Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
توبة صادقة
إن هذه الأمة المحمدية قد غرقت في آونتها الأخيرة في وحل المعاصي والذنوب والسيئات، وليس لها مخرج من ذلك إلا بالرجوع إلى الله ، والتوبة إليه، وإن من دلالات صدق التوبة النصوح عدم الرجوع إلى الذنب الذي قد تيب منه.
ولقد ضرب لنا الصحابة الكرام أروع الأمثلة في صدق اللجوء إلى الله وما زال في أمتنا بقية من أولئك، وسترى نموذجاً من ذلك في هذه المادة إن شاء الله.
стр. 1962
المخرج من شؤم المعاصي
الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً كما يرضى ربنا جل وعلا، الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، واجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بفعل ما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر.
معاشر المؤمنين! كلنا نقع في الذنوب والمعاصي، ولا يسلم أحدٌ من صغير أو كبير على اختلافٍ وتباينٍ فمستقل ومستكثر، فمن الناس من يظلم نفسه ظلماً تكفره الصلوات والعبادات والأعمال الصالحات، يقول الله جل وعلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما ظلم العبد نفسه بصغائر الذنوب والمعاصي من غير إصرار، فذلك تكفره آيتا النجم والنساء، بقول الله جل وعلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١] وبقول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:٣٢] فمن أذنب ذنباً من الصغائر وأعقبه استغفاراً وعبادة وحسناتٍ ماحية للسيئات، فحري أن يعفى عنه.
واعلموا أيضاً -يا عباد الله- أن الذنب لا ينسى، وأن الديان لا يموت، وأن لكل حسنة ثواباً، ولكل سيئة عقاباً، ويتساهل الكثير منا مع إصراره على مجموعٍ من الصغائر والكبائر وهو يرى نعم الله عليه تترا، ويرى من نفسه إصراراً واستمراراً على الذنوب، يرى أن ليس للذنوب شؤمٌ ولا عاقبة، وكما قال ابن القيم ﵀: يزعم بعضهم أن هذا على حد قول القائل:
إذا لم يغبر حائطٌ في وقوعه فليس له بعد الوقوع غبارُ
وقد نسي الكثير أن شؤم المعصية يدرك العبد ولو بعد أربعين سنة، إلا من تاب إلى الله توبة صادقة.
معاشر المؤمنين! ما المخرج من شؤم المعصية؟ ما المخرج من شؤم الكبيرة؟ ما المخرج من شؤم الذنب؟ أيبقى الذنب وصمة -كما يراه النصارى- وصمة باقية لا تزول إلا بدم المسيح المخلص على حد خزعبلاتهم وهرطقاتهم؟! لا والله، المخرج من شؤم الذنب والمخرج من بلاء المعصية هو التوبة الصادقة، التوبة النصوح، وكلنا ندعي التوبة وما أكثر ما نتوب فنعود، وما أكثر ما نعاهد فننكث، وما أكثر ما نعاهد الله على ترك أمرٍ فنعود إليه أسرع ما نكون، ما أحلم الله عنا، إن الله غفور حليم.
стр. 1963
دلالات صدق التوبة
أيها الأحبة! إن لمن أعظم دلالات صدق التوبة الندم! الندم الذي يجعل القلب منكسراً أمام الله، مخبتاً لذكر الله، وجلاً من هول عذاب الله، إن من تمام صدق التوبة العودة بالإيمان إلى أعلى درجاته: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] فمن رأى وجلاً وإخباتاً وخشوعاً وانقياداً لله بعد توبته فذاك دليلٌ على صدقها.
أما أن يكون الواحد يذنب الذنب، فيقول: أستغفر الله بلسانه، ولكن جوارحه لا تقلع، وقلبه لا يفتر عن الهم والقصد والتزيين، فذاك قد يصدق عليه الأثر: إنما المنافق الذي يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به: هكذا فطار، أما المؤمن فيرى ذنوبه كجبلٍ يوشك أن يقع على رأسه، فهو خائفٌ وجلٌ من ذلك.
стр. 1964
قصة المرأة الغامدية وصدقها في التوبة
أيها الأحبة! ولقد جاء في سير الصحابة والتابعين والسلف الصالحين ما يدل على صدق توبتهم وصدق أوبتهم إلى الله جل وعلا، فمن الماضي والصدر الزاهر من عصر النبوة أذكر لكم قصة امرأة زنت على عهد رسول الله ﷺ فلسعها حر المعصية، وآلمها حر الكبيرة، وأقلقها حر الفاحشة، فجاءت إلى رسول الله، وقالت: يا نبي الله! أصبت حداً فطهرني، عجباً لها ولشأنها ولأمرها، تعلم أنها جاءت وهي محصنة حدها الرجم بالحجارة حتى الموت، جاءت إلى رسول الله تقول: يا رسول الله! إنني حبلى من الزنا فطهرني، فانصرف عنها ﷺ بوجهه يمنة، فعادت إليه، فالتفت يسرة، فعادت إليه، حتى الرابعة، فقال: (اذهبي حتى تضعي هذا الذي في بطنك) فذهبت فلما أن تمت حمله فصاله، عادت إلى رسول الله، قالت: يا رسول الله! أنا المرأة التي جئتك حبلى من الزنا فانصرفتَ عني وقلتَ: (اذهبي حتى تضعي حملك) وها أنا وضعته وهذا هو بين يديك، أقم حد الله علي، طهرني من ذنبٍ ارتكبته، ومن فحشٍ أجرمته، فقال النبي ﷺ : (اذهبي حتى ترضعيه حولين كاملين) فذهبت به ترضعه حولين كاملين، وحرارة المعصية تلسع فؤادها، وتحرق قلبها، وتقض مضجعها، وتقلق ضميرها، فلما أن أتمت فصاله جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! أنا المرأة التي جئتك حبلى من الزنا، فقلت: (اذهبي حتى تضعي جنينك) فذهبت فوضعته، ثم جئتك، فقلت: (اذهبي حتى تكملي رضاعه) وقد أتممت رضاعه حولين كاملين، وجاءت بالصبي وفي يده كسرة خبزٍ إشارة إلى أنه استغنى بأكله عن ثديها، لماذا؟ حتى لا يردها رسول الله ﷺ .
فأمر بها النبي ﷺ بعد أن أمر واحداً من الصحابة بكفالة رضيعها، فشدت عليها ثيابها ﵂، وجمعنا بها في دار كرامته مع نبينا والصحب الراشدين والأبرار الصادقين، فشدت عليها ثيابها، فرجمت، فأخذ أحد الصحابة فهراً رمى به على رأسها؛ فسالت دماؤها على ثوبه؛ فكأنه نال منها، فقال ﷺ : (والله لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم) لو زنا أهل المدينة، أو شربوا الخمر، أو أكلوا المكس كلهم لوسعتهم توبة هذه المرأة، مما بلغ بقلبها من الخوف والتعظيم لله، ومن كان بالله أعرف، كان منه أخوف.
أيها الأحبة! هذه قصة وحادثة، وحديثٌ ما كان يفترى من الصدر الأول، دليلٌ على عمق التربية الإيمانية التي ربى النبي ﷺ الفرد والأسرة والمجتمع عليها، وإنها والله لمؤثرة، وفي القصص تأثير وعبر: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦] ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١] ليس من نسج الأوهام والخيال.
стр. 1965
قصة التائب أحمد وصدقه في توبته
وفي زمننا هذا وفي عصرنا تعود صور التوبة صادقة لامعة، براقة مشرفة، متوجة بصدق اللجوء والرجوع إلى الله جل وعلا، وقبل أن أذكر لكم هذه الحادثة التي ستسمعون وقائعها، وقد يطول المقام بذكرها، أقول: إن الشيطان سيأتي إلى قلوب وعقول البعض ويقول: هذا من نسج الخيال، أو هذا من المبالغة، أو هذا مما يصاغ للتأثير والتعبير، والله ثم والله ما كانت هذه القصة حديث مجالسٍ، وإنما هي من شابٍ لعله يكون من بيننا، هو الذي أخبرني بها، سلسلتها ذهبية، وسندها عالٍ، من هذا الشاب الذي أخبرني بها في مجلسٍ، ودعوته صباح هذا اليوم لأكتب وقائعها ولأسمعكم إياها، هذا الشاب هو الذي يذكرها مع صاحبنا التائب الذي نذكر تفاصيل توبته.
أيها الأحبة! يقول صاحبنا هذا: كنت ذاهباً إلى دولة عربية مجاورة، يستغرق مدة السفر في هذه المهمة يوماً واحداً، ورجعت إلى المطار استعداداً للإياب، وقد أنهكني التعب، لم أجد فندقاً نظيفاً، ولم أتعود السفر، دخلت فندقاً لأول وهلة فإذا بالنساء والرجال والفساد والعهر والدعارة، فقال لي رجل: ما الذي جاء بك إلى هنا، لما رأى من حسن مظهره، وصلاح سمته، فقال: هي والله أول مرة آتي هنا، وليس لي حاجة سوى مهمة تدوم يوماً واحداً، فقال: اخرج يا شيخ عن هذا المكان فليس لائقاً بمثلك وأمثالك، قال: كيف أفعل والنهار يمضي والليل مقبل؟ فمضيت إلى حديقة أجلس فيها، حتى بزغ الصباح، وأنهيت مهمتي، وعدت إلى المطار استعداداً للإياب وأنا في تعبٍ ونصبٍ من هذه الرحلة التي ما ذقت فيها النوم إلا غفوات، فالتفت يمنة ويسرة أبحث عن مكانٍ أجلس فيه، فوجدت مكاناً أعد للصلاة في زاوية هذا المطار، وجدت مصلىً صغيراً فذهبت ونمت فيه نوماً عميقاً؛ لأنني متعبٌ، وفي قرابة وقبيل الظهر استيقظت على بكاء شاب يصلي، فالتفت فإذا بشابٍ فوق العشرين ودون الثلاثين يصلي ويبكي بكاءً مريراً؛ يبكي بكاء زوجةٍ فقدت زوجها وهي تنظر، أو بكاء ثكلى فقدت ولدها من بين يديها، قال: فعدت وقد أعياني التعب والنصب لنومي.
ثم دنا ذلك الباكي بعد لحظات، وأيقظني للصلاة، ثم قال: هل تستطيع أن تنام؟! هل تستطيع أن تنام؟! قلت: نعم.
قال: أما أنا فلا أقدر على النوم، ولا أستطيع أن أذوق طعمه، فقلت له: نصلي وبعد الصلاة يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
стр. 1966
سفر التائب أحمد إلى إحدى الدول ووقوعه في فاحشة الزنا
فأقبلت عليه بعد ذلك، قلت له: ما شأنك؟ قال: أنا من الرياض، من أسرة غنية، كل ما نريده مهيأ لنا من المال والملبس والمركب، لكنني مللت الروتين والحياة، فأردت أن أخرج خارج البلاد، فأجلت النظر هل أذهب إلى دولة يذهب إليها الناس؟! فخشيت أن يعرفوني فيفضحوني، فاخترت من بين دولٍ عدة، وقررت الذهاب إلى هذه البلاد التي أنا وإياك في مطارها، حتى لا يعرفني أحد، وما كان همي فعل فاحشة، بل لعبٌ وقضاء وقتٍ ولهوٌ وتفسحٌ، والشيطان لا يأتي عبداً من عباد الله -أيها الإخوة- ليقول له: اخرج لتزني، أو اخرج لتشرب خمراً، وإنما يقول: انظر إلى معالم السياحة، وقلب بصرك في حضارة الدول المختلفة، خرج وهذا همه، فلما وصل إذا برفقة سوءٍ كانت قد أحاطت به إحاطة السوار بالمعصم، فاطمأن إليها بادئ الأمر وما زالوا معه من ملاهٍ إلى ملاهٍ، ومن لعبٍ إلى عبث، حتى أتوا به رويداً رويداً إلى خطوات الزنا، إلى بدايات الزنا مع الجواري والنساء والفتيات الغانيات الرشيقات، وما زالوا به حتى انفرد بواحدة منهن وما زالت تلاعبه حتى وقع بها وزنا بها، ولما بلغ به الأمر مبلغه، وبلغت فيه الشهوة ذروتها وأخرج ما في جوفه، إذا بلسعة حرارة تلسع قلبه، وتضرب ظهره، وسياطاً في فؤاده يجدها، فجعل يبكي، وقام عنها وهو يبكي ويصيح: زنيت وأول مرة أزني! كيف انتهكت هذا الجدار، وهذا السور المنيع من الفاحشة؟!! كيف وقعت في الزنا؟!! إني سأحرم حور الجنة.
стр. 1967
ندم التائب أحمد بعد الزنا وشدة بكائه
انطلق به شأن وأمر عجيب، فخرج من الباب باكياً وإذا بفاجرٍ من القوادين ينتظره، فقال: ما لك تبكي؟ قال: لقد زنيت أتعرف كيف زنيت؟! لقد زنيت، ماذا قال ذلك الماجن الداعر؟! قال: الأمر هين، خذ كأساً من الخمر تنسى ما أنت فيه.
قال: حتى أنتم ما زلتم بي حتى فقدت حور الجنة بفعل هذا الزنا! وتريد أن تحرمني خمر الجنة تقدم لي هذا الكأس! سبحان مقلب القلوب يا عباد الله! قال ذلك القواد الفاجر: إن الله غفورٌ رحيم، وقد نسي أن الله شديد العقاب، وأعد للمجرمين ناراً تلظى: ﴿لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل:١٥] تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمامٍ سبعون ألف ملك، إذا رأت المجرمين سمعوا لها تغيظاً وزفيراً وشهيقاً.
ثم أخذ الشاب يبكي من حرقة ما أصابه، ثم ذهب يهيم على وجهه، ويقول لصاحبه الذي يحدثه في المطار: يا ليتهم أخذوا مالي! لقد مضوا بي إلى الزنا! لقد أفسدوا وكسروا ديني وإيماني! يقول الشاب: وفي تلك اللحظة التي انتهيت فيها من الزنا ومنذ تلك اللحظة وأنا لا أزال باكياً قلقاً حزيناً.
стр. 1968
محاورة التائب أحمد مع صديقه وتوديعه له
فقال صاحبنا هذا: أتلو عليك آية من كلام الله فلتسمع، فتلا عليه قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] هذه أرجى آية أقرؤها عليك وأراها لك.
فأجاب ذلك التائب الذي بلغت التوبة في قلبه ذلك المبلغ قال: كلٌ يغفر الله له إلا أنا، لا نقول هذا موافقة على القنوط، وإنما لقد بلغ الأمر به مبلغاً لا يزال به متأثراً.
ثم رد عليه قائلاً: ألا تعلم أني زنيت؟! ثم سأل ذلك التائب صاحبه: هل زنيت أنت؟ قال: لا والله، قال: إذاً أنت لا تعلم حرارة المعصية التي أنا فيها، قال: وما هي إلا لحظات حتى أعلن منادي المطار إقلاع الرحلة التي سأعود فيها إلى الرياض، فأخذت عنوانه وودعته ثم انصرفت، وأنا واثقٌ أن ندمه سيبقى يوماً أو يومين أو ثلاثة، ثم ينسى ما فعل.
стр. 1969
إصرار التائب أحمد على تسليم نفسه للمحكمة
فلما مكثت في الرياض قليلاً بعد وصولي إذا به يتصل بي، فواعدته ثم قابلته، فلما رآني انفجر باكياً ويقول: والله مذ فارقتك وفعلت فعلتي تلك ما تلذذت بنومٍ إلا غفوات.
ما قولي أمام الله يوم أن يسألني ويقول: عبدي زنيت؟ فأقول: نعم.
زنيت وسرت بقدمي هاتين إلى الزنا، فقال صاحبنا لذلك التائب: هون عليك إن رحمة الله واسعة، إن الله غفور رحيم.
ثم قال ذلك الشاب التائب لصاحبنا هذا: ما جئتك زائراً ولكني جئتك مودعاً.
قلت: إلى أين؟ قال: جئتك مودعاً ولعلي ألقاك في الجنة إن أدركتني رحمة الله، أو رحمني الله بواسع رحمته، قلت: إلى أين تذهب؟ قال: أسلم نفسي إلى المحكمة، وأعترف بجرم الزنا حتى يقام حد الله علي.
فقلت له: أمجنونٌ أنت؟! أنسيت أنك متزوج؟! أنسيت أن حد الزاني المحصن الرجم بالحجارة حتى الموت؟! قال: ذاك أهون على قلبي من أن أبقى زانياً، وألقى الله زانياً غير مطهرٍ بحدٍ من حدوده.
قال صاحبنا: أما تتقي الله! استر على نفسك، استر على أسرتك، استر على جماعتك.
قال: كلهم لا ينقذونني من النار، وأنا أريد النجاة من عذاب الله.
قال: فضاقت بي المذاهب، وأخذته وقلت: أريد منك شيئاً واحداً.
فقال التائب: اطلب كل شيء إلا أن تردني عن تسليم نفسي إلى المحكمة.
قال: غير ذلك أردت منك وأريد أن توافقني عليه.
قال: ما دام غير ذلك أوافقك.
فقال صاحبنا له: امدد يدك عاهد بالله على أن تعمل وتصبر لما أقول.
قال: نعم.
فعاهدني.
قال: فقلت: نتصل بالشيخ فلان من أكبر العلماء وأتقاهم لله، حتى نسأله في شأنك فإن قال: سلم نفسك إلى المحكمة، أنا الذي أذهب بك بنفسي، وإن قال: لا.
فلا يسعك إلا أن تسمع وتطيع.
قال: نعم.
فسألت الشيخ، قال الشيخ: لا يسلم نفسه، وقال الشيخ الذي سئل عن تسليم الشاب نفسه إلى المحكمة: إن هذا الشاب قد أقلقه بالهاتف، واتصل به مراراً يريد أن يقنعه أن يسلم نفسه، ويجادل ويلح ويصر على تسليم نفسه، قال: فلما قابلته، قلت: لماذا أزعجت الشيخ بهذا الاتصال، وأنا الذي قد كفيتك مئونة الاتصال به؟! فقال: أحاول فيه لعلي أقنعه فيوافقني أن أسلم نفسي.
قال: ومن كلام هذا الشاب التائب للشيخ إني قلت له: اتق الله يا شيخ! فأنا أتعلق برقبتك يوم القيامة وأقول: إني يا رب! أردت أن أسلم نفسي ليقام حد الله علي فردني ذلك الشيخ، فقال الشيخ: هذا ما ألقى الله به، وما أفتيتك إلا عن علم.
стр. 1970
ذهاب التائب أحمد إلى الحج
ثم قال الشاب التائب لصاحبنا: إني أودعك! قلت: إلى أين؟ قال: أريد الحج، وكان الحج وقتها على الأبواب، فطلبت منه أن يحج معنا، قال: لا، فظننته قد اختار رفقة يريد أن يحج معهم.
قال: فحججت وحج صاحبنا هذا وأنا لا أعلم مَنْ رفقته، وفي ثاني أيام التشريق، رأيته من بعيد فناديته وكان اسمه أحمد، يا أحمد! يا أحمد! فالتفت إلي ورآني، ثم ولى هارباً، فقلت: سبحان الله! ما الذي غير قلبه علي، لعلي أراه في الرياض.
قال: فلما قضينا مناسكنا وعدنا إلى البلاد، قابلته فسألته فقال: قد حججت وحدي، وتنقلت بين المشاعر على قدمي -وهذا الكلام يقوله التائب مقولة سر لصاحبنا هذا الذي أخبرنا بالقصة، ما يقوله تفاخراً أو رياءً أو سمعة- يقول: تنقلت بين المشاعر على قدمي لعل الله أن ينظر إلي ذاهباً من منى إلى عرفة، أو واقفاً على صعيد عرفة، أو ذاهباً إلى مزدلفة أو ماضياً إلى الجمرات لعل الله أن ينظر إلي فيرحمني.
قلت له: لماذا هربت يوم ناديتك ثاني أيام التشريق؟ فقال: كنت مشغولاً بالاستغفار، أستغفر من الزنا الذي فعلت.
قلت: هلَّا جئت معنا؟ يقول صاحبنا له: هلَّا جئت معنا أو جلست معنا؟! قال: أنا أجلس معكم! أنتم أطهار تريدون أن أدنسكم بالزنا! أنا رجلٌ زانٍ لا أستطيع أن أدنس مجالسكم! وكان التائب في حجه تارة يقول: أخشى ألا يغفر الله لمن حولي بشؤم ذنبي، وتارة يقول: لعل الله أن يرحمني بهؤلاء الجمع المسبحين الملبين.
стр. 1971
تأثر التائب أحمد بقصة الربيع بن خثيم وآيات من سورة الفرقان
قال: ثم إنه دامت الصلة والزيارات بيني وبينه، وما زلنا نقرأ في سير التائبين والصالحين، وكنا نتمعن ذلك ونتدبره، قال صاحبنا الذي يذكر لنا هذه الواقعة: ثم إن التائب هذا بعد الحج حفظ القرآن كله، وأصبح يصوم يوماً ويفطر يوماً، يقول: وفي ذات يومٍ كنا مجتمعين نقرأ في سير الصالحين الأولين، فمرت بنا قصة الربيع بن خثيم؛ ذلك الشاب الذي لم يجاوز الثلاثين من عمره، شابٌ، وسيمٌ، قويٌ، حييٌ، عالمٌ بالله، خائفٌ منه، وكان في تلك البلاد الذي فيها الربيع بن خثيم من الفساق والفجار الذين يتمالئون ويتواطئون على إفساد الناس، وإفساد الأبرار والأطهار الصالحين، قال: ثم إن أولئك تمالئوا وقالوا: نريد أن نفسد الربيع بن خثيم، قالوا: ومن ذا الذي يفسده؟ قالوا: نأتي إلى غانية -والغانية: هي التي استغنت بجمالها عن المحسنات والمجملات- نأتي إلى غانية باغية فندفع لها ما يكون سبباً في أن تغوي الربيع بن خثيم، فأتوا إلى أجمل من عرفوا من البغايا وقالوا: لك ألف دينار، قالت: على ماذا؟ قالوا: على قبلة واحدة من الربيع، أن يقبلك الربيع بن خثيم فلك ألف دينار، قالت: ولكم فوق هذا أن يزني وأن يفعل ويفعل ثم إنها تهيأت إلى الربيع من قبله على طريقه في مكان خالٍ، ثم سفرت عن لباسها وتعرضت له في ساعة خلوةٍ، شاب أمام فاتنة جميلة.
فلما رأى بدنها في تلك اللحظة الخالية صرخ بها قائلاً: كيف بك لو نزلت الحمى بجسمك فغيرت ما أرى من لونك وبهجتك؟! أم كيف بك لو نزل ملك الموت وقطع منك حبل الوريد؟! أم كيف بك لو سألك منكرٌ ونكير؟! فصرخت صرخة عظيمة، ثم ولَّت هاربة وأصبحت من العابدات حتى لقبت بعابدة الكوفة، ثم قال أولئك المفسدون الذين تمالئوا على إفساد الربيع: لقد أفسدها الربيع علينا.
قال صاحبنا هذا: فلما سمع التائب هذه القصة تأثر وبكى، وانفجر باكياً، يقول: الربيع يردها وأنا بقدمي أذهب لأزني بها! الربيع يردها هذه -التي اعترضت أمامه في الطريق- وأنا أذهب لأزني بها! قال: ثم انصرف عن مجلسه باكياً متأثراً، حزيناً منكسراً، ثم بعد ذلك قال صاحبنا: ورأيت أحد العلماء فأخبرته بقصته، وما كان منه من انكسار، وإياب، وصيام، وحفظ للقرآن، وصلاة، فقال: لعل زناه هذا قد يكون سبباً لدخوله الجنة، ولعل بعض الآيات قد تصدق في حقه بل قد تنص في حقه بعينها، وهي قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠].
قال صاحبنا: لما سمعت هذه الآية عجبت، وقلت: كيف غفلت عن هذه الآية؟! فوليت إلى بيت صاحبنا، وليت إلى بيته في دار أبيه العامرة في قصر أبيه الفسيح، ذهبت إليه لأبشره قالوا: إنه في المسجد، فذهبت إليه في المسجد فوجدته منكسراً تالياً للقرآن، فقلت: عندي لك بشرى! قال: ما هي؟ فقلت له: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨] قال: فلما بلغت هذه الآية كأني أطعنه بخنجرٍ في قلبه، قال: فمضيت تالياً: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠] قال: فلما أكملت هذه الآية قفز فاحتضنني وقبل رأسي، وقال: والله إني أحفظ القرآن ولكن كأني أقرؤها أول مرة، لقد فتحت لي باباً من الرجاء عظيماً، وأرجو الله أن يغفر لي بها، ثم أذن المؤذن فانتظرنا إقامة الصلاة، وغاب الإمام ذاك اليوم، فقام مؤذن المسجد وقدم صاحبنا التائب، فلما كبر وقرأ الفاتحة تلا قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨] فلما بلغ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٧٠] لم يستطع أن يكملها، فركع، ثم اعتدل، ثم سجد، ثم اعتدل، ثم سجد، ثم قام، فقرأ في الركعة الثانية الفاتحة وأعاد الآية، يريد أن يكملها فلما بلغ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٧٠] لم يستطع أن يكملها، فركع وأتم صلاته باكياً.
стр. 1972
توديع التائب أحمد للدنيا ولحوقه بربه
ومضى على هذه الحال زمناً إلى أن جاء يومٌ من الأيام الماضية، وكان يوم الجمعة، من عطلة الربيع عام (١٤٠٩هـ) وبعد العشاء من ذلك اليوم اتصل بي رجلٌ، فقال: -واسم صاحبنا الذي أخبرني بالقصة أحمد، والشاب التائب اسمه أحمد- فقال: أنا والد صاحبك أحمد وأريدك أن تأتي إلي مسرعاً في أمرٍ مهم، قال: فخرجت مسرعاً خائفاً، فلما بلغت باب قصره إذا بالأب واقفٌ على الباب فسألته ما الخبر؟ فقال: صاحبك أحمد يطلبك السماح وهو يودعك إلى الدار الآخرة، لقد انتقل مغرب هذا اليوم إلى ربه، ثم انفجر الأب باكياً، يقول صاحبنا: وأنا أهون عليه وبقلبي على فراق حبيبي وصديقي مثل الذي بقلب والده، ثم دخلنا، فأدخلني في غرفةٍ، يقول صاحبنا الذي يذكر القصة: كان صاحبي فيها مسجىً مغطى، فكشفت عليه ووجهه يتلألأ نوراً، كشفت وجهاً قد فارق الحياة لكنه أنور وأبهى وأبهج وأجمل من قبل موته، كله نور، ورأيت محياً كله سرور، فقال لي والده: إني أسألك ما الذي فعله ولدي يوم أن سافر منذ أن جاء من السفر وهو على حاله؟! قال صاحبنا هذا -وكان قد عاهد ألا يخبر بالقصة بعينها، وإنما يذكرها على سبيل العظة والاعتبار، دون تحديدٍ لاسم شخصية عائلة هذا الشخص حتى لا يعرف- قال: صاحبنا لوالده: إن ولدك يوم أن سافر فقد عزيزاً عليه في سفره ذلك، نعم، فقد في تلك اللحظة إيماناً عظيماً، فقد في لحظة الزنا إخباتاً وإقبالاً لقد فقد عزيزاً.
أما زوجة هذا التائب، فتقول: إن نومه غفوات، وما استغرق في نومٍ بعد رجوعه من السفر، وهم لا يعرفون حقيقة القصة، قال صاحبنا: فسألت والده عن موته، فقال الأب: إن ولدي هذا كما تعلم، يصوم يوماً، ويفطر يوماً، وفي يوم الجمعة هذا، بقي عصر يومه في المسجد يتحرى ساعة الإجابة، وقبيل المغرب ذهبت إلى ولدي فقلت: يا أحمد! تعال وأفطر في البيت، فقال: يا والدي إني أحس بسعادة فدعني الآن، قال: يا ولدي! تعال لتفطر في البيت، قال: أرسلوا لي ما أفطر عليه في المسجد، قال: أنت وشأنك، وبعد الصلاة قال الأب لولده: يا ولدي! هيا إلى البيت لتتناول عشاءك، فقال التائب أحمد: إني أحس براحة عظيمة الآن، وأريد البقاء في المسجد، ولكن بعد صلاة العشاء سآتيكم لذلك، فقال الوالد: أنت وما أردت، ولما عاد الأب إلى المنزل أحس بشيء يخالج قلبه، ويخاطر فؤاده، يقول الأب: أحسست بشعورٍ غريب، فبعثت ولدي الصغير، فقلت: اذهب إلى المسجد، وانظر ما الذي بأخيك.
فذهب الولد وعاد صارخاً، يا أبت! يا أبت! أخي أحمد لا يكلمني، يقول الأب: فخرجت مسرعاً إلى المسجد، فوجدت ولدي أحمد ممدداً، وهو في ساعة الاحتضار، وكان يتكئ على مستند ليرتاح عليه في خلوته بربه، واستغفاره وتلاوته، قال: فأبعدت عنه المستند الذي يتكئ عليه، وأسندته إلي، فنظرت إليه، فإذا هو يذكر اسم صاحبنا هذا الذي يقص علينا القصة، هذا الذي بلغنا الواقعة، وكأنه يوصي بإبلاغ السلام إليه، ثم إن التائب أحمد هذا الذي توفي ابتسم ابتسامة في ساعة الاحتضار، يقول أبوه: والله ما ابتسم ابتسامة مثلها من يوم أن جاء من سفره، ثم قرأ في تلك اللحظة -التي يحتضر فيها ويتبسم- وهو يرتل: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠] قال: فلما بلغ هذه فاضت روحه، وأسلم الروح إلى باريها.
يقول الأب لصاحبنا هذا: والله لا أدري هل أبكي على حسن خاتمته فرحاً، أم أبكي على فراق ولدي، وفلذة كبدي، ثم إن هذا القصة أصبحت سبباً في صلاح أسرته وإخوانه.
فيا أيها الأحبة! البدار البدار إلى التوبة، فإن الموت لا يمهل المذنبين، ووالله ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، وما بعد الموت من مستعتب، فهل يفقه هذا مذنب؟! بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1973
لا بد من الرجوع إلى الله وتذكر الموت
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتوبوا إليه، فإن أجسامكم على وهج النار لا تقوى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة في الله! الموت لا يمهل المذنبين: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].
يا غافلاً عن العمل وغره طول الأمل
الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل
أيها الأحبة! أبعد هذه التوبة يبقى مصرٌ على عصيانه؟! أيبقى بعد هذه التوبة معاكسٌ على معاكسته، أم هاجر للجماعة على تركه الصلاة، أم عاقٌ يمضي في عقوقه، أم قاطعٌ يجبو في رحمه، أم فاجرٌ يمضي في فجوره، أم شابٌ غرته الصحة والعافية والثراء والمال يسافر إلى مختلف الدول ليفعل ما يفعل؟! أبعد هذا الموت الذي يفاجئ الإنسان إما على نعمة أو نقمة، إما على خاتمة حسنة أو على خاتمة سيئة؟! وما أكثر الذين تخطفتهم ملائكة الموت وهم في أحضان البغايا أو على موائد الخمور، أو في سفر الغفلة، أو في لهو المعصية؟! أبعد هذا يصر بائعٌ لأشرطة الفيديو على هذا؟! أبعد هذا يبقى بائعٌ للتسجيلات في الأغاني على هذا؟! أبعد هذا نرضى بالمنكرات في بيوتنا؟! أبعد هذا نمضي على إسرافنا في أمرنا؟! نجمع ألواناً من السيئات، ونعد أنفسنا من خيار الناس! نجمع الإسبال وحلق اللحى والاستماع إلى الأغاني والتهاون بصلاة الجماعة ثم نقول: نحن خيرٌ من ذاك وذاك! نعدها صغائر وهي والله كبائر، بإصرارنا وبقائنا عليها، بدوامنا عليها.
أيها الأحبة في الله! إننا لمغرورون، يزين بعضنا بعضاً، إذا قابلتك مدحتك، وإذا قابلتني مدحتني، وكأننا من أهل الجنة، ووالله لو انتقدنا بعضنا، ونصحنا بعضنا بأصول النصيحة وآدابها لما وجدنا فينا حمداًَ إلا القليل، ولكن كما قال ابن الجوزي ﵀: اعلم أن الناس إن أعجبوا بك فإنما اعجبوا بجميل ستر الله عليك، والله ما جمل بعضنا أمام بعض إلا جميل ستر الله علينا، وإلا فنحن مقصرون، متهاونون، مذنبون، نرجو الله أن يعاملنا بعفوه، نرجو الله أن يعاملنا بمنه، نرجو الله أن يعاملنا برحمته إنه هو أهل التقوى وأهل المغفرة.
اللهم تب علينا، اللهم تب علينا، اللهم تب علينا.
стр. 1974
توديع العام المنصرم
إن الإنسان خلق في يوم محدود ولحظة محدودة، وسيرحل عن هذه الدنيا في يوم محدود ولحظة محدودة مقدرة عند الله جل وعلا قبل أن يخلقه، وإذا مر يوم من أيامه فإنما هو تعجيل لباقي عمره؛ فليرجع إلى الوراء، وليتفكر ما عمل في أيامه الماضية، وأعوامه المنصرمة، وإن محاسبة العبد نفسه في كل يوم مضى، وعام انقضى؛ ليدل على أنه على خير، فلنحاسب أنفسنا، ولننظر ما قدمنا لآخرتنا فإننا -والله- مسئولون عن كل لحظة ودقيقة ضيعناها.
стр. 1975
الأدلة العقلية على الفناء والزوال
الحمد لله الذي جعل في السماء بروجاً، وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يتذكر أو أراد شكوراً، أحمده ﷻ وأثني عليه الخير كله، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، أرسله الله ﷻ إلى الثقلين الجن والإنس بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وعلى أزواجه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، واعلموا أنكم في يومكم هذا طويتم صحائف عام كامل مضى وانقضى، وبدأتم عاماً جديداً، أتعجبون وتقولون سرعان ما انقضى! وكيف مرت كالبرق فيه تلك الليالي والأيام! فهي مطاياكم تحث بكم السير إلى النهاية، فالليل يسير بكم مرحلة، والنهار يقدمكم أخرى، وكل يوم تمرون به يباعدكم عن الدنيا ويقربكم إلى الآخرة.
أليست -عباد الله- حكمة واضحة؟ أليست آية بالغة، ودليل فناء وانقضاء؟
منع البقاء تقلب الشمس وخروجها من حيث لا تمسي
وبزوغها صفراء لامعة ومغيبها حمراء كالورس
طلوع الشمس من مشرقها مشرقة مضيئة، ثم زوالها وغروبها مصفرة ضعيفة، ثم هجوم الظلام ورحيل الضياء، ثم بزوغ فجر جديد، يطوي بالعباد يوماً بليلة، ويستهل بهم خطىً نحو الآجال والغايات، بزوغ الأهلة صغيرة نحيلة، ثم تنمو نحو الكمال وبدور الجمال، وماذا بعدها إلا المحاق والزوال؟ وأنتم يا بني آدم! تبدءون في الأرحام نطفاً، وتخلقون علقاً ومضغاً، وتولدون رقاقاً ضعافاً، ثم تبلغون أشدكم، ثم تكونون شيوخاً، فمنكم من يرد إلى أرذل العمر، ومنكم من تخطفه الآجال قبل ذلك.
إذاً يا عباد الله! كل شيء في هذا الوجود دليل على الفناء والزوال، وشاهد على بقاء رب العزة والجلال: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٤].
стр. 1976
دعوة في محاسبة النفس في العام المنصرم
عباد الله! تأملوا عامكم هذا الذي ودعكم، كم ولد فيه من مولود، وكم مات فيه من حي كم عز فيه من ذليل، وكم ذل فيه من عزيز! كم اغتنى فيه من فقير، وكم افتقر فيه من غني! وكم صار فيه من اجتماع بعد افتراق، وافتراق بعد اجتماع! وكم صح فيه من سقيم، وكم اعتل فيه من صحيح! وكم قامت فيه من دول، وكم انكسرت فيه من أمم! تقلب وتغير وتبدل يطوى في الليالي والأيام، وترحل به الشهور والأعوام، فسبحان المتفرد بالبقاء والدوام.
قيل لنوح ﵊، وقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً: كيف رأيت هذه الدنيا؟ فقال: كداخل من باب وخارج من آخر، وخطب ﷺ الناس فقال: (أيها الناس! إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، إن المؤمن بين مخافتين، أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وأجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الهرم، ومن الحياة قبل الموت).
وخطب أبو بكر الصديق ﵁ فقال: [إنكم تغدون وتروحون إلى أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم ألا يمضي هذا الأجل، إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا].
وقال عمر بن الخطاب ﵁: [أيها الناس! حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]].
عباد الله! فلنحاسب الأنفس في عامنا المنصرم، ولنجرأ في السؤال، ولنصدق في الجواب، كيف قضينا ساعاته؟ وفيم أمضينا أوقاته؟ نسأل أنفسنا اليوم، وسنسأل عن هذا غداً، روي عنه ﷺ أنه قال: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه) أو كما قال ﷺ .
فمن منا أعد لهذا السؤال جواباً؟ والناس أمام هذا الأمر مذاهبهم شتى، أجوبتهم متباينة، فمنهم من أفنى عمره في الدينار والدرهم، أبلى شبابه في مضاعفة ما جمع، بأي سبيل وعبر أي وسيلة؟! قد أفنى عمره في الغفلة والكسل واللهو والعبث، قد غره التسويف وطول الأمل، أما العلم فلم يبالوا بعمل ما علموه، أو تعلم ما جهلوه، بل جعلوا ذلك وراءهم ظهرياً.
وأما المال فلم يألوا جهداً في اكتسابه من أي طريق حل أو حرم، مادامت البضاعة تزجي لهم ربحاً، وتسح عليهم المال سحاً، فتركوا فرائض ربهم، ونسوا أمر آخرتهم، ولم يزل ذلك دأبهم، حتى خرجوا من الدنيا مذمومين مدحورين، مفلسين من الحسنات والأعمال الصالحات، فاجتمعت عليهم سكرات الموت، وحسرات الفوت، وهول المطلع، فيندم الواحد منهم على تفريطه يوم لا ينفعه الندم، وبعد أن زلت به إلى الموت القدم: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٤ - ٢٦].
ومنهم من ربح عمره، وتزود فيه للآخرة، تزود فيه بطاعة ربه، والتزم بشرائع ربه، وأبلى شبابه في مجاهدة النفس، فعلم وعمل، وصبر وصابر، واكتسب واحتسب، اكتسب المال من حله وأنفقه في محله، فهنيئاً له بالنجاح والفوز والفلاح، يقال له عند ختامه: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].
فمن كان حاله كذلك فليسأل الله الثبات وليلزم، ومن كان غير ذلك فليبادر إلى التوبة والندم، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1977
المحاسبة في التزود للآخرة وعدم الغفلة
الحمد لله الواحد الأحد على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والند والمثيل والنظير، كل ذلك تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وهو الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
عباد الله! قد مضى عام كامل بتمامه، ما مضى منه لا يعود أبداً، لو بذلت البشرية، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، لو اجتمع الجن والإنس، ولو استخدموا كل ما سخر لهم من الوسائل، لو اجتمعوا أن يردوا يوماً واحداً من هذا العام ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، هذا دليل الفراق والزوال، إذا أصبح صباح يوم ينادي مناد: يا ابن آدم! أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود، فاغتنموا شبابكم قبل هرمكم، واغتنموا صحتكم قبل سقمكم، واغتنموا غناكم قبل فقركم، واغتنموا فراغكم قبل شغلكم، وقدموا في حياتكم قبل موتكم.
واعلموا أن الموت ليس هو النهاية، بل إن بعد الموت دار، وما بعد الموت من دار إلا الجنة أو النار، فنسأل الله جل وعلا لنا ولكم السلامة من ذلك، تفكروا يا عباد الله فيما قضيتم أيام عام كامل، ثلاثمائة واثنين وستين يوماً، كيف قضيتموها؟ فيم أبليتموها بلياليها وأيامها، بساعاتها ودقائقها؟ هل قدمتم فيها عملاً يسركم أن تلاقوه أمامكم؟ هل بذلتم فيها أعمالاً يسركم أن تكون أنيساً لكم في قبوركم؟ هل قدمتم فيها شيئاً ينفعكم يوم العرض الأكبر على الله؟ إن الكثير لفي غفلة، يمر العام بعد العام، ولا يبالي بتوالي الشهور والأعوام، لا يدري ماذا قدم، ولا يدري بما يشتغل، أهو في حلال أم حرام؟ أهو في مباح أم بلاء؟ لا يدري في أي واد هلكت أوقاته، ولا في أي شيء قضى ساعاته، فنسأل الله جل وعلا لنا ولكم السلامة من الغفلة.
إن الغفلة يا عباد الله مصيبة عظيمة، وهي من أعظم المصائب على النفوس، ومن أشد العقوبات على القلوب، يقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩] نسوا أنفسهم فلم يتزودوا ولم يعملوا، ولم يستغلوا ولم يجتهدوا ولم يقدموا، حتى إذا آن الفراق، والتفت الساق بالساق، لم ينفع عند ذلك بكاء الأهل والأحباب، لا يجد أمامه إلا ما قدم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، ولا يلومنّ امرؤ إلا نفسه.
стр. 1978
المحاسبة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله
عباد الله! هل قضينا هذا العام المنصرم في أمر بمعروف ونهي عن منكر؟ هل قضيناه في دعوة إلى الله واحتساب؟ هل قضيناه في تعلم علوم شرعية نافعة؟ ومزاحمة طلبة العلم عند حلق العلماء؟ هل قضيناه في بذل المعروف للأحباب والأهل والأقارب؟ هل قضيناه في أعمال يسرنا أن نلقاها؟ أم ماذا قضينا هذا العام؟ إن الكثير لا يعرف سوى الخروج من البيت، ثم العودة إليه، ثم النوم، ثم الاستيقاظ، ثم شبع البطن، وبعد ذلك ينام.
إن من يعيش هذه العيشة، فهو كالبهيمة بل أسوأ منها؛ لأن البهائم لم تكلف ولم تخاطب بخطاب شرعي، وهو قد كلف وخوطب، فما جوابه عند ربه يوم العرض والمساءلة، بماذا يخرج الإنسان من هذه الدنيا؟ هل خرج بجهاد في سبيل الله؟ أو بإنفاق وزكاة قدمها لوجه الله؟ أو علم نفع به الخلائق؟ أو حفظ من كتاب الله شيئاً؟ أو كان عابداً قواماً تنتفع البلاد والعباد بفضل عبادته بعد رحمة الله؟ هذا هو الشيء الذي يقدمه الإنسان، ويبقى له بعد مماته، أما الكثير فإنهم يقضون هذه الأعوام، ويموتون كما تموت البهيمة، تجر عن قارعة الطريق، فلا يبالى بأي واد هلكت، وأي سبع أكلها.
إذا ما مات ذو علم وتقوى فقد ثلمت من الإسلام ثلمه
وموت الحاكم العدل المولى بحكم الأرض منقصة ونقمه
وموت فتى كثير الجود محلٌ فإن بقاءه خصب ونعمه
وموت الفارس الضرغام هدم فكم شهدت له بالنصر عزمه
وموت العابد القوام ليلاً يناجي ربه في كل ظلمه
فحسبك خمسة يبكى عليهم وباقي الناس تخفيف ورحمه
وباقي الخلق هم همج رعاع وفي إيجادهم لله حكمه
فكونوا من أولئك الخمسة يا عباد الله، ليعرف كل واحد منكم موقعه ومكانه ومهمته، وواجبه تجاه نفسه وبيته وبلاده وأمته، وولاة أمره والمسلمين أجمعين، وليكن على موقع وعلى ثغر من ثغور الإسلام، لا يؤتين الإسلام من قبله بجهل أو غفلة أو تفريط، أسأل الله جل وعلا أن يوقظنا وإياكم من الغفلة، وأن يرزقنا تدارك الأوقات قبل هجوم الآجال، نسأل الله جل وعلا أن يتوفانا على التوحيد شهداء، وعلى الإسلام سعداء، وأن يحشرنا في زمرة الأنبياء.
اللهم اختم بالسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جنتك مصيرنا ومآلنا، اللهم اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلوى عافية، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمة، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا كرباً إلا نفسته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره، ولا حيران إلا دللته برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم آمنا في دورنا، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة، وجنبهم بطانة السوء، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم وفقه لكل ما تحب وترضى، اللهم قرب منه من علمت فيه خيراً له ولأمته، وأبعد عنه من علمت فيه شراً له ولأمته، اللهم اجمع شمله، ووحد كلمته، اللهم ثبت أقدامه، اللهم من أراد بهم وبعلمائنا وشبابنا وولاة أمورنا سوءاً فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه، وأدر عليه دائرة السوء.
حسبنا الله ونعم الوكيل، على من يأكل في هذه البلاد من خيراتها وأرزاقها ويهم بالسوء فيها ولأهلها، اللهم إنا ندرأ بك في نحور من أراد بنا شراً، ونعوذ بك من شرورهم، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك.
اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه التي لا تستطيعون حصرها، ولا تقدرون شكرها يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1979
جريمة قتل إحسان إلهي
إن جريمة قتل الشيخ إحسان إلهي ظهير لتثبت أن أعداء الدين لا يزالون يخططون ويدبرون في نشر باطلهم وكبت هذا الدين الذي وعد الله بنصره.
ولكن: كيف وقعت هذه الجريمة؟ وكم ضحاياها؟ ولماذا يُسكت عنها؟ ومن هو الشيخ إحسان إلهي؟ وما هو طريق الجهاد والدعوة؟ أسئلة جاءت إجاباتها في هذه المادة.
стр. 1980
ضحايا جريمة قتل الشيخ إحسان
الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على مثل البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
معاشر المؤمنين: يقول الله جل وعلا في محكم كتابه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٦].
معاشر المؤمنين: منذ أيام قليلة فجعنا بحادثة مؤلمة لقلب كل مؤمن مجاهد غيور، ما هي هذه الحادثة؟ أين مكانها؟ ما هي أسبابها؟ وما أبعادها؟ وما الدوافع وراءها؟ أيها الأحبة في الله: أما الحادثة: فهي جريمة تفجير راح ضحيتها أحد علماء العالم الإسلامي وهو الشيخ/ إحسان إلهي ظهير عظَّم الله أجركم في وفاته، وأسكنه فسيح جناته، وراح في إثر تلك الحادثة اثنا عشر عالماً من علماء أهل السنة، رحمة الله على الجميع، وبلغ عدد المصابين من الجرحى ما يربو على المائة جريح.
стр. 1981
نبذة عن حياة الشيخ إحسان
معاشر المؤمنين: قبل أن أخوض في كيفية هذه الحادثة البشعة الشنيعة، أذكر لكم طرفاً عن الشيخ، فهو: إحسان إلهي ظهير، من أجلاّء علماء العالم الإسلامي، وهو من باكستان، معروف بالدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، والتأليف، ذو غيرة على الدين خاصة في مجال العقيدة، له مواقف محمودة في رد شبهات أهل البدع ودحضها، وله تصانيف مشهورة في تبديد ظلمات أهل الملل الضالة والنحل المنحرفة، وكل ذلك بأنوار الحجة من كتاب الله وسنة نبيه، وأثبت تناقض أولئك المبتدعة من واقع ما كتبوه وألفوه، له مؤلفات عديدة، ومنها: الشيعة والسنة، والشيعة والقرآن والشيعة وآل البيت، والبابية، والقاديانية.
стр. 1982
كيفية وقوع جريمة قتل الشيخ إحسان وأبعادها
كان ﵀ منذ أيام قليلة واقفاً يخطب في مؤتمر إسلامي في مدينة لاهور بـ باكستان، وبينما هو كذلك إذ انفجرت حوله قنبلة قد رتب لتفجيرها أعداء الدين، الذين أحرقهم وكتم أنفاسهم بمصنفاته ومؤلفاته، في فضح أسرار مذاهبهم الباطلة، ومبادئهم المنحرفة، مستدلاً عليهم في ذلك بما كتبوه بأيديهم ورضوه لأنفسهم، وفي لحظة انفجار القنبلة مات عدد ممن كانوا حوله، وأصيب ﵀ بجراحات بالغة نقل فوراً من مدينة لاهور إلى مدينة الرياض، دار الوفاء للعلماء، ليتلقى عناية مركزة في أحد أكبر مستشفياتها، وما هي إلا ساعات ثم فاضت روحه إلى بارئها، وانتقل إلى جوار ربه شهيداً إن شاء الله، توفي على إثر تلك الإصابة الفادحة، فصلي عليه بالجامع الكبير، ودفن في المدينة المنورة ﵀ رحمة واسعة.
أيها الإخوة في الله: إن وقوع هذه الحادثة بهذه الطريقة الإجرامية القذرة ليدلنا إلى أي مدى بلغ الأمر بأعداء الدين؟! إلى أي مدى بلغ الأمر بأعداء الإسلام؟! ولو انتسبوا إلى ملل الإسلام وطوائفه، ليدلنا إلى أي مدى بلغ الأمر بهم في التخطيط والعمل بشتى أساليبهم الخداعة والبرّاقة.
والوحشية والإجرامية بما يخدم مصالحهم، ويضمن التوسع لقاعدة أتباعهم، ويوقف زحف الدعاة الذين يفضحونهم، ويكشفون للناس حقيقة باطلهم، حتى لو وصل الأمر إلى التصفية الجسدية بالقتل أو التفجير.
ثم إن هذه الحادثة كانت دليلاً على قصد أكبر عدد ممكن من العلماء الحضور في ذلك الوقت، إذ لو كان المقصود الشيخ/ إحسان إلهي ظهير وحده لاكتفى أعداؤه بإطلاق الرصاص عليه وحده دون غيره، لكنهم لم يرضوا إلا بتفجير قنبلة في ذلك المكان ليقتلوا أكبر عدد ممكن.
أيها الأحباب في الله: أمام هذه الحادثة التي يدرك كل ذي قلب ولب أن أعداء الدين لا زالوا يعملون ويدبرون، ويخططون، ويغتالون ويقتلون، في سبيل نشر باطلهم، وأمام هذا كله ماذا قدمنا لديننا؟ ماذا قدمنا لإسلامنا؟ أنتم معاشر المسلمين أكثر سكان العالم اليوم، أين عملكم؟ أين بذلكم؟ أين تضحياتكم في سبيل رفعة الدين ونصرة العقيدة؟ لقد تجاوز تعداد المسلمين ألف مليون، فأين هم؟ أرأيتم يا عباد الله!
أرأيت كيف يكاد لـ لإسلام في وضح الصباح
أرأيت أقصانا وما هدم العدو وما استباح
أرأيت كيف بغى اليهو د وكيف أحسنا الصياح
الكفر جمع شمله فـ ـلم النزاع والانفطاح
يا ألف مليون وأين هـ ـم إذا دعت الجراح
هاتوا من المليار مليـ ـوناً صحاحاً من صحاح
من كل ألف واحداً يـ ـغزا بهم في كل ساح
أين المسلمون أمام هذه الحادثة؟ أيها الأحباب في الله: وأمام هذه المصيبة التي يدرك كل مسلم أنهم لا زالوا يعملون ويدبرون، وأن المسلمين في غفلة، وفي نوم عميق، وفي غطيط وسبات، وفي ملهاة بهذه الدنيا بين الزوجات والأموال والأولاد، إذا كان النصارى وأبناء النصارى لا يملون التبرع والدعم لمؤسسات التبشير، ينذرون جزءاً من أموالهم وأوقاتهم لذلك، إذا تخرج الطبيب منهم أو الطبيبة نذر نفسه سنة أو سنوات لأي مؤسسة تبشيرية لخدمة النصرانية، ونشرها في أوساط المجتمعات الفقيرة والمريضة، وإذا كانت التركات وأموال الأثرياء الذين لا يخلفون وراءهم من يرثهم توضع لصالح ميزانية الفاتيكان لدعم التبشير والنصرانية، وجهودهم نشطة ومستمرة وواضحة في جميع دول العالم أجمع، عدا المملكة العربية السعودية، ولو وجدوا متنفساً لما ترددوا في ذلك، فأين تضحياتنا وأين عملنا لديننا؟ إن بعض المسلمين يمن ويستكثر أن يحافظ على الصلوات الخمس مقتصراً عليها وعلى الأركان الخمسة المعلومة من الدين بالضرورة، وأما بعض المسلمين ففي غفلة حتى عن الصلاة وعن أركان الإسلام، ويظن بعضهم أن واجبه أن يقف عند هذا الحد من العمل، جاهلاً أو متجاهلاً أن من تمام العمل والعبادة دعوة الناس ومجاهدتهم في سبيل إقامة الدين.
ألسنا ندرك ونعقل قول الله جل وعلا: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢]؟ إن البشرية في خسر إن بني الإنسان لفي نقص وخسارة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] ومن هذه السورة القصيرة التي يقول الشافعي فيها: "لو لم ينزل على الناس إلا سورة العصر لكفتهم"، من هذه السورة ندرك خسارة البشرية، إلا من آمن وعمل صالحاً ودعا إلى الله وهو معنى التواصي بالحق، والصبر على ما يناله في سبيل الدعوة إلى الله وهو معنى التواصي بالصبر.
معاشر المسلمين: يوماً بعد آخر، وسنة بعد أخرى ونحن نرى مصداق قول النبي ﷺ في أمته: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: لا.
أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل يصيبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت، ولينزعن الله مهابتكم من صدور أعدائكم) لقد نزعت هذه المهابة حتى تجرأ أعداء الإسلام أن يمدوا أيديهم بالقتل والاغتيال والتفجير على علماء المسلمين.
إن علماء المسلمين في محنة إن علماء الدين في محنة، اللهم انصرهم بنصرك يا رب العالمين.
معاشر المسلمين: لا تكادون تجدون دولة ينصر فيها العلماء ويحترمون ويسمع لقولهم سوى هذه البلاد، ودول الخليج والجزيرة، وأما ما سواها فهم يلاقون المضايقة يلاقون الطرد من بلادهم يلاقون الإبعاد عن أوطانهم، وعن زوجاتهم وأبنائهم، إن الآلاف منهم يعيشون مشردين في دول الغرب، وفي دول الكفار، يقولون: رحمة الكفار بنا أهون علينا من العودة إلى تلك البلاد التي نجد فيها ظلماً غاشماً، وطاغوتية وجبروتية.
اللهم أعز علماء الإسلام وانصرهم بنصرك، واحفظهم بعنايتك، وأدم تمكينك لهذه الأمة، وولاة أمورها، لتبقى مكاناً ومأوى لعلماء الدين والإسلام.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1983
أدماء المسلمين رخيصة ؟!
الحمد لله منزل الكتاب، ومنشئ السحاب، وهازم الأحزاب، لا إله إلا هو رب الأرباب، عليه توكلنا وإليه مآب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى صحابته الكرام، وعلى زوجاته أمهات المؤمنين، ومن اتبعه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بسر رفعتكم، ومصدر سيادتكم، وسبيل كرامتكم، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
معاشر المؤمنين: هذه الحادثة مرت وكأنها ما وقعت، لو قتل صحفي كافر شرقي أو غربي؛ لقامت دول الكفر ولم تقعد؛ ولضجت الصحف، ولطنطنت وسائل الإعلام، أما عالم من علماء المسلمين فإن الدماء رخيصة؟!! حادثة يسيرة!! وعلى حد قول بعضهم:
وموت كلب وادعٍ جريمة لا تغتفر
وقتل شعب آمنٍ مسألة فيها نظر
معاشر المؤمنين: إن لم يلتفتوا لعلمائنا فنحن نلتفت لهم، إذا كانت دول الكفر تضج وتصيح لرهينة من الرهائن، ولا تزال تضغط بكل ما أوتيت من السبل والوسائل أمام كافر لا يساوي هو والكفار وما أوتوا من الأموال والمتاع عند الله جناح بعوضة، فإن في قلوبنا لعلمائنا مكانة، وإن في أنفسنا لعلمائنا مكانة، ندرك هذه المكانة، ونعرف أنهم مصابيح الأرض على الدنيا، ونعرف أن الله جل وعلا شرفهم بحمل كتابه وسنة نبيه.
معاشر المؤمنين: نحن نعلم أن القضاء واقع، وأن الأمور بأسبابها، وأن الشيخ إحسان إلهي ظهير ﵀ رحمة واسعة، لو لم يمت بهذه القنبلة لمات في تلك اللحظة التي انتقل فيها إلى جوار ربه، لأن كل مسلم يعلم عقيدة يقينية قول الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] الموت لا يتأخر لحظة، ولا يتقدم أخرى، ولا شك أنه سيموت في تلك اللحظة، ولكن لما أراد الله إكرامه بالشهادة، ولما أراد الله إجزال الأجر والمثوبة له جعل وفاته شهادة إن شاء الله، جعل وفاته بهذه المصيبة.
حدثني أحد الإخوان الذي رأى والده وهو يصلي عليه في الجامع الكبير، وبعد أن انصرف الناس من صلاة الجنازة رأوا رجلاً كبيراً طاعناً في السن وهو يفقد ولده، يفقد عالماً من علماء الإسلام، يرفع يداً تنتفض رهبة ورجاءً وخوفاً إلى الله ودموعه تتساقط على وجنتيه من عينيه، وهو يدعو دعاءً بالأردية فقهه الذين يفهمون هذه اللغة، يقولون: كان يقول: الحمد لله الذي جعل موته على هذه الحالة.
ذكرني بـ الخنساء، التي ما تركت ليلة ولا نهاراً إلا وهي تبكي على أخيها صخر يوم أن قتل في الجاهلية.
يذكرني طلوع الشمس صخر وأذكره لغروب كل شمس
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
جزعت وهلعت من موت أخيها صخر، ولما أن دخل الإيمان في قلبها واستشهد أبناؤها الأربعة، جاءوا إليها وقالوا: احتسبي الله في أولادك، فقالت: الحمد لله الذي شرفني بموتهم في سبيله.
стр. 1984
طريق الدعوة طريق تضحيات
عباد الله: هذا طريق الدعوة هذا طريق الجهاد هذا طريق الإسلام، لو كانت الدنيا بما فيها من الزخارف والمتاع والأموال غبطة لكان أول من نالها رسول الله ﷺ ، لقد خيَّره ربه أن يجعل له جبال مكة ذهباً وفضة، فقال: (لا يا رب! أجوع يوماً وأشبع يوماً) واختار عيشة الكفاف حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى.
لقد لقي رسول الله ﷺ من البلاء، وليس هذا أول بلاء على المسلمين، فطريق الدعوة محفوف بالمكاره، و (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات).
رسول الله أكرم من وطأت قدمه الثرى، لقي من العنت والمضايقة والمشقة من قومه؛ وضعوا سلى الجزور على ظهره، وآذوه وطردوه من بلاده، جاء الصحابة إليه ﷺ ، قالوا: يا رسول الله متى نأمن؟ بعد أن هاجروا إلى المدينة وما زال الأمن متزعزعاً، متى نأمن يا رسول الله؟ قالوا: يا رسول الله! أحدنا لا ينام إلا وسلاحه تحت فراشه، أحدنا لا يبول إلا وسلاحه على كتفه، متى نأمن يا رسول الله؟ قال: (إنكم قوم تستعجلون، ألا إن نصر الله قريب) ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
جاء خباب وكشف ظهره إلى النبي ﷺ ، وإذا بآثار الحديد المحمي على النار في ظهره، يشكو قسوة ما فعلت سيدته به، قال ﷺ : (لقد كان الرجل فيمن قبلكم يؤتى به فيمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، وينشر بالمنشار من مفرق رأسه إلى قدمه، ما يصده ذلك عن دينه).
وإن كان أعداء الإسلام بهذه الحادثة يخوفون المسلمين في أي مكان، فليعلموا أن الإسلام عزيز بعزة الله، رفيع برفعة الله، قوي بقوة الله وجبروته وقدرته.
يا معاشر المؤمنين: طريق الجهاد والدعوة طريق تضحيات، وقد قدم الدعاة في هذا الطريق شيئاً كثيراً، إلى عهد قريب سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب حفيد إمام الدعوة، لقد فعل به العثمانيون فعلة ما فعلها أحد بمثله، جعلوه في فوهة المدفع ثم أوقدوا هذا المدفع وجعلوا أجزاءه تتطاير، وأشلاءه تتناثر، انتقاماً لمّا أن قام إمام الدعوة وكفرهم بباطلهم، وكفرهم ببدعهم وقبورهم وضلالهم وفسادهم.
إذاً فطريق الإسلام طريق تضحيات، ومن يجزع من هذا الطريق فلا مكان للثبات والصمود عنده.
يا معاشر المؤمنين: اسألوا الله جل وعلا أن يعز هذه البلاد وولاة أمرها، إننا لنعيش في أمن ما عاشه أحد، وعلماؤنا في طمأنينة ما اطمأن بها أحد، والخيرات توافد إلينا ما ذاقها أحد، أي نعمة هذه؟! نسأل الله ألا تكون استدراجاً.
رسول الله ﷺ ما ركب المراكب التي ركبناها، وما شرب المشارب التي شربناها، لقد طرنا في الهواء، ومشينا على الماء، وجيء لنا بفاكهة الصيف في الشتاء، وما كان ذلك لرسول الله ﷺ ، أنحن أفضل منه؟ لا.
وحاشا وكلا، ولا أفضل من عشر معشار واحد من صحابته.
إذاً فاعلموا أنما هي استدراج، قيدوها بشكر الله يا عباد الله! وأقلعوا عن الغفلة، واتقوا الله في أنفسكم، إن كثيراً من المسلمين في غفلة ولهو، إن كثيراً من المسلمين لا يشهدون الصلاة، إن كثيراً من المسلمين في قطيعة، إن كثيراً من المسلمين لا يذكرون الله إلا قليلاً: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] الخطباء والوعاظ، الأئمة والعلماء يصيحون ليل نهار، لكن أين القلوب التي تجد مكاناً لهذه المواعظ والذكرى؟ إن في قلوبنا مرضاً، إن في قلوبنا قسوة، إن في قلوبنا بلاء، نسأل الله أن يرفعه عنا برحمته، نسمع آيات الله تتلى ولا تسقط دمعة واحدة من أعيننا، نسمع بإخواننا يُقَتَّلون ولا تتحرك شعرة من مشاعرنا، أي بلاء حل بنا يا معاشر المؤمنين؟ وأي مصيبة نحن فيها يا معاشر المؤمنين؟ اللهم لا تعذبنا بغفلتنا، اللهم لا تسخط علينا بلهونا.
اللهم تب علينا كي نتوب، واغفر لنا يا غفار الذنوب، يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم ولنا ظهورهم، اللهم أقم علم الجهاد، اللهم اقمع أهل الكفر والزيغ والعناد، اللهم أهلكهم بدداً، وأحصهم عدداً، ولا تبق فيهم أحداً، اللهم أهلك زروعهم وضروعهم، اللهم اجعلهم كالمجانين في الطرقات، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم لا ترحم فيهم كبيراً ولا صغيراً.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد ولاة أمورنا بفتنة، أو أراد علماءنا بمكيدة، أو أراد شبابنا بضلال، أو أراد نساءنا بتبرج أو سفور، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم اجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء.
اللهم آمِنَّا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم انصر إمام المسلمين، اللهم مكن إمام المسلمين بكتابك وسنة نبيك، اللهم اجمع شمله بإخوانه، اللهم اجمع شملهم، ووحد كلمتهم، وثبت أقدامهم، ووحد صفهم، اللهم لا تفرّح عليهم عدواً، ولا تشمت بهم حاسداً، اللهم سخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرض بقدرتك، اللهم بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله اختم بها آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى جنتك مصيرنا ومآلنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، اللهم عافهم واعف عنهم، اللهم أكرم نزلهم، اللهم وسع مدخلهم، اللهم افتح لهم أبواباً من الجنان.
اللهم نور على أهل القبور قبورهم، اللهم تلطف بنا وتجاوز عنا وكن لنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومَنِّك وكرمك يا أرحم الراحمين.
يا شباب الإسلام: وبعد هذا كله من منكم يقول: أتوب إلى الله وأستغفره عَمَّا بدر مني، وأتوق صراط ربي المستقيم مقلعاً عن الذنوب والمعاصي؟ من منكم يتوب إلى ربه في لحظة استجابة، في لحظة يستجيب الله من عباده! ألا إنا نتوب إليك يا ربنا! فتب علينا.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠] فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم التواب الرحيم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1985
حسن الخاتمة
إن كل حي وجد على هذه الأرض لا بد وأنه سيلاقي مصيراً محتوماً، ألا وهو الموت، فالموت مصير كل حي على هذه المعمورة، وهو يأتي فجأة دون نذير مسبق، وقد حث الشيخ على الاستعداد لهذا المصير، وذكر مثالاً من سوء الخاتمة يتعظ به من كان له قلب، كما قارن الشيخ بين مصير الصالح ومصير الفاجر بعد الموت.
стр. 1986
لا يأس في الدعوة إلى الله
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه وعن الند والمثيل والنظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
معاشر المؤمنين معاشر الأحبة! كثيراً ما نواجه ويواجهه كل واحدٍ منكم طوائف من الشباب ومن كبار السن، من اللاهين العابثين، الغافلين عن الآخرة، الغير مبالين بأي مصيرٍ يئولون إليه وينتهون عنده، إن قدمت شريطاً فيه موعظةً لا يسمعونه، وإن قدمت رسالة فيها كلام جميل لا يقبلونه، وإن قدمت نصيحة لا يستمعونها، وإن تلطفت مع طائفة منهم يظنونه ذلاً واحتقاراًَ، وإن أخلصت النصيحة لأحدهم ظنه استعلاءً وتكبراً، والله يحار العقل ويحار الفكر، ويصبح الحليم حيران أمام طائفةٍ من أولئك اللاهين العابثين، الذين لا يعرفون المساجد إلا نزراً يسيراً، ولا يذكرون الله إلا قليلاً، ولهم في بلاد الغرب مع البغايا والفاجرات صولاتٍ وجولات، كيف الطريق إلى قلوب هؤلاء؟ كيف يُدعَون إلى الله؟ كيف ينادون إلى كتاب الله؟ هل نيأس منهم ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] هل نحكم عليهم بالشقاء؟ كلا وبُعداً؛ لأن المسلم ليس مسئولاً أن يحكم على الناس في نهاياتهم أن يكونوا من أهل الجنة أو أهل النار، وعقائد أهل السنة جمعياً ناطقة بأنهم لا يشهدون لأحدٍ بجنةٍ أو نار، لكن يخشون على المسيء العقاب، ويرجون للمحسن الثواب، هل يعتبرون من سقط المتاع، أو على هامش الحياة؟ لا يا عباد الله!
стр. 1987
الموت هو المصير المنتظر
هناك مدخلٌ رئيس وهناك حقيقةٌ لا بد من طرحها، وقضيةٌ لا بد من مواجهتها، قضيةٌ لا بد أن نواجهها نحن، لا بد أن يواجهها كل واحدٍ في هذا المسجد، ولا بد أن يواجهها كل مسلمٍ وكافر، كل بعيدٍ وقريب، كل ذليلٍ وحقير، كل عزيزٍ وأمير، كل صعلوكٍ ووزير، هي حقيقة الموت، هي نهاية المطاف، هي خاتمة الدنيا، كل البشرية تشهد وتعلم وتنطق أن نهايتها هي الموت، وأن منتهى الطريق بالنسبة لها هي الانقطاع عن هذه الدنيا، انقطاع النفس، وانقطاع الروح، وانقطاع الجوارح، فالعين لا تبصر، واليد لا تتحرك، والأذن لا تسمع، والنَّفَس لا يجري، والدماء لا تتحرك، والشرايين لا تمضغ، إنها النهاية الأخيرة التي يواجهها ويقف أمامها كل صغيرٍ وكبير، كل بعيدٍ وقريب.
стр. 1988
الموت وفجأته
كثيراً وكثيراً ما سمعنا بشبابٍ كانوا في غفلة، وفي بعد وتسلط، وقسوة وجفاء، كانوا في غلظة وقطيعةٍ وعقوق، بعضهم يشهد ويقر على نفسه، يقول: ما ركعتها في المسجد مع الجماعة، وبعضهم يقول: ما جانبت كأس الخمر مرة، وبعضهم يقول: ما سافرت إلا واقعتُ الفاحشة؛ فإذ به في يومٍ من الأيام تجده باكياً خاشعاً ساجداً راكعاً، سبحان مقلب القلوب والأبصار! ما الذي غيّر هذا؟ ما الذي غيّر أحواله؟ إنه الله جل وعلا، ولكن كيف السبب؟ ما هو السبيل؟ وأي طريقةٍ وصلت إلى قلبه؟ قدَّر الله على الكثيرين منهم أن يقفوا مشهداً ماثلاً حقيقياً لا محيص ولا مناص عنه، قدَّر الله للكثير منهم أن يقفوا أمام حقيقة الموت، وهم يشهدون بأم أعينهم وأمهات أبصارهم، يشهدون صديقاً، يشهدون حبيباً، يشهدون قريباً، ولا ينفع طبيب ولا يجدي نحيب.
حدثني أحدهم، قال: كنت مسافراً في دراسة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكان شأني شأن كثيرٍ من الشباب الذين يقضون الليل في الملهى والمساء في المرقص والعبث الذي تعنيه كلمة العبث بأبعادها ومعانيها، وذات يوم كنا راجعين من ملهانا وعبثنا تقدم بعضنا إلى السكن، أما واحدٌ منا فلقد استبطأناه ثم قلنا: لعله يأتي بعد سويعة، أو بعد ساعة، أو بعد هنيهة، ثم لم نزل ننتظر لكنه ما أتى، فنزلنا نبحث يميناً وشمالاً، وخاتمة المطاف قلنا: لا بد أن يكون في الكراج أو في الموقف الذي يجعل للسيارة تحت البناء، فدخلنا ذلك البناء، دخلنا موقف السيارة فوجدنا السيارة لا زال محركها يدور، وصاحبنا قد انخنعت رقبته على إطار السيارة، وهو في مكانه والموسيقى الهادئة لا زالت منذ آخر الليل حتى اللحظة التي فتحنا فيها باب السيارة وهي تدندن وتطنطن، فتحنا، نادينا، تكلمنا: يا أخانا! يا صاحبنا! فإذا به قد انقطع عن الدنيا منذ اللحظة التي وقفت سيارته في ذلك الكراج.
هذه نهاية أشعلت في قلوب الكثيرين من أولئك الشباب يقظةً وغيرةً وعودةً وإنابةً وتوبةً وخضوعاً إلى الله، فعادوا إلى الله تائبين، ما شربوا بعدها، ولا فعلوا بعدها، بل أنابوا واستكانوا، وعادوا لربهم، أسأل الله أن يثبتنا وإياهم، وأسأل الله أن يعامل صاحبهم بعفوه، وأن يتجاوز عنا وعنه.
هذه واحدة والأخرى ليس لها إلا أيامٌ قليلة، سمعتها من أحد إخواني في الله، يقول: كنت كغيري من سائر الشباب، وفي ليلة من الليالي التي كنت أسهر فيها مع أحبابي وأصدقائي ومن بينهم واحدٌ من الأحبة، ومن بينهم أعز حبيبٍ إليَّ، أعز صديقٍ إلى قلبي، وأقرب قريبٍ إلى فؤادي، إذ به فجأةً يصرخ: فلان! أدركني، قلت: ما الذي بك؟ قال: إني أحس بشيءٍ في قلبي، قال: فدنوت منه، فإذا هو يتلبط ويتقلب ويقول: أسرع لي بطبيب، فناديت واتصلت بمن يحضر لنا طبيباً، وكانت الفترة لا تتجاوز خمس عشرة دقيقة أو عشرين دقيقة، ونحن ننتظر وصول الطبيب، وفي تلك الدقائق وهو يقول: إني أحس بالفراق إنها النهاية إنها الخاتمة سأفارق الدنيا سأترك طفلي سأترك زوجتي سأفارقكم ستضعونني في كذا ستتركونني وحدي، وأخذ يمر عليه سجل ذكرياته، وأخذت تتقلب أمامه صحائف أفعاله، قال وأنا أنظر إليه، وكلي وحشةٌ ودهشة، وكلي عجبٌ وغرابة، وأنا أنتفض وهو يحاسب نفسه ويعاتب روحه وأنا والله أصبره، وأنا أشد ألماً منه، وأشد استعراضاً لما يكون في حياتي منه، فأخذت أتقلب في ذلك الموقف، وما هي إلا ست عشرة دقيقة تزيد أو تنقص قليلاً حتى فاضت روحه، وذهبنا وأحبابنا وأقاربنا وأصحابنا نضع قريبنا وصديقنا، وأعز أحبابنا، وأجل أقاربنا؛ نضعه في قبره ونواري عليه التراب، أحب الأحباب هو الذي منا يتقن نفس اللحد ألا يتسرب منه ذرة هواء، أو إشعاع نور، ثم ما برحنا أن نهيل عليه التراب، ثم ودعناه وانصرفنا.
стр. 1989
شاب يموت ساجداً لباغية
شابٌ من مدة ليست بالقريبة حدثني عن أحد الشباب فيما تسمى بـ بانكوك، قال: لقد كان في ضلالة، وقد كان في بلاء، وقد كان في أمره لا يفيق من المخدرات أو الشراب، وما صاحب ذلك من مصاحبة البغايا والفاجرات، وفي لحظةٍ من سكرٍ وشوقٍ إلى عهرٍ تأخرت صديقته، تأخرت حبيبته عليه، فما هي إلا لحظات وقد كاد يجن من تأخرها، فما هي إلا لحظات حتى أقبلت عليه، فلما رآها خر ساجداً لها تعظيماً، خر ساجداً لها، وما الذي تنتظرونه؟ هي السجدة الأخيرة، هي النهاية، والله ما قام من سجدته، بل أقاموه في تابوته، وأرسلوه بطائرته، ودفنوه مع سائر الموتى.
أيها الأحبة: إن هذا الموت هو أخطر وأعظم وأكبر حقيقة يواجهها الشقي والسعيد الغني والفقير العزيز والذليل الموت أكبر حقيقة، ومن أجل هذا كان ﷺ يقول: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) (ألا وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكركم الآخرة).
أيها الأحبة: أسوق هذه الأحداث متفرقة مختلفة، وكلها تختلف من حيث الخاتمة، وتختلف من حيث النهاية، لكنها في مؤدى واحد وهو الخاتمة، أي خاتمةٍ نواجهها؟ أي نهايةٍ نفضي إليها؟ وأي عمرٍ يمتد بنا؟ وأي شبابٍ نتقلب فيه، حتى ننتقل منه إلى الشيخوخة، ثم نتوب بعد ذلك؟ هل ضمنا هذه الحياة؟ وهل ضمنا هذه الأعمار؟ بادروا بالتوبة، بادروا بالإنابة قبل أن يخطفكم الموت، ويخطفكم الأجل، وتمضي الملائكة بوديعة الله من أرضه إلى السماء فتكون في أعلى عليين أو في أسفل سافلين.
стр. 1990
أهمية حسن الخاتمة
إن حسن الخاتمة وسوء الخاتمة لأمرٌ خطيرٌ وعجيب وجليلٌ، كان النبي ﷺ يجهز جيشاً من الجيوش لمعركةٍ حاسمةٍ مع الكفار، فجاء صحابيٌ إلى الرسول ﷺ وهو يومئذٍ كافر، فقال: (يا محمد! أرأيت إن اتبعتك فما الذي لي وما الذي عليَّ؟ قال: إن شهدت أن لا إله إلا الله وإني رسول الله كان لك ما للمسلمين عامة، وعليك ما عليهم عامة، فإن غنموا غنمت معهم، فقال: ما على هذا أتبعك، فشهد أن لا إله إلا الله وشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم قال له النبي ﷺ : إن غنموا فأنت معهم في الغنيمة، وإن مت فلك الجنة من الله جل وعلا، فقال ذلك الصحابي: والله ما على هذا اتبعتك؟ -أي: ما اتبعتك لأجل الغنيمة- وإنما اتبعتك على أن أغزو معك فأرمى بسهمٍ من هاهنا -وأشار إلى نحره- ويخرج السهم من هاهنا -وأشار إلى قفاه- ثم دخل المعركة وقاتل وأبلى بلاءً حسناً، فجيء به إلى رسول الله ﷺ قد رمي بسهمٍ دخل في نحره وخرج من رقبته، فقال ﷺ : صدق الله فصدقه، بخٍ بخ عمل قليلاً ونال كثيراً، دخل الجنة وما سجد لله سجدة) انظروا الخاتمة، انظروا النهاية، انظروا الخاتمة وتأملوها واعتبروا بها.
أسأل الله جل وعلا أن يحسن لي ولكم الخاتمة، وأن يجعلنا وإياكم من السعداء، وأن يتوفانا على التوحيد شهداء.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، عضوا بالنواجذ على العروة الوثقى.
اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
جاء عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يؤمر الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بكتب أربع كلمات: برزقه، وأجله، وعمله، وشقيٍ أم سعيد، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) حديثٌ صحيح.
стр. 1991
اسألوا الله حسن الخاتمة
أيها الأحبة في الله: هذا الحديث عمدةٌ في حسن الخاتمة وسوئها، اسألوا الله جل وعلا أن يحسن لنا ولكم الخاتمة، واسألوا الله جل وعلا الثبات على نعمة الدين، فإن رسول الله ﷺ وهو أفضل الأنبياء وسيد المرسلين، إن رسول الله ﷺ أول من ينشق عنه القبر، وأول من تفتح له أبواب الجنة، وأول من ينال أعلى منازلها، وهو صاحب المقام المحمود، وهو صاحب الوسيلة والشفاعة العظمى، الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كان يطيل قيامه وصيامه، وكان يطيل سجوده وتهجده، ويقول: (يا مقلب القلوب! يا مقلب القلوب! يا مقلب القلوب!) فيا عباد الله! اسألوا الله جل وعلا بهذا الدعاء، اسألوا الله الذي بيده النواصي، اسألوا الله الذي بيده القلوب وهي بين إصبعين من أصابع الرحمن التي تليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، اسألوا الله أن يثبت قلوبنا وقلوبكم على الإيمان، وأن يعصمنا من الزيغ والضلالة، ومن الغواية بعد الهداية، ومن الفساد بعد الصلاح، وأنتم يا شباب المسلمين! إن الكثير من شبابنا يسوفون التوبة، ويؤجلون الإنابة، وينشغلون بالعبث، ويلهون في الباطل ظناً منهم أن الحياة أمامهم وهم في ريعان الشباب وربيع العمر وزهرة الدنيا، يظنون أن الاستقامة تعقيد، وأن الطاعة وسوسة، وأن الإخبات لله تضييقٌ وتشديد، لا والله -يا عباد الله! - إننا نفوِّت على أنفسنا حظاً عظيماً من السعادة بقدر ما نفوِّته من الأعمال الصالحة.
واعلموا أن الموت ساعة لا تتقدم ولا تتأخر، فمن ذا الذي يضمن خروجه من المسجد؟ ومن ذا الذي يضمن يقظته من فراشه؟ ومن ذا الذي يضمن عودته إلى بيته؟ ومن ذا الذي يضمن وصوله إلى عمله؟ إذا كان هذا شأننا فيا عجباً لقسوة القلوب، لا تدري متى تخطف وهي مع ذلك عابثة لاهية!
تزود من الدنيا فإنك لا تدري إذا جن ليلٌ هل تعيش إلى الفجر
فكم من صحيحٍ مات من غير علةٍ وكمن سقيمٍ عاش حيناً من الدهر
وكم من صغارٍ يرتجى طول عمرهم وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر
وكم من عروسٍ زينوها لزوجها وقد نسجت أكفانها وهي لا تدري
стр. 1992
حث على التوبة والإنابة
فيا عباد الله: استعدوا للقاء الله، وبادروا بالتوبة، وبادروا بالخضوع والإنابة، إنما هذه الدنيا متاع قليل: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم:٥٥] والله إن هذه الدنيا بما فيها من ملذاتٍ وشهواتٍ ومراكب وقصورٍ ودور، وضيعات وزوجاتٍ وجنات وأموالٍ وذريات، لا تعدل غمسة في نار جهنم، وإن الشقاء في هذه الدنيا بما فيه من الفقر والمرض والسقم والذلة وضيق الحال لا يساوي غمسة في نعيم الجنة.
(يوم القيامة يؤتى بأحسن أهل الدنيا حالاً وأيسرهم عيشاً، ثم يغمس غمسةً -وهي أقل من اللحظة، أو أقل جزءٍ من أجزاء اللحظة- في النار، فيقال: يا بن آدم! هل رأيت نعيماً قط؟ هل مر بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا يا ربِّ، ما مر بي نعيمٌ قط، ويؤتى بأشد أهل الدنيا بؤساً وفقراً ومرضاً فيغمس غمسة واحدةً في الجنة، يقال: يا بن آدم! هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شقاءٌ قط؟ فيقول: يا ربِّ! ما مر بي شقاء وما مر بي بؤس).
فلنعد لذلك اليوم وهو يومٌ لا بد أن نرده على صراطٍ أدق من الشعرة وأحد من السيف، الناس يمضون عليه على قدر أعمالهم، وكلاليب جهنم عن يمينه وعن يساره، فمن المؤمنين الذين يسعون ونورهم بين أيديهم مد أبصارهم كالبرق الخاطف، ومن المؤمنين من يمرون كأجاود الخيل، ومنهم من يمره كأسرع الناس عدواً، ومنهم من يحبو على الصراط حبواً، ومنهم من يمضي عليه فتدركه كلاليب جهنم، أدركته أعماله السيئة وتفريطه في حقه، وتضييعه وتقصيره في جنب الله وطاعته.
стр. 1993
مقارنة بين مصير البر والفاجر
فلنعد العدة لذلك اليوم، ولنعد لدارٍ سوف نسكنها، سوف نبقى فيها، والله ما نفع أهل الأموال أموالهم، أين الملوك؟ أين الأمراء؟ أين الوزراء؟ أين الرؤساء، أين الخلفاء؟ أين الذين ذهبوا؟ أين الذين ملكوا؟ أين الذين جمعوا؟ أين الأثرياء؟ أين الكبراء؟ لقد ودعوهم في حفرةٍ لا فراش فيها، ولا خادم فيها، ولا مائدة عندها، ولا باب إليها، ولا نور يضيئها، ولا هواء يدخلها؟ لا شيء فيها إلا خرقةٌ بيضاء يحسدك الدود عليها فينتزعها من جسمك ولا يتركها لك، كتب الله أن تعود إلى هذه الدنيا في نهاية المطاف وفي خاتمة الأمر كما نزلت عليها، حتى كفنك ينازعك الدود فيه، فيقرضه منك خيطاً خيطاً شعرةً شعرةً، وينتزعه من جسدك، فإن منَّ الله عليك وكنت من الصالحين عوضك الله هذا الكفن أبواباً إلى الجنان ونعيماً مقيماً في دار الخلود، فتفتح لك أبواب الجنة، ويضاء لك القبر، وتؤنس بعملك الصالح، وتبقى زاهياً متغنيا، تقول: ربِّ أقم الساعة، ربِّ أقم الساعة، وإن كنت من أهل الشقاء، من أهل الضياع، من الذين ضاعت أموالهم في الربا، وتركوا المساجد وغفلوا عن الجماعات، وضيعوا حقوق الله، وضيعوا محارم الله في كل سفرٍ وفي كل ذهابٍ وإياب، لا يرعون حرمات الله، يواقعون الفواحش لا يبالون، فإنك لا تجني من الشوك العنب وكلٌ سيلقى عمله أمامه.
يا غافلاً عن العمل وغره طول الأمل
الموت يأتي بغتةً والقبر صندوق العمل
القبر صندوق العمل، انظروا واجمعوا في صناديقكم، لو زار كل واحدٍ منا قبره في الأسبوع مرة، في الشهر مرة، في نصف الشهر مرة، وأنت تنظر وتقول: هذا صندوقي هذا فراشي هذه داري، سأسكنها وحدي، هل وضعت فيها عملاً صالحاً، أم أودعتها خيبةً وضياعاً وحرماناً وحسرة؟ أسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة، أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يحسن لنا ولكم الخاتمة.
اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجدادتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً اللهم جازه بالحسنات إحساناً وبالسيئات عفواً وغفراناً، واغفر اللهم لأحبابنا وأصدقائنا وإخواننا الذين فرطوا من بين أيدينا وودعونا ومضوا، ولا نملك لهم قليلاً ولا كثيراً إلا أن نسأل الله أن يجمعنا بهم في مستقر رحمته وفي دار كرامته.
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والمفسدين، اللهم من أراد شبابنا بسوء ونساءنا باختلاط وتبرجٍ وسفور، ورجالنا وعلمائنا وولاة أمرنا بفتنة أو مكيدة، اللهم جازه بالسوء والخزي والعار والدمار، اللهم أدر دائرة السوء عليه، وأرنا فيه عجائب قدرتك، واجعل تدبيره تدميره، يا سميع الدعاء، وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1994
حُسن المعاشرة
حث الإسلام على الزواج ورغب فيه، وجعل لكلا الزوجين حقوقاً وواجبات، وأوصى بالنساء خيراً، ودعا إلى الإصلاح بين الزوجين في حال وقوع المشاكل بينهما، ووضح أسلوب المعاملة للرجل عند عصيان الزوجة.
وفي هذه الخطبة ركز الشيخ على سوء المعاملات الزوجية الواقعة في المجتمع، وضرب على ذلك أمثلة كثيرة، ودعا الرجال إلى حسن معاملة أزواجهم والوصاية بهن خيراً.
стр. 1995
سوء معاملات الأزواج
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهو الذي يخاطب عباده كافة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
معاشر المؤمنين! يقول الله جلَّ وعَلا في محكم كتابه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١].
هذه الآية يا عباد الله نص واضح جلي في أصول العلاقات الزوجية التي يجب أن تقوم على المودة والرحمة كما بيَّن أن من حكمته العليمة بما يصلح للنفوس وما ينفعها أن جعل الزواج سكناً وأمناً واستقراراً واطمئناناً، وأي شيء أبلغ من قوله جلَّ وعَلا: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١]؟! والذي نراه في زماننا هذا في أحوال بعض المتزوجين هو انعكاس مفهوم هذه الآية، وحدوث ما يخالفها، فبدلاًَ من أن ترى السكَن والمودة والرحمة في حياتهم الزوجية تجد السباب والشتائم والنكد والحسرة! فلماذا يحدث هذا كله، والله جلَّ وعَلا يقول: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١]؟! أليس السكَن يؤوي الإنسان ويستره، وهو ملاذه بعد تعبه، ومستقره بعد مشقته وسفره؟! فلماذا لا نرى جميع هذه الأمور في كثير من الزيجات، وفي كثير من الزوجات التي خلقها الله لنا لنسكن إليها؟! وهل قامت المودة والرحمة فيما بيننا أم لا؟! علينا يا عباد الله قبل أن نجيب على هذه الأسئلة أن نتزن في تحديد الإجابة عليها، بعد تعيين مصدر القلق والنزاع في الحياة الزوجية! فهل السبب من الرجال أم هو من النساء؟ أم هو سبب مشترك بينهم؟ وقبل أن نسترسل في هذا الموضوع يجب أن يعلم الجميع أننا لا نعني أن كل واحد يعيش في مشاكل زوجية، ولكن من الملموس أن بعض المسلمين يعيشون الحسرة والنكد من تلك المشاكل.
حتى إن بعضهم ليضطر أن يأتي الحرام، والحلال قريب منه في داره.
حتى إن بعضهم ليضطر أن يسافر بعيداً فراقاً عن زوجةٍ تكون مصدر نكد وحسرة.
ويا تُرى هل هو السبب أم هي؟! فمن كان من أولئك -عافانا الله وإياهم وستر علينا وعليهم- فليجتهد ما استطاع في حل مشكلته، ومحاولة الوصول بها إلى بر الأمان، وموقع الاستقرار.
ومن كان آمناً مطمئناً، فليحمد الله وليرْعَ نعمته، وليُسْدِ النصيحة لإخوانه الذين يراهم على تلك الحال.
فهناك من النساء من يشكين سوء معاملة الأزواج، وهذا أمر قد حدث في عهد رسول الله ﷺ ، حيث بلغه أن بعض الصحابة يضربون أزواجهم، فقال ﷺ : (وما أولئك خياركم).
وقال ﷺ : (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).
وكان ﷺ خير قدوة وأسوة في تطبيق أسس العلاقات الزوجية على حد سامٍ من المعاملة الحُسنى لأهله وأزواجه، فكانت قوامته على أزواجه على أتم العدل والقسط.
وتذكروا يا عباد الله أنكم يوم عقدتم مواثيق النكاح قبل دخولكم بأزواجكم، أنكم استحللتم فروجهن بما في كتاب الله من القيام بجميع الحقوق الزوجية، من التربية، والنصيحة، والنفقة، والسُّكنى، والمعاملة الطيبة، والإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان، ذلك العقد والميثاق الذي دخل به الرجل على زوجته مشهود عليه من قبل الله جلَّ وعَلا، ثم عاقِدُه وشهوده المؤمنون، فكيف يسوغ لمؤمن أن يظلم نفسه بظلم أهله وزوجه! ونحن اليوم يا عباد الله نرى وابلاً كثيفاً من الرسائل والكتابات، ترسل بها بعض النساء إلى برامج التوجيه الاجتماعي، عبر وسائل الإعلام المختلفة، يشتكين فيها سوء معاملة الأزواج، والظلم الذي لا يوجد له أي تفسير، أضف إلى ذلك ما نراه في المحاكم الشرعية التي نراها تمتلئ بخصوص فض النزاعات الزوجية وإنهائها بالخُلع أو الطلاق، عافانا الله وإياكم من ذلك.
ومن العجيب يا عباد الله: أنك ترى كثيراً من المشاكل الزوجية تصدر من رجال تعرفهم بحُسن السيرة والسلوك، والتواضع ولين الجانب، والأدب الرفيع في المعاملة والأخلاق مع الناس خارج منازلهم، لكن إذا دخل أحدهم بيته؛ انقلب على حد زعمه أسداً هصوراً، يأمر وينهى، يُرعِد ويزمجر، نقول له: أليس أهلك وزوجك هم أحق بِحُسن معاملتك ورعايتك؟! فإنا لله وإنا إليه راجعون!
стр. 1996
أمثلة واقعية في سوء العلاقات الزوجية
إليكم يا عباد الله بعض الأمثلة الواقعة في سوء المعاملات الزوجية، وظلم بعض المسلمين لأزواجهم -هدانا الله وإياهم إلى سبيل السعادة والاستقرار في الحياة الزوجية- بعضهم تراه يفتتح دخوله في بيته بالسب والشتيمة لزوجته إذا دخل وحده أو كان معه ضيف أو صديق: أحضِري كذا، وأعدِّي كذا، ولماذا هذا الشيء لم يكن كذا؟! وقد نسي أن زوجته ربَّة منزله، ومربية أطفاله، وامرأة كهذه ظروفها وأحوالها مليئة بالعمل المستمر في إعداد الطعام، وتنسيق المنزل، وتنظيف الأطفال، فكيف تُلامُ مسكينةٌ بتأخيرٍ بسيط قد لا يُذكر في إعداد طعام، أو تنفيذ أي أمر من الأمور.
ولا يظن أحدٌ أن هذا الكلام معناه: أن يَسمح الرجل لامَرْأَته بعصيانه، أو أن يُسمح للمرأة بعصيان زوجها، أو عدم المسارعة في تلبية حاجته، بل المقصود من ذلك هو: معرفة حال الزوجة وظروفها، ومعذرتها في ذلك.
وترى البعض الآخر يقيم الدنيا ويقعدها عند حدوث خطأ بسيط من زوجته، أو أحد أطفاله، فيصب جامَ غضبه وحرارةَ لومه على زوجته سِباباً أو شَتْماً أو غضباً، وإني لأعرف أسرة تتكون من أب وأم وأربعة أولاد، طلق الأب زوجته لأجل سِبابٍ ثار بينهم حول لباس الطفل الصغير من العائلة، فأي عقول يعيش بها بعض المسلمين هذا الزمان؟! ونقول لكل إنسان رأى في بيته أو من زوجته ما يغضبه دونما يدخل في الأعراض والأخلاق، نقول له: يا أخي المسلم! هل تظن أن صيحاتك الغاضبة على زوجتك تصلح حالها؟! لا والله، بل إن تلك الصيحات مما يزيد الطين بِلَّة، ويورث في نفس المرأة الكراهية لزوجها، والتصميم على العناد، ثم إن ذلك السيل المتتابع من الألفاظ النابية لا يرد ما فات، ولا يُرْجِعُ ما حدث، فالأولى بكل واحد منا عندما يدرك خطأً من زوجته أن يستدعيها بأسلوب المربي، فيبيِّن لها خطأ ما حدث، ويدعوها إلى عدم العودة إليه مرة أخرى، وتدارك ذلك فيما استقبَل من الزمان.
المشاكل الزوجية متعددة الجوانب والظروف، ولو ذهبنا نحصيها لأخذ ذلك الكثير من وقتنا، فحسبنا أن نشير إلى أهم ما يحدث منها في مجتمعنا ولو في فُرَص قادمة إن شاء الله.
стр. 1997
اتقوا الله في النساء
معاشر المؤمنين: لا تنسوا أن علاقتكم بزوجاتكم هي علاقة نفسية قبل أن تكون مادية؛ لأن الله جلَّ وعَلا يقول: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١] والسكن: في النفس والروح، والعلاقات النفسية لا بد أن تقوم وتدوم في الغالب على مستوىً لا يصل إلى حد البغضاء والكراهية؛ لأن ذلك باب وسبيل إلى النهاية السيئة، وهي الطلاق، أو الفراق، ولقد قال الشاعر:
إن النفوس إذا تنافر ودُّها مثل الزجاجة كسرُها لا يُجبَرُ
إن النساء في حقيقة الأمر يُرِدْنَ قوامة من الرجال، يُرِدْنَ مودة ورحمة وقدوة وتربية قبل أن يطلبن المال والذهب وغير ذلك، وكم من امرأة كرهت زوجها، وطلبت طلاقها منه، وهو قد يعطيها الذهب والمال والحرير؛ لأنها تريد قبل المال وغيره، تريد مودة ورحمة، ولهذا الحديثِ بقيةٌ في فرصة قادمة إن شاء الله.
وتذكروا قول الله جلَّ وعَلا: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خُلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبتَ تقيمه كسرتَه، وإن تركتَه لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء) متفق عليه.
وفي رواية في الصحيحين: (المرأة كالضلع، إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعتَ بها استمتعتَ بها وفيها عوج) وفي رواية لـ مسلم: (إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعتَ بها؛ استمتعتَ بها وفيها عوج، وإن ذهبتَ تقيمها كسرتها، وكسرُها طلاقها).
وعن عبد الله بن زمعة أنه سمع النبي ﷺ يخطب، وذَكَرَ النساء، فوعظ فيهن فقال: (يعْمَد أحدُكم فيجلد امرأته جلد البعير، فلعله يضاجعها من آخر يومه).
معاشر المؤمنين: اتقوا الله تعالى في زوجاتكم، وما ولاَّكم الله.
اللهم حبِّب إلينا أهلنا، وحبِّب أهلينا إلينا، واجمع بين الجميع على طاعتِك ورحمتِك مودَّتِك، واجعلنا من الذين آمنوا واتبعتهم ذريتُهم بإيمان، ولا تلتنا وإياهم من أعمالنا شيئاً، إنك أنت الغفور الرحيم.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1998
سوء التفاهم مع الزوجات
الحمد لله الواحد بلا شريك، والعزيز بلا نصير، والعليم بلا ظهير، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه، فهو الذي أنشأنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، ومنَّ علينا بسائر النعم، أطعمنا، وسقانا، وكفانا، وآوانا، ورزقنا الأمن والأمان في أوطاننا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جلَّ عن الشبيه وعن الندِّ وعن المثيل وعن النظير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلَّى الله عليه وعلى أزواجه وآله وصحبه، وسلَّم تسليماً كثيراًَ إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.
عباد الله! إن كثيراً من المسلمين -هداهم الله- ممن يلجئون في حال التفاهم مع زوجاتهم بأسلوب الأوامر أو الكلمات النابية أو الألفاظ التي تشتمل على السب والشتيمة، إنهم بذلك يجرئون زوجاتهم عليهم، ويجعلون زوجاتهم لا يقيم لهم قدراً في كلامهم، أما لو أن الإنسان احترم نفسه، وقدَّر ما يقول من الكلام لوجد أن زوجته لَتُقَدِّر أعظم التقدير هذه العبارات التي يكفي منها أقل القليل فيما يدل على اللوم بعيداً عن السباب والشتيمة والألفاظ النابية.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً، وخياركم خياركم لنسائهم) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
وعن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تضربوا إماء الله) ونحب أن نقف هنا، فإن بعض المسلمين لا يعرفون أسلوب التفاهم مع الزوجات إلا بالضرب، ألا وإن الضرب لا يجوز للنساء إلا أن يأتين بأمر منكر، ألا وإن الضرب لا يجوز للنساء قاطبة.
(لا تضربوا إماء الله، فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: ذَئِرْنَ النساء -أي: تجرَّأن النساء على أزواجهن- فرخَّص ﷺ في ضربهن، فطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكين أزواجهن، فقال رسول الله ﷺ : ليس أولئك بخياركم) رواه أبو داود بإسناد صحيح.
ونحن يوم أن نقول: لا يجوز ضرب النساء؛ هو ذلك الضرب الذي يكون فيه ضرر بالمرأة.
وعلى أية حال: فإن الضرب ليس بأسلوب للتربية، أما وإن الضرب الذي يجوز للمرأة في حال منكر، أو في حال عناد مستمر بشيء قليل؛ لأن المرأة ضعيفة جداً.
وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة) رواه مسلم.
ألا فأحسنوا متاعكم، وأصلحوا زوجاتكم، واستوصوا بهن خيراً؛ لتستمتعوا بهنَّ في هذه الحياة الدنيا.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يَفْرَك مؤمنٌ مؤمنةً -أي: لا يُبْغِض مؤمنٌ مؤمنةً- إن كَرَِه منها خُلُقاً رَضِي منها آخر.
أو قال: غيره) رواه مسلم.
وعن عمر بن الأحوص أنه سمع النبي ﷺ في حجة الوداع يقول بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه، وذَكرَ ووَعَظَ، ثم قال: (ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هُنَّ عَوان عندكم -أي: أسيرات بين أيديكم- ليس تملكون منهنَّ شيئاً غير ذلك، إلاَّ أن يأتين بفاحشة مبيِّنة، فإن فعلن؛ فاهجروهن في المضاجع، واضربوهنَّ ضرباً غير مبرِّح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلاً، ألا إن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً، فحقكم عليهن: أن لا يوطِئْنَ فُرُشَكم مَن تكرهون, ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وإن حقهنَّ عليكم: أن تحسنوا إليهنَّ في كسوتهنَّ وطعامهنَّ) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
وعن معاوية بن حيدة قال: قلت: (يا رسول الله! ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمتَ، وتكسوها إذا اكتسيتَ، ولا تضرب الوجه، ولا تقبِّح، ولا تهجر إلا في البيت) حديث حسن رواه أبو داود، وقال: معنى لا تقبِّح، أي: لا تقل: قبَّح الله وجهكِ.
فما الحال برجل يُذيقها ويمسها ألوان السباب والشتيمة، وإن البعض ليصل به الأمر إلى أن يلعنها، أو يلعن والديها، وأن يسبها بأقذع الألفاظ والعبارات، فما ذنبها حتى تنال اللعنة؟! وما ذنب والديها في هذا الأمر؟! وقد تعود اللعنة على المتلفظ بها، عياذاً بالله من هذه الحال.
ألا وإنه ليس كل خطأ من الرجال في أمور العلاقات الزوجية؛ ولكن جانباً كبيراً منهم، وجانباً آخر من النساء.
نسأل الله جلَّ وعَلا أن يوفق الجميع، وأن يمنَّ على الجميع بالسعادة والسداد والتوفيق والأمن والطمأنينة.
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، ودمِّر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، الذين يريدون بهذه المجتمعات الآمنة المطمئنة فُرْقةً ومشاكل، عبر ما يُعرض في تلك الأفلام من المشاكل، وعبر ما يُعرض من أمور تجرئ النساء على أزواجهنَّ، وعبر ما يُعرض من أمور تجعل المرأة تتحدى زوجها؛ لأنها تشبَّعت بفكرة رأتها في فيلم أو مسلسل أو غيره، فأخذت تخاطب زوجها بما شربته وبما تملأتْ به من هذا المشهد.
نسألك يا حي يا قيوم إن أرادوا بذلك سوءاً في أزواجنا ومجتمعاتنا وبيوتنا نسألك اللهم أن ترينا فيهم عجائب قدرتك، اللهم من أراد بنا وببيوتنا ونسائنا سوءاً؛ فأَدِر عليه دائرة السَّوء، اللهم أهلك سمعه وعقله وبصره.
اللهم من أراد بولاة أمورنا فتنة، وأراد بهم مكيدة، وأراد بعلمائنا فتنة، وبشبابنا ضلالاً، وبنسائنا تبرجاً وسفوراً، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه، يا سميع الدعاء! اللهم اختم بشهادة أن لا إله إلا الله آجالنا، واقرن بالعافية غدوَّنا وآصالَنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار، اللهم اسقِ العباد، والبهائم، والبلاد.
اللهم إنا خلقٌ من خلقك، وعبيدٌ من عبيدك، فلا تحرمنا بذنوبنا فضلك، ولا تمنعنا بمعاصينا رحمتك.
اللهم اغفر لنا، ولوالدينا، ولجميع المسلمين.
اللهم اجعل لكل مسلم من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمة.
اللهم لا تدع لأحدنا ذنباًَ إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا دَيناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره، ولا حيران إلا دللته.
اللهم اهدِ شباب المسلمين، اللهم اهدِ شباب المسلمين، اللهم اهدِ شباب المسلمين، اللهم اهدهم للبر بوالدِيهم، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً، اللهم وفقهم لحضور الصلاة مع الجماعة في المساجد، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، اللهم وفقهم في دراستهم، اللهم وفقهم فيما هم مقبلين عليه من الامتحان، اللهم لا تخيِّب تعبهم، ولا تخيِّبهم فيما أمَّلوا، برحمتك ومنِّك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم، وارحمهم، وعافهم، واعفُ عنهم، وأكرم نزلهم، ووسِّع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلِّم على صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، نبينا محمد، وعلى الأئمة الخلفاء، الأربعة الحنفاء: أبي بكر، وعمر وعثمان، وعلي، وعن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنِّك وكرمك، يا أرحم الراحمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 1999
حقيقة التقوى
في هذه الخطبة تعريف للتقوى عند السلف، مع ذكر بعض ثمار التقوى، وأهمية التقوى تكمن في كثرة ذكرها في القرآن وحث النبي ﷺ عليها أصحابه كثيراً، فهي وصية الأولين والآخرين، وقد ذكر الشيخ قصصاً تمثلت فيها التقوى بكل ما تعنيها كلمة التقوى.
стр. 2000
التقوى وتعريفها عند السلف
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أوجدنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، وتفضل علينا بسائر النعم، ودفع عنا كثيراً من النقم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن اتبع هداه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله لكم ولمن كان قبلكم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١].
ولو تأملتم -معاشر المسلمين- حقيقة التقوى التي جاءت في كل صفحة من كتاب الله الكريم، وجاءت في كل نعت من نعوت المتقين المؤمنين، لوجدناها كما يقول علي بن أبي طالب ﵁: [التقوى: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل].
وقال عمر بن عبد العزيز: ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك فقط؛ ولكن تقوى الله: ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رُزق بعد ذلك خيراً فهو خير إلى خير.
وقال طلق بن حبيب: التقوى: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله.
وحسبكم -معاشر المؤمنين- بالتقوى أنها وصية الله للأمم السابقة والأمم اللاحقة، ولقد كان ﷺ يوصي من يستوصيه بالتقوى.
واعلموا -معاشر المؤمنين- أن التقوى لا يلزم منها أن يكون العبد معصوماً من الذنوب والخطايا واللمم؛ بل إن العباد خطاءون، وخير الخطائين التوابون.
ويقول الله جلَّ وعَلا في محكم كتابه في سياق صفات المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] فعدَّهم من المتقين مع أنه جلَّ وعَلا قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران:١٣٥] ولكنهم لم يصروا على هذا الظلم وأقلعوا عن تلك المعصية.
ويقول الله جلَّ وعَلا أيضاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١].
فهذا دليل على أن المتقين قد ينالهم ما ينالهم من مس طائف الشيطان؛ ولكن العبرة بالمتذكرين المنيبين المخبتين الأوابين إلى ربهم، وبعد ذلك ينقلبون من حال المعصية إلى حال التوبة الصادقة النصوح، وبذا يكونون في عداد المؤمنين المتقين.
أيها الأحبة: إن الشيطان يأتي إلى كثير من الناس يوم أن يفعل أحدهم معصية، أو يجترح خطيئة، ويسوِّد صفحات أعماله أمامه، ويقول له: لستَ في عداد المتقين، ولا من المؤمنين، وييئسه من رحمة الله، ويقنِّطه من عفوه ومغفرته، وبعد ذلك قد يصيب الإنسان ما يصيبه من الإصرار على المعصية يأساً وقنوطاًَ من مغفرة الله وعفوه عنه.
لذا فمن تأمل هذه الآيات علم أن حقيقة التقوى: التزام فعل ما أمر الله به، واجتناب عما نهى عنه وحرَّمه، ولو وقع الإنسان فيما وقع من الذنوب والمعاصي فإن العبرة بالتوبة والأوبة والإنابة إلى جناب رب العالمين، وهو الذي يقول في محكم كتابه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
следующие страницы →