحب الأعمال إلى الله في يوم النحر: هي إسالة الدماء، لو أن الأمة جميعاً تصدقت بالمبالغ إلى فلسطين، إذاً لن تسال دماء في يوم العيد، إذاً ما فائدة يوم النحر، وما سمي بهذا الاسم إلا وفيه نحر، وقد صدروا الفتوى بحديث موضوع مكذوب وهو عند ابن ماجه، (ما بال الأضحية؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم، لكم بكل شعرة حسنة)، وقد حققت هذه الأحاديث مجلة التوحيد في هذا الشهر. فلابد أن يراجع نفسه من قال هذا الكلام. قال الشارح: [فيرمي الجمرات بعد الزوال من أيامها كل جمرة بسبع حصيات، فيبتدئ بالجمرة الأولى فيستقبل القبلة ويرميها بسبع حصيات كما رمى جمرة العقبة؛ لأن جملة ما يرمي به الحاج سبعون حصاة]: يرمي في يوم النحر سبعاً. وفي اليوم الأول من أيام التشريق واحداً وعشرين. ثم في اليوم الثاني واحداً وعشرين. وإن تأخر في اليوم الثالث فيرمي واحداً وعشرين فيكون المجموع: سبعين حصاة. قال الشارح: [لأن جملة ما يرمي به الحاج سبعون حصاة: سبع منها يوم النحر بعد طلوع الشمس، وسائرها في أيام التشريق بعد زوال الشمس، كل يوم إحدى وعشرين حصاة لثلاث جمرات]، ويجوز التوكيل في الرمي لأهل الأعذار، فالمرأة بدلاً من أن ترمي الجمرة وتخالط الرجال في هذا الزحام الشديد؛ يجوز لها أن توكل غيرها في الرمي، ولا بأس بذلك، فهي معذورة. قال الشارح: [يبتدئ بالجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات من مكة، وتلي مسجد الخيف، فيجعلها عن يساره ويستقبل القبلة، ويرميها بسبع حصيات كما وصفنا في جمرة العقبة، ثم يتقدم عنها إلى موضع لا يصيبه الحصا، فيقف طويلاً]، بعد رمي الجمرة الصغرى يقف طويلاً، أما الآن فهذا صعب جداً، وبعض الناس يريد أن يطبق هذه السنة فيعرقل الناس، والبعض يصر على تقبيل الحجر، ولو كان فيه إيذاء للمسلمين، وليس هذا من الفقه بحال. ثم قال الشارح: [يدعو الله رافعاً يديه، ثم يتقدم إلى الوسطى فيجعلها عن يمينه ويستقبل القبلة، ويرميها بسبع حصيات، ويفعل من الوقوف والدعاء كما فعل في الأولى، ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات، ويستبطن الوادي ويستقبل القبلة ولا يقف عندها]، أي: أنه يقف بعد الجمرة الأولى وبعد الثانية. قال الشارح: [قالت عائشة ﵂: (أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث فيها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرات إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، يقف عند الأولى والثانية، ويطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها) رواه أبو داود. وروى البخاري عن ابن عمر ﵄: (أنه كان يرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات، فيكبر على أثر كل حصاة، ثم يتقدم ويُسْهِل)]، ومعنى ذلك: أنه يمشي بسهولة ويسر. قال الشارح: [(ويقوم قياماً طويلاً ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ بذات الشمال فيُسْهِل، ويقوم مستقبلاً القبلة قياماً طويلاً، ثم يرفع يديه ويقوم طويلاً، ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، ثم ينصرف، قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله)]، وابن عمر كان متمسكاً بسنة النبي ﷺ ، لذلك فإنه في يوم مطر شديد -وهذا الحديث في البخاري في كتاب الأذان- كان المؤذن يؤذن فوق سطح المسجد والجو شتاء، فقال ابن عمر حينما بلغ المؤذن: حي على الصلاة، قال: قل: صلوا في رحالكم، يعني: أمره أن يستبدل: حي على الصلاة بقوله: صلوا في رحالكم، ثم قال للناس: فعلها من هـ

стр. 760

ما يفعله من أراد التعجل في يومين من أيام التشريق قال الشارح: [أجمع أهل العلم أن لمن أراد الخروج من منى شاخصاً عن الحرم غير مقيم بمكة، أو ينفر بعد الزوال في اليوم الثاني من أيام التشريق إذا رمى فيه، فأما إن أحب أن يقيم بمكة؛ فقد قال أحمد: لا يعجبني لمن نفر النفر الأول أن يقيم بمكة]، يعني: أن مذهب الإمام أحمد فيمن تعجل أن يخرج من مكة ويسافر، فطالما أنك مقيم بمكة أياماً تأخر، إذ ما الفرق بين المبيت بمكة ومنى، التعجل لمن أراد أن يسافر من مكة، أما إن كنت باقياً في مكة فالأولى لك أن تتأخر؛ لأن النبي ﷺ تأخر؛ لذلك فإنك حين تنظر إلى منى في يوم الثالث عشر تجدها خاوية إلا من القليل، وعندما تذهب إلى مكة تجد الحجاج في الفنادق لا زالوا يقيمون فيها، لماذا تقيمون في الفنادق؟ أقيموا في منى، فإن أراد أن يرحل تعجل، وإن أراد أن يقيم فيتأخر. قال الشارح: [وكان مالك يقول: من كان له عذر من أهل مكة؛ فله أن يتعجل في يومين، وإن أراد التخفيف عن نفسه من أمر الحج فلا، ويحتج من يذهب إلى هذا بقول عمر: من شاء من الناس كلهم أن ينفر في النفر الأول إلا آل خزيمة فلا ينفروا إلا في النفر الآخر، قال ابن المنذر: جعل أحمد وإسحاق معنى قول عمر: إلا آل خزيمة، أي: أنهم أهل حزم، وظاهر المذهب جواز النفر في النفر الأول لكل أحد]، يعني: يجوز أن يخرج من منى حتى وإن تأخر بمكة، لكن هذا على سبيل الاستحباب؛ لأن الآية جاءت واضحة قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣]، وإن أدركه الغروب ولم يخرج من منى؛ يلزمه المبيت بها حتى يرمي في اليوم الثالث عشر من أيام ذي الحجة.

стр. 761

الفرق بين ختام عمل الحاج في الأنساك الثلاثة قال الشارح: [فإن كان متمتعاً أو قارناً؛ فقد انقضى حجه وعمرته، وإن كان مفرداً خرج إلى التنعيم فأحرم بالعمرة منه، ثم أتى مكة فطاف وسعى وحلق أو قصر]، والمعنى: أن المتمتع والقارن ينتهي نسكهما في اليوم الثاني عشر من أيام ذي الحجة، والمفرد يجوز له أن يذهب إلى التنعيم ليحرم بالعمرة بعد أن أدى الحج. قال الشارح: [وإن كان مفرداً خرج إلى التنعيم فأحرم بالعمرة منه، ثم أتى مكة فطاف وسعى وحلق أو قصر، فإن لم يكن له شعر استحب أن يمرر الموسى على رأسه، وقد تم حجه وعمرته؛ لأنه قد فعل أفعال الحج والعمرة. وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد، ولكن عليه وعلى المتمتع دم]، وهذا مقارنة بين المتمتع وبين القارن وبين المفرد، وإذا نظرنا إلى أعمال كل منهم فسوف نجد أن على المتمتع أن يطوف: طواف العمرة، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع. وعلى القارن أن يطوف: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع، لكن طواف القدوم بالنسبة للقارن سنة، إن لم يفعله فلا شيء عليه. أما المفرد فمثل القارن إلا أمر واحد وهو: أن القارن عليه دم، والمفرد ليس عليه دم، هذا الفرق الوحيد بين القارن وبين المفرد. قال الشارح: [وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد، ولكن عليه وعلى المتمتع دم]، فالقارن عليه دم، والمتمتع عليه دم. وهنا مسألة مهمة فلو أن رجلاً دخل إلى مكة بثيابه لأن معه تأشيرة عمل، ولا يستطيع أن يحرم من الميقات، فماذا يلزمه؟ الجواب إن كان مفرداً لزمه دم واحد، هو دم ترك الإحرام من الميقات، وإن كان متمتعاً فعليه دمان: الدم الأول دم ترك الواجب، والدم الثاني دم التمتع، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]. قال الشارح: [بل فعلهما سواء]، أي القارن والمفرد. قال الشارح: [ويجزيه طواف واحد وسعي واحد لحجه وعمرته، نص عليه أحمد في رواية جماعة من أصحابه]، أي: أن المفرد يلزمه طواف واحد، ويلزمه سعي واحد، والقارن كذلك، والمتمتع يلزمه طوافان وسعيان، طواف العمرة وطواف الحج، وسعي العمرة وسعي الحج، ولو قال قائل: أين طواف العمرة؟ قلنا: كحال الطهارة الصغرى حينما تدخل في الكبرى، والمعنى: أنك حينما تغتسل وتنوي بغسلك الوضوء؛ يدخل الوضوء في الغسل، تماماً كما قال الإمام أحمد، ودليله واضح في صحيح مسلم أن المفرد والقارن ليس عليهما إلا طواف وسعي واحد. قال الشارح: [وعنه]، يعني: عن أحمد في رواية أخرى. قال الشارح: [أن على القارن طوافين وسعيين، روي ذلك عن علي، ولم يصح عنه، واحتج من قال ذلك بقوله سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، وتمامهما أن يأتي بأفعالهما على الكمال، ولم يفرق بين القارن وغيره، قالوا: وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (من جمع بين الحج والعمرة فعليه طوافان)]، حديث الدارقطني ضعيف، وبهذا يستدل من قال: إن على القارن طوافين وسعيين، وهذا مذهب أحمد في الرواية الأخرى. والراجح: أن عليه طواف واحد وسعي واحد، وسأذكر الأدلة بعد استعراض الرأي الثاني. يقول الشارح: [ولنا ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا لهما طوافاً واحداً، متفق عليه. وفي مسلم: (أن النبي ﷺ قال لـ عائشة لما قرنت بين الحج والعمرة: يسعك طوافك لحجك وعمرتك) الحديث، وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أحرم بالحج والعمرة؛ أجزأه طواف واحد وسعي واحد حتى يحل منهما جميعاً)، وعن جابر: (أن رسول الله ﷺ قرن بين الحج والعمرة، وطاف لهما طوافاً واحداً)، رواهما الترمذي، وقال في كل واحد منهما: حديث حسن. وعنه: (أن رسول الله ﷺ لم يطف هو وأصحابه لعمرتهم وحجهم حين قدموا إلا طوافاً واحداً)، رواه الأثرم وابن ماجه، كل ذلك يستدل به الإمام أحمد في روايته الأولى على أن القارن والمفرد لهما طواف واحد وسعي واحد، وينتصر إلى هذا الرأي الذي فيه الحديث المتفق عليه، والذي رواه جابر أيضاً، لكن القارن عليه دم. قال الشارح: [لكن عليه دم، أكثر أهل العلم على القول بوجوب الدم عليه]، يعني: على القارن. قال الشارح: [ولا نعلم فيه اختلافاً، إلا ما حكي عن داود أنه قال: لا دم عليه، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (من قرن بين حجه وعمرته؛ فليهرق دماً)، ولأنه ترفه بسقوط أحد السفرين]. فالقارن هنا يؤدي العمر

стр. 762

حكم طواف الوداع للحاج والمعتمر قال المصنف: [وإذا أراد القفول لم يخرج حتى يودع البيت]، فبعد أن بين الصوم لمن عجز عن الواجب، تحدث عن طواف الوداع، وليس على المعتمر طواف وداع، وقد أفتى شيخنا ابن عثيمين ﵀ أن عليه طواف وداع، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ أدى العمرة في أكثر من مرة ولم يطف للوداع، ولكن شيخنا ﵀ أخذ بمطلق النص، وقال: (فليكن آخر عهدك بالبيت)؛ فأراد أن يلزم المعتمر بطواف الوداع. لكن طواف الوداع يسقط عن المرأة إذا حاضت. وإذا ترك الحاج طواف الوداع ورحل إلى بلده فعليه دم؛ لأن طواف الوداع واجب، وطواف الإفاضة ركن، فإن ترك الإفاضة فقد بطل الحج، وإن ترك الوداع يلزمه فدية يذبحها في مكة، أو يرسل بدنانير إلى مكة تذبح عنه وتوزع بداخل مكة، فإن عجز عن هذه الفدية فعليه صيام عشرة أيام في بلده. قال الشارح: [وإذا أراد القفول لم يخرج حتى يودع البيت بطواف عند فراغه من جميع أموره حتى يكون آخر عهده بالبيت؛ لما روى ابن عباس قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض)، متفق عليه. ولـ مسلم قال: (كان الناس ينصرفون كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : لا ينصرفن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت). فإن اشتغل بعده بتجارة أعاد طواف الوداع]، فلو أن رجلاً طاف طواف الوداع، ثم توجه إلى الفندق لحمل حقائبه وهو في الطريق اشترى ماءً وغذاءً، فإنه لا يعيد الطواف لأنه تزود للسفر، فلا بأس بذلك، إنما المحظور بعد طواف الوداع أن يقيم في مكة للتجارة، أو أن يبقى بها، فلا بد أن يرحل منها؛ لأن هذا هو آخر عهده، فإذا اشتغل بالتجارة أعاد. قال الشارح: [وذلك أن الوداع إنما يكون عند خروجه؛ ليكون آخر عهده بالبيت، فإن طاف الوداع ثم اشتغل بتجارة أو إقامة؛ أعاد طواف الوداع للحديث. ويستحب له إذا طاف أن يقف في الملتزم بين الركن والباب فيلتزم البيت؛ لما روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: (طفت مع عبد الله، فلما جئنا دبر الكعبة قلت: ألا نتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، فقام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا، وبسطهما بسطاً، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله). قال المصنف: [فمن خرج قبل الوداع رجع إن كان قريباً]، يعني: من خرج من مكة ولم يطف للوداع؛ فإن كان قريباً فعليه أن يعود ليطوف طواف الوداع. قال المصنف: [وإن أبعد بعث بدم]، يعني: إن خرج من مكة وبعد؛ بعث بدم. قال المصنف: [وذلك لأن طواف الوداع واجب يجب بتركه دم، وليس ركناً، فإذا خرج قبل فعله لزمه الرجوع إن كان قريباً، لأنه أمكنه الإتيان بالواجب من غير مشقة، فلزمه كما لو كان بمكة، وإن كان بعيداً لم يلزمه الرجوع؛ لأن فيه مشقة، فلم يلزمه، إلا المرأة الحائض والنفساء فلا وداع عليهما للخبر، والنفساء في معنى الحائض، ويستحب لهما الوقوف عند باب المسجد والدعاء]، أي: يستحب للحائض والنفساء أن يقفا عند المسجد؛ لأن المرأة الحائض لا تمنع من الذكر، وإنما تمنع من الطواف. فإذا حاضت المرأة ولم تطف للإفاضة وكان الركب يستعدون للرحيل، فإنها تتحفظ وتطوف للإفاضة ويلزمها فدية، ومسألة الفدية فيها خلاف: من العلماء من قال: تتحفظ وتطوف ولا شيء عليها؛ لأنها معذورة، وهذا الركن بالنسبة لها سقط بعجزها، أو لأن المشقة تجلب التيسير. وبعضهم قال: لابد لها من فدية بعد الطواف. وقد ذكرنا أحكام الحائض والنفساء قبل ذلك، وابن تيمية فرق بين الحائض والجنب، فالجنب بيده أن يرفع الجنابة، أما الحائض فليس في يدها شيء، فلا يجوز للحائض أن تدخل المسجد، لكن رخصنا لها لأن الركب سيرحل، ومن المستحيل أن نقول للركب: قفوا حتى تطهر؛ ولذلك (قال ﷺ لـ صفية: أحابستنا هي؟! فأخبروه أنها طافت للإفاضة ولم تطف للوداع؛ فرحل ﷺ . فقوله: أحابستنا هي؟! بمعنى أنه سيستمر معها حتى تطهر لتطوف للإفاضة؛ لذلك يستحب للنساء بعد رمي جمرة العقبة، وبعد الذبح والتحلل أن يطفن للإفاضة مسرعات؛ لأن المرأة الحائض تمنع الركب من الرحيل، فبما أنها تستطيع أن تطوف الإفاضة في يوم النحر فتطوف. وقد ذكرنا قبل ذلك أحكام الحيض والنفاس في عدة محاضرات وقلنا: إن الحيض يمنع عشرة أشياء، منها ما هو متفق عليها، ومنها ما هو مختلف فيها، ودم النفاس كدم الحيض تماماً، إلا أن النفساء أطول عدة لها أربعون يوماً، فإن زاد فهو استحاضة.

стр. 763

الأسئلة

стр. 764

نصيحة لمن أراد الاستقامة السؤال نريد أن نستقيم على الدين، ولكن لا نملك الإرادة القوية والتضحية بمفاتن الحياة، ونحن طلاب جامعة أمامنا الكثير من الفتن، وكلما نقترب من الدين فسرعان ما نبعد عنه، ولكن نحاول الاقتراب من الدين، الرجاء أن تدلنا على الطريق السليم والأسلحة التي نتسلح بها؟ الجواب الأسلحة هي: أن تصاحب الأتقياء، وأن تبتعد عن الشياطين، وأن تكون مع الصالحين في مجالس العلم، ليأخذوا بيدك إن شاء الله، فإن غفلت ذكروك، وإن نمت أيقظوك، وإن أردت أن تنحرف أقاموك على الجادة، فأول نصيحة أنصحك بها أيها الأخ الكريم: أن تكون مع المؤمنين الصالحين.

стр. 765

حكم لقطة الكتاب الثمين السؤال وجدت كتاباً ثمنه اثنا عشر جنيهاً، هل يجوز لي أن آخذه أم ماذا أفعل؟ الجواب هذا لقطة، عليك أن تعرِّف الكتاب، فإن لم تجد له صاحباً فانتفع به إلى أن يظهر صاحبه، فإن لم يظهر خلال العام فأنت وما وجدت.

стр. 766

من وسائل دفع الهم والغم السؤال أصبت بمرض الضيق والسآمة من الدنيا وما فيها، وأؤدي الفروض والعبادات بملل شديد؛ مع أنه لا ينقصني شيء من لذات الحياة، فهل ذلك الضيق لأن الدنيا سجن المؤمن، أم ما سبب هذا الضيق؟ الجواب وسائل دفع الهم متعددة، والدكتور ناصر العمر له كتاب اسمه: (دفع الهم) فراجعه، فأنصحك بأن تكرر هذا الدعاء: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن)، لكن عند قول هذا الدعاء لابد أن تقوله بيقين، وأنصحك بكثرة السجود، وقيام الليل، وقراءة القرآن، يقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧]، فالحياة الطيبة في القرآن والذكر والطاعة، فعليك بهذا، وإن شاء الله يفرج همك.

стр. 767

حكم كشف الرأس في الصلاة السؤال هل ذكر الشيخ الألباني في كتاب تمام المنة في شروط صحة الصلاة أن كشف الرأس من مكروهات الصلاة؟ الجواب أنا لم أقف على هذا الكلام، ولكن قال ابن عمر: غطاء الرأس في الصلاة من زينتها. لكن هذا يخضع لعرف المجتمع. قال أحد السلف لآخر: أتحب أن يراك الناس مكشوف الرأس؟ قال: لا. فقال: ربك أحق أن تتزين له. فإن كان كشف الرأس في مجتمع خارم من خوارم المروءة؛ فيلزم تغطية الرأس. ويحضرني أن صحفياً في المملكة جاء ليدخل على أحد علماء المملكة، ولم يكن عليه غطاء؛ فأبى أن يأذن له حتى يغطي رأسه، فاعتبر الدخول دون تغطية الرأس من عدم احترام العالم، فذهب الصحفي واشترى طاقية وغطى رأسه. والمجتمعات تختلف، فبعض الناس إن سار مكشوف الرأس كأن شيئاً ينقصه، وهذا موجود إلى الآن، لكن بعض الإخوة اعتاد أن يكشف الرأس، وعموماً المسألة تخضع للمجتمع الذي يعيش فيه.

стр. 768

الحكم إذا رضع الطفل من امرأة غير مسلمة السؤال رجل حينما كان رضيعاً مرضت أمه وأرضعته جارة نصرانية لمدة حتى شفى الله أمه، وهذه النصرانية لها ابن في مثل سنه كان يرضع معه هل هذا الولد هو أخوه من الرضاعة؟ الجواب كل ما في المسألة أنه يحرم عليه بنات هذه المرأة؛ لأنه رضع منها، حتى وإن كانت من أهل الكتاب؛ لأنه يحل له في شرعنا أن يتزوج من أهل الكتاب، وبمجرد الرضاعة يحرمن عليه. واختلاف الدين أيها الإخوة الكرام! يمنع الميراث، ويمنع أخوة الدين. ولكن هو هنا أخوه من الرضاعة؛ لأنه رضع معه، وكان لـ عمر أخ كافر، فأهدى النبي ﷺ عمر ثوباً من حرير، فأهداه عمر لأخيه الكافر، فعلى هذا رأى بعض العلماء أن التعامل مع الكفار يكون بهذا المنطق، والحديث في البخاري.

стр. 769

حكم صيام يوم السبت إذا وافق يوم عرفة السؤال وافق يوم عرفة يوم السبت، وبعض الناس صامه منفرداً، وقد نهى النبي ﷺ عن إفراد يوم السبت أو الأحد بصيام؟ الجواب ( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم) حديث موضوع متروك شاذ؛ لأنه عارض ما في الصحيح: (أفضل الصيام صيام نبي الله داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً) فإذا صام يوماً وأفطر يوماً فسيصوم السبت منفرداً حتماً. ثم حديث جويرية قالت: (دخل علي رسول الله ﷺ يوم الجمعة وأنا صائمة فقال: صمت أمس؟ قالت: لا، قال: تصومين غداً؟ قالت: لا، قال: فأفطري) فإذا صامت السبت بعده أيكون فيما افترض؟ هذا معنى قوله: (لا تصوموا السبت إلا فيما افترض)، فالمتن فيه نكارة كما قال العلماء، وجمهور أهل العلم على جواز إفراد السبت بصيام إن وافق عرفة، ولقد راجعنا الشيخ محمد حسان في هذا فقال: أنا لم أقل على المنبر بعدم الجواز، لكن الحضور فهموا هذا, فأرجو أن يصل صوتي إليهم وأنا سأعود إلى الشريط مرة ومرة؛ لأن عقيدتي أنه يجوز إفراد السبت بالصيام.

стр. 770

حكم سلس البول السؤال عندما أنتهي من الاستنجاء وأقوم إلى الوضوء أشعر ببعض القطرات من البول وفي الصلاة أيضاً؟ الجواب أنت الآن مريض بسلس البول، فعندما تتوضأ تربط على فرجك خرقة وتصلي حتى وإن نزل منك وقال لي أحدهم: طلقت امرأتي في نفسي فهل علي شيء؟ قلت: لا يقع. وبعد قليل قال: يا شيخ! تخيلت أني طلقتها فهل يقع أم لا؟ قلت: لا يقع. قال: يا شيخ! تصورت أني أطلقها، فقلت له: اتق الله في نفسك. وآخر يقول: عندي سلس بول! قلت: كيف؟ قال: بعد خروجي من الخلاء أظل أنظر إلى بشرتي وإلى ما بداخلها، ثم أنقب عما فيها وهذه وسوسة؛ فينبغي ألا يلتفت إلى هذا أبداً، وأن يتقي الله . فالوسواس القهري هذا مرض موجود، فأنت من أهل الأعذار ولا شك، حتى وإن صليت بنجاسة متلبس بها لا تعلمها ولا يمكنك أن تزيلها؛ فلا تلتفت. وبعض الإخوة يدخل الخلاء ساعتين، ويتوضأ ثلاث ساعات، فيكون قد ذهب وقت الصلاة ودخل وقت الأخرى، وهذا لا يمكن أن يقبل بحال، فاتق الله في نفسك.

стр. 771

حكم تهنئة الأم في عيد الأم السؤال هل قولي لأمي في عيد الأم: كل سنة وأنت طيبة من البدع؛ لأن أمي تغضب مني إذا لم أقل لها ذلك في هذا اليوم؟ الجواب هل يوجد عندنا عيد في الشرع يقال له: عيد الأم؟ إن الأولى أن تقبل يدها في كل يوم، وفي كل يوم تقول لها: حفظك الله! أما أن تجعل هذا اليوم فقط يوماً لتكريم الأم؛ فهذا ليس من الشرع في شيء، وهذه الأيام التي تسمى بالأعياد كثيرة جداً، والأعياد الشرعية عيد الفطر وعيد الأضحى.

стр. 772

حكم استئذان المرأة لزوجها عند قضائها للصوم السؤال أفطرت في رمضان لعذر الاستحاضة، هل عندما أبدأ في تعويض هذه الأيام أستأذن زوجي؟ الجواب لا ينبغي للمرأة أن تفطر بسبب الاستحاضة، إنما تفطر بسبب الحيض، أما الاستحاضة فلا تفطر من أجلها الصائمة، أما ما دام الأمر كما تقولين فلا يلزمك أن تستأذني الزوج.

стр. 773

حكم إخراج قيمة الأضحية للفقراء السؤال سمعت أحد المشايخ في التلفاز يفتي بأن مذهب أبي حنيفة يجوز إخراج قيمة الأضحية مالاً وتوزيعه على الفقراء إذا كان في ذلك الفعل مصلحة، فهل يفهم من ذلك أن الأضحية غير واجبة على القادر، أم للقادر حرية الاختيار في إخراجها أضحية أو مالاً؟ الجواب هذا كلام غير صحيح، حتى وإن كان هذا مذهب أبي حنيفة فهذا قول باطل؛ لأنه عارض الأدلة، والأحناف أحياناً يقيسون قياساً فاسداً من وجوه، ولا يلتفت إلى أقوالهم أبداً، ورحم الله من قال: وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلاف له حظ من النظر فلا داعي أن نقول: إن الأحناف قالوا: يجوز إخراج الأضحية نقداً، فزكاة الفطر يجوزون أن تخرج نقداً، والأضحية يجوزون أن تخرج نقداً، لا أدري ماذا سيصنعون بالفقه بعد ذلك. والنبي ﷺ ضحى، ولم يأذن للصحابة إلا بالأضحية، والصحابي الذي ذبح قبل الصلاة أمره أن يعيد الذبح، فقال: ليس عندي إلا جذعة، قال: (تجزئ عنك ولا تجزئ عن أحد غيرك). ولم يقل له: أخرج دراهم أو دنانير. وهذا الكلام فيه خلل كبير يناقض الأدلة، وفي حد علمي أن الأحناف لم يقولوا هذا الكلام، وإنما قالوا بوجوب الأضحية، خلافاً لجمهور العلماء، فإنهم قالوا: إنها سنة مؤكدة، فأرى أن يعاد النظر في هذه المسألة.

стр. 774

العدة شرح العمدة [٥١] فرض الله حج البيت على الناس من استطاع السبيل إليه، ووضح النبي ﷺ مناسك الحج والعمرة لأمته في حجة الوداع وبين لهم ما يجب عليهم فعله في الحج ابتداءً بالإحرام ومروراً بالوقوف في عرفة وانتهاءً بطواف الوداع، فبين لهم ﵊ ما يجب فعله وما يحرم فعله، وما يستحب فعله وما يكره، فأخذ الصحابة الكرام مناسك الحج عن النبي ﷺ ونقلوها للأمة بعدهم.

стр. 775

باب أركان الحج والعمرة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: قال المصنف ﵀: [باب أركان الحج والعمرة. أركان الحج يقصد بها: ما إذا تركه المكلف يقع الحج باطلاً]، أي: أن الحج يبطل بترك ركن من هذه الأركان، وفرقنا بين الركن والواجب والسنة، والحج له أركان، وله واجبات وله سنن. فالأركان لا بد من تحصيلها، والواجبات إن تركها تجبر بدم، والسنن لا شيء في تركها. قال المصنف رحمه الله تعالى: [أركان الحج: الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة]، لكنه نسي أن يذكر الإحرام، فنضيف إليها: الإحرام، وأصل الإحرام ركن، والإحرام من الميقات واجب، فلو مر على الميقات دون أن يحرم وأحرم بعد الميقات يلزمه دم، لكن لا يجوز أبداً أن لا يحرم، فأصل الإحرام ركن، والإحرام من الميقات واجب، لذلك نضيف هنا: الإحرام، فقد نسي المصنف أن يذكره. قال الشارح: [الوقوف بعرفة: فلا يتم الحج إلا به إجماعاً، وروى عبد الرحمن بن يعمر قال: (أتيت النبي ﷺ بعرفة فجاءه نفر من أهل نجد فقالوا: يا رسول الله كيف الحج؟ قال: الحج عرفة)]، وقوله: (الحج عرفة)، تعريف للحج بأهم ركن من أركانه، وأمثال هذا في الكتاب والسنة كثير، يقول ربنا سبحانه: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٣]، (اسجدي) أي: صلي، و (اركعي مع الراكعين) أي: صلي مع المصلين، فعبر عن الصلاة بأحد أركانها، فالتعبير عن الشيء بركن من أركانه معروف في لغة العرب. قال الشارح: [(الحج عرفة)، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه أخرجه أبو داود وابن ماجه] وليلة جمع هي ليلة المبيت بالمزدلفة، فلو أن رجلاً انطلق من مصر في اليوم التاسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة، وأدرك الوقوف بعرفة قبل فجر يوم العيد فقد أدرك الحج. قال الشارح: [قال محمد بن يحيى: ما أرى للثوري حديثاً أشرف منه]. ولا بد أن نفرق بين الوقوف بعرفة والوقوف بعرفة نهاراً، والسنة أن يجمع في الوقوف بعرفة بين النهار والليل، فإذا وقف بالليل ولم يقف بالنهار فحجه صحيح ولا شيء عليه، وإذا وقف بالنهار وترك عرفة قبل غروب الشمس، فقد ترك واجباً من واجبات الحج عند بعض الفقهاء وأنه يجبره بدم. قال الشارح: [وطواف الزيارة ركن لا يتم الحج إلا به]، ويسمى: طواف الإفاضة، وطواف الزيارة، وطواف الحج، وطواف الركن، فله أربعة أسماء: طواف الإفاضة، وطواف الزيارة، وطواف الحج، وطواف الركن، وكلها بمعنىً واحد. قال الشارح: [طواف الزيارة ركن لا يتم الحج إلا به، بدليل قول النبي ﷺ حين ذكر له أن صفية حاضت، قال: (أحابستنا هي؟، قيل: إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: فلتنفر إذاً)]، بمعنى: أن صفية زوجة النبي ﷺ أصابها الحيض فالنبي ﷺ قال: (أحابستنا هي؟)، أي: أنها ستؤخرنا عن الرحيل؛ لأنها لا بد أن تطوف طواف الزيارة فلما أخبر أنها طافت طواف الإفاضة في يوم النحر قال: (فلتنفر إذاً)؛ لأن طواف الوداع يسقط عنها؛ لأنها حائض.
следующие страницы →