← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

شروط قبول العمل ولوازمه

стр. 1822

أهمية المتابعة في الأعمال أيها الأحبة: أترك أمر العبادة لكل واحد منا أن يتعبد كما يحلو له؟ لا وألف لا. إن العبادة أمر مشروع من الله ، ولابد أن ننطلق فيها عن أمر من الله أو أمر من نبيه ﷺ ، لم تُترك العبادة ليتعبد الإنسان كيفما يحلو له، يصلي يوماً خمساً ويوماً أربعاً، أو يوماً سبعاً ويوماً ثمانياً، يصوم هذا ويترك هذا لا، إن العبادة لا تبد أن تنطلق من أمر عليه شرع من الله سبحانه، وعليه شرع من نبيه ﷺ ، وما سوى ذلك فمردود على صاحبه، مضروب به في وجهه. عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي: مردود، وفي رواية لـ مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) فلابد أن يكون منطلق العمل من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ ، وإن كل فعلٍ صالح وعمل طيب لابد وأن يكون عليه دليل من كتاب الله وسنة نبيه، إما بخطاب تكليفي ورد به خصوصاً، أو بقاعدة عامة يندرج فيها هذا العمل. وماذا بعد العمل يا عباد الله؟ يبقى أساس الأمر ولبه وذروة سنامه ألا وهو الإخلاص، الإخلاص الذي يجعل كثيراً من الناس يستنكر أعماله ولا يجد بريق نتائجها. إن الكثير منا ليعمل أعمالاً ويبذل جهوداً، ولكن النتائج -والنتائج بيد الله- لا تكون على حسب ظنه، أو لا تكون على قدر توقعه لماذا؟ فليتهم إخلاصه؛ لأن الله لو تُعبد له الليل والنهار، وصيمت له الأيام، وأُدخل في هذا العمل أحد سواه؛ فإن الله يرفضه ولا يقبله، ومن أجل هذا فكل عبادة ليس عليها أمر الله أو أمر نبيه ولم تكن خالصة لوجه الله فهي مردودة على صاحبها، ويجعلها الله هباءً منثوراً: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣]: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ [النور:٣٩]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1823

أهمية الإخلاص في الأعمال الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، فهي سبب أمنكم وعزكم ورفعتكم وسيادتكم، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك. معاشر المؤمنين: الإخلاص شأنه عظيم، الإخلاص مكانته من الأعمال جليلة، ولا يُقبل عمل ليس خالصاً لوجه الله ﵎، إن الله لم يأمرنا بالعبادة وحدها، بل أمرنا بالعبادة مقرونةً بالإخلاص: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥] ينبغي أن يكون الإخلاص قائدنا ومحركنا وباعثنا في كل أمر من الأمور التي نفعلها أو نذرها ونتركها. ينبغي أن يكون فعلنا للأمور منطلقاً من إخلاصها لوجه الله ، وتركنا واجتنابنا للنواهي والمحرمات إخلاصاً لوجه الله، ومراقبةً الله، وخشية من عقاب الله، لا أن يكون عن عجز وضعف عن نيل ذلك الحرام أو المنكر أو المكروه. معاشر المؤمنين! يقول الله جل وعلا في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) فاحذروا -يا عباد الله- أن يخالط أعمالكم شيء من الرياء أو الشرك أو شيء من ابتغاء حظوظ فانية رخيصة عاجلة، ابتغوا ما عند الله فما عند الله خير وأبقى؛ ومن أجل هذا -يا عباد الله- فإن الأعمال ولو كانت قليلة إذا زينها الإخلاص ضاعفها الله بالقبول وبمضاعفة الحسنات حتى يجدها عند الله أعمالاً كالجبال بسبب الإخلاص، وبسبب مراقبة الله . ومن أجل هذا تفاوت الناس وتباينت درجاتهم، لماذا رجح إيمان أبي بكر الصديق على إيمان الأمة أجمع، لو وضع إيمان أبي بكر في كفة ووضع إيمان الأمة في كفة لرجح بها إيمان أبي بكر الصديق ﵁؟ والله ما هو بكثير صلاة ولا صيام فاق به سائر الأمة، لكنه لأمر وقر في قلبه ﵁، ومن أجل هذا كانت له مكانة عظيمة عند الله وعند نبيه ﷺ . يقول الحسن البصري: [الناس هلكى -جمع هالك- إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم]. لابد أن يستديموا الإخلاص ويلازموه في كل أعمالهم حتى يكون العمل من أوله إلى آخره خالصاً لوجه الله وحده لا شريك له، ثم ماذا بعد ذلك؟ اسألوا الله قبول الأعمال، إننا لنرى في أنفسنا وفي كثير من إخواننا من يأتي إلى الصلاة فينقرها كنقر الغراب، أو يفعل شيئاً من العبادة ويظن أن الأمر قُبل بلا شك ولا محالة. مسكين هذا الذي يمتن على ربه بعبادته، مسكين هذا الذي يمن على خالقه بصلاته، قِف مع نفسك قليلاً: هل أديت هذا العمل في وقته وعلى نحو ما شرعه الله؟ وهل باعثك إخلاصه لوجه الله؟ ثم قف خاشعاً ذليلاً متضرعاً، واسأل ربك أن يكون العمل قد قُبل؛ فإن المحروم من يعمل أعمالاً يضرب بها وجهه ويلف كما يلف الثوب الخلق.

стр. 1824

الخشية من الله والخوف من عدم قبول العمل لابد أن تقف سائلاً الله بعد نهاية كل عمل قبوله، اسأل ربك القبول، فإن المحروم الذي ليس له من صلاته إلا التعب والسهر، وليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، وليس له من أفعاله إلا ثناء الناس وحديثهم وليس له نصيب عند الله؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله. إن المحروم هو الذي ينال شيئاً من الثناء والمديح وليس له عند الله مكانةٌ ولا منزلة، ولا رفعة لدرجاته، ولا ثقل في موازين أعماله الصالحة. إذاً: يا عباد الله: اسألوا الله قبول أعمالكم وتذكروا قول عائشة ﵂ يوم أن تلت قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] قالت: يا رسول الله! أهم الذين يزنون؟ أهم الذين يسرقون؟ أهم الذين يشربون الخمر؟ قال: (لا، يـ ابنة الصديق أولئك قوم يُصلون ويتصدقون، ويصومون ويقومون الليل وقلوبهم وجلة يخشون ألا تقبل أعمالهم). إذاً فاسألوا الله القبول، وراقبوا الله في أعمالكم دقيقها وجليلها، فإننا نرى جهوداً كثيرة خاصة في الدعوة إلى الله ، لكن لا نجد النتائج على مقدار هذه الجهود، ولله في ذلك حكمة، إن النبي ﷺ رأى النبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، فليست الاستجابة شرطاً لوجوب الدعوة والأمر بالمعروف، لكننا ينبغي أن نلاحظ أنفسنا وأن نتهم أعمالنا، وأن نناقش إخلاصنا لننظر ما الدافع والباعث والمحرك فيها. إننا يوم أن نحقق الإخلاص نفوز بخير عظيم ولو قمنا بأعمال قليلة ما دامت خالصة لوجه الله ، فإن الله يبارك فيها وينميها ويقبلها عنده طيبة، والله لا يقبل إلا الطيب. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد ولاة أمرنا بفتنة، وأراد علماءنا بمكيدة، وأراد شبابنا بضلال، وأراد بنسائنا تبرجاً وسفوراً، وأراد ببناتنا اختلاطاً في الوظائف والتعليم مع الرجال، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم افضحه على رءوس الخلائق، اللهم اجزه شر ما تجزي به فاسقاً في فسقه. اللهم إننا نُصبح ونمسي ونبيت منك في أمن وعافية ورخاء وستر وطمأنينة، وإن من الخلق من يحاولون تنكيد هذه النعم وإحلال النقم مكانها، اللهم من أراد ذلك بنا وبعلمائنا وولاة أمرنا، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيه يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف وأسوء من ذلك يا جبار السماوات والأرض. اللهم اختم بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى جنتك مصيرنا ومآلنا. اللهم ارزقنا توبة قبل الموت وشهادة عند الموت ونعيماً وسروراً وحبوراً بعد الموت، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا ووالدينا وجميع المسلمين أجمعين. اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، ولا غائباً إلا رددته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك من العافية شمولها، ومن النعمة حصولها، اللهم إنا نسألك من العصمة دوامها، ومن العافية تمامها، اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، اللهم وفقنا إلى ما يرضيك وجنبنا أسباب سخطك، وباعد بيننا وبين أسباب غضبك، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً سحاً طبقاً نافعاً مجللاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم ارحم المسبحات الرُكع، والبهائم الرتع، والأطفال الرضع، اللهم ارحمنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا تعذبنا بذنوبنا. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الحليم العظيم، رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في أفغانستان، اللهم انصر إخواننا المجاهدين، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم ارحم المستضعفين، اللهم ارحم المستضعفين، اللهم ارحم المستضعفين، اللهم ثبت إخواننا المجاهدين، اللهم وحد شملهم، واجمع كلمتهم، وثبت أقدامهم، وسدد رأيهم ورصاصهم في نحور أعدائهم، اللهم عجل بنصرهم، اللهم عجل بهزيمة وكسيرة أعدائهم، اللهم وعدك الذي وعدت إنك لا تخلف الميعاد، اللهم انصرهم يا رب العالمين، اللهم بشرنا بنصرهم عاجلاً غير آجل. اللهم عليك بـ الرافضة الإيرانيين الخونة، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم عليك بـ الجعفرية الإثني عشرية، اللهم اجعلهم بدداً وأحصهم عدداً ولا تبق فيهم أحداً، اللهم أهلك زروعهم وضروعهم، من كان فاجراً فاسقاً حاقداً منهم بقدرتك يا جبار السماوات والأرض. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا ولجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم نوّر على أهل القبور قبورهم، اللهم نوّر على أهل القبور قبورهم، اللهم آنس وحشاتهم، اللهم آنس وحدتهم، اللهم أهل غربتهم، اللهم أعنا على ما أعنتهم عليه واجعله على الشهادة والسعادة، وأعنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه. عباد الله: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً. اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين. إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1825

الانحراف أسبابه وعلاجه الانحراف: هو الاعوجاج وتنكب صراط الله المستقيم، ولا يمكن لرجل أن يمسي صالحاً ثم يقوم من نومه طالحاً، ولا لفتاة أمست عفيفة لتصبح وقد سلبت عفتها؛ إلا إذا كان هناك ما يخفيه الشخص من سوء عمل وقصد يظهر عليه في تلك اللحظات. وقد ذكر الشيخ حفظه الله جملة من أسباب الانحراف المتفشية في المجتمع، والتي يجب محاربتها والحذر منها.

стр. 1826

تعريف الانحراف وأنواعه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: الحمد لله رب العالمين؛ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده سبحانه على نعمه التي لا تحصى، وعلى آلائه التي لا تنسى، وأثني عليه الخير كله، وأشكره ولا أكفره، وأخلع وأترك من يكفره، نرجو رحمته ونخشى عذابه، إن عذابه الجد بالكفار ملحق، اللهم لك الحمد أطمعتنا وسقيتنا وكفيتنا وآويتنا وإلى الإسلام هديتنا، وإلى التوحيد وفقتنا، اللهم لك الحمد سترت عيوبنا ونشرت فضائلنا، وسترت قبائحنا، وجملتنا بسترك الجميل يا رب العالمين. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة يوم القيامة، فهو الرب وحده المالك المدبر المتصرف في هذا الكون ولا رب سواه، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، فهو الذي يعبد وحده لا شريك له، فالركوع والسجود له، والاستعانة والإنابة به وإليه، والتوكل عليه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واحد في أسمائه وصفاته وربوبيته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الأحبة في الله! أسأل الله أن يبيض وجوهنا وإياكم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وأن يحرم أقداماً على النار مشت إلى هذه الروضة من رياض الجنة، وأن يجعل اجتماعانا هذا مرحوماً، وتفرقنا من بعده معصوماً، وألا يجعل فينا ولا من بيننا شقياً ولا محروماً. أيتها الوجوه المؤمنة! إن من نعم الله أن نجتمع ونتآلف ونتعارف، وحيهلا ومرحباً بهذه الوجوه التي تجتمع في رياض الجنة من غير أنساب بينها، ولا مصالح تربطها، ولا مقاصد تريدها سوى وجه الله ، تجتمعون لتذكروا الله وحده لا شريك له، ولتصلوا على نبيه ﷺ ، فأبشروا بأن الله وملائكته يذكرونكم في الملأ الأعلى، ففي الحديث أن الله قال: (أنا عند ظن عبدي به، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه). أيها الأحبة في الله! الحديث اليوم عن قضية جد مهمة، كما بين أخونا المقدم جزاه الله خيراً، ألا وهي قضية الانحراف، فما أسبابه وعلاجه؟ إن الأعين المبصرة إذا رأت الحق فمن الطبيعي أن تهتدي إليه وأن تستجيب له، وأن تنقاد له بطواعية، فيا سبحان الله! كيف تعمى بعض البصائر عن إبصار الحقائق؟ إن الآذان النقية عن شوائب الشبهات والشهوات لا تستنكف أن تستجيب لداعي الله وداعي رسوله، ولكن ما بالنا نرى آذاناً عن الحق صُمت، وأعيناً عن الحق عميت، وأفئدة عن الحق صرفت، أترون أن هذا لضعف في بيان الحق، أو لضباب في هذه المسيرة، أو لبعد صلة في حجب الحقائق عن هؤلاء الذين انحرفوا وضلوا وأضلوا عن سواء السبيل. أيها الأحبة في الله! إن من الطبيعي أن الإنسان يحب نفسه، ويحب مصلحة نفسه، فما بالنا نرى كثيراً من الناس يقصدون إضرار أنفسهم، والوقيعة بأرواحهم وأجسامهم، وإغلال قلوبهم وأفئدتهم، هذا نوع من الانحراف، إن لم يكن هذا هو الانحراف كله.

стр. 1827

تعريف الانحراف فيا أيها الأحبة! ما هو الانحراف؟ الانحراف: ميلٌ واعوجاج وتنكب عن الصراط السوي المستقيم: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]. الانحراف: ميل بقصد وربما كان ميلاً بغير قصد، فأما الذي مال بجهل فدواؤه أن يعلم، وأما الذي مال بشبهة، فواجبنا أن ندحض ونبطل هذه الشبهة التي علقت به، وأن نبين له الحق جلياً واضحاً حتى ينقاد إليه بكل ليونة ويسر وسهولة.

стр. 1828

أنواع الانحراف والانحراف: كلمة صدرت بـ (ال) وهذه (ال) الاستغراق، أي: أنوع الانحراف، وهي ثلاثة: الانحراف العقدي، ويليه الانحراف الفكري، وبعده الانحراف الأخلاقي، فالأول والثاني يدخلان -كما ذكر شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية وغيره من علماء الإسلام- في أمراض الشبهات، وأما الانحراف الأخلاقي فهو داخل في أمراض الشهوات، والسؤال هنا: ما هي الأسباب التي دعت وقادت وسببت هذا الانحراف عند كثير من الناس؟ وقبل أن نتكلم عن أسباب شيء مجهول، لا بد أن نبين أماراته وعلاماته.

стр. 1829

علامات الانحراف الإعراض عن الصلاة صورة من صور الانحراف. الإعراض عن سماع كلام الله وكلام رسوله، وقصد سماع اللهو ومزمور الشيطان، والطرب والغفلة صورة من صور الإعراض والانحراف. صرف الأنظار عن التدبر فيما خلق الله إلى رؤية المحرمات والمعاصي والمنكرات والأفلام والمسلسلات صورة من صور الانحراف. الإعراض عما أباح الله من الطيبات والقصد إلى تناول المخدرات وشرب المسكرات من صور الانحراف. الاعتداء على حقوق الآخرين، سواء بالسرقة أو الاختلاس أو النهب أو السلب من صور الانحراف. التعدي على أعراض الناس، احتقار الخلق، بطر الحق، وغمط الخليقة من صور الانحراف. قطيعة الرحم، الجفاء، التدابر بين الأقارب من صور الانحراف. عقوق الوالدين، التكبر عن طاعتهم، الرعونة في معاملتهم، التأفف عند أمرهم وخطابهم صورة من صور الانحراف. معاكسة النساء، إيذاء الغاديات والرائحات، صورة من صور الانحراف. الاعوجاج عن المناهج الحقة، والقصد إلى الأفكار المصدرة والمذاهب المستوردة صورة من صور الانحراف. الدعوة إلى اختلاط الرجال والنساء في الوظائف والتعليم والمجامع العامة صورة من صور الانحراف. الإعراض عن تحكيم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ صورة من صور الانحراف. كل معصية عصي الله بها وخولف بها أمر الله وأمر رسوله ﷺ فذلك نوع من أنواع الانحراف. أيها الأحبة! لو ذهبنا نسرد صور الانحراف لضاق بنا الليل والنهار، ونحن نذكر أنواع مخالفات لا تعد ولا تحصى من تصرفات البشر، ولكن حسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق، وبالإشارة تفهم العبارة، والتلميح يغني عن التصريح. يكفي اللبيب إشارة مرموزة وسواه يدعى بالنداء العالي أيها الأحبة! وإن كنت أود هذه الليلة أن أركز على الانحراف الأخلاقي، ومن ثمَّ الانحراف العقدي، وإن كان من المنطق والعلم أن نبدأ بالكلام عن الانحراف في العقائد والأفكار أولاً، إلا أن حاجة الحاضرين ليبلغوا من يرونهم يخالفون في هذا الجانب أعظم، ولقلة الانحراف العقدي -ولله الحمد- في مجتمعنا أو ندرته، ولكننا نلاحظ صوراً من الانحراف في السلوك والأخلاق والمعاملة، فيا ترى ما هي الأسباب التي أدت ودعت وأفضت وحققت أنواعاً من الانحراف التي نتأفف منها، ونتبرم برؤيتها، وتنزعج آذاننا لسماعها، وكثيراً ما كانت حديث مجالسنا انتقاداً وبغضاً أن نقع فيها، ودعوة للهداية والاستقامة لمن وقعوا فيها؟!

стр. 1830

أسباب الانحراف إنه لا يمكن أن يكون رجلاً سوياً ثم يصبح منحرفاً، ولا نتصور أن فتاة باتت عفيفة فأصبحت متبرجة، ولا امرأة أمست طاهرة فأصبحت فاجرة زانية، ولا نتصور أن رجلاً أصبح مهتدياً فأمسى فجأة ضالاً، بل لا بد أن يكون لهذا أسباب، ولا بد أن يكون له خطوات، وهو بصريح كلام الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] قال ابن كثير: هذا نداء بأن نلتزم بأمر الله، وبأحكام الإسلام، السلم هنا هو الإسلام كافة من غير تفريق. ولذلك لما تحدث بعض علماء السلف، فقال له رجل: إن هذه مسألة من المسائل اليسيرة والصغيرة، أو كما يقول بعض الناس: هذه مسألة قشور، وليست من مسائل اللباب، فغضب ذلك العالم، فقال: إنه ليس في الدين قشور ولا لباب، إن الله قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل:٥]. فالدين كله مسئولية عظيمة، بأحكامه وأخلاقه وآدابه وأصوله وفروعه، المهم أننا أمرنا أن نتبع هذا الدين اتباعاً كاملاً دقيقاً، وحذرنا الله : ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة:١٦٨] إن الخطوات هي التي قادت إلى الانحراف، وسببت هذا الضلال.

стр. 1831

مجالسة رفقاء السوء إن كثيراً من الشباب عهدناهم وعرفناهم أبراراً أغياراً أطهاراً، من الشباب الذين تتمنى أن تكون ذريتك كأمثالهم، تتمنى أن يكون إخوانك كأمثالهم، تتمنى أن تمتلئ الأمة بصلاحهم واستقامتهم، ولكن نفاجأ بأحدهم أنه قد تنكب الصراط، ورجع القهقرى،، ونكص على عقبيه، وارتد مدبراً، وتغيرت أموره، وانتكست مفاهيمه، وتقلبت قناعاته، وأصبح يرى ما كان مكروهاً محبوباً، وأصبح ما يأنف منه يتودد إليه، وأصبح ما كان يستحي أو يأنف من سماعه يتفاخر به. إن ذلك انحراف كان سببه رفقة تساهل بالجلوس معها وبمخالطتها، وبتفويت بعض الأمور ظناً منه أنها من الصغائر، وما زالت الصغيرة تدعو أختها، فاجتمعت كقشات جمعت فأضرمت، فأصبحت ناراً أحرقت سلوكه، وأحرقت استقامته، وعفافه، وطهارته، فبات فاجراً بعد أن كان براً، وأصبح مفسداً بعد أن كان صالحاً، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. نعم -أيها الأحبة- إن المجالسة كما بين ذلك النبي ﷺ لها أثر، إذ المرء يتأثر بجليسة، ويصطبغ بفكرته ومعتقده وسلوكه وأعماله، قال ﷺ : (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة) رواه البخاري ومسلم. إن من خالط أشراراً حتى ولو كان تقياً، إن من خالط فجاراً حتى وإن كان عالماً، وأعني بالمخالطة أن يجعل مخالطتهم ديدناً وهجيراً، وأن يجعلها سجية وطبيعة له، أما عالم يخالط فجاراً لينصحهم، أو داعية يغشى فجاراً ليدعوهم، أو مهتد يغشى ضلالاً ليناصحهم، فهذا لا يدخل في الأمر، بل غايته أنه يؤجر، والله أمر خيرة من في ذلك الزمن (موسى وهارون) أن يذهبا إلى شر خلقه في ذلك الزمن وهو فرعون، الذي قال: أنا ربكم الأعلى، والذي قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] أرسلهما ربنا وقال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]. إنما الممقوت والمنهي عنه أن ترى رجلاً سوياً يخالط فجاراً ينسجم إلى مجالسهم، ويطمئن إلى طرائفهم، وينبسط لنكتهم، يتعود غشيانهم ولا يقاطعهم، يجلس معهم من غير دعوة يقصدها، ولا علم ينشره، ولا هداية يرنو إليها، إنما أعجبه حديثهم، أعجبته طرائفهم وسواليفهم وتعليقاتهم -أو ما يسمى تنكيتاتهم- فأصبح يغشاهم، إن ذلك من أسباب الانحراف الخطرة. والإنسان يتأثر، ولو أتيت بأتقى الناس وأعلم الناس فجعلته يصبح ويمسي في مجالسة اللاهين العابثين الغافلين المستهزئين الساخرين، وجعلته يجلس بينهم فسوف يتحول إلى مستودع وخزينة معلومات، أما سلوكه وطبائعه وغيرته وحميته وأنفته وحبه، سوف يجمد في قالب إذا واجه هذه الأمور التافهة والخطرة، فجمدت حماسته وغيرت أنفته، وغيرت غيرته. إذاً فلننتبه، وإن من الأخيار من يتساهل بهذه المجالس. منذ أيام -ربما لا تتجاوز العشرة أو أكثر- جاء شاب إلى المسجد فقال: إني كنت محافظاً على قيام الليل، وكنت محافظاً على الصلوات في الجماعة، وكنت صادقاً وبراً وغيوراً وخيراً وطيباً، فتقلبت أحوالي تقلباً عجيباً، فقلت: ما الذي تغير أو تقلب من حالك؟ قال: أصبحت أنظر إلى الأفلام والمسلسلات الماجنة، وأسمع الغناء، وأتكاسل عن الصلاة، وربما جمعت الفرض إلى الذي يليه، والفرضين إلى الليل، وإني إذا ذكرت تلك الفترة الذهبية الرائعة الجميلة من أيام حياتي أبكي على ما أنا عليه وما أنا فيه، فيا ترى أي دواء تصفه لي، وأي وصفة تكتبها لي؟ فسألته بالله، والله يقول: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤] فسألته بالله وقلت له: أنت أدرى مني بنفسك، ولست أعلم الغيب، ولكن أي أمر في سريرتك أحدثته، أي أمر في خلواتك أحدثته، أي أمر أصبحت تتعود فعله في حال لا يراك فيه إخوانك الصالحون، فقال: إنه أمر واحد، وجدت شلة. ولا أقول ثلة؛ لأن الله قال في السابقين وأصحاب اليمين: ثلة، قال: وجدت شلة أعجبني تنكيتهم وضحكهم ومزاحهم، وتعليقاتهم وكلامهم، فأصبحت أغشاهم، وفي البداية كان الشيطان يقول لي: اذهب إليهم فادعهم إلى الله ، اذهب إليهم تناصحهم، اذهب إليهم تعلمهم شيئاً يجهلونه. قال: فما هي إلا أيام بعد أن كانوا في بدايات المجالس إذا دخلت عليهم خبَّئوا ورقهم، وأخفوا منكراتهم، إذ بي أنا أخرج ما يخبئونه لنلعب به، وإذ بي أنا الذي أحركهم ليديروا هذه الأجهزة فنرى صور العرايا ونرى صور الماجنات والخليعات، ولا حول ولا قوة إلا بالله. إذاً القضية أنه ما بات باراً فأصبح فاجراً، وإنما هو تنازل بنفسه، ورضي أن يجره الشيطان تحت تلبيس لإبليس، ووسوسة وغواية بحجة شيء اسمه فيما يتوهم دعوه، وفي الحقيقة أنها غواية من الشيطان له، أصبح يتردد عليهم، تعجبه تعليقاتهم، سخريتهم، تصنيفاتهم، عجائبهم، يقهقهون، يضحكون، يشبعون ضحكاً، ثم بعد ذلك يقوم وهو في كل ليلة يهدم بفأس غفلته صلاحه وإيمانه، حتى بلغ به الحال أن أصبح كذاباً بعد أن كان صادقاً، وأن أصبح فاجراً بعد أن كان باراً، وأن أصبح ضالاً بعد أن كان مهتدياً، ومطلقاً لعينه وأذنه في الحرام بعد أن كان لأذنه وعينه حصوراً عن الحرام، والسبب: هي هذه المخالطة! إن بعض الناس لو حدثته عن المجالسة، قال: أنا مستعد أن أعطيك آيات عن الجليس السيئ، وأعطيك أحاديث عن الجليس السيئ، وأعطيك أبيات شعر عن الجليس السيئ، وأعطيك حكماً وأمثالاً عن الجليس السيئ، ولكني أقول: لا تعطني من هذا شيئاً، ولكن أعط نفسك، وأعطني التزاماً بقول الله : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف:٢٨]. إياك ومجالسة الغافلين، إياك ومجالسة اللاهين، إياك ومجالسة الضالين، إياك ومجالسة المنحرفين؛ لأنك لا تزال في بداية الاستقامة، لا تزال حديث عهد بتوبة، لا تزال قريب تجربة بضلالة، فانتبه لنفسك. أتظنون أن رجلاً يعمل في معدات البنزين والوقود يخرج من عمله ومكائنه وورشته، وقد امتلأت ثيابه بالوقود والبنزين، وأطرافه وجسمه بالوقود والبنزين، ثم يجلس بين المدخنين الذين يشعلون ولاعات النار، من الطبيعي أن يحترق ويقبس هذه النار في جسمه على آثار ما علق به من الوقود، وكذلك الشاب الذي لا يزال قريب عهد بتوبة، وحديث عهد باستقامة، إياك أن تخاطر بنفسك، إذا كنت حديث عهد بالسباحة في الأنهار، فضلاً عن أن تكون سباحاً ماهراً تواجه الأمواج العاصفة في المحيطات، إذا كنت لا تكاد تعرف السباحة فهل من العقل أن تذهب لتنقذ أقواماً غرقى تقلبهم أمواج البحار والمحيطات؟ إن واحداً من هؤلاء الغرقى سيتعلق بثوبك فتكون أنت في أسفل الموج وهو في أعلاه، ولتكون أنت تحت طبقات الماء وهو في أعلاها، بتساهلك أو بحجة أنك تريد أن تنقذه، وأنت يا مسكين، وأنت يا غرير، يا جاهل، يا مغرور، تظن أنك قادر على إصلاحه وأنت لم تزل بعد محتاجاً إلى إصلاح نفسك. أقبل على النفس فاستكمل محاسنها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان إن جلساء السوء يحرمون الإنسان حتى الفرصة الذهبية، أو الفرصة التي لا تعوض بأمر الدنيا قاطبة، وحسبكم ما ثبت فيما يرويه البخاري: أن النبي ﷺ ذهب إلى عمه أبي طالب لما حضرت أبا طالب الوفاة، ولكن جلساء السوء لا يتركون أحداً حتى في اللحظات الأخيرة. دخل ﷺ يعود عمه أبا طالب، فوجد عنده رأس الكفر أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية فلم يلتفت لهم ولم يخاطبهم ولم يقل لهم: لماذا أتيتم تؤذون عمي في اللحظات الأخيرة، جئتم تصدونه، بل أقبل عليه يريد في معركة وسباق مع الزمن أيهما ينفذ أولاً سكرات الموت وخروج الروح، أو وصول دعوة النبي إلى قلب أبي طالب، فبدأ أولاً بعمه، قبل أن يكلم أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: أي عم! قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، فقام هؤلاء الشياطين، وقال أبو جهل: أتترك وترغب عن ملة عبد المطلب. وما زال النبي ﷺ يحاول، وهؤلاء الصناديد من الضلال يحاولون إغواءه، وهم ينهون عنه وينئون عنه حتى مات وهو يقول: هو على ملة عبد المطلب، لم يكتف فقط أن يسكت، بل إنما صرح تحت وطأة وتأثير الجلساء لينطق إرضاءً لهم، فيقول مصرحاً: هو على ملة عبد المطلب. كان بوسع أبي طالب أن يضمرها في نفسه ويسكت، كان بوسع أبي طالب أن يقول كلاماً، كان بوسعه أن يقول لهم: حتى هذه اللحظة لن تنفعوا ولن تشفعوا ولن تقربوا، كان بوسعه أن يقول أموراً بغض النظر هل تنفعه أولا تنفعه، لكن أثر جلساء السوء جعلت هذا الذي ينازع الموت ويحتضر، ويعالج السكرات، جعلته ينطق بما يريد هؤلاء الضلال والطواغيت بالتفصيل، فمات وهو يقول: هو على ملة عبد المطلب. ولكن إن هؤلاء الذين يضلون بإضلال جلسائهم، وإغواء رفقائهم، هؤلاء يوماً ما سوف يلعن بعضهم بعضاً، ويسب بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض، كما قال : ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٦ - ١٦٧]. والله أخبر أن هؤلاء سيندم أحدهم

стр. 1832

ضعف الإيمان إن من أسباب الانحراف أيها الأحبة: ضعف الإيمان وعدم تعظيم أمر الله ؛ إن من الناس مَن لو قلت له تفضل هذه ورقة من الحقوق المدنية أخذ ينتفض أسبوعاً كاملاً، ويذهب إلى الشيخ والصديق والقريب: ماذا أفعل؟ وماذا أقول؟ وكيف أجيب وأتصرف؟ وكيف السبيل؟ وما الطريقة؟ وأين الملجأ والملاذ؟ وأين المعين؟ يعد لهذه الورقة ألف جواب من شدة خوفه من البشر، أما رب البشر الذي خلقه من العدم، الذي جعله سميعاً ولو شاء لجعله أصم لا يسمع، الذي جعله بصيراً ولو شاء لجعله أعمى لا يبصر، الذي جعله قادراً على المشي والحركة ولو شاء لجعله مشلولاً معوقاً، فإن كثيراً من الناس لا يبالي بأمر الله، ولا يخاف ولا يقيم لأمر الله وزناً، بل كما قال نوح لقومه: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح:١٣] ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. إذاً أيها الأحبة! ضعف الإيمان، وعدم الخوف من الله ، هو الذي أحدث عند كثير من هؤلاء الجرأة على الانحراف، ولذلك قال ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) روى هذا الحديث البخاري ومسلم. فضعف الإيمان والهيبة من الله جرأ الكثير من الشباب والشابات والرجال والنساء على معصية الله ، والله إن بعضهم لو قيل له في عمله: مدير الشرطة يريدك، قال: أنا ما فعلت شيئاً، ليس عندي مشكلة! لو قيل له: قسم الحوادث في المرور يريدك، قال: أنا لم أقطع إشارة! يحاسب نفسه، ويتخيل طريقه منذ أن خرج من بيته إلى أن عاد، هل تجاوزت خط المشاة؟! هل قطعة الإشارة؟! هل سلكت طريقاً ممنوعا؟! هل خالفت السير؟! يسائل نفسه مائة سؤال نتيجة لهذه المكالمة. أما هل يسأل نفسه قبل أن يخرج من البيت: هل يسلم من المعصية؟ هل يسلم من الزلل؟ إذا أراد أن يذهب إلى مجلس يا لسان تعاهدني ألا تنطق إلا بحق؟ يا أذن تعاهدين ألا تسمعي إلا خيراً؟ يا قدم تعاهدين ألا تمشي إلا إلى أمر فيه صلاح؟ يا يد هل تأخذين أو تمدين إلا إلى شيء فيه نفع للإسلام والمسلمين؟ القليل من يتحدث مع جوارحه وحواسه، لكننا أو البعض منا يهاب من البشر هيبة ما يهابها من الله ، وكما قال بعض السلف يعاتب بعض العصاة: [لا تجعل الله أهون الناظرين إليك]. إن طول الأمد والبعد عن الأجواء الإيمانية هو الذي سبب ضعف الإيمان، فإذا كان الإنسان يصبح في عمله، وبعض مجالات العمل يبتلى فيها بعض الناس بجلساء ليس لهم حديث والعياذ بالله إلا عن المعاصي أو عن الفواحش أو إغراق في أمور الدنيا، أو عن الشهوات أو أو إلخ. ثم يعود إلى عمله فيأكل لقمته، ويرمي بنفسه، وتفوته الصلاة، وربما ركعها في البيت وصلاها في غير وقتها، ثم قام إلى شلته وسهر معهم، وعاد متأخراً إلى بيته، وزوجته الحزينة وأولاده الضائعون يتمنون رؤيته لحظة أو لحظات من سائر اليوم كله، ثم بعد ذلك يداوم على هذا البرنامج والمنهج. البعد عن الأجواء الإيمانية يسبب جرأة في المعصية، ويسبب جرأة في ارتكاب المحارم، وما الذي يفرق بين شخصين، شخص تعرض عليه الفاحشة والمعصية والشهوة والفتنة، فيضطرب وينزعج ويخاف ويبكي، ربما بعضهم يبكي من شدة انزعاجه مما عرض عليه من المعصية، وفي المقابل شخص يخطط يدبر يلاحق يطارد يبحث يعاكس يتصل يبذل يغري؛ من أجل أن يصل إلى المعصية، أليس هذا بشر وهذا بشر، وعند هذا غريزة وعند هذا غريزة؟ لكن الأول الذي عرضت عليه المعصية، فقال: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧] كان سبب إعراضه عن المعصية هو أنه كان قريباً من الأجواء الإيمانية والمساجد، إذا سمع (حي على الفلاح) انتعشت روحه وطار فؤاده، تلذذ كأنما يسمع صوت حبيب يناديه ويناجيه، ويقربه، ويتمنى سماع صوته، انظر أحب أحبابك إليك، وأطيب أصدقائك وأقربهم منك حينما يناديك، انظر كيف يطير قلبك فرحاً لإجابة دعوته وصوته، وترديد صدى كلماته بارتياح وطمأنينة منك. الذين يعيشون الأجواء الإيمانية؛ إذا سمع أحدهم (حي على الفلاح) شعر أن جبال الهموم تقشعت، وسحائب الظلام زالت، والسحب الكثيفة من الضباب ومصائب الدنيا، والمشاكل، والقيل والقال زالت، سيمشي لا يريد فلاناً ولا فلاناً، ولكن سيذهب إلى الذي خلقه من العدم، سيتجه ليركع ويسجد، سيشكي أموراً، سيحكي أحوالاً، إذا سجد وأناخ جبينه على الأرض يا ألله أنت تعلم ما أنا فيه من ضعف، يا ألله أنت تعلم ما أنا فيه من حال، يا ألله اغفر لي، يا رب أكرمني، يا رب أعطني، سبحانك ما عبدتك حق عبادتك، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، تجد لذته في أن يركع ويسجد لله ، والسبب هذه الأجواء الإيمانية. أما الذين لا يعيشون الأجواء الإيمانية، ولا يشهدون الجماعة، ولا يحضرون المحاضرات، لا يسمعون الهدى والمواعظ، كل حديثهم في الدنيا والمعاصي والشهوات وما إلى ذلك، فإن أولئك تقسو قلوبهم خاصة مع طول الزمان، قال الله : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦] فدلت الآية على أن طول الوقت الذي أمضوه بعيدين عن الأجواء الإيمانية كان سبباً لقسوة قلوبهم، وضعف الإيمان في القلب هو من أهم أسباب الانحراف. ولذلك نلاحظ هذا الشيء في الذين يعيشون أو يكرمهم الله بالعمل ولو فترة من الفترات في مجال الدعوة، أنت تلاحظ الشاب الذي يلازم الحضور إلى حلقة القرآن، إلى مكتبة المسجد، إلى المعهد والجمعية التوعوية، هذا الشاب الذي يأتيك دائماً مواظباً على هذه اللقاءات؛ تجده بإذن الله غضاً طرياً، مستجيباً، حيياً، حفياً تقياً، وأما الذي ينقطع عن هذه المجالس فسرعان ما تلاحظ أثر انقطاعه قسوة في قلبه: والعين تعرف من عيني محدثها إن كان من حزبها أم من أعاديها

стр. 1833

إطلاق البصر أيها الأحبة! ألا وإن من أهم أسباب الانحراف هو: إطلاق البصر في معصية الله ، وعدم غض البصر عن النظر إلى ما حرم الله : وهذا شامل لكل أنواع النظر، نظرة في الشاشة، نظرة في المجلة، نظرة إلى امرأة، نظرة إلى الأمرد الوسيم، نظرة إلى ما شئت، المهم أن من أطلق بصره في النظر إلى ما حرم الله مع قلب مريض يزين المعصية، ويخيل الفاحشة والشهوة، فإن ذلك سبب يجر إلى الانحراف، ولذلك فإن الله قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠]. الله خبير بهذه النظرة، خبير بما يصنعون بها، خبير بأعمالهم وبما يترتب عليها، وبما تقود إليه، وبما تجر إليه ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] تريد طهارة ونمواً ونماءً وسمواً وشفافية في الروح، غض بصرك، كما قال عبد الله بن المبارك: [اترك فضول النظر توفق إلى الخشوع] كثير من الناس يقول: أنا لا أخشع، طبيعي ألا تخشع، إذا كانت الجلسة من العصر إلى المغرب أمام مسلسلات وأفلام وصور نساء، وهذه راقصة وهذه غادية ورائحة، وهذه قد كشفت رجلها وساقها ونحرها وشعرها، ثم يؤذن المغرب وتذهب تريد أن تتذكر الجنة والنار، تريد تبكي من خشية الله، تريد أن تخشع لذكر الله وما نزل من الحق، إذا كبَّرت أعاد لك الشيطان العرض من جديد، يعيد لك المسلسل الذي رأيته العصر بعد تكبيرتك في صلاة المغرب، يعرض عليك صورة المرأة من جديد، وصورة المعاصي من جديد، وصورة الشهوات من جديد. ولذلك من أدام وأدمن غض بصره؛ أورثه ذلك حلاوة يجدها في قلبه، وخشوعاً ولذة يجدها في صلاته بإذن الله ، يقول الإمام ابن القيم ﵀: "قد جعل الله سبحانه العين مرآة القلب، فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته، وإذا أطلق العبد بصره أطلق القلب شهوته" وسئل أحد السلف: ما الذي يعين على غض البصر؟ فأجاب: أن تعلم أن نظر الله إليك أسرع من نظرك إلى الحرام الذي تشتهيه. إذا أردت أن تنظر إلى شيء نظرة حرام، فتذكر أن نظر الله إليك أسرع من نظرتك إلى هذا الحرام الذي أنت تقصده، ويذكر ابن القيم أبياتاً جميلة فيها: يا رامياً بسهام اللحظ مجتهداً أنت القتيل بما ترمي فلا تصب وباعث الطرف يرتاد الشفاء له توقه إنه يأتيك بالعطب بعض الناس يظن أنه استمتاع، ونقول: لا. سهام البصر سهام عكسية، أنت ترمي فتعود القذيفة إلى قلبك: وكنت متى أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر إذاً فاحفظ خيالك وبصرك وتفكيرك فإنه يجنبك الانحراف بإذن الله، وهل لك بالسلامة بدلاً من أن تمرض فتبحث عن الطبيب، وعن الدواء ومصاريف العلاج؟ أنت الآن بالخيار، إما أن تأخذ العافية مجاناً بدون تعب، وبدون ذهاب إلى الطبيب، وبدون مصاريف علاج، بمجرد الوقاية، فاحفظ نظرك؛ احفظ هذه العين تسلم من هذه الأمراض، أو تطلق البصر فتمرض، فتذهب إلى طبيب وتحتاج علاجاً ودواءً، إن درهماً من الوقاية خيرٌ من قناطير العلاج مجتمعة. أيها الأحبة! إن حفظ الفرج مرهون بحفظ البصر؛ كما قال : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] قدم البصر على الفرج هنا لأن هذه الحاسة هي التي تحرك شهوة الفرج، فمن غض بصره أراح قلبه وفؤاده وفرجه، ومن أطلق بصره أتعب حواس أخرى تتبع هذه الجارحة، فحفظ الفرج هو الثمرة الطبيعية لغض البصر، بل هو الخطوة التالية لتحكيم الإرادة، غض بصر يتبعه بالضرورة حفظ للفرج، ويتبعه يقظة ورقابة واستعلاء على الشهوة في مراحلها الأولى. عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁، قال: (سألت النبي ﷺ عن نظر الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري) إذا وقعت عينك على أمر مما يحدث شهوة أو مرضاً في القلب والفؤاد والعين فعليك أن تصرف بصرك، وحديث جرير هذا رواه الإمام مسلم. قال ﷺ : (العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، والفرج يزني) رواه الإمام أحمد في مسنده، وقال ﷺ : (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) ولاحظ في الحديث أنه بدأ بالعين قبل كل شيء، فمن أراد السلامة من الانحراف فعليه أن يحفظ عينه، والحديث هذا رواه البخاري ومسلم. ويعلق الشيخ الشنقيطي ﵀ رحمة واسعة بقوله: ومعلوم أن النظر سبب الزنا، فإن من أكثر من النظر إلى جمال امرأة مثلا، قد يتمكن بسببه حبها من قلبه تمكناً يكون سبب هلاكه والعياذ بالله، فالنظر بريد الزنا. وقال ابن القيم ﵀: فبدأ -أي في الحديث- ﷺ بزنا العين؛ لأنه أصل زنا اليد، وأصل زنا الرجل، وأصل زنا القلب والفرج هو الذي يصدق ذلك أو يكذبه. إذاً: فالنظرات أمرها خطير: كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وتر والمرء مادام ذا عين يقلبها في أعين الغيد موقوف على الخطر يسر ناظره ما ضر خاطره لا مرحباً بسرور عاد بالضرر ويقول شاعر آخر: يا من يرى سقمي يزيد وعلتي أعيت الطبيب لا تعجبن فهكذا تجني العيون على القلوب كم جنت العيون على أقوام فسرقوا، إن العيون جنت على أقوام فزنوا، وأقوام فقتلوا، وأقوام فاغتصبوا، وأقوام فقطعوا الطريق، وأقوام فانتهكوا، وأقوام، وأقوام، لكن من ضبط هذه الجارحة ضبطاً إيمانياً فيما يرضي الله ، وكانت عينه سبباً لرجحان أعماله ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. في الحديث عن عبادة بن الصامت ﵁، أن النبي ﷺ قال: (اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمنْ لكم الجنة؛ اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم) رواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وحسنه الألباني حفظه الله. وعن عبد الله بن بريدة ﵁ عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: (يا علي! لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الثانية) رواه الترمذي وحسنه الألباني. إن من غض بصره أيها الأحبة يجد لذة وحلاوة لا يدركها إلا من عرف ذلك، أنت تمشي في الطريق فظهرت فجأة متبرجةٌ، اصرف وجهك فوراً هكذا، ثم انتظر لحظات بعد زوال هذا المنكر الذي صرفت وجهك عنه، تأمل قلبك، والله لتجدن حلاوة، والله لتجدن لذة، جل ربنا أن يعامله العبد نقداً فيجازيه نسيئة، أليس شرفاً لك أن تكون من المتقين الذين يحاسبون أنفسهم في مرضاة الله ؟ أليس شرفاً لك أن تكون من الذين -بإذن الله- يصدق عليهم قول الله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥]. هذه من دقائق التقوى، وحساسيات التقوى، وشفافيات التقوى، أنك فور ما تقع عينك على شيء من المحرمات تصرف بصرك بكل طواعية واستجابة لله وفي قصيدة جميلة مطلعها: أنا العبد الذي كسب الذنوبا وصدته الأماني أن يتوبا القصيدة طويلة، لكن الشاهد المتعلق بغض البصر قوله: وغض عن المحارم منك طرفا طموحاً يفتن الرجل الأريبا فخائنة العيون كأسد غاب إذا ما أهملت وثبت وثوبا فمن يغضض فضول الطرف عنها يجد في قلبه روحاً وطيبا قال ابن القيم وهو يذكر قصة عجيبة في خطر هذا النظر، يقول في الجواب الكافي: ويروى أن رجلاً بـ مصر كان يلزم المسجد للأذان والصلاة فيه، وعلى هذا الرجل بهاء الطاعة ونور العبادة، فرقى -يعني: صعد- المنارة يوماً على عادته للأذان، وكان تحت المنارة دارٌ للنصراني، فاطلع فيها، فرأى ابنة صاحب الدار، فافتتن بها. انظروا مآل البهاء والورع بعد هذه النظرة؛ لأن بعض الناس فيه حماقة، تجده يذهب إلى مكان، يقول: أنا لا أقول لك أني لا أسافر، أنا أسافر لكن لا أعمل شيئاً، أنا أذهب مكان اللهو والدعارة وأتفرج وأنظر ماذا يصنعون وأخرج، أنا لا أعمل شيئاً. فقط أذهب أتفرج، أنا لا أكذب عليك أنا أذهب وأنظر وأمشي، لكن أعوذ بالله! أنا ما أعملها. وغيرهم يقول: أنا والله لو يعطوني وزني ذهباً -من الكلام الفارغ- أنا وأنا وأنا ما أفعل، وإنما مجرد حب الاستطلاع، والعلم بالشيء خير من الجهل به، وإلى غير ذلك من الكلام الفارغ، وفي النهاية يأتي المسكين ليمتحن نفسه، العاقل لا يمتحن نفسه، إذا قال لك أحد: هذه مجلة خليعة، ليس هناك داع لأن تقول: أعوذ بالله ما هذه الصفحة، أعوذ بالله ما هذه الثانية، أعوذ بالله ما هذه الثالثة، بل صد عينك عنها ومزقها إذا قالوا لك: هذا شريط فيه معصية، فخذه وكسره تحت إطار سيارتك فوراً، ليس هناك داع أن تقول: هات نفحص عليه، لا حول ولا وقوة إلا بالله، قبحهم ال

стр. 1834

السفر إلى الخارج من أسباب الانحراف: السفر إلى الخارج: بعض الناس يتساهل إما بذاته أو لأبنائه بأن يسافروا للخارج، وبعضهم بدعوى السياحة، وبعضهم بدعوى تعلم اللغة الإنجليزية، ويرجع الكثير من هؤلاء إلى بلده وقد تشبع بألوان الفساد والمعاصي، فضلاً عن أنه أصبح يحتقر واقعه، بعض الناس من شدة سفره إلى الخارج لغير حاجة، أصبح لا يطيق السنة إلا وسافر مرتين أو ثلاث إلى بلد يرى فيها عراة وخموراً وأموراً منكرة، قد ألفت نفسه هذه المعاصي والعياذ بالله. أصبح يتضايق من هذا المجتمع الذي إن رأى فيه امرأة وجدها قد غطت نفسها ويديها بقفاز، ورجليها بشراب أسود وعباءة سوداء، يأنف من هذا المجتمع الذي يغلق دكاكينه للصلاة، والذي لا يرى فيه ما يشتهي، ولكنه حينما يهبط مطار تلك الدولة الغربية أو الدولة القريبة أو البعيدة، فيرى الخمور على يمينه والغاديات علي يساره، وهذا يحضن عشيقته، وهذا يقبل صديقته، وتلك دعاية للسينما، وتلك دعاية للمسرح، وتلك صورة لنجم من نجوم السينما، وتلك صورة لراقصة، وتلك حفلة يدعى الناس إليها، يرتاح والعياذ بالله، إن السفر إلى تلك البلاد شر كله، ولا يعذر أحد بالسفر إلى الخارج، إلا لحاجة أو ضرورة وفق الضوابط الشرعية، وليس هذا وقت تفصيلها.

стр. 1835

الفراغ كذلك من أهم أسباب الانحراف: الفراغ: بعض الناس مادام مشغولاً فلا خطر عليه، لكن إذا تفرغ اشتغل والعياذ بالله بألوان المعاصي، الفراغ داءٌ يقتل الفكر والعقل والطاقة الجسمية، الفراغ أمر خطير، النفس بطبيعتها لابد لها من حركة وعمل، فإذا كانت النفس فارغة تبلد الفكر، وأصبح العقل ثخيناً، وضعفت حركة النفس، واستولت الوساوس والأفكار الرديئة على القلب، وربما حدثت إرادات سيئة شريرة يقع بها شر كثير وانحراف خطير. انظروا ماذا يجنيه الفراغ على شبابنا الفارغين في مجتمعنا هذا، وحينما نتكلم عن قضية لابد أن نتكلم عن واقعنا، نحن الآن لا نتكلم عن المريخ، أو نتكلم عن الشيشان أو واق الواق، نتكلم من أجل علاج مجتمعنا، الذين يقولون: إن مجتمعنا ليس فيه منكرات ولا مصائب ولا أخطاء، هؤلاء ينافقون ويداهنون ويضللون الأمة، والذين يقولون: مجتمعنا ليس فيه خير ولا بركة ولا مصلحة هؤلاء جاحدون أيضاً، مجتمعنا فيه خير وفيه شر، وما أقيمت المحاضرات والدعوة والندوات وطباعة الأشرطة، وتوزيع الكتيبات والأمور الدعوية، إلا لتنمية الخير والقضاء والإبادة على الشر بإذن الله . الدكتور ناصر العمر حفظه الله ينقل في محاضرة من محاضراته: أن دراسة أجرتها جامعة أم القرى عن كيفية صرف الشباب أوقاتهم، خذوا هذه النسب العجيبة، الذين يصرفون أوقاتهم لمشاهدة برامج التلفاز (٥٧%)، الذين يصرفون أوقاتهم لكرة القدم (٥٢%) الذين يصرفون أوقاتهم لاستماع الإذاعة (٣٢%)، الذين يصرفون أوقاتهم يتمشون بالسيارات (٣٢%) الذين يصرفون وقتهم بلعب الورق (٢٤%)، الذين يصرفون أوقاتهم بعلب الشطرنج (١٤%)، الذين يصرفون أوقاتهم يجلسون في المقاهي (١١%) الذين يصرفون أوقاتهم في الموسيقى (١١%)، الذين يصرفون أوقاتهم في الرسم (١٠%). فبالله عليكم يا أيها الأحبة! ما الذي بقي للأعمال المثمرة الجادة التي تنفع الأمة وترد الأعداء؟ اجمع هذه النسب وانظر: ما هي البقية الباقية لشباب الأمة التي تفكر في طرد اليهود؟ ما هي البقية الباقية من الأمة التي تفكر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ما هي البقية الباقية من الأمة التي سعت لتكون قيادات حضارية لأمة تواجه غزواً مستمراً من جميع الجوانب والمجالات والاتجاهات؟ كم عدد الأطباء، المهندسين، الطيارين؟ يبقون قلة قليلة مع الدعاة والعلماء والقضاة والولاة والمسئولين، لكن أغلبية ساحقة من شباب الأمة هكذا تضيع أوقاتهم، فإن كنا نرى هذا ولا يهمنا فتلك مصيبة، وإن كنا لا نستطيع أن نفعل شيئاً في مقاومات هذا السوس الذي ينخر في جذور الأمة وشبابها فتلك مصيبة أعظم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. والعلاج أن نسعى جميعاً، أن نملأ الأوقات بما ينفعنا في قراءة، في تجارة، في دعوة، في أعمال، في كتابة، في بناء، في مهنة، في بناء، في صنعة، في حرفة، المهم لا يبقى شباب الأمة في فراغ. إن الأمة لا ينفعها كثير من الهوايات التي طلبت لها المجلات والمسلسلات، إنها لا تستفيد منها شيئاً أبداً، وأكبر دليل على ذلك: إذا أمة من الأمم حشدت دولة على حدودها دبابات وجنود للقتل والقتال، انظر من يبرز لهؤلاء الأعداء، يبرز لها الرجال الصادقون الأشاوس، الجنود الأبطال، الدعاة والعلماء والمفكرون، وأما البقية الباقية: فأنت امرؤ فينا خلقت لغيرنا حياتك لا نفع وموتك فاجع

стр. 1836

التربية كذلك من أسباب الانحراف: البيئة التي ينشأ فيها الشاب: بعض الشباب نشأ في بيئة لم ير شفة أبيه إلا والسيجارة عليها، ولم ير حال أبيه إلا وهو على أريكة متكئاً ينظر إلى صور وغاديات وراقصات ومغنيات ومطربات، ولم ينظر إلى أمه إلا غافلة لاهية، ولم ينظر إلى من حوله إلا في بعد عن طاعة الله ورسوله، فمن أين بالله ينشأ هذا؟ إذا كان رب البيت للدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص الولد ينشأ على ما عود عليه: وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه إننا نستطيع أن نربي أطفالنا وناشئتنا بأبسط الوسائل وأيسر الأساليب، وأسهل الطرق، تربية تحصنهم تحصيناً نافعاً ضد كثير من المعاصي والمنكرات، إذا أحسنا تربيتهم. أيها الأحبة! إننا ننازع التربية، اليوم أسألكم بالله: من منكم يربي ولده يومياً ساعتين، هل يوجد؟ أنا لا أقول في المائة واحد، بل أتحدى أن يخرج من الخمسة آلاف واحد يقول: أنا أجلس مع ولدي ساعتين يومياً، ولا أبالغ في هذا الكلام، إلا الذي يقول: والله أنا أجلس على مباراة الكرة أنا وإياهم ساعتين وثلاث، أو أجلس أنا وإياهم على فلم السهرة، أو أجلس أنا وإياهم على الـ ( mbc) أو على القناة الفلانية، أو على (أوربت) أو القنوات الفضائية، نعم بعض الناس -ما شاء الله- يظن أن هذا من التربية، لا، السؤال عن التربية الحقيقية، التربية على كلام الله ورسوله، التربية على التخويف من النار والترغيب في الجنة، التربية على التشويق إلى لقاء الرسول ﷺ ، والتعرف على الصحابة في الجنة، التربية على الطمع والأمنية أن تنظر العيون إلى وجه الله الكريم، من يقوم بهذه التربية؟ نحن ننازع التربية. المدرسة تربي وبارك الله في العلم والتعليم والمعلمين، نسأل الله أن يسددهم، ولكن من المصائب أيضاً أن بعض الأولاد ربما عاد من المدرسة بداء عضال، وتلك مصيبة، والسبب وجود عينات من الطلاب من أسر غير مهذبة وغير نظيفة، أخذت تعدي بقية الطلاب بعدوى جعلت الناس يبحثون عن مدارس معينة من أجل المحافظة على الولد، وإذا خرج الولد من المدرسة من الذي يشارك في التربية؟ إنهما الشارع والسوق، هذا الكلام لا نلوم فيه أحداً، نلوم فيه أنفسنا ومجتمعنا وما هو تحت أيدينا ونقدر على إصلاحه وتغييره بإذن الله . ثم إذا انتهى موضع الشارع، تستلمه الشاشة وتربيه لك ساعتين على أفلام كرتون، وساعة برامج وهلم جرا إلى أن ينام في طريقه، أنا أقترح وأجدها أيها الأحبة سهلة وميسورة: إن كنت قادراً على أن تجلس مع ولدك يومياً لا تفارقه من بعد العصر إلى وقت النوم، فهذه قمة التربية، أنا لا أقول لك: كن جاسوساً عليهم أربعاً وعشرين ساعة، تفرض عدم الثقة فيهم، لكن أقول: أن تكون لصيقاً صديقاًَ رفيقاً معهم في أغلب أحوالهم إن لم يكن فيها كلها، إذا استطعت نعم، لكن اليوم أغلب الناس مشغولين، الأب كان الله في عونه في العمل، ومتى يأتي، ثم في العصر لا بد أن يرتاح ويخلد إلى الراحة، وإلا يأتي واحد ويقول: أنت تعال نام جنبي هنا، وأنت جنبي هنا، وأنت تعال عند رجلي، الواحد يمسك أربعة خمسة بيديه ورجليه هذه ليست طريقة. لكن هنا مسألة سهلة، إذا كنت أباً مشغولاً فلن تعجز أن تبحث عن الأبرار، واحد من الأبرار الأخيار تقول: تعال يا أخي، أنا عندي هذا الطفل، عندي هذان الطفلان، عندي ثلاثة أطفال، أريدك يومياً تستلمهم بعد صلاة العصر في حلقة تحفيظ القرآن، تجلس معهم وتتأكد أنهم قرءوا قراءة مجودة مرتلة ممتازة على الشيخ في المسجد، فإذا سمعوا على الشيخ في المسجد أعد التسميع والمراجعة منهم إليك، ثم خذهم إلى البيت وراجع دروسهم، فإذا انتهت مراجعة الدروس اشرب أنت وهم، وأعطهم من هذه القصص، بعد المغرب هات من السيرة النبوية، ومن قصص الصحابة والتابعين إلى العشاء، حتى رأسه يدور مستعد للنوم يستلم الفراش، وما تجد أحداً ينازعك التربية أبداً بهذه الطريقة. الآن بعض البيوت فيها سواق أو أكثر، وفيها عدد من الخادمات، وفيها وفيها، ولو تقول لبعض الآباء: احضر واحداً من خريجي الجامعات الإسلامية من البلدان الإسلامية المجاورة، من زملائك الذين تثق فيهم هنا، قال: أنا مجنون ادفع ألف ومائتين أو ألف وخمسمائة ريال على قضية تربية؟! إذا لم يكن هذا الولد صالحاً فسيكون فتنة وبلاءً ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٢٨] ويكون الولد عدواً: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ﴾ [التغابن:١٤] فإذا شئت أن يكون الولد صديقاً لا عدواً، وحسنة لا فتنة فعليك بتربيته، فإن ذلك يجعلك تأمن من انحرافه بإذن الله . قد يقول قائل: يا أخي أنا على الله أسدد فاتورة الكهرباء، وأنت تريدني أن أحضر شخصاً بألف وخمسمائة ريال شهرياً، هذا كلام معقول، أنا وأنت والثاني والثالث نحن أربعة نحضر واحداً ونتقاسم راتبه، ونقول له: يا أخي! مسئوليتك بعد العصر أن تستلم هؤلاء الأولاد من هذا الوقت إلى هذا الوقت تدرسهم دروسهم، تراجع لهم حفظ قرآن، مراجعة من السيرة، من الأدب، اجعلهم فصحاء، علمهم آداب الدخول والخروج من الخلاء، والصباح والمساء، ومخاطبة الناس، والرد على الجاهلين، علمهم هذا الأدب، والله ليس بكثير لو أنفقت كل مالك على تربية أولادك. يا إخوان نصيحة لوجه الله، لا تستكثر على أولادك مالاً تنفقه في التربية، فإنك سوف تعوض هذا المال حسنات تنفعك وأنت في قبرك: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، وذكر منها ولد صالح يدعو له) تريد أن تكون حياً وأنت في المقبرة، تريد أن تصلي وتسجد وتصوم وتعتكف وتتصدق وتجاهد وأنت في المقبرة، انتبه لولدك وابنتك وربه تربية طيبة، فإن ذلك بإذن الله يحقق خيراً عظيماً. من أسباب الانحراف: الفجوة بين الصغار والكبار: بعض الصغار يتوقع أنه من الصعوبة أن يكلم رجلاً كبيراً، وبعض الكبار يأنف أن يكلم هؤلاء الصغار، قال أنس: كان ﷺ يسلم على الصبيان، وكان ابن عباس وهو شاب صغير، يجلس مجلس الرسول ﷺ ، ويقولون: بما نلت العلم؟ ويقول: بلسان سئول وبقلب عقول. نعم أيها الأحبة! إن كسر الحواجز الموجودة بين الصغار والكبار تجعل الصغار يتشجعون على أن ينالوا درجات الرجولة التي يتمتع بها الكبار، وينبغي للكبار أن يزيلوا هذه الجفوة وشيئاً من الكبر الذي يقعون فيه، ليس عيباً أن تسلم على ولد جارك الصغير وتطأطئ رأسك له، وتسأله كم حفظت من القرآن، في أي سنة أنت؟ ما شاء الله عليك، أجبني كم عدد أركان الإسلام؟ هل تعرف هذا السؤال؟ تفضل هذه جائزة، ينبغي أن ينظر بعضنا إلى أبناء بعض من أبناء جيراننا وأبناء حينا نظرة أبوية، وعطفاً حانياً عليهم. إذا كسرت الحواجز بين الكبار والصغار، أصبح الصغير ينظر إلى شيم وأنفة وآداب الكبير فلا يتردد أن يسير مثله. فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح لكن للكبار شلة معينة، والصغار شلة معينة، داءٌ يسري في كل حلقة وكل دائرة على حدة، ثم لا يستفيد أحد من أحد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 1837

معوقات الزواج من أسباب الانحراف: معوقات الزواج: وهي واضحة جلية، إن كثيراً من الشباب وقعوا في اللواط والزنا والفساد، بسبب معوقات الزواج التي أولها المغالاة في المهور، بعض الشباب يقول: كيف أستطيع أن أجمع مائة ألف أو مائتين ألف من أجل أن أتزوج؟! صار يجمع رواتب إجازة ويسافر بها إلى الخارج ويفعل ما يفعل ثم يعود من جديد ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبعضهم ربما وقع في الشذوذ والانحرافات التي يستحي الإنسان من الكلام في التفصيل فيها، بعضهم أيضاً يعرض عن الزواج لأجل هذه الولائم وهذا الإسراف التي جرت به العادات والتقاليد. أذكر مرة في قرية من القرى أننا ذهبنا مع بعض المشايخ، ولما حضرنا وليمة بعد المحاضرة ظنناها زواجاً، فإذا هي عزيمة عشاء قبل العرس، وبعد هذا العشاء غداء، وبعد هذا الغداء عشاء، وبعد ذلك يدخل العريس وتمد ثلاث موائد الأولى والثانية والثالثة من هذا الجدار إلى جدار النساء تقريباً، ولا أبالغ إن قلت أطول من ذلك، ومن أين الدراهم؟ الجمس بمائة وعشرين يتدينه بمائتين ألف، صالون دتسون غمارتين بأربعين ألفاً يتدينه بستين ألفاً، وكأنما ينحتون من الجبال، هذه المعوقات أدت إلى الانحراف. فواجبنا أيها الأحبة! أن نيسر الزواج على الشباب، وأنصح الشباب الذين يريدون الإعفاف والإحصان: لا تتشرط في الزواج، تزوج مطلقة يجعل الله فيها خيراً، تزوج أرملة يجعل الله فيها خيراً، تزوج امرأة أكبر منك يجعل الله فيها خيراً، فإنك بهذا تحصن نفسك، لكن شاب يريد أن يتزوج، الشهوة تؤذيه في ليله ونهاره، يا أخي ليس ضرورياً أن تتزوج بكراً مهرها أربعين أو خمسين ألفاً تعجز عنه، لكن هذه امرأة مطلقة عندها طفلان مثلاً، ممكن أن تتزوجها بعشرة آلاف ريال، هذه امرأة أرملة، هذه امرأة أكبر منك في السن، وربما تنفق عليك، والرسول ﷺ تزوج خديجة بنت خويلد وبينهما من الفارق خمسة عشر عاماً، هذا ليس عيباً، ونقولها بكل صراحة. لكن الأفلام والمسلسلات والروايات والقصص غرست أنه لا بد في الزواج من الحب، والحب لابد فيه من تكافؤ، وأن حبيبتك تحب نفس اللون الذي تحب، وتكره اللون الذي تكره، وتحب الساعة التي أنت تحبها، والنادي الذي تشجعه، والفريق والمطرب والفنان والمجلة والرسم واللون والقصة، وعدد ما شئت من هذه الهوايات السخيفة، حتى يتوافق زوجان في كل شيء، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولن يتفقا بأي حال من الأحوال.

стр. 1838

شرور وسائل الإعلام وحب المال أيها الأحبة! إن كثرة الشبهات والشهوات التي طرحت في كثير من المجلات، وصدرت عبر كثير من وسائل الإعلام، وبليت بها الأمة، وانتشر فيها شر وبلاء عظيم، كانت سبباً من أسباب الانحراف، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج قالوا: يا رسول الله! وما هو الهرج؟ قال: القتل القتل) رواه البخاري. ومن ذلك هذه المخططات التي لا يزال أعداء الإسلام يصدرونها إلينا صباحاً ومساءً، ولا يكلون ولا يملون، والأمة عما يدار ويخطط ويحاك لها غافلة، إلا من رحم الله، وقليل ما هم. من أسباب الانحراف: الافتتان بالمال: قال ﷺ : (إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال) رواه الترمذي. نعم أيها الأحبة! إن من الناس من يشغله المال إشغالاً إلى درجة تجعله يكذب ويعق، ويقطع، ويسرق ويهدم، ويسب ويشتم، ويفعل كل شيء، من أجل أن يكسب زيادة خمسمائة ريال أو أربعمائة ريال، أو حفنة من حطام المال الحقير التافه. والمال مفسد لدين المرء كما في الحديث الذي يقول فيه النبي ﷺ ويرويه الترمذي: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) أي: أن حرص المرء على المال، هذا الحرص والشح والهلع والجزع في مسألة المال يفسد دين المرء، ويكون سبباً من أسباب الانحراف.

стр. 1839

الخلوة بالأجنبيات كذلك من أسباب الانحراف التي ابتليت بها بعض المجتمعات وبعض البيوت: الخلوة بالأجنبيات أياً كانت من المربيات: أو الخلوة بالأجنبية من الرجل أو المرأة سائقاً أو خادماً، أو خادمة أو مربية، أو ممرضة أو نحو ذلك، وبالجملة تساهل الناس بالخلوة، والنبي ﷺ حذر من هذا فقال: (إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) رواه البخاري. قال النووي: المراد في الحديث بالحمو: أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه، وقول النبي ﷺ : (الحمو الموت) له معاني عدة، فيحتمل أن يكون المعنى أن الخلوة بالحمو تؤدي إلى هلاك الدين إن وقعت المعصية، والمعنى الآخر أو تؤدي إلى الموت إن وقعت الفاحشة أوجبت حد الرجم، أو المقصود احذروا الخلوة بالأجنبية كما تحذرون الموت. هذا الكلام لا يفقهه العلمانيون الذين يقولون: إن نصف المجتمع معطل، والمجتمع الذي لا تعمل فيه المرأة في كل مجال وفي كل سبيل وبكل طريقة من غير قيود ولا ضوابط مع الرجال، هذه المعاني لا يفقهها العلمانيون، العلمانيون الذين يرون الدين في المحاريب والمنابر فقط لا غير، ويستنكفون أن يكون الدين في كل مجالات الحياة، لا يفقهون كلام النبي ﷺ ، ولا يدركون معنى قوله ﷺ : (إياكم والدخول على المحارم) ولا يفقهون قوله ﷺ : (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) رواه الترمذي. إن الخلوة بين الرجل والمرأة تفعل فعلاً شنيعاً، وإن من واجبنا ألا نشيع الفاحشة في المؤمنين، ولا نذكر كل فاحشة تقع، لكن لو أننا في مواقع نطلع فيها على ما يطلع عليه رجال الحسبة والهيئة، ورجال الأمن من المصائب الذي يشيب منها الولدان، لرأينا شيئاً تشيب منه الرءوس واللحى من خطورة وحوادث وأعداد مصائب خلوة الرجال بالنساء، من رجل بخادمة، وسائق بامرأة، ورجل بممرضة وغير ذلك. هذه قصة من السنة تتعلق بمسألة موضوع الخادمة، عن أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ قالا: كنا عند النبي ﷺ ، فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله! أنشدك الله إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه، وكان أفقه منه فقال: اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، قال: قل، قال: إن ابني هذا كان عسيفاً -أي: أجيراً والخادم يسمى عسيفاً- فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثم سألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأته الرجم. فقال ﷺ : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: المائة شاة والخادم رد عليك، أي: مردودة عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، فغدا ﵁ على المرأة، فاعترفت -يعني سألها عن مسألة الزنا لأنها محصنة فاعترفت- فرجمها. رواه البخاري. إذاً: خطورة الخدم من القديم موجودة، وحينما يسوغ لبعض البيوت استخدام بعض الخدم بضوابط شرعية لا يعني ذلك فتح الباب، بعض البيوت عندهم من الخدم شيء غريب جداً، لا من عدد، أو من الجمال، أو من السن، أو من الخلوة، أو من التساهل، بعضهم لا يتردد أن الخادمة هي التي تقرب الغداء والعشاء أمام الرجال، وبعضهم يفتخر أن عنده خادمة فليبينية أو من جنسية معينة، ببنطلون وقميص وبلوزة وشعر مسرح، ويجملها ثم يأمرها تدخل بالشاي وغير ذلك على الناس، هذا عرض دعارة والعياذ بالله، ما هذا الكلام؟ إذا ابتليت بالحاجة إلى هذه الخادمة فاتق الله، واعلم أنك مسئول عن سترها وعن تحجيبها. من أسباب الانحراف: وسائل الإعلام التي انفتحت على الناس بشر عظيم، نسأل الله أن يكفينا شرها وما وراء ذلك. الحديث يطول ولعلي أن اختصر، لقد تكلمنا عن الاختلاط والخلوة بالأجنبيات.

стр. 1840

التهاون بإقامة الصلاة أقول: إن من مظاهر الانحراف الخطيرة في مجتمعنا اليوم التهاون بالصلوات، والله يقول: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩]. إن من مظاهر الانحراف: أن من المسلمين من لا يقومون إلى الصلاة إلا كما يقوم إليها المنافقون: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢] وبالمناسبة فإن الله ، لم يقل: وصلوا، ولم يقل: الذين يصلون، وإنما قال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال:٣] وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فنحن نرى كثيراً من المصلين، ولكن ما أقل الذين يقيمون الصلاة من هؤلاء، نسأل الله أن نكون وإياكم ممن يقيمون الصلاة. اعذروني عن طرح بقية هذا الموضوع فيما يتعلق بوسائل العلاج، وفيما يتعلق بمجال الانحراف الفكري والعقدي، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وما سمعتم من صواب فمن الله وحده لا شريك له، وما كان فيه من زلل فمن نفسي وأستغفر الله، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 1841

المسارعة في الخيرات جعل الله الحياة ميدان سباق؛ فمن حاز قصب السبق حاز رضوان الله، ومن حاز رضوان الله فقد فاز بجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. وقد تحدث الشيخ حفظه الله عن نوع من الناس يسابق ولكن إلى الشر، ونوع آخر يسابق إلى الخير، ولكل من الخير والشر أهل؛ لذا وجب أن نكون من أهل الخير لنحوز رضا الله فنفوز بجنته، ولن يعدم العباد خيراً من رب يدعوهم إلى الخير ويبشر بالجنة.

стр. 1842

الدنيا طريق إلى الجنة أو النار إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أسأل الله جل وعلا أن يُحرم أقداماً مشيتم بها إلى هذا المقام علىالنار، وأسأل الله أن يُحرم وجوهاً نظرتم ونظرنا إليكم فيها عن النار، وأسأل الله أن يُحرم والدينا ووالد والدينا وإياكم عن النار. اللهم اجعل اجتماعنا هذا مرحوماً، وتفرقنا من بعده معصوماً، اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، نسألك اللهم بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلا، واسمك الأعظم الذي إذا سُئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، ألا تدع في هذا المجتمع وهذا المقام ضالاً إلا هديته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا أسير ذنوبه إلا فككته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا متزوجاً إلا ذريةً صالحة وهبته بمنك وكرمك يا رب العالمين. أيها الأحبة! اختار أحبابنا بالشئون الدينية أن يكون عنوان المحاضرة: "المسارعة إلى الخيرات".

стр. 1843

دعوة إلى المسارعة في الخيرات دعوة إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فهل من ملبٍ؟ يقول الله جل وعلا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] ويقول جل وعلا: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]. أيها الأحبة! هذه الآيات البينات الجليات الواضحات من خِطاب رب الأرضين والسماوات، يدعونا فيها ربنا الغني عنا، ربنا القوي يدعو عباده الضعفاء، العزيز يدعو عباده الأذلاء، الجبار يدعو عباده المساكين أن يسارعوا، وأن يسابقوا، وأن يبادروا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، والمسارعة والمسابقة تعنيان: المبادرة إلى تحصيل شيء ربما فات بالتأخر عنه، وربما ندم من تكاسل في طلبه، سيما إذا كان الأمر الذي يفوت شيئاً عظيماً تتعلق به النفوس، فكيف إذا كانت الدعوة إلى المسارعة إلى دارٍ خلودها أبدي، ونعيمها سرمدي، وأحبابها لا يتفرقون، وصحتها لا سقم فيها، وسعادتها لا يُكدرها شقاء، فمن فاتته الجنة، فأسألكم بالله في أي مقام وأي فريق يكون؟ فما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار: فحيَّ على جنات عدنٍ فإنها منازلك الأولى وفيها المخيمُ ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلمُ لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بخيرٍ طاب مسكنه وإن بناها بشرٍ خاب بانيها فاعمل لدار غداً رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها هذه الدار يدعونا ربنا جل وعلا أن نُسارع إليها، والطريق إليها سهلٌ، والسبيل إليها ميسرةٌ، والأسباب إليها ميسرةٌ بمنٍّ من الله جل وعلا، فلا تظنوا أن هذه الجنة بعيدة المنال، وأن طلبها ضربٌ من المحال، بل كما ﷺ : (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله) فاللهم إنا نسألك الجنة، اللهم إنا نسألك الجنة، اللهم إنا نسألك الجنة. يقول نبينا ﷺ في الحديث الصحيح الذي يرويه الإمام البخاري: (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك) أي: ربما وقع العبد في عداد أهل النار، وكان منهم بعملٍ يسير حقير يظن أن مثل هذا العمل لا يُورد إلى المهالك، وإلى دركات النار والشقاء والجحيم، وربما يستقل العبد عملاً من الأعمال، وهذا العمل هو بإذن الله من موجبات الجنة. إنما الدنيا إلى الجنة والنار طريقُ والليالي متجر الإنسان والأيام سوقُ استبقوا إليها، سارعوا، بادروا، اطلبوا وهلموا، قال ربنا: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] أي: سارعوا إليها، وقال ﷺ : (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا) رواه الإمام مسلم. أيها الأحبة! إننا في زمن الفتن، وإننا في زمن الأهواء، وفي زمن الضلالات، وفي زمن الأفكار الهدامة، والمذاهب الضالة، والغوايات المبهرجة، والدعايات المضللة التي وقع بسببها كثيرٌ من الناس، ربما أمسى مهتدياً فأصبح ضالاً، وربما أصبح مهتدياً فأمسى ضالاً، وأقوامٌ أصبحوا مؤمنين فأمسوا كافرين، وآخرون أمسوا مؤمنين فأصبحوا كافرين. فالنبي يدعونا أن نبادر أوقاتنا وأنفاسنا وأعمالنا وحياتنا قبل أن نقع في هذه الفتن، أو تقع بنا، قبل أن نرد عليها، أو ترد علينا، والعاقل من اجتهد، والكيس من دان نفسه.

стр. 1844

خيرة خلق الله يرجون جنته وصف الله جل وعلا خيرة خلقه وهم أنبياؤه ورسله عليهم صلوات الله وسلامه، أولئك الثلة الأطهار الأخيار الذين حفظهم الله وتكفل لهم برحمته، وضمن لهم الجنة، وصف ربنا جل وعلا حال أنبيائه ورسله فقال عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] ما قالوا: نحن من أهل الجنة، وما قالوا: قد ضمنت لنا الجنة، وما قالوا: لن نكون من أهل النار، وما قالوا: قد ضمنا الأمان من زلل على الصراط، وقد ضمنا السلامة من كلاليب جهنم، وما قالوا: ضمنا فتن القبر، أو فتن الموت، أو مضلات الدنيا، بل سارعوا وبادروا وخافوا وخشوا، النبي إمامهم، ومحمد ﷺ سيدهم، يقوم الليل حتى تتفطر قدماه مسابقةً إلى الخيرات وطلباً في الجنات، رغبةً إلى رب الأرضين والسماوات، فقام طويلاً، وتقول عائشة: [يا رسول الله أربع على نفسك] كأنها ترى أنه قد أضناه طول القيام، فيقول: (يا عائشة! أفلا أكون عبداً شكوراً). نعم هؤلاء أنبياء الله ورسله مع أنهم في أعلى درجات الجنة، قد أكرمهم الله بجلاله، وأدناهم ، ومع ذلك ما اتكلوا على هذا، نعم، تعلقوا ورجوا، وأناخوا رواحلهم بباب رحمة ربهم جل وعلا، ولكنهم مع هذا سارعوا إلى الخيرات، واجتهدوا ورغبوا في الجنة، وخافوا من النار، وهذا الدليل، وهذه الآية أعظم ضربة قاضية، وضربة مسددة قاصمة للمخرفين الصوفية الضالين الذين يقولون: إن العبادة ليست خوفاً من النار، ولا حباً في الجنة، وإنما هي حبٌ في الله جل وعلا. بل طوائف كثيرة من الصوفية يقول قائلهم: ربنا ما عبدناك طمعاً في جنتك، وما عبدناك خوفاً من نارك، وإنما عبدناك حباً في ذاتك، وهؤلاء خابوا وخسروا وخسئوا، فلن يكونوا أكمل إيماناً، وأفضل تعبداً، وأمثل طريقةً واستقامةً من أنبياء الله ورسله الذين وصفهم الله ورضي فعلهم فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠] يبادرون إليها، يتسابقون إليها، يطلبونها، وما كانوا يقعدون عن همم الأمور ومعالي الأفعال، لما قام القوم يحفرون الخندق ما قعد ﷺ ، وما جلس متكئاً واضعاً رجلاً على رجل وهو نبيهم وإمامهم وسيدهم وكبيرهم وأميرهم، بل سارع معهم حتى بلغ بهم الجوع مبلغاً، ربطوا على بطونهم حجراً، وهو ﷺ قد بلغ به من الجوع أعظم مما بهم، فربط ﷺ على بطنه حجرين اثنين، ربما فر القوم حال شدة قتال إذا حمي الوطيس، وكشفت المعركة عن ساق، وأشجع القوم، وأكرم القوم، وسيد القوم ﷺ يكر ويفر ويُقبل ويُقاتل أعداء الله ويصيح وسط المعمعة: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) يسارع إلى الخيرات في الجهاد، وما قعد متخلفاً عن عباد الله المجاهدين في سبيله. يسابق في الصلاة حتى تتفطر قدماه، يسابق في الصيام حتى تقول عائشة: [ما شئنا نراه صائماً إلا رأيناه صائماً] يسابق في التواضع حتى إنه ليدني نفسه، وينزل بطول قامته ليحمل طفلاً صغيراً يتعثر على الأرض. وربما قادته عجوزٌ إلى ناحية الطريق، فوقفت به الساعة والساعات يسمع منها تواضعاً ليقضي حاجتها. سابق ﷺ في كل خير، هكذا كما وصفه ربه جل وعلا بوصفه واحداً من أنبياء الله ورسله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ [الأنبياء:٩٠] يرغبون في الجنة، يطلبون الجنة، يتعلقون بالجنة، يريدون رضا الله، وما قالوا: ربنا هو الذي اختارنا واصطفانا، وانتقانا من بين الخلق لنكون أنبياء ورسلاً، فقد ضمن لنا الجنة، بل سارعوا إليها وطلبوها. جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فيسأله المصطفى -بأبي هو وأمي ﷺ فيقول له: (يا أعرابي! كيف تدعو؟ فيقول الأعرابي: والله يا رسول الله! إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، ولكني أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، فقال ﷺ : أنا ومعاذ حولها ندندن). المسابقة إلى المغفرة، المسابقة إلى الجنة، المسابقة إلى الفضل العظيم، ذلك هو الوعد الذي يعد به النبي ﷺ ، لما جاء المهاجرون وآمنوا به وعزروه ونصروه، وبذلوا المُهج والأرواح بين يديه ما أعطاهم وعداً بإمارة، ولا بوزارة، ولا بمنصب، ولا بملك، ولا بولاية عهد، ولا بترشيح، أو امتياز، أو وكالة معتمدة، وإنما قال: لكم الجنة، إنما قال: إن وفيتم وأديتم وأعطيتم وقمتم بهذا رضاً لله، وابتغاء ما عند الله، واستجابة لأمر الله ورسوله، فلكم الجنة. ما كان يعد إلا بما أمر الله أن يسابق إليه وهو الجنة، وكذا لما قَدم الأنصار، ما قال: لكم من الأمر كذا وكذا، وإنما وعدهم بالجنة تلك الدار التي أمر الله أن يسابق إليها: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨].

стр. 1845

مسارعة الصحابة إلى الخيرات هكذا كان شأن أفضل خلق الله الأنبياء والرسل، وعلى هذا المنهج وعلى تلك الطريقة والسنة المستقيمة درج الصحابة رضوان الله عليهم، وسابقوا في الخير، فلما دعا النبي ﷺ إلى البذل في سبيل الله، سابق أبو بكر فجاء بالمال كله. قال رسول الله ﷺ -وأحرِ بـ أبي بكر أن يفعلها- (قال: يا أبا بكر ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله). أبو بكر جاء بالمال كله وهو يعلم أنه لن ينزل في آخر الشهر مُسير الرواتب ليوقع عليه، ثم يقبض راتبه، شتان بين حسناتنا وملايينا ومليارتنا وجبال أعمالنا مجتمعين على وجه الكرة الأرضية، وعمل مدٍ أو نصف مُدَّ من واحد من الصحابة. ولذلك قال ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فإنه لو أنفق أحدكم مثل: جبل أحد ذهباً، ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه) لو أن واحداً من الأغنياء أنفق زنة جبل أحد ذهباً ولآلئ ودرراً وزبرجداً ويواقيت، لو أنفقها في سبيل الله وقدم صحابي بنصف مُدَّ -سدس كيلو تقريباً- فإن ذلك المد ليرجح بذلك الجبل. نعم. كانوا ينفقون، وينفقون قبل المحسوس معاني عظيمة يريدون بها وجه الله، جاءوا بالمال، ولا يعلمون أن أموالاً ستأتي، وإنما خلفهم الله، وعوضهم الله، ورجاؤهم في الله، امتلأت قلوبهم بالله ورسوله فاغتنت، وتعلقت قلوبنا بآخر الشهر، فمحقت بركة كثير من أموالنا، وربما لم نُسدد إلى حسن صرف أو تدبير في ذلك، شتان بيننا وبينهم حتى وإن أعطينا وأنفقنا، لو فرغنا جيوبنا اليوم وأمضيناها في سبيل الله، فنحن نعلم أننا في آخر الشهر سنقبض مالاً. أما أولئك فالواحد منهم ينفض جيبه وينظف بيته ويخرج كل ما عنده، لا يبقى في البيت إلا حلسٌ بالٍ، أو شيء لا ينفع للجهاد والبذل، فيقول الرسول: (ماذا أبقيت؟) فيقول: أبقيت الله ورسوله. يسارع عمر ﵁ وأرضاه إلى هذا، فيأتي بنصف ماله، يسارع عثمان الذي يعلم أن الله يُضاعف لمن يشاء والله واسع عليم، فيجهز ويعطي وينفق ويبذل ويمد ويزيد حتى تهلل وجه النبي ﷺ كأنه قطعة ذهبٍ تتلألأ، والرسول ﷺ يقول: (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم). هكذا كان شأنهم، وهكذا كان طريقهم مسارعةٌ في الخيرات مع أن أبا بكر ذكره الله في القرآن وأثنى عليه، وشهد له النبي بالجنة، وعمر شُهد له بالجنة، وعثمان شُهد له بالجنة، وعلي شهد له بالجنة، وما قالوا: الآن بلغنا البشارة، وحققنا الأمارة، وأدركنا الغاية، قد ضُمنت الجنة فلتقعد بنا المراحل في قوارع الطرق، بل بذلوا وأعطوا في سبيل الله، وما زالوا يُعطون ويبذلون النفس والنفيس والغالي والرخيص في سبيل الله، يسابقون ويبادرون إلى الخيرات.

стр. 1846

المبادرة بالأعمال قبل الفتن في الصحيح عند الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال ﷺ : (بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة). بادروا، أي: أسرعوا، اعملوا، اجتهدوا قبل أن يُغلق باب التوبة، فتطلع الشمس من مغربها، أو أن تأتي آية وعلامة من علامات القيامة: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان:١٠ - ١١] أو الدجال فتنةٌ قد ضل كثيرٌ من الخلق في فتن دونها، فما بالك لو خرج الدجال في زمن تعلقت عقول البشر وأفئدة بعضهم بالخرافات والخزعبلات والسحرة والكهنة والشياطين. ألم يُصدق كثيرٌ من الناس أن تيساً من البهائم يشفي، أو ينفع، أو يضر، وأن ضريحاً لأحد المخرفين يجلب نفعاً، أو يدفع ضراً؟ ألم يصدق بعض المساكين أن بعض الأولياء يدبر أو يتصرف؟ ألم يصدق بعض الذين وقعوا من حيث يعلمون، أو لا يعملون في الشرك أن الذبح عند ضريح أو دعاء ميت، أو الاستغاثة بولي ربما دفعت عنهم كربة، وكشفت سقماً، وأحضرت خيراً ونفعاًُ، فما بالك لو خرج الدجال بين أعينهم، فقسم ونشر رجلاً من الناس قسمين، ثم رده كما كان، أتظنون أن الذين ضعفوا وانهاروا وخاروا وصدقوا فتناً صغيرةً يسيرةً، مع ما فيها من الكذب والسحر والشعوذة والخزعبلات، أتظن أولئك الذين انطلت عليهم الصغائر يثبت إيمانهم عند تلك الكبائر؟ يأتي الدجال إلى المكان الخرب من الأرض، فيقول: أخرجي كنوزك، فتتبعه كيعاسيب النحل، ويشق الرجل شقين، ويمر بينهما، ثم يأمر كل قسم أن يعود فيعود، ويعود الرجل ماشياً كما كان. الدجال فتنة، وما من نبي إلا حذر أمته من الدجال، وقد قال ﷺ : (إنه ما من نبي إلا حذر أمته الدجال، فإن يخرج- يعني: الدجال- وأنا فيكم فأنا حجيجه، وإن يخرج وقد هلكت، فامرؤ حجيج نفسه، ألا هل بلغت اللهم فاشهد).

стр. 1847

حاجة العبد إلى الصالحات قبل الممات يا عباد الله! إننا بأمس الحاجة إلى أن نبادر أنفسنا بالعمل قبل الفتن، أو قبل مجيء آية من آيات الله العظيمة كالدابة، أو خاصة أحدنا، كأن يعرض لأحدنا مرض، أو فقر، أو بلاء، أو فتنة، أو أمر من أمور العامة، ربما ظهرت فتنة، فشتت المجتمعين، وفرقت المحبين، وغيرت الموازين، وأصبح الناس في حيص بيص لا يعرفون من أمورهم شيئاً. المسابقة إلى الخيرات مطلوبة، المسابقة مهمة جداً، وكما مر معنا في الحديث الآنف الذكر: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا) وهذا حديث صحيح أخرجه الإمام مسلم. إن الفرص ممكنة، وإن المجالات متاحة، وإنا على مقدرة. أحسن إذا كان إمكانٌ ومقدرةٌ فلا يدوم على الإمكان إحسانُ

стр. 1848

المغبون في صحته وفراغه كم غبنا في ساعات نحن نتقلب في بحبوبة الأمن، ورفاهية العيش، وطمأنينة الصحة، ولذيذ العافية، ورقيق الفراش، وتدفق النعم، أولم يقل ﷺ : (نعمتان مغبونٌ فيما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ) فكم من عبد من عباد الله غُبن ليالي طويلة، ضيعها وهو يبصر إلى الأفلام والمسلسلات التي لا تنفعه في قليل ولا كثير، ولا قبيل ولا دبير، بل ربما كانت في موازين سيئاته. وكم من عبد كان قوياً جلداً صحيحاً قادراً على الحج والعمرة، والقيام والصيام، والجهاد والبذل والشفاعة، وقضاء حاجات الناس، فقعد عنها واشتغل بغيرها، وقام ساعياً حثيثاً إلى أمر قد فُرغ منه، وإلى كتاب قد طُويت صحائفه، وإلى أقلام جف مدادها، قام يريد مزيداً من المال والمال قد قسم وفرغ منه يوم أن كان جنيناً في بطن أمه كما في الحديث الصحيح: (ثم يُؤمر الملك بكتب أربع كلمات: برزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد) فالواحد يسعى في الرزق، والرزق أمرٌ مفروغٌ منه، إنما عليك أن تسعى ببذل السبب بمقدار ما أمرت به ليكون سبباً؛ محتسباً في ذلك استجابة أمر الله بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:١٥] ولم يُطلب أن نكذب لأجل الرزق، أو نَعُقَ لأجل الرزق، أو نقطع الرحم لأجل الرزق، أو نختلس، أو نغش، أو ننافق، أو نداهن لأجل الرزق، لأن الرزق قد فُرغ منه، فيا لله كم من عبدٍ غُبن في هذا الزمان ساعات، بل أيام، بل أشهر، بل سنوات مضت عليه وكان بوسعه أن يُودعها أعمالاً صالحة، فأودعها غفلات وخطيئات وسيئات ومنكرات، وكم من عبد كان قوياً جلداً، فلما ضعفت قواه وخارت وعجز عن فعل الصالحات، قال: يا ليتني فعلت كذا يوم كنت قوياً. ومن غرس البذور وما سقاها تأوه نادماً يوم الحصادِ اغتنموا الفرصة، فإن كثيراً من الناس مغبونون في الصحة، مغبونون في الفراغ، يصرفون العافية في غير ما هي له، يصرف كثير من الناس عافيةً أودعها الله في بدنه في غير ما خُلق لأجله، ومن أعمل شيئاً في غير ما صنع له وفي غير ما خلق له، ربما حصل له خبلٌ أو خلل في عقله ومنهجه. قال الإمام ابن الجوزي: قد يكون الإنسان صحيحاً ولا يكون متفرغاً لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنياً، ولا يكون صحيحاً، فإذا اجتمعا عليه، وغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل الصحة والفراغ في طاعة الله، فهو المغبوط، ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون، لأن الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم، انتهى كلام ابن الجوزي ﵀. اغتنموا الفرصة، فالوقت هو رأس المال، الوقت هو البضاعة بعينها، صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من قال: سبحان الله وبحمده، غُرست له نخلة في الجنة) حديث حسن أخرجه الترمذي، قال ابن الجوزي في هذا: فكم يُضيع الآدمي من ساعات يفوته فيها الثواب الجزيل، وهذه الأيام مثل المزرعة، فهل يجوز للعاقل أن يتوقف عن البذر أو يتوانى.

стр. 1849

العمل قبل الندم فالأيام مراحل أيها الأحبة! إن الفرصة ممكنة والأمور متاحة، قل: سبحان الله، قل: الحمد لله، قل: لا إله إلا الله، كتبت وسجلت، قل: الله أكبر، كتبت لك صرر من الكنوز بمجرد أن تنطق بتواطؤ قلب ولسان وتدبر عقل، فما قلت من كلمة إلا وقد أودعت في رصيدك، كأنما تقف في خزينة من خزائنك، فتقول: سبحان الله وترمي بمجموعة من الحسنات، الحمد الله، وترمي بعمل من الصالحات تجمعها في هذه الخزائن، كل دقيقة هي فرصة استثمارية عظيمة لتسبيح وتهليل وتكبير، فكم من عبد ضيع أياماً وضيع أعواماً، فلا حول ولا قوة إلا بالله. نهارك يا مغرورُ سهوٌ وغفلةٌ وليلك نومٌ والردى لك لازمُ وسعيك فيما سوف تكره رغبةً كذلك في الدنيا تعيش البهائم فيا عبد الله: تزود للذي لا بد منه فإن الموت ميقات العبادِ وتب مهما جنيت تب إلى الله مهما فعلت، عد إلى الله مهما ارتكبت، راجع نفسك مهما أخطأت. وتب مهما جنيت وأنت حيٌ وكن متنبهاً قبل الرقادِ ستندم إن رحلت بغير سعيٍ وتشقى إذ يناديك المنادي أترضى أن تكون رفيق قومٍ لهم زادٌ وأنت بغير زادِ قال عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه: [ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه؛ نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي]. وقال عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه: [إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما]. وقال الحسن البصري: [أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد حرصاً منكم على دراهمكم ودنانيركم]. ويقول الجاحظ الأديب وهو من المعتزلة في أبيات ينشدها: أترجو أن تكون وأنت شيخٌ كما قد كنت أيام الشبابِ لقد كذبتك نفسك ليس ثوبٌ دريسٌ كالجديد من الثيابِ نعم إن التسويف علتنا، إن التأجيل مصيبتنا، الواحد منا في شبابه يقول: إذا خط الشيب في عارضي فسأتوب، إذا اشتعل الرأس شيباً إذا جمعت كذا وما يدريك أنك تبلغ هذه الآجال حتى تتوب، وقد يخطفك الموت قبلها. يا غافلاً عن العمل وغره طول الأمل الموت يأتي بغتةً والقبر صندوق العمل يقول الحسن البصري: [يا بن آدم! إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومٌ ذهب بعضك] وقال أيضاً: [يا بن آدم! إنما أنت بين مطيتين يوضعانك، يوضعك النهار إلى الليل، والليل إلى النهار حتى يُسلمانك إلى الآخرة، فما أخطر شأنك يا بن آدم]. تخيل أن مائة جندي قد وكلوا أن يستلموك وهم طابورٌ صفوفٌ وقوف على هذا، استلموك من هذا الباب، وكل واحد يسلمك من يده إلى عهدة الآخر، ومن الآخر إلى الثالث، ومن الثالث إلى الرابع، وهكذا الدنيا أسلمتك أول يوم ولدت فيه إلى ليلة أعقبتها، ثم أسلمتك الليلة إلى يوم، ثم اليوم إلى ليله، وما زالت الليالي جنودٌ يسلمونك، وخفيرٌ، وحارسٌ، هذا يودعك، وهذا يسلمك إلى من بعده حتى تقوم آخر ليلة لتسلمك إلى دار برزخية لتكون إما في روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار. وما هذه الأيام إلا مراحلٌ يحث بها داعٍ إلى الموت قاصدُ وأعجب شيءٍ لو تأملت أنها منازلُ تُطوى والمسافر قاعدُ أيها الأحبة! إننا ركبنا مقصورة الحياة، والقطار يسير إلى الآخرة، فسواء وقفنا في القطار، أو جلسنا، أو أدرنا وجوه مقاعدنا إلى عكس اتجاه القطار، أو أدرنا مقاعدنا إلى الجهة التي يقود بها قائد القطار، فإن القطار ماضٍ، وسوف يصل هذا قطار الدنيا يسير بنا إلى الآخرة. إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يومٍ مضى يدني من الأجل فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً فإنما الربح والخسران في العملِ جاء في وصية أبي بكر الصديق ﵁ لـ عمر بن الخطاب حينما استخلفه من بعده، فقال له: [إنا لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل، وإن لله في الليل حقاً لا يقبله في النهار].

стр. 1850

من أيقن بالموت عمل له والحاصل أن علينا واجبات، ولنا وظائف ومهمات من واجبنا أن نجتهد في بذلها وأدائها والقيام بها، وسرعان ما يُقال: مات فلان، أو دُفن فلان، أو صُلي على فلان، أو دخل فلان المستشفى وأصبح عاجزاً عن الحركة، عجز عن الشراب فسقوه، وعجز عن لبس ثوبه فألبسوه، وعجز عن المشي فحملوه، وعجز عن السير فقادوه، وعجز عن حاجته فساعدوه على قضائها، فقبل فوات الأوان ينبغي علينا أن نتدارك الأنفس، وإنها لصرخات وصيحات، وكلمات وخُطب ومحاضرات، وندوات ونداءات تُوجه لي ولكم، وللذكور وللإناث، وللرجال والنساء. أفيقوا يا عباد الله! أفيقوا يا عباد الله! عودوا يا عباد الله! أي غفلةٍ أنتم نيامٌ فيها، نغماتٌ تدندن ليل نهار، ومشاهد لا تُرضي الواحد القهار، وسعي حثيثٌ في الدنيا، والموت يطلب هذه النفوس، فلا حول ولا قوة إلا بالله. قال الفضيل بن عياض لرجل: [كم عمرك؟ قال: ستون سنة، فقال الفضيل: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يُوشك أن تبلغ، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال الفضيل: أتعرف تفسير ذلك؟ تقول: أنا لله عبدٌ، وأنا إليه راجع، فمن علم أنه لله عبدٌ، وأنه إليه راجع علم أنه موقوف، ومن علم أنه موقوفٌ علم أنه مسئول، ومن علم أنه مسئولٌ أعد للسؤال جواباً، فقال الرجل: فما الحيلة يا فضيل؟ قال: يسيرة، قال: فما هي؟ قال: تُحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى، وإن أسأت فيما بقي أُخذت بما مضى وبما بقي]. نعم. إنما الأعمال بالخواتيم، إن من فضل الله ومنِّه أن العبد إذا استرجع وندم وآب وتاب وعاد إلى الله راغباً فيما عند الله، راهباً من عذاب الله، فإن الله يُسدل ستره على ما مضى من حياته، ويمحو سيئاته، ويبدلها حسنات، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠] فما باله؟ ما شأن من تاب؟ ما شأن من غير؟ ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠]. اللهم لك الحمد يا حي يا قيوم، يا دائم المنة والإحسان، يا كريم يا عظيم، يا ذا الفضل العظيم، يا واسع يا عليم نسألك اللهم أن تمحو ما سلف من ذنوبنا، وأن تستر ما سلف من خطايانا، وأن تُبدل سيئاتنا حسنات. إلهنا! إن العباد قد أعجبوا بنا، وإنما أعجبهم فينا سترك علينا -هذا الكلام يقوله كل واحد فينا، ونناجي به ربنا- إلهنا لقد نظر الناس إلى صالح أعمالنا، وما نظروا إلى سيئات خطايانا، وإنك سترتنا وأكرمتنا وأسبغت علينا سترك، وجملتنا بجميل سترك، اللهم فكما سترتنا مع علمك وحلمك وعظمتك، فاستر ما بقي، وأعنا وتب علينا فيما مضى، واجعل اللهم سيئاتنا حسنات. لن ينفعنا أيها الأحبة إلا أعمالنا. قال ﷺ : (يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان، ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله) أنت أيها الأخ الكريم وأنا مثلك شأننا في دنيانا بثلاثة أمور: أهل ومال وعمل، أما أهلونا فربما اختاروا غيرنا بعدنا، ربما مات بعضنا فتزوجت زوجته من بعده، وتفرق أبناؤه وأهله، ثم عادوا وتركوه وحيداً فريداً في المقبرة، شريداً رهيناً في حفرته ولحده، ويعود المال، فيختلف الورثة عليه، ويتقاسمونه، ويتحاصّون ويتشاحون، وربما تقاتلوا وتباغضوا وتدابروا، ولحكمة عظيمة قدرها الله جل وعلا أن المواريث تُقسم بالثلث وبالربع وبالثمن وبالسدس، وبأقل وأكثر بتدبير وتقدير من الله، لماذا؟ لأن الورثة إذا دفنوك نسوك، وأخذوا يتقاسمون المال، فالأم تقول: سدسي، أو ثلثي، والأب يقول: سدس، أو أنا عاصب، والأولاد والبنين يقولون: الذكر مثل حظ الأنثيين، أو أخٌ لأم يقول: سدسي، أو جدة تريد سدساً، أو زوجةٌ تريد ربعاً، أو ثمناً، كلٌ يريد نصيبه، وكلٌ قد ودعك ونسيك. أما عملك فثق أنه لن يُقسم، صلاتك لن تُقسم، صيامك لن يُقسم، عبادتك لن تُقسم، جهادك لن يُقسم، إنما عملك هو الذي يكون لك كله، وأما المال والأهل فما بين متفرق وما بين مقسوم. أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها أيها الأحبة! فلنعتبر ولنجتهد، ولنقدم لأنفسنا، عجباً لبعض الناس، يقول: إني أوصيت، أو سوف أكتب وصيتي إذا أنا مت، فسوف يكون من ورائي كذا وكذا، وهو الآن قادر على المال والريال والصحة والبذل، وقد أخر ذلك وسوفه، يا مسكين إذا لم تنفع نفسك وأنت حي، أفتلوم من بعدك بعد أن يدفنوك إذا قصروا بك، لماذا لم ينفعوك؟ ما دمت قادراً فأحسن إلى نفسك. وذُكر أن أحد الصالحين كان له أبٌ، وكان أبوه ثرياً، فكان هذا الأب يقول لولده، وقد ذهب في ضيعة، أو مزرعة يمشيان في الليل، فقال الأب لولده: يا بني ائتني بالسراج ليضيء لنا الطريق، فقام الولد وجاء بالسراج، فقدم والده أمامه، وجعل السراج خلفه، فقال الأب: يا بني أينفعنا السراج إذا كان خلفنا، إنما ينفعنا السراج إذا أضأته وسرت به بين أيدينا لنبصر به الطريق، فقال الابن: يا أبت فذاك عملك ينفعك إذا قدمته، وإذا أخرته فربما نفعك وربما لم ينفعك. والغالب في أحوال كثير ممن لا يؤتمنون أنهم لن ينفعوا موتاهم حتى ولو كتبوا أوثق الوصايا، انفع نفسك ما دمت حياً، ولا بأس بالعناية مع هذا بالوصية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٨٠]. الوصية تبرعٌ مضافٌ إلى ما بعد الموت، والوصية للوالدين، ومن كان وارثاً نُسخت في حقه بآيات المواريث، وآيات أنصباء الورثة والعصبات، ولكن الحاصل أن العبد لا يتكل، فيقول: أوصي، أو أكتب في مالي كذا وكذا، ويتكل على المال، بل اعمل ما دمت قادراً، ما الذي يضيرك إذا كنت تفكر أن تبني مسجداً، أو أن يبنى من مالك مسجداً؟ ما الذي يضيرك أن تبني المسجد وأنت حي، وأن تقف عليه وأنت حي، وأن ترى الناس يصلون فيه، وأن تُصلي أنت فيه، وأن تعتكف؟ ولا تقول: إذا مت فاكفلوا من مالي داعية، أو دعاة، بل ما الذي يضيرك أن يُكفل الدعاة من مالك وأنت صحيح شحيح ترجو الفقر وتخشى الغنى، وترى الدعاة يقبضون رواتبهم من مالك، وهم يسعون مفرغين للدعوة إلى الله يبشرونك في كل يوم أو أسبوع أن قد أسلم بفضل الله ثم بمالك خلقٌ كثيرٌ، ترى بركات وآثار عملك وأنت حيٌ ينفعك بإذن الله.

стр. 1851

التوبة مما فات قبل الممات خلِ ادكار الأربع والمنزل المرتبعِ والضاعن المودعِ وعدِّ عنه ودعِ واندب زماناً سلفا سودت فيه الصحفا ولم تزل معتكفا على القبيحِ الشنعِ إلام تسهو وتني ومعظم العمر فني فيما يضرُّ المقتني ولست بالمرتدعِ أما ترى الشيب وخط وخط في الرأس خطط ومن يلح وخط الشمط بفوده فقد نعي آه له بيت البلى ومنزل القفر الخلا ومنزل السفر الألى والضاعن المودع يعني: القبر بيتٌ يرى من أودعه أو ضمه واستودعه لا يستوي إن حله داهية أو أبله أو معسر أو من له ملك كملك تبع هذه هي النهاية! فمادمت تعلمها فما الذي يجعلك تتأخر عن التوبة؟ وما الذي يجعلك تسوفها؟ أنت تعلم كم في بيتك من شريط لا يسرك أن يدفن معك أو تلقى الله به، وأنت تعلم كم في بيتك من مجلة لا يسرك أن تدفن معك أو تلقى الله بها، وتعلم أن في مالك قليلاً أو كثيراً من الريالات تعلم من أين جاءت، ولا يسرك أن تحج بها، أو تتصدق بها، أو تنفقها على أولادك، وربما قال الشيطان: اجعلها في وقود، أو في جدار، أو حائط، تخلص منها ما دمت قادراً قبل أن تُقسم من بعدك لهم حلال وتكون عليك حراماً. هذه الدنيا حلالها حساب وحرامها عذاب، لن ينفعك -والله- إلا عملك حتى وإن طاف بك الطائفون، وأثنى المثنون، ومدح المادحون: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦] ما الذي حل بهم؟ ما الذي أصابهم؟ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧] أمك لا تلتفت إليك، وأبوك مشغولٌ عنك، وزوجتك بحالها مشغولة، وأبناؤك ينظرون موازينهم، وأحبابك كلٌ يتطاير بصره إلى أين تطير صحيفته، وهل يلقاها بيمينه أو بشماله، والله لن ينفعنا إلا أعمالنا ولو مدحنا الليل والنهار، وسينفعنا العمل وإن شتم الشاتمون، أو سبنا السابون، أو خذلنا الخاذلون، أو ثبط المثبطون، أو أرجف المرجون، أو سخر الساخرون، أو استهزئ المستهزئون. العمل ينفع بإذن الله، قال ﷺ : (ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربه ليس بينه ويبنه ترجمان، فينظر أيمن منه) أنت أيها المسكين! ستقف بين يدي الله جبار السماوات والأرض الذي تكون الأرض الكرة الأرضية بقاراتها، بأشجارها ببحارها، بجبالها، بمخلوقاتها، بطيورها، بوحوشها، ببهائمها، الكرة وما عليها في قبضة الجبار جل وعلا: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. أنت أنت أيها المسكين! تقف بين يدي ربك، سيكلمك الله ليس بينك وبينه ترجمان، فتنظر أيمن منك فلا ترى إلا ما قدمت، وتنظر أشأم منك فلا ترى إلا ما قدمت، فتنظر بين يديك فلا ترى إلا النار تلقاء وجهك، يقول ﷺ : (فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة). وقد قلّ ذكر النار في مجالسنا، وقلّ ذكر النار في نوادينا، وقلّ ذكر النار في لقاءاتنا، ما أكثر ما مدحنا بعضاً، وتزينا لبعض، وأثنينا على بعض، وبحثنا وتناقشنا وقررنا وحللنا ورجحنا ورأينا وما أقل ما ذكرنا النار، هذه النار التي خشيها الصالحون الذين بلغوا أعمالاً صالحة، علي بن أبي طالب يراوح بين قدميه من طول القيام، ويقول: [لقد أدركت صحب محمدٍ ﷺ والواحد منهم في جباههم مثل ركاب المعز من طول السجود] يراوحون بين أقدامهم من طول القيام في الليل والنهار، فإذا ذكرت النار، ماجوا وخافوا واضطربوا كأنما النار إنما خلقت لهم، أما نحن فقد جمعناً حشفاً وسوء كيلة، سوء عمل، وطول رجاء وأمل، فلا حول ولا قوة إلا بالله. هناك أمنية سيتمناها الرجل والمرأة، ويتمناها الذكر والأنثى، والصغير والكبير: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] ما من عبدٍ إلا ويكون مغبوناً يوم القيامة، إن كان صالحاً رأى الغبن، لماذا لم يكن تزود أكثر مما فعل؟ وإن كان فاسداً ضالاً، أو كافراً مشركاً، رأى الغبن أن فرط ولم يجب داعي الله . إن هذه الأمنية ربما تمناها كافرٌ، وهو ما تمناه أهل النار حينما يُلقون فيها، قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧] الله أكبر: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس:٩١] الآن لما رأيت النار، الآن لما وقفت على الصراط، الآن لما رأيت زبانية جهنم، الآن لما ودعت الدنيا، أين كنت يوم كنت قادراً، يوم كنت قوياً، يوم كنت عداءً سباقاً، يوم كنت مصارعاً جلداً، يوم كنت بصيراً حديداً، يوم كنت فصيحاً منطيقاً، يوم كنت لجوجاً حجوجاً، يوم كنت فارساً شجاعاً، أين كنت عن عبادة الله؟ أين كنت عن طاعة الله؟ ما الذي أشغلك: سهرٌ بليل، معصية، مصيبة، داء وبيل؟ ربما ابتلاك الله بالعافية فلم تعرف: قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعمِ

стр. 1852

وصية لي ولكم هي وصية ونداء من الله لنا ألا تلهينا أموالنا، وألا تلهينا أولادنا: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥] ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ﴾ [التغابن:١٤] يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:٩ - ١١]. إن الله جل وعلا يذكر شأن الضالين الذين فرطوا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]. سيبقى بعد تمنيه، وبعد رجائه، وبعد أمله أن يرد؛ إنه لن يجاب (كلا) مرجوع مزجور، سيبقى في البرزخ: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [المؤمنون:١٠٠ - ١٠١] إذا انتهت مدة البرزخ: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] أين الغبطة؟ وأين التجارة؟ وأين النعيم؟ وأين ما ينفع؟ ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٤] ثم يأتي التقريع، ويأتي التوبيخ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون:١٠٥] ألم يأتكم أنبياء؟ ألم يأتكم رسل؟ ألم يبلغكم القرآن كاملاً غير محرف، محفوظاً من الزيادة والنقصان؟ ألم تسمعوا المواعظ؟ ألم تسمعوا النداء؟ ألم تقرع قلوبكم سياط المواعظ؟ ألم تعتبروا بقصص من حل بهم الموت وهم على المعصية؟ ما الذي بدلكم؟ وما الذي أبعدكم؟ ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٥] هناك من كذب، وهناك من فرط، وهناك من شكك، وهناك من قال: ربما، ولعل، وليت: ولست بمرجعٍ ما فات مني بليت ولا لعل، ولا لو اني ما تنفع أبداً: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٥ - ١٠٦] شقاء في الإصرار؛ في التكذيب، في عناد الرُسل، في عناد الدعاة إلى الله، في عناد من نصحنا وأمرنا بالصلاة، في عناد من حذرنا من اللهو والغفلة، في عناد من دعانا إلى طريق الله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦]. لكن يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧] فيرد الجبار عليهم بعد أعوام طويلة: ﴿قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] هم يصطرخون ويصيحون وينادون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] يرد عليهم الجواب بعد زمن طويل ﴿اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]. وهذا شأن كل ضال سيندم عند الموت، وسيندم في القبر، وسيندم عند البعث، وسيندم في الحشر، وسيندم عند تطاير الصحف، وسيندم حينما يعبر على الصراط، وسيندم حينما يرى مصارع أهل النار، وسيندم حينما يرى منازل أهل الجنة، أسأل الله أن يجعلنا من المغبوطين، ولا يجعلنا من المغبونين. قال ﷺ في حديث حسن أخرجه الحاكم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لرجل وهو يعظه: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) إنها غنيمة، والغنيمة يُحتاج إلى البداية فيها. والغنيمة أمر يفوت إن فرطت فيه، وأمر إنما يُقال لشيء سرعان ما ينفذ ولا يبقى، أما الأمور الوافرة، فلا تقول لرجل: اغتنم من البحر شيئاً من الماء، فماء البحر كثير لا يُعد إدراك شيء من مائه غنيمة، ولكن تقول: اغتنم أمراً من الأمور التي إن فرطت فيها ولَّت عنك أو ولِّيت عنها. فالواجب علينا أن نبادر بالأعمال، أن نسارع إلى الخيرات قبل أن يُحال بيننا وبينها، وإذا حِيل بين العبد وبين العمل الصالح فحينئذٍ لا تسأل عن حسرته، والله إن أناساً تمنوا الرجوع؛ يريدون أن يتوبوا وهم أحياء، فحيل بينهم من شدة ما طُبع على قلوبهم. تركوا الجمعة والجمع والجماعات، واقترفوا المعاصي والسيئات، وداوموا الخطايا والفواحش الموبقات، واستهزءوا بالدعاة، وسخروا من آيات الله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ:٥٤] ولأجل ذلك لما دعانا ربنا إلى الاستجابة، لما يدعونا به سبحانه ويدعونا به نبيه ﷺ ، قال بعد ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤] كأن من معاني الآية: أن من لم يستجب، قد يحال بينه وبين قلبه، كأن من معاني الآية: أن من دعي فأعرض، من نودي فنأى، من دني إليه فأبعد، كأن من معاني الآية: أن من أصر على ذلك، وطبع على قلبه ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ كما قال ﷺ : (لينتهين أقوامٌ عن ودعهم الجمع والجماعات، أو ليطبعن الله على قلوبهم). فإذا طبع على القلب، حيل بينه وبين التوبة، وحيل بينه وبين الرجوع، يحدثني أحد الإخوة عن ضابط من ضباط السجون، قال: إن بعض الذين حُكم عليهم بالقتل إذا كان فجر الجمعة أو صبيحة الجمعة، جيء بكاتب عدل ليكتب وصية من سينفذ فيه الحكم، إما حرابةً، أو قتلاً، أو رجماً بالحجارة، أو ضربةً بسيف، أو رمياً برصاص، أو نحو ذلك، قال: فبعضهم إذا قيل له: إن هذا كاتب عدل يكتب وصيتك، ستموت هذا اليوم، أو سينفذ حكم الله فيك هذا اليوم، قال: بعضهم يبكي وينوح ويصيح أعطوني سجادة أصلي، أعطوني قرآناً أقرأ، يلتفت إلى السجناء: ادعوا لي، اسألوا من تعرفون فيه الصلاح أن يدعو لي عند الله، أن يسأل الله لي بالتوبة والمغفرة. قال: فيرجع ويندم ويبكي حتى تدنو الساعة، بقي أربع ساعات، ثلاث ساعات، ساعتان، يركب في السيارة، الساعة الأخيرة ثم ينفذ فيه الحكم وينتهي، قال: وبعضهم يأتي كاتب العدل، فيقول له: هل من وصية؟ فيقول: لا، فيقول: اغتنم ما بقي، نحن في السابعة صباحاً، وفي الواحدة، أو الثانية عشرة والنصف، سيكون أمر الله وحكم الله وشرع الله رحمة وتطهيراً، فيقول: دعنا من كلامك يا شيخ، قال: بعضهم والله يُعطى السجادة فلا يأخذها، ويُعرض عليه الماء ليتوضأ فلا يُقبل على الوضوء ليصلي، ويدعى إلى ركعتين قبل أن يُقتل فلا يسجدها ولا يركعها، وبعضهم يقول: أعطوني (تتن) وآخر يقول: أعطوني كذا، والآخر يقول: (أعطوني دخان) حيل بينهم وبين ما يشتهون ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤] قد طبع على قلبه ولا حول ولا قوة إلا بالله. فأسأل الله بحوله وقوته ومنِّه وكرمه أن يجعلنا من المستجيبين له ولرسوله، وألا يجعلنا ممن طُبع على قلوبهم فهم لا يفقهون، أولم ينادنا ربنا يا إخواني! يا أيها المستمعون والمستمعات! يا أيها المسلمون والمسلمات! أولم يدعونا ربنا أن ننيب، وأن نستجيب، قال ربنا جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٤] أنيبوا، ارجعوا، أسلموا، استسلموا، انقادوا، اخضعوا، دعوا المكابرة، دعوا العناد، دعوا التسويف، دعوا التأجيل، الفرصة متاحة، والباب مفتوح، فأقبلوا فإن الله رب يفرح بتوبة عبده أشد من أحدنا إذا أضاع دابته في فلاةٍ وعليها طعامه وشرابه ثم وجدها، ربٌ غنيٌ عنا يفرح بتوبتنا فينادينا ويقول: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٤ - ٥٨]. أولم تكن آيات الله تتلى عليك؟ أولم يُعمرك الله؟ أولم يجعلك الله متدبراً؟ أما رأيت مصارع الضالين؟ أما علمت أن أناساً ماتوا والمخدرات في أوردتهم وشرايينهم وأبدانهم؟ أما علمت أن أناس

стр. 1853

نداء إلى كل من يريد الجنة أيها العبد! أيها المسكين! أيها الإنسان! أيها الفتى والفتاة! أيها الرجل والمرأة! أيها الكبير والصغير! أيها الوزير والأمير! أيها الصعلوك والحقير! أيها العبد المسكين. مضى أمسك الباقي شهيداً معدلا وأصبحت في يومٍ عليك جديدُ فإن كنت بالأمس اقترفت إساءةً فثنِ بإحسانٍ وأنت حميدُ فيومك إن عاينته عاد نفعه إليك وماضي الأمس ليس يعود ولا ترج فعل الخير يوماً إلى غدٍ لعل غداً يأتي وأنت فقيد

стр. 1854

اعمل قبل أن تعجز فكم من نفسٍ رجت أمراً وعجزت عن بلوغه فما أدركته، رجل أعرفه أحسبه من الصالحين، يحدثني ولده يقول: خرجت في رمضان المنصرم مع والدي من المسجد بعد صلاة المغرب، أفطرنا في البيت، وخرجنا إلى المسجد، وصلينا، وخرجنا من الصلاة، قال: فالتفت إليَّ والدي، وقال: يا ولدي فلان، الله أكبر كم من نفس لم تبلغ هذا الشهر، قال: فقلت: صدقت يا أبي! أين فلان وفلان ممن نعرفهم؛ ماتوا وما بلغوا هذا الشهر، قال: ثم التفت إليَّ أخرى، وقال: يا ولدي، وكم من نفسٍ لم تُكمل هذا الشهر، وكان هو ﵀ ممن لم يُكملوا هذا الشهر، مات في يوم تاسع أو عاشر ﵀ رحمة واسعة وجمعنا به في الجنة، فقد علمته رجلاً من أهل الخير والصلاح. عن ابن عمر ﵄، قال: (أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل) وكان ابن عمر ﵄ يقول: [إذا أمسيت، فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك] رواه البخاري. فهذا أصلٌ جليلٌ عظيمٌ في قِصر الأمل في الدنيا، وينبغي للعبد أن يُعد، وأن يجهز، وأن يجمل داره في الآخرة حتى يتهيأ للانتقال والرحيل إليها بإذن الله جل وعلا. أيها الأحبة! إن من زين داراً، واشتغل بها، وجملها، وطيبها، اشتاق إلى أن يرتحل إليها، وإن من خرب داراً، كره أن ينتقل إليها، ولو أن واحداً منكم أُعطي أرضاً، فحفر بها بئراً، وغرس بها نخلاً، وشق فيها أنهاراً، وجعل عليها سوراً وجداراً، وجعل فيها أزهاراً وأشجاراً، وجعل فيها حدائق وجنات، وطيبها بكل ما تُزين به الحدائق والبساتين أتظنونه يُهملها؟ سترونه في كل يوم يزورها، ويعتني بها، ويسوؤه أن ينقطع الماء عنها، ويسوؤه أن يخرب شيء من ثمارها وأشجارها، ولا يتركها نهبةً لمن أراد أن يدخلها، أو يعبث فيها. ولو أن آخر أعطي أرضاً فتركها، ولم يغرس بها نخلاً، ولم يحفر بها بئراً، ولم يجعل فيها شجرة، ولم يجعل لها سوراً، ثم قيل له: إن بني فلان أناخوا رواحلهم وأباعرهم فيها، فإنه لا يتأثر، لو قيل له: إن تلك الأرض أصبحت تُرمى فيها القمامات والزبالات ما يتأثر، لأنه ما تعب فيها. فكذلك الآخرة إذا اعتنينا بمواقعنا فيها، نغرس فيها أعمالاً صالحةً، نحفر فيها آبار العمل الصالح والأوقاف النافعة، نبني عليها أسواراً منيعة، نحصنها بالتوبة وبالذكر وبالاستغفار، فإنها تهمنا، وإذا جاءت ملائكة الموت تنقلنا إلى هذه الدور التي طيبناها وغرسناها وزيناها، رضينا وفرحنا أن ننتقل إليها، أما عبدٌ ضيع آخرته، فلا شك أنه يكره أن ينتقل إليها، ولذلك قيل للحسن البصري: لماذا نحب الدنيا ونكره الموت؟ فقال: [لأنكم عمرتم الدنيا، وخربتم الآخرة، فتكرهون أن تنتقلوا من العمار إلى الخراب].

стр. 1855

استعد بيومك لغدك أيها الأحبة! الواجب أن الإنسان يستعد لنفسه، يقول ابن عمر: [خذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك] أي: اغتنم الأعمال الصالحة في صحة قبل سقم، وفي حياة قبل موت، لعلك غداً من الأموات دون الأحياء. كان ﷺ يقول: (ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكبٍ قَالَ -من القيلولة- في ظل شجرة، ثم راح وتركها) نام وقت المقيل في ظل شجرة ثم راح وتركها. وكان علي بن أبي طالب ﵁ يقول: [إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكلٍ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عملٌ ولا حساب، وغداً حسابٌ ولا عمل] وقال يحيى بن معاذ الرازي: [الدنيا خمر الشيطان، من سكر منها لم يُفق إلا في عسكر الموتى نادماً مع الخاسرين]. تخرب ما يبقى وتعمر ثانياً فلا ذاك موفورٌ، ولا ذاك عامرُ وهل لك إن وافاك حتفك بغتةً ولم تدخر خيراً لدى الله عاذرُ أترضى بأن تفنى الحياة وتنقضي ودينك منقوصٌ ومالك وافرُ ماذا ينفعك أن تموت ووراءك مليار دينار، وليس أمامك إلا آلاف السيئات وآحاد الحسنات؟ والله ما يسرك لو خلفت أموال الدنيا وقد أقبلت بسيئات لا قبل لك بها، نسأل الله أن يتغمدنا برحمته. قال المروذي: قلت لـ أبي عبد الله - يعني: أحمد -: أي شيء الزهد في الدنيا؟ قال: قِصر الأمل، من إذا أصبح قال: لا أمسي. وقال بكر المزني: إذا أردت أن تنفعك صلاتك، فقل: لعلي لا أصلي غيرها. أي: قد تكون هي الصلاة الأخيرة، وقد يفاجئني الموت بعدها، وفي الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً: [ما من ميتٍ يموت إلا ندم قالوا: وما ندامته؟ قال: إن كان محسناً ندم ألا يكون زاد، وإن كان مسيئاً ندم ألا يكون استعتب] أي: طلب العتبى وتاب ورجع إلى الله. فإذا كان الأمر على هذا، فيتعين علينا جميعاً ذكوراً وإناثاً، شباباً وشيباً، صغاراً وكباراً أن نعود إلى الله، أن نرجع إلى الله، كفانا غفلة، بلغنا من العمر ثلاثين في غفلة، بلغنا أربعين في غفلة، بلغنا خمسين في غفلة، فمتى الرجوع؟ ومتى التوبة؟ ومتى العودة والإنابة؟ قال سعيد بن جبير: [كل يومٍ يعيشه المؤمن غنيمة]. وقال بكر المزني: ما من يومٍ أخرجه الله إلى الدنيا إلا يقول ذلك اليوم: يا بن آدم اغتنمني لعله لا يوم لك بعدي، ولا ليلة إلا تنادي: يا بن آدم اغتنمني لعله لا ليلة لك بعدي، قال البخاري ﵀: اغتنم في الفراغ فضل ركوعٍ فعسى أن يكون موتك بغته كم صحيحٍ رأيت من غير سقمٍ ذهبت نفسه الصحيحة فلته ويقول القائل: تزود من الدنيا فإنك لا تدري إذا جنَّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجرِ فكم من صحيحٍ مات من غير علةٍ وكم من سقيمٍ عاش حيناً من الدهر

стр. 1856

لا يصدك الشيطان عن طاعة الله لا يصدنا الشيطان عن ذكر الله، والرجوع والتوبة، إن الشيطان يقول: التوبة صعبة، التوبة مستحيلة، التوبة شاقة، الرجوع أمرٌ مثاليٌ، الرجوع أمرٌ صعب المنال لا يمكن أن يتحقق، كيف نتوب؟ تريدون أن نترك الابتسامة، أن نترك الفرحة، أن نترك اللقاء، أن نترك الوصل، أن نترك لقاء الأحباب والأقارب. نقول: ومن قال إن التوبة تعني ذلك؟ التوبة أن تُودع ما نهى الله عنه، أن تهجر ما نهى الله عنه، أن تتخلص مما نهى الله عنه، وأن تُقبل على طاعة الله، اتق المحرمات تكن أعبد الناس، إن الشيطان يُريد أن يُوقع بيننا عداوة وبغضاء، ويريد أن يضلنا، ويريد أن يصدنا عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل نحن منتهون؟ هل ننتهي من هذه الغفلة ونُقبل على طاعة الله؟ وعلينا أن نستعيذ بالله من همزه ونفخه ونفثه ووسوسته: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً﴾ [البقرة:٢٦٨]. الشيطان يزين للعبد حتى إذا اجتمع الشيطان وأعوانه في النار يوم القيامة، وقف الشيطان خطيباً فصيحاً، فقال كما ذكر الله جل وعلا: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [إبراهيم:٢٢] انتهت القضية، فُرغ من المسألة، أهل النار في النار، أهل الجنة في الجنة، قام الشيطان فقال: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢]. الشيطان يوبخ ويقرع: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:١٦] كم أغوى من شاب، نعم إن الشياطين ما نصبت حبالاً كحبال المشانق تخطف بها رقاب العباد، وإن الشياطين ليس معها أقفالاً وأغلالاً وقيوداً تضعها في الأيدي والأرجل، ولكن الشياطين سربت نغمةً إلى أذن، وزينت صورة في عين، ورسمت فكرة في خيال، وخيلت شهوة محرمة في نفس، وقادت خطوة خطوة إلى أن وقع العبد في المعصية، لأجل ذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:١٦٨]. نعم إن الشيطان ما قال لرجل ذات يوم: اطرح هذه المرأة، وافعل بها الزنا من أول وهلة، وما قال: اشرب كأساً من الخمر أول وهلة، وما قال: خُذ أموال الربا أول وهلة، وما قال: افعل كذا أول وهلة، وإنما قاد خطوة خطوة، إنما هي كانت خيالاً، كانت خطرات، كانت سكرات، ثم هي خطوات، ثم أفعالٌ حتى وقع العبد في المعصية. ورب عبدٍ يتوب بعد معصيته، ويُفسح في أجله، ويُمهل في عمره، فيعود ويستعتب، ورب عبدٍ يموت قبل أن يتوب، ورب عبدٍ يموت وهو يفعل فاحشته، أو يشرب كأسه، أو يعاقر محرماً من المحرمات، إن الشيطان قعد لنا في كل باب، وقعد لنا في كل طريق، إذا أذن للفجر زين لنا الفرش والوسائد، وإذا دعينا إلى الإنفاق في سبيل الله قبض أيدينا على جيوبنا، وإذا دعينا إلى محاضرة وندوة خوفنا ووسوس لنا، وزين لنا مجالس لهو وغفلة، وإذا دعينا إلى صلة رحم ذكرنا محرشاً بعداوات قديمة، وإذا دعينا إلى إصلاح ذات بينٍ جعلنا ننحاز إلى فريق دون فريق. هكذا شأن الشيطان يقعد لكل عبد في طريقه، قال ﷺ : (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال -أي الشيطان-: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبنائك، فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطِوَلْ -الطول: الحبل الطويل يشد أحد طرفيه في وتدٍ والطرف الآخر في يد الفرس، لتدور الفرس وترعى، ولا تذهب تلقاء وجهها- فعصاه ابن آدم فهاجر، ثم قعد الشيطان للمسلم في طريق الجهاد. فقال: تجاهد، فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتقتل، وتنكح المرأة بعدك، ويقسم المال، فعصاه، فجاهد، فمن فعل ذلك -يعني: من عصى الشيطان في كل وساوسه وطرائقه- كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، ومن قتل كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن وقصته دابته كان حقاً على الله أن يدخله الجنة) رواه أحمد والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح.

стр. 1857

التسويف آفة قتلت أصحابها فيا أيها المحب! يا أيها الحبيب! يا أيها الصديق! يا أيها الرفيق! يا أيها الرجل العاقل! ويا أيتها المرأة المسلمة! كما قال الحسن البصري: [إياك والتسويف، فإنك بيومك ولست بغدك، فإن يكن غدٌ لك، فكس فيه كما كست في اليوم، وإلا يكن الغد لك لن تندم على ما فرطت فيه] وذلك من الكياسة بمعنى العقل والفطانة، أي: اعمل عملاً تكون به كيساً حازماً. دع التكاسل في الخيرات تطلبها فليس يسعد بالخيرات كسلانُ لا ظل للمرء يغني عن تقىً ونهى وإن أظلته أوراقٌ وأفنانُ ما الذي يصدنا عن الجنة؟ يا سلعة الرحمن لست رخيصةً بل أنت غاليةٌ على الكسلانِ يا سلعة الرحمن سوقكِ كاسدٌ فلقد عرضت بأيسر الأثمانِ يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحدٌ لا اثنانِ يا سلعة الرحمن كيف تصبر الـ خطاب عنك وهم ذوو إيمانِ ما الذي صدنا؟ ما الذي قعد بنا عن طلب الجنة؟ وما الذي قعد بنا عن السلامة من النار، إن طرق الخير كثيرة، وأبواب البر عديدة وفيرة، فلنا في كل تهليل وتكبير عمل صالح يقود إلى الجنة، قال ﷺ : (يصبح على كل سُلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) رواه الإمام مسلم. عليك صدقة في عافيتك ببدنك ومفاصلك، ويجزئ من ذلك أن تصلي ركعتين، وفي هذا الحديث دلالة على أنك قادر على أن تملأ خزائنك بالأعمال الصالحة، إن الذكر عبادة لسانية، لو أردت أن تحرك يدك بعدد حركات لسانك لانقطعت يدك، ولو أردت أن تحرك رجلك بعدد حركات لسانك لشلت رجلك، ولو أردت أن تحرك حاسة لسانك بخفقات القلب لعجزت، لكن الذكر فيه تسبيح وتهليل واستغفار وإنابة، وذكر لله، وتلاوة، وفيه حسنات كثيرة: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨]. اختار الله كلمات فجعلهما ثقيلتين في الميزان، خفيفتين على اللسان، حبيبتين إلى الرحمن" سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" اختار الله كلمات كما قال ﷺ جعلها خيراً من الدنيا وما فيها" سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر". إنك قادرٌ أن تبلغ الجنة بأيسر الأعمال، أن تقوم بغض طرفك، أن تُحرك لسانك بذكر الله، أن تكف يدك عن الحرام، أن تعقل قدمك عن المشي إلى معصية الله، أن تسير إلى ما أمر الله بالسير إليه، فإن أبواب الجنة سهلةٌ وميسرة جداً، وفي الحديث الآخر: (كل سُلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس؛ تعدل بين اثنين صدقة، تعين الرجل في دابته فتحمله عليها وترفع له عليها متاعه صدقة، الكلمة الطيبة صدقة، بكل خطوة تمشيها إلى المسجد صدقة، تميط الأذى عن الطريق صدقة) متفق عليه. وفي حديث آخر: (وتبسمك في وجه أخيك صدقة) أين نحن من هذه الصدقات؟ من الناس من إذا رأى اثنين قام كالشيطان منحازاً إلى أحدهما، لا يريد أن يُصلح بينهما، وبعض الناس لا يعرف إلا طريق التشجيع للأندية والمباريات الرياضية، لا يعرف أن يقف في الوسط لكي يعدل ويُصلح ويُوفق ويقرب بين فريقين وطرفين وطائفتين، لا يعرف إلا أن يتحيز لهؤلاء ضد هؤلاء، وهؤلاء ضد هؤلاء أياً كانوا صغاراً أو كباراً أو أفراداً، أو غير ذلك. ومن الناس من يحرم نفسه الصدقة، فتجده يجد محتاجاً إلى المساعدة فلا يساعده، يجد رجلاً عاملاً فقيراً مسكيناً كالاً أو ابن سبيل قد انقطع به الطريق فلا يحمله، يحرم نفسه الصدقة، وبيده أن يميط أذى عن الطريق، فربما ترفع أن يلوث تلك اليد المعطرة بمختلف العطور بذلك الأذى الذي رآه، وربما كان ذلك الأذى مرجحاً لحسناته على سيئاته، فيكون بإذن الله سبباً في دخوله الجنة.

стр. 1858

إن طرق الخير كثيرة قال ﷺ : (على كل مسلم صدقة قال أحد الصحابة: أرأيت إن لم يجد؟ قال ﷺ : يعمل بيديه، فينفع نفسه ويتصدق، قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر، فإنها صدقة) متفق عليه، ومن الناس من لا يعرف حتى الصدقات التي لا تحتاج إلا إلى الصبر. في مجلس من المجالس زرت رجلاً أرجوه وألتمس عنده أن يفك أسر مكفوله الذي بلغ من العمر مبلغاً، وله أسرة فقيرة، وله طفلة عمرها ثلاث سنوات أصيبت بفشل كلوي، وله أم عجوز كبيرة، فقلت للرجل: يا فلان، يا عبد الله! إني أدعوك إلى الله وبالله، ولأجل وجه الله أن تترك كفالة هذا المسكين، وتنقلها إلى آخر، وإن ثبت لك في ذمته شيء من الحقوق المالية شرعاً، فأنا ضمينٌ كفيلٌ بها، اتركه. فقال: لا، ما أتركه، فقام واحد من الحضور، قال: هي فوضى، أن يأتي هؤلاء الأجانب، ونتسامح معهم ونتساهل معهم، المستشفيات مليئة بالمرضى، وأنت لا تأخذك العاطفة، فقلت: يا مسكين! أولم يكن خيرٌ لك أن تقول كلمة طيبة، أو تصمت: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت). من الناس فضلاً عن أنه عاجز عن أن يفعل خيراً- والعياذ بالله- قعد به الشيطان ونفسٌ أمارةٌ بالسوء، وهوى مطاع، وشحٌ متبع، قعد به عن فعل الخير، فما زاده إلا أن أنطقه بالباطل، فإذا لم تستطع قول الحق، فلا تنطق بالباطل يا عبد الله، الإمساك عن الشر كما في نهاية الحديث، قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: (يمسك على الشر، فإنها صدقة) متفق عليه. إن أبواب الجنة ميسرة وسهلة، لكن الشيطان ضيق على من أغواهم وأضلهم، تجد الذين وقعوا في الخمر والمخدرات، جميع أنواع عصيرات الفواكه، وعصيرات المشروبات، والأطعمة والطيبات ضاقت في أعينهم، ولم يبق إلا الخمر وهو الذي لذَّ أمام أعينهم وعلى ألسنتهم، أنواع المأكولات ما طابت لهم، وما طاب إلا الحرام، جميع أبواب الرزق من بيع وشراء وأجرة وسَلَم ورهن ومغارسة ومزارعة، وأمور كثيرة ضاقت عليهم، وما طاب لهم إلا الحرام، ولا حول ولا قوة إلا بالله. تجد بعضهم ضاقت المجالس أمام عينيه، ما فكر أن يقعد في مسجد، أو يجلس مع زوجته، أو يلاعب أطفاله، أو يصل رحمه، أو يجلس مع والديه، أو يمشي في طاعة الله ومرضاته، ضاقت كل المجالس وما رأى إلا مجلساً فيه معصيةٌ من معاصي الله . وفي الختام أيها الأحبة: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]. اللهم لا تجعلنا من الفاسقين، اللهم لا تجعلنا ممن طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، اللهم اجعلنا من المسارعين في الخيرات، الراغبين في الطاعات. اللهم استرنا بسترك الذي لا يُكشف، اللهم احفظنا بحفظك، واكلأنا برعايتك، وارفعنا بطاعتك، ولا تخزنا بمعصيتك، اللهم ثبتنا على طاعتك إلى أن نلقاك، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أبقيتنا. اللهم أصلح شأننا، اللهم اجمع شملنا، اللهم أصلح حكامنا، اللهم اهد ولاة أمرنا، اللهم سدد دعاتنا، اللهم وفق علماءنا، اللهم اجمع شملنا، اللهم اجمع شملنا، اللهم اجمع شملنا، اللهم اجمع شمل علمائنا وحكامنا ودعاتنا وعامتنا وصغيرنا وكبيرنا على طاعتك. اللهم لا تفرح علينا عدواً، اللهم لا تُشمت بنا حاسداً، اللهم إنا نعوذ بك من الحور بعد الكور، ومن الزيغ بعد الاستقامة، ومن الضلالة بعد الهدى، لا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً سحاً طبقاً مجللاً نافعاً غير ضار يا رب العالمين. وفي الختام أرجو ممن رتبوا هذه المحاضرة أن يجعلوا على الأبواب من يجمع تبرعات لإخواننا في البوسنة والهرسك، فإنهم بفضل الله في أخبار تنبئ بانتصارات، وبشائر تنبئ بقرب النصر والفرج من عند الله ، فأعطوهم وأعينوهم: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل:٢٠].

стр. 1859

الولاء والبراء [١٤٠٧ه ـ] إن الولاء والبراء أمر محتوم، وهو أصل من أصول الدين الإسلامي، كما بينه الله في كتابه، وبينه رسوله ﷺ في سنته، ولقد سطر الصحابة في الولاء والبراء أروع الأمثلة، وهكذا كان السلف الصالح، لكن لو نظرنا إلى أحوالنا اليوم وأحوال أعدائنا لوجدنا أن الأعداء قد أخذوا بهذا الأصل على اختلاف نحلهم ومللهم، وأما المسلمون -فإلى الله المشتكى- قد وقعوا في التفرق والتشرذم والانحطاط والضعف والخور!!

стр. 1860

حقيقة الولاء والبراء إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، وجزاه عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، وآتاه الفضيلة والوسيلة، وبعثه مقاماً محموداً. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله لكم في كل حال من أحوالكم، وهي وصيته لكم ولمن كان قبلكم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]. معاشر المسلمين! إننا في عصر تكالبت فيه قوى الشر على الإسلام وأهله، واجتمعت عليهم وعلى حربهم صفاً واحداً، على الرغم من اختلاف ملل الكفر وتنوع نحله، وإن كنا نرى في مقابل ذلك آلاف الملايين من المسلمين المتفرقين في أنحاء العالم، ومع ذلك فكثرتهم هذه لم تغن عنهم شيئاً، ولكل واحد منا أن يطرح سؤالاً قائلاً: ما بالنا نحن المسلمين أكثر أمم الأرض عدداً، وأوفرهم أموالاً وأرزاقاً، ومع ذلك فالمسلمون أكثرهم يشردون أو يقتلون ويعذبون ويهانون ويحتقرون! أليست الكثرة تغلب الشجاعة، وتجلب النصر والغلبة؟ نعم. هذا هو سؤال الساعة المناسب، والجواب عليه يكمن في قوله ﷺ : (يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يا رسول الله؟ قال: لا. أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يصيبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت، وينزع الله مهابتكم من صدور أعدائكم) أو كما قال ﷺ . عباد الله! إن ثمة علل وأمراض أصابت الأمة الإسلامية، نخرت عظامها، ومزقت أوصالها، وأسقطت خلافتها، وفرقت شمل وحدتها، حتى وصل بها الأمر إلى ما نراه اليوم من التبعية والهوان والذل والامتحان، ولو ذهبنا نستعرض تلك المصائب والمحن، لطال بنا المقام، ولكن حسبنا أن نتذاكر بعضها بشيء من الإيجاز والاختصار. ألا وإن من أعظم تلك الأمور وأخطرها، والتي أصابت المسلمين في دينهم؛ هي قضية ضعف الولاء والبراء، ضعف الموالاة والمعاداة في الله، إذ لما ضعف تمكن هذا الأمر في نفوس كثير من المسلمين؛ تبع ذلك نقص وضعف في الإيمان، وحقيقة الولاء يا عباد الله! أن يعرف المسلم أولياء الله من المؤمنين الصادقين، والدعاة المخلصين، فيواليهم ويحبهم، ويعينهم، ويدعو لهم، وأن يعرف أعداء الله فيعاديهم، ويخذلهم، ويدعو عليهم.
следующие страницы →