← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

لا يصدك الشيطان عن طاعة الله لا يصدنا الشيطان عن ذكر الله، والرجوع والتوبة، إن الشيطان يقول: التوبة صعبة، التوبة مستحيلة، التوبة شاقة، الرجوع أمرٌ مثاليٌ، الرجوع أمرٌ صعب المنال لا يمكن أن يتحقق، كيف نتوب؟ تريدون أن نترك الابتسامة، أن نترك الفرحة، أن نترك اللقاء، أن نترك الوصل، أن نترك لقاء الأحباب والأقارب. نقول: ومن قال إن التوبة تعني ذلك؟ التوبة أن تُودع ما نهى الله عنه، أن تهجر ما نهى الله عنه، أن تتخلص مما نهى الله عنه، وأن تُقبل على طاعة الله، اتق المحرمات تكن أعبد الناس، إن الشيطان يُريد أن يُوقع بيننا عداوة وبغضاء، ويريد أن يضلنا، ويريد أن يصدنا عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل نحن منتهون؟ هل ننتهي من هذه الغفلة ونُقبل على طاعة الله؟ وعلينا أن نستعيذ بالله من همزه ونفخه ونفثه ووسوسته: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً﴾ [البقرة:٢٦٨]. الشيطان يزين للعبد حتى إذا اجتمع الشيطان وأعوانه في النار يوم القيامة، وقف الشيطان خطيباً فصيحاً، فقال كما ذكر الله جل وعلا: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [إبراهيم:٢٢] انتهت القضية، فُرغ من المسألة، أهل النار في النار، أهل الجنة في الجنة، قام الشيطان فقال: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢]. الشيطان يوبخ ويقرع: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦] كم أغوى من شاب، نعم إن الشياطين ما نصبت حبالاً كحبال المشانق تخطف بها رقاب العباد، وإن الشياطين ليس معها أقفالاً وأغلالاً وقيوداً تضعها في الأيدي والأرجل، ولكن الشياطين سربت نغمةً إلى أذن، وزينت صورة في عين، ورسمت فكرة في خيال، وخيلت شهوة محرمة في نفس، وقادت خطوة خطوة إلى أن وقع العبد في المعصية، لأجل ذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:١٦٨]. نعم إن الشيطان ما قال لرجل ذات يوم: اطرح هذه المرأة، وافعل بها الزنا من أول وهلة، وما قال: اشرب كأساً من الخمر أول وهلة، وما قال: خُذ أموال الربا أول وهلة، وما قال: افعل كذا أول وهلة، وإنما قاد خطوة خطوة، إنما هي كانت خيالاً، كانت خطرات، كانت سكرات، ثم هي خطوات، ثم أفعالٌ حتى وقع العبد في المعصية. ورب عبدٍ يتوب بعد معصيته، ويُفسح في أجله، ويُمهل في عمره، فيعود ويستعتب، ورب عبدٍ يموت قبل أن يتوب، ورب عبدٍ يموت وهو يفعل فاحشته، أو يشرب كأسه، أو يعاقر محرماً من المحرمات، إن الشيطان قعد لنا في كل باب، وقعد لنا في كل طريق، إذا أذن للفجر زين لنا الفرش والوسائد، وإذا دعينا إلى الإنفاق في سبيل الله قبض أيدينا على جيوبنا، وإذا دعينا إلى محاضرة وندوة خوفنا ووسوس لنا، وزين لنا مجالس لهو وغفلة، وإذا دعينا إلى صلة رحم ذكرنا محرشاً بعداوات قديمة، وإذا دعينا إلى إصلاح ذات بينٍ جعلنا ننحاز إلى فريق دون فريق. هكذا شأن الشيطان يقعد لكل عبد في طريقه، قال ﷺ : (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال -أي الشيطان-: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبنائك، فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطِوَلْ -الطول: الحبل الطويل يشد أحد طرفيه في وتدٍ والطرف الآخر في يد الفرس، لتدور الفرس وترعى، ولا تذهب تلقاء وجهها- فعصاه ابن آدم فهاجر، ثم قعد الشيطان للمسلم في طريق الجهاد. فقال: تجاهد، فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتقتل، وتنكح المرأة بعدك، ويقسم المال، فعصاه، فجاهد، فمن فعل ذلك -يعني: من عصى الشيطان في كل وساوسه وطرائقه- كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، ومن قتل كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن وقصته دابته كان حقاً على الله أن يدخله الجنة) رواه أحمد والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح.

стр. 1857

التسويف آفة قتلت أصحابها فيا أيها المحب! يا أيها الحبيب! يا أيها الصديق! يا أيها الرفيق! يا أيها الرجل العاقل! ويا أيتها المرأة المسلمة! كما قال الحسن البصري: [إياك والتسويف، فإنك بيومك ولست بغدك، فإن يكن غدٌ لك، فكس فيه كما كست في اليوم، وإلا يكن الغد لك لن تندم على ما فرطت فيه] وذلك من الكياسة بمعنى العقل والفطانة، أي: اعمل عملاً تكون به كيساً حازماً. دع التكاسل في الخيرات تطلبها فليس يسعد بالخيرات كسلانُ لا ظل للمرء يغني عن تقىً ونهى وإن أظلته أوراقٌ وأفنانُ ما الذي يصدنا عن الجنة؟ يا سلعة الرحمن لست رخيصةً بل أنت غاليةٌ على الكسلانِ يا سلعة الرحمن سوقكِ كاسدٌ فلقد عرضت بأيسر الأثمانِ يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحدٌ لا اثنانِ يا سلعة الرحمن كيف تصبر الـ خطاب عنك وهم ذوو إيمانِ ما الذي صدنا؟ ما الذي قعد بنا عن طلب الجنة؟ وما الذي قعد بنا عن السلامة من النار، إن طرق الخير كثيرة، وأبواب البر عديدة وفيرة، فلنا في كل تهليل وتكبير عمل صالح يقود إلى الجنة، قال ﷺ : (يصبح على كل سُلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) رواه الإمام مسلم. عليك صدقة في عافيتك ببدنك ومفاصلك، ويجزئ من ذلك أن تصلي ركعتين، وفي هذا الحديث دلالة على أنك قادر على أن تملأ خزائنك بالأعمال الصالحة، إن الذكر عبادة لسانية، لو أردت أن تحرك يدك بعدد حركات لسانك لانقطعت يدك، ولو أردت أن تحرك رجلك بعدد حركات لسانك لشلت رجلك، ولو أردت أن تحرك حاسة لسانك بخفقات القلب لعجزت، لكن الذكر فيه تسبيح وتهليل واستغفار وإنابة، وذكر لله، وتلاوة، وفيه حسنات كثيرة: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨]. اختار الله كلمات فجعلهما ثقيلتين في الميزان، خفيفتين على اللسان، حبيبتين إلى الرحمن" سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" اختار الله كلمات كما قال ﷺ جعلها خيراً من الدنيا وما فيها" سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر". إنك قادرٌ أن تبلغ الجنة بأيسر الأعمال، أن تقوم بغض طرفك، أن تُحرك لسانك بذكر الله، أن تكف يدك عن الحرام، أن تعقل قدمك عن المشي إلى معصية الله، أن تسير إلى ما أمر الله بالسير إليه، فإن أبواب الجنة سهلةٌ وميسرة جداً، وفي الحديث الآخر: (كل سُلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس؛ تعدل بين اثنين صدقة، تعين الرجل في دابته فتحمله عليها وترفع له عليها متاعه صدقة، الكلمة الطيبة صدقة، بكل خطوة تمشيها إلى المسجد صدقة، تميط الأذى عن الطريق صدقة) متفق عليه. وفي حديث آخر: (وتبسمك في وجه أخيك صدقة) أين نحن من هذه الصدقات؟ من الناس من إذا رأى اثنين قام كالشيطان منحازاً إلى أحدهما، لا يريد أن يُصلح بينهما، وبعض الناس لا يعرف إلا طريق التشجيع للأندية والمباريات الرياضية، لا يعرف أن يقف في الوسط لكي يعدل ويُصلح ويُوفق ويقرب بين فريقين وطرفين وطائفتين، لا يعرف إلا أن يتحيز لهؤلاء ضد هؤلاء، وهؤلاء ضد هؤلاء أياً كانوا صغاراً أو كباراً أو أفراداً، أو غير ذلك. ومن الناس من يحرم نفسه الصدقة، فتجده يجد محتاجاً إلى المساعدة فلا يساعده، يجد رجلاً عاملاً فقيراً مسكيناً كالاً أو ابن سبيل قد انقطع به الطريق فلا يحمله، يحرم نفسه الصدقة، وبيده أن يميط أذى عن الطريق، فربما ترفع أن يلوث تلك اليد المعطرة بمختلف العطور بذلك الأذى الذي رآه، وربما كان ذلك الأذى مرجحاً لحسناته على سيئاته، فيكون بإذن الله سبباً في دخوله الجنة.

стр. 1858

إن طرق الخير كثيرة قال ﷺ : (على كل مسلم صدقة قال أحد الصحابة: أرأيت إن لم يجد؟ قال ﷺ : يعمل بيديه، فينفع نفسه ويتصدق، قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر، فإنها صدقة) متفق عليه، ومن الناس من لا يعرف حتى الصدقات التي لا تحتاج إلا إلى الصبر. في مجلس من المجالس زرت رجلاً أرجوه وألتمس عنده أن يفك أسر مكفوله الذي بلغ من العمر مبلغاً، وله أسرة فقيرة، وله طفلة عمرها ثلاث سنوات أصيبت بفشل كلوي، وله أم عجوز كبيرة، فقلت للرجل: يا فلان، يا عبد الله! إني أدعوك إلى الله وبالله، ولأجل وجه الله أن تترك كفالة هذا المسكين، وتنقلها إلى آخر، وإن ثبت لك في ذمته شيء من الحقوق المالية شرعاً، فأنا ضمينٌ كفيلٌ بها، اتركه. فقال: لا، ما أتركه، فقام واحد من الحضور، قال: هي فوضى، أن يأتي هؤلاء الأجانب، ونتسامح معهم ونتساهل معهم، المستشفيات مليئة بالمرضى، وأنت لا تأخذك العاطفة، فقلت: يا مسكين! أولم يكن خيرٌ لك أن تقول كلمة طيبة، أو تصمت: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت). من الناس فضلاً عن أنه عاجز عن أن يفعل خيراً- والعياذ بالله- قعد به الشيطان ونفسٌ أمارةٌ بالسوء، وهوى مطاع، وشحٌ متبع، قعد به عن فعل الخير، فما زاده إلا أن أنطقه بالباطل، فإذا لم تستطع قول الحق، فلا تنطق بالباطل يا عبد الله، الإمساك عن الشر كما في نهاية الحديث، قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: (يمسك على الشر، فإنها صدقة) متفق عليه. إن أبواب الجنة ميسرة وسهلة، لكن الشيطان ضيق على من أغواهم وأضلهم، تجد الذين وقعوا في الخمر والمخدرات، جميع أنواع عصيرات الفواكه، وعصيرات المشروبات، والأطعمة والطيبات ضاقت في أعينهم، ولم يبق إلا الخمر وهو الذي لذَّ أمام أعينهم وعلى ألسنتهم، أنواع المأكولات ما طابت لهم، وما طاب إلا الحرام، جميع أبواب الرزق من بيع وشراء وأجرة وسَلَم ورهن ومغارسة ومزارعة، وأمور كثيرة ضاقت عليهم، وما طاب لهم إلا الحرام، ولا حول ولا قوة إلا بالله. تجد بعضهم ضاقت المجالس أمام عينيه، ما فكر أن يقعد في مسجد، أو يجلس مع زوجته، أو يلاعب أطفاله، أو يصل رحمه، أو يجلس مع والديه، أو يمشي في طاعة الله ومرضاته، ضاقت كل المجالس وما رأى إلا مجلساً فيه معصيةٌ من معاصي الله . وفي الختام أيها الأحبة: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]. اللهم لا تجعلنا من الفاسقين، اللهم لا تجعلنا ممن طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، اللهم اجعلنا من المسارعين في الخيرات، الراغبين في الطاعات. اللهم استرنا بسترك الذي لا يُكشف، اللهم احفظنا بحفظك، واكلأنا برعايتك، وارفعنا بطاعتك، ولا تخزنا بمعصيتك، اللهم ثبتنا على طاعتك إلى أن نلقاك، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أبقيتنا. اللهم أصلح شأننا، اللهم اجمع شملنا، اللهم أصلح حكامنا، اللهم اهد ولاة أمرنا، اللهم سدد دعاتنا، اللهم وفق علماءنا، اللهم اجمع شملنا، اللهم اجمع شملنا، اللهم اجمع شملنا، اللهم اجمع شمل علمائنا وحكامنا ودعاتنا وعامتنا وصغيرنا وكبيرنا على طاعتك. اللهم لا تفرح علينا عدواً، اللهم لا تُشمت بنا حاسداً، اللهم إنا نعوذ بك من الحور بعد الكور، ومن الزيغ بعد الاستقامة، ومن الضلالة بعد الهدى، لا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً سحاً طبقاً مجللاً نافعاً غير ضار يا رب العالمين. وفي الختام أرجو ممن رتبوا هذه المحاضرة أن يجعلوا على الأبواب من يجمع تبرعات لإخواننا في البوسنة والهرسك، فإنهم بفضل الله في أخبار تنبئ بانتصارات، وبشائر تنبئ بقرب النصر والفرج من عند الله ، فأعطوهم وأعينوهم: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل:٢٠].

стр. 1859

الولاء والبراء [١٤٠٧ه ـ] إن الولاء والبراء أمر محتوم، وهو أصل من أصول الدين الإسلامي، كما بينه الله في كتابه، وبينه رسوله ﷺ في سنته، ولقد سطر الصحابة في الولاء والبراء أروع الأمثلة، وهكذا كان السلف الصالح، لكن لو نظرنا إلى أحوالنا اليوم وأحوال أعدائنا لوجدنا أن الأعداء قد أخذوا بهذا الأصل على اختلاف نحلهم ومللهم، وأما المسلمون -فإلى الله المشتكى- قد وقعوا في التفرق والتشرذم والانحطاط والضعف والخور!!

стр. 1860

حقيقة الولاء والبراء إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، وجزاه عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، وآتاه الفضيلة والوسيلة، وبعثه مقاماً محموداً. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله لكم في كل حال من أحوالكم، وهي وصيته لكم ولمن كان قبلكم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]. معاشر المسلمين! إننا في عصر تكالبت فيه قوى الشر على الإسلام وأهله، واجتمعت عليهم وعلى حربهم صفاً واحداً، على الرغم من اختلاف ملل الكفر وتنوع نحله، وإن كنا نرى في مقابل ذلك آلاف الملايين من المسلمين المتفرقين في أنحاء العالم، ومع ذلك فكثرتهم هذه لم تغن عنهم شيئاً، ولكل واحد منا أن يطرح سؤالاً قائلاً: ما بالنا نحن المسلمين أكثر أمم الأرض عدداً، وأوفرهم أموالاً وأرزاقاً، ومع ذلك فالمسلمون أكثرهم يشردون أو يقتلون ويعذبون ويهانون ويحتقرون! أليست الكثرة تغلب الشجاعة، وتجلب النصر والغلبة؟ نعم. هذا هو سؤال الساعة المناسب، والجواب عليه يكمن في قوله ﷺ : (يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يا رسول الله؟ قال: لا. أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يصيبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت، وينزع الله مهابتكم من صدور أعدائكم) أو كما قال ﷺ . عباد الله! إن ثمة علل وأمراض أصابت الأمة الإسلامية، نخرت عظامها، ومزقت أوصالها، وأسقطت خلافتها، وفرقت شمل وحدتها، حتى وصل بها الأمر إلى ما نراه اليوم من التبعية والهوان والذل والامتحان، ولو ذهبنا نستعرض تلك المصائب والمحن، لطال بنا المقام، ولكن حسبنا أن نتذاكر بعضها بشيء من الإيجاز والاختصار. ألا وإن من أعظم تلك الأمور وأخطرها، والتي أصابت المسلمين في دينهم؛ هي قضية ضعف الولاء والبراء، ضعف الموالاة والمعاداة في الله، إذ لما ضعف تمكن هذا الأمر في نفوس كثير من المسلمين؛ تبع ذلك نقص وضعف في الإيمان، وحقيقة الولاء يا عباد الله! أن يعرف المسلم أولياء الله من المؤمنين الصادقين، والدعاة المخلصين، فيواليهم ويحبهم، ويعينهم، ويدعو لهم، وأن يعرف أعداء الله فيعاديهم، ويخذلهم، ويدعو عليهم.

стр. 1861

تحريم موالاة الكفار لقد حذر الله جل وعلا عباده المؤمنين في كتابه الكريم من موالاة الكفار حيث يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:١١٨ - ١٢٠]. فلا تجوز موالاة أعداء الله بأي حال من الأحوال، فالولاء لله والبراء من أعدائه ليست أقوالاً تدعى أو يزعمها من شاء، بل لابد لها من البراهين والأدلة التي تمحص صدقها من كذبها، وصحيحها من سقيمها، إن الصحابة رضوان الله عليهم في عهد النبي ﷺ في مكة، أثبتوا صدق ولائهم لله، فما أن أذن الله لهم بالهجرة إلى المدينة حتى تواثبوا إلى طيبة الطيبة، تاركين أرضهم وأموالهم وديارهم وعشائرهم، ليثبتوا صدق الولاء لله جل وعلا، وليظهروا صدق العداوة للكفار في مكة. والولاء والبراء مسألة عريقة منذ القدم على عهد أبينا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، والله جل وعلا قد جعل إبراهيم قدوة لنا، حيث يقول في محكم كتابه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] ويقول جل وعلا محذراً عباده المؤمنين من موالاة أعدائه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١].

стр. 1862

حقيقة الولاء والبراء عند الصحابة ولقد سجل الصحابة رضوان الله عليهم أروع آيات الولاء والبراء، حيث نزل في أحدهم وهو أبو عبيدة ﵁ قول الله جل وعلا: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢] ففي يوم بدر تقابل أبو عبيدة عامر بن الجراح مع أبيه، تقابل معه في المعركة فقتله، وقال عبد الرحمن بن أبي بكر لأبيه أبي بكر الصديق: والله لقد وقعت تحت سيفي عدة مرات فرددته عنك حياء منك يا أبي، فقال له أبو بكر: والله لو وقعت تحت سيفي مرة واحدة ما رددته عنك. وقال عمر بن الخطاب ﵁ لرسول الله ﷺ حينما استشاره في أسرى معركة بدر: سلمني أخي، فلأقطعن عنقه، وسلم علياً أخاه عقيلاً فليقطع عنقه، وسلم أبا بكر ابنه فليقطع عنقه، ثم نقتلهم جميعاً، فلا يعودون يقاتلوننا، أي ولاء وبراء في هذه المواقف المذهبة والمشرقة؟! ولما قدم أبو سفيان مبعوثاً من أهل مكة ليفاوض النبي ﷺ على تمديد العهد والهدنة قدم على ابنته أم حبيبة زوج رسول الله ﷺ ، فلما دخل البيت وأراد أن يجلس على فراش مطروح على الأرض، قامت ابنته وجذبت الفراش من تحته، فقال لها: أي بنية! أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت بالفراش عني؟ فقالت: لا. إنما هو فراش رسول الله ﷺ ، وهو مسلم وأنت مشرك نجس. ولما رأى مصعب بن عمير أخاه أبا عزيز أسيراً في معركة بدر، في قبضة سلمان الفارسي، قال له: يا سلمان! شد الوثاق على أسيرك، فإن أمه غنية، فقال له أخوه: أهكذا تقول عني؟ قال: والله إن سلمان أخي من دونك. وعبد الله بن عبد الله بن أبي، وأبوه زعيم المدينة وكبير المنافقين، لما كان رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، قال كبير المنافقين: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وسمع رسول الله ﷺ بتلك المقولة، فأرسل وراء ابنه عبد الله وهو صحابي جليل، فقال له: هل علمت ما قال أبوك؟ قال: لا. قال: يقول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عبد الله بن عبد الله بن أبي: صدق يا رسول الله! أنت الأعز وهو الأذل، ولئن أمرتني يا رسول الله لآتينك برأسه ولو كان أبي! وعندما عاد إلى المدينة وقف على بابها، فعندما جاء زعيم المنافقين ابن أبي أمسك ولده بتلابيبه وقال له: أنت الذي قلت: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل؟ أنت الأذل ورسول الله ﷺ هو الأعز، والله لا يؤويك ظلها -أي المدينة - أبداً حتى يأذن رسول الله ﷺ ، وكاد أبوه ينفجر غيظاً وكمداً، وصاح: يا معشر الخزرج! ابني يمنعني المدينة، وابنه يقول: والله لا تدخلها، فذهب من الصحابة من أخبر رسول الله ﷺ بذلك، فقال لهم: مروه فليأذن له. وبذلك تحول الولاء والبراء إلى واقع عملي يراه الناس ويقتدون به، فمسألة الولاء والبراء ترتفع بالمسلم عن حدود الجنس واللون والعرق والقبيلة والوطن، إلى سمو الإسلام وعدله ورحمته، فالمهم أن نوالي أولياء الله عرباً كانوا أو عجماً، بيضاً كانوا أو سوداً، وإن لم نفعل ذلك تكن فتنة في الأرض وفساد عريض.

стр. 1863

حال المسلمين اليوم وحال الأعداء في الولاء والبراء إن من صدق الولاء لله أن نعين الدعاة إلى الله في كل مكان، والمجاهدين في سبيل الله بكل ما أوتينا من فضل من الأموال والأرزاق، والدعاء والثناء، والنصح والتواصي بالحق والصبر، إن المسلمين يواجهون حرباً من أعدائهم اليهود والنصارى وأذنابهم وأوليائهم، فأعداؤنا قد يختلفون فيما بينهم، ولكنهم يتفقون ويتحدون ويجتمعون على حربنا وإبادتنا: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة:١٠٥]. وكيف يليق بنا نحن المسلمين أن نتفرق أو نتشتت أو نتقاعس عن موالاة المؤمنين وعونهم، وأعداؤنا يوالي بعضهم بعضاً لأجل حربنا وإبادتنا، ولو أمعنا النظر في واقعنا وذهبنا نتعرف إلى موقعنا في مسألة الولاء والبراء، لوجدنا الكثير قد والى نفسه وشهواته وملذاته، فأين الولاء منا، ونحن نرى الأبرياء يشردون، والنساء يستبحن، والرجال يقتلون وَيُقَاتَلُوْن، ثم لا نهب لنجدة أو معونة؟! أين الولاء منا، وأين نحن من الولاء لله، إذا كان إخواننا في أفغانستان وغيرها يخوضون حرباً ضارية شعواء مع أعداء الله الملحدين واليهود الحاقدين؟! ثم إذا دعي الواحد منا إلى الصدقة أو المعونة، تراه يتكاثر دريهمات حقيرة يدفعها لهم، وإذا تكرر طلب المعونة منه سئم ومل من ذلك التكرار. إن من صدق الولاء في هذه القضية خاصة وغيرها عامة، أن يجاهد المسلم بماله ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولو أن كل واحد منا داوم بالدعم والمعونة والصدقة ولو بشيء قليل لكان ذلك كثيراً بالنسبة لمجموع المسلمين على تفرقهم في جميع أنحاء العالم. أسأل الله جل وعلا أن يبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، بارك الله ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو التواب الرحيم. الحمد لله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها، وأنشأ السحاب، وهزم الأحزاب، وأنزل الكتاب، وخلق العباد من تراب، لا إله إلا هو رب الأرباب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، لم يعلم طريق خير إلا دل الأمة عليه، ولم يعلم سبيل شر إلا حذر الأمة منه، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضو بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار. عباد الله! يقول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣] ولاء الكفار بعضهم لبعض واضح وجلي، مهما تعددت نحلهم، ومهما تنوعت مللهم، فهم يوالون بعضاً، خاصة إذا كان الخطب أمام المسلمين، وذلك أننا نرى أعداء الله عند حدوث أي عداوات، أو سوء علاقات بين بلادهم وغيرها، ترونهم يقاطعون إنتاج تلك البلدان، يقاطعون عمالتها، يقاطعون اقتصادها، ألسنا نحن المسلمين أولى بمعرفة الولاء والبراء في الدقيق والجليل في كل صغير وكبير؟! عجباً لأولئك الكفار في موالاتهم لبعضهم، يوم يرون عداوة من أمة من الأمم، أو دولة من الدول، يوم أن يرون عداوة منها لبلادهم، يقاطعونها وينابذونها في كل قليل وكثير. إذاً يا عباد الله! فنحن أولى أن نقاطع الكفار، ونحن أولى أن نسد حاجتنا من كل صغير وكبير من بلاد الإسلام ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً، أما إذا لم نجد إلى ذلك سبيلاً كأن يكون في أمور قد لا ينتجها إلا هم، أو في أمور لا توجد إلا عندهم، فالله المستعان والشكوى إلى الله في كل حال، فما حيلة المضطر إلا ركوبها، أما مادمنا نجد سبيلاً إلى سد الحاجة من الإنتاج، ونجد سبيلاً في سد حاجاتنا من العمالة والاقتصاد، وكل صغير وكبير، فالأولى أن نتجه بذلك إلى بلاد المسلمين، لكي نقوي بذلك شأن المسلمين، ونضعف بذلك شوكة الكافرين، نسأل الله جل وعلا أن يعيننا على ذلك. وإن من الأمور المهمة التي ينبغي أن يشعلها الإنسان، وأن يوقد جذوتها في نفسه، فيما يتعلق بالولاء والبراء إذا سافر لبلدة أوروبية أو غيرها من تلك البلدان التي يعيش فيها المسلمون أقلية أو أغلبية مقهورة، ينبغي له أن يتحسس أحوال إخوانه المسلمين، وأن يبحث عنهم، وأن ينظر إلى أي مدى يعيشون من سعة العيش أو ضيقه، وينبغي له أن يمد شيئاً من المعونة والصدقة والنفقة لهم على حسب استطاعته. إذ أنهم لا يجدون دعماً إلا بما يجتهدون به، وما يجمعونه من إخوانهم، فينبغي أن نشعل الولاء والبراء في أنفسنا، وأن نذكي جذوتها، وأن نشعل قناديلها حيثما اتجهنا وأينما كنا، ليعرف الإنسان أنه مرتبط بأخيه المسلم، وأن الإسلام دم يسيل في عروقه، ينبغي أن يبحث وأن يرتبط بمن هو مسلم في أي مكان، ولكي يكون على صلة قوية بإخوانه المسلمين في كل مكان وزمان. أما أن يعيش كثير من المسلمين لا يوالون ولا يعادون في الله، ولا يلتفتون ولا ينتبهون لإخوانهم المسلمين، فهذا من الغفلة بموقع عظيم، والأسوأ والأمر من ذلك أن ترى الكثير منهم ينفق الملايين الطائلة، والآلاف المؤلفة، حينما يسافر إلى دول الغرب، ومع ذلك لا تجود نفسه بقليل أو كثير لمركز إسلامي، أو مسجد قد أسس، أو لجماعة تدعو إلى الله على بصيرة في تلك الغربة والوحشة. ينبغي أن نذكي أمر الولاء والبراء في نفوسنا، وإنما هو أمر من أساسيات ومهمات العقيدة، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يوالون أولياءه، ويعادون أعداءه. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً، وأراد بولاة أمورنا فتنة، وأراد بهم مكيدةً، فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه، وأدر عليه دائرة السوء يا جبار السماوات الأرض! اللهم اختم بالسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا، اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلى غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلى قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا حاجة إلا قضيتها، ولا أيماً إلا زوجته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره برحمتك يا أرحم الراحمين! ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، نبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء؛ الأئمة الحنفاء، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1864

إلى الله المشتكى في هذه المحاضرة تبرز الفوارق الشاسعة (بل لا مقارنة) بين الرعيل الأول (السلف الصالح) وبين جيل هذا الزمان، لم تختلف الأجسام والألوان والجوارح، ولكن اختلفت القلوب، فقلوب الرعيل الأول قد امتلأت يقيناً بالله جل وعلا وبما عنده من نعيم للمؤمن، وعذاب للفاسق امتلأت خوفاً من الله وخضوعاً وحباً له جل وعلا امتلأت يقيناً بنصر الله جل وعلا لدينه وأوليائه؛ فبذلوا الغالي والرخيص في سبيل الله. وقد تحدث الشيخ حفظه الله بعد ذلك عن انتصارات المسلمين عبر التاريخ؛ لعلها تكون سبباً في رفع الهمة عند القانطين، فالإسلام تظهر قوته عندما يجتاح العدو ساحته. ثم في الأخير: استغاثة مما فعله أعداء الله (اليهود) من سب وشتم وتصوير لرسول الله ﷺ .

стр. 1865

مقدمة عن حال الأمة اليوم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ جل عن الشبيه وعن الند وعن المثيل وعن النظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣]. معاشر المؤمنين: في هذه الأيام وفي كثير من الأيام نرى أحاديثنا تدور عن أحوالنا، وما هي الأسباب التي أودت بنا إلى ما نحن فيه، وما الذي حول حالنا إلى ما نحن عليه؟ ألم نكن ملوكاً نملك الدنيا ونملك اليهود والنصارى؟ وندبر الأمر. فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا إذا نحن فيهم سوقةٌ نتنصفُ كثيراً ما يكون حديثنا عن ما انتهى إليه واقعنا من التشتت والتفرق والتنازع والاختلاف وتسلط أعدائنا علينا، وهواننا على الناس رغم كثرتنا، بل بلغ تعدادنا المليار ونصف المليار، وحق وصدق فينا قول نبينا ﷺ : (تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلةٍ نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا. أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، يصيبكم الوهن، وينزع الله المهابة من صدور أعدائكم منكم، فقالوا: وما الوهن يا رسول الله؟، قال: حب الدنيا وكراهية الموت). أيها الأحبة: كثيراً ما نسمع قانطاً، أو مثبطاً، أو مرجفاً، أو متشائماً لا يرى أن سيعود للإسلام دولة، أو يستبعد أن يكون للأمة المستضعفة من جديد قائمة، وترى آخر لا هم له إلا أن يذكرنا بماضينا: كان آباؤنا كان أجدادنا كان أسلافنا، وحق لنا أن نفتخر بأولئك، وواجبٌ علينا أن نسأل أنفسنا ماذا قدمنا؟، وماذا عملنا؟ إذا فخرت بأجداد لهم نسبٌ نعم فخرت ولكن بئس ما ولدوا إنا كنا نفتخر بالآباء والأجداد وصولتهم في الجهاد، وبذلهم في الدعوة، وطول قيامهم، وطول صيامهم، وخشيتهم وخوفهم من الله حق لنا أن نفتخر بأولئك. أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع ولكن أليس من الواجب والحق؟ أليس من العقل والمنطق والشرع أن نتأمل أنفسنا التي ستحاسب، والتي ستموت وتبعث، والتي تحشر وتسأل، والتي تلقى جزاء ما سعت وما قدمت في هذه الحياة الدنيا. أيها الأحبة: يقول تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] فإلى أولئك الذين يرددون الحديث عن أجدادهم ولا يعرجون على واقعهم، وإلى أولئك الذين غلب التشاؤم والضعف والقنوط والإحباط على نفوسهم، إلى الجميع نقول لهم: عودوا إلى واقعكم، وتأملوا ما الفرق بينكم وبين أسلافكم، وبين ذلك الرعيل الأول الذي كان له ما كان من الدولة والصولة والجولة والقهر والغلبة والسلطان.

стр. 1866

الفوارق بين جيلنا وبين الرعيل الأول أيها المسلمون: إن أردتم الفوارق الحقيقية بين جيل النصر والبسالة وجيل الجهاد والدعوة، وجيل العزة والغلبة، ذلك الجيل الذي لا يرضى أن يمتهن أو يهان دينه، ولا يرضى أن تذل دعوته، ولا يرضى أن يغلب المنكر على المعروف، ولا يرضى أن يسكت على الباطل، الفرق بيننا وبين ذاك الجيل ليس في أنوف أو آذان، وليس في أفواه أو أعين، وليس في جوارح أو حواس، وإنما الفرق بيننا وبين ذاك الجيل هو فرق في القلوب، فرق في الأفئدة، فرق في الأرواح، وشتان شتان ما بين تلك وهذه. لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعدِ

стр. 1867

صدق يقين الرعيل الأول بالله أمة الإسلام: إن من أعظم الفروق العظيمة التي ميزت ذاك الجيل الأول عنا برتبةٍ عاليةٍ، وجعلتنا في رتبةٍ دنيئةٍ من أحوالنا، أن أول فرق بيننا وبينهم هو: يقينهم بالله ، ليس الأمر في كثرة العبادة بقدر ما هو في قوة اليقين بالله ، وقوة الإيمان بوعده ووعيده، وثوابه وعقابه، إذا قام أحدهم يصلي قوي اليقين في قلبه، فتراه يصلي صلاة من ينظر إليه ربه، بلغوا درجة الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) تجد القلب حاضراً خاشعاً منكسراً مختباً منيباً، والقدم واقفة، واليد والجوارح خاشعة، وتجد قلباً معلقاً بالله كأن أحدهم على الصراط، وكأنه يرى الجنة والنار، وكأنه لا يرى من جبال الذنوب إلا عمله، هكذا كانوا في قوة اليقين أثناء عبادتهم وتهجدهم وصلاتهم وركوعهم وسجودهم. ترى الواحد منهم يمضي إلى الجهاد ويعلم أن دخول المأسدة يعني يتم الأولاد والبنات، وترمل الزوجة، ويعني فراق الدنيا والرحيل عن الملذات، ولكن ما في قلبه من اليقين بأن ما عند الله له من الحور يغنيه عن الزوجات، وأن ما عند الله له من الخلف يعوض عليه ما فات في الدنيا، يسوقه ويشوقه إلى فراق هذه الدنيا حتى إن أحدهم يمل حياةً يعدها طويلةً في مدة يأكل فيها تمرات في يده، كذا كان شأن عمير بن الحمام لما سمع النبي ﷺ يقول في معركة أحد: (﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١] فقال عمير: بخٍ بخٍ يا رسول الله! جنة عرضها كعرض السماء والأرض؟ قال: نعم. قال عمير: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن أقبل اليوم صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر، وكان في يد عمير تمرات يتقوى بهن في الجهاد، فنظر إليها في يده -لا تجاوز أربعاً أو خمساً- فقال: لئن أنا بقيت حتى آكل هذه التمرات، إنها لحياةٌ طويلة) فرمى بتمراته يريد أن يستعجل الحياة، يريد أن يختصر المسافة، فشد عليهم حتى لقي كرامة الله له، كان الواحد منهم يعلم علم اليقين أن ما بعد القتل إلا الجنة، وما بعد الموت إلا الكرامة، وما بعد صرعة يصرعها يتشحط بها في دمه إلا أن ينقل إلى جنةٍ عرضها السماوات الأرض. لما خرج عبد الله بن رواحة إلى الجهاد، وودعه من ودعه، قالوا له: تعود سالماً، قال: لا. لكنني أسأل الرحمن مغفرةً وطعنةً ذات فرغٍ تقذف الزبدا وضربةً بيدي حران مجهزة بحربةٍ تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقال إذا مروا على جدثي يا أرشد الله من غازٍ وقد رشدا كان الواحد يخرج إلى الجهاد يتمنى الموت: ألا موتٌ يباع فنشتريه وهذا العيش ما لا خير فيه ألا رحم المهيمن نفس حرٍ تصدق بالممات على أخيه يقينهم بالجنة كما أن يقيننا أن وراء هذا الجدار هو الشارع والطريق، يقينهم بأن لا بعد الموت إلا جنة عرضها السماوات الأرض، كان أحدهم بهذا اليقين إذا طعن ففار الدم من جوفه، قال: [فزت ورب الكعبة] والآخر يبقر بطنه، فيفوح الدم مسكاً، وتتفجر الدماء من جوفه، فيأخذها ويرفعها إلى السماء، ويلطخ بها وجهه ورأسه، ويقول: [اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى] الله أكبر! هكذا كان يقينهم بالله، أما نحن في هذا الزمان -متحدثنا وسامعنا، إلا من رحم الله- فما أضعف اليقين في نفوسنا وقلوبنا! أيها الأحبة في الله: ويقينهم حينما يدعون إلى الإنفاق في سبيل الله، هذا أبو بكر الصديق يأتي بماله كله، وهذا عمر يأتي بنصف ماله، وهذا عثمان ﵁ يجهز جيش العسرة، وهذا ابن عوف يتصدق بقافلة كاملة، وهذا أبو طلحة ينفق أنفس ما عنده ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]. كان الواحد منهم ينفق وهو يعلم علم اليقين أن ليس في آخر الشهر سجل للرواتب يوقع عليه ليقبض راتب الشهر، إنما كان ينفق ويبذل والعوض من عند الله، أما نحن؛ فإذا دعينا فمنا من يبخل: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] إذا أنفقنا أو أعطينا، فطائفة ينفقون مما يكرهون، ويتيممون الخبيث منه، وطائفة ينفقون القليل القليل وقد أعطاهم الله الكثير، وطائفة يترددون ويتلكئون مع علم كثيرٍ منهم أن آخر العام سترد عليه جبايات الإيجار، وسترد عليه مسيرات الرواتب ليقبض ماله، وليقبض عوض ما دفع وما بذل، فشتان بين يقيننا ويقينهم. ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا نعم. لئن قلنا إن يقيننا أضعف من يقينهم، فذاك قدحٌ في يقينهم؛ لأن يقينهم لا يقارن بما نحن فيه إلا ما رحم الله وقليل ما هم.

стр. 1868

خوف الرعيل الأول وخشيتهم وخضوعهم لله أما الفرق الآخر بيننا وبين ذلك الجيل -يا عباد الله- أن فيهم من الخشية، والخوف، وفيهم من الرهبة، والخضوع والإنابة لله ما ليس عندنا، وليس فينا إلا من رحم الله من عباده وقليل ما هم. أيها الأحبة: ترى الواحد منهم يعلم ببشارة النبي ﷺ له أنه من أهل الجنة فلا يغره ذلك، فهذا عمر بن الخطاب ﵁، يقول ﷺ : (فانطلق بي ملكان، ورأيت الجنة ورأيت قصراً أبيض، وعند القصر جارية حسناء، فقلت: لمن هذا القصر؟، فقال الملكان: هذا قصرٌ لواحدٍ من أمتك، فقلت: من هو؟، قالوا: عمر بن الخطاب ﵁، قال: فتذكرت غيرة أخي عمر، فانصرفت، أو فصرفت وجهي، فقال عمر وهو يسمع ذلك وهو يبكي، ويغطي وجهه وله خنين: أو منك أغار يا رسول الله؟) يبشره النبي ﷺ بأنه من أهل الجنة، وأنه رأى قصره في الجنة، ورأى جاريته في الجنة. والآخر بلال عبد حبشي مفلفل الرأس، لكن الإيمان جعله سيد السادة، يقول ﷺ : (سمعت دف نعليك في الجنة). أبو بكر خيرهم وأسبقهم، يقول ﷺ له لما قال أبو بكر: (يا رسول الله! ما أجمل قول الله : ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠] ما أحسن من يقال له هذا! فيقول ﷺ : وإنك يا - أبا بكر - ممن يقال له هذا) وينزل فيه قول الله : ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧ - ٢١] يقسم الله أن سيرضي أبا بكر، والله لو أقسم علينا ملكٌ، أو ثريٌ، أو أميرٌ، وقال لواحد منا: والله لأرضينك، والله لأرضينك، والله لأرضينك، لامتلأت النفس بكل الأحلام والآمال، فما بالك -ولله المثل الأعلى- بأن الله يقسم أنه سيرضي أبا بكر ﵁ وأرضاه. الواحد يمشي على الدنيا وهو مبشرٌ بالجنة، جلس ﷺ في حائطٍ، ووقف أحد الصحابة جاعلاً من نفسه حارساً له، قال: (لن يدخل اليوم على رسول الله أحدٌ ألا استأذنت له، فجاء أبو بكر ورسول الله في الحائط وقد دلا رجليه في البئر، فقال: أريد أن أدخل، فقال: انتظر حتى أستأذن لك رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! هذا أبو بكر يستأذن، قال: ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عمر، وقال الحارس: يا رسول الله! هذا عمر يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عثمان، فقال الحارس: يا رسول الله! هذا عثمان يستأن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه). وكان ﷺ ذات يوم على جبل أحد ومعه عمار بن ياسر وعلي بن أبي طالب، فارتجف الجبل واهتز، فقال ﷺ : (اثبت أحد، اثبت أحد، فإنما عليك نبيٌ وصديقٌ-أي: أبا بكر - وشهيدان) يبشرون بالجنة وهم يمشون على وجه الأرض، فهل جرهم ذلك إلى الغرور؟ هل اتكلوا على البشارة وتركوا العمل؟ هل اتكلوا على ما بشروا به من أنهم سيلقون الجنة؟ لا. وألف لا. فأول المبشرين أبو بكر كان يبكي ويقول: [يا ليتني ألقى الله كفافاً لا لي ولا علي] من شدة الخوف والقدوم على الله . وكان عمر بن الخطاب بعد أن طعنه ذاك العلج الكافر قد وضع عبد الله بن عمر رأس والده على فخذه، فقال عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: [يا عبد الله بن عمر! ضع رأس عمر على الأرض، ويلٌ لـ عمر، ويلٌ لـ عمر، ويلٌ لـ عمر إن لم يرحمه ربه]. وهذا عثمان ﵁ وأرضاه، وقد تسور عليه داره، وذبح في بيته، وتسلط عليه، وفعل به ما فعل، ما كان دأبه في الليل والنهار إلا أنه كان يتلو القرآن قائماً قانتاً ساجداً، ومات وقد تحدر دمه على المصحف ﵁. قرأ ابن عباس ﵁ وأرضاه هذه الآية: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] فقال ابن عباس: [ذاك والله عثمان بن عفان]. انظروا الفرق بيننا وبينهم، الواحد يبشر بالجنة فما يزيده ذلك من الله إلا خوفاً، وما يزيده في صلاته إلا خشوعاً، وما يزيده في ماله إلا بذلاً وإنفاقاً، وما يزيده بروحه إلا تضحيةً وإقداماً، وما يزيده في الجهاد إلا بسالةً وتضحيةً، وما يزيده في الخلق إلا نفعاً ومعونةً، مع أن الواحد قد بشر بالجنة، والواحد منا إذا نال أدنى مرتبة اغتر بها، أو غره ثناء العوام عليه، أو غره ثناء الناس عليه، أو غره حديث الناس عنه، أو غره جاهلٌ بحقيقته يقبل رأسه أو كتفه أو يده. نعم يا عباد الله: إن من الناس من يغتر بنفسه عند أدنى صورة من صور الإكرام له، والواجب ألا يغتر أحدٌ بنفسه، وكما قال ابن الجوزي ﵀: يا ناقص العقل! إن الناس إن أعجبوا بك، فإنما أعجبهم جميل ستر الله عليك، وهكذا كان دأب السلف، والصالحين من بعدهم، وجاء الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، وملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعد أن كان فيها ما كان من الذين قبله، فلما حضرته الوفاة، قيل: يا عمر بن عبد العزيز! هلا أوصيت أن ندفنك بجوار عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، وجوار أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ ، وجوار رسول الله ﷺ قبل ذلك؟ فبكى عمر بن عبد العزيز، وقال: والله لأن ألقى الله بكل ذنب غير الشرك أهون عليَّ من أن ألقى الله وأنا أظن أنني أهلٌ لهذه المنزلة، والله لأن ألقى الله بكل ذنب غير الشرك أهون عليَّ من أن ألقى الله وأنا أظن أنني أهلٌ أو كفؤ أن أدفن بجوار عمر، أو أبي بكر، أو بجوار رسول الله ﷺ ، ثم قال عمر بن عبد العزيز: اللهم إن عمر ليس أهلاً أن ينال رحمتك، ولكن رحمتك أهلٌ أن تنال عمر. انظروا يا عباد الله! إلى هذه النفس العظيمة البالغة في الخضوع والانقياد والإخبات لله ، ما كان الواحد يدعي لنفسه، أو يعجب بنفسه، أو يمن بعمله، فيستكثر على ربه. كان ابن تيمية ﵀ إذا فتح عليه ما فتح من العلم وهو الذي جاهد وبذل ودعا واحتسب وعلم، وحسبكم أنه مات سنة (٧٢٠هـ) إلى يومنا هذا، ولا يكاد يخلو يومٌ إلا وطالب علمٍ يقلب كتبه، وينهل من معينه، ويرد موارده، ويترحم عليه، كان ابن تيمية ﵀ إذا فتح عليه ما فتح من علمٍ، أو دعوةٍ، أو جهادٍ، كان يقول: ليس مني، وليس بي، وليس إليَّ، وليس عليَّ أنا المكدي وابن المكدي وكذاك كان أبي وجدي ما كان يعتد بنفسه أو يقول: إنما أوتيته على علم، أو يقول: أنا لها كما يقوله بعضهم في هذا الزمان، وكان القحطاني العالم العابد الورع الزاهد الفقيه الأصولي يقول: والله لو علموا بقبح سريرتي لأبى السلام عليَّ من يلقاني أتدرون ما سريرتهم؟ قيام الليل، وصيام النهار، وصدقةٌ بالأيمان لا تعلم عنها الشمائل، ودموعٌ تفيض في خلوات بينهم وبين الله، وقلوبٌ معلقة بالمساجد، وإعراضٌ عن الدنيا، وتعلقٌ بالعبادة، هكذا كانت سريرتهم، ومع ذلك يظهرون أن ليس لهم شيء، ولا يفتخرون أو يفاخرون أو يكابرون، وقال الآخر: إلهي لا تعذبني فإني مقرٌ بالذي قد كان مني يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني هكذا كانوا قمماً في العلم والعمل، ويراهم الناس كأحلاسٍ بالية في انكسارهم بين يدي الله ، أما نحن في هذا الزمان، فنجمع مع المعصية آمالاً عظيمة، ونجمع مع الكبائر آمالاً عريضةً واسعةً، ونجمع مع الغفلة طمعاً في أعلى المراتب، إننا لا نقنط أحداً أن يطلب رحمة الله، ولكن الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨] لا يطلبن أحدٌ ولداً وهو لم ينكح، ولا يطلبن أحدٌ ثمراً وهو لم يزرع. ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تمشي على اليبس

стр. 1869

السلف تعلموا العلم ليعملوا به أيها الأحبة: ومن الفروق العظيمة التي بين ذلك الرعيل الأول وبيننا في واقعنا هذا، أن أولئك كانوا يأخذون العلم لا للخطابة، أو للمحاضرة أو للندوة أو للمحاورة، أو لتصدر المجالس، أو ليقول الناس عنهم علماء، أو ليشار إليهم بالبنان، أو لتشخصهم الأعيان، وإنما كانوا يتلقون العلم للتطبيق، يلتقون الأمر للتنفيذ، يتلقون النهي لينزجروا مباشرةً: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١] هكذا كان شأنهم يا عباد الله، وهكذا كان دأبهم أن يتلقوا الأمر لتنفيذه. نحن في هذا الزمان، الواحد يعلم المسألة والخلاف فيها والأقوال والأدلة، ثم لا يلبث أن يترخص لنفسه برخص المذاهب، أو أن يتتبع الرخص من أقوال الناس، ومن تتبع الرخص في دينه فقد تزندق، هذا يقول: الفوائد الربوية حلال؛ لأن فلاناً أفتى بها. وهذا يقول: نكاح بلا ولي حلال؛ لأن فلاناً أفتى به. وهذا يقول: هذا الأمر حلال؛ لأن فلاناً قال به. ويترخصون في مسائل دينهم حتى لا يبقى لأحدهم مسألة من مسائل الدين يراها حراماً، هذه فيها خلاف، وهذه فيها كذا، وقد قال ﷺ : (البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس، وإن أفتاك الناس وأفتوك). شتان بين حالنا وحالهم، كان الواحد منهم يعلم قول الله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨]، فيعمل لأجل ذلك. أما نحن -يا عباد الله- فكم تلقينا من الأوامر؟! وكم بلغنا من الزواجر؟! وكم علمنا من النواهي؟! وكم قرأنا من النصوص؟! كم سمعنا في الإذاعة؟! وكم رأينا وشاهدنا؟! وكم درسنا وتعلمنا؟! ولكن: غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت مسافة الخلف بين القولِ والعملِ انفصامٌ نكدٌ نقله الأبناء من الآباء، ونقله كثيرٌ من الناشئة، بل أصبحت التربية تقوم على أسس من الانفصام، وذلك لما يرى من تناقض بين ما يتلقاه الناشئة وبين ما يرونه في واقعهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله! بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجلٍ مسمى، ويزدكم قوةً إلى قوتكم.

стр. 1870

ثقة الرعيل الأول بنصر الله الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة: ومن أعظم الفروق بين ذلك الرعيل الأول وبين جيلنا: أن الواحد منهم كانت ثقته بنصرة الله للإسلام، وأن الغلبة والدولة والصولة لأمة الإسلام، فكانت عين اليقين وعلم اليقين وحق اليقين، أما كثيرٌ منا في هذا الزمان، فقد بلغ بهم اليأس والقنوط مبلغاً حتى يقول القائل: إن دام هذا ولم يحدث له غيرٌ لم يبك ميتٌ ولم يفرح بمولود بلغ اليأس وسكن القنوط في القلوب حتى أصبح الواحد ينظر إلى أمة الإسلام تنتهك وبوسعه أن يفعل شيئاً ولو قليلاً، فإن الحرمان أقل من القليل، ومع ذلك لا يبدي حراكاً، ولا ينبس ببنت شفة، ولا يمد خطوة، بل عجز بعضهم حتى عن التفاؤل والدعاء. أما أولئك -يا عباد الله- فكان الواحد منهم لا ييئس حتى وإن هزموا، حتى وإن تفرقوا، فلا ييئسون من الوحدة والاجتماع، ولا يقنطون، ولا يرجفون، ولا يثبطون أبداً. إن من شبابنا اليوم، بل من رجالات المسلمين اليوم من رأوا صولة الباطل وأهله، وضعف الحق وأهله، وهوان المسلمين، فيئسوا وقنطوا، ثم أحبطوا وأرجفوا وثبطوا، ثم انقلبوا قائلين، ورفعوا شعاراً قائلين فيه: لو أسلم حمار آل الخطاب ما أسلم عمر. تلك المقولة اليائسة من إسلام عمر، فكان عمر هو فاروق الإسلام الذي يفرق منه الشيطان، وما سلك عمر فجاً إلا سلك الشيطان فجاً ووادياً آخر، أصبح بعض الناس ييئسون، بل قال بعضهم: لا تتعبوا أنفسكم بعمل أو دعوة أو سعي أو إصلاح أو جهاد، فانتظروا حتى يأتي المهدي، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، أو يأتي المسيح فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويعود ليحكم الناس بشريعة محمد، والفترة بين هذه وهذه: ليس في الإمكان أحسن مما كان. نوموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النومُ هكذا دأب وشأن كثيرٍ منهم: (ومن قال: هلك الناس، فهو أهلكُهم) وفي روايةٍ: (فهو أهلكَهم). إن النفس إذا سكنتها الهزيمة، وحل بها القنوط، صار ذلك أمراً يحدث شللاً في الجوارح فلا تتحرك، وشللاً في العقول فلا تفكر، وشللاً في الألسنة فبالحق لا تنطق، وشللاً بالأنفس فلا تفور غيرةً لدين الله أبداً. إن النبي ﷺ لما كان ما كان في معركة أحد وقد قتل من الصحابة سبعون، وكانت الدائرة لقريش على الصحابة، هل انسحب النبي بالصحابة وخرج، بل هو كسرت رباعيته، وشج وجهه الكريم ﷺ ، ودخلت حلقتان من حلق المغفر في رأسه الشريف ﷺ ، وهل سكنت الهزيمة نفسه أو نفس أصحابه؟ لا. ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران:١٧٢] لما حصل القرح، وحصلت الدائرة، وحصل ما حصل للمشركين، جمع النبي من بقي من الصحابة؛ جمع الجريح، وجمع الذي ضرب أو طعن، وجمع الذي لم يصب بشيء، فكرّ بهم وشنَّ بهم حملةً ثانيةً على الكفار، وأخذوا يلاحقون الكفار حتى هرب المشركون، وذلك حتى لا يستقر في النفوس أن الإسلام هزم، أو أن رسول الله ﷺ هزم. أيها الأحبة: ينبغي ألا تستقر في نفوسنا هزيمة حتى وإن اغتصبت أعراض المسلمات في البوسنة أو في الشيشان، أو كشمير، حتى إن قتل من قتل في فلسطين والفليبين، حتى وإن دمرت بيوت الأبرياء عبر الدبابات في المستوطنات، حتى وإن كان ما كان، ينبغي ألا تسكن الهزيمة في قلوبنا يا عباد الله؛ لأننا أمة نعلم بصريح قول الله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥] إننا أمة نعلم علم اليقين قول الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥] ويعلمون قول الله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]. والله يا عباد الله ليتحققن وعد رسول الله وهو الصادق المصدوق: (ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار حتى لا يبقى بيت حجرٍ ولا مدرٍ إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الشرك وأهله).

стр. 1871

شواهد من التاريخ على عزة الإسلام وقوته أيها الأحبة: إن التاريخ شاهد على أن هذا الدين أشد ما يكون قوة، وأصلب ما يكون عوداً، وأعظم ما يكون رسوخاً وشموخاً حين تنزل بساحته الخطوب، وتحدق به الأخطار، ويشتد على أهله الكرب، حينئذٍ يحقق الإسلام معجزته، فينبعث الجثمان الهامد، ويتدفق الدم في عروق أبنائه، يقول هذا الدين فيُسمع، ويمشي فيسرع، ويضرب فيُوجع، وإذا بالنائم يصحو والغافل ينتبه، والجبان يقدم، والشتات المتنافر ينقلب اجتماعاً ووحدة، وإذا بالجهود المبعثرة تنتظم لتكون تياراً وإعصاراً هادراً يعصف بالظلم والظالمين.

стр. 1872

ماذا حصل بعد غزو التتار لبلاد المسلمين إن هذه الأمة تمرض لكنها لا تموت، وإن الشعلة تخبو لكنها لا تنطفئ، لقد دخل التتار ديار الإسلام: ﴿فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ﴾ [الإسراء:٥] وتبروا ما علوا تتبيراً، ما تركوا من شيء إلا جعلوه كالرميم، فما الذي حصل بعد أن سالت الدماء بفعلهم، وعطلت الصلوات، وألقيت مخازن المعرفة وأسفار العلوم في نهر دجلة حتى اسود النهر منها حتى قال ابن الأثير وهو يؤرخ لهذه الواقعة: ليت أمي لم تلدني: ﴿لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٣]؟ ما الذي حصل؟ لم تمض سنوات حتى انقلب التتار جنوداً للإسلام يشاركون في الفتوحات والجهاد.

стр. 1873

انتصارات صلاح الدين على الصليبيين عباد الله: اسمعوا ما يقول ابن كثير: في ضحى يوم الجمعة في الثالث والعشرين من شعبان عام (٤٩٢هـ): دخل ألف ألف مقاتل-مليون- بيت المقدس، وفعلوا بأهله ما تفعله الذئاب في خراف الغابة الضعيفة، ارتكبوا أشنع ما تفعله الشياطين، وظلوا سبعة أيام يقتلون ويهتكون، حتى بلغ القتل في المسلمين أكثر من ستين ألفاً، قتلوا الأئمة والمتعبدين والعلماء، وأصبح الصليبيون يفعلون ما يفعله اليهود اليوم وأشد؛ يحرقون البيوت من أسفلها حتى يلقى السكان أنفسهم من أعاليها على الأرض، سلبوا الأموال، بل وأعظم من ذلك أدخلت الخنازير بيت المقدس، وعلقت الصلبان على المسجد الأقصى؛ بعد أن كان الأذان يصيح بالمآذن بـ (لا إله إلا الله) دقت النواقيس في المآذن وعلقت الصلبان، وأصبحوا يصيحون في المآذن: إن الله ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ما الذي حصل؟ هام الناس على وجوههم، وظن اليائسون أن لا عودة للإسلام إلى بيت المقدس أبداً حتى أذن الله سنة (٥٨٣هـ) بأن يعود المسجد الأقصى إلى المسلمين على يد صلاح الدين، فأعد جيشاً لرد بيت المقدس وتأديب الصليبيين، ثم جاءته رسالةٌ تقول: يا أيها الملك الذي لمعالم الصلبان نكس جاءت إليك ظلامةٌ تشكو من البيت المقدس كل المساجد طهرت وأنا على شرفي أدنس فانتخى صلاح الدين وبكى، وأقسم بالله ألا يضحك، وألا يطأ امرأة حتى يعود بيت المقدس إلى المسلمين، حلف بعد ذلك، وأعرض عن النساء، وتناقل ملوك النصارى شأنه وخبره، فتحالفوا بعد أن كانوا في فرقة، واتحدوا بعد أن كانوا في خلاف واجتمعوا، وجاءوا بحدهم وحديدهم، وكانوا ثلاثة وستين ألفاً، فتقدم صلاح الدين إلى بحيرة طبرية، ففتحها بالتكبير والتهليل، ثم استدرج النصارى إلى موقع يريده، فلما وقع النصارى في المكان الذي استدرجهم إليه، لم يصل إليهم قطرة ماء، ثم صاروا في عطش عظيم، وشد عليهم الطعن والطعان، والقتل والقتال، فشاهت وجوههم، ودارت دائرة السوء عليهم عشية يوم الجمعة، واستمرت طيلة السبت الذي كان عسيراً على أهل الأحد، وطلعت عليهم الشمس واشتد الحر وقوي العطش، ثم بدأ صلاح الدين بإحراق النار وإرسال قذائف النار تحت خيل الكفار، تحت خيل الصليبيين في الحشيش، فاشتعل الحشيش الذي كان تحت خيلهم، فزاد اللهيب وزاد العطش واجتمع حر السلاح والتكبير، وقال الخطباء يستنفرون أهل الإيمان ويستثيرونهم بالدعاء، وصاح المسلمون صيحةً واحدةً، وزأرت الأسود في فلسطين زأروا في القدس، واندفعوا كموج عارم مع التكبير، فإذا بملوك الصليبيين أسرى، وجنودهم قتلى حتى قتل منهم ذاك اليوم في المعركة أكثر من ثلاثين ألفاً، وأسر أكثر من ذلك، حتى شوهد الفلاح يقود ثلاثين أسيراً من الصليبيين مقيدين مغلولين يربطهم في طنب خيمته، وباع أحد الفلاحين من فلسطين أسيراً من الصليبيين بنعلٍ يلبسها، وباع ثالث من فلسطين أسيراً من الصليبيين بكلب يحرس غنمه، ثم تقدم صلاح الدين بجيوش الإيمان واستراح قليلاً، وعاد ليكر على الجهة الأخرى من بيت المقدس من الجهة الشرقية وأخرجهم على شروطه: الكبير يدفع عشرة دنانير، والمرأة خمسة، والطفل ديناران، ومن عجز فيبقى أسيراً في أيدي المسلمين. نعم أيها الأحبة: جمع من الأسرى أكثر من ستة عشر ألفاً غير من أسر في المواجهة الأولى، ثم دخلوا بيت المقدس، وطهروه من الخنازير والصلبان، وعاد بيت المقدس مأوى للقانتين والقائمين والعاكفين والركع السجود، وجيء بمنبر نور الدين الشهيد الذي كان يأمل أن يكون الفتح على يديه، فكان الفتح على يد تلميذه صلاح الدين، ورقى الخطيب المنبر أول جمعة بعد أن عطلت الجمعة والجماعة أكثر من واحد وتسعين عاماً، فبدأ الخطيب بقول الله وهو يبكي: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥].

стр. 1874

المستقبل والنصر للإسلام إذاً -يا أمة الإسلام- علينا أن نثق بالنصر القادم والمستقبل القريب، علينا أن نحمل هذا الهم إلى الأبناء والأحفاد وأبنائهم، علينا أن نعلم أن هذا الدين وأن أمة الإسلام لو كانت ميتة ما احتاجت إلى كيد ومكر كالجبال، إن الميت لا يكاد به، إن الميت لا يمكر به، ولكنما المكر في من له حياة، ولولا حياةٌ فيكم وفي أمة الإسلام لما مكر الغرب والشرق، ومكر أعداء الدين عبر كل طريق، وعبر كل وسيلة. إذاً: أيها الأحبة: ينبغي أن نعلم أن أمة الإسلام، وإن سقط من أبنائها من سقط في حضيض الشهوة، فإن هذا ليس مصيبةً عظمى، إنما المصيبة العظمى أن يستقروا في الشهوة ولا يتوبوا، أن يزل عبدٌ زلةً فتلك شأن بني آدم: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) لكن أن يرضوا بالزلل، وأن يبقوا في قعر الزلل ومستنقعات الرذيلة، تلك هي والله المصيبة.

стр. 1875

اليهود وسبهم لرسول الله أمة الإسلام! أمة الإسلام! أمة الإسلام! اليوم اليهود يرسمون صورة الخنازير على الجدران، ويقولون: هذا محمد، يعنون نبينا ﷺ . أمة الإسلام! يرسمون الكاريكاتير بأبشع وأخبث صورة، ويقولون: هذا نبيكم، يستهزئون بنبينا، ويستهزئون برسولنا، ويستهزئون-والله- بخير نفس خلقت على هذه البسيطة. لو أن أحداً منا سُبَّ أبوه أو أمه أو قبيلته أو فصيلته، والله لا ينتخين حتى تراق الدماء منه وممن سبه وشتمه، فما بالكم بأعداء الإسلام (اليهود) يسبون نبينا ﷺ ، ويسبون صحابته، ويرسمون الخنازير، ويكتبون على صورة الخنزير هذا محمد، شرفه الله عما قالوا، بل أكرمه، بل إن شانئه هو الأبتر، ولكن يا عباد الله! أيمر هذا؟! أنسكت عن هذا؟! والله إنها لعقدة تبقى في النفس، وحسرةٌ تبقى في الفؤاد، وحسكةٌ تبقى في الضمير. نسأل الله بأسمائه أن يفتح لنا طريقاً إلى بيت المقدس حتى نري أبناء القردة والخنازير كيف فعلهم وقولهم، حتى تجرءوا على محمد ﷺ ، والله، والله، والله لأن تسيل الدماء هناك، ولأن تطير الرءوس وتتناثر الأشلاء، ولأن تطير الأفئدة هناك غيرةً لدين الله أهون -يا عباد الله- من أن يسب رسولنا ﷺ ، أو يرسم خنزيرٌ ويقال: هذا محمد ﷺ . يا أمة الإسلام: أما عاد في المسلمين غيرة! أما عاد في المسلمين حمية! أما عاد في المسلمين بقية! يسب نبيهم، يسب قائدهم، يسب إمامهم، يسب ﷺ وهو الشريف الطاهر، وهو خليل الله، وهو نبي الله، وترسم له هذه الصور، ومع ذلك ما بالمسلمين من يثأر له! ما بالمسلمين من يثأر له! ما بالمسلمين من يثأر له! ما الذي حل بنا؟! وما الذي حصل بنا يا عباد الله؟! إنها والله لمصيبة. اللهم يا حي يا قيوم لا تؤاخذنا بتفريطنا في حق نبينا، اللهم لا تهلكنا بتفريطنا في حق نبينا، اللهم إن اليهود قد قالوا فيك ما قالوا، قالوا: يد الله مغلولة، وقالوا: إن الله فقيرٌ ونحن أغنياء، اللهم إنهم قتلوا أنبياءك، فلا غرابة أن يفعلوا ذلك بنبينا ﷺ ، ثم يأتي هذا الخبيث الطاغية الذي يسمى نتنياهو ليعتذر للمسلمين، مؤامرةٌ وأدوارٌ متعددة، هذا يقتل، وهذا يدفن، وهذا يجرح، وهذا يداوي، وهذا يُجوِّع، وهذا يطعم، اللهم إليك المشتكى، اللهم إليك المشتكى، اللهم إليك المشتكى. يا عباد الله! فتشوا عن أي سبيل يوصل الأموال إلى فلسطين، وأرسلوها هناك لعلنا أن نشفي غيظ قلوبنا من هؤلاء اليهود، ابعثوا لإخوانكم في فلسطين ما تستطيعون من أموالكم لعل الله أن يرينا في هؤلاء ما تشفى به صدورنا. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فاشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره. اللهم عليك باليهود، اللهم عليك باليهود، اللهم مزقهم، اللهم اقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك يا رب العالمين. اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجمع اللهم شمل حكامنا وعلمائنا ودعاتنا، اللهم ثبتنا على دينك، واستعملنا في طاعتك، وتوفنا على مرضاتك، وانصر اللهم إخواننا المسلمين في كل مكان. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1876

أيها الشاب! حاول وأنت الحكم [الحلقة الأولى] هذه المحاضرة نداء إلى كل شاب يريد الجنة، ففي هذه المحاضرة يحذر الشيخ من قرناء السوء، ويوضح كيف يتأثر الإنسان بمن حوله من الجلساء والقرناء. والشيخ يدعو إلى شد العزائم في الوصول إلى الهدف الأسمى وهو مرضاة الله جل وعلا، فمن عزم على التوبة فعليه بترك كل ما يتعلق بالمعصية، فهذا فوزي الغزالي يحطم مصنعاً للأعواد الوترية ويحطم جميع الأدوات الموسيقية. كما بين لنا أسلوب أعداء الله في إغواء الشباب باستدراجهم إلى المعصية خطوة خطوة، ثم بعد ذلك انتقل إلى بيان أن السعادة والعزة تكون بطاعة الله جل وعلا.

стр. 1877

التأثر بالواقع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد أيها الأحبة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مراراً وتكراراً وأولاً وآخراً، وأسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم ممن استعمله الله في طاعته. أسأل الله جل وعلا ألا يجعلنا وإياكم وقوداً لجهنم، أو حطباً لنارها، أسأل الله جل وعلا أن يجعل لكل واحدٍ منكم في هذا المسجد من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوىً عافيةً، ومن كل فاحشةٍ أمناً، ومن كل فتنةٍ عصمةً. شباب الإسلام: شباب الأمة! والله إن آمالنا ما انقطعت في واحد من الشباب أياً كان وضعه، وأياً كانت حاله، وبالذات أنتم، لأنكم شباب فطرة، ولأنكم شباب عقيدة، ولأنكم شباب أمةٍ كانت خير أمة، ولا تزال أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر. أيها الأحبة: نريد أن نبعد عن الرسميات كثيراً، اعتبروا أن الأساتذة والمشرفين والإداريين غير موجودين، وألا يوجد في هذا المكان إلا أنا وأنتم، ولنتحدث بصراحة تامة، وليكن الحديث بيني وبينكم من القلب إلى القلب، لا تجعلوها محاضرةً رسمية تملؤها العبارات الرنانة، والفصاحة زادت أو قلت، لا. بل أريد أن تجعلوه لقاءً أخوياً، مثل ما قال أحد الدعاة جزاه الله خيراً: فقد كان ذاهباً إلى المعهد الملكي، ودخل على مجموعة من الشباب ينصحهم، فقال: يا شباب! القلوب (مكربنة) فقال واحد من الشباب: أسرع بها على الخط يا شيخ. فأنا أريد- تعرفون إذا (كربن الموتر) تسرع به على الخط ويصفى بإذن الله- فالشباب من عاداتهم الصراحة، ومن عادتهم الصدق، ومن عادتهم حب البعد عن التكلف والرسميات، ولذلك أريد ألا ننشغل، أريد -أيها الأحبة- أن نكون صرحاء صادقين فيما بيني وبينكم. أولاً: هذه المحاضرة كم تمنيت أن آتي لألقاكم وأتشرف بالجلوس معكم. وثانياً: فإن أحد الأساتذة -وهذه المحاضرة من عجائب الرؤى والأحلام- أخبرني قريبٌ لي وهو يدرس معكم، قال: إن الأستاذ فلاناً رآك في المنام، وقال: يا أخي! قلنا لك: تعال أعطنا محاضرة، وقلنا لك: تعال امش معنا، وقلنا: تعال أعطنا درساً، فلما أخبرني قريبي بهذا الكلام، قلت له: قد جعلت رؤياك حقا، وهذا تأويلها بإذن الله جل وعلا، مع أن بعض الناس لا يُقبل كلامه في الحلم والعلم سوياً، الحاصل نريد أن نبدأها بكل صراحة وصدق. إخواني! القاعدة الأولى: ألا نيأس من أي شاب، فحينما أقول: أي شاب، أعني أي واحد منكم، أو ألا نظن أننا يمكن أن نستفيد من هذا، ولا نستفيد من هذا، أو هذا إنسان ما فيه فائدة، أو شخص على هامش الحياة، أو تصايد- على ما قالوا- على هامش الحياة، وهذا شخص نافع، لا. فالجميع فيه نفعٌ وفيه خير، وكل شاب ترونه عنده مواهب، وعنده طاقات، ولكن إذا جلس في بيئة ومع صحبة ومع إخوان يسخرون مواهبه وطاقاته لله ولأجل الله ولدين الله، كان داعيةً من الدعاة، وإن سخروا مواهبه لأمر آخر، كان منتجاً علماً بارزاً في هذا الجانب الآخر، وأضرب لكم أمثلة:

стр. 1878

الإنسان يتأثر بقرنائه حينما أجلس مع بعض الشباب مثلاً: وهم ممن تجد عندهم عناية بالحمام والطيور، ويعرفون أنواع الحمام يقول لك: هذا كويتي، يمسك المنقار وينظر إليه، وينظر في عيونه، ويقلب الريش، ويقول: هذا كويتي ممتاز، أو يأخذ طيراً ثانياً ويرجعه ثانية (يهوز ويغلط) قال: هذا يغلط في الصندقة مرتين، وفي الخيط ثلاث، وإذا بقيت تحومه أبشر بواحد ينفعك بإذن الله، (والطبة والطبتين)، تأتي لك برزق هذا عندما يأتي يبيع الحمام. وأنا أسألكم هذا الشاب الذي أصبح مثقفاً وفاهماً وواعياً في أمور الحمام، هذه أمور ربما بعض علماء الأحياء يحتاج زمناً حتى يدرسها، فهذا الشاب عرفها وفقهها، ويقول لك: لاحظ إذا أردت الحمامة أو الطير هذا ألا يطير من عندك، أنصحك أن تضع له في الماء سكراً، فلن يتعدى الصندقة أبداً بعد ذلك، لو تبيعه يرجع لك، وبذلك تجد الذين يبيعون الحمام تجاراً، عنده فقد أربع حمامات، يبيعها وترجع، ويبيعها وترجع، وهلم جراً. الحاصل: هذا الشاب من أين أخذ هذه المعلومات عن الحمام؟ وهذا بلجيكي، وهذا بصراوي، وهذا تحومه بعسيب، وهذا يريد له علباً، وهلم جراً، من أين أتت واجتمعت هذه المعلومات لهذا الشاب؟ من أين جاءت؟ هل أمه ولدته في صندقة من أجل يصبح فقيهاً من فقهاء الحمام والطيور؟، لا. فهو مولود في مستشفى الولادة، وكيف صار فقيهاً من فقهاء الحمام؟ جلس مع مجموعة شباب، وأصبح يراقب تصرفاتهم، وكيف يمسكون المنقار، وكيف يطالعون العين، كيف يفرون الريش، كيف يصفون الجناح وهلم جراً. فالإنسان بالاختلاط والمخالطة والمجالسة يكسب معلومات من الآخرين، وهذا أمر طبيعي، تجد عالماً كفيفاً، هل يستطيع أن يكتب؟ لا. هل يستطيع أن يقرأ؟ لا. ومع ذلك تجده عالماً من كبار العلماء، من أين جاء العلم؟ بالجلوس والاستماع، فهذا الشاب جلس واستمع لمجموعة من الشباب الذين يعتبرون من فقهاء الحمام والأرانب والبط والدجاج، ولذلك تلقى عندهم معلومات جيدة. وأنتقل بكم أيضاً إلى مجموعة من الشباب فأنت مثلاً تمسك يده وتمشي معه، ثم فترة يلتفت عنك وينظر، ويقول لك: (هذا سوبر مسحب واحد وتسعين ومشحم ومجنط) من أين جاءت هذه المعلومات؟ صحيح أي: هل أمه ولدته في ورشة؟ أو هو مولود في التشليح؟ لا. إذاً كيف عرف أن هذا (مسحب) أو أن هذا (مرفع كعكات) أو أن هذا مقدم الصدامات قليلاً، أو أن هذا وضع كيسين من الرمل في الوراء، أو إذا كان واضع (ليورات قاعد يلعب) مثل: مرة كنت في السيارة أمشي وإذا شاب معه سيارة يرقص بها، كيف استطاع أن يفعل هذا؟ ومن أين عرفها؟ من خلال مجموعة شباب -أصدقاء وجلساء كان كل اهتمامهم السيارات، (والتشحيم والتجنيط) وهلم جراً، وتجد شاباً آخر من يوم أن يمسك الجريدة ويطالع فيها، في الصفحة العاشرة والحادية عشرة يقول لك: لا يهمك، هذا الحكم ما فيه خير، والدليل على ذلك أنه ما حسب لهم الفاول، وأكبر دليل على ذلك أن اللاعب تسلل، وتغاضى عنه كأنه ما رآه وهلم جراً، وتلقاه يعارض وبعد ذلك (هذا ما سنتر في الثمانية عشر) وما تعدى، ورقم خمسة اللاعب فلان، والظهير، والخانة الحرة، والظهير الأيمن، والدفاع والحارس، أي: معلومات رهيبة جداً، ومتى الدوري، ومتى الاعتزال، ومتى الحفل، ومتى دوري الأربعة ودوري الثمانية القبضة، ومباراة الكأس متى؟ وماذا تتوقع؟ وكيف كانت خطة الفريق؟ وهدءوا اللعب قليلاً؟! الله أكبر تجد هذا يعطيك تحليلاً للمباراة مثل ما يأتي شوار سكوف عندما يحلل معركة الخليج، تجد هذا الشاب يقف في درجة أولى يحلل لك اللعب، بدأ اللعب كذا، وانتهى كذا، هدئ في المنطقة الفلانية، قوي في المنطقة الفلانية، الفريق الفلاني مهدف بشدة من على هذه الجهة، وتجد عنده تحليلاً ومعلومات رهيبة جداً، وهذا هل أمه ولدته في الملعب؟! لا. وإنما خالط شباباً كان جل اهتمامهم الرياضة، ومن ثم أصبحت معلوماته وثقافته رياضية وهلم جراً. بعض الشباب -وظني وثقتي بالله ثم بكم أن ليس فيكم واحد منهم- بعض الشباب تلقاه مسكيناً عيناه صفراء، وحالته حالة، وإذا فتشت مخبأه لقيت حبوباً صفراء أو حمراء، يقول لك: (هذه سيكونال، هذه ملف شقراء، هذه تقظيم) وإنسان ما لقيت شيئاً ينصحك (شفط باتكس) إذا ما لقيت أحداً يبيعك، الشكوى على الله!! إذا لم تكن إلا الأسنة مركبٌ فما حيلة المضطر إلا ركوبها ما لقينا أحداً يروج اليوم، فما لنا إلا (باتكس) وهذا الشاب من أين عرف أنواع المخدرات، هل أخذ دورة في كلية الصيدلة؟ أو درس الطب والعلوم الطبية المساعدة؟! لا: لكن اختلط بمجموعة شباب يقولون له دائماً: ما رأيك أن تجرب هذه يا فلان؟ وما رأيك أن تضع معها الشاي؟ ما رأيك أن تضعها في الإبريق وهلم جراً، مثل مجموعة شباب من أصحاب المخدرات -نسأل الله لهم الهداية- زاروا واحداً، ويوم أن ذهب قاموا ووضعوا في الإبريق مخدرات، فجاء هذا المسكين وشرب من هذا الإبريق، وبعد ذلك قام يقول: فلانة! أعطيني الفاروع أعدل الدرج. هذا الشاب -يا إخوان- من أين عرف الحبوب والكابتاجون والسيكونال والحبوب الحمراء والصفراء والبيضاء، والشم والحقن؟ من أين عرفها؟ هذا ليس عنده شهادة في الطب، ولا في الصيدلة، لكن عرفها من خلال جلساء سوء رويداً رويداً، بدءوا يعطونه السيجارة، ثم حبة، ثم مع الشاي، ثم حقنة، ثم أصبح مدمناً، ثم أصبح مروجاً وهلم جراً. إذاً القاعدة الأولى التي نخرج بها أن الإنسان يحدد نفسه في الوسط الذي يعيش فيه، أي: اختر أنت، تريد أن تكون (عربجيا) اقعد مع شلة (عرابجة) تريد أن تكون عالماً، اقعد مع العلماء، تريد أن تكون راعي طيور ودجاج وحمام، اجلس في الزربة، أينما تريد ضع نفسك. أي: اجلس في المكان الذي يحدد نوعيتك وشكلك، وهذا أمر واضح يا إخوان، والإنسان شديد التأثر والملاحظة.

стр. 1879

البهائم تؤثر فيمن حولها البهيمة تتأثر مع أنها ليست بمستوى التركيز في التقليد والملاحظة والتأثر، ومع ذلك تجد البهيمة لو تأتي بصقر مع دجاج، تجد هذا الصقر أصبح يأخذ طبيعة الدجاج. ويقال: إن ملكاً من الملوك أُهدي له صقر رائع جداً جداً (أم شيهان وإلا حر وإلا وكري) المهم أنه أهدي له صقر ممتاز، وكان عنده وزير، وكان وزيره هذا عنده ذكاء وفطنة وفراسة، قال: تعال ياوزير، ما رأيك بهذا الصقر الذي أهدي إلينا؟ قال: أيها الملك! هذا الصقر ممتاز جداً جداً، لكنه تربى مع دجاج، فعجب الملك وسكت، وبعد أيام أهدي إلى الملك حصان، فنادى الوزير، قال: تعال وانظر هذا الحصان وجيء من الإسطبل وهو منظف من أحسن ما يكون، ما رأيك فيه؟ قال: هذا الحصان ممتاز، لكنه متربٍ مع بقر، فسكت الملك، والقصة طويلة، وفي يوم من الأيام لقط الملك هذا الوزير بجرابه، وقال تعالى: صقر ربي مع دجاج، وحصان ربي مع بقر، من أين أتيت لي بهذه المعلومات؟ ما يدريك؟ قال: أيها الملك! أما الصقور: فالعادة جرت أنها تقع على قمم الجبال، ولذلك الصقر لا يمشي على الأرض، يوضع له شيء من أجل أن يمشي عليه، لكن لا يجلس على الأرض أبداً، لكن هذا الصقر يوم وضعناه، جلس بجانب الدجاج وصف مثلها، وقام وأنزل رأسه في وسط صدره، قال: هذه ليست من طباع الصقور، فدل على أن هذا الصقر تربى مع دجاج، فأخذ صفاتها. الشيء الثاني: يوم أن جاءه الصقر وهو ينقر حباً، من الذي ينقر في الأرض؟ هذه من صفات الدجاج، أما الصقور، فالعادة جرت أنها تنقض على الفريسة، أرنب أو حمامة أو أي شيء آخر، تنقض عليه وتأتي به، فمن أين تأثر هذا الصقر إلا بالمخالطة، أي: بهيمة لما خالطت بهيمة تأثرت بها من حيث لا تشعر. وكيف عرفت أن الحصان تربى مع البقر؟ قال: لأن الخيل دائماً لها وقفة معينة، ومن ثم إذا جاءت تتنظف، تجد الحصان ينظف جسمه بمقدم أسنانه، يلتفت، وتجده يحك الموقع الذي يريده من جسمه بمقدم أسنانه، أو يقف عند الجدار، وربما يحك منطقةً ما تصل إليها أسنانه، لكن هذا الحصان من يوم رأيته وهو مثل البقرة يلحس جسده. فالحاصل: يا شباب البهائم تتأثر بمن تخالط، أتظنون أنني وأنتم لو نخالط أناساً ما نتأثر بهم، والله سوف نتأثر بهم، ولذلك القاعدة الأولى: إذا شئت أن تجعل نفسك من فصيلة، فخالط أربابها وأصنافها، تريد أن تكون من فصيلة العلماء خالط العلماء، من فصيلة الدعاة؟ خالط الدعاة، من فصيلة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، خالطهم، من فصيلة أهل الحراج والسيارات خالطهم وهلم جراً، الإنسان يحدد موقعه ونفسه من أي شيء.

стр. 1880

من الجنون استعمال الجوارح في غير ما خلقت له الأمر الثاني: ولو خرجنا عن هذه النقطة بعيداً، أسألكم وأنتم تجيبون، حاول وأنت الحكم كما في عنوان المحاضرة: أتوا بواحد إلى اختبار عقلي يسألونه، قالوا له: لماذا خلق الله الآذان؟ فأخذ يفكر، قال: من أجل أن نعلق عليها النظارات، وهذا أمر عجيب، قالوا: الأسلاك الكهربائية لماذا تمد هكذا طولاً هوائياً؟ فأخذ يفكر، قال: نعم من أجل أن تجلس عليها العصافير في الصباح. هذا مجنون؛ لأنه لا يعرف الحكمة التي من أجلها خُلق، أو وجد، أو صنع هذا الشيء، لو أتينا لإنسان وقلنا له: اشرب، قال: باسم الله، وصب الماء في عينه، ماذا تفعل؟ قال: أشرب، ما هذا الفم الجديد الذي ظهر لك فوق؟! فهذا أكيد أنه يكون من المجانين، وتجد آخر يريد أن يأكل شيئاً، وأخذ يحشو أنفه أكلاً، نقول: هذا والله أيضاً مجنون من المجانين، لماذا؟ لأنه يستعمل العين في غير ما خلقت له، العين للنظر، يستعملها للشرب، هذا مجنون يستخدم الحاسة في غير ما خلقت له، الأنف للشم يستخدمه للأكل! مجنون، أحد الناس أعطاه أوراقاً، أو أعطاه معاملة، قال: سأوصلها إلى المدير، باسم الله، ووضعها في فمه، هل يظن أن الفم أصبح جيباً؟! لا يمكن، أي: الذي يستخدم الشيء لغير ما خلق له، مجنون، هل توافقوني على هذا، أم لا؟! هذا البدن ابتداءً من الرأس وانتهاءً بالأقدام خلق لماذا؟ خلق لعبادة الله، فالذي يجعل بدنه لغير العبادة مجنون، أم لا؟ إذاً هو من المجانين، مع أن بعض المجانين تخرج منهم فلتات طيبة أحياناً، يذكرون أن رجلاً جاء مسرعاً بالسيارة، فسقط الإطار (والصواميل) تناثرت، فأخرج الإطار الاحتياطي يريد أن يركبه -على الأقل- حتى يوصله، لكن ما عنده (صواميل) فكلها قد وقعت وتكسرت، وكان هناك رجل واقف في مبنى مقاربٍ له ويطل عليه -المبنى هذا مستشفى المجانين- وهذا المجنون واقف ينظر إليه من أعلى، فقال المجنون لصاحب السيارة: لماذا تقف حائراً؟ قال: والله -يا أخي- وقع الإطار وانكسرت (الصواميل)، ولا أدري ماذا أفعل، قال: ألم تستطع أن تصلحه؟ قال: لا. لأني لا أملك (صواميل) قال المجنون: يا أخي! خذ من كل إطار (صامولة) وركب الإطار، قال: والله إنك ممتاز، من أين أتيت بهذه المعلومات؟ قال: هذه دار مجانين، وليست دار أغبياء. فالحاصل أن بعض المجانين قد تحصل منهم فلتات عقل، لكن المشكلة من شبابنا الذين الواحد منهم أي: إذا كنا أنا وأنت نحكم ونجزم بأن الذي يستخدم العين لغير ما خلقت له، ويستخدم الأنف لغير ما خلق له، مجنون، فما بالك بمن استخدم الجسم كله لغير ما خلق له، أنت -يا فلان- جسمك هذا ما عملك فيه؟ والله أبشرك اهتمامه (بريك دنس) وأنت ما هو اهتمامك؟ اهتمامه (السامري) وأنت ما هو اهتمامك؟ اهتمامه (روكي) أو (جاز) أو (بوني إم) أو (ديسكو) سبحان الله! أهذا الجسم خلق لعبادة الله، أم خلق للرقص واللهو والطرب والغفلة؟! من هنا -أيها الشباب- ينبغي أن نفهم جيداً أن الإنسان أول ما يحتاج إليه أن يعرف أنه خُلق لعبادة الله وحده لا شريك له، ولذلك الله جل وعلا قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أين العبادة عند كثير من الشباب؟ في الأغاني؟ أين العبادة عند كثير من الشباب؟ في اللهو، والتدخين، وترك الصلاة، والعبث بالسيارات، والمعاكسة، و (نطل) الأرقام؟! رأيت من مدة كرت بطاقة شبه البطاقة الرسمية أو مثل كرت الزيارة، مكتوب عليه: يُرجى من النساء الجميلات مساعدة حامل هذه البطاقة، جمعية المعذبين قسم العشق، وخلف البطاقة -أي: من أجل أن أقول لك إلى أي درجة شبابنا أبدعوا في الانحدار، بعض الشباب أبدعوا في البعد عن طاعة الله، أبدعوا في الوقوع في معصية الله، تفننوا في ألوان اللهو والغفلة- وخلف البطاقة مكتوب: الاسم: محتار فيكِ، محل الالتقاء: لحظة التقاء عيني بعينيكِ، السكن -أظنه والله المقصفة- مكتوب: عالم أحلامنا الفسيح، الأمنية: الالتقاء بكِ، الله، الله، الله!! شبابنا إلى هذه الدرجة وقع بهم الأمر! شبابٌ آباؤهم وأجدادهم من العلماء الفاتحين من السلف الصالح من التابعين، من الصحابة، أهؤلاء يقعون في هذه المنزلقات؟!! يا إخوان! من هنا نبدأ حاول وأنت الحكم، وأقصد بذلك أول ما تجد في كثير من شبابنا إما أن تجد عنده انحرافاً، أو تجد عنده معصية، أو تجده متساهلاً بالمعاصي تدخين معاكسات مغازلة بنات لف ودوران في الأسواق اختلاس عبث مخدرات ملاهي أغاني، وأشياء كثيرة، من أين جاءه هذا الانحراف وجعله يستمر فيه؟ جاءه الشيطان، وقال له: انظر (يا أبو الليد) -على ما قالوا- قال له: أنت تأمل أن تكون إنساناً محترماً في المجتمع، لا تفكر بهذا الشيء، لكن ابحث لك عن قليل (عرابجة) وصادقهم، وأمل من الله خيراً. بهذا الأسلوب الصريح يأتي الشيطان، ويقول للشباب: أنت تريد أن تكون مع الدعاة؟! أنت تريد أن تكون ملتزماً؟! يأتيك الشيطان ويتحداك، وإذا جاء الواحد يريد أن يصلي، جلس الشيطان على صدره، قال: اجلس ما أنت بكفء للمساجد، ابق في اللعب والرقص وغيرها، نعم: الشيطان يتحدى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [فاطر:٦] والعدو يتحدى: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦].

стр. 1881

أخي الشاب لا ترضَ بالدون فيا شباب: بعض الشباب تلقاه ماسكاً السيجارة يدخن وما له نفس في التدخين، لماذا؟ لأن الشيطان أتى إليه، وقال له: أنت لست بكفءٍ في شيء، أنت إنسان تافه، أنت حقير، وسافل، وساقط، الأفضل لك أن تذهب وتنظر لك شلة ساقطة واجلس معها، ومن هنا فعلاً تجد بعض شبابنا -الله يستر عليهم- إذا أتى بعد العصر، لبس (ترنك وفنيلة) ووضع العصابة الحمراء على رأسه، اقتداءً برامبو وليس بـ أبي محجن الثقفي، ويجلس في السيارة، ومعه شباب يضع يداً على عجلة القيادة ويداً على الباب مع تلك الشلة الفاسدة. وكل يوم ترى من شبابنا العجائب، والله مرة رأيت شاباً ليس بعيداً من أعماركم، ومعه سيجارة، وكنت خارجاً من سوبر ماركت، شعرت بأنه قد روي تدخيناً، وأصبح هالكاً بسببها، ماسكها ومرة تذهب يميناً، ومرة تذهب شمالاً، لا يعرف يمسك السيجارة، المهم أتيت له وقلت له: يا أخي الحبيب! يا أخي الغالي! (يا الحبيب!) والله إن هذه السيجارة ما هي بكفء أنها تلمس شفتيك التي تنطق بلا إله إلا الله، هذه السيجارة النجسة هذه والله ليست بكفء أن تقف على فمك الذي ينطق بالوحدانية وشهادة أن لا إله إلا الله. يا أخي الحبيب: أنت إنسان كرمك الله، أبوك وجدك آدم أسجد الله الملائكة له: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البقرة:٣٤] أي: أبونا آدم من كرامتنا على الله أن الله جعل الملائكة تسجد له: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠]، أي: الله فضلنا، ونحن نختار الهوان. الله أكرمنا ونحن نختار السفالة، لماذا؟ لأن كثيراً من شبابنا يظن أنه لا يُفلح، ولا ينفع شيئاً أبداً.

стр. 1882

كل شاب يستطيع أن يكون في مقدمة الركب إذا أردتم أن أقنعكم وأبرهن، وأثبت لكم أن شبابنا بفضل الله -وأنتم منهم- فيهم خير عظيم، اسألوني عما رأيت في أفغانستان، رأيت شباباً قادوا ودخلوا معارك ضد الشيوعيين، أحدهم يحلف بالله، يقول: لم يكن لي هم إلا الطماطم والبيض، وإذا رأيت سيارة فيها عمال ضربت الطماط أو البيض في زجاجها، فيظل السائق يذهب يميناً ويذهب يساراً إلى أن يقف، أي: شقاوة، طبعاً فلا تطبقوها هذه بعيدة عنكم إن شاء الله، لكن أقول لك: من شقاوته ما كان له هم، فلما جاءه أحد إخوانه الدعاة إلى الله، وقال له: يا أخي الحبيب! الله خلقك من أجل أن تشتري بيضاً وتكسرها في وجوه الناس؟ أو خلقك من أجل أن تأخذ هذه الطماطم، وتضعها على زجاج السيارات؟ أو خلقك من أجل أن تعاكس وتغازل؟ ثم أهداه كتيباً ثم فتح الله قلبه للجهاد وسافر إلى أفغانستان، وأصبح قائداً من قادات المجاهدين. وهذا الشاب بيده ذبح عدداً من الشيوعيين على الطريقة الإسلامية، وقديماً كان من أهل المخدرات، وقديماً كان من أهل الفساد، أي: لا يأتيك الشيطان يقول: أنت الآن سيئ لا خير فيك إلخ لا أمل فيك أن تستقيم، أو أن تكون داعية، أو قائداً، أو مجاهداً؟! لا. اترك هذه الظنون، وهذا العبث الشيطاني الذي يزخرف لك، لكن حاول، وامش خطوة إلى الأمام، وستجد نفسك قادراً، لا تقل: لا أستطيع، حاول، لا تقل: لا أعرف، جرب، وستجد النتيجة وأنت الحكم. شابٌ آخر يحدثني أحد المشايخ، وكان معي ذات مرة في رحلة في أفغانستان، يقول: شباب ذاهبون إلى جبهة من جبهات القتال، فوجدت شاباً يسبقونه وهو ينتفض، فقلت له: لماذا لا تمشي معهم؟ لماذا أنت متأخر عن القافلة؟ قال: أسأل الله أن يغفر لي ويتوب عليّ، أنا وضعي لا يسمح لي أن أمشي بسرعة، ويتلهج ويتزفر زفرات وأنات وآهات، قال له: لماذا يا أخي؟ قال له: والله كنت في سجون الأمل، كنت في المخدرات، ليس هناك نوع من أنواعها إلا فعلته وجربته، ولما منَّ الله عليَّ وتبت، ما وجدت مجالاً أستطيع أن أنشغل فيه عن جلساء السوء إلا الجهاد في سبيل الله، فذهبت أجاهد في سبيل الله حتى يتوب الله عليّ، وحتى أبتعد عن قرناء السوء، قال: فقلت الله أكبر بالأمس كان في سجون المخدرات، والآن على قمم الهندكوش في أفغانستان. هل استطاع الشيطان أن يحقق آماله أمام هذه العزيمة؟ لا. لقد فشل إبليس، فشل الشيطان أمام شاب كانت عزيمته أن يتوب إلى الله، وأن يعود إلى الله. يا إخواني! انظروا الذين ساروا في طريق الفن والطرب، منهم من مات على سوء، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ومنهم من تداركته الرحمة فتاب قبل أن يموت، تعرفون فهد بن سعيد أبو خالد كما يقول: الموت حق وكلنا ذا يقينه مير البلى من ذاق موتاً ولا مات الله أكبر! العزلة يا أبا خالد! زرته في السجن في سجن الحائر، كيف الحال يا أخ فهد؟ قال: والله إني أحمد الله على الساعة التي وجدت في هذا المكان، لماذا؟ هل هناك من يحمد الله على السجن؟ قال: نعم. لأني لو استمريت على ما أنا فيه، مت كموت الحمير، بهذه العبارة. وفي كتيب أحضرته هديةً لكم اسمه، للشباب فقط، وستجدون في آخر الكتاب، فهد بن سعيد يتكلم أو يعترف، هي رسالة صغيرة جداً ما تأخذ منكم شيئاً، خذوا الكتاب واقرءوه، لتسمعوا اعترافات الفنانين المطربين وغيرهم، وجاءنا ذات يوم الأخ فهد بنفسه في المسجد، وألقى كلمة، قلت له: تفضل أعط كلمة، قال: أنا لست بخطيب، وما أعرف، قلت: لا أريد كلمة فصيحة أريد كلمة لشباب الحي يعرفون أن الإنسان يمكن أن يعود إلى الله، ليس من أمسك عوداً انحرف إلى جهنم وساءت مصيراً، من أكل حبة مخدرات، انحرف إلى جهنم وساءت مصيراً، لا. إن باب التوبة مفتوح حتى وإن فعل الفاحشة، حتى وإن وقع في اللواط حتى وإن شرب الدخان، حتى وإن أكل المخدرات، إذا تاب وعاد إلى الله عودةً صادقةً، فإن الله يقبل منه، فالأخ فهد قام وصلى معنا العشاء، وبعد الصلاة وقف، وقال: يا إخوان! أنا أخوكم في الله فهد بن سعيد كنت فناناً وكنت مطرباً، وتبت إلى الله، وأسأل الله أن يتوب عليَّ، ولي طلب واحد منكم، ما هو؟ طلبي أن من كان عنده شريط للفنان فهد بن سعيد أن يتوب إلى الله ويمسحه ويضع عليه خطبة، أو محاضرة، أو أناشيد إسلامية، أو شيئاً بعيداً عن المعصية. أي: إذاً لا يتوقع الواحد أنه إذا وقع في شيء يصعب عليه أو مستحيل أن يتوب منه، لا. مثلما يقول لك: شاب مرة في الحارة قديماً كنت ماشياً وهو جالس يدخن، قلت: يا يوسف! هذا وأنت ولد حمولة؟! قال: لا أستطيع أن أتركه. والظاهر أنه يحمل السيجارة بالمقلوب، لم يدخن سيجارتين، ويقول: لا أقدر على تركها، فالشيطان يغرس ويعمق، ويجعل في قلبك أنك إذا وقعت في شيء لا تستطيع أن تتركه، فالدخان لا أقدر على تركه، والفاحشة لا أقدر على تركها، لا أصبر عنها، مخدرات! لا أقدر أن أتركها، غناء! لا أستطيع تركها، ما هذا الكلام؟!

стр. 1883

إذا أوجدت العزيمة بلغت الهدف أنا أعطيكم سؤالاً الآن: كثير من الشباب الذين يدخنون وغالبيتهم يصومون رمضان أم لا؟ الإجابة يصومون شهر رمضان، صحيح بعضهم لا يصوم، لكن هذا ليس بذنب التدخين، تجد عنده ذنوباً أخرى، لكن الذين يدخنون الكثير منهم يصومون رمضان؛ لأن عنده عزيمة وإرادة قلب على أن يمسك عن الطعام والشراب من الفجر إلى المغرب، فهل يأتيه الشيطان الظهر، يقول له: خذ سيجارة؟ لا. حتى وإن كان يدخن، لأن عنده عزيمة وإرادة، أي: الطريق مقفول ومغلق أمام الشيطان أن يأتيه من الفجر إلى المغرب، ليس هناك أمل أن يأكل أو يشرب أو يدخن، لماذا؟ لأن عزيمته عزمت اتباعاً للصيام ألا يذوق طعاماً، ولا شراباً، ولا غير ذلك منذ الفجر إلى المغرب، دل هذا على أن الإنسان إذا عزم على شيء عزيمة قوية استطاع أن ينشغل عن التدخين واستطاع أن يتركه، لكن في الأيام الأخرى، يقول: لا أقدر على تركه، ليس بصحيح، تأتيه في يومٍ من أيام الفطر، ومن أيام شوال، أو أي شهر وتقول له: يا أخي! لماذا تدخن؟ يقول: لا أقدر على تركه. ما الذي جعلك تتوقف عنه من الفجر إلى المغرب في رمضان؟ نعم. لأن عندك عزيمة جادة صادقة ألا تأكل ولا تذوق طعاماً، ولا شراباً، ولا حراماً، ولا غير ذلك. إذاً أيها الأحبة! لا يمكن أن نصدق مسألة أن الإنسان لا يقدر على ترك المعصية، هذا ليس بصحيح أبداً، قضية أنك لا تقدر.

стр. 1884

إذا أردت التوبة فتخلص من أدوات المعصية والله تعظيماً لله في بيت الله اتصل بي شاب قبل أيام، قال: فلان؟ قلت: نعم. قال: يا شيخ! معك وقت تسمع مني؟، قلت له: معي وقت تفضل، قال: والله أنا مبتلى باللواط، ولا أقدر على تركه، وكلما توقفت عنه، رجعت إليه مرة ثانية، وعندي مجلات وأفلام خليعة، وعندي، وعندي، وأنا أريد أن أتوب، وأنا أريد أن أستقيم، قلت له: أنت جاد، أو هذا عبارة عن توسيع لصدرك في هذه المكالمة؟، قال: والله إني جاد، وأنا أريد أن أتوب يا شيخ، قلت له: الآن أبشر، والحمد لله أن الله جل وعلا ما قبض روحك وتوفاك وأن تفعل الفاحشة. ما هو شعوركم -يا إخوان- لو أن هذا الشاب الذي يتكلم جاءت الملائكة وقبضت روحه وهو يفعل الفاحشة بآخر؟ أو ما شعوركم لو أن الملائكة قبضت روحه وهو تحت وطأة السكر والمخدرات؟ أو ما شعوركم لو قبضت الملائكة روحه وهو رافع لصوت مسجل السيارة على آخر موسيقى غربية، أو صوت مايكل جاكسون، وما صلى ولا أطاع الله ذاك اليوم، ثم مات على شر حالة؟ كيف يكون حاله؟: (يبعث الناس يوم القيامة على ما ماتوا عليه). إذا مت ساجداً، تبعث يوم القيامة ساجداً، إذا مت ملبياً في الحج، تبعث يوم القيامة ملبياً، تقول: لبيك اللهم لبيك، إذا مت شهيداً، تبعث يوم القيامة شهيداً، جرحك ينزف دماً، اللون لون دم، والريح ريح مسك، والذي يموت مرابياً، يبعث مرابياً، يتخبطه الربا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥]. الذي يموت سكراناً يبعث كذلك، والذي يموت زانياً، يبعث على حاله، والذي يموت على لواطٍ، يبعث على حاله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقلت له: يا أخي! أولاً: احمد الله أن الله ما قبض روحك وأنت تفعل الفاحشة، الشيء الثاني: إذا كنت جاداً وتريد أن تتوب إلى الله، تعال أنا أخوك في الله والله أستر عليك، ولا أحد يعرف عنك شيئاً، تعال عندي، وائتني بأشرطتك، وائتني بمجلاتك، ونذهب نحرقها وندفنها في مكان لا أحد يعرف أين مكانها، وتتوب إلى الله، وتصلي ركعتين، وأصلي أيضاً أنا، وأدعو الله لك، وأنت تدعو، وتستغفر الله، وتعاهد الله ألا تعود إلى اللواط، وإلى الفواحش، وإلى هذه الأمور كلها. قال: ما أقدر يا شيخ مهلاً، سبحان الله العظيم! كيف مهلاً؟ تريد أن تتوب وأنت صادق جاد، تعال، هات أشرطتك، وهات الذي عندك، وتب إلى الله، لقد كان سليمان بن داود ﵇ معجباً ومغرماً بالخيل: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص:٣١] الصافنات: الخيل الأصيلة، عرضت عليه بالعشي: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣٢]. يعني: الشمس غابت وفاتت الصلاة، ماذا فعل؟ هل قال: مهلاً؟ لا. قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص:٣٣] ائتوني بالخيل مرة ثانية، وأخذ السيف وعقرها عقراً وذبحها، ودعا الفقراء يأكلونها -يجوز أكل لحم الخيل- لأنها أشغلته عن طاعة الله، وهي مباحة نحرها لوجه الله.

стр. 1885

قصة محمد فوزي الغزالي وتحطيمه لمصنع القيثار (الأعواد) وهذا شاب نقول له: تعال أقبل على الله، تب إلى الله جل وعلا، يقول: لا يا شيخ مهلاً مهلاً، فقلت: لله در أحد الشباب في جدة، وهذا الشاب تعرفونه أو بعضكم يسمع به، هذا اسمه محمد فوزي الغزالي، هذا صاحب بيت العود السعودي، العود ليس عود الطيب، عود أبو اثنى عشر وتراً مزدوج، أو مفرد الذي تريد، المهم هذا الشاب عنده مصنع كامل لصناعة العود، وتعليم العزف على الآلات الموسيقية (الكمنجة والمرواس، والمخافيج والطيران). هذا الرجل عنده مصنع للآلات الموسيقية، فجاء من ينصحه، والرجل كان في نفسه كراهية إلى هذا الأمر، فلما تاب إلى الله ماذا فعل؟ وهذا الكلام نشر في الجريدة، وحضر جمع من العلماء، وصور بالفيديو ولعلنا نرسل للأستاذ شريط الفيديو وتجتمعون وترون هذا الفنان؛ لأنه عازف على العود على مستوى كبير، ومع ذلك تاب إلى الله، وجمع جميع الأعواد التي عنده، أتاني بصور، صلى معي التراويح في شهر رمضان، وأراني الصور، صور الأعواد التي ينتجها، نوع من أنواع العود بثلاثة وخمسين ألف ريال مطعم بالعاج، وأنواع أخرى، وآلات موسيقية، أتوا بها كلها جمعوها في سيارة، وذهبوا بها في جدة وكسروها وصبوا عليها البنزين وأحرقوها. وهو يقول: اللهم تب عليّ، اللهم تب عليّ، اللهم تب عليّ، انظروا يا إخوان الإقبال على الله ، التوبة الصادقة التي فعلاً ما تجعل الإنسان يتردد، اقلع، وإن لم تقلع، سيأتيك يوم لا حول ولا قوة إلا بالله تتمنى أنك تبت، فلا استطعت، زوروا، وأرجو من الأستاذ أن يزور بكم مستشفى النقاهة، ما هو مستشفى النقاهة؟ شباب في عمر الورود، ولكن في لحظة من لحظات الغفلة، أصابه شيء ليس كلهم، بل بعضهم صار له حادث ربما خرج ذاك اليوم ما صلى الفجر، كانت الموسيقى ترتفع، ربما كان ذاهباً إلى الفاحشة، ربما كان راجعاً من الفاحشة، وأصابه الحادث، وفي موقع بسيط في آخر الظهر حساس جداً إذا ضرب فيه الإنسان يصيبه شلل كامل، فتأتي إليهم تجد الواحد متمدداً على الفراش، ويكلمك بإشارات، الله أكبر أين الشباب؟ أين النشاط؟ أين العنفوان؟ أين الحيوية؟ أين القوة؟ في لحظة يقع حادث. أحد الناس قطع الإشارة، وتصادم هو وسيارة، وذهب بشلل رباعي، وهذا قد انتهى وضعه، لا حول ولا قوة إلا بالله! الإنسان لا يأمل، أو يطيل الأمل، أو يسرف في الأمل وهو على معصية، لا. اتق الله، وتب إلى الله جل وعلا، وانتبه قبل أن يفاجئك الأمل.

стр. 1886

هذه هي نتيجة السخرية بآيات الله إياكم والاستهزاء أو السخرية. رجل عنده أموال، ولكنه -والعياذ بالله- مولع بفاحشة اللواط، ومولع بأمور كثيرة مما لا ينبغي ذكرها الآن، ما الذي يحصل، يقول يستهزئ، يقول: إن الله يقول: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:١٠]، أي: الذي معه زينة ويخفيها، خاب -والعياذ بالله- والله يا إخواني بعد هذه الكلمة أصابه سرطان في كل جسمه خلال ثمانٍ وأربعين ساعة، مع أن السرطان في العادة يأتي في موقع ويأخذ أسابيع، ثم يزداد قليلاً، ثم أسابيع، ثم يزداد قليلاً، لكن لأنه استهزأ على معصية، وفوق المعصية استهزاء ولا حول ولا قوة إلا بالله! استهزأ بهذه الآية، وجعلها في أمر اللواط الذي شُغف به، فهو الآن على فراشه، بعد أن كان وزنه ثمانين كيلو من العافية والطول والعرض والنشاط، وزنه الآن خمسة وثلاثون كيلو، تأخذه بثوبك.

стр. 1887

متى التوبة يا عباد الله ؟ إذاً: يا أحباب! متى نتوب إلى الله؟ متى نقبل على الله؟ ألا يكفيناً لهواً؟! ألا يكفيناً عبثاً؟! سمعنا من الأغاني ما الله به عليم، نبيل شعيل، عبد الله الرويشد، بشير شنان، وابن سعيد والرابع والخامس والعاشر، ثم يوم القيامة إذا سئلت: يا عبدي ماذا قدمت؟ ماذا تقول؟ يا رب! حفظت أربع أغانٍ لـ نبيل شعيل، أو يا رب! غيبت أربع أغانٍ لـ طلال مداح، أو يا رب! غيبت كذا لفلان، هل تسرك هذه الأغاني عند الله جل وعلا؟ في الدنيا لا تسرك، هل من الممكن الآن أن يصعد واحد من الشباب على هذه المنضدة، ويسمعنا أغنية لفلان أو علان، هل يرضى أن يغني أمامكم؟ لا. لأنه يعرف أنه لا يغني أمام الرجال إلا إنسان مخنث. نعم. الذي يرضى أن يتراقص ويهتز ويطرب، هكذا أمام الرجال، هذا ناقص الرجولة، لا يرضى، لكن لو نقول: فلان تعال اقرأ قول الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] جاء ووقف بكل عزة وبكل فخر ووقف بطوله وصدح: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأخذ يتلو. إذاً القرآن عز، والدين كرامة، والاستقامة شرف، وأما الانحراف، فهو خزي وعار ومذلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فأسألكم يا شباب: هل هناك شيء يردكم ويمنعكم من أن تكونوا في عداد الصالحين؟ لو فكرنا، لوجدنا أن عندنا ذنوباً محدودة: سماع ملاهي، ربما تساهل بالصلوات، ربما وقوع في بعض المعاصي، القضية تريد إرادة قوية، فإذا جاء أصحاب السوء وجلساء السوء: يا فلان! اذهب معنا، يقول: لا والله، تريدون أن تتوبوا إلى الله، وتستقيموا إلى الله، وتمضوا على نهج الله، فأهلاً ومرحباً وحيهلاً، أما أن تريدونا أن نذهب ونرمي أرقاماً أو (نجعص)، أو (نجدع)، أو (جمس بند) أو (إحدى عشر)، أو (اثنان وعشرون) أو (تفحيط)، هذه والله ليست عندنا. فحينئذٍ تدخل في سجل التاريخ، الدنيا مليئة بالبشر، لكن من الذي يعد من البشر؟ داعية، عالم، آمر بالمعروف، إمام عادل، عالم عامل، رجل نافع، هؤلاء يعدون، وينفع الله بهم. إذا ما مات ذو علمٍ وتقى فقد ثلمت من الإسلام ثلمة وموت الحاكم العدل المولى بحكم الأرض منقصة ونقمة وموت فتىً كثير الجود محلٌ فإن بقاءه خصبٌ ونعمة وموت العابد القوام ليلاً يناجي ربه في كل ظلمة وموت الفارس الضرغام الشجاع هدمٌ فكم شهدت له بالنصر عزمة فحسبك خمسةٌ يُبكى عليهم وباقي الناس تخفيفٌ ورحمة وباقي الخلق همجٌ رعاعٌ وفي إيجادهم لله حكمة يا شباب! هل أنتم من الرعاع، أم أنتم من الأفذاذ والأبطال والرجال؟ أحسبكم وأتمنى وأرجو أن نكون وإياكم من الرجال الذين تفتخر بهم الأمة. يا شباب! فليصارح كل واحد منكم نفسه، ماذا لو توفاني الله اليوم أو غداً؟ بماذا أقابل الله؟ يا شباب! فليصارح كل واحد نفسه، حينما توضع في قبرك، ماذا ترجو من أعمالك؟ يوم تقف بين يدي الله، ماذا تقول لله جل وعلا؟ يا عبدي! ألم أخلق لك عينين؟ هل نظرت بهما في ملكوت السماء؟ هل تدبرت في خلق الله، أم أطلقت عينك في المسلسلات والأفلام والمجلات؟ يا عبدي! خلقت لك أذنين تسمع بهما الحق، ونداء الحق، والأذان والخير، فلماذا سخرت هذه الأذن في سماع الأغاني والملاهي والمزامير؟ جعلت لك يداً ورجلاً، ماذا فعلت بها؟ مشيت بها إلى الحرام أم مشيت بها إلى المسجد؟

стр. 1888

أسلوب أعدائنا في إغواء شبابنا يا شبابنا! إننا والله خُدعنا، أنا أقول هذا الكلام -والشباب الذين انحرفوا لم يخلقوا خبثاء خلقة، ولا انحرفوا خلقة، لا. لكن نتيجةً؛ لأن الشر جاءه رويداً رويداً. فلو آتي بشاب فاسق مجرم، فأمسكه وأضربه عشرة كفوف، وأربط يديه ورجليه، أقول: تذهب إلى المسجد أحرق رجليك، هل يوافق، أو لا يوافق؟ لا يرضى حتى ولو كان فاجراً فاسقاً؛ ما عاد لنا إلا المساجد يردوننا عنها، وتلقاه لا لا يحافظ على الصلاة، ولكن لأن التحدي جاء مواجهة ومباشرة، فلما تحديناه، وقلنا: لا تصلِّ، قال: أصلي غماً عنك، ويذهب يصلي بدون أن يتوضأ عناداً. يقولون عن شخص أنه جلس يصلي يوماً ورأى أناساً ينظرون إليه، ويتقن الصلاة ويخشع، قالوا: الله أكبر! انظروا فلان هذا خاشع، قال: هذا وأنا بدون وضوء. الحاصل يا إخوان! هذا الشاب بالقوة تعانده لا يقبل أبداً، تجره إلى المسجد، يرفسك برجله، وإلا يعطيك (ماي جيري) أو (جدنبراي يسار)، ويدخل المسجد رغماً عنك. وإذا قلنا: كم عندكم في المسجد أبواب؟ عندنا ثلاثة أبواب، قلنا: سوف نوسع لك المسجد، ونضع زيادة أبواب، لكن هذا فيلم هندي خذ اسمعه بعد صلاة العصر بساعة، وتلقى هذا الفيلم الهندي يشد هذا المسكين، ويقعد كل لحظة يصيح، وبطل الفيلم ما لقى أمه، ويظل يتابع هذا الفيلم، يؤذن المغرب فيقال له: حان وقت الصلاة، فيرد ويقول: يا أخي! خلينا ننظر هل لقي أمه أم لا. المؤذن يؤذن، يصلون، وهذا ما ذهب إلى الصلاة، تقام الصلاة، ينتهون من الصلاة، يؤذن العشاء، تُقام صلاة العشاء، يخرجون من الصلاة، ومع ذلك لا يتحرك حتى يصلي، وميكروفونات المسجد على آذانه. لاحظ لما ضاربناه وهاجمناه، وقلنا: لا تذهب تصلي، قال: أصلي رغماً عنك، لكن لما قلنا له: تفضل هذا المسجد ونفتح لك أبواباً في هذا المسجد زيادة، لكن تفضل انظر هذا الفيلم، يظل يتفرج، أم لا؟ إذاً نحن يا شباب قد غزينا فكرياً، هذا هو الذي يجعلنا ننقاد للمنكر، وننقاد إلى المعصية بطريقة خفية. الآن إذا أتينا إلى بنت من بنات المسلمين حينما نأتي ونلقاها في الشارع ونجر عباءتها ونجر (بشتها) ونقول: تبرجي وكوني سافرة، كوني منحرفة، كوني رقاصة، أترضى، أم لا؟ لا ترضى أبداً، لكن حينما نأتي لها بدعاية سلفكرين تلف شعرها يميناً يساراً دعاية، أو نأتي لها بالفتاة المتطورة، الفتاة ذات التطور والثقافة تقابل صديقها في الجامعة، وتجلس معه في (اللوكندة)، وتحاكيه في (الكازينو)، وتذهب معه، ويضرب لها بأبواق السيارة، فتخرج إليه وتصعد إلى السيارة. البنت المتحجبة التي داخل البيت تقول: أنا ما الذي ينقصني؟ الآن هذه تذهب مع زميلها في الجامعة، تنظر المسلسل في التليفزيون وتطبق، وهذه تلبس في أي وقت وتخرج، وتطل عليه، وتقول له: (هاي باي) وترمي عليه وردة، وتقول البنت هذه: صحيح، تقول: أنا ما الذي ينقصني؟ يعني: هذه تتمتع بالحرية وسعيدة، وأنا أجلس محرومة، لاحظوا كيف، فتبدأ البنت تريد الخروج، وتبدأ تخرج سراً، وتبدأ تضرب لها الأبواق (أبواق السيارة) فتخرج أو تقول له: دعنا في السوق، أو نتلاقى في المستشفى، طبعاً لأن أباها لا يرضى، ولا يأذن بذلك، فتبدأ تخطط لأساليب أخرى في حين أننا لو قلنا لها: تعالي لتكوني فاسقة، انحرفي تبرجي، كوني سافرة، ترفض ذلك، لكن نأتي لها بأشياء أمام عيونها، من أجل أن نقول: انظري المتطورة، وأنت متخلفة، انظري هذه حبيبها يرسل لها رسالة ومعها وردة، وأنتِ لو يرسلون لك رسالة، رجعوها بلعنة، هؤلاء جفاة ما عندهم مشاعر، ولا عواطف، وتبدأ البنت تضع مقارنة.

стр. 1889

السعادة كل السعادة في طاعة الله فيا شباب: أنا وأنتم ليس فينا شر أصيل، نحن أبناء فطرة: (كل مولود يولد على الفطرة) ما فينا واحد خلق لكي يكون مطبلاً، أو رقاصاً، أو سافلاً، أو منحرفاً، لا. لكن جلساء السوء بالإضافة إلى الغزو الفكري، الغزو الفكري يا شباب: من خلال المجلة والصحيفة يجعلك تهتم بما ليس كفؤاً للاهتمام، وبما لا يستحق، أو ليس بجدير أن يهتم به، لذلك يا شباب! يا أحبابي! يا أبنائي! عودة إلى الله، توبة إلى الله جل وعلا، رجعة إلى الله، كم عرفنا من الشباب المنحرف الذين وقعوا في الفواحش وتابوا إلى الله، سألناهم: كيف وجدت لذة الحياة؟ قال: والله ما وجدت اللذة إلا في طاعة الله ، قبل ثلاثة أيام معي شاب أعرفه كنا في الحارة سواء، صديق طفولة، ثم تفارقنا، وهو -ما شاء الله- من أسرة ثرية، وأعرف عنه أنه دائماً يسافر إلى بريطانيا، كل دول أوروبا سافرها، وقابلته هذين اليومين، وقد أصبح ملتحياً، ومعه سيارة فخمة، قلت: يا أخي! بشر ما هي أخبارك؟ قال: والله يا سعد مرت علينا أيام كنت أصرف يومياً في بريطانيا ستة آلاف ريال، أي بنت يأتون بها، وأي شراب يأتون به، قلت: وماذا بعد؟ قال: والله ما ذقت سعادة، ولا عرفت راحة، الراحة في طاعة الله في التوبة إلى الله في الرجوع إلى الله.

стр. 1890

العزة كل العزة بالاستمساك بهذا الدين يا أحبابي: خذوها قاعدة: تريد أن تكون عزيزاً، تريد أن تكون شخصاً يعرفك الجيران بمشيك إلى المسجد بتبكيرك إلى الجماعة بجلوسك في المسجد للذكر والاستغفار، يعرفك الجيران في الأمور الخيرة؛ فكن ملتزماً مستقيماً، هل المفخرة أن الجيران يعرفون أنك إذا جاء الصبح، غسلت الإطارات بشاي من أجل أن تصبح سوداء؟ وهل المفخرة أن تشحم الجوانب؟! أم المفخرة أن تدور وتفحط في الشوارع؟! هذه كلها ليست بمفخرة، المفخرة أن تكون صادقاً مع الله، المفخرة أن تكون مستقيم القدرة والرجولة، أن الهوى يقول: اجلس اشرب، تقول: لا. افعل، لا. الرجولة أن تخالف هواك، وأن تعصي نفسك. والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطمِ فخالف النفس والشيطان واعصهما وإنهما ما حضاك النصح فافتهمِ ولا تطع منهما خصماً ولا حكماً فأنت تعرف كيد الخصم والحكمِ هذا الكلام -يا إخوان- خذوه، واسمعوه، وستذكرون ما أقول لكم، والله ستذكرون هذا الكلام، فالإنسان لا يدري متى ينتهي عمره، لكن أسأل الله أن يمد في عمري وعمركم، وتذكروا هذا الكلام بعد عشر سنوات، هل تريد أن تستمر من الآن إلى خمس سنوات قادمة، إلى عشر سنوات قادمة على ما أنت عليه؟ لا والله، تريد أن تستمر على لهوك وضلالك وانحرافك ودخانك وغفلتك، ولا أخص أحداً بعينه، لكن أخاطب من وقع في هذا، هل تريد أن تستمر على هذا؟ الناس يتطورون: الذي حفظ جزءاً، صار يحفظ أربعة، الذي عرف حديثاً، صار يحفظ عشرة، الذي قرأ كتاباً، صار ينتظم في حلقة علم، الذي كان يوماً عادياً، أصبح طالب علم، الإنسان الذي كان تافهاً وما له شغل، فتح له متجراً، أو ورشة، فتح له مخرطة وبعد ذلك اعتبروا -يا إخوان- بأحوال الدنيا للآخرة منكم من يعرف هذا جيداً. في قسم الحدادة والحديد والتلحيم تعرفون شيئاً من ذلك، يوضع مع السيخ هذا الذي يقص الحديد قصاً، أسألك بالله هل جسمك يصبر على نار جهنم؟ لهب من النار مع مادة أخرى تضعه على الحديد، يقصه قصاً مثل ما تقص اللحم، هل جسمك يصبر على نار جهنم؟: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان:١٢] الله أكبر! ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك:٧ - ٨] جهنم، يقال: إن الملائكة تمسكها تكاد تنقض على من كان عاصياً لله غافلاً عن طاعة الله . هل لك صبر على هذا؟ شاب ذهب يدرس في بريطانيا في دورة لحام، وكان يرى الحديد يُوضع في المنطقة هذه قوالب وأسياخ ويخرج مع الجهة الثانية يسيل مثل الماء، فانتفض جسمه مرة، قال: هذا الحديد الصلب جداً يدخل هكذا في نار الدنيا التي هي جزء من مائة جزء من نار الآخرة، يدخل هكذا قطعاً، ويخرج يسيل مثل الماء، فكيف بجسمي هل يصبر على نار جهنم؟ هل سألت نفسك هل تصبر على نار جهنم يوم أنك تقول: لا أصبر على الدخان، أو لا أصبر عن المعصية، أو لا أصبر عن الفاحشة، أو لا أصبر عن الغفلة واللهو والطرب. هل سألتك نفسك: من الذي يجعل قبرك في نور؟ والله -يا أحباب- لا ينفعك إلا عملك الصالح. الآن مقبرة العوج رأيتم هذا البشت الجميل، وهذه البدلة الجميلة، الآن الواحد لو يأتي جرو -الله يعزكم- يريد أن يجلس على ثوبك، أو يجلس عندك أترضى؟ لا ترضى فهو نجاسة، لكن الآن إذا كان في مقبرة العوج، تخيل وأن تجلس على قبر أي واحد أكبر واحد في المقبرة وأصغر واحد في المقبرة الكلب يربض على قبره ويبول على قبره، أنت لابد أن تتخيل، درجة أولى سياحية خط عام فتختار الدرجة التي تريد أن تجلس فيها. أقول هذا الكلام؛ لأن حياتك ليست بشيء، الحياة الحقيقية هي حياة الدوام والسعادة، حياة الآخرة، أما الدنيا فحتى لو قُدر لك فيها الحياة، ماذا بعد ذلك؟ فجأة وتكون في عداد الأموات سواء الآن أو بعد الآن، ثم ما الذي ينفعك؟: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس:٣٤]. يوم القيامة لا أحد ينفع أحداً، تقول عائشة: (يا رسول الله! الرجال والنساء عراة ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال الرسول ﷺ : يا عائشة! الأمر أعظم وأكبر من ذلك) ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦]. تذكر أمك تأتيك يوم القيامة تقول: يا ولدي! حملتك تسعة أشهر كُرهاً ووضعتك كرهاً وأزلت الأذى بيدي عنك، -تنظفك وتقلبك، وتتلذذ وهي تضحك، تبعد عنك الوسخ منك في طفولتك وأمك تضحك ما تكره هذا الشيء ولا تتقزز- وجعلت ثديي لك سقاءً، وجوفي لك حواءً، يا ولدي! حسنة، الموازين تطيش والصحف تتطاير، يا ولدي! حسنة أثقل بها ميزاني، فتقول أنت: أمي إليك عني إليك عني، لا أحد ينقذ أحداً، الرسول ﵊ يقول: (يا فاطمة بنت محمد! اسأليني من مالي ما شئت، لا أملك لكِ من الله شيئاً) يوم القيامة لا ينفع أحد أحداً: (اسأليني من مالي ما شئت، لا أملك لكِ من الله شيئاً) فأنت -يا أخي- تأتي أمك تقول: يا ولدي! حسنة، تقول: أنت يا أمي توكلي على الله. وقال كل خليلٍ كنت آمله لا ألهينك إني عنك مشغول

стр. 1891

النظرة الخاطئة للالتزام والملتزمين فيا أحبابي! هل نعود إلى الله؟ هل نتوب إلى الله؟ هل نجرب؟ حاول؟ افعل؟ خطوة إلى الأمام وستجد النتيجة، ستجد الراحة والطمأنينة، والسعادة، جلساء الخير، ثم إن الخير لا يكلفك، فبعض الناس يتوقع أنه إذا التزم وتاب واستقام بأن عليه الآتي. أولاً: يحتاج أن يذهب ويفصل ثوباً فوق الركبة. ثانياً: يحتاج أن يخرب المرزاب. ثالثاً: يضع الغترة هكذا. رابعاً: يأتي بمسواك طويل، ويتوقع أن الدين هكذا، كثير من الشباب الذين يجعلهم ينصرفون عن الاستقامة، ولا يلتزمون، يتصور أنه لابد أن يصير مُعقداً، إذا ضحك الناس لا يضحك، ولا يريد أن يبتسم معهم، يظنون أن الابتسامة -مثلما يقولون- عند المطاوعة حرام. واحد من الشباب يقول: كنا نلعب كرة مع شباب طيبين، كل واحد يأتي بفريقه، وعندنا شباك، ونظل نلعب بعد العصر، وربما شربنا الشاي إلى أن يبرد الوقت قليلاً، ولعبنا العصر، وبعد المغرب نقرأ في كتاب رياض الصالحين، أو أحد الكتب النافعة، يقول: في يوم من الأيام، خرج معنا شاب قلنا له: تعال معنا، وعندما خرجنا وهو مستغرب مثل الذي سيدخل حديقة حيوانات، لا يعرف ما يقول، يقول: أتينا والوقت مصيف، قلنا: هيا يا شباب أعطونا الكرة والقوائم منصوبة والشباك جاهزة، يقول: والله قليلاً إلا وكل واحد لابس فنيلة وبدلته وحذاء اللعب ولعبنا الكرة، قال: يا أخي! الآن المطاوعة يلعبون كرة؟!! قال: نعم. وماذا ترى؟ ماذا تتوقع؟، قال: والله أحسبكم من يوم أن خرجتم إلى البر كل اثنين يقعدون ويصيحون، يعني: يتوقعون أن المطاوعة أناس معقدون جداً، بالعكس والله المزاح واللهو البريء والمرح، وإذا جاءت العبادة، والتبكير للصلاة، وإذا وقف الإنسان بين يدي الله، وقف وقفة الخاشع، وإذا جلس يُصلي تلذذ بالصلاة، وتجد الإيثار: فلان! ماذا تحتاج؟ فلان! ماذا تريد؟ تجد إخوانك يخدمونك في الله، يأتينا الشاب عنده مشكلة معينة، أول ما تنظر هل هو يصلي الفجر؟ هل هو شاب ملتزم؟ ما هي مشكلتك؟ مساعدة زواج؟ نساعدك، ما عندك؟ عليك مصيبة؟ ربما يساعدونه لا يريدون شيئاً، يريدون وجه الله جل وعلا، لماذا؟ لأننا نتفاضل فيما بيننا بالتقوى، الألوان والأجسام والطول والعرض والقبيلة والنسب والشرف، هذه كلها أضعها تحت رجلي، والله بعضنا يفضل بعضاً بالعبادة والتقوى، إن بلال بن رباح عبدٌ حبشي، يقول الرسول: (يا بلال! إني أسمع صوت نعليك في الجنة) وأبو لهب أشرف قريش: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] في النار. الله أكبر! هذا الدين الذي يُشرفك لا بلونك ولا بطولك أو عرضك أو قبيلتك أو حسبك أو نسبك، بل يشرفك بالتقوى، يشرفك بالإقبال والإقدام على الله جل وعلا.

стр. 1892

الحذر من قرناء السوء من هنا -أيها الإخوة- ينبغي أن نتدارك هذا الأمر، عودوا إلى الله، توبوا إلى الله، حاولوا أن تستقيموا، اتركوا المعصية، اتركوا المصيبة، وقرناء السوء قل له: أسألك بالله إذا جُعلت في قبري، ماذا تفعل لي؟ تدعو لي بظهر الغيب؟ تضحي عني؟ يوم القيامة هل أفتخر بك وأقول: يا رب! هذا أحبه في الله؟ لا. عرفتك في حمام، أو في صندقة، أو في سيارة، أو في دجاج، أو مصيبة، أو معصية، لكن المتحابين بجلال الله في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله (إن في يوم القيامة أناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء بمنزلتهم من الله، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: المتحابون في الله) ليسوا المتحابين في النصر والميدان، بل المتحابون في الله، إذا أحب بعضهم بعضاً في الله ولله، ولعبادة الله، نفعتهم هذه المحبة. أما إذا كانت الصداقة في الدنيا على المعصية والتقصير، فلا تنفع عند الله، أرجو أن يكون هذا الكلام رسالة صريحة من القلب إلى القلب، رسالة أخوية، وأتشرف بزيارة كل واحد منكم، وبرؤية كل واحد منكم عسى أن أتعرف عليه، يعرفني وأعرفه لتكون أخوة في الله ومحبة في الله وعوناً على التوبة وترك المعاصي إلى غير رجعة. أسأل الله أن يهديني وإياكم، اللهم ثبت هذه الوجوه، اللهم أصلحها، اللهم اهدها، اللهم حبب إليها الطاعة، وكره إليها المعصية. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1893

الأسئلة

стр. 1894

شاب إذا خلا بمحارم الله انتهكها السؤال فضيلة الشيخ/ سعد البريك حفظه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد أهلاً وسهلاً بك في لقاء الخير والمحبة، ومرحباً بك في هذا الصرح الشامخ مركز التدريب المهني الأول في الرياض، وبين أبنائك الطلبة، سؤالي هو: أعمل الصالحات دائماً، ولكن الشيطان يغلبني أحياناً في فعل بعض المعاصي، علماً أنني أنصح غيري بأن يتركوا مثل هذه المعاصي، اختصاراً: إذا خلوت بمحارم الله انتهكتها، فما توجيهكم لهذا؟ الجواب يا أحباب! ينبغي للمسلم أن يكون صادقاً مع الله في سره وعلنه، قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣] وفي الحديث: (إن رجالاً يأتون يوم القيامة بأعمالٍ وصلاةٍ وصيامٍ كالجبال يجعلها الله هباءً منثوراً، أما إنهم يصلون كما تصلون، ويصومون كما تصومون، ولهم من الليل مثل ما لكم -فارتاع الصحابة- قالوا: من هم يا رسول الله؟ صفهم؟ جلهم لنا؟، فقال: إنهم كانوا إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) تلقى الواحد أمام الناس رجلاً، وإذا خلا -والعياذ بالله- بمحارم الله، وقع في المحارم من أولها إلى آخرها. فهذا يوم القيامة ربما تكون أعماله هباءً منثوراً، فينبغي للمسلم أن يصدق مع الله جل وعلا، ثم ماذا بعد ذلك؟ يا أخي! ما هذه المحرمات التي تغلبك؟ هل ضاق الحلال حتى لا تجد سبيلاً إلا في الحرام؟! أي: بعض الناس يقول لك: أشتهي أكل الخنزير، أو أشرب الخمر! أليس هناك لحم؟ أليس هناك سمك؟ أليس هناك دجاج؟ أي: كل الطيبات والمباحات ضاقت نفسك بها ذرعاً، ولم تشته إلا الحرام، كل جميع أنواع العصيرات والفواكه الطازجة وغيرها، كلها ما اشتهتها نفسك، ولم تشته إلا هذا الحرام؟! كذلك بقية الأعمال، ثم يا شباب! أنصحكم -وهذا دليل الفحولة والرجولة- أنصحكم بالزواج: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة، فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج) ودعك من الكلام: أسس مستقبلاً، فما هذا المستقبل؟ أخاف أن أموت وما أسسته، إذا كان الشاب يجد في نفسه القوة والاندفاع، وتجده يكابد -دعونا نكون صريحين- إذا جاء في هذا الليل قام يتقلب، مرة الوسادة تحته مرة فوقه ومرة يمين ومرة يسار -والعياذ بالله- وتجده واقعاً في هذه العادة السرية، وعيونه -أعوذ بالله- في الأفلام الخليعة وفي المجلات، وفي صور النساء، وربما وقع في الفواحش، أو لواط، أو؟ يا أخي الحبيب! لماذا لا تتزوج؟ يسر الله لك الزواج وتستتر وتغض بصرك، وتُحصِّن فرجك، وهذا خيرٌ لك، فأنت ربما لا أحد عرف عنك، أليس الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟ ما وجهك أمام الله جل وعلا وأنت تفعل هذه الفاحشة؟ أو إذا قُبض على الإنسان؟ تعرفون أن حد اللواط القتل، ولا حول ولا قوة إلا بالله! والمعاصي لا تأتي جميعاً. الآن الذي يريد أن يفعل فاحشة، هل من أول ما ينظر شيئاً يقوم فيخلع ثوبه ويفعل؟ لا. بل تأتي خطوة خطوة، نظرة فابتسامة، فالله جل وعلا قد أباح لي الزواج أتزوج، وهؤلاء الذين أشغلونا بقضية: وماذا تفعل؟ وكيف تصرف على الزوجة؟ إذا وجدت بنتاً من بنات المسلمين من جماعتك، تزوجها، والله يستر عليك وعليها، وكما في الحديث: (ثلاثة حقٌ على الله عونهم وذكر منهم: الناكح يريد العفاف) فإذا أعانك الله، هل ستكون فقيراً؟ لا. إذا أعانك الله، هل ستكون محتاجاً ذليلاً؟ لا. والله كم عرفت من الشباب كانوا فقراء مساكين، قيمة وقود (الدراجة النارية) لا توجد في جيبه، ناهيك عن وقود السيارة، ولما تزوج، فتح الله عليه الرزق، وفتح بيتاً، وأصبح معروفاً، ويولم، ويخالط وينفق لماذا؟ لأنه أراد أن يعف نفسه بالحلال، قال الإمام أحمد: يستدين ويقضي الله عنه. يا شباب! إذا كان الإنسان يعاني من مشكلة الجنس والغريزة الجنسية، بعض الشباب ما شاء الله تجد عنده قدرة، إذا وجد من نفسه بداية ميل للجنس، فوراً أخذ كتاباً وأخذ يقرأ، وأخذ يسمع محاضرة أو شريطاً، أو زار أخاً له في الله، أو ذهب إلى مكتبة خيرية في المسجد، أو ذهب إلى مكان يحاول أن يبعد نفسه، بعض الناس يقول: أنا دائماً مشغول بالجنس، وأنا مبتلى بالعادة السرية، وأنا وأنا وأنا وأنا، أنا أعطيك الجواب بسهولة، لماذا تبتلى بالعادة السرية؟ لأنك إذا جلست، غمضت عيونك، وفتحت عقلك وتتخيل رجلاً وامرأة، وتتخيل كذا، وتتخيل كذا، وتتخيل كذا، ثم نتيجة التخيل تشب، وتتأجج الغريزة، ثم لا يجد بعضهم لها طريقاً إلا العادة -والعياذ بالله- لكن الذي لا يحاول أن يتخيل، ويصرف نفسه عن هذا الأمر، ويحاول أن ينشغل عنه، بإذن الله جل وعلا يستطيع أن يسلك وأن يستمر دون الوقوع في هذا. فإذا وجدت نفسك تغالبك، فابحث وتزوج، وستجد من يزوجك بإذن الله جل وعلا بشرط ألا تتشرط، فعندما يأتون لك بواحدة، تقول: لا. هذه ضعيفة، فيأتون لك بأخرى، فتقول: هذه قصيرة لو تمشي على (مطب صناعي، حتت) فيأتون لك بأخرى، فتقول: هذه سمينة، لا يا أخي إذا أردت العفاف تزوج ولو أكبر منك بأربع سنوات، أو خمس سنوات، فما هو المانع؟ ألم يتزوج الرسول ﷺ بـ خديجة وعمرها أربعون سنة؟ إذاً ليس عيباً ما دام أنك تريد أن تكون عفيفاً سليماً من الزنا والفاحشة.

стр. 1895

حقيقة توبة فهد بن سعيد السؤال هذا يتحدث عما ذكره الشيخ عن أبي خالد فهد بن سعيد، يقول: كثير من الشباب والمعجبين بـ فهد بن سعيد، يقول: إذا تاب فهد بن سعيد، سوف نتوب، فإذاً الشيخ كما ذكر، هم يقولون كما يقول السائل: الآن تاب فهد، فهل تاب هؤلاء؟ لم يتوبوا؟ الجواب بعض الناس لا يصدق، أنا أذكر كان عندي محاضرة في سجن المنطقة الشرقية في الدمام، وكنت أضرب المثال لبعض المساجين، وقلت: والله فهد بن سعيد تاب إلى الله، قال أحد الناس: والله ما أصدق، ائت به حتى أنظر إليه. لا يصح أن أذهب أحنطه لك وأحضره إليك، هذا ليس بصحيح، لكن اسمع منه، واقرأ عنه، وانظر مقابلته في الجرائد، ونحن مستعدون يوماً من الأيام أن نأتي به إذا كان الشباب مستعدين.
следующие страницы →