Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
إياك والاحتجاج بكثرة الضالين
أيها الشاب: لا تحتج بكثرة الشباب الضالين نعم، إن كثيراً من الشباب تجمعوا عند المطاعم، وإن كثيراً تجمعوا في الطرقات، وإن كثيراً يتباهون بالسيارات، وإن كثيراً يدعون الفتيات، وإن كثيراً يفعلون ويفعلون، ولكن تذكر قول الله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، وتذكر قول الله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣].
إياك أن تكون إمعة يجري بك التيار، وتسير مع الكثرة! إذ ليست الكثرة هي المقياس، إن أكثر الناس -إلا من رحم الله- يقعون في الضلال، بل إن أمة الإسلام على كثرتها أكثر ما فيها الغثاء، كما قال ﷺ : (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يا رسول الله؟ -هل نحن قليل حتى يطمع بنا الأعداء- قال: أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء)، احرص أن تكون من الأقلين.
إن القادة آحادٌ وأفراد، إن السادة آحادٌ وأفراد، وأما الكثير فطغامٌ وهوام، عليك أن تكون من الذين تميزوا وقاموا.
إذا مات ذو علمٍ وتقى فقد ثلمت من الإسلام ثلمة
وموت الحاكم العدل المولى بحكم الأرض منقصةٌ ونقمة
وموت فتىً كثير الجود محلٌ فإن بقاءه خصبٌ ونعمة
وموت الفارس الضرغامِ هدمٌ فكم شهدت له بالنصر عزمة
وموت العابد القوام ليلاً يناجي ربه في كل ظلمة
فحسبك خمسةٌ يبكى عليهم وباقي الناس تخفيفٌ ورحمة
وباقي الخلق همجٌ رعاعٌ وفي إيجادهم لله حكمة
أيها الشاب: عليك أن تجاهد نفسك بعيداً عن مغريات الحياة، بعيداً عما يواجهك من المصائب، بعيداً عما يزخرف لك من ملذات الدنيا، واعلم أنك قادرٌ على الاستقامة.
أيها الشاب: والله، والله، والله، إنك قادرٌ على الاستقامة، قادرٌ على الهداية، قادرٌ على الصراط المستقيم، ولكن أتمد يدك إليه؟ أتخطو خطوةً إلى الهداية؟ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ٧]، إني لا أعدك، ولا سماحة الشيخ ابن باز يعدك، ولكن الله يعدك إن أنت أعطيت وتصدقت وأمضيت، وعلى طريق الحق سلكت ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ٧] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء:٨٧]، ووعد الله نافذٌ لا محالة: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٨ - ١٠]، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩] إنك قادرٌ على الفلاح، فزك نفسك ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:١٠] إنك واقعٌ في الهلاك إن دسيت نفسك؛ فعليك -أخي الحبيب- أن تلتزم، واحذر من الذين يرددون الشبهات، ويقولون لك: إن الدين شاق، وجادة الطريق طويلة، وأنت لا تستطيع، والالتزام صعب، ما أكثر الذين التزموا فانحرفوا! إن نبيك ﷺ قد جاء مبشراً وميسراً، وما جاء منفراً ولا معسراً، فافهم هذا واعمل به حتى تكون من الصادقين يوم أن يفتن الناس، ويميز الله الخبيث من الطيب، فتكون من الطيبين بإذن الله.
فيا أيها الشاب: والله لن تزول قدماك حتى تسأل عن شبابك، وعن عمرك، وعن مالك، وفترة الشباب بالذات أنت مسئولٌ عنها، فيا ضيعة شابٍ ضيع أعماره!
стр. 1927
مهمة النصارى إخراج المسلمين من الإسلام
إن أعداء الإسلام يقول أحدهم في مؤتمر تبشيري قد ضم جميع المبشرين في عام (١٩٣٥م) يقول: إن مهمة التبشير التي ندبتكم الدول النصرانية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست إدخال المسلمين في المسيحية؛ فإن هذا فيه هدايةٌ وكرمٌ لهم، إن مهمتكم -يقول المنصر للقسيس والكاردينلات والرهبان، يقول زعيم مؤتمرات التنصير صموئيل زويمر - يقول: إن مهمتكم تجاه شباب المسلمين أن تخرجوهم من الإسلام، ليصبح الشاب المسلم مخلوقاً لا صلة له بربه، وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها يقول القس: وبذلك تكونون بعملكم طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية ثم يستطرد ذلك الكافر النصراني قائلاً: لقد هيأتم جميع العقول في الممالك الإسلامية لقبول السير في الطريق الذي سعيتم له، ألا وهو إخراج المسلم من الإسلام يقول القس أيضاً: إنكم أعددتم نشأًَ لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها، أخرجتم المسلم من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية وبالتالي جاء النشء الإسلامي مطابقاً لما أراده الاستعمار، لا يهتم بعظائم الأمور، يحب الراحة، يحب الكسل، يسعى للحصول على الشهوات بأي طريقة، حتى أصبحت الشهوة هدفاً في حياته، فذلك الشاب إن تعلم فللحصول على الشهوة، وإن جمع المال فلأجل الشهوة، وإن نال مركزاً ففي سبيل الشهوة، إنه يجود بكل شيء للوصول إلى الشهوة.
يقول القس الكبير: أيها المبشرون! إن مهمتكم في إضلال الشباب تتم على أكمل الوجوه.
أيها الشاب: هل تقول لهذا النصراني وأتباعه: سمعاً لكم وطاعةً يا قادة التنصير؟ هل تقول: سمعاً وإذعاناً لتخطيطاتكم؟ أم تقول: لا وألف لا، يا عبدة القردة والخنازير! يا أذناب الطواغيت! يا قتلة الأنبياء! يا من أشركتم مع الله غيره! أتكون من الذين انقادوا للمنصرين والمفسدين والمستغربين والمنافقين، أم تكون من الذين يقولون: كذبتم، ولا والله لا نطيعكم، ويأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون؟ أيها الشاب! الذي ما زلت تداعب الوتر، والسماعة تسهرك، والشريط يغويك، والمجلة تأخذك، والشاشة على الفيلم تجعلك تتابعها، اسمع كلام مستشرق يريد بك الشر ليتكلم على لسان بني قومه جميعاً، يقول مستشرقٌ فرنسي اسمه كيمون: إن من الواجب علينا إبادة خمس المسلمين, والحكم على الباقي بالأشغال الشاقة ويقول: إن علينا أن ندمر الكعبة، وأن نضع قبر محمدٍ ﷺ ، وأن نضع جثة محمد ﷺ في متحف اللوفر هكذا يريد الأعداء الذين ربما رأينا كافراً فتبسمنا له، نريد أن نعرف كلمتين من العجماوات والإنجليزية، بعض الشباب يريد أن يبين لهذا الكافر ( How are you? )، ( Good very good )، ( What are you doing today) ومن الكلام؛ حتى يقول له: إني أعرف اللغة الإنجليزية والله لا يضيرك أن تكون شامخاً عزيزاً بدينك، إني لا أريد أن نبصق في وجوه الكفار حينما نقابلهم، ولا أن نبدأ بالعداوة تجاههم، ولكن إذا نظرت كافر فاعلم أنك تنظر إلى نجاسة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨] نريد أن نرى الكافر بنفس المقياس القرآني الذي أمرنا الله أن ننظر به إليه، هكذا أمرنا: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١] نريد عزةً بالإسلام: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١].
يقول ما سونيٌ من الذين يسعون في تدمير شباب الإسلام، يسعون إلى تدميري وتدميرك، يقول ماسوني يريد تدميرك أيها الشاب: كأسٌ وغانيةٌ تفعلان في أمة محمد أكثر مما يفعله ألف مدفع، فأغرقوا أمة محمد في حب المادة والشهوات.
أيها الأحبة: إن أعداء الإسلام لو دنوا من قبر النبي لسالت دماؤنا دون قبر نبينا، إن أعداء الإسلام لو دنوا من الكعبة لقطعنا رقابنا دون الكعبة، ولكنهم لا يتجهون إلى قبر محمد ﷺ ، ولا إلى مسجده، ولا إلى روضته الشريفة، ولا إلى منبره ﷺ ، ولا يدنون من الكعبة، لكنهم يرسلون فيلماً شريطاً مجلة عاهرة راقصة مغنية فتنة مسلسلاً، وبهذا ينقاد شباب الإسلام، فلا حول ولا قوة إلا بالله! أيها الشاب: هيا بنا ننطلق سوياً في طريق الهداية وطريق السعادة، وهاك الدليل لمن أراد غنىً يدوم بغير مال، وأراد عزاً لم توطده العشائر بالقتال، ومهابةً من غير سلطانٍ وجاه في الرجال؛ فليعتصم بدخوله في عز طاعة ذي الجلال، وخروجه من ذلة العاصي له في كل حال.
стр. 1928
وحيل بينهم وبين ما يشتهون
أيها الشاب: لنكن من الذين أبصروا بأعينهم، وسمعوا بآذانهم، وفقهوا بقلوبهم، ولا نكون من الذين لهم أعينٌ لا يبصرون بها، وآذان لا يسمعون بها، وقلوبٌ لا يفقهون بها، وهم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً.
أيها الأحبة: علينا أن نعود إلى ديننا أيها الشاب: أدرك نفسك قبل أن يفوتك الأمر، ويحال بينك وبين التوبة، ويبدو لك عند الموت ما ليس في حسبانك، واسمع إلى هذا الأمر قبل ختام القضية يقول لي رجلٌ عن صديقٍ له ضابط من الضباط في سجن من السجون، قال: إذا كان فجر يوم الجمعة جاء كاتب العدل من المحكمة ليكتب وصية الذين سوف ينفذ فيهم حكم الإعدام هناك عددٌ من المجرمين يقتلون يوم الجمعة، إما لحد الحرابة، أو قطع الطريق، أو زنا إحصان، أو فاحشة، أو أمر من الأمور، قال: فبعضهم إذا قيل له: قم لتكتب وصيتك عند كاتب العدل، بكى واسترجع، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! وتجده طوال مدته في السجن يبكي، ولا يفارق سجادته، ولا يفارق مصحفه، ويندم ويكثر من الندم والقراءة والاستغفار في فجر ذلك اليوم الذي سيقتل فيه بعد الظهر، قال: ورأينا شباباً يقال لأحدهم: اكتب وصيتك، فإنك ستقتل اليوم، فيقول: ما عندي كلام، يقال له: خذ هذا المصحف واقرأ شيئاً من كلام الله، فيقول: اتركونا من كلامكم يا مطاوعة، يقال له: نهايتك اليوم، فتب إلى الله، فيقول: عندك سيجارة؟ أو اذهب عني يا مطوع ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ:٥٤]، يحال بين الإنسان وبين ما يريد ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤].
أيها الشاب: إياك أن يحال بينك وبين قلبك!
стр. 1929
أبيات وعظية
أيها الشاب: خذ هذه النصيحة في أبيات جميلة:
خلِ ادكار الأربعِ والمعهد المرتبعِ
والضاعن المودعِ وعدِّ عنه ودعِ
واندب زماناً سلفا سودت فيه الصحفا
ولم تزل معتكفا على القبيحِ الشنعِ
كم ليلةٍ أودعتها مآثماً أبدعتها
لشهوةٍ أطعتها في مرقدٍ ومضجعِ
وكم خطىً حثثتها في خزيةٍ أحدثتها
وتوبةٍ نكثتها لملعبٍ ومرتعِ
وكم تجرأت على ربِ السماوات العلا
ولم تراقبه ولا صدقت فيما تدعي
وكم غمضت بره وكم أمنت مكره
وكم نبذت أمره نبذ الحذا المرقعِ
وكم ركضت في اللعبْ وفهت عمداً بالكذبْ
ولَمْ تراعِ ما يجبْ من عهده المتبعِ
فالبس شعار الندمِ واسكب شآبيب الدمِ
قبل زوال القدمِ وقبل سوءِ المصرعِ
واخضع خضوع المعترفْ ولذ ملاذ المقترف
واعصِ هواك وانحرفْ عنه انحراف المقلعِ
إلامَ تسهو وتني؟ ومعظم العمر فني
فيما يضرُّ المقتني ولست بالمرتدعِ
أما ترى الشيب وخطْ وخط في الرأس خططْ
ومن يلح وقت الشمط بفوده فقد نعي
ويحكِ يا نفس احرصي على ارتياد المخلصِ
وطاوعي وأخلصي واستمعي النصح وعي
واعتبري بمن مضى من القرون وانقضى
واخشي مفاجأة القضا وحاذري أن تخدعي
وانتهجي سبل الردى وادكري وشك الردى
وأن مثواك غدا في قعر لحدٍ بلقعِ
آهٍ له بيت البلى والمنزل القفر الخلا
ومورد السفر الألى واللاحق المتبعِ
أي: القبر.
بيتٌ يرى من أودعه قد ضمه واستودعه
بعد الفضاء والسعة قيد ثلاث أذرعِ
لا فرق أن يحلهُ داهيةٌ أو أبلهُ
أو معسرٌ أو من له ملكٌ كملك تبعِ
وبعده العرض الذي يحوي الحيي والبذي
والمبتدي والمحتذي ومن رَعى ومن رُعي
فيا مفاز المتقي وربح عبدٍ قد وقي
سوء الحساب الموبقِ وهول يوم الفزعِ
أسأل الله أن يثبتنا على دينه، اللهم اهد شباب الإسلام، اللهم اهد شباب الإسلام.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 1930
بيوت الله
إن المساجد لها أهمية عظيمة في دين الإسلام، فهي أحب البقاع إلى الله، وقد اهتم النبي ﷺ بالمسجد، وجعله أول قاعدة تنطلق منها الدعوة إلى الله، وزيادة في أهمية المساجد فقد كرمها الله فجعل لها حرمة، ووضع لداخلها آداباً يلتزم بها، وفي هذه المادة تجد الكثير الكثير من ذلك.
стр. 1931
المساجد ومكانتها في الإسلام
إن الحمد الله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
стр. 1932
فضل الذهاب إلى المساجد
معاشر المؤمنين: إن المساجد في دين الإسلام لها مكانةٌ عظيمة ودورٌ عظيم لما فضلها الله ، وجعلها بيوت إقامة الشعائر والعبادة، وجعلها مكان اجتماع للمصلين، وجعلها مهابط نزول ملائكته، حيث تشهد العباد، ملائكته النهار تشهد العباد مصلين، وتفارقهم وهم يصلون، وملائكة الليل تشهد العباد مصلين، وتفارقهم وهم يصلون، ولذا كان لهذه المساجد فضلٌ ومكانةٌ، ودورٌ عظيمٌ في دين الإسلام وفي نفوس المسلمين أجمعين، ولقد جاءت السنة النبوية المطهرة بما يزيد دلالة على مكانة هذه المساجد، وبما يزيد دلالة على فضلها وعظيم لزومها، ومكانة وحسن الأجر والثواب لمن أكثر الخطا إليها، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً كلما غدا أو راح) متفقٌ عليه.
وعنه أن النبي ﷺ قال: (من تطهر في بيته ثم مضى إلى بيتٍ من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله؛ كانت خطواته إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة) رواه الإمام مسلم.
стр. 1933
فضل العناية بالمساجد
ولا عجب في ذلك يا عباد الله! فهي بيوت الطاعة، ومهابط الملائكة، وأماكن اجتماع الموحدين، ولذا كان للعناية بها فضلٌ عظيم، وكان للذين يعتنون بها مزيد مكانةٍ حتى في نفس النبي ﷺ ، جاء عنه ﷺ : (أنه سأل عن امرأةٍ عجوزٍ سوداء كانت تقم المسجد ففقدها النبي ﷺ ، فسأل عنها، قالوا: توفيت، قال: هلَّا أخبرتموني بها؟ ثم قال: دلوني على قبرها، فذهب وصلى عليها) وما ذاك إلا لمكانتها من هذا الفعل الذي فعلته؛ وهو اهتمامها بنظافة المسجد.
واعلموا يا عباد الله! أن تنظيف بيوت الله هو مهر الحور العين في الجنة، ولا شك معاشر المسلمين أن المساجد في بلادنا ولله الحمد تحظى من المحسنين والجهات المسئولة ما لا يحظى به غيرها في كثيرٍ من البلدان، وهذه من أعظم نعم الله على هذه المملكة، حيث يعتنى بإعداد الأئمة والمؤذنين والخدم، ويعتنى بنظافتها وإعداد مرافقها، كل ذلك لتحقيق الهدف الأول والأسمى، وهو تهيئة المساجد لعُمَّارها المصلين فيها.
стр. 1934
النبي ﷺ وعنايته بالمسجد
وقبل أن نخوض في دور المسجد ورسالته نود أن نذكر شيئاً عن مسجد نبينا ﷺ وبنائه.
فقد روى أنس: أن رسول الله ﷺ قدم المدينة مهاجراً، فنزل في علوها في حيٍ يقال له: حي بني عمرو بن عوف، فأقام عندهم أربع عشرة ليلة، ثم إنه أرسل إلى ملأٍ من بني النجار، فجاءوا متقلدين بسيوفهم، قال: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته، وأبو بكر رديفه، وملأٌ من بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، قال: وكان النبي ﷺ يصلي حيثما أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، ثم إنه أمر بالمسجد، قال: فأرسل إلى ملأٍ من بني النجار، فجاءوا فقال: يا بني النجار! ثامنوني بحائطكم هذا -أي: ساوموني على شرائه منكم- قالوا: لا والله ما نطلب ثمنه يا رسول الله إلا من الله، قال أنس: فكان فيه ما أقول، كان فيه نخلٌ، وقبور المشركين، وخرب، فأمر رسول الله ﷺ بالنخل فقُطع، وأمر بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، قال: وصفوا النخل قبلةً، وجعلوا عضادتيه حجارة، قال: فكانوا يرتجزون ورسول الله ﷺ معهم، وهم يقولون:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود.
فتأملوا وانظروا يا عباد الله! عنايته ﷺ بالمسجد حيث جعله أول عملٍ بدأ به بعد هجرته من مكة إلى المدينة، وتأملوا مشاركة النبي ﷺ في البناء معهم بيده الشريفة، فقد ورد في بعض الروايات: (أنه ﷺ لقيه رجلٌ وهو ينقل اللبن بنفسه، فقال: يا رسول الله! ناولني لبنتك أحملها عنك، فقال: اذهب فخذ غير هذا، فلست بأفقر مني إلى الله) يقوله ﷺ ، قال: (وجاء رجلٌ كان يحسن عجن الطين، وكان من حضرموت، فقال رسول الله ﷺ : رحم الله امرأً أحسن صنعته، وقال له: الزم أنت هذا الشغل، فإني أراك تحسنه) فهذه دلالة عظيمة على فضل المساجد وأهميتها، والمشاركة في بنائها بالنفس والمال، ولهذا كان لهذه الآمال أعظم الثواب عند الله ، ففي البخاري وأحمد والترمذي عن عثمان ﵁ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة)، وفي روايةٍ: (بنى الله له في الجنة مثله)، وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من بنى مسجداً صغيراً كان أو كبيراً؛ بنى الله له بيتاً في الجنة) أخرجه الترمذي.
فهذا يا عباد الله طرفٌ من الحديث عن أهمية هذه المساجد ومكانتها وفضيلة عمارتها وبنائها، ولما كانت المساجد بهذا القدر من الشرف والمكانة شُرع للمسلمين نظافتها والعناية بها، وورد النهي عن إحداث الأذى والقذى والقذر فيها، يدل على ذلك ما ورد عنه ﷺ : أنه غضب حتى عرف ذلك في وجهه يوم أن رأى نخامةً في القبلة؛ فشق ذلك عليه، فقام فحكها بيده ﷺ .
فتأملوا يا عباد الله قيام النبي ﷺ لحك النخامة بيده الشريفة عن جدار المسجد، فهل بعد هذا يتورع أو يترفع أحد من المسلمين عن إماطة القذر وإزالة الأذى من المسجد حينما يراه، والرسول ﷺ يزيل الأذى بنفسه، ولم يأمر أحداً بإزالته؟! ويدخل في هذا ما يفعله بعض المصلين حينما يستعمل السواك في فمه، فيتفتت شيءٌ من قطع السواك في فمه فيبصقها أو فيتفلها من طرف شفاهه وهو في الصلاة أو وهو في المسجد على فراش المسجد، وهذا لا يليق، ولا يجوز فعله في المسجد، وإن كنا نراه في كثيرٍ من المسلمين، فعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (البصاق في المسجد خطيئة) أخرجه الجماعة.
стр. 1935
حث الشرع على ذهاب النساء إلى المساجد
ومما ينبغي العلم به من الأحكام المتعلقة بالمساجد: أن النساء يجوز لهن دخول المساجد والصلاة بها، وحضور الندوات والمحاضرات فيها، ففي الحديث عن عبد الله بن عمر ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها)، وفي روايةٍ: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) إلا أنه ورد في بعض الروايات أن صلاة المرأة في بيتها أفضل.
وعلى أية حال، ففي هذا دلالة على مشروعية تهيئة الأماكن المناسبة والمخصصة للنساء في المساجد لمصالح عديدة، أهمها: حضور الخطب والمحاضرات والندوات والدروس الشرعية التي تعود عليهن بأكبر الأثر نفعاً وفائدة، وتزداد الحاجة إلى تخصيص الأماكن للنساء في المساجد في هذا الزمان؛ لقوة الحملة الموجهة إلى النساء الداعية لهن إلى السفور، وترك الحجاب، والاختلاط في الأعمال والتعليم والانحلال، وليس هذا أمراً بدعاً من المتأخرين، ليس مشروعية تهيئة الأماكن المناسبة للنساء أمراً بدعاً من المتأخرين، ولقد مرَّ معنا من الأحاديث ما يشهد لمشروعيته، بل قد ورد ما يدل على تخصيص مداخل معينة للنساء لا يشاركهن الرجال فيه، ففي سنن أبي داود عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لو تركنا هذا الباب للنساء) قال نافع: [فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات] وعن نافع قال: [كان عمر ﵁ ينهى أن يدخل المسجد من باب النساء] أخرجه أبو داود.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٦ - ٣٨].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1936
المساجد والأحكام المتعلقة بها
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل والند والنظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المؤمنين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
معاشر المؤمنين: إن لبيوت الله أحكاماً وآداباً عديدة ينبغي لكل مسلمٍ أن يتفطن لها، وأن يتفقه فيها، وأن يدركها تمام الإدراك؛ حتى يكون من الذين يقيمون لبيوت الله قدرها وشرفها وحرمتها، لا أن يكون كمثل الذين لا يبالون في أي مكانٍ دخلوا، أو في أي بقعةٍ حلوا، فإن بيوت الله لها من المكانة والحرمة ما ينبغي لكل مسلمٍ أن يتفطن لآدابه وأحكامه.
стр. 1937
النهي عن إنشاد الضالة في المساجد
وإن من أحكام المساجد يا عباد الله: النهي عن نشد الضالة في المسجد، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (من سمع رجلاً ينشد ضالةً في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا).
ومثل هذا النهي عن البيع والشراء في المساجد، فعند الترمذي أن النبي ﷺ قال: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك) ويدخل في هذا يا عباد الله ما يفعله كثيرٌ من الذين يرغبون أن يروجوا لشيءٍ من السلع، سواءً كانت أشرطةً أو كتباً أو إعلاناً عن نقليات الحجيج أو العمرة أو غير ذلك، فيضعونها في المساجد، فإن المساجد ليست للدعاية ولا للإعلان، ولا يجوز أن توضع فيها هذه الأوراق، على الإطلاق بنص هذا الحديث، إذ هي بيوت ذكر لله، وبيوت للعبادة، وليست بيوتاً لنشر الإعلانات والدعاية فيها.
стр. 1938
النهي عن رفع الصوت في المساجد لغير حاجة
ومن أحكام المساجد أيها الإخوة: النهي عن رفع الصوت في المسجد بما ليس بحق، فعن السائب بن يزيد ﵁ قال: [كنت قائماً في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ﵁، فقال: اذهب فائتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ ومن أين أنتما؟ قالا: نحن من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكم في مسجد رسول الله ﷺ ] أخرجه البخاري.
стр. 1939
النهي عن أكل البصل والثوم عند الإتيان إلى المساجد
ومن الأحكام المتعلقة بالمساجد: النهي الشديد لمن يأكلون الثوم والبصل ونحوهما عن إيذاء الملائكة والمصلين بروائحها، قال ﷺ : (من أكل البصل والكراث والثوم فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) فمن أكل شيئاً من هذه الأمور فليتق الله ولا يؤذي إخوانه المسلمين، ولا يجعل بعض المسلمين هذا حجةً لترك الصلاة مع الجماعة، بقوله: إني أكلت ثوماً أو بصلاً فلا أصلي مع الجماعة، فهذه حجةٌ شيطانية، ووسوسةٌ خبيثة من أجل ترك الصلاة مع الجماعة، بل الواجب على المسلم إذا أراد أن يأكل هذا أن يفعل ما ورد في بعض الآثار والأحاديث الأخرى والتي جاء فيها: (وإذا كان ولا بد فليمتها طبخاً) أي: إذا أكلها فليأكلها بعد طبخٍ يميت رائحتها، وإن أكلها لحاجةٍ فلا بأس أن يعطر فمه أو يعطر بدنه بشيءٍ يزيل هذه الرائحة التي تؤذي الملائكة والمصلين، لا أن يجعل هذا حجةً في ترك الصلاة مع الجماعة.
وإن مما هو أخبث من الثوم والكراث والبصل الدخان الذي ابتلي به بعض المسلمين، منَّ الله علينا وعليهم بالهداية والإنابة، فإنه أخبث رائحة وأشد نتناً وإيذاءً للمصلين من هذه، إن له رائحة خبيثة وإيذاءً، حتى إن بعضهم إذا صف بجوارك لتهم بقطع صلاتك، واستئناف الصلاة في موضعٍ آخر مما يؤذيك من رائحته، فاتقوا الله يا عباد الله واعرفوا لبيوت الله حرمتها وآدابها.
стр. 1940
حرمة مكث الحائض والجنب في المساجد
ومن أحكام المساجد أيضاً: أنه لا يجوز مكث الحائض ولا الجنب في المسجد؛ لقوله ﷺ : (إني لا أحل المسجد لحائضٍ ولا جنب) أخرجه أبو داود ويسن تطييب المساجد وتعطيرها بالطيب والبخور.
стр. 1941
حرمة اتخاذ القبور مساجد
واعلموا يا عباد الله أن من أعظم نعم الله على هذه البلاد في مساجدها البعد عن وضع القبور والأضرحة في قبلة المساجد أو في ناحيةٍ من نواحيها، ذلك الأمر الذي ابتليت به كثيرٌ من بلدان العالم الإسلامي، بل فتنوا به فتنة عظيمة، وتنافسوا فيه، حتى أنك لا تكاد تسافر إلى بعض البلدان خاصةً تركيا وما شابهها ممن تأثر بها إلا وترى في المساجد الكبيرة القديمة كثيراً من الأضرحة والقبور، إما أن تكون في قبلة المسجد، أو في ناحيةٍ من نواحيه، وهذا لا يجوز إذ قد ورد عنه ﷺ الوعيد الشديد لمن عظَّم القبور وجعلها معظَّمةً في المساجد أو عظمها كالمساجد، فعن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ قال في مرضه الذي لم يقم منه: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) رواه البخاري ومسلم.
стр. 1942
فضيلة بناء المساجد وحرمة زخرفتها
واعلموا يا معاشر المؤمنين أن العناية ببناء المساجد أمرٌ عظيم، فإننا نرى كثيراً من أهل الخير وأهل المال والثرى من كبر في سنه أو أراد أن يوصي بوصيته أوصى ببيتٍ كبيرٍ أو بقصرٍ عامرٍ أو بعمارةٍ شاهقة فجعلها وقفاً في أضحية له، وأضحية أخرى له ولوالديه، وقد كان بإمكانه أن يستغل قيمة هذه العمارة، أو قيمة هذا القصر فيبني بها مسجداً متكاملاً، أو أن يشارك في بناء مسجدٍ يتكلفه نصف تكاليف وأعباء بنائه، إن هذا أمرٌ مهم، إذا كانت الأضحية يناله بإذن الله ثوابها في يوم الأضحى فقط، فإن بناء المساجد فيه فضلٌ عظيم إذا كان من مالٍ حلال، يكون أجر وثواب من صلوا فيها يناله شيءٌ من الأجر والثواب العظيم بفضل الله ومنه في كل يومٍ وفي كل لحظة، كل من صلى فيه فريضة أو نافلة، وكل من اعتكف فيها، وكل من قرأ القرآن فيها، فإن له ثواباً عظيماً، فاجتهدوا في ذلك يا عباد الله! وشاركوا وتنافسوا في بناء المساجد، وخصوا الأماكن التي هي بحاجة، بمزيدٍ من العناية.
أسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا ومنكم.
اعلموا يا معاشر المؤمنين أن بعض أهل الخير وفقهم الله يسرفون أو يبالغون في بناء المساجد وزخرفتها إلى الحد الذي يجعلهم يبنون مسجداً بتكلفةٍ تكفي لبناء خمسةٍ أو عشرةٍ من المساجد، فلو فطنوا لذلك وانتبهوا وتنبهوا لذلك لكانوا بذلك ينالون أجوراً وثواباً وأعمالاً مضاعفةً من فعلهم هذا.
أيها الإخوة: إن البعض يبني مسجداً يتكلف فيه أموالاً طائلة، ولو بنى المسجد بناءً متواضعاً جميلاً مهيئاً لائقاً، وخص بعض بلدان المسلمين في أفريقيا وشرق آسيا بما فضل من هذا المال لبناء عددٍ من المساجد هناك، إذ أن الأرض بأثمانٍ بخسة هناك، والأيدي العاملة بأثمانٍ بخسة هناك، وأجور البناء كذلك، وهم في أمس الحاجة إلى ذلك، إذا كنتم تعلمون أن بلدان أفريقيا تشكو وتعاني من التنصير، وأن النصارى ليل نهار يبنون الكنائس فيها، ويبنون دور التنصير، ويبنون دور إضلال المسلمين وبعدهم عن دينهم، فما بالنا يا عباد الله يتعصب بعضنا ولا يبني المسجد إلا هنا.
نعم، إذا رأيت مكاناً بحاجةٍ فذلك خيرٌ لك أن تخصه بالبناء، وأن يكون البناء متواضعاً بقيمة مناسبة على وضعٍ مناسب، لا أن تبذل المال كله فيه وتترك إخوانك في الباكستان وفي الهند وفي بورما وفي أفريقيا وفي كثيرٍ من الدول والأماكن التي هي بأمس الحاجة إلى بناء المساجد والمراكز الإسلامية.
أسأل الله جل وعلا أن يجعل أعمالنا وإياكم خالصةً لوجهه.
стр. 1943
سبل تفعيل دور المساجد
стр. 1944
بناء المكتبات التابعة للمساجد
اعلموا يا عباد الله أن من دور المسجد أن يكون مكان تجمعٍ لشباب الحي، وأن يكون مشعلاً وقنديلاً للهداية والتأثير على أبناء كل حي، إذ أن المسجد ولا غرابة في ذلك إذا كان يحظى بجماعة من المصلين اليقظين المثقفين المهتمين المعتنين بأبناء حيهم، فإن المسجد بإذن الله يكون له دور إشعاعٍ ودور تأثيرٍ في التأثير على أبناء الحي والمجتمع، ولذلك سبلٌ عظيمة، وعديدة، أولها: بناء مكتبة مناسبة في المسجد وتزويدها بعددٍ من الكتب، وتأمين هذه المكتبة بما يلزم فيها من الأماكن المناسبة للمذاكرة، وإعداد الواجبات؛ لكي يتعود أبناء الحي على ارتيادها ومعاودتها، يستذكرون فيها دروسهم، ويعدون فيها واجباتهم، ويقرءون فيها الكتب التي تفيدهم.
стр. 1945
تأسيس حلقات تحفيظ القرآن الكريم في المساجد
والأمر الثاني من الأمور التي ينبغي أن تعنى بها المساجد وأن يعتني بها الذين هم مسئولون عن المساجد: أن يجعلوا في كل مسجدٍ من المساجد حلقةً لتحفيظ القرآن الكريم، وتعليمه وتدريسه للكبار والصغار، فهذا من أهم الأمور.
стр. 1946
تخصيص مكان للنساء في المساجد
وكذلك أيضاً: تخصيص مكانٍ للنساء بحيث إذا أقيمت ندوة أو محاضرة أو درسٍ من الدروس العلمية النافعة لكي يحضره نساء أهل الحي، لا أن تبقى النساء دائماً في البيوت لا يعرفن إلا القليل القليل من أحكام دينهن، فإن هذا مما يجعل للمساجد دوراً عظيماً.
стр. 1947
أهمية صلاة الجماعة في المساجد
أول وأهم وأعظم وأجل مهمةٍ للمساجد: اجتماع المصلين فيها، وعمارة المصلين لها، وإن كنا في هذا الزمان نلاحظ وندرك أن المساجد تشكوا إلى ربها قلة العمار الذين يحافظون على الصلاة مع الجماعة فيها، خاصةً صلاةً الفجر التي ترتفع فيها المآذن بالتكبير ودعوة (حي على الصلاة) ولكن الكثير عن فرائض الله غافلون، ولكن الكثير عن إجابة دعوة الصلاة في سباتٍ عميق، أبالت الشياطين على رءوسهم؟ أم عقدت العقد على نواصيهم؟ أمَا يتقون الله جل وعلا؟ الواحد منهم يستمتع بسمعه وبصره وجوارحه وكل نعيمٍ وفضلٍ وخيرٍ في ماله وأهله وولده، فإذا دعاه الذي خلقه من العدم، وأنعم عليه بالمال، وأسبغ عليه وافر النعم، ودفع عنه سائر النقم، إذا دعاه ربه إلى إجابة داعي الفلاح تقلب في فراشه وتهاون وترك الصلاة، أمَا يخشى الله؟ أمَا يخشى الذي خلقه ورزقه هذه النعم، أن يسلب عنه نعمة هذه الجوارح؟ وعند ذلك يبقى معذوراً إذا لم يصل في الجماعة، إذا أصبح أشل لا يقوى على الحضور، أو أعمى لا يجد من يقوده، أو أصبح عاجزاً لمرضٍ لا يقوم به من فراشه، عند ذلك يجد لنفسه العذر ألا يحضر إلى المسجد، فما بال القادرين؟ ما بال الأصحاء؟ ما بال الأقوياء يتخلفون عن حضور المساجد؟ وإننا لعلى تقصيرٍ عظيم في تفقد إخواننا الذين لا يحضرون الصلاة معنا في الجماعة، وإن من واجب جماعة المسجد ومن رسالة المسجد ودوره ومكانته أن يتفقد أهل الحي جيرانه الذين لا يصلون، فإن كانوا يصلون في مساجد أخرى اطمأنوا إلى حالهم، وإن كانوا يتهاونون بالصلاة زجروهم ووعظوهم في أنفسهم، وقالوا لهم قولاً بليغاً حتى يصلوا في المسجد مع الجماعة، أو ينفروا ويغادروا من الحي، ورحم الله زماناً قريباً، كان الذي لا يصلي فيه يؤذى من أهل الحي حتى يخرج ويغادر الحي؛ لأن أهل الحي لا يريدون ولا يرغبون من يسكن معهم إلا أن يكون محافظاً على الصلاة مع الجماعة، بعد أن يعظوه وينصحوه ويدعوه إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
أسأل الله جل وعلا أن يمن علينا وعليكم، وأن يجعلنا من عُمار المساجد الملازمين للذكر فيها والعبادة، وأن يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد ولاة أمرنا بفتنة، وأراد علماءنا بمكيدة، وأراد شبابنا بضلال، وأراد نساءنا بتبرجٍ وسفورٍ، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء! اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم من أراد بهذا الدين تحويلاً وتبديلاً، اللهم من أراد بهذه الشريعة تغييراً وتحريفاً، اللهم من أراد بهذا المجتمع خوفاً وزعزعة، اللهم أهلكه على رءوس الأشهاد، اللهم افضحه ولا ترحمه يا رب العالمين! اللهم افضحه على رءوس الخلائق يا رب العالمين! بقدرتك يا جبار السماوات والأرض! اللهم عليك بالإيرانيين الرافضة الفرس، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أهلكهم بدداً، واحصهم عدداً، ولا تبق فيهم أحداً، اللهم لا ترفع سوط عذابك عنهم، وارفع يد رحمتك عنهم، اللهم اجعلهم أحزاباً متضاربين، وطوائف متناحرين، وأهلك الظالمين بالظالمين، ونج اللهم أمة محمد من بينهم سالمين، اللهم عجل زوالهم، اللهم قرب فناءهم، اللهم عجل زوالهم بقدرتك يا جبار السماوات والأرض! اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والسعادة والعافية على طاعتك، ومن كان ميتاً فنوِّر ضريحه، وافتح له باباً إلى جنتك، اللهم نوِّر أضرحة موتانا، اللهم افتح لهم أبواباً إلى الجنان، اللهم جازهم بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، اللهم ضيفهم برحمتك، اللهم قابلهم بعفوك، اللهم عاملهم بمنك وبرحمتك يا أرحم الراحمين! إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا أسيراً إلا فككته، بمنك ورحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، لا إله إلا أنت الحليم العظيم، رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم، اللهم اسقنا، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم اجعله سقيا رحمةً منك عندك وفضلٍ ومنٍ من عندك يا رب العالمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1948
تجيير العقول
لم يجعل الله العصمة إلا لأنبيائه ورسله؛ أما سائر بني الإنسان فهم مجبولون على الخطأ.
وليس وجود الخطأ في عمل عيباً يجعلنا نهدم لأجله عمل أيام بل ربما شهور وسنين، وما حدث في أفغانستان هو خير مثال على هذا؛ لذا وجب العذر لأهله.
стр. 1949
الجهاد شجرة لا تروى إلا بالدماء
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مُخلصاً حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، فالفوز والفلاح والسعادة والنجاة للمتقين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
معاشر المؤمنين! يقول الله جل وعلا: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣].
أيها الأحبة! بقلوب تلقت نبأ الفاجعة، وبأنفس وآذان سمعت خبر المصيبة، فكان شأنها شأن المؤمنين عند المصائب: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦] ودّعت ساعات الجهاد قائداً من قاداتها، وسيداً من ساداتها، ورجلاً من رجالاتها، وداعية إلى التوحيد والسنة من دعاتها، ذلكم هو الشيخ جميل الرحمن، أسأل الله جل وعلا أن يجعل ما نقوله فيه خالصاً لوجه، لا نبتغي بذلك قرباً من أحد ولا بعداً، ونسأل الله أن يجعل ما نقول فيه دليلاً على الولاء للمؤمنين، والبراء من غيرهم.
أيها الأحبة في الله! كلكم سمع هذا الخبر، وتلقى تلك الفاجعة، وليس بغريب، فإن الله جل وعلا يبتلي الأمة ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧].
معاشر المؤمنين! إن الذين حصل ليس بغريب على رجال الإسلام ودعاته وقادته، كم ودع هذا الدين؟ وكم ودعت أمة المسلمين قادة وسادة ورجالات كان لهم شرف وشأن عظيم؟ وإنا لنسأل الله أن تكون وفاته وخاتمته شهادة في سبيل الله، نسأل الله جل وعلا أن يُكرمه بمنازل الشهداء، وأن يجمعنا به مع الأنبياء والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
стр. 1950
حادثة مقتل الشيخ جميل الرحمن
أيها الأحبة! إن القلوب التي تفقه، والأفئدة التي تعي، والبصائر المتدبرة؛ تعلم أن مثل هذه الخاتمة خاتمة كرامة وعزة تُسجل بالدماء آفاق بعيدة، لصفحات وأسفار جديدة لمن مضى وسار على درب الجهاد.
عمر بن الخطاب ألم يمت قتيلاً؟ عثمان بن عفان ألم يمت قتيلاً؟ علي بن أبي طالب ألم يمت قتيلاً؟ كل أولئك من قادة الإسلام ماتوا قتلى، وغيرهم وغيرهم من علماء الإسلام وأئمة الدعوة، ولو دنونا بكم من حقبة مضت إلى زمن قريب نسألكم ونقول: الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ألم يمت قتيلاً؟ إحسان إلهي ظهير ألم يمت قتيلاً؟ عبد الله عزام ألم يمت قتيلاً؟ إن القتل في سبيل الله منزلة لا ينالها إلا القلة، إن القتل في سبيل الله كرامة لا يبلغها إلا الصفوة، لأجل ذا نقول: نسأل الله أن يجعل فقيد الجهاد ممن قال فيهم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣].
أيها الأحبة في الله! في الجمعة الماضية كان حديثنا عن الفتن، وعما يدور ويحصل في الفتن، وعن ضياع الرأي، وزيغة الفكر، وفقدان التبصر عند كثير من الناس حال الفتنة، وكنا في الجمعة الماضية في حديثٍ معكم كما لو كان الواحد يعلم أن الشيخ قد قُتل، أو كما لو كان الواحد عنده نبأ عن قتل الشيخ، فلما صلينا العصر، إذ بثلة من الشباب الأخيار يخبرونني، ويقولون: عظَّم الله أجرك في الشيخ جميل الرحمن، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، نسأل الله ألا يفتنا بعده، وألَّا يحرمنا أجره، ونسأل الله أن يبدله منزلاً خيراً من منزله، وسكناً خيراً من سكنه، وأهلاً خيراً من أهله، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص:٦٠] ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٨].
معاشر الأمة! ليس هذا ببعيد، بل كما قلنا: إن الدعوة والجهاد كلما غذي بالدم كالشجرة التي طالما غذيتها بالماء، أنبتت فروعها، وأسبغت دوحتها، وانتشرت أوراقها.
إن الدعوة والجهاد بقدر ما تُسقى بالدماء تنتشر في مجالات عديدة.
يقول سيد قطب ﵀ عند قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢] يقول: وكم من شهيد لو عاش آلاف السنين ما بلغت دعوته مبلغاً يساوي عُشر ما بلغت، إلا يوم أن رواها بقطرات من دمه، أي: أن الدم يروي الدعوة، الدم يروي الجهاد، الدم يضمن مسيرة قائمة طويلة للجهاد في سبيل الله.
стр. 1951
لا رفعة إلا بتضحية
هكذا كان شأن الصحابة رضوان الله عليهم، فالله جل وعلا يمنح أمة الإسلام نصراً مؤزراً، ومنزلة عالية، ومكانة رفيعة، وهيمنة وسيادة على الأمم، وهذه لا تُنال بالخطب ولا بالتصريحات أو بالمقالات أو بكلام المجالس، إنما تنال بمشانق تُنصب، وبدماء تراق، وبأشلاء تبتر، وبمصائب عظيمة، ولو قدر لأمة أن تنال مجداً من دون دماء، لكان أول من يناله النبي ﷺ ، ألم تدخل حلقتان من حلق المغفر في وجهه؟! ألم يُشج وجهه؟! ألم تُكسر ثنيته وركبته؟! ألم يناله من الأذى ما ناله؟! ألم يجعل السم في طعامه؟! ألم يُجعل سلى الجزور على ظهره؟! ألم يُوضع الشوك في طريقه؟! ألم يُقتل رجاله وأبناؤه وإخوانه وصحابته؟! ألم يُبتلى في الله أبناؤه ودعاته؟! بلى والله.
لو أن النصر والسيادة والعز والتمكين يُنال بالتوقيع وبالوثائق وبالتصريحات لكان أول من يناله نبينا محمد ﷺ ، لا حاجة أن تُراق دماء الصفوة من الثلة من الصف الأول من خير القرون: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) لو كان النصر والتمكين يكون بالهدوء والدعة والراحة والنوم والطمأنينة لكان أولى الناس به النبي ﷺ ، ولكن سنة الله تمضي: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ [فاطر:٤٣].
أيها الأحبة! لقد قدّم النبي ﷺ تضحيات عظيمة، وذلك بتثبيت الله له: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٧٤] لو كان النصر يُنال بالدعة والراحة، أو لو أن نصراً يجيء من دون قطرة دم تُراق، أو يد تُبتر، أو قدم تُشل، أو رُوح تُزهق، أو طعنة في بدن، لكان أولى من ينال هذا آمناً مطمئناً نبينا ﷺ ، ولكن ما بناه ﷺ من دولة الإسلام كان ثمرته ووقوده وثمنه الدماء والأشلاء.
فلا خلافة إلا بالجهاد، ولا جهاد إلا بالدماء والأشلاء، لا نصر إلا بالدين، ولا دين يُسيطر ويُهيمن إلا بالجهاد، ولا جهاد إلا بالتضحيات: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] لسنا سواء قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، الله مولنا ولا مولى لهم، هذا الكلام لأعداء الدين وللكافرين.
معاشر الأحبة: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠].
أيها الأحبة في الله! والله إن الفجيعة عظيمة، وإن المصاب جلل، وإن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا جميل لمحزونون، ولكن هذا يومك الذي كتب الله لك، أكرمك الله به بدلاً من أن تموت على فراشك، أكرمك الله أن تموت ميتة الشهداء، نسأل الله ألا يحرمنا وإياك هذا الأجر.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1952
دور المنافقين في التحريش بين المسلمين
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، فإن الدنيا قصيرة، فلا نقصرها بالذنوب، إن الدنيا قصيرة فلا نقصرها بهموم المعاصي، إن الدنيا قصيرة فلا نقصرها بالفواحش والآثام.
اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤] إن جميل وسياف ورباني وحكمتيار وقادة الجهاد هم قادة، فمن كان يدعم الجهاد لوجود هذه الأسماء، ولوجود هؤلاء الرجال، فهو يتعبد الله بوجود رجال، ومن كان يدعم الجهاد لوجه الله، وإعلاء كلمة الله، فسيمضي على دعم هذا الجهاد سواء كان الشيخ جميل حياً أو ميتاً، أو سواء كان سياف أو حكمتيار حياً أو ميتاً.
معاشر المؤمنين! هذه عقيدتنا ولا نؤجر شيئاً من العقيدة، ولا يخير شيئاً من الأفكار، ولا نرضى بإعارة شيء من العقل أبداً.
أيها الأحبة! إنما حصل فتنة، وإذا أراد الله أن يُتم أمراً سلب ذوي العقول عقولهم، إنها فتنة ظالمة غاشمة، ولكن هل يسعنا أن نقول: حزب لـ حكمتيار هو المجرم، أو جماعة للشيخ جميل هي المجرمة الآثمة، لا، يقول ابن العربي ﵀، وفهرس محب الدين الخطيب لهذا الكتاب في العواصم من القواصم، قال: الفئتان كانتا على حق، والفئة الباغية فئة ثالثة، ينبغي أن ندرك هذا جيداً، لا نجعل عقولنا ضيقة لا تفهم، أو لا تعي من الاحتمالات إلا أن يكون هذا الحزب مجرم، أو هذه الجماعة مجرمة، أو هذا الحزب خاطئ، أو هذه الجماعة مخطئة.
نقول: لا، إنهم ليسوا معصومين، ولا مبرأين، يندس في صفوفهم من ينتسب لهم بظاهر مذهبه، أو بظاهر زيه، وإن كان في حقيقته ليس منهم، يندس في صفوفهم من يتكلم بلغتهم وليس منهم، وحينئذٍ يظن البسطاء أن الجريمة ارتكبها الحزب ضد الجماعة، أو أن الجماعة هي التي فعلت هذا ضد الحزب، لا والله، إن من وقر الجهاد في قلبه، وإن من غلّب المصالح ورجح المقاصد النافعة، ووازن بين المفاسد وغيرها، واستطاع أن يعرف أدنى المفاسد من أعلاها، وأعلى المصالح من أدناها، إن الذي رجح هذا لحري بأن يعرف أنه لو قامت مشكلة، ليس هذا أوان علاجها بالنار، والشيوعية لا زالت جاثمة على كابول.
ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل، اندس بين الصفوف من اندس، ومنذُ القِدم ونحن نسمع بمناوشات وبأناس من المنافقين والعملاء والدخلاء، هم الذين يغذون هذا الخلاف، وينسبون إلى القادة ما ليس فيهم، وينقلون ما لم يكن، ويتحدثون بما لم يحصل، ومع هذا كله ما استطاعوا أن يفرقوا بين المجاهدين، أو يثنوا بينهم وبين المضي في تحرير كابول من الشيوعيين.
ولما علم السفلة والخونة وأذناب الاستعمار وعملاء أجهزة المخابرات أن التحريش بالكلام لم يجد قالوا: لا بد من التحريش بإطلاق النار، وليس عجيباً أن تتأمل في الصف، فترى ضعيفاً معتوهاً غبياً ساذجاً فتغسل دماغه، وتقول له: إن الأمر هكذا، ولو قتلت هذا لكان فيه صلاح، ليس غريباً أن تستغل رجل في نفسه من الحقد والعداوة ليقوم بتنفيذ هذا الأمر، وفعلاً حصل هذا، ولما سألنا عن حقيقة هذا القاتل، قالوا: هو صحفي في مجلة من المجلات التي تخدم المجاهدين، أو هو مراسل، ولكن انظروا كيف تخترق الصفوف ليدخل أعدى أعدائها في ثناياها.
ومعاذ الله أن نقول: إن تلك الجماعات أو تلك الأحزاب سواء جماعة الشيخ جميل على كفر وشرك ووثنية وضلالة، نستغفر الله، إن اتهام الأمة بالجملة اتهام الأمة بالجزاف، وهذا أمر لا يقبله العقلاء، هل من المعقول أن نرمي بثلاثة عشر عاماً من الدماء والأشلاء والأيتام والجماجم والثكالى والأيامى والمشردين والأموال والإغاثة والتضحيات والفكر والوقت عرض الحائط عند قتل واحد من خيرة قادات الجهاد، معاذ الله أن نقول بهذا أيها الأحبة.
أين العقول؟ نقطع الدعم عن الجهاد لما قُتل أحد رجالاته وساداته، بل إن الأمر والوفاء والصدق أن نمضي على طريقه إلى أن نلقى الله جل وعلا، أن تقوم الساحة وأن يُدعم الجهاد دعماً كاملا بجميع أشكاله إلا ما استثني من دعم الصوفية والمخرفين.
أما أحزاب عرفناها من قديم، كـ الحزب الإسلامي لـ يونس خالص، من دعاة الجهاد وعلماء المجاهدين، وحزب قلب الدين حكمتيار، وحزب الاتحاد لـ سياف، والجمعية الإسلامية لـ رباني، وجماعة الدعوة للشيخ جميل، وخلفه كما علمت سميع الله، نسأل الله أن يجعله خير خلف لخير سلف، وأن يسدده، وأن يبصره، وأن يعينه على إطفاء نار الفتنة، وأن يبصره ويعينه على طرد العملاء والمنافقين، وأن يكون سبباً لجمع الشمل، وامتداداً لنشر التوحيد، وتعليم العقيدة والدعوة.
أيها الأحبة! معاذ الله أن يجمع ربنا أمة الإسلام على دعم جهاد بين مشركين وموحدين، هذه مصيبة ثلاثة عشر عاماً والمسلمون في أنحاء العالم يدعمون الجهاد حتى نأتي في اللحظة الأخيرة ونقول: جماعة على التوحيد، وبقية الجماعات على وثنية أو شرك.
معاذ الله أن نقول هذا! وإن هذا يخدم أعداء الدين، لو تعصبنا لجماعة واحدة وتركنا بقية أحزاب الجهاد، ما الذي ينبني عليه؟ كلٌ يضع يده على كتفه، ويقول: الأمر انتهى، والجماعة التي دُعمت جماعة فلان فهي تتولى مسئولية الجهاد، وكلٌ ينكص على عقبه، وتصمد جماعة واحدة للشيوعية، ثم يتكالب عليها الأعداء من كل حدب وصوب، فيئدونها في مضجعها، ويقتلونها عن بكرة أبيها.
إن جماعة الدعوة ليست رخيصة إلى هذا الحد حتى نقطع الدعم عن كل جماعة إلا هي، فنجعلها وحدها في الساحة لا تدري تكابد من: الشيوعيين أم العملاء أم المنافقين، بل واجبنا أن ندعم الجماعات جميعاً، حتى يصلوا بهذا الجهاد إلى بر الأمان وشاطئ السلامة، وإقامة الدولة على السنة.
стр. 1953
قاعدة: درأ المفاسد وجلب المصالح
معاشر المؤمنين! لا نجير عقولنا لأحد، لو أن رجلاً في الجنوب أو في الشمال رأيناه يعقد تميمة، هل من المعقول أن نقول: إن قاضي البلد من المشركين؟ لو رأينا رجلاً في الرياض يعتقد بالشعوذة، أمن المعقول أن نقول: إن سماحة الشيخ من المخرفين أو المشركين؟ إذا ارتكب الذنب ذاك نتهم هذا بمصيبته، وهب أن الرجل نُصح ودُعي إلى قطع تميمته، أو إزالة منكره، فأبى وأصر وحوله من قبيلته الجاهلة ما يتعصب به، والمجاهد أو القائد بين أمرين: بين مضيٌ في جهاد الشيوعيين، وبين التفات لتعليم هذا.
أمن الحكمة أن نقول: دع جهادك وابدأ بقومك فقاتلهم على تميمة أو علم أخضر على قبر، ليكون علامة لشهيد؟ أنا لا أقول هذا إقراراً به، لكن أقول: إن من طلب العلم، وعرف المقاصد والمصالح، والمفاسد والمنافع، ووازن بينهما، عرف أن ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما أمر مطلوب، وعلم أن تفويت المصلحة الصغرى لتحصيل مصلحة كبرى أعظم مطلوب.
إن سب المشركين وآلهتهم مشروع، ولكن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] ترك سب آلهة المشركين حتى لا يجُر ذلك إلى أن المشركين يسبوا الله.
قال ﷺ لـ عائشة: (لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، لهدمت الكعبة وأعدت بناءها على قواعد إبراهيم) ومع ذلك ترك النبي ﷺ هذا الأمر الراجح لأمرٍ مظنون أو لأمر قد يقع، ألا وهو أن تهتز نفوس القوم لمكانة وعظمة الكعبة في قلوبهم.
نحن لا نقول: نرضى بالتمائم، أو من رأيناه معلقاً تميمة أو وضع علماً أخضر على قبر من قُتل، نحسبه من الشهداء أو نسأل الله أن يكون من الشهداء، نحن لا نقول له: هذا عمل جيد، هذا عمل من السنة، لا، لكن نقول: انصحه، وبين له، وقرب له الأمر.
من الناس من يظن أن الوضع في أفغانستان كالوضع في الرياض أو كالوضع في جدة، أو كالوضع في الجنوب أو الشمال، بمعنى أنه لو أخطأ أحد فبإمكانك أن تأمره، فإذا لم يأتمر بوسعك أن ترفع به إلى قاضي البلد، ويُستدعى ويحاكم، ويقام عليه الأمر.
يظن أن الأمر هكذا، ولا يعلم أن الأفغان من البادية شيء كبير، قبائل شتى، ولو أن رجلاً اعتدى على واحد منهم في أمر تربى عليه منذ الطفولة لكان حرياً أن يستنجد بأرومته وقبيلته، ثم حينئذٍ ماذا يكون شأن القائد؟ هل يقاتل قومه، أم يقاتل الشيوعيين؟ من قال: إن المجاهدين لا يريدون أن يغيروا أو يصلحوا؟ ولكن منهم من يقول: نبدأ بهذا بطريقتنا وأسلوبنا، ونقول: أنت على حق وجزاك الله خيراً، ومنهم من يقول: نشتغل بالشيوعيين، ونوجه النصيحة لهؤلاء، ونقول: جزاك الله خيراً، وأنت على حق.
أما أن نريد أن نجمع الأمة بالقوة والقهر، ونحن لم نتمكن بعد، نورث خلافات ومصائب وأمامنا العدو الأكبر وهو الشيوعية، ثم من هو الذي يقول: إن مسألة التميمة تساوي مسألة الإلحاد والشيوعية، أين العقول أيها الإخوة؟! إن مصيبتنا ممن لم يفقه إلا حديثين أو ثلاثة، أو آيتين أو أربع، ثم يذهب يوماً أو يومين أو أسبوعاً أو أسبوعين، ثم يقول: نصحت فلم يغيروا التميمة، أمرت فلم يرفعوا العلم.
شيء طبيعي لا يغيروا، من أنت حتى نغير لك؟! هل عرفناك بالتضحية؟ هل ذقت شيئاً مما ذقناه؟ هل جعت كما جعنا؟ هل عطشت كما عطشنا؟ هل رأيت من الجراح والآلام كما رأينا؟ هل رأينا منك الصبر والثبات كما صبرنا؟ ثم بعد ذلك إذا وُجد من استطاع أن يثبت يكون حري بأن يغير، وما أكثر الشباب الذين عرفتهم في جبهات الشمال، في بنشير وبدخشان وهرات، وفي جبهات أخرى، عاشوا ثمانية أشهر وعشرة أشهر، تواضعوا، تأدبوا تلطفوا، حتى تَعلَّم الأفغان منهم التواضع وحسن الأدب.
ثم قربهم إلى قلبه، وقربهم إلى الكتاب والسنة، وأثنى على الإمام أبي حنيفة؛ لأنهم يعتقدون في الإمام أبي حنيفة إمام المذهب، وهم جهلة عندهم أن الله لا يمكن أن يعبد إلا على طريقة أبي حنيفة عند بعضهم.
ولا يُلام إذا تربى على ذلك، لكن إذا بقيت عندهم، وأحسنت صحبتهم، وكسبت قلوبهم، ثم قلت: إن الإمام أبا حنيفة ﵀ من أقرب المذاهب إلى عهد النبي ﷺ ، وإن الإمام الأعظم أبا حنيفة من الذين يقولون: ما وافق الكتاب فهو مذهبي، وإذا صح الدليل فهو مذهبي، اعرضوا قولي على الدليل، فإن وافقه وإلا فاضربوا به عرض الحائط، حينئذٍ تعرض عليهم الدليل وتقول: هذا مذهب أبي حنيفة، فيقبلون به ويسمعون.
أما أن تأتي لمدة أسبوع أو أسبوعين، وتريد أن تقطع التمائم من الصدور بهذه الطريقة، أين العلم والوعي والبصيرة والحكمة في الدعوة إلى الله يا إخوان؟!
стр. 1954
جهاد سنين لا تضيعه نفثة منافق
من الناس من يُريد أن يغير أناساً عاشوا سنين طويلة على جهل، وهي مسئوليتنا وليست مسئوليتهم فحسب، بل مسئوليتنا نحن يا معاشر الخريجين، وحملة الشهادات، وطلبة المعاهد، وأبناء الكليات ممن لم يُكلف نفسه عناء السفر ولو على حدود المملكة لتعليم الناس الفاتحة، أو لتعليم الناس الأصول الثلاثة، وآداب المشي إلى الصلاة، وكشف الشبهات.
نريد أن يتغيروا ونحن لم نتحرك، نريد أن يصلحوا ونحن لم نُصلح، نريد أن يحسنوا ونحن لم نُحسن، أي أمر هذا الذي نريده؟! أنتحدى؟! أنطلب إعجازاً؟! فلنتق الله في شأن الجهاد، ثم إننا لو سلّمنا بقطع الجهاد -الجهاد في أفغانستان - لخلدت روح الجهاد في شباب المسلمين، إنني أفرح يوم أن يأتي شاب يقول: أريد الجهاد ووالدي لم يأذن، أقول: اقنع والدك، واستعن بالله، وادع الله في الليل أن يهدي الله والدك للجهاد، ويأتي بعد يومين يبشر أن أباه وافق، ويقول: أذهب إلى أين؟ تنصحني إلى من؟ أذهب إلى جبهة من؟ أقول: اذهب إلى من شئت ولا تتعصب، وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، سواءً في الشمال أو في الجنوب أو في كنر أو في جلال أباد أو خوست، أو أي مكان من الأماكن.
ما رأيت من صواب فأعن وثبِّت، وما رأيت من خطأ فتلطف وأصلح، هذا هو منهج الدعاة، ليس منهج الشطط.
ونحن أناس لا توسط بيننا لنا الصدر دون العالمين أو القبر
إما أن تصلح كلها، وإما أن تخرب كلها، هذا جهل يا إخوان، هذا تضييع لجهود المسلمين، هذا خطأ في التفكير، هذا خطأ في التصور، ونسأل الله جل وعلا أن يثيب شبابنا.
إننا والله نقول هذا الكلام ونعلم أن من شبابنا من قد يضيق صدره بهذا، أقول: من القلة، وهؤلاء القلة، أقول: أسأل الله أن يثيبكم، وأسأل الله أن يثبتكم، وأسأل الله أن يجزيكم على غيرتكم، هل غاروا لأجل دنيا؟ هل غيرتهم لأجل منصب؟ هل غيرتهم عصبية؟ غيرتهم لله ورسوله، فهم والله يؤجرون، وما أجمل الأجر إذا وافق الصواب! من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر.
لا أقول مسفهاً أو متكلماً بآرائهم، لا والله، وإنما أتمنى أن يجمع الله لهم مع إخلاصهم الغيرة لدينه، وللتوحيد والعقيدة، أن يجمع لهم حُسن السبيل والوسيلة واللين، حتى يبلغوا بر الأمان.
ويا شباب الجهاد أجمعين! دوركم أن تجمعوا بين الناس، دوركم أن تألفوا صفوف القادة، اتصلت البارحة بأحد القادة وكلمته في الأمر، قال: ادع الله لنا بأن يجمع شمل القادة، إن الفتنة مصيبة، والطريق إلى الفتنة هو الاختلاف، فإن كنتم صادقين في حب الجهاد، فادع الله أن يؤلف بين قلوب القادة، وهناك جهود ماضية، ولجان مستمرة في التحقيق في هذا الحادث، ومن عُرف بجريمته يُقدم للمحاكمة ويُقتص منه، ولو تمالئ على قتل الشيخ أهل صنعاء لقتلوا به، كما قال عمر: [والله لو قتله أهل صنعاء لقتلتهم به].
إن الأمر حينما نقول: إننا ندعو الله أن يُصلح الحزب، وأن يُصلح الجماعة، نحن لا نُزكي أو نقول: هذه جماعة معصومة أو حزب معصوم، وأيضاً لن نضرب بهذه القيادة وهذه الجهود عرض الحائط، رجل يخوف أوروبا، هل من السهولة ألا نعبأ بشخصيته وسيرته؟ رجل يتمنى رونالد ريجان أن يقابله مرتين، فيقول: لا يُشرفني مقابلته، لا نبالي بشخصيته ولا نعبأ بمنزلته، أخطر وأكبر تنظيم منظم عسكري بقوة، هو الحزب في أفغانستان، فهل نرمي به عرض الحائط؟ أم نبحث عن الذين كانوا وراء الفتنة، ونسأل الله أن يُظهر من كان وراء الفتنة، وأن يُمكن القضاة واللجان منه، وأن يُقام عليه الحد، وأن يُقتص منه، ونسأل الله أن يُهلك من بهلاكه صلاح المجاهدين.
فلا تك فيها مُفرِطاً أو مفرِّطاً كلا طرفي قصد الأمور ذميم
نحن أيها الإخوة! بحاجة إلى التوازن، وبحاجة إلى الوسطية، وبحاجة إلى العدل: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥] ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾ [المائدة:٨].
هذا في شأن من نكرههم، فما الحال بشأن من نحبهم في الله وفي الجهاد في سبيل الله؟! المسألة جد خطيرة، فلننتبه لها جيداً أيها الأحبة، ومن كان ساعياً فليُصلح بين القادة، وليُصلح بين الشباب، وليُؤلف قلوبهم، وليحرص أن يذيب العصبية بين الناس، إن التعصب شر: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦] ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً﴾ [النحل:٩٢] نجمع ونبني وندعم ونؤسس ونجاهد، ثم نرمي بالجهاد عرض الحائط، لنقول: أين الساحة القادمة؟ أهكذا شأننا؟ تخطيط أهوج، ثلاثة عشر عاماً جهاد، ثم نرمي به عرض الحائط ونقول: الساحة القادمة مانيلا، الفليبين أو مورو نقاتل فيها، أو ثم نقاتل عشر سنوات، ثم إذا عرفنا بشيء حصل بين نور مسواري أو سلامة هاشم، قلنا: اتركوا هذا الجهاد نذهب إلى أثيوبيا، ثم إذا ذهبنا إلى أثيوبيا عشر سنوات رضينا به.
ليس هذا بعقل، ونحن مسئولون عن دماء الأمة، وعما حصل، نجير هذا ونضيعه بين عشية وضحاها، ماذا تقول للقتلى والشهداء واليتامى والثكالى والأبرياء؟ أججتمونا حتى بلغنا هذا الأمر، ثم تركتمونا، ما ذنب الشيخ المشرد العجوز، المرأة، الطفل، اليتيم، الجريح المعوق؟ ما ذنب أولئك جميعاً؟ هم موجودون في كل حزب، وموجودون في كل تنظيم.
فيا أمة الإسلام! انتبهوا لهذا، وإذا سمعتم من يسب هذا ويمدح هذا، أو يسب هذا ويمدح ذاك، فقولوا له كما قال عمر بن عبد العزيز ﵀ لما ذكرت الفتنة عنده، قال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤] ولما قال ابن عباس للربيع بن خثيم: [لو رآك الرسول لأحبك] لما قيل له: إن الحسين أو علياً قُتل، قال: ﴿اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر:٤٦] هذا شأن المسلمين، شأن أهل السنة والجماعة مع نصرة الحق في كل شبر، في كل موقع وأرض، ونسأل الله ألا تكون عصبيتنا لأشخاص دون مناهج، نسأل الله أن يكون ولاؤنا للحق، وعصبيتنا للحق، ودعوتنا إلى الحق.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم اهلك من بهلاكه صلاح المجاهدين، اللهم اهلك من بهلاكه صلاح واجتماع شمل المجاهدين يا رب العالمين يا أرحم الراحمين، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم أقم دولتهم، اللهم اجمع أحزابهم، اللهم ألف قادتهم، اللهم اغفر لميتهم، اللهم فك أسيرهم، واجبر كسيرهم، واكفل يتيمهم، وتلطف بضعيفهم يا رب العالمين، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين المنسية، وفي سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.
اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، اللهم ولِّ علينا خيارنا واكفنا شرارنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم اختم بالشهادة والسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا.
اللهم حبب إلينا دينك وثبتنا عليه إلى أن نلقاك، اللهم اجعل المعاصي أبغض ما نرى، والملاهي أبغض ما نسمع، اللهم بغض وكره إلى نفوسنا المعاصي والفواحش والملاهي والمنكرات.
اللهم ادفع عنا الربا، اللهم ادفع عنا اللعنة، اللهم ادفع عنا الربا والزنا والزلازل والمحن والفتن ما ظهر منها وما بطن يا رب العالمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 1955
تربية الأبناء
تحدث الشيخ حفظه الله عن جانب مهم أغفله كثير من الآباء، ألا وهو معاملة الأبناء بالطريقة التي تعود عليهم بالنفع في الدنيا قبل الآخرة، وهذه الطريقة هي معاملة الأبناء على هدي النبي ﷺ ؛ من احترامهم وتقديرهم والاستماع لآرائهم، وإتاحة المجال لهم لإبراز مواهبهم.
стр. 1956
ملحظ في تربية الأبناء
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جلَّ عن الشبيه والند والمثيل والنظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم البعث والنشور.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩].
معاشر المؤمنين: يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم:٦].
أيها الأحبة: كلكم يعلم أن هذه الآية الجليلة أصلٌ عظيمٌ وركنٌ متينٌ في باب التربية وفي باب العناية بالنشء والأولاد عامة، والصغار خاصة.
أيها الإخوة: موضوعنا اليوم هو أن نتعرف على ألوان من أساليب تعامل الكثير منا مع أولادهم الصغار.
إن كثيراً من المسلمين -هدانا الله وإياهم لما يحبه ويرضاه- لا يقيمون للطفل الصغير في البيت وزناً، ولا يظهرون له تقديراً أو احتراماً، وقد يعجب بعضكم: ومن هو هذا الصغير الذي هو كفءٌ أن يظهر له التقدير والاحترام؟! نعم أيها الإخوة! إنه ولدي وولدك وأخي وأخوك وابني وابنك.
عباد الله: بعض المسلمين هداهم الله يتسببون في إحداث العقد النفسية وآلام الانفصام والقلق وعدم ثقة الطفل بنفسه؛ وذلك بنوع المعاملة التي يعاملون بها الأطفال والصغار، فترى الواحد منهم إذا كان عنده ضيوفٌ أو بعض أصدقائه أو جيرانه، تراه إذا دخل ولده الصغير عليهم، طرده قائلاً: اخرج، أو اذهب إلى أمك أو تنحى عن هذا المكان، أو لا ينبغي لك أن تجلس هنا.
أيها الأحبة: إن هذا من الأساليب العقيمة في التربية، وإن هذا الأسلوب والسلوك مع الصغار ليحطم جرأتهم، وليقلل كثيراً من قدراتهم ومواهبهم التي ربما نلنا منها خيراً كثيراً لو فتحنا مجال المعاملة، وفتح باب الصدر معهم.
فالذي ينبغي لنا يا عباد الله! أن نلتفت لهذا الصغير، وأن نعامله معاملة كريمة، فإذا دخل عليك في مجلسٍ وأنت ترغب أن يجلس معك فيه أحد، فلا تطرده من أول وهلة من حين دخوله، دعه حتى يجلس، ثم ناده بعبارة لطيفة هادئة، فإذا استقر مكانه بجانبك خاطبه كأنك تخاطب رجلاً كبيراً عاقلاً، وإن كان لا يفهم كثيراً مما تقول؛ لكن ينبغي أن تخاطبه كما تخاطب الكبار في سنهم، فتقول له: يا ولدي، لي مع جاري هذا أو صديقنا حديثٌ خاص أود ألَّا يشاركنا فيه أحد، فلو سمحت بالذهاب إلى داخل البيت، أو تركت لنا الفرصة والمجال لنتحدث سوياً، عند ذلك سيطرق الطفل برأسه وسيحرك رأسه ويظهر لك أنه يفهم ما تقول، وإن كان لم يفهم من كلامك إلا رغبتك في انصرافه، لكنه على أية حال علم أنك أقمت له وزناً، ولمكانته قدراً، وخاطبته بأسلوبٍ يحبه ويريحه، خاصة أمام الآخرين.
إن الكثير من الآباء الذين وقعوا في زجر وطرد أبنائهم، وبعضهم يقعون في سب وشتيمة أطفالهم، سواء في المنزل أو أمام الضيوف، أو أمام أولاد الأقارب والأصدقاء والجيران، إنهم ليجنون جريمة تربوية في حق أطفالهم ونشئهم، أتدرون ما يحدث هذا النوع من المعاملة للأطفال الصغار؟ إنه يحدث لهم عقداً نفسية، فيظنون أنهم غير قادرين على مخاطبة الكبار، ويظهر ذلك يوم أن يأتي صديقٌ من أصدقائك إلى منزلك فيريد أن يسأل عنك فلا يستطيع هذا الطفل جواباً، بل قد تجده يحرك رأسه يمنة ويسرة أو يتمتم بكلماتٍ وعبارات لا تفهم، في حين أن من في سنه من الأطفال يتحدثون ويتكلمون ويفهمون الكلام ويردون الجواب، وما سبب تلك المشكلة في نفس ذلك الطفل إلا نوع المعاملة التي لقيها من أبيه وأمه.
أمرٌ آخر: أن الطفل إذا أخطأ في بعض الحالات فكثيرٌ منا يظهر مقدرته الرجولية وكفاءته التربوية بضرب هذا الطفل الصغير وجلده ومعاقبته أمام أبناء الجيران، وأمام أولاد الأقارب والأصدقاء، وهذا خطأٌ عظيم، إذ أن طفلك في حقيقة أمره يود لو جلدته ألوان الجلد سراً، المهم ألا يراه الصغار من أبناء الجيران أو الأقارب وهو يهان ويضرب ويجلد، لأنه يعلم في قرارة نفسه -وإن لم يستطع التعبير عن هذا- أن مكانته واحترامه أمام أنداده وأقرانه من الصغار تظهر من نوع معاملة الوالدين له، فإذا أخطأ طفلك أو ارتكب خطأً من الأخطاء؛ فواجب عليك أن تدعوه على انفراد، وتخلو به، وتشرح له حقيقة ما فعل، وأخطاء ما ارتكب، وما يترتب على ذلك لو أنه فعل هذه الفعلة مرة أخرى، هكذا ينبغي أن نعامل الصغار، وهكذا ينبغي أن نحترم قدراتهم ومواهبهم.
إن هذه الطائفة من الأجيال الصغار الذين نظن أنهم لا يحسنون نطقاً ولا يفهمون كلاماً، ولا يجيدون تصرفاً، إن الكثير منهم ليملك مواهب عالية، وطاقاتٍ عجيبة، لكنها في حدود سنه، وفي حدود الزمن، وفي حدود المرحلة التي يمر بها، فإذا أحسنا التعامل مع حدود هذا الطفل من حيث سنه ومرحلته، فإننا نجني مع ذلك خيراً عظيماً.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1957
احترام الأولاد في الصغر يُظهر ثمرته في الكبر
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
стр. 1958
تواضع النبي ﷺ للأطفال
أيها الإخوة: قد يعجب بعضكم من حديثنا آنف الذكر وهو أن نقيم للأطفال قدراً واحتراماً، أقول: لا تعجبوا ولا تستغربوا، فإن ذلك من هدي المصطفى ﷺ ، يقول أنسٌ ﵁: [كان النبي ﷺ إذا مر على الصبيان سلَّم عليهم].
إن كثيراً منا ليمر على الكثير من الأطفال الصغار، فيربأ بنفسه أن يلتفت برأسه باسماً أو باشاً إليهم، وبعضهم يرتفع بقدره عن أن يسلم عليهم، لست أفضل من نبينا، ولست أكرم من رسولنا ﷺ الذي يقف للعجوز والصغير والكبير، يقول أنس: (كان يسلم على الصبيان) فهذا دليلٌ وأصلٌ وقاعدةٌ في احترام الأطفال الصغار وإظهار قدرهم؛ لأنه منذ تلك اللحظة التي يدرك الصغير فيها أننا نسلم عليه ونلتفت له، ويعلم أن ألواناً من الآداب والأخلاق لابد أن تسود هذا المجتمع في جانب المعاملة، وفي جانب معاملة الصغار للكبار، والكبار للصغار، فينشأ عليها نشأة تربوية إسلامية صالحة، أما أن نترفع عنهم، أو نسبهم، أو نشتمهم، أو نظهر لهم ألوان السباب والكلام البذيء، فإنهم يلتقطون منا ما نخرجه إليهم وسيردون البضاعة علينا في يومٍ من الأيام؛ فينبغي أن نقدم لهم بضاعةً نظيفةً طيبةً صالحة، حتى إذا دار النقاش أو حصل الكلام، سمعنا منهم ألطف العبارة، وألين الكلام، وأجمل الأساليب؛ لأننا نحن الذين زرعنا وبذرنا ذلك في نفوسهم، فعند ذلك نحصد ثمرته، ونجني عاقبته.
إن بعض الآباء هداهم الله لا يرون للأطفال محبة ولا تقديراً أو كرامة، بل إن بعضهم لا يكون في قلبه الرحمة لأولاده، ولعل الكثير منهم بسبب تبلد حسه لا يلتفت إلا إلى الصغير منهم فقط، وقد لا يلتفت إليه، وأما بقية أولاده فإنه لا يلتفت إليه ولا يداعبه ولا يلاعبه ولا يمازحه، وهذا خطأٌ عظيم، إن هذا نوعٌ من الجفوة والقسوة.
دخل الأقرع بن حابس على النبي ﷺ ذات يوم، فرأى أحد بني ابنته جالساً على رجله يقبله، فقال الأقرع بن حابس: (أوتقبلون صبيانكم يا رسول الله؟! قال رسول الله ﷺ : نعم، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحداً منهم، فقال ﷺ : أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك، من لا يَرحم لا يُرحم).
إذاً يا عباد الله: أظهروا وأبرزوا وبينوا معالم العطف والرحمة باحتضان الأطفال، وبالالتفات لكلامهم، وتفهم ما يحتاجونه، والنظر إليهم بعين التقدير والاحترام، فهذا كفيلٌ وحريٌ بأن يظهر ويغرس نوع المعاملة المبنية على الكرامة والتقدير والاحترام بين الولد ووالده.
ألسنا نرى كثيراً من الآباء يدعو ولده فلا يلتفت إليه، وينادي ولده فلا يجيبه، ويصرخ بولده فكأن شيئاً لم يحدث! لماذا؟ لأن الطفل مراتٍ ومرات، صاح بوالده، يا أبتِ! ما هذا؟ فلا يجيبه، يا أبتِ! أخبرني عن هذا؟ فلا يلتفت إليه، يا أبتِ! ما هو السبب في هذا؟ فلا يقيم لسؤاله وزناً ولا قدراً، فعند ذلك يعامله بنفس الأسلوب في باب جواب النداء، فلا يلتفت الصغير إلى الأب يوم يناديه، ولا يلقي له بالاً في كثيرٍ من الأحيان والأحوال.
وعلى أية حال، إنك لن تجني من الشوك العنب، ينبغي أن نتفهم أحوال صغارنا وأن نلتفت لهم، وإن مما يؤسف له أن نرى بعض الأسر الغربية في دول الحضارة الغربية الساقطة من الذين أقاموا لهذه الناحية وزناً وقدراً في مرحلة الطفولة، لكنهم سرعان ما يضيعون جهودهم يوم أن يصل الفتى أو الفتاة إلى مرحلة المراهقة، فيطلقون باب الإباحية والعلاقة المفتوحة لهم، على أي صعيدٍ وعلى أي مستوى، وبأي أسلوبٍ يتعرفون ويرتبط بعضهم ببعض.
ينبغي أن نكون -معاشر المسلمين- سباقين لهذا الأمر وأن نفهمه، لا سيما وأن له أصولاً عظيمة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، لقد كان النبي ﷺ ذات يومٍ واقفاً يخطب، فإذا بأحد بنيه يمشي يتعثر في ثوبٍ له، فنزل ﷺ وحمله على يده، وأتم خطبته وحديثه، لقد كان ﷺ ذات يومٍ ساجداً فجاء الحسن أو الحسين فركب على ظهره والنبي ﷺ ساجد، فلم يرد النبي ﷺ أن يقطعه، فلما أكمل صلاته قال: (إن ابني هذا ارتحلني -أي: جعلني رحلا- فتركته حتى قضى نهمته، ثم نزل، ثم قمت إلى صلاتي) لقد جاءت أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ والرسول ﷺ يصلي، فلما تعلقت عند رجله حملها وأخذ يركع ويسجد وهي في يده، أي عطفٍ! وأي شفقةٍ! وأي رحمة! أين أرباب التربية؟ وأين أساتذة الأخلاق؟ وأين دكاترة الأخلاق والنبل؟ أفلا يرون في هذا النبي الكريم الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب أروع المثل في سيرته وفي كلامه وفعله، أروع التجارب وأصدق الخبرات في باب التربية؟ إن كثيراً من المسلمين عن هذا غافلون.
стр. 1959
سلبية الآباء في إشغال أبنائهم
عباد الله: بقي مسألة خطيرة، والكلام عن جوانب تربية الصغار له جوانب شتى، والحديث عنه يطول، بقي مسألة أو مسألتان، أما المسألة الأولى فهي أن بعض الآباء إذا شكا من كثرة كلام ولده أو كثرة أسئلته فكر في طريقة سلبية للحل، واعلموا أن كثرة كلام الطفل وكثرة أسئلته ليس أمراً غريباً، بل هي فرصة التوجيه والتربية والتعليم عن طريق السؤال والجواب، بعض الآباء حينما يشكو من هذه الظاهرة، في تلك المرحلة من مراحل نمو ولده، ماذا يفعل؟ يشتري جهاز فيديو، ويشتري خمسين أو عشرين فيلماً من أفلام الكرتون كما تسمى، أو الصور المتحركة، ثم يضعها لهذا الطفل، ويقول للخادمة: إذا استيقظ، فاجعلي له هذا الشريط، فإذا انتهى فاجعلي له هذا الشريط، وعند ذلك من الذي يربي الطفل؟ إنه الشريط، من الذي يوجه الطفل؟ إنه فلم الفيديو، من الذي يعلم؟ إنها الصور المتحركة، هذه جريمة تربوية يفعلها ويجنيها كثيرٌ من الآباء على أبنائهم، فإذا قارب الولد دخول سن الدراسة وجد الأب عند طفله عزوفاً عن التعليم، ورغبة في الدلال، وحباً فيما يشتهي، وكراهية لما هو مقبلٌ عليه من التربية والتعليم، ثم يقول: هذا ولدٌ سيماه الفشل، هذا ولدٌ ضعيف، هذا ولدٌ كذا، ونقول بصريح العبارة: الفاشل أبوه، والضعيف أبوه، والمسكين أبوه الذي جعل الأفلام المتحركة هي التي تربيه، إنني أنصح كثيراً من الآباء أن يرفعوا هذه الوسيلة عن أبنائهم، إنها والله وسيلة مدمرة وفتاكة وقاتلة، إنها تهدم ما يبنى من العقائد، وتكسر ما ينشأ من التربية.
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه
عودته على هذه الأفلام وعلى هذه الصور المتحركة، كيف ترجو منه احتراماً للأذان يوم أن يرفع؟ وكيف ترجو منه حباً للصلاة يوم أن ينادى إليها؟ وكيف ترجو منه حباً وبراً ومعاملة طيبة وأنت الذي قدمت له السم الزعاف بيدك؟ فمن وقع في هذا فليرفعه عن ولده، لا بأس أن بعض الآباء يحتاجون إلى هذا الجهاز -الفيديو- وهو جهازٌ كسائر الأجهزة؛ وإن كان غلب في هذا الزمان استعماله في الضلال والباطل، لكن بعض الآباء قد يقدم هذا الجهاز ويجعل فيه أفلاماً عن تعليم اللغة العربية، وتعليم الأرقام، وتعليم العمليات الحسابية، لا بأس بهذا، ما دام الأب موجوداً ومراقباً ومطلعاً وشاهداً وحسيباً على ما يحدث وعلى ما يعرض أمام ولده، فإذا انتهى الدرس أو المادة، عند ذلك أغلق الجهاز حتى لا يكون وسيلة إلى دس الأشرطة الخفية بين الجارات والفتيات والأطفال والأصدقاء، لكي يُنظر بعد هذا الدرس إلى ما لا تحمد عقباه، وما لا يجوز النظر إليه.
стр. 1960
دعوة الآباء إلى الإصلاح
عباد الله: مسائل التربية وعلاقتنا بأطفالنا ينبغي أن نجدد النظر فيها، ينبغي أن نتمعن فيها، ينبغي أن نلتفت لأنفسنا فيها.
من منكم في ساعة من اليوم أو في يومٍ من الأسبوع أو أسبوعٍ من الشهر وقف وجمع أولاده وقرأ عليهم حديثين أو ثلاثة من رياض الصالحين، وشرح لهم معانيها، أو قرأ عليهم آية من الآيات وبيَّن لهم أحكامها، أو عوَّد طفله على كثيرٍ من الآداب الإسلامية عند الاستيقاظ وعند النوم، وعند بدء الطعام، وعند الفراغ منه، وعند الدخول، وعند الخروج، وعند ركوب السيارة، إلى غير ذلك؛ لكي يربط الطفل بذكر الله جل وعلا منذ نعومة أظافره، وعند ذلك نحمد تربيته ونجني الثمرة المرجوة منه.
أسأل الله جل وعلا أن يردنا إلى الحق رداً جميلاً، وأن يعيننا على تربية أولادنا وأطفالنا، وتفهم مشاكلهم، ومعرفة ما يدور في أنفسهم، وتفريغ كثيرٍ من الأوقات أو جزءٍ من الأوقات لمعاملتهم وإشباع حاجاتهم ورغباتهم، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء.
اللهم عليك بـ الجعفرية، اللهم عليك بـ الاثني عشرية، اللهم لا ترفع سوط عذابك عنهم، وارفع اللهم يد رحمتك عنهم، اللهم اجعلهم بدداً، ولا تبق فيهم أحداً، اللهم أشعل فتيل الفرقة بينهم، اللهم أشعل نار الفتنة بينهم.
اللهم اهلك الظالمين بالظالمين، اللهم اهلك الظالمين بالظالمين، اللهم اهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج أمة محمدٍ من بينهم سالمين غانمين.
اللهم وفقنا لما تحب وترضى وجنبنا أسباب سخطك، اللهم ارفع وادفع عنا البلاء والزنا والربا والزلازل والمحن والفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنا نعوذ بك من سيئ الأوجاع والأسقام، اللهم لا تعذبنا بذنوبنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا باغياً إلا قطعته، ولا غائباً إلا رددته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً اللهم جازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً.
اللهم احفظ إمام المسلمين، وأصلح بطانته، واهدِ قلبه، وأصلح مضغة قلبه، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على ما يرضيك يا رب العالمين، اللهم لا تفرح علينا ولا عليهم عدواً، ولا تشمت بنا ولا بهم حاسداً، برحمتك يا أرحم الراحمين.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلَّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمدٍ، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنّك وكرمك يا أرحم الراحمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1961
توبة صادقة
إن هذه الأمة المحمدية قد غرقت في آونتها الأخيرة في وحل المعاصي والذنوب والسيئات، وليس لها مخرج من ذلك إلا بالرجوع إلى الله ، والتوبة إليه، وإن من دلالات صدق التوبة النصوح عدم الرجوع إلى الذنب الذي قد تيب منه.
ولقد ضرب لنا الصحابة الكرام أروع الأمثلة في صدق اللجوء إلى الله وما زال في أمتنا بقية من أولئك، وسترى نموذجاً من ذلك في هذه المادة إن شاء الله.
стр. 1962
المخرج من شؤم المعاصي
الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً كما يرضى ربنا جل وعلا، الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، واجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بفعل ما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر.
معاشر المؤمنين! كلنا نقع في الذنوب والمعاصي، ولا يسلم أحدٌ من صغير أو كبير على اختلافٍ وتباينٍ فمستقل ومستكثر، فمن الناس من يظلم نفسه ظلماً تكفره الصلوات والعبادات والأعمال الصالحات، يقول الله جل وعلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما ظلم العبد نفسه بصغائر الذنوب والمعاصي من غير إصرار، فذلك تكفره آيتا النجم والنساء، بقول الله جل وعلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١] وبقول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:٣٢] فمن أذنب ذنباً من الصغائر وأعقبه استغفاراً وعبادة وحسناتٍ ماحية للسيئات، فحري أن يعفى عنه.
واعلموا أيضاً -يا عباد الله- أن الذنب لا ينسى، وأن الديان لا يموت، وأن لكل حسنة ثواباً، ولكل سيئة عقاباً، ويتساهل الكثير منا مع إصراره على مجموعٍ من الصغائر والكبائر وهو يرى نعم الله عليه تترا، ويرى من نفسه إصراراً واستمراراً على الذنوب، يرى أن ليس للذنوب شؤمٌ ولا عاقبة، وكما قال ابن القيم ﵀: يزعم بعضهم أن هذا على حد قول القائل:
إذا لم يغبر حائطٌ في وقوعه فليس له بعد الوقوع غبارُ
وقد نسي الكثير أن شؤم المعصية يدرك العبد ولو بعد أربعين سنة، إلا من تاب إلى الله توبة صادقة.
معاشر المؤمنين! ما المخرج من شؤم المعصية؟ ما المخرج من شؤم الكبيرة؟ ما المخرج من شؤم الذنب؟ أيبقى الذنب وصمة -كما يراه النصارى- وصمة باقية لا تزول إلا بدم المسيح المخلص على حد خزعبلاتهم وهرطقاتهم؟! لا والله، المخرج من شؤم الذنب والمخرج من بلاء المعصية هو التوبة الصادقة، التوبة النصوح، وكلنا ندعي التوبة وما أكثر ما نتوب فنعود، وما أكثر ما نعاهد فننكث، وما أكثر ما نعاهد الله على ترك أمرٍ فنعود إليه أسرع ما نكون، ما أحلم الله عنا، إن الله غفور حليم.
стр. 1963
دلالات صدق التوبة
أيها الأحبة! إن لمن أعظم دلالات صدق التوبة الندم! الندم الذي يجعل القلب منكسراً أمام الله، مخبتاً لذكر الله، وجلاً من هول عذاب الله، إن من تمام صدق التوبة العودة بالإيمان إلى أعلى درجاته: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] فمن رأى وجلاً وإخباتاً وخشوعاً وانقياداً لله بعد توبته فذاك دليلٌ على صدقها.
أما أن يكون الواحد يذنب الذنب، فيقول: أستغفر الله بلسانه، ولكن جوارحه لا تقلع، وقلبه لا يفتر عن الهم والقصد والتزيين، فذاك قد يصدق عليه الأثر: إنما المنافق الذي يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به: هكذا فطار، أما المؤمن فيرى ذنوبه كجبلٍ يوشك أن يقع على رأسه، فهو خائفٌ وجلٌ من ذلك.
стр. 1964
قصة المرأة الغامدية وصدقها في التوبة
أيها الأحبة! ولقد جاء في سير الصحابة والتابعين والسلف الصالحين ما يدل على صدق توبتهم وصدق أوبتهم إلى الله جل وعلا، فمن الماضي والصدر الزاهر من عصر النبوة أذكر لكم قصة امرأة زنت على عهد رسول الله ﷺ فلسعها حر المعصية، وآلمها حر الكبيرة، وأقلقها حر الفاحشة، فجاءت إلى رسول الله، وقالت: يا نبي الله! أصبت حداً فطهرني، عجباً لها ولشأنها ولأمرها، تعلم أنها جاءت وهي محصنة حدها الرجم بالحجارة حتى الموت، جاءت إلى رسول الله تقول: يا رسول الله! إنني حبلى من الزنا فطهرني، فانصرف عنها ﷺ بوجهه يمنة، فعادت إليه، فالتفت يسرة، فعادت إليه، حتى الرابعة، فقال: (اذهبي حتى تضعي هذا الذي في بطنك) فذهبت فلما أن تمت حمله فصاله، عادت إلى رسول الله، قالت: يا رسول الله! أنا المرأة التي جئتك حبلى من الزنا فانصرفتَ عني وقلتَ: (اذهبي حتى تضعي حملك) وها أنا وضعته وهذا هو بين يديك، أقم حد الله علي، طهرني من ذنبٍ ارتكبته، ومن فحشٍ أجرمته، فقال النبي ﷺ : (اذهبي حتى ترضعيه حولين كاملين) فذهبت به ترضعه حولين كاملين، وحرارة المعصية تلسع فؤادها، وتحرق قلبها، وتقض مضجعها، وتقلق ضميرها، فلما أن أتمت فصاله جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! أنا المرأة التي جئتك حبلى من الزنا، فقلت: (اذهبي حتى تضعي جنينك) فذهبت فوضعته، ثم جئتك، فقلت: (اذهبي حتى تكملي رضاعه) وقد أتممت رضاعه حولين كاملين، وجاءت بالصبي وفي يده كسرة خبزٍ إشارة إلى أنه استغنى بأكله عن ثديها، لماذا؟ حتى لا يردها رسول الله ﷺ .
فأمر بها النبي ﷺ بعد أن أمر واحداً من الصحابة بكفالة رضيعها، فشدت عليها ثيابها ﵂، وجمعنا بها في دار كرامته مع نبينا والصحب الراشدين والأبرار الصادقين، فشدت عليها ثيابها، فرجمت، فأخذ أحد الصحابة فهراً رمى به على رأسها؛ فسالت دماؤها على ثوبه؛ فكأنه نال منها، فقال ﷺ : (والله لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم) لو زنا أهل المدينة، أو شربوا الخمر، أو أكلوا المكس كلهم لوسعتهم توبة هذه المرأة، مما بلغ بقلبها من الخوف والتعظيم لله، ومن كان بالله أعرف، كان منه أخوف.
أيها الأحبة! هذه قصة وحادثة، وحديثٌ ما كان يفترى من الصدر الأول، دليلٌ على عمق التربية الإيمانية التي ربى النبي ﷺ الفرد والأسرة والمجتمع عليها، وإنها والله لمؤثرة، وفي القصص تأثير وعبر: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦] ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١] ليس من نسج الأوهام والخيال.
стр. 1965
قصة التائب أحمد وصدقه في توبته
وفي زمننا هذا وفي عصرنا تعود صور التوبة صادقة لامعة، براقة مشرفة، متوجة بصدق اللجوء والرجوع إلى الله جل وعلا، وقبل أن أذكر لكم هذه الحادثة التي ستسمعون وقائعها، وقد يطول المقام بذكرها، أقول: إن الشيطان سيأتي إلى قلوب وعقول البعض ويقول: هذا من نسج الخيال، أو هذا من المبالغة، أو هذا مما يصاغ للتأثير والتعبير، والله ثم والله ما كانت هذه القصة حديث مجالسٍ، وإنما هي من شابٍ لعله يكون من بيننا، هو الذي أخبرني بها، سلسلتها ذهبية، وسندها عالٍ، من هذا الشاب الذي أخبرني بها في مجلسٍ، ودعوته صباح هذا اليوم لأكتب وقائعها ولأسمعكم إياها، هذا الشاب هو الذي يذكرها مع صاحبنا التائب الذي نذكر تفاصيل توبته.
أيها الأحبة! يقول صاحبنا هذا: كنت ذاهباً إلى دولة عربية مجاورة، يستغرق مدة السفر في هذه المهمة يوماً واحداً، ورجعت إلى المطار استعداداً للإياب، وقد أنهكني التعب، لم أجد فندقاً نظيفاً، ولم أتعود السفر، دخلت فندقاً لأول وهلة فإذا بالنساء والرجال والفساد والعهر والدعارة، فقال لي رجل: ما الذي جاء بك إلى هنا، لما رأى من حسن مظهره، وصلاح سمته، فقال: هي والله أول مرة آتي هنا، وليس لي حاجة سوى مهمة تدوم يوماً واحداً، فقال: اخرج يا شيخ عن هذا المكان فليس لائقاً بمثلك وأمثالك، قال: كيف أفعل والنهار يمضي والليل مقبل؟ فمضيت إلى حديقة أجلس فيها، حتى بزغ الصباح، وأنهيت مهمتي، وعدت إلى المطار استعداداً للإياب وأنا في تعبٍ ونصبٍ من هذه الرحلة التي ما ذقت فيها النوم إلا غفوات، فالتفت يمنة ويسرة أبحث عن مكانٍ أجلس فيه، فوجدت مكاناً أعد للصلاة في زاوية هذا المطار، وجدت مصلىً صغيراً فذهبت ونمت فيه نوماً عميقاً؛ لأنني متعبٌ، وفي قرابة وقبيل الظهر استيقظت على بكاء شاب يصلي، فالتفت فإذا بشابٍ فوق العشرين ودون الثلاثين يصلي ويبكي بكاءً مريراً؛ يبكي بكاء زوجةٍ فقدت زوجها وهي تنظر، أو بكاء ثكلى فقدت ولدها من بين يديها، قال: فعدت وقد أعياني التعب والنصب لنومي.
ثم دنا ذلك الباكي بعد لحظات، وأيقظني للصلاة، ثم قال: هل تستطيع أن تنام؟! هل تستطيع أن تنام؟! قلت: نعم.
قال: أما أنا فلا أقدر على النوم، ولا أستطيع أن أذوق طعمه، فقلت له: نصلي وبعد الصلاة يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
следующие страницы →