Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
فتن تفتك بوحدة الأمة
بعد موت النبي ﷺ عاشت أمة الإسلام حقبة من الزمن في ظل وحدة تلم شتاتها، وتوحد صفها وكلمتها، وتحوط الأمور بعنايتها ورعايتها، وتحقيق ما يصلح شأنها، وما زال الحال بالمسلمين من نقص إلى مثله، ومن انحدار إلى أسفل منه، حتى انتهى الأمر اليوم إلى ما ترون وتسمعون، وقد مر بالمسلمين في فترات ماضية أنواع وألوان مما حل بهم اليوم، ولكن لا أظن منصفاً أو عاقلاً متأملاً بنظرة شاملة، يقول: إنه مر بالمسلمين فيما مضى مثلما حل بهم في هذا الزمان وهذا العصر وهذه الحقبة، ولستم بحاجة أن أفصل لكم ما نعنيه بما أصاب المسلمين، فترى كثيراً من المسلمين يجهلون الإسلام جهلاً مطبقاً، ولا يعرفون عن الإسلام إلا اسمه، والانحراف عن العقيدة السوية أمر منتشر عند كثير من المسلمين أيضاً، وفشو البدع، وغزو المسلمين في أخلاق شبابهم، وعفاف نسائهم، ناهيك عما حل بأعراضهم من استباحة، وما حل بأراضيهم من سلب، وما حل بأموالهم من نهب، وما حل بدمائهم من نزيف، وما حل بجراحهم من ثلم.
ثم أصبح اجتماعهم فرقة، وبات حال الواحد منهم يرى أن الموت بات أمنية، والفراق للدنيا أجمل أغنية.
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وأن المنايا قد غدونا أمانيا
أو كما قال بعضهم:
ألا موت يباع فنشتريه وهذا العيش ما لا خير فيه
ألا رحم المهيمن نفس حر تصدق بالوفاة على أخيه
وهل يلام من قال اليوم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٣] وهو يرى تسلط أبناء القردة والخنازير، اليهود الحفنة القليلة، يرى تسلطهم على الأمة العظيمة، وهو يرى ويبصر حروباً وقودها جماجم المسلمين، وحصادها أعراضهم وأرواحهم.
وهل يلام على ذلك وهو يرى الذين تدخلوا في شئون المسلمين باسم حقوق الإنسان، يراهم لا يعتبرون لمسلم قدراً، ولا يحسبون له حساباً، حتى ولو وطئت المنجزرات والدبابات أشلاؤه في الشيشان، أو سورته المدافع من حوله، وأظلته القاذفات السابحات من فوقه في البوسنة والهرسك، أو ظل في الجبال والأدغال يطالب بأدنى حقوقه، ويفنى ويضيع ويضل ويذهب كثير منهم ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ [مريم:٩٨].
كل هذا فهل يلام من يرى ما حل بالمسلمين وهو عاجز، أن يتمنى أن لو كان مات قبل هذا، وكان نسياً منسياً، أما من يستطيع أن يفعل شيئاً ولو يسيراً، فالصبر والمصابرة والجلد والمجالدة أولى به، وهو المشروع في حقه، حتى لا نظن أنها دعوة إلى اليأس، أو حرب على التفاؤل، أو نداء إلى القنوط.
إن ما مضى بمجموعة لا يساوي أشد طعنة طعن بها المسلمون، وهي ضرب المسلمين في وحدتهم، وتفجير العصبيات والقبليات في أوساطهم، وتشجيع التحزب على الضلالات والشعارات، حتى أصبح الحديث عن وحدة المسلمين عند القوميين جريمة، وعند العلمانيين خرافة، وعند المنهزمين أضغاث أحلام.
стр. 2242
المخرج من الفتن إلى الوحدة
أيها المسلمون: إن حاجة الأمة إلى الوحدة الصحيحة على العقيدة السوية والمنهج القويم في هذه الحقبة خاصة فوق كل حاجة، وإن ما أصاب المسلمين يوم أن أصابهم، حتى تحول حالهم إلى هذا اليوم، إلى ما نراه في هذا اليوم، ما ذاك إلا للأسباب أهمها بعدهم عن كتاب الله، وتشتت وحدتهم، وتفرق صفوفهم، وذهاب ريحهم، واختلاف كلمتهم، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦].
أما المخرج من هذا التيه، والخروج من هذا الضياع، فقد بينه النبي ﷺ بعد أن بيَّن ونبأ أن الأمة ستواجه فرقة واختلافاً، ثم بيَّن المخرج من ذلك، ففي الحديث عن العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً).
وقد رأينا هذا الخلاف، وصدق رسولنا ﷺ ، ثم قال بأبي هو وأمي: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة) فبين ﷺ أن الخلاف سيقع، وأن المخرج منه لزوم السنة.
أيها المسلمون: المخرج في صراط الله المستقيم ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] وهذا الصراط نأوي فيه إلى ركن شديد يعصمنا بكل معنى العصمة، يعصمنا من الزلل والتفرق، نأوي فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين، وكل معصوم لا يزل ولا يضل من لزمه ولم يبرحه.
فالقرآن محفوظ لم يفرط الله فيه من شيء، والسنة مثل القرآن (ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه) وقد قيض الله للسنة رجالاً وضعوا لها علماً لم يوجد في الدنيا له مثيل، يميزون به الصحيح من غيره، وينفون به عن السنة انتحال المبطلين، والإجماع معصوم، إذ لا تجتمع الأمة قاطبة على ضلالة، وإن حمل الأمة، وسوق الأمة، ودعوة الأمة، وبث الوعي في نفوس أبنائها باليأس، ندعو الأمة إلى اليأس والقنوط، نحمل الأمة على اليأس وننادي إلى القنوط من كل حل أو مشروع أو نظام أو منهج لا يرتبط بالمنهج المعصوم، وهو الإسلام، أو لا ينبثق منه.
إن هذا من المهمات التي يستطيعها كل واحد منكم، إن هذا من الأمور التي يستطيعها آحاد المسلمين، فضلاً عن النظم والمؤسسات، بمعنى أن يتقين عامة المسلمين، وأن يفقهوا معنى قول الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] إن حمل الأمة، ودعوة الأمة، ومناداة الأمة، وبث الوعي في نفوس أبنائها بأن كل عقدة أو مشكلة أو فتنة أو نازلة أو واقعة أو مصيبة لا ترد إلى كتاب الله وسنة نبيه؛ فإن ذلك يجعل الظلام دامساً، والمر علقماً، ولا يزيد الأمة إلا رهقاً، ولا يزيد الطين إلا بلة، ولا يزيد الأمور إلا تعقيداً، فما من مصيبة لا ترد إلى الله ورسوله، إلا وتتضاعف وتفرخ وتنتشر وتتنامى.
ولا حل إلا بالعودة إلى كتاب الله وسنة نبيه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب يمتعكم متاعاً حسناً، ويزدكم قوة إلى قوتكم.
стр. 2243
خطوات على طريق الوحدة
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
إنه ما من مسلم إلا ويتغنى ويتمنى وينشد ويرمق ذلك اليوم الذي يرى فيه المسلمين أمة واحدة ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢] وإن مما يعين على تحقيق هذه الوحدة، أن نعظم في النفوس شأن الانقياد والاستجابة لله ورسوله، وأن نعظم في النفوس محبة الخضوع والتسليم للدليل بلا نزاع أو جدال أو تسويف، فلا إيمان إلا بتسليم لله ورسوله ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
أن نعظم في النفوس هذا الاستسلام والانقياد، وهذه الاستجابة: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] أن نربي أبناءنا وبناتنا ومجتمعنا عبر كل وسيلة إعلامية وتعليمية وتربوية على الخضوع والاستجابة الفورية لأمر الله ورسوله.
وإن مما يعين على تحقيق وحدة المسلمين: أن يعرف المسلمون من هم أعداؤهم، من هم الأعداء التاريخيون، ولو تلونت الوجوه، وتغيرت الأقنعة، أو تبدل السرج، وتغيرت المواقف.
إذا عرفنا من هم أعداؤنا، نسينا خلافات جانبية أو جزئية فيما بيننا، لنقف وقفة واحدة، بغضبة وغيرة لله ورسوله في مواجهة عدو لم يألوا المسلمين خبالاً، ود عنتهم، يعض عليهم الأنامل من الغيظ، لا يفتأ يتربص بهم الدوائر، وإن تصب المسلمين حسنة تسؤهم، وإن تصب المسلمين سيئة يفرح بها.
إن مما يحقق الوحدة الإسلامية: أن يفقه كل مسلم أن الأخوة بين المسلمين لا يحدها جبل أو بحر، أو سهل أو وعر أن يفقه كل مسلم أن إخوانه المسلمين هم أطرافه وجوارحه، فمن سقي بسموم العصبية عبر أي وسيلة من الوسائل، فليتقيأ ذلك السم، وليشرب نمير الأخوة عذباً، وعسل المحبة مصفى.
أن نشعر أن إخوننا المسلمين هم أيدينا وجوارحنا وأطرافنا، فإذا ثارت نعرات القومية والعصبية والبغضاء والتناحر؛ أدركنا أننا إن نقطع فنقطع أيدينا، وإن نبتر فنبتر أرجلنا، وإن نطعن فنطعن أفئدتنا، وإن نرق نرق دماءنا، وإن نزهق نزهق أنفسنا، حينما يعظم في نفوسنا معنى الأخوة لكل المسلمين، بغض النظر من أي اتجاه هو.
وحيثما ذكر اسم الله في وطن عددت أرجاؤه من لب أوطاني
إن مما يعين على تحقيق الوحدة بيننا: ألا يؤخذ المسلمون بذنوب أنظمتهم؛ إذ ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤].
وإن مما يعين على تحقيق الوحدة: نشر الوعي بكتاب الله والحاجة إليه، ونشر القنوط واليأس بإفساد وخواء وإفلاس الأنظمة التي ما جرت على الأمم إلا فشلاً بعد فشل، وهزيمة بعد هزيمة، وسقوطاً بعد سقوط.
إن مما يعين على تحقيق الوحدة: أن ندعو إلى هذا وأن ننشره عبر الأشرطة، والكتب، وعبر كل سبيل ووسيلة نافعة.
اللهم اجمع شمل المسلمين على طاعتك، اللهم أصلح قلوبهم، وثبت أقدامهم، ووحد صفهم، وسدد رصاصهم، وأقم دولتهم.
الله صلِّ على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وصحبه وسلِّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
стр. 2244
غلاء المهور
إن غلاء المهور، وتكاليف الولائم لمن المشاكل والصعوبات التي يواجهها شبابنا في هذه الأيام، وإنها لشر مستطير ينذر بهلاك الأسر والمجتمعات، والسير بشباب الأمة إلى أحضان الفسق والرذيلة، والتدني في الأخلاق، والانسياق وراء الشهوات، ولقد حث المصطفى على تيسير المهور، وجعل فيه الخير والبركة، وتكفل الله بغنى من تزوج فقيراً، ولكن ترك ما هنا لك!!
стр. 2245
آثار غلاء المهور على المجتمع
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن اهتدى بهديه وسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، التقوى سبيل النجاة في الدنيا والآخرة، التقوى سبب الفوز في الدنيا والنجاة والفلاح في الآخرة.
معاشر الأحباب! في هذه الأيام نشهد مناسبات تثلج الصدور، وتطمئن القلوب، ألا وهي إقبال كثير من الشباب وانتقالهم من حياة العزوبة والتأيم إلى حال الزوجية والسكن والاطمئنان.
معاشر الأحباب! هذه ظاهرة يفرح بها كل مسلم، إذ إن الزواج لا شك إحصان لفروج الشباب، وغض لأبصارهم، ولكن ينبغي أن نذكر في المقابل شباباً يكتمون أناتهم وآهاتهم، ويحبسون غرائزهم رغبة في النكاح ولكن لا يجدون إليه سبيلاً، رغبة في الإحصان والعفاف، ولكن قلة ذات اليد، وظروف العيش بالنسبة لهم حال بينهم وبين ذلك، فهم على فئتين: فئة آثرت أن تصبر وتحتسب حتى ييسر الله لهم من همهم فرجاً ثم يتزوجوا بعد ذلك.
والبعض الآخر لم يجدوا ولم يبالوا إلا أن يتوجهوا إلى بلاد الغرب ودول الإباحة؛ ليفرجوا عما يحبسونه من الغرائز في جوارحهم، ولا شك -أيها الأحباب- أننا وإن شهدنا هذه المناسبات الكثيرة في هذه الأيام إلا أننا نرى عوائق أخرى تحول بين الشباب وبين الزواج، وتجعلهم يبتعدون عن حياة السكن والاطمئنان، ألا وهي مشكلة غلاء المهور، تلك هي أكبر عامل يصد الكثير من الشباب عن الزواج، وتجعل المجتمع يميل ميلاً خطيراً عن جادة الصواب في الطريق الأمثل إلى تكوين الأسرة المسلمة، فإن غلاء المهور والمغالاة للصداق لهي المشكلة الثانية التي تأتي بعد سوء الاختيار أو الزواج من دول الخارج بلا مبالاة أو تقدير للعواقب والآثار، ومشكلة الغلاء بوجه عام نراها شبحاً مانعاً وإن قال البعض: إنها خفت شيئاً يسيراً، ولكنها والله ما زالت بحالها إلا في نوادر من بعض أهل البيوت الذين امتلأت قلوبهم مروءة وشهامة، وآثروا الكرامة والتقى لبناتهم ولمن يصاهرونهم على الرغم من تأخر البنات في كثير من المنازل بلا أزواج، وإلحاح البعض من البنات صراحة في طلب الزواج اعتباراً بسوء المصير الذي لحق من قبلهم، واعتبار البعض الآخر من الآباء والأولياء بعد أن رأوا الشقاء الذي جروه على بناتهم بسبب مغالاتهم لمهورهن، أو تأخير زواجهن لعل ذلك ابتغاء المزيد من الرواتب، والنفع المادي، وإن كان بعض أولئك يذكر نفسه بادعاء المحبة الخالصة لابنته، وعدم قدرة قلبه على فراقها، إلا أن الذي يجب أن يعرفه كل واحد منا أن تمام المحبة والمودة هي أن نسعى في زواج من هو تحت ولايتنا من بناتنا وأخواتنا، حتى ولو لم يأتِ خاطب يخطبها منا، فلنبحث نحن عن أزواج أكفاء، ولقد جاءت الآيات والأحاديث مبنية ومبينة وجوب أداء المهر والصداق وعدم المغالاة فيه، ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ [النساء:٤] فالصداق إذاً هو للمرأة؛ هو لابنتك أو لأختك، هو للمرأة التي يراد لها أن تتزوج، أو يطلب الزواج منها، وليس المهر للأب والأم، أو للخال والخالة والعم والأقارب، وما يفعله الكثير من الناس هذا اليوم يقول: أريد مبلغاً وقدره كذا لأمها، وحاجة وقدرها كذا لأبيها، ومبلغاً آخر لخالها، هذه جريمة اجتماعية، والذين يقعون فيها يجدون غبها ولو بعد حين.
وقف بي شاب ذات يوم بعد صلاة الجمعة في هذا المسجد وسألني قائلاً: إنني أريد أن أقترض مبلغاً فلم أجد إلا رجلاً يداينني مداينة،، فقلت: ما الذي يحدوك إلى ذلك؟ قال: الزواج، قلت: وهل تزوجت؟ قال: لقد خطبت ابنة قريب لي قد فرض علي من المهر مبلغاً وقدره (١٢٠٠٠٠) ألف ريال فمن أين لي بهذا؟ قلت له: وماذا فعلت؟ قال: بدأت أقترض من فلان وعلان، أدفع راتباً إلى آخر، وأحرم نفسي ما أشتهيه حتى جمعت قرابة ثمانين ألفاً، وتدينت سيارة بأضعاف قيمتها، والآن بقي علي عشرين ألف ريال، ولقد أخبرني والدها إن لم آت وأكمل المهر فإنه سيزوجها برجل آخر، فكان لا بد من ذلك المسكين أن يذهب إلى والدها وأن يسلم له ما جمع بيده، فقال: زوجنيها، فعقد له عليها، فدخل بها، ولكن الأب أمسك البنت رهينة عنده حتى يؤدي باقي المهر والصداق، وقدره عشرون ألف ريال، قلت له: أليست زوجتك؟ قال: نعم؛ قلت: أوليست تحبك؟ قال: نعم، قلت: وما الذي يمنعك أن تأتي بها إلى مقر عملك هنا؟ قال: ولكن والدها يرفض حتى أكمل هذا المبلغ، ولم أجد إلا من يداينني عشرين ألفاً بستة وثلاثين ألف ريال.
فهل هذا يجوز؟ فوالله ما أجد من نفسي دهشة أو تأسياً أو حزناً لشاب يريد إعفاف نفسه، وغض بصره، وإحصان فرجه، وبعد ذلك يقع في صهر كهذا، فبئست هذه المصاهرة، فلم أجد بداً من أن أوجهه ما أستطيع، ولعل ذلك قد يجديه أو لا يجديه شيئاً ولكن المشكلة هي مشكلة ذلك الأب الذي جعل المرأة والبنت رهناً حتى يقدم ما بقي من الصداق.
هذه صورة من الصور الاجتماعية الموجودة عندنا.
وإن البعض ليقدم مهراً ثلاثين ألفاً أو أربعين ألفاً، وبعد ذلك يرد عليه مهره؛ لأن هذا المهر لا يكفي للذهب، ولغرفة النوم، وللعطورات، وللملابس ولغير ذلك، فهل الزواج إلا رحمة وسكن أو مصيبة وشقاء، وهل المهر إلا لهذه البنت وحدها تشتري به ما تشاء وتقتصر على ما تشاء، وليس لأبٍ أن يرد زوجاً لقلة مهره.
стр. 2246
الحث على تيسير المهور في الكتاب والسنة
يقول الله جل وعلا: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ [النساء:٤] والصداق إن كان باهضاً مرهقاً فإنه عند ذلك لا يكون نحلة عن طيب نفس، وإنما يضطر إليه راغب النكاح ليسد حاجته ولينال مقصده، وجاء عن النبي ﷺ قوله: (خير النكاح أيسره) رواه أبو داود عن عقبة بن عامر بسند حسن.
يقول ﷺ : (خير النكاح أقله كلفة) ويقول عمر بن الخطاب: [لا تغالوا في صدقات النساء؛ فإنها لو كانت مرغوبة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسولكم ﷺ ؛ فإنه ما أصدق أحداً من نسائه ولا أصدقت واحدة من بناته أكثر من خمسمائة درهم] أي: ما يعادل مائة ريال تقريباً، والفضلاء الكرماء من الرجال لا يؤثر قلة الصداق في نفوسهم شيئاً، وإنما جل مقصدهم أن يتصل خاطبهم بابنتهم في حالة تنبعث من المودة والمحبة، ألا وإن اعتذار بعض الأولياء في تزويج البنات من قلة الصداق جريمة من أعظم الجرائم التي يرتكبها ذلك الأب، ولو أدرك قليلاً مما في قلب ابنته لوجد أنها تريد الزواج ولو على أدنى اليسير من لقمة العيش، ونحن في خطر ومصيبة حينما يقدم الكفء خاطباً فيرد لقلة ماله أو لقلة صداقه الذي قدم وما شابه ذلك؛ لأن الولي إذا وقف أمام الكفء في طريقه إلى الزواج من ابنته؛ فإنه بهذا يغلق طريق السعادة على ابنته لا قدر الله ذلك إن بقيت بلا زوج، أو تزوجها سفيه لا يبالي بالمرأة على أي ذنب سقطت تحت خشونته وعبثه.
ولقد جاء عنه ﷺ قوله: (من آتاكم ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عظيم) رواه الترمذي.
وليعلم أولئك الذين يردون الخطاب الأكفاء عن بناتهم لقلة المال أنهم حرموا أنفسهم وبناتهم خيراً كثيراً، ولو تمسكوا بأمر المال والمتاع من باب قوله جل وعلا: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور:٣٢] والأيامى: جمع أيم وهو الذي لا زوج له من بنت أو ولد: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢] لوجدوا أن الغنى أسرع ما يكون لمبتغي النكاح قاصداً لذلك الستر والعفاف والذرية الصالحة، ما رأيكم برجل أقسم الله على نفسه أن يعينه أترونه يحتاج إلى الناس وقد أعانه الله، أترونه يفتقر إلى العباد وقد أغناه رب العباد: (ثلاثة حق على الله عونهم: -ذكر منهم- الناكح يريد العفاف).
فاتقوا الله يا معاشر الأولياء ولا تردوهم من أجل مال.
стр. 2247
آثار ومصائب المغالاة في المهور
أيها الأحباب! إن المغالاة في المهور تجر مصائب كثيرة: أولها: الإسراف في وليمة النكاح التي تمد لها فرش الموائد مزينة بألوان الأطعمة ولذيذ أصنافها، ولا يؤكل منها إلا القليل، وبعدها أترضى أن توزع على المستحقين والفقراء؟ لا والله، بل تقذف في الفضلات، حيث ترمى بين أنقاض التراب بعيداً في البرية، والآلاف من غيرهم يجوعون ولا يجدون ما يأكلون، وإن جاء بعد ذلك من يأكل منها بعد انصراف الضيوف عن الموائد فلن يأكل إلا أقل القليل، والباقي مصيره ما تعرفونه وتشاهدونه في كثير من الملاهي والحفلات، وإن زواجاً أوله وبدايته إسراف وتبذير في نعمة الله، واحتقار لقدرها في كتابه؛ لحقيق أن يعاقب بالفشل والفرقة في وقت قريب.
وإذا تأملتم -أيها الأحباب- في واقع الزواجات المتواضعة، ذات الصداق المتواضع الذي لا كلفة فيه ولا مشقة، ترونها تسير براحة وعدم إسراف وتبذير، وتذكروا قول المصطفى ﷺ لـ عبد الرحمن بن عوف: (أولم ولو بشاة) معنى ذلك: دليل على بركة الاقتصاد في هذا النكاح، وسبيل إلى التوفيق والمودة بين الزوجين فيه، ولكن الأدهى والأمر أن يأتي عائل مستكبر لا يملك شيئاً من المال إلا يسيراً، وقد تدين ذلك المال من أهل المداينات، ثم يخطب امرأة ويطلب منه من المال الشيء الكثير، ومن ثم يوافق على المهر؛ فيأخذ المهر على ما فوقه من الشروط والتكاليف، ويتم الزواج على ما يتم عليه في لحظة إسراف في الوليمة؛ فإذا انتهت أيام الولائم والأفراح وضع ذلك الزوج يده على خده، وثنى رأسه بين ركبتيه يتفكر في هم الديون العظيمة التي لحقته، فتنقلب حياته نكداً وشقاء عليه وعلى زوجته المسكينة الضعيفة، وإن من كرم الشمائل وتمام العقل أن ينظر الولي للمتقدم إلى ابنته؛ فإن قدَّم مهراً كثيراً رد عليه ما زاد عن المئونة المتواضعة والكافية لحاجة ابنته، لكي يكسب بذلك أجراً عظيماً من الله، ويكون أدعى للقرب منه، لما عرف من تواضعه وزهده، أما ما شاع بين الناس أن فلاناً أخذ على ابنته من المهر كذا، فليعلم أن الذي يرغب في مصاهرته بعد ذلك ويريد الزواج من بقية بناته أنه لا بد أن يقدم مهراً كالمهر الذي قدمه غيره أو ينافسه، وإلا فلا يقبل، وبها تبقى بناته واحدة بعد الأخرى في البيت لا نصيب لها بسبب ما جره صداق الزوج الأول، وقبول الولي لذلك الصداق دون مراعاة ودراسة لحال ذلك الذي قدمه.
نسأل الله جل وعلا أن يستر على بناتنا، اللهم لا تفضح لنا ستراً، ولا تكشف لنا عورة، واستر على بناتنا واجعلهن في كنفك وسترك وعافيتك من أيدينا أمانة إلى أزواجهم سعداء شرفاء، إلى قبورهم شهداء سعداء.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2248
آثار حرمان المرأة من الزواج
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والند والمثيل والنظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، كل ذلك تعظيماً لشانه.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذ في النار.
معاشر الأحباب! إن مشكلة الغلاء هذه لمصيبة على الشباب والشابات، لمصيبة على الأولاد والبنات، ولا ندرك أثرها إلا يوم أن ينبت أول الشيب في رأس البنت، وبعد ذلك يندم ندماً عظيماً أن لو كان زوجها لذلك الفقير الذي لم يلبث سنوات قليلة إلا ورءاه قد أغناه الله من واسع فضله، لستم الذين ترزقون، الله وحده هو الذي يرزق: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود:٦] إذاً فلا نجعل فقر ذلك الفاضل أو قلة حاله سبباً لرده، أو قلة مهره سبباً لبعدنا عنه.
اعلموا يا معاشر الأحباب! أن ذلك قد يكون جريمة ينعكس على بناتنا ولا حول ولا قوة إلا بالله! سمعت مراراً أن رجلاً كان يرد عن ابنة له، فإذا تقدم الخاطب قال: هذا ليس من طبقتنا، وهذه عبارة كثيراً ما يرددها بعض الناس، هذا ليس عنده من المال ما يكفي لسعادة ابنتنا، يتردد الخطاب عليها واحداً تلو الآخر حتى جاوزت الثلاثين من عمرها، فلما اقتربت من الخامسة والثلاثين أينعت، وبعد أن أينعت ذبلت شهوتها وانكسر ذلك الشباب المتألق فيها، فاتجهت إلى الذبول رويداً رويداً، وأصابها مرض من الأمراض فاتجهت على هاوية الموت رويداً رويداً، طرحها ذلك المرض على الفراش أياماً وليالي وشهوراً، وانتهى بها ذلك المرض حول الأربعين إلى أن جاءتها سكرات الموت، وقبل ذلك وقف أبوها يبكي ولا ينفع البكاء حين ذلك، يعتذر لابنته ويشعر بجريمته يوم أن أوشكت هذه البنت أن تنتقل إلى الدار الآخرة، وقد حرمها نعمة الزواج، يسألها أن تحلله وأن تبيحه، فقالت: لا حلك الله ولا أباحك، وتشهدت وأسلمت روحها إلى بارئها، أترون ذلك الأب يعيش سعيداً إذا تذكر هذا المشهد، أو تذكَّر ذلك الموقف، وهو يرد عن هذه البنت المسكينة طمعاً في رواتبها؛ ويتعلل بأن من تقدم إليها ليس من طبقته أو ليس من أهل المال والثراء، هذه مصيبة ينبغي أن ننتبه إليها.
ثم اعلموا يا معاشر المؤمنين! أن عشرين ألف ريال أو خمسة عشر ألف ريال لشابٍ يسكن مع أهله لكافية في زواجه، هل من شرط الزواج أن ينام على غرفة نوم؟ لا والله، أي فراش على الأرض يكفي ذلك.
هل من شرط الزواج أن يقدم ملابساً بعشرة آلاف؟ لا والله، يكفي ما ستر العورة وما جمل الإنسان، وإن القليل القليل من ذلك المهر ليكفي.
هل من شرط الزواج أن يقدم وليمة تكلف عشرة آلاف ريال؟ لا والله، إذاً نحن الذين نعظم مشكلة الزواج، وإلا يوم أن نجد شاباً مستقيماً يعيش في كنف الله في بيت والده أو في سكن من السكن المهيأ له، أو نستطيع أن نساعده نحن في ذلك، فلنزوجه، وينبغي أن نفاتح البنت عندنا: يا بنية! جاءك فلان بن فلان معه كذا من قليل المال والله يرزقه، والله يتولاه والله يرحمه ويرحمك معه، ولعل ذلك سبب السعادة بينك وبينه إن قبلت هذا الزوج ورضيت به في حياة تبدأ على أساس من القناعة والاقتصاد، وإن الكثير من البنات ليقبلن ويرضين ولكن الآباء والأمهات هم الذين يرفضون ويمتنعون، وبعد ذلك يتندمون إذا تعدت البنت ثلاثين أو أربعين سنة ولم تجد زوجاً، ومن ذا الذي يتقدم لبنت الثلاثين أو الأربعين والبيوت ملأى من البنات في سن المراهقة؟ من ذا الذي يتزوج هذه؟! من ذا الذي يتزوج هذه ولو زوجة ثانية ومجتمعنا يرى أن الزواج من زوجة ثانية أمر غير مرغوب فيه؟! أسال الله تعالى أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يدمر أعداء الدين، وأن يبطل كيد الزنادقة والملحدين الذين أدخلوا علينا التقاليد والعادات التي يريدون بها لشبابنا تغيراً ويريدون لبناتنا فتنة، ويريدون لمجتمعنا تفككاً.
اللهم من أراد بولاة أمورنا فتنة، وأراد بشبابنا انحلالاً، وأراد بنسائنا تبرج وسفور اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه، وأدر عليه دائرة السوء، وأرنا فيه يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف.
اللهم استر على ولاة أمورنا وانصرهم بالإسلام وانصر الإسلام بهم، اللهم أصلح بطانتهم، اللهم اجمع شملهم، ولا تفرح عليهم عدواً ولا تشمت بهم حاسداً.
اللهم اجعل لنا من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاءٍ عافية، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمة.
اللهم زوج شباب المسلمين، اللهم بارك لهم في أزواجهم، اللهم استر على نساء المسلمين، ووفق شباب المسلمين، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم اغفر لنا ولموتانا الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك.
اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2249
فضل الاستسقاء
إن العبد مهما حاول أن ينسب الفضل إلى نفسه إلا أن هناك شاهد عيان من الواقع الشرعي والعقلي على أن الله له الفضل الأكبر في كل شيء، وإن من أعظم النعم على عباده أن جعلهم يلجئون إليه في كل نائبة ونازلة، ومن هذه النوازل جفاف المياه وقلة الأمطار، فشرع في هذا صلاة الاستسقاء؛ ليتضرع العباد إلى ربهم ويلجئون إليه، ويعترفون بنعمه سبحانه عليهم.
стр. 2250
تعريف بنعمة الله على عباده
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، خلقنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، وأطعمنا، وكفانا، وسقانا، وآوانا، ومن كل ما سألناه أعطانا، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا لله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله لكم ولسائر الأمم قبلكم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ويقول سبحانه أيضاً: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
معاشر المؤمنين! تقرر أن يُقام في يوم الإثنين القادم صلاة الاستسقاء، وهي مشروعة، يندب الإمامُ الناسَ لها إذا تأخر نزول الغيث، أو احتبس القطر، فالحمد لله على ما شرع؛ ولكن -أيها الأحبة في الله- إن الذي نلاحظه ونشهده أن كثيراً من المسلمين -هداهم الله- لا يلتفتون إلى إقامة هذه الشعيرة، ويتهاونون بها، ويتخلفون عنها، فما السبب يا تُرى؟! قد يظن البعض أن المياه موجودة في منازلهم في علوها وسفلها، والماء متيسر على كل حالة، فلا يشعر بمزيد حاجة إلى نزول القطر من السماء، ويرى البعض أن البحار بأمواجها متلاطمة بالمياه، وأن محطات التحلية منتشرة في كل مكان -ولله الحمد والمنة- والماء يصل عبر هذه المحطات إلى المنازل نعم، هذه نعمة سخرها الله لنا، ونشكر القائمين عليها؛ ولكن هل يعني ذلك أن ننشغل أو نلتفت عن صلاة الاستسقاء، ولا نشهدها؟! لماذا إذا اجتمعنا لصلاة الاستسقاء لا نرى إلا صفين أو ثلاثة؟! هل استغنى البعض عن رحمة ربهم؟! أهم في غنىً عن فضل خالقهم، لا والله، نسأله أن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أقل من ذلك.
إن أولئك الذين يظنون أن المياه متوفرة في كل لحظة ومن ثم لا يشعرون بمسيس الحاجة إلى الغيث من السماء، قد يجهلون قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك:٣٠].
والله لو غارت المياه لعجزت قوى الجن والإنس، قوى البشرية بآلاتها ومخترعاتها ومحطاتها، أن تجذب ولو قطرة واحدة من باطن الأرض؛ لأن الله جل وعلا هو الذي خلق هذا الماء، وهو الذي أنزله، وهو القادر على أن يجعله جماداً لا يخرج عبر هذه الأنابيب، وهو القادر على أن يجعله صلباً لا يسيل فيها، وهو القادر على أن يحبسه عن العباد؛ ليعرفوا مدى ضعفهم، وليدركوا حقيقة ذلهم وفقرهم إلى خالقهم: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً﴾ [الفرقان:٥٠].
أيكفرون بنعمة الله؟! أيجحدون فضل الله؟! أهم في غنىً عن هذا الغيث الذي ينزله الله ؟! ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة:٦٨ - ٧٠].
من الذي يخلق هذا السحاب، ويجعله متراكماً؟! من الذي يأمر هذا السحاب أن يمطر ماءاً عذباً زُلالاً؟! أليس الذي أمَر ذلك بقادر على أن يجعل هذا العذب الزلال أجاجاً، فلا تستمرئه النفوس، ولا تسيغه الحلوق ولا تقبله؟! أليس الذي أودعه في باطن الأرض قادر على أن يمنعه من الخروج مهما أراد العباد ذلك؟! أليس الذي خلق هذه البحار، وهذه الأنهار، وهذه المحيطات بقادر على أن يمنعها أن تنفذ عبر هذه الآلات والمخترعات إلى أيدي الناس؟! أليس الذي جعل هذه المخترعات قابلة لجذب المياه، وقابلة لتحليتها، أليس قادراً على أن يُبطل مفعولها بكلمة (كُنْ)؟! ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠].
فالله بكلمة (كُنْ) قادر على أن يجعل هذه المحيطات جماداً صلباً لا يتحرك.
والله جل وعلا قادر على أن يجعل هذه البحار نيراناً تتأجج، وسيرى الناسُ هذه العلامة يوم القيامة: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار:٣] ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:٦] فيرون الماء ينقلب ناراً وله لهب عظيم، أليس ذلك بقادر على أن يمنعه أن ينفذ إلى العباد؟! إذاً: فيا عباد الله! لا غنى لكم عن فضل خالقكم، ولا استغناء عن رحمة ربكم، فإنكم فقراء إلا بغناه، مساكين إلا برحمته، أذلاء إلا بعزته.
فاسألوا الله جل وعلا الغيث، وتوبوا إليه قبل ذلك، وتوبوا إلى خالقكم قبل ذلك، وقدموا أعمالاً، وتصدقوا، وصوموا، وصلوا، وقوموا.
اسألوا الله جل وعلا أن يتوب عليكم توبة صادقة نصوحاً: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء:٨].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2251
الاستعداد لصلاة الاستسقاء بطاعة الله
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل، وعن الضد وعن النظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وهو على كل شي قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراًَ إلى يوم الدين.
عباد الله، اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى.
اعلموا أن خيرَ الكلام كلامُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد ﷺ ، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثة في الدين بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.
معاشر المؤمنين! التفتوا وتنبهوا، واستعدوا لصلاة الاستسقاء بعد بزوغ الشمس، من يوم الإثنين: [٨/ ٥] لهذا العام.
وقدموا قبل ذاك توبة صادقة، وأعمالاً صالحة.
كان طارق بن زياد متجهاً إلى الأندلس، وشكا الناسُ حاجة وجدباً وقحطاً، فقالوا: لو استسقيت أيها القائد؟ قال: نعم.
فأمهلهم ثلاثة أيام، وأمرهم بالصيام والقيام والتضرع إلى الله.
فلما حان يوم خروجهم، قال: اخرجوا بالبهائم، فخرجوا بها، قال: افصلوا بينها وبين أبنائها، فارتفعت أصواتها ولها حنين إلى السماء، ثم اجتمع الناس وقام فيهم مصلياً، ثم قام فيهم خطيباً بعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على نبيه، وخطب خطبة عظيمة، وقالوا له: هلا ذكرت أمير المؤمنين في خطبتك؟ فقال: هذا مقام لا يُذكر فيه إلا الله.
فما انتهى من كلمته هذه حتى تشققت السماء بمطر كأفواه القِرب، وأغاثهم الله بعد قيام وصيام وتوبة وإنابة وإقلاع عن كل ذنب يبغضه الله .
فأخبروني -يا عباد الله- يوم الإثنين بأي شيء نستسقي؟! بأي شيء نستسقي؟! بمحلات الفيديو التي توجد في كل مكان وشارع؟! ببنوك الربا التي هي لعنة على من أكلها، وكتبها، وشهد فيها؟! (لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩].
بأي شيء نستسقي يا عباد الله؟! نستسقي بلهو الكثير منا، وهو يصبح ويُمسي لا يذكر الله إلا قليلاً؟! صوت الغناء والشيطان في بيته، لا يُسمع القرآن في بيته إلا قليلاً، ولا يُتلى كتابُ الله في بيته إلا نادراً.
بأي شيء نستسقي يا عباد الله؟! أنستسقي بأولئك الذين يتخلفون عن صلاة الفجر، ولا يشهدونها؟! بأولئك الذين لا يرون من صلاة الجماعة شيئاً؟! بأي شيء نستسقي يا عباد الله؟! لقد طفحت المكاييل بذنوبنا، ولقد جاوزنا الحد، وما يمنع العذاب عنا إلا الله ، نستسقي برحمته سبحانه، برحمته التي سبقت غضبه، بفضله الذي سبق عقوبته، نستسقي برحمته وحده لا شريك له، وإلا فأعمالنا يا عباد الله شاهدة على أولئك الذين يُمْطَرون بالعذاب من السماء.
اللهم إنا نتوب إليك فتب علينا.
اللهم إنا نئوب إليك فتب علينا.
اللهم أنت ربنا لا إله إلا أنت، نبوء لك بذنوبنا، ونبوء لك بنعمتك علينا، فاغفر لنا، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
اللهم أنت ربنا لا إله إلا أنت، نستغفرك اللهم ونتوب إليك.
اللهم لا إله إلا أنت الحليم العظيم، رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم.
اللهم لا تؤاخذنا بذنوبنا.
اللهم لا تؤاخذنا بما فعله السفهاء منا.
اللهم اغفر لنا.
اللهم تجاوز عنا.
اللهم ارحم شيوخاً وعجائز رُكَّع، وأطفالاً رُضَّع، وبهائم تَرْتَع.
اللهم ارحمنا برحمتك.
اللهم لا تعاجلنا بعقوبتك.
اللهم إنا نتوب إليك فتب علينا.
اللهم إنا نتوب إليك ونستغفرك، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
عباد الله! هل نتوب إلى الله؟! هل نخرج يوم الإثنين مستغفرين تائبين؟! هل نقلع من هذه اللحظة عن الذنوب؟! الذين لا يشهدون الصلاة مع الجماعة، الذين لا يعرفون الفجر مع الجماعة، أفلا يتوبون إلى الله ويتدبرون أمره؟! هل يعودون إلى المساجد؟! هل يعمرون بيوت الله من جديد؟! الذين يتساهلون بالأموال وأكلها بالباطل أو بالشبهة، ألا يخشون الله ويتوبون إلى الله؟! ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ [النساء:٢٩ - ٣٠].
عباد الله! توبوا إلى الله واستغفروه، حاسبوا أنفسكم، ماذا تفعلون في بيوتكم؟! بأي شيء تخلون به؟! بأي شيء تتعاملون؟! بأي أمر تخرجون؟! وبأي أمر تعودون؟! اتقوا الله وردوا المظالم إلى أصحابِها، وتوبوا إلى الله ودعوا الغيبة والنميمة في المجالس، توبوا إلى الله وأقلعوا عن كل ذنب صغير وكبير؛ فإن الله جل وعلا يقبل توبة التائبين، حتى ولو كانوا من الذين قتلوا، أو زنوا، أو سرقوا: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً﴾ [مريم:٦٨ - ٦٩] ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [مريم:٦٠] فأولئك يتوب الله عليهم.
فتوبوا إلى الله يا عباد الله، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم افتح لنا أبواب القبول، اللهم افتح لنا أبواب التوبة.
اللهم ارزقنا الاستعداد قبل الممات، والاستدراك قبل الفوات، اللهم إنا نسألك توبة قبل الموت، وراحة عند الموت، ولذة ونعيماً بعد الموت، اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء.
اللهم اختم بالسعادة والشهادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى جنتك مصيرنا ومآلنا، ولا تجعل اللهم إلى النيران منقلبنا ومثوانا.
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] ربنا أنت أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا، اللهم لا تعذبنا بما فعلنا، ولا تؤاخذنا بما اجترح السفهاء منا، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمِّر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والمجرمين، اللهم احفظ إمام المسلمين، اللهم وفق إمام المسلمين، اللهم انصر إمام المسلمين، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة، اللهم سخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأراضين بقدرتك.
اللهم اجمع لنا ما تفرق.
اللهم اجمع لنا ما تشتت فيما يرضيك وينفعنا في الدنيا، ويقربنا إليك في الآخرة، يا رب العالمين! اللهم اجعلنا من عبادك المحسنين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
اللهم اجعلنا على حوض نبينا من الواردين، ولكأسه من الشاربين, وعلى الصراط من العابرين.
اللهم بيض وجوهنا يوم تسود وجوه الفجرة والمجرمين، اللهم أدخلنا الجنة بسلام آمنين، اللهم اجعلنا على الصراط يوم تزل الأقدام من العابرين، ولا تحرمنا لذة النظر إلى وجهك الكريم، اللهم لا تحرمنا النظر إلى وجهك الكريم.
اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مُبتلىً إلا عافيته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا أيِّماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، برحمتك يا أرحم الراحمين! ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر.
وارضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارضَ اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا؛ اللهم اغفر لوالدِينا ووالدِي والدِينا.
اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان ميتاً اللهم نوِّر ضريحه، وافتح له باباً إلى الجنة، وآنسه برحمتك يا رب العالمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ لعظكم لعلكم تذكرون.
فاذكروا الله العلي العظم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2252
فضل العلم وخطورة الأمية
رفع الله شأن العلم والعلماء في كتابه، وإن كنا نعاني اليوم من أمية عامة، فإننا نعاني أشد المعاناة من حملة الشهادات، فهم أجهل وأشد أمية في دينهم وعلمهم بالله ﵎ من العوام، وهنا يبين الشيخ فضل العلم المعرِّف بالله وخطر الجهل.
стр. 2253
فضل العلم والعلماء
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
معاشر المؤمنين: إن من السمات الحضارية المميزة لعصرنا هذا سمة العلم وانتشار مراكز التعليم، على اختلاف وتنوع درجات المؤسسات التي تباشره وتعنى به، ولا غرابة في هذا -يا عباد الله- فما بليت أمة من الأمم، وما رمي مجتمع من المجتمعات بمثل الجهل وعدم المعرفة، وما شرفت أمة من الأمم، وما سعدت المجتمعات إلا بالعلم والمعرفة المنبثقة عن العلم بوحدانية الله وحده وبهدي نبيه ﷺ ، وحسبكم أن علامة إرادة الله لعبده الخير الفقه في الدين (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) يقوله النبي ﷺ .
ومن سمو درجات العلم وشرف المنتسبين إليه، والساعين في تحصيله، ما جاء عن النبي ﷺ في أن: (أن من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وأن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب) فهل بعد هذه الفضائل يستوي العلماء والجهال؟ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] حاشا وكلا.
بل رفع الله منازل أهل العلم وأكرمهم بقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١].
أيها الإخوة في الله: الآيات والأحاديث في فضل العلم وطلبه وكرامة أهله المعلمين والمتعلمين الساعين في تحصيله كثيرة وكثيرة جداً، نكتفي بما ذكرناه حثاً وتشويقاً وترغيباً، حثاً لأنفسنا لنستفيد من العلم والمعرفة والاطلاع، وتشويقاً وترغيباً لبعض إخواننا الذين فاتهم التعليم في شبابهم، فرضوا أن يشبوا ويشيبوا غير مكترثين بما فاتهم من الكنوز العظيمة والخيرات العميمة بالتعليم، وقد يكون لبعضهم عذر في ذلك لانشغال الكثير منهم بلقمة العيش في زمن كان تحصيل لقمة العيش فيه أمراً عسيراً.
أيها الإخوة في الله: لسنا بهذا نقول: إن من لم يقرأ ولم يكتب فلا وزن له ولا قيمة كلا.
فرب أمي لا يقرأ ولا يكتب خير عند الله من مائة متعلم، وما يفيد العلم إذا انقلب حجة على صاحبه، لكن الذي نقول: العلم كرامة، العلم رفعة تزيد من وزن الإنسان ومن رفعته واحترام رأيه واحترم قوله في بيته ومجتمعه وبلاده، فلماذا يبقى بعض إخواننا راضين بما هم عليه حال يستطيعون معها من القراءة والكتابة خاصة وأن البعض منهم دون الأربعين أو حول الخمسين أو فوقها تقريباً؟ وهي سن لا يزال الإنسان فيها قادراً على الاكتساب والتحصيل العلمي إن حصلت له همة وعزيمة.
أيها الإخوة: كلنا يعلم الكثير من الآيات والأحاديث التي فضلت العلم والعلماء، فتصوروا كم يفوت المعرضين عن التعليم وعن القراءة والكتابة من الخيرات والدرجات.
ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام
لا شك -أيها الإخوة- أن القراءة والكتابة المعتمدة على نعمة البصر بالعينين ليست وحدها هي سبيل تحصيل العلم، بل إن السمع بالأذنين -أيضاً- من أعظم وسائل تحصيل العلم، ولذلك قدم الله السمع في آيات كثيرة من كتابه، وهذا شيء محسوس معلوم؛ لأننا نرى كثيراً من الذين فقدوا البصر، ومع ذلك تراه حافظاً، ذكياً، ألمعياً، لا ينقص بعلمه وفكره وسديد رأيه عن غيره من المبصرين الذين يقرءون ويكتبون، بل وقد يفوق الكثير منهم.
وعلى أية حال فالواجب على كل واحد منا أن يدفع عن نفسه سمة الجهل والانتساب إلى الجاهلين؛ وذلك بالعلم وتحصيله عبر أي وسيلة تيسرت له بما أنعم الله عليه من السمع والبصر والفؤاد.
معاشر المؤمنين: إن بعض الذين يرغبون في العلم وهم كبار في السن يترددون في تحقيق رغبتهم، مع تيسر الوسائل والمدارس لقولهم: إن الحياء يمنعهم وهم بهذا السن أن يتعلموا مبادئ وحروفاً قد حفظها أطفالهم وصغارهم، والله إنها حجة يلقنها الشيطان ويسوقها على المسلم ليرده عن العلم، وليستريح من عناء مجاهدته عن صراط الله المستقيم، إذ الواجب ألا يتردد المسلم -إذا كان من الذين لا يحسنون القراءة والكتابة- في الإقبال على التعليم والتعلم، والواجب ألا يتردد في الانخراط في سلك التعليم، ومحو الأمية ونبذ الجهل، والإصرار والتصميم على العلم.
والعلم -يا عباد الله- موهبة ربانية يكرم الله بها عبده ولو بعد بلوغه من العمر شيئاً كثيراً، فكم سمعنا عن بعض العلماء الذين طلبوا العلم وهم كبار في السن فما هي إلا سنوات معدودة ثم أصبحوا من كبار العلماء الذين يأخذ عنهم ويتزاحم الناس في حلقات دروسهم.
وأخيراً: اسمعوا قول الإمام الشافعي ﵀:
ومن فاته التعليم وقت شبابه فكبر عليه أربعاً لوفاته
ومن لم يذق ذل التعلم ساعة تجرع ذل الجهل طول حياته
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2254
أثر الجهل على المجتمع
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل، وعن الند والنظير، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، كل ذلك تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذ شد في النار.
عباد الله: إن بعض المسلمين من الذين لا يقرءون ولا يكتبون لا يأبهون ولا يبالون بما يدعون إليه من الانضمام إلى حلقات العلم، أو مدارس محو الأمية ومتابعة التعليم بحجة أنهم في شغل شاغل عن هذا، وهذا أمر في غاية الخطأ والبعد عن الصواب، ولن يدركوا خطورة هذا إلا بعد سنين طويلة حيث يضطر الواحد منهم طائعاً أو مختاراً إلى ترك المشاغل إما لكبر سنه أو لسبب غير ذلك، وبعد ذلك سيصبح قلقاً من طول الأوقات ومرور الساعات، وسيشعر بالفراغ القاتل فعلاً وهو يرى كبر سنه وانشغال من حوله بأعمالهم، ولا شك أن مآلهم إلى ما آل إليه.
لكن -يا عباد الله- لو أن ذلك الرجل الكبير قَبِل النصيحة يوم أن سمعها، وبادر بالالتحاق إلى مراكز محو الأمية ومتابعة التعليم للكبار لاستفاد من ذلك أعظم فائدة وأربح تجارة، أتدرون ما هي؟ إنها القدرة والاستطاعة على تلاوة كتاب الله جل وعلا، وهذا أمر ملحوظ مشاهد حينما تدخل مسجداً من المساجد وترى كبار السن قد تسابقوا وتقدموا إلى المسجد، فمنهم من تراه ممسكاً بمصحفه مكباً على قراءة كتاب الله، كل حرف بحسنة، وكل حسنة بعشر أمثالها، وترى البعض منهم يتمنى أن لو كان كصاحبه القارئ كتاب الله، لكنه حرم هذا بتفريطه أو بتهاونه بالتعليم ولو كبيراً، لكنه يشتغل بالتسبيح والتهليل.
وترى البعض هداهم الله لا بهذه ولا بتلك مشتغل، بل انشغلوا بالحديث عن أمور دنيوية أو أعراض غافلة، وهم في بيت الله عياذاً بالله من ذلك، وما ضر الواحد إذا كان من الذين لا يحسنون القراءة والكتابة، ما ضره لو تعلم القراءة والكتابة فاستطاع بذلك أن يقرأ كتاب الله جل وعلا، واستطاع بذلك أن يجلب الخيرات والحسنات العظيمة المضاعفة إلى صحائف أعماله بتلاوة كتاب الله، والتلاوة لا تحتاج إلا إلى فهم القراءة، وقراءة الحروف وتدبرها ومعانيها، وكتاب الله جل وعلا بعد ذلك خير معين على فهم جوانب هذه القراءة.
ثم إن الذي يستطيع القراءة والكتابة يمكن أن يستفيد وأن يدرك شيئاً كثيراً من حلقات العلم المعقودة في المساجد، ويمكن أن يستفيد كثيراً من المحاضرات والمواعظ والندوات سواءً سمعها في الأشرطة أو غير ذلك، وإن الذي يحسن القراءة والكتابة يستطيع أن يفيد أولاده الصغار وأن يساعدهم، ولو كان كبيراً فقد يعين ويساعد أحفاده، يساعد أولاد أولاده في القراءة والكتابة، وهذا اشتغال بأمر جد عظيم ومفيد إن شاء الله.
إذاً: فما الذي يجعل البعض منا يتردد في أن يلتحق بمدرسة تمحو أميته، وتنبذ وتبعد عنه سمة الجهل والجهالة؟ إن الذي يتردد بعد هذا، إن الذي يبتعد عن هذه المدارس وهو بحاجة إلى تعلم القراءة والكتابة مخطئ في حق نفسه خطأً عظيماً، وأي شيء أعظم من أن يحرم نفسه قراءة كتاب الله ؟ أما البلية العظمى والداهية التي أكبر منها أن تجد شباباً لا زالوا في ريعان الشباب لا يقرءون ولا يكتبون، ومثل ذلك يوجه لهم الحديث خصوصاً، وتضاعف لهم النصيحة مضاعفة، ينبغي لهم أن يبادروا إلى التعلم ونفي الجهل والجهالة عن أنفسهم؛ إذ أن الجهل مدعاة إلى الفراغ، والفراغ مدعاة إلى الانحراف والجريمة، وحسبكم أن تعلموا أن جملة عظيمة من الإحصائيات الواردة في جرائم الاختطاف والسرقات والمخدرات والخمور وغيرها، أن نسبة عظيمة من الذين يتعاطون هذه الأمور هم الذين لا يقرءون ولا يكتبون أو من الذين تعلموا تعليماً ضعيفاً.
وإن البعض منهم نتيجة لهذا الأمر يكون عاجزاً عن نوال وظيفة مناسبة يخدم فيها أمته، ويجلب فيها رزقاً حلالاً إلى نفسه، فيضطر بعد ذلك بإقناع شيطاني أن يلتفت إلى سبل الحرام والمتاجرة بالمحرمات أياً كان ذلك النوع، إما أن يفتتح محلاً للفيديو يبيع فيه أفلاماً لا يعرف إلا اسم هذا الفلم أو ذلك الفلم، وهذا ما يفلح فيه أو يستطيع، أو يفتح محلاً يبيع فيه الأغاني والأشرطة، أو يتاجر بأمور محرمة، أو يخاطر بمخدرات يمنعها الشرع وتحضرها الدولة ويعاقب عليها القانون وولاة الأمر، كل ذلك أمر خطير جداً.
إذاً: فإن العلم شرف وفضل ومنزلة رفيعة سامية، ومن حرم هذا الشرف وهذه المنزلة فقد قاد نفسه طائعاً أو مكرهاً إلى سبيل لا يرضاه ولا تحمد عقباه.
معاشر المؤمنين: نسوق هذا الكلام ونحن قرب مناسبة تسمى "اليوم العالمي لمحو الأمية".
стр. 2255
رسالة إلى أنصاف المتعلمين
أيها الإخوة: إننا نجد نوعاً من الأمية ألا وهي أمية المتعلمين، أمية الذين يحملون الشهادات ولكن الكثير منا ولو حلمنا شيئاً من هذه الشهادات قد نكون أميين في كثير من مسائل الدين والشريعة، إذ أن كثيراً من الذين يقرءون ويكتبون يجهلون أبسط القواعد في أحكام الدين، ويجهلون أبسط الأحكام في أمور الشريعة! تلك والله أمية عظيمة، وتلك والله أمية خطيرة، ورب أمي لا يقرأ ولا يكتب يفقه من كتاب الله ومن سنة رسوله وبمجالسته العلماء ومواظبته على حضور دروس العلم وحلقات التعليم يفقه شيئاً كثيراً، أكثر مما يفقهه حامل شهادة من الشهادات.
إذاً -أيها الإخوة- إنه نوع آخر من الأمية وهو أمية المتعلمين، أو أمية الذين يقرءون ويكتبون، أمية خطيرة، أمية خطيرة جداً وهي أمية الجهل عن العلم بأحكام دين الله ، إذ الواجب على من حمل شهادة أو انتسب إلى العلم والعلماء أن يتم علمه وتعليمه بعلم كتاب الله وسنة رسوله على أقل الأحوال، أبسط ما يحتاج إليه في أمور الصلوات الخمس والوضوء والطهارة وطهارة النساء في ما يعلم به زوجته وبناته وأولاده، لا بد أن يكون ملماً بذلك في أبسط قواعد أحكام الصيام، في أبسط قواعد أحكام الحج، في كثير من الأمور التي نحتاجها ذاهبين آيبين غادين رائحين، وتتردد علينا إما يومياً أو أسبوعياً أو سنوياً، أو في موسم من مواسم السنة، ومع ذلك ترى الواحد منا وهو يحمل هذه الشهادة الطويلة العريضة لا يستطيع أن يدرك شيئاً من أبسط أحكام الشريعة! هذه والله أمية عظيمة نحتاج إلى محاربتها، ونحتاج إلى أن نبعد أنفسنا عن أن نوصم بها أو نوصف بها.
أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه، اللهم علمنا ما جهلنا، وذكرنا ما نسينا، وارزقنا العمل بما علمتنا، اللهم اجعل عملنا حجة لنا لا حجة علينا.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد ولاة الأمر فينا بفتنة، وأراد علماءنا بمكيدة، وأراد شبابنا بضلال، وأرد نساءنا بتبرج وسفور واختلاط وعمل مع الرجال، اللهم أشغله بنفسه، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم افضحه على رءوس الخلائق.
ربنا إننا نصبح ونمسي ونبيت في عافية وأمن، ونعمة وستر، ورزق وفضل منك وحدك لا شريك لك؛ ربنا أتمم علينا ذلك، ولا تغير علينا بذنوبنا، اللهم من أراد علينا تغييراً بما يريده من فساد أو إفساد، اللهم أهلكه عاجلاً غير آجل، اللهم أبعده عنا، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك يا رب العالمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم ارزقنا توبة قبل الموت، وراحة عند الموت، ونعيماً ولذة في القبور بعد الموت، اللهم اختم بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل اللهم إلى الجنة مصيرنا ومآلنا، ولا تجعل ربنا إلى النيران منقلبنا ومثوانا.
اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا باغياً إلا قطعته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، ولا غائباً إلا رددته برحمتك ومنك وكرمك يا أكرم الأكرمين! اللهم إنا نعوذ بك من فجاءة نقمتك، ومن زوال نعمتك، ومن تحول عافيتك، اللهم لا تعذبنا بذنوبنا فأنت بنا راحم، اللهم اغفر لنا وارحمنا، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكون من الخاسرين، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
اللهم اغفر لوالدينا، اللهم اجزهم عنا خير الجزاء، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً فأجزل الرحمة له، وأوسع السعة في قبره، اللهم جازهم بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً.
اللهم اجعلنا من عبادك المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، اللهم ثبت عبادك المجاهدين، اللهم وفق الدعاة المصلحين، اللهم وفق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، اللهم وفقهم وارزقهم العلم النافع والعمل الصالح، واجزهم عن المسلمين خير الجزاء فإنهم على ثغر عظيم من ثغور الدين.
اللهم اجعلنا من عبادك الذين يراقبونك في كل ما يأتون ويذرون، اللهم اعصمنا عما يسخطك، اللهم جنبنا ما يغضبك، اللهم حل بيننا وبين معصيتك، اللهم وفقنا إلى طاعتك ومرضاتك يا رب العالمين! ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم وفق إمام المسلمين، اللهم انصر إمام المسلمين، اللهم أصلح إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم أصلح أعوانه وإخوانه، اللهم اجمع شملهم، اللهم لا تفرق بينهم، اللهم وحد صفهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم اجعلهم لكتابك وسنة نبيك عاملين، ولدينك داعين يا رب العالمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2256
فقيد الجهاد عبد الله عزام
إن للإسلام رجالاً ضحوا بدنياهم وملذاتها لإعلاء كلمة الله، وجعلوا أوقاتهم وجهودهم وقفاً لله، والزمان وإن كان يفجع بموت الأبطال إلا أن العزاء جنات وجنات، وفي هذه المادة تجد عزاء للمسلمين في فقيد الأمة وأبي الجهاد في هذا العصر الشيخ عبد الله عزام ﵀ وغفر له، وبوأه الفردوس الأعلى في الجنة.
стр. 2257
اغتيال الشيخ عزام ﵀
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياًَ مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
معاشر المؤمنين: عقيدتنا وعقيدة كل مسلم على وجه هذه البسيطة ألا يموت أحد قبل أن يستوفي رزقه وأجله، والأرزاق والآجال بيد الله جل وعلا، لو اجتمع الجن والإنس وكان بعضهم لبعض ظهيراً، على أن يؤخروا أجل مسلم ولو يوماً واحداً، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
ولو اجتمع الجن والإنس وكان بعضهم لبعض ظهيراً على أن يخطفوا دقيقة واحدة من أجل المسلم لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً.
عباد الله: يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] فلو أن عبداً من عباد الله قدر موته في بلدة بعيدة، لتهيأت له أسباب السفر إلى أن يبلغ برجله وإرادته البلاد التي تخطف روحه فيها.
فيا عباد الله: الموت أمر سهل هينٌ ميسور بالنسبة لفهمه، وبالنسبة لميعاده وأجله، لكن الأمر كل الأمر في الاستعداد للموت ولما بعد الموت.
عباد الله: يقول الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] واعلموا أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: وإن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يؤمر الملك فتنفح فيه الروح ويؤمر الملك بكتب أربع كلمات، بكتب رزقه وأجله وشقي أم سعيد) فالرزق والأجل محدود معدود معلوم مقسوم وكل واحد منا جنين في بطن أمه.
أحبتي في الله: أسوق هذه المقدمة الطيبة من كلام الله وكلام رسوله ﷺ لأذكر لكم واقعة كلكم عرفها وتلقاها بواسع الرضا بقدر الله جل وعلا، ألا وهي استشهاد أمير المجاهدين العرب عبد الله عزام ﵀ رحمة واسعة وجمعنا به في مستقر رحمته، وخلف أهله وذريته بخير منه، وخلف المجاهدين بخير منه.
عباد الله: منذ جمع ماضية وليست الجمعة الماضية كانت محاولة باءت بالفشل دبرت لاغتياله ﵀ حيث وضعت مادة متفجرة تحت المنبر الذي يخطب عليه، وقبل وصوله إلى المسجد بدقائق معدودة اكتشفها عامل النظافة فأخرجها مع مشاركة رجال البوليس والأمن، ونجاه الله جل وعلا حيث لم تكن ساعته، ولم تحن منيته.
ثم بعد ذلك تعرض لمحاولة أخرى كانت خاتمة الشهادة بالنسبة له، كان ماضياً بسيارته إلى المسجد ليخطب الجمعة في المصلين والمجاهدين، وبينما السيارة في طريقها إذ مرت على عبوة ناسفة شديدة الانفجار وضعت في أنبوب مد عرضاً تحت السيارة، فما أن قاربته السيارة إلا وانفجرت شطرين، انفجرت القنبلة وتلك المادة الشديدة الانفجار، وانشطرت السيارة التي كانت تقله ﵀، وكان معه ولداه، تناثرت الأشلاء، وتطايرت الدماء، وسالت على الأرض لتشهد كل بقعة من البقع التي وقعت عليها قطرات الدماء بأنهم ماتوا وهم في طريقهم إلى توحيد الله وكلام الله، وهدي رسوله ﷺ ، بأنهم ماتوا وهم في طريقهم للركوع والسجود، بأنهم ماتوا وهم في طريقهم ليشهدوا جماعة الملائكة، وجماعة المصلين، فرحمك الله يا عزام رحمة واسعة.
واعلموا -يا عباد الله- أن هذه الحادثة لا تجعلنا نظن أنه لو لم يسلك هذه الطريق لنجا، بل في علمنا أنه لو كان في بيته لمات في تلك اللحظة التي انفجرت فيها سيارته، ولو كان في بر أو في بحر أو في طائرة أو في سفينة أو في قصر مشيد لمات في لحظته التي انفجرت بها السيارة ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] يموت الإنسان ولو كان في بروج مشيدة، يوم أن تدق الساعة الأخيرة من عمر الإنسان.
لكن -يا عباد الله- قفوا وتأملوا هذه الحادثة، هذه الحادثة الشنيعة التي تنم عن حقد دفين على الجهاد والمجاهدين، وهل بعد هذا وقبله يبقى مسلم ساجد يجهل العداء بين الصهيونية والإسلام، أو يجهل العداء بين الشيوعية والإسلام، أو يجهل العداء بين النصارى والمسلمين، أو يجهل العداء بين ذوي الأفكار المنحرفة، والتيارات الهدامة، والمذاهب المفسدة، مع الإسلام والمسلمين.
أسلوب التصفية الجسدية، أسلوب قديم، حاول الكفار واليهود أن يغتالوا نبينا ﷺ ، وعلم رسول الله ﷺ أن الله يحفظه وأن الله يعصمه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].
مات ﷺ ثم خلفه أبو بكر الصديق، ثم خلفه عمر وانتهت بتصفية جسدية، طعن ﵁ وهو في المحراب شهيداً يصلي بالمسلمين صلاة الفجر، ثم خلفه عثمان فتسور القتلة بيته وقتلوه في قعر داره، ثم خلفه علي بن أبي طالب ومات بالتصفية والاغتيال، ذلك شهادة لهم من الله في منازل الأنبياء والشهداء، ولا يزال التاريخ يعيد نفسه جيلاً بعد جيل وقرناً بعد قرن.
عمر بن عبد العزيز مات مسموماً ﵁، وهكذا مات كثير من سلاطين الإسلام وأئمة الدين وعلماء الشريعة بهذا النوع من التصفية، وهذا الأسلوب الوحشي الهمجي، حتى جاء عصر فيه إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ رحمة واسعة، ولما خرج من العيينة أرسل وراءه من يشيعه، فإذا بلغ مكاناً معلوماً أمر بان يسل السيف عليه، ويبين رأسه من جسده، فلما رفع السيف وهم أن يقتله عصمه الله، وجمدت يد القاتل وجمد السيف في يده، فعلم ذلك الذي وكل بقتله أن هذا ولي من أولياء الله، عصمه الله بعصمته، فولى أدباره وعاد منكسراً، وحفظ الله إمام الدعوة، وبعد ذلك توالى العداء إلى أن بلغ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، حفيد إمام الدعوة، لما أعلن شرك ووثنية الذين يطوفون بالقبور ويدعون من دون الله، ويستغيثون بالموتى وينذرون لأضرحتهم ويذبحون لها، ضايق ذلك الشياطين، فأسروه وأخذوه ووضعوه في فوهة المدفع.
وقبل أن يضعوه فيه عزفوا الموسيقى تبكيتاً وعناداً له، يعلمون أنه رباني بوحي الله، رباني بكلام الله، يغيظه مزمار الشيطان وكلام الشياطين، فعزفوها أمامه ثم كتفوه وربطوه، ووضعوه في فوهة المدفع ثم ألقوا المدفعية، لتنطلق كلمة التوحيد، وتنطلق أشلاؤه متناثرة في ذلك المكان، وماذا بعد ذلك؟ أنشر فكره وانتشر علمه، ذلك المحدث الجليل حفيد إمام الدعوة، الشيخ سليمان الذي كان يقول: إني لأعرف رجال الحديث أكثر من معرفتي بأهل الدرعية يوم أن كان ساكناً فيها، يعرف الأسانيد والمتون والرجال، بتلاميذهم ومشايخهم، علماً أعظم من علمه برجال الدرعية.
الله أكبر يا عبد الله! كانت نهايته تصفية جسدية، وها هو التاريخ يعيد نفسه، منذ سنتين أو ثلاث فجرت طائرة تقل رجلاً كان نعم العون للمجاهدين وهو ضياء الحق ﵀ رحمة واسعة، وعفا عنا وعنه، والآن تفجر سيارة عزام، بأولاده ومن معه، وهكذا يستمر أعداء الإسلام، يستمرون في أسلوب التصفية الجسدية، ظناً منهم أن هذا يكبت صوت الحق، ويكتم أفواه رجاله، ولكنهم جهلوا أن موت الرجال انتشار للفكر، وأن موت الأرواح وأرواح الشهداء لا تنتهي، وأن موت الأجساد انتشار للدعوات والمبادئ، قتلوه قتلهم الله، وانتقم منهم، وفضحهم على رءوس الخلائق.
стр. 2258
ورع الشيخ عبد الله عزام ﵀
أيها الأحبة في الله: كان ﵀ جسراً متيناً بيننا وبين الجهاد، كنا لا نعرف أخبار الجهاد والمجاهدين، وولايات أفغانستان وأخبارها العسكرية، والتموينية، والدعوة في تلك الصفوف إلا عبر مجلته الجهاد، وعبر المجلات التي كانت على نفس الصف والمنوال، البنيان المرصوص، والمجاهد، ولهيب المعركة، والملتقى، كان له دور عاطر واضح فيها، نسأل الله أن يجعل ذلك في موازين أعماله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨].
يريدون أن يقتلوا الجهاد بقتل عزام، وما علموا أن أماً أنجبت عزام مثلها مئات الأمهات تنجب الأبطال والرجال والأجيال، هنيئاً لمن مات هذه الميتة.
وإذا لم يكن من الموت بدٌ فمن العجز أن تموت جباناً
وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام
كان ﵀ أستاذاً في الجامعة الأردنية، كان بوسعه أن يكون يوماً ما رئيساً أو ذا منصب مرموق في تلك الجامعة أو ذا منصب في تلك الدولة، ولكنه ترك المراتب والمناصب، والمراكب والمفارش وهاجر بنفسه وبزوجته وبأولاده ووالده وبناته إلى أرض الجهاد، وعاش في بيت متواضع في مكان متواضع، والله -يا عباد الله- كان بوسعه رغم الملايين المتدفقة عليه من أنحاء العالم كي يبذلها في الجهاد، وكفالة الأيتام، وكفالة المجاهدين والشهداء والأرامل، والمعوقين كان بوسعه أن يفتي لنفسه أو يتأول لنفسه ليشتري بيتاً فاخراً فارهاً عامراً أو سيارة مريحة، لكنه سكن بيتاً متواضعاً، سكن داراً صغيرة متواضعة، وركب سيارة صحراوية، سيارة كان بوسعه أن يركب ما هو أفخر وأفضل منها؛ لكنه كان يحاسب نفسه محاسبة الشريك الشحيح لشريكه، كل ذلك ألا يدخل ماله وجيبه، قرشاً واحداً من أموال المجاهدين، في بقعة هاجر إليها وترك تلك البلاد، هاجر إلى أرض قد تكون من دول العالم المتخلفة، أو دول العالم النامية، تنقصها كثير من الخدمات، رضي بأن يعيش هناك وترك عيشة الترف وعيشة الرفاهية، ليختار شظف العيش وخشونته.
كان ﵀ صديقاً للشيخ تميم العدناني رحم الله تميماً رحمة واسعة، كان مثله يشهد هذه المشاهد والمعارك والغزوات واللقاءات ضد أعداء الإسلام، في يوم واحد، في المأسدة، في لهيب المعركة، لم يشعر المسلمون المجاهدون إلا وسحب الطائرات تحلق على مواقعهم ومعسكراتهم ثم أمطرت نيرانها وقذائفها، والشيخ تميم كان مستظلاً بظل شجرة، لم يستطع أن يتجاوز مكانه؛ لأنه لو جاوز شبراً واحداً من ماطر القنابل والقذائف لنالته، كان جالساً تحت شجرة يقرأ كتاب الله، قرأ خمسة أجزاء من القرآن تحت تلك الشجرة التي تناثرت أغصانها وجذوعها وهو قاعد مكانه، وكل يناديه، تعال يا شيخ! تعال هنا، انج بنفسك، فيقول: أبقى هنا، اسأل الله أن أكون شهيداً، وإن بقي لي حياة تقدمت لأرمي أعداء الإسلام الشيوعيين، كان يريد الشهادة في سبيل الله، لكن نسأل الله أن يؤتيه أجر الشهداء، مات بنوبة قلبية، يوم أن كان مسافراً إلى أمريكا ﵀ رحمة واسعة، فحزن عزام حزناً بليغاً على فراق صاحبه تميم وكتب في رثائه، ما وهي إلا أسابيع معدودة، فمات عزام شهيداً بعده، فمن الذي يرثيك يا عزام؟ ومن الذي لك إلا الله جل وعلا.
نسأله أن يجعلك من الشهداء، نسأله أن يجعل روحك في الجنة، وأرواح شباب المسلمين المجاهدين، وأن يجمعك بجميع المسلمين في دار كرامته، الله أكبر يا عباد الله! ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩].
هاجر ﵀ والله جل وعلا يقول: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الحج:٥٨] ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٥٤] رحمك الله يا عزام.
عرفناك حراً طوال السنين تبيع الحياة لرب ودين
فإن كنت فارقت دار اختبار فأنت شهيد مع الخالدين
نسأل الله أن نكون وإياك مع الشهداء في صحبة نبينا محمد ﷺ ، قدمت النساء يعزين زوجته جبر الله مصيبتها وخلفها خيراً من ذلك، قدمت النساء يعزين زوجته فخرجت إليهن وقالت بروح الأم المسلمة الصامدة: أتعزونني والله إنها لمفخرة لي أن أقدم زوجي واثنين من أولادي في سبيل الله، أمٌّ لا كالأمهات، أين الأم التي كان ولدها يسافر إلى مانلا وإلى بانكوك وهي تحزم أمتعته وملابسه وتودعه، ولما من الله عليه بالهداية وقال: يا أمي! أريد أن أذهب إلى الجهاد في سبيل الله قالت: لا.
لا يا ولدي، إني أخاف عليك، أتخافين أن يموت؟! يوم أن كنت تحزمين أمتعته وتعدين ملابسة وتعدين متاعه يسافر إلى تلك الدول ما قلت: أخاف عليك أن تموت موتة سيئة، أو أن يختم لك بسوء الخاتمة، ويوم أن أراد الجهاد تقفين له وتقولين: لا يجوز الجهاد إلا برضى الوالدين، نعم.
نحن نقر وندين الله جل وعلا أنه لا يجوز الجهاد إلا برضى الوالدين، ولكن كيف تأذنين له وترضين بسفره هناك، والآن تمنعينه وتقفين أمامه يوم أن أراد أن يموت شهيداً في سبيل الله؟ إذا مات شهيداً كان شافعاً لك عند الله جل وعلا.
عباد الله: اعلموا أنها سنة الله في الحياة، واعلموا أن جثة الشيخ بقيت سليمة لم تتناثر ولم تتجزأ، انشطرت السيارة وتناثرت أشلاء من معه، إلا جثته وحده ﵀، فبقيت سليمة صحيحة، ما تناثر منها شيء، ومات ولفظ أنفاسه الأخيرة، وهو يشهد أن لا إله إلا الله، ويشهد أن محمداً رسول الله في الطريق إلى المستشفى ﵀ رحمة واسعة، هكذا تحيا الدعوات، وهكذا ينتشر الحق، وهكذا يظهر النور.
стр. 2259
الجهاد وأهميته في نشر الدين
إن الإسلام -أيها الإخوة- انتشر يوم أن أُريقت دماء أصحابه على أرض الجهاد، وإن الفتوحات الإسلامية توسعت يوم أن سالت دماء الصحابة، ودماء التابعين، وجنود المسلمين على أرض المشرق والمغرب، وهي سنة الله، والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة.
لن ينتشر هذا الدين إلا بالجهاد في سبيل الله، شريعة الأمة، شريعة الخلود، شريعة البقاء، فإن كنت حياً فمن السعداء، وإن مت في الأرض، في أرض الجهاد فمع الشهداء، هكذا يعيش المسلمون.
عباد الله: كم من شخص لم يُعرف فكره وصدقُ نيته وصلاحه إلا بعد أن واراه التراب، انتشر وعرف وعلم شأنه وقدره، سيد قطب ﵀ كان معلوماً لديكم، وقع أن قدم للإعدام في المشنقة، وطلب منه أن يعتذر أو أن يقول كلاماً ليرضي به من حوله، ولكي يخفف عنه الإعدام إلى السجن المؤبد، أو نحو ذلك، فماذا قال؟ إن إصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في كل يوم خمس مرات، يرفض أن يعتذر للطغاة، الله أكبر يا عبد الله! هكذا تنتشر الأديان، هكذا ينتشر الدين وتنتشر العقائد، وبدون ذلك لا تنتشر فكرة ما لم يروها أبناؤها بدمائهم.
وقال ﵀ في تفسيره في ظلال القرآن حول كلامه عن قول الله جل علا: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] قال ﵀: وكم من شهيد بلغت دعوته مبلغاً بعيداً، لو قدر له أن يعيش آلاف السنين لم تبلغ دعوته عشر ما بلغت، فهذا عزام مثله، وقبله أئمة الدعوة في نجد، وفي سائر أنحاء المعمورة يوم أن قدموا دماءهم لله انتشر التوحيد، وانتشرت الدعوة، وانتشر فكرهم، الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! على هذه الخاتمة الحسنة وهذه الخاتمة الطيبة، وإنها والله تدفع آلاف الشباب، أن يعلنوا ثباتهم وصمودهم واستمرارهم في لقاء العدو ومواجهة الأعداء، إلى أن يأذن الله لهم أو يفتح الله للمؤمنين أجمعين:
تالله ما الدعوات تهزم بالأذى أبداً وفي التاريخ بر يميني
ضع في يدي القيد ألهب أضلعي بالسوط ضع عنقي على السكين
لن تستطيع حصار فكري ساعة أو رد إيماني ونور يقيني
فالنور في قلبي وقلبي في يدي ربي وربي حافظي ومعيني
الله يحفظ عباده، والله يحفظ دينه، والله يحفظ شريعته، الله متكفل بحفظ دينه ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤].
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2260
الجهاد لا ينتهي بموت أحد
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة في الله: هل انتهى الجهاد بموت عزام؟ أو هل انتهى الجهاد بمقتل ضياء الحق؟ ولو استشهد قادة الجهاد، لو استشهد سياف أو جميل الرحمن، أو رباني أو حكمتيار أو أي من قادة الجهاد، لو استشهدوا جميعاً في لحظة واحدة، أو في يوم واحد -يا عباد الله- لو استشهد هؤلاء هل ينتهي الجهاد؟ لا والله، الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، وإن الذي بعث للجهاد عبد الله عزام لهو بأمره ومشيئته ورحمته قادر على أن يبعث ألف عزام مثله، فنسألك اللهم أن تظهر من شباب المسلمين من يكون على مستوى هذا الرجل أو أفضل منه، لكي يقدم ما يجب عليه تجاه المجاهدين، وإن أرحام النساء ما عقمت أن تنجب مثله.
إن الله جل وعلا علمنا شريعة ماضية وسنة كونية، يوم أن تكلم الصحابة رضوان الله عليهم، وأشيع في معركة أحد أن النبي مات، كان لذلك أثر في قلوب بعض الصحابة، فقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤] لا والله، لم ولن ينقلب الصحابة والمؤمنون على أعقابهم، ثم لا والله لم ولن ينقلب الشباب على أعقابهم بعد استشهاد عزام، أو بعد استشهاد قادة الجهاد، فكل ماضٍ إلى ما يرضي الله جل وعلا، وكلٌ سائر بأمر الله جل وعلا، ولكن -يا عباد الله- الأمر الذي بقي هو أن عزاماً مات ودفن في قبره، ومازالت صحائف حسناته مفتوحة، تكتب ملائكة الحسنات أعماله، والله إن آلاف المسلمين لم يعرفوا كفالة الأيتام إلا منه، ولم يعرفوا كفالة الشهداء إلا منه، ولم يعرفوا كفالة المعوقين إلا منه، وما التزموا وتحمسوا للبذل والجهاد إلا بفضل الله ثم بفضل خطبه، كل ذلك بفضل الله ثم بخطبه ورسائله ومجلة الجهاد التي كان ملفها في جيبه، مصبحاً وممسياً ماضياً آيباً، مرتحلاً مقيماً في كل مكان ترى معه ملف هذه المجلة، لكي يكتب لي ولك وللخامس والعاشر، ليكتب للمسلمين أجمعين، عن أخبار إخوانه المجاهدين، فهذا رجل مات، ولكن لا زالت حسناته ماضية، وشتان بين رجل يموت كهذا وآخر لا دور له في الجهاد ولا في الدعوة ولا في النفع.
وميت ضجت الدنيا عليه وآخر لا تحس له أنيناً
والناس ألف منهم كواحدٍ وواحد كالألف إن أمر عنا
كان ﵀ عن أمة، كان ﵀ عن ألف وآلاف مؤلفة، لا أقول هذا غلواً فيه، ولا أقول هذا مبالغة، ولا أقول هذا إطراءً في المديح، فإن الرجل أفضى إلى ربه ولو كان حياً ما تكلمت فيه على منبر، لكنه أفضى إلى ربه، وإذا كان ولا بد فالكلام في الأحياء فتنة، لكن الكلام في الأموات إظهار لمآثرهم ومناقبهم ومحاسنهم، وأقول: قفوا يا أيها المستمعون، قفوا، وأنصتوا إن أناساً تكلموا في عرضه، وإن أناساً نالوا من سمعته، وإن أناساً لفقوا عليه الأقاويل، وتكلموا في صاحبه الشيخ تميم العدناني، إما بشريط، أو بمقالة، أو بكتيب، أو برسالة، فأقول: إن كان هدفهم النصيحة فما هكذا تورد الإبل -أيها الإخوة في الله- هلا ذهبتم إليه في بيته ونصحتموه إن كنتم ترون شيئاً يستحق النصيحة، لكن الرجل أفضى إلى ربه، فأين لكم أن تقفوا معه أو تجلسوا معه لتقولوا: سامحنا وحللنا وأبحنا فيما نشرناه عنك؟! أو سجلناه عليك، أو قلناه فيك؟! أيستطيع أحد أن يناجيه أو يكلمه عند قبره، لا والله سيقف من تكلم فيه مع عزام ﵀ في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، سيقفون عند رب لا يجور، وعند رب لا يظلم، وميزان لا شطط فيه، ليكون القصاص وليكون القضاء فمن الحسنات أو السيئات.
لكني أقول لمن وقع في عرض هذا الرجل أكثروا من الاستغفار له، واسألوا الله له العفو والمغفرة، فلعل ذلك أن يكون سبباً للمغفرة والتوبة عليكم.
أيها الأحبة في الله: ينبغي أن يكون من شباب أمة الإسلام من يسد هذا الثغر، ينبغي أن يكون من بينكم يا شباب الإسلام من يقوم بهذه المنزلة، وهذه المكانة، فلا تحتقروا أنفسكم أنتم أبناء فطرة، من أرض هي مهبط الرسالة، ومكان تجديد العقيدة، فالله الله لا يثبطنكم الشيطان، أو يحقر من شأنكم، فو الله ثم والله -بمشيئة الله وفضله ومنه- ليكونن على أيديكم خير عظيم في الجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم تكون بعد ذلك في سجل الخالدين المرموقين الذين يموتون ومازالت معالمهم شامخة، وقممهم باسقة، وشخصياتهم قائمة:
إذا ما مات ذو علم وتقوى فقد ثلمت من الإسلام ثلمه
وموت الحاكم العدل المولى بحكم الأرض منقصة ونقمه
وموت فتىً كثير الجود محل فإن بقاءه خصب ونعمه
وموت العابد القوام ليلاً يناجي ربه في كل ظلمه
وموت الفارس الضرغام هدم فكم شهدت له بالنصر عزمه
فحسبك خمسة يبكى عليهم وباقي الناس تخفيف ورحمه
وباقي الخلق هم همج رعاع وفي إيجادهم لله حكمه
فكونوا من الذين يبكى عليكم بعد موتهم، كونوا من الذين يذكرون بالخير، كونوا ممن تبقى صحائف حسناتهم مفتوحة تنورها الملائكة بالحسنات، تنورها الملائكة بالصالحات ولو كنتم في قبوركم.
أسأل الله أن يعفو عنا وعنه، وأن يجمعنا به في جنته، وأن يعفو عمن نال من عرضه، وأن يتجاوز عنهم، وأن يوفق الجميع إلى ما يحبه ويرضاه، ونسأله بحفظه وبعزته التي لا تضام، وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يحفظنا ويحفظ ولاة أمرنا، وعلماءنا وقادة الجهاد في كل مكان.
اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم اهد شباب المسلمين، اللهم اهد شباب المسلمين، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً، اللهم تب عليهم توبة صادقة، اللهم وفقهم للتوبة النصوح، اللهم اجعلهم خير الشباب لأمتهم، وخير الرجال لأوطانهم، وخير النفوس لأهلهم وزوجاتهم ووالديهم وأولادهم، برحمتك يا رب العالمين! اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً طبقاً مجللاً نافعاً غير ضار، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغث قلوبنا، اللهم أغث قلوبنا، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد برحمتك يا رب العالمين! اللهم استعملنا بطاعتك، اللهم استعملنا بطاعتك، اللهم استعملنا في طاعتك، وثبتنا على دينك وتوفنا على ما يرضيك، اللهم لا تقبضنا على خزي، اللهم لا تقبضنا على معصية، اللهم توفنا ركعاً سجداً، مجاهدين مصلين، آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، اللهم صل وسلم على محمد وآله وصحبه.
стр. 2261
فلنحول العاطفة إلى برنامج عمل [١]
إن الكفار على مر العصور والأزمان ومنذ سالف التاريخ ما زالوا ينفقون أموالهم وما يملكون؛ ليصدوا عباد الله عن دينهم؛ حسداً وحقداً وبغضاً، وفي هذا الدرس تتعرفون على شيء من عداوة الكفار للإسلام وأهله، وطرق محاربتهم للدين الإسلامي، ثم الحث على العمل لهذا الدين وتحويل العواطف إلى برامج عمل في عرض حقيقة هذا الدين بالأسلوب الحسن اللين.
стр. 2262
عداوة الكفار للإسلام وأهله
الحمد لله الذي لم يزل بعباده خبيراً بصيراً، أحمده سبحانه هو الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأصلي وأسلم على نبيه وصفيه من خلقه، محمد بن عبد الله الذي بعثه للجن والإنس بشيراً ونذيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
معاشر المؤمنين! يقول الله جل وعلا في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
أيها الإخوة في الله! إن المتأمل لهذه الآية وهذه الحقيقة القرآنية التي لا تتبدل ولا تتغير، يجد مصداقها برهاناً عملياً في واقع العصور والأزمان، فالكفار منذ سالف التاريخ والعصر لا زالوا ينفقون أموالهم وما يملكون؛ ليصدوا عباد الله عن دينهم، حسداً وبغضاً وحقداً، وصدق الله حيث يقول: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:١٠٥] ويقول تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩].
فيا معاشر الأحبة! لا شك أنكم تعلمون وتزدادون علماً بما تقرءون وتسمعون، مما يحيكه أعداء الإسلام ضد المسلمين، وكتاب ربهم وسنة نبيهم، وأقلياتهم في مختلف البلدان في هذا الزمان, مما يحيكونه ويدبرونه من المؤامرات التي دافعها الحقد والكراهية، فهم لا زالوا ينفقون وما زالوا يسخرون، وحسبكم أن تعلموا أن كل تركةٍ لا وارث لها فإنها تصرف للمجلس الأعلى للكنائس؛ لكي تسخر في خدمة تنصير المسلمين وإخراجهم عن دينهم، وأن الفوائد البنكية في بنوك أوروبا وفي البنوك الغربية العالمية وغيرها ما لم يأخذها أصحابها فإنها -أيضاً- توجه إلى المجلس الأعلى للكنائس الذي يمون الكنيسة في العالم ويضمن نفقات قسسها ورهبانها وصلبانها وشياطينها، وأن هناك أموالاً تفرض في ميزانيات الدول النصرانية تسخر لخدمة الكنيسة في كل بقاع المعمورة.
فيا أيها الأحبة! والله لو علمتم واطلعتم على ما يملكه الفاتيكان أو ما يملكه المجلس الأعلى للكنائس من أموالٍ طائلة لوقفت شعور رءوسكم من حجم تلك الملايين العظيمة التي سخرت لهذا المجال، سخرت لعقيدةٍ محرفة ولكتاب ملفق، ولعقيدةٍ منسوخة، ولحقدٍ مستمر، ولبغضاء دامية، كل ذلك مسخرٌ، فما يقابل ذلك من جهود المسلمين؟ وما الذي يفعله المسلمون في مقابلة صد عدوان أولئك الكفرة الفجرة؟!
стр. 2263
طرق الكفار في محاربة الإسلام
أيها الأحبة في الله! إننا إذا تأملنا ما يلزمه أولئك الذين يتخرجون من الكليات الكنسية واللاهوتية حيث يلزم الخريج منهم أو الخريجة بأن يخدم الكنيسة سنةً بعد تخرجه، سنةً مجانيةً على الأقل أو أكثر من ذلك، إما في مجاهل أفريقيا، وإما في دول شرق آسيا، تلك الملايين المسلمة التي فقدت الوعي والتوجيه الصحيح، وسادت في كثيرٍ من البقاع عندهم الطرق الصوفية والمبادئ المنحرفة، وظن كثيرٌ من المسلمين أن هذا هو الإسلام بأسره، سجادةٌ توجه، ومسبحةٌ تقلب، وهمهمة، وكلامٌ قليلٌ وكثيرٌ في هذا، وقد جهل كثيرٌ منهم أن حقيقة الإسلام انطلاق، وأن حقيقة الإسلام قوة، وأن حقيقة الإسلام حركة تأبى الضيم وتأبى الذل والخضوع، إن أعداء المسلمين حاربوا الأمة المسلمة بطرقٍ سافرة وبطرقٍ مزيفةٍ مستترة.
فأما الطرق السافرة؛ فهي الحرب العسكرية، والعداوة العقدية والمواجهة.
وأما الطرق المستترة؛ فهي تشجيعهم لطرق الصوفية وللمبادئ المنحرفة التي تتسمى باسم الإسلام، وهي في حقيقتها تنخر في كيانه وتهدم بمعاولها أساسه، ولذلك لا تعجبوا أن تجدوا من الطرق التي تنسب بهتاناً وزوراً إلى الإسلام والمسلمين تنشط في دول اليهود وفي دول الكفر ولا تجد من يعارضها أو يعاندها!! لماذا؟! لأنها طرقٌ تسمت بالإسلام لكنها تحمل في داخلها وفي طياتها هدماً وتدميراً للإسلام.
أرأيتم القاديانية هي بدعةٌ أول ما ظهرت، ومحنةٌ كافرةٌ أول ما انتشرت، قادها الفاجر المسمى: المرزا غلام أحمد القادياني، ذلك الذي ادعى -فيما ادعى به- شيئاً من المبادئ التي جاء بها الإسلام ثم كشف عن باطله؛ فادعى إبطال الجهاد، ثم ادعى قرب رفعة المنزلة إلى أن قال بنبوته، إن هذه المحنة التي اجمع المسلمون في العالم على تكفير منتحليها وأصحابها، لمحنةٌ كافرةٌ تنشط في إسرائيل، وتنشط في كثيرٍ من الدول التي تعادي الإسلام والمسلمين، ومثلها البابية، ومثلها البهائية، ومثلها كثيرٌ من الطرق التي يتزعمها غلاة الصوفية، وتجدون أربابها وأقطابها وأوسادها في بلدانٍ يجد المسلمون فيها ضيقاً وعنتاً وتشديداً عليهم، أما دهاقنة الصوفية وغلاتها المنحرفون فلا يجدون أدنى أذى، لماذا يؤذى أولئك المعتدلون ويترك أولئك المنحرفون؟! الجواب واضح: لأن أولئك الذين فهموا الإسلام على حقيقته، وأدركوا الدين على حقيقته، يمثلون خطراً على تلك الدول والحكومات الكافرة، وأما أولئك الذين فهموا الإسلام فهماً تقليدياً متقوقعاً وطرقاً صوفية، ومسابح وانكشاف، وإلهامات وتخريفات، أولئك لا يمثلون أدنى خطر، بل إن من أعظم معتقدات أولئك المنحرفين ومبادئهم: البعد عن الخوض في أمور السياسة، والبعد عن الخوض في أمور الحياة وفصل أمور الدين عن واقع الحياة.
فيا أيها الأحبة! افهموا جيداً من هم الذين يعملون للإسلام على الساحة، ومن هم أولئك الذين ينتسبون إليه والإسلام منهم براء، المسلمون في هذا الزمان جاوزوا المليار جاوزوا الألف مليون! ولكن يصدق عليهم قول النبي ﷺ : (كيف بكم إذا تداعت عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلةٍ نحن يا رسول الله؟ قال: لا.
أنتم يومئذٍ كثير).
ولقد صدق رسول الله ﷺ ، فانظروا تعداد المسلمين اليوم في العالم، إنهم كثير، لكنهم غثاء كغثاء السيل، يقول ﷺ : (يصيبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت، وينزع الله المهابة من صدور أعدائكم) نعم.
فلم يعد المسلمون يهابون كما كانوا يهابون من قبل؛ لأنهم انشغلوا بالدنيا وتركوا أمر الله وراءهم ظهريا إلا ما شاء الله منهم وقليلٌ ما هم.
стр. 2264
الحث على العمل لدين الإسلام
فيا عباد الله! انظروا تعداد المسلمين ثم أخرجوا من هذا التعداد أولئك الذين هم على دينٍ صحيح، ثم أخرجوا من أولئك من الذين يعملون ويدعون إلى الله جل وعلا، تجدون أولئك ثلة وقلة ومجموعة يسيرة في واقع العالم الإسلامي، وإذا ما نظرنا إلى تعداد هذه الطائفة القليلة في مقابل جهود أعداء الإسلام، وتعداد مبشريهم ومنصريهم وما ينفقون من أموال ليصدوا المسلمين عن دينهم لوجدتم أن البون شاسع، والفرق واسع، والهوة ساحقة بين أولئك وأولئك، لكن الله جل وعلا بين أن الفجار ينفقون الأموال فتكون عليهم حسرة ثم يغلبون بما أنفقوا من أموالهم ومأواهم جهنم يحشرون إليها وبئس المصير.
أما أولئك المؤمنون فمع إخلاصهم وبتوفيق الله لهم يوفقهم الله جل وعلا إلى ما يسرهم وينفعهم ويمكن لهم الغلبة، إن يكن منكم مائة يغلبوا مائتين، فالله جل وعلا قد جعل ميزان القوة ليس بالعدد ولا بالتعداد ولكنه بما يكمن في قلوب الرجال من الإخلاص لله والولاء لدينه ولكتابه ولسنة نبيه، والإخلاص لأئمة المسلمين وعامتهم.
فيا عباد الله! بعد هذا كله ليسأل كل واحدٍ منكم نفسه: هل أنت منتسبٌ إلى الإسلام؟ لا شك بأن
الجواب
نعم، إذا كنت منتسباً حقاً فماذا قدمت للإسلام؟ وماذا حقق الله على يديك لدين الله؟ إن كل واحدٍ منكم لمسئول فيما قدم للإسلام وأين موقعه من الإسلام؟ موقعنا: أن وجدت في أرض مسلمة ثم تقلبت في أنواع الأكل والشراب والمسكن واللباس ثم انتهت حياتك وانقضى الأمر بعد مماتك، ثم فارقت الدنيا كمن لا يعرف له شيء، ولم تذكر له منقبة، ولم يشهد التاريخ ولم تشهد الأرض ولم تشهد الناس له بفعلٍ يشهد له به عند الله، أو يشهد له به في خدمة الإسلام والمسلمين.
أيها الأحبة! قد يقول البعض: وما حيلة العاجز؟ وماذا نفعل ونحن لا نقدر؟ الجواب مراراً وتكراراً تسمعونه في الإذاعات وفي المجلات وفي الخطب والندوات، أن كل واحدٍ يقدر على أن يبذل لدينه مهما كان بذله قليلاً أو يسيراً، وبالمناسبة فإن الحديث يجر إلى أولئك الذين ينطلقون قرب الإجازة الصيفية في جولاتٍ وسياحاتٍ وانتقال وسفر، كل واحدٍ منا ومن أولئك ملزمٌ ومسئولٌ أن يجعل في طريقه وفي ذهابه وإيابه وفي حله وسفره وترحاله، مسئولٌ أن يقدم وأن يبذل شيئاً للإسلام والمسلمين.
стр. 2265
عناصر هامة لتحويل العواطف إلى برنامج عملي
وإليكم عناصر عملية نستطيع من خلالها أن نحول العواطف إلى برنامجٍ عملي، فإن مما يضر بالمسلمين أن تسخن عواطفهم وأن يلهب حماسهم ثم يتفرقون ولا يفقهون ما المراد من الكلام، وما الذي ينبغي عليهم علمه بعد خروجهم من المساجد، إن مما ينبغي علينا أن نعلمه ونفقهه أن من واجبنا إذا سمعنا ندوةً أو خطبةً أو نصيحة أن نتساءل في ختام الأمر ما الخلاصة وما البرنامج وما هي ورقة العمل التي نطبقها في الواقع؟ لا أن نتعود سماع المواعظ ورفع الأصوات وتحرك الآهات وطنين الأنات، ثم بعد ذلك نخرج وكأن شيئاً لم يكن، كمن ينفخ في قربةٍ ثم يجعلها منتفخة مما بجوفها من الهواء ثم يتركها فجأةً، فيخرج الهواء الذي بداخلها وتعود لصيقة الأرض كما كانت، لا نريد هذا بل نريد أن نعرف البرنامج العملي من واقع كل نصيحةٍ أو خطبةٍ أو ندوة.
стр. 2266
أهمية نشر المطبوعات المعرفة بالإسلام في كل سفر وترحال
أيها الأحبة في الله! كم من أبناء المسلمين من الذين يسافرون إلى الخارج؛ إما في علاجٍ أو في تجارةٍ أو في مهماتٍ أو أعمالٍ أخرى، ما ظنكم لو أن كل واحدٍ سافر معه باثنين كيلو من الكتب التي ترجمت بلغة البلاد التي ينتقل إليها، لو أن كل سائحٍ سافر إلى أوروبا حمل جملةً من الكتب المترجمة باللغة الإنجليزية ثم تركها في الفندق الذي نزله ووزع شيئاً منها على من قابل وعلى من عرف، والله ما هي إلا مدةٌ يسيرة وبلاد الغرب تشهد تجدداً في فهم الإسلام، حتى ولو لم يسلموا لكنهم سيجددون النظر وسيقلبون الفكر في دين الإسلام، وسيعلمون أنهم كانوا لا يفقهون من الإسلام إلا الصور المحرفة والأشكال المزيفة.
أتدرون كيف يفقه الغرب دينكم؟ إنهم يظنونه ضريحاً وقبراً قد سجيت عليه ألوان الزخارف والسجاجيد، ويطوف حوله من يطوف، ثم محاريب نصبت، ومسابح بين الأصابع تقلب، وهز للرءوس، ورقص شرقي، وموسيقى هافته، هكذا يظنون دين الإسلام.
وذات مرةٍ عرض في أحد التلفزيونات الأوروبية على رأس عيد السنة عرضٌ للأديان، فعرضوا شيئاً عن النصرانية، وشيئاً عن بعض الأديان الأخرى، فلما جاء العرض على الإسلام أتدرون بمن جيء؟ جيء بعازفٍ بما يسمى بالقيثارة وجيء بأناسٍ يهزون رءوسهم، وسجاجيد نحو المحاريب وجهت، ومسابح تقلب في الأصابع، وهزٌ للرءوس، هكذا يفهم كثيرٌ منهم دين الإسلام، والله إنهم لا يعرفون جوانب العدل في الحياة الاجتماعية، ولا يعرفون جوانب الإيثار، وجوانب الكفالة، وجوانب الإرفاق، وجوانب التعامل بالأمر بالمعروف ونفع الناس، يجهلون ذلك كله ولو أيقنوا وعلموا حقيقة هذا في دين الإسلام لتجدد الأمر لهم، لكن ويا للأسف إن كثيراً من الأوروبيين لا يعرفون عن أبناء المسلمين إلا من يسألهم عن أجمل حانة وأعتق بارة، وأطيب مكانٍ للهو والخلاعة، يسألونهم عن هذا، فيعرفون أن بعض أبناء المسلمين أو أن جل أبناء المسلمين على هذه الشاكلة وعلى هذا المنوال.
стр. 2267
أهمية عرض حقيقة الإسلام في كل مؤتمر واجتماع
أيها الأحبة! حدَّث طبيبٌ ذهب إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليشهد مؤتمراً يبحث في دور الكالسيوم في جسم الإنسان، وذكر في رحلته أمراً عجيباً غريباً مما يدل على عزة المسلم، وأن تمسك المسلم يجعل الغرب يلتفتون إلى الدين ويسألون بكل قوة، ويبحثون بكل دقة، ويغيرون الصور التي كانوا يحملونها عن دين المسلمين.
قال: لما حضر المؤتمر وعلى مدى ثلاثة أيامٍ من البحوث التي ناقشت أطروحة المؤتمر، دعي ذلك الطبيب المسلم لكي يستمع أولئك الأوروبيون والغربيون منه كلاماً، فلما قام متحدثاً إليهم قال: لقد أجاد المؤتمرون وأفادوا ببيان دور هذه المادة التي ركبها الله وخلقها في جسم الإنسان، وإني أسألكم معاشر الأطباء والاستشاريين، إني أسألكم: إذا كان هذا دور الكالسيوم في جسم الإنسان، فما دور الإنسان في الحياة؟ فأخذوا يسألون أنفسهم: ما دور الإنسان في الحياة؟ أهو دور الأكل والشرب والنكاح والنوم، هذا دورٌ تشارك البهائم فيه بني الإنسان، ثم بدأ يشرح أن للإنسان دوراً مميزاً مستقلاً، فمازال يأخذ لبهم ويأخذ قلوبهم بأسلوبه العبق وعباراته الرقيقة، فلما انتهى تجمهر حوله أربعون من أولئك، وانفض الاجتماع بإسلام ستة من الأطباء وإسلام طبيبتين.
فيا أيها الأحبة! ليس الأمر منحصراً على من يسافر طبيباً، أو من يسافر مهندساً، لكن الأمر يتضح إذا خرج كل واحدٍ منا في أي مهمةٍ كانت له في داخل بلاده وخارجها ثم رأى أولئك الذين لا يفهمون في الإسلام، ورأوا صدقاً في المعاملة ووفاءً في الأمانة ولطفاً ودعوةً بالحكمة واللين والموعظة، بعد ذلك يستجيبون ويتهيئون ويستقبلون.
فيا عباد الله! لو أن من ذهب إلى بريطانيا أو إلى فرنسا أو إلى أي دولة من الدول حمل معه مجموعة من الكتب باللغة الإنجليزية، كم تشهد الصالة الدولية سفراً ورحلات مستمرة، لو أن كل مسافرٍ حمل في جعبته وفي حقيبته كيلو أو اثنين أو ثلاثة من الرسائل التي توضح دين الإسلام وتبين حقيقته فأعطاها لمن يقابله إما في الطائرة وإما في مكانٍ آخر وإما في فندقه وإما في أي جهةٍ ينزل بها، بعد مدةٍ وليست بالطويلة سيشهد أولئك دعوةً صريحة وقوةً ناطقةً تصحح مفاهيم الإسلام لدى الأمة الغربية ونرد هذا الهجوم بمثله، والله إنكم لتعجبون عجباً عظيماً يوم أن تكشفوا أدق الوسائل واتفه المناسبات التي يستغلها المنصرون لكي يعرضوا دينهم على أبناء المسلمين.
حدثني شابٌ حضر الدورة الأولمبية الأخيرة في سيئول وجاءني بهدية، وجاء مع الهدية بمناظر جميلة من سيئول فقال: لا تبهتك المناظر ولكن انظر إلى ما بقلب الصورة، فلما طلبتها وجدت نصوصاً من الإنجيل معربة مطبوعةً باللغة العربية: هكذا يدعوكم المسيح، وهكذا أحب الله العالم، وهكذا خلص المسيح أصحاب الخطيئة، بمختلف العبارات التي يريدون من خلالها أن يلقي المسلم عن نفسه وعن كاهله شعوره بالذنب والمعصية، ليظن أن المسيح هو المخلص من شؤم الخطيئة ثم يفعل ما بدا له ويحيل الذنب والخطيئة على المسيح، كما هو معتقد النصارى فيما يفعلون ويتركون.
أيها الأحبة في الله: هذا اقتراحٌ أول ولو أن كل مسافرٍ عمل به، ولو أن كل من سافر وانتقل وخالط أولئك دعاهم إلى الإسلام لكنا نشهد دعوةً ودخولاً في دين الإسلام أفواجاً.
وإننا لنشكر الله جل وعلا ثم نشكر الذين يقدمون برامج نافعة في القناة الثانية لدعوة الناس إلى الإسلام، كما ندعو أولئك القائمين عليها أن يجتهدوا مادامت هذه القناة والشاشة باللغة الإنجليزية التي يفقهها كثيرٌ من دول العالم، ونحثهم أن يركزوا البث فيها على ما ينفع دعوة الناس والإسلام، وعلى ما يشرح الدين الصحيح والعقيدة السليمة التي تهدي الناس إلى دين الله، وندعو الله أن يمن عليهم بأن لا يضعوا فيها إلا ما يرضي الله ورسوله حتى لا نكون من الذين ينفقون فيما يضر أنفسهم أو أبناءهم نسأل الله ألا نكون من أولئك.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنبٍ؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2268
أساليب لدعوة الكفار إلى دين الإسلام
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
стр. 2269
أثر المعاملة الحسنة في إقناع الناس
أيها الأحبة! إن من أساليب دعوة الكفار إلى دين الإسلام المعاملة الحسنة والصدق والوفاء في المعاملة، إن من الناس من يستقدم من العمال عمالاً يجعلهم في أرض المسلمين، ثم يتركهم كالغنم البهيمة السائحة التائهة في الأرض، ثم إذا جاءوا يبحثون عنه لا يجدونه، ثم إذا جاءوا يستوفون حقوقهم لا يجدون حقوقاً، وبعضهم يتخلص منهم بالإعلان عن تخلفهم وتغيبهم، ثم إخراج تأشيرة الخروج بدون عودة بعد أن يجهز القبض عليهم وإخراجهم وتسفيرهم قبل أن يعطيهم حقوقهم وهذه مصيبة.
إن عاملاً يأتي إلى بلاد المسلمين ثم يخرج ولا يستوفي حقوقه، يعود إلى بلاده ساباً شاتماً مبغضاً لاعناً للمسلمين أجمعين، لا يسب ذلك الذي عامله بالخيانة ولا يشتم ذلك الذي أخلف معه الأمانة، وإنما يظن أن هذا ديدن المسلمين أجمعين، وهذا طبع المسلمين أجمعين في بلادٍ أتى إليها وقدم إليها.
فيا عباد الله! ادفعوا القالة والسوء عن أنفسكم، واتقوا الله جل وعلا فإن الظلم ظلمات، حتى ولو كان الظلم على كافر، واتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب، إن من صدق في معاملة عماله وقام بالوفاء والأمانة معهم، ثم بعد ذلك دعاهم إلى الإسلام وتلطف في دعوتهم سيجد استجابةً عظيمة، وإن مكتب الجاليات في القصيم ومكتب الجاليات في الرياض ومكتب الجاليات التابع لرئاسة دراسات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ليشهد أفواجاً -بحمد الله- يدخلون في دين الإسلام بعد أن يجدوا من يعرض عليهم الإسلام عرضاً ليناً رقيقاً لطيفاً، يدخلون في دين الله .
فلو أن كل واحدٍ منا مع حرصنا على ألا نستقدم إلا المسلمين، ولكن لو أن كل واحدٍ منا احتك أو رأى كافراً في عمله أو استقدمه في أعمالٍ لا يتقنها إلا أمثالهم، أو وجده في أي مناسبة، فأخذ عنوانه وأرسل إليه كتيباً بلغته التي يفقهها ويعلمها، وأرسل له شريطاً وأرسل مع الشريط شيئاً مما يلطف القلب، فإن هذا مما يهيئ أولئك ومما يجعلهم يستعدون ليدخلوا في دين الإسلام، فينبغي أن نستغل الفرص وينبغي أن نستغل المناسبات.
стр. 2270
مسئولية المسلمين عن تبليغ الدعوة
كم من كبار الشركات التي تأتي إلى بلادنا وقد تأتي الشركة وتخرج ولم يفق فيها إلا في النزر اليسير، داعيةٌ أو اثنين، والبعض منهم قد يأتي إلى هذه البلاد ويخرج منها ولم يفهم حقيقة الإسلام، إننا مسئولون عن أولئك الذين في أماكنهم وبلدانهم لِمَ لم نبلغ لهم دعوة الله، أفلا ترون أن المسئولية أعظم فيمن جاء من بلاده إلى أرضنا ولم نسمعه كلام الله، ولم نبلغه دعوة الله.
واعلموا أن الوسيلة ميسرة، فاتصالك بمكتب رابطة العالم الإسلامي بـ الرياض، أو اتصالك بمركز الجاليات في الرئاسة العامة للبحوث، أو اتصالك بالندوة العالمية للشباب الإسلامي، أو بغيرها من المؤسسات التي جعلتها هذه الدولة وفقها الله وجعلها مرفوعة بالإسلام، وجعل الإسلام مرفوعاً بها، هي ولله الحمد موجودةٌ ومكاتبها متفرقة في مدن المملكة لو اتصلت بأي جهةٍ من هذه وأخذت منهم أشرطةً وكتيبات ونشرت باللغة التي يفقهها ذلك الذي عرفته أو لقيته أو علمت مكانه سواءً كان عاملاً أو مهندساً، أو صغيراً أو كبيراً، ثم قدمتها له واجتهدت في ذلك، انظر كيف يهدي الله على يديك رجلاً واحداً، يكون ذلك خيرٌ لك من حمر النعم، وإن كل واحدٍ ليسأل نفسه: كم بلغت من العمر؟ هل أسلم على يدي كافر؟ هل اهتدى على يدي ضال؟ هل بلغت دعوة الله إلى من كان يجهلها أو لا يعرفها؟ ومن المؤسف أن نطرق الرءوس وأن نجيب بلا، فيا خيبة الأمة إن كان الأعداء يصلون إليها فلا يسمعون منهم كلام الله! ويا عجب الحال إذا كان الأعداء يبثون أفكارهم، ويبثون دعواتهم ومبادئهم وعقائدهم، يبثونها إلى المسلمين غزواً في عقر دارهم، وما غزي قومٌ في عقر دارهم إلا ذلوا!! أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم هداةً مهتدين، وأسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم مباركين أينما كنا، وأن يهدي على أيدينا كفاراً إلى الإسلام، وأن يهدي على أيدينا ضلالاً إلى الالتزام.
стр. 2271
فلنحول العاطفة إلى برنامج عمل [٢]
معلوم أن المسلم لا يعرف الفراغ سواءً كان في عمل أو إجازة، ولا يعرف اللهو واللعب والبطالة؛ لأنه لا يخلو في كل حال من عبادة يرضي بها الله جل وعلا، وفي بعض الأيام يواجه أبناؤنا إجازة طويلة، قد تكون لبعضهم منحة إلهية ومنة ربانية، وقد تفتح على بعضهم باباً إلى الهاوية والردى، وفي هذا الدرس دعوة إلى الاهتمام بالوقت والمحافظة عليه فيما يعود بالنفع، والتحذير من الإغراءات السامة التي تهدف إلى إفساد الشباب عبر الرحلات السياحية والدورات التعليمية خارج بلاد المسلمين.
стр. 2272
الإجازة بين الصلاح والفساد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: معاشر المؤمنين! جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه) فهذا سؤالٌ سيواجه كل مسلمٍ منا، فينبغي أن نعد للسؤال جواباً، وللجواب صواباً.
أيها الأحبة في الله! مر بنا الحديث في جمعةٍ ماضية عن وصول الإجازة وتباين آراء الناس وأفكارهم في قضائها، ومعلوم أن المسلم لا يعرف الفراغ في كل وقته، سواءً كان في عملٍ أو في إجازة، ومعلوم أن المسلم لا يعرف اللهو ولا البطالة؛ لأن المسلم لا يخلو في كل حالٍ من عبادةٍ يرضي بها الله جل وعلا، سواءً كان في ليلٍ أو في نهار في ذهاب أو في إياب، في حلٍ أو في ترحال.
أيها الأحبة! يواجه أبناؤنا إجازة طويلة، وهذه الإجازات قد تكون بالنسبة لبعضهم فتحاً إلهياً، ومنةً ربانيةً باستقامتهم وثباتهم وحسن إسلامهم، وتكون على البعض باباً إلى الهوى والشهوة، باباً إلى الفساد والغفلة، باباً إلى كل ما يجر البلاء والمصيبة عليه وعلى أفراد مجتمعه.
فأما الذين تكون لهم هذه الإجازات أبواباً إلى الاستقامة وحسن الفقه في دين الله، فأولئكم الذين أعدوا لسؤال المواجهة جواباً، الذين تذكروا يوم يقفون بين يدي الله جل وعلا، ليسألوا عن أعمارهم فيما أفنوها وعن شبابهم فيما أبلوه، أولئك الذين تكون لهم الإجازة منةً ربانيةً للهداية والاستقامة، أولئكم الذين عرفوا قيمة الوقت، أولئك الذين علموا أن الوقت هو الحياة وأن كل يومٍ يمضي إنما يقربهم للأجل، وكل شهرٍ ينطوي إنما يقودهم إلى المنية، وكل سنةٍ تمضي إنما تقفز بهم إلى دارٍ برزخية، فمن أيقن ذلك وعلمه وعلم أن قيمة الوقت مرتبطةٌ بالنهاية، مرتبطةٌ بالمصير والمواجهة، اجتهد أن يستعمل في طاعة الله ومرضاته، واجتهد أن يسخر وقته فيما ينفعه
يسر المرء ما ذهب الليالي وكان ذهابهن له ذهابا
كثيرٌ من الناس يفرح بمضي الليالي والأيام، أو الشهور والأعوام فرحاً بما ينتظره من حظوظ الدنيا وبما سيناله في مراتب هذه الدنيا الفانية، ولكن البصير الذي يفقه حقيقة الدنيا يعلم أن مضي الأيام فيها إنما يقربه إلى أجله، ومن أدرك أن منيته قد دنت واقترب أجله ومضى أعظم عمره، أو لا يدري ما الذي مضى وما الذي بقي فحريٌ به أن يعد ويستعد، حريٌ به أن يتزود لدار الرحلة ونهاية المصير، نسأل الله لنا ولكم حسن الختام.
стр. 2273
دعوات لإفساد الشباب في الإجازة
معاشر المؤمنين! أولئك الذين تكون إجازتهم فتحاً ربانياً عليهم من الله، أولئكم الذين اعتنوا بمزيد العبادة، واجتهدوا في الصلاة مع الجماعة، وأشغلوا أوقاتهم بمرضاة الله جل وعلا، وعجبٌ أيما عجب أن ترى الأسئلة الكثيرة عن مشكلة الفراغ وفيما يقضي الناس أوقاتهم، ويفتح دعاة السوء ومزامير الباطل أبواباً من الفتن وصفحاتٍ من البلاء يدعون كثيراً من الشباب لقضاء أوقاتهم وإجازاتهم فيها عبر الرحلات السياحية، وعبر الدورات التعليمية التي يعدونها لأبنائنا خارج بلاد المسلمين.
فلنعلم -أيها الأحبة- أن هذا خطرٌ وأي خطر، وبلاءٌ وأي بلاء، أن يظن بعض من لا حظ لهم من الوعي والفهم أنه يجازي ولده على نجاحه ويكافئه على تفوقه أن يرسله مع بعثةٍ سياحية لتتجول به في دول الغرب أو في أي بلادٍ كافرة، والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] والبعض يلقي بفلذة كبده إلى التهلكة، والبعض يقذف ويزج بولده إلى الردى والهاوية.
اعلموا يا معاشر المؤمنين: أنما تعلمونه أو تقرءونه أو تسمعونه من دعواتٍ تستجلب أبناءكم وشبابكم لتعلم اللغة الإنجليزية مثلاً عبر بعثةٍ سياحية، أو لتعلم دورةٍ على الحاسبات الآلية خارج أرض المسلمين، إنما هي دعوةٌ سامة قد لبست بالحلاوة وعليها طلاوة الفجور، فانتبهوا لأبنائكم! من ذا الذي يستقبلهم؟ ومن ذا الذي يتولاهم؟ أتهبط بهم الطائرات في مكة والمدينة؟ أتنزل بهم تلك البعثات إلى المراكز الإسلامية، أم تهبط بهم إلى الفنادق وإلى الشواطئ والأندية وإلى صالات اللهو وساحات الرقص؟ أيها الأحبة! الحذر الحذر من أن تزجوا بأبنائكم في مثل هذه الدعوات الباطلة، فإن كثيراً من المسلمين قد يغتر بها ويظن أنها تنمي قدرة ولده، فيحدوه أو يوافقه على التسجيل فيها، ويغيب ولده عن ناظريه شهراً أو أقل أو أكثر ويعود وقد كره مجتمعه وتكبر على ما في مجتمعه من القيم والآداب الشرعية والإسلامية، ويعود وقد تبرم من هذه المحافظة ومن هذا الستر، وقد جعل في قلبه نية العودة بعد الفرار من سيطرة والده عليه.
إن كثيراً من الناس يشكو كيف تمرد ولده عليه وقد نسي أنه هو الذي فتح له باب التمرد، إن كثيراً من الناس يتألم لما أفلت زمام ولده من يده ونسي أنه هو الذي قدم له الزمام وأفلت له الخطام فجعله يعيش ويلهو أينما شاء وحيثما شاء وكيفما شاء.
стр. 2274
الإجازة مزيد من الفهم والوعي
فيا عباد الله! اعلموا أن الإجازة مزيدٌ من الفهم مزيدٌ من الوعي مزيدٌ من العلم والإدراك لمن قام بما أمر الله وانتهى عما زجر الله، الإجازة نافعة والإجازة فرصةٌ بما فيها من مزيدٍ من الوقت لأن يرفع المسلم كفاءته وينمي قدراته، ويفتح أبواب مواهبه لتنطلق بناءةً نافعة فيما ينفعه وفيما ينفع أسرته وأبناءه.
أما الذين يظنونها وقتاً يحتاج إلى القتل، ومصيبةً تحتاج إلى الإزهاق، فأولئك في الغالب لا يستفيدون من إجازتهم إلا مزيداً من البلاء والمصيبة، الوقت من أعظم النعم والمواهب لمن رزق فيه بعدم الانشغال بالضروريات وقد كفي مئونتها فله حظٌ في أن يسمو على أبناء جنسه، وأفراد مجتمعه بما يستغله من وقته وكان عون الدين بن هبيرة الوزير ﵀ رحمةً واسعة، كثيراً ما يردد قوله:
والوقت أعظم ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع
وكان علامة الشام جمال الدين القاسمي ﵀ إذا مر بأهل اللهو والفراغ والبطالة قال: والله لو تشترى الأوقات لاشتريت أوقاتكم! لما علموه من أن هذه الأوقات ضروف ومجالاتٍ تملأ بالعبادة والأعمال الصالحة.
كيف كان أبناء السلف وكيف كان السلف وكيف كان الصحابة يملئون أوقاتهم، يقول ﷺ : (كل لهو امرئٍ باطل إلا تأديبه ولده، أو تعليمه فرسه، أو ملاعبته زوجه) أو كما قال ﷺ .
فاعلموا أن أي برنامجٍ ينشغل فيه الواحد عما يعود عليه بالنفع العام فيما يقربه إلى الله، أو فيما هو مختص بما ورد في هذا الحديث فليعلم أنه لهوٌ باطل ألا فليغير برنامجه وليغير منهجه وليستفد من وقته ما دام الفراغ ممكنا والاشتغال بعيداً.
أسأل الله جل وعلا أن يحسن لكم الخاتمة، وأن يستعملنا في مرضاته، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم فاستغفروه من كل ذنبٍ؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2275
أهمية المحافظة على الوقت
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ بدعة؛ وكل بدعةٍ ضلالة؛ وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة في الله: قضاء الإجازة أو وقت الفراغ يعود لكل واحدٍ بالنسبة لحاله ومرتبته ومكانته، فأما سائر الشباب فإنا ننصحهم على اختلاف مستوياتهم أن يملئوا أوقاتهم بما يرفع قدراتهم، فمثلاً: تمضي هذه الإجازة بشهرين أو بثلاثة وقد كنت لا تحفظ من القرآن شيئا فلو قررت ألا تنتهي الإجازة إلا وقد حفظت من القرآن حظاً طيباً فهذا قرارٌ رشيد، وحظٌ جزيلٌ لمن قام به وناله، وما الذي يمنع الكثير منا وهو يملك في كل يومٍ وليلة أربعاً وعشرين ساعة، أيعجزه أن يقضي ساعةً في بيتٍ من بيوت الله عند أحد القراء الحافظين؛ لكي يحسن تلاوته ولكي ينمي موهبته ولكي يزيد حظه من كلام الله جل وعلا.
إن من قام ولو بساعةٍ واحدة في كل يومٍ عبر هذه الإجازة لقادرٌ أن يحفظ ثلث القرآن كاملاً بلا شك أو تردد، فما الذي يعيقنا أو يردنا أو يمنعنا إلا أن الأوقات تضيع في السبات العميق، وفي النوم الطويل وفي الذهاب والإياب مع أناسٍ قد لا يعود الذهاب والإياب معهم بحظٍ وافرٍ من الأجر على النفس.
فيا عبد الله: قارن نفسك إن كنت تحترمها، وقارن وقتك إن كنت تقدر قيمته قبل الإجازة وبعدها في بداية الإجازة ونهايتها، إن كنت ممن يحترم نفسه فأنت ممن يحترم وقته، ومن قدر قيمة الوقت وضع القرارات المناسبة لما يملأ به وقته ليجد نفسه أمام آخر يومٍ من أيام الإجازة، هل حقق ما قرر أم لا؟
ولست بمرجعٍ ما فات مني بليت ولا لعل ولا لو اني
أما الذين يسوفون وليتنا ولعلنا ولو أننا إلى آخر ما يرددون به على أنفسهم ويتمنونه، فإن التمني رأس أموال المفاليس، فأولئك يبدءون أعواماً وليست إجازات، وتنتهي سنوات وليست لحظات وهم على مكانهم عرفناهم قبل خمس أو عشر سنين وهاهم اليوم كما عرفناهم لم يزدادوا فقهاً ولا حفظاً ولا علماً ولا دعوة، فمن كان يعرف قدر نفسه وقيمة وقته فليقارن بين بدايته ونهايته ليعلم إن كان حقق نجاحاً ليحمد الله أو ليقيم نفسه في عداد الذين لا يعرفون لأوقاتهم قيمة، إن أصحاب المشاريع ليضعون المخططات ثم يقسمون مراحل العمل على مرحلةٍ أولى، فيقدرون أنهم في الشهر الأول ينهون هذه المسافة من هذا المشروع، وفي الشهر الثاني ينهون هذه المسافة من هذا المشروع وفي الشهر الثالث يكملون مشروعهم كاملاً، فحريٌ بنا ونحن نعنى بأوقاتنا فيما يقربنا إلى طاعة ربنا أن نجعل المخطط أمامنا وأن نبني المشروع بين أعيننا، فمشروعنا كتاب الله، من ذا الذي يعاهد ربه في هذه الإجازة أن يحفظ حظاً من كتاب الله جل وعلا، من ذا الذي يعزم بنفسه على أن ينال حظاً من سنة رسول الله، أين داعية يعزم على نفسه أن يهدي الله على يديه في هذه الإجازة أربعةً أو خمسةً من الشباب، يردهم إلى المساجد بعد أن كانوا لا يصلون، يردهم إلى البر بعد أن كانوا يعقون، يردهم إلى الصلة بعد أن كانوا يقطعون، هذه مشاريع الشباب المسلم في هذه الإجازة، حفظ لكتاب الله، وفقه لسنة رسول الله، ودعوةٌ إلى الله، وهداية للضلاّل إلى صراط الله، وعملٌ بما يقربهم إلى مرضاة الله جل وعلا.
أما الذين تبدأ الإجازة وتنتهي ولم يزدادوا بها إلا كسلاً ونوماً وخمولاً، فأولئك قد دفنوا جزءً عظيماً ووأدوا حظاً وافراً من أعمارهم.
стр. 2276
الواجبات أكثر من الأوقات
أيها الأحبة: من أدرك قيمة الوقت ما عاد لديه فراغٌ يشكو منه، الواجبات أقصر من الأوقات، فلو اعتنى كل واحدٍ منا ببر والديه وصلة رحمه وزيارة إخوانه في الله، والتقلب في أنواع طاعة الله ، والمشاركة بما يجعل له حظاً في الدعوة إلى الله لما وجد وقتاً يشكو من فراغه، بل لتمنى أن اليوم والليلة ثمانية وأربعين ساعة بدلاً من أربعٍ وعشرين ساعة، لما يجد من الواجبات التي تحتاج إلى مزيدٍ من الأوقات لقضائها.
وإننا لنعرف شباباً يحصل لهم في هذه الإجازة فتور وكسل وتهاون، والسبب والله أعلم عائدٌ إلى تفلتهم من مجالسة الأخيار وتساهلهم بمقارنة الأشرار
لما رأت أختها بالأمس قد خربت صار الخراب لها أعدى من الجرب
فمن صاحب الأشرار يوماً يعد في جملتهم وقائمتهم، ومن صاحب الأخيار نال شرف النسبة إليهم.
فيا شباب الإسلام! الله الله لا تنقطعوا عن إخوانكم في الله بل إن الإجازة لفرصةٌ ممكنة في أن توثق الروابط، وأن تتعمق الصِلة بإخوانكم في الله الذين تذكركم بالله رؤيتهم، وتعينكم على الحق مصاحبتهم، وتذكركم مصاحبتهم ما نسيتم من أمر الله.
стр. 2277
الإجازة فرصة لتنمية المواهب
فيا شباب الإسلام! الإجازة فرصةٌ لتنمية المواهب ورفع القدرات والكفاءات، ألا ليت شاباً يأنس من نفسه حب الوعظ والإرشاد، يتجول في المساجد لكي يستأذن الإمام في أن يلقي كلمةً يتدرب بها على الإلقاء وعلى الوعظ والإرشاد، فما تمضي هذه الإجازة إلا وهو في عداد المرشدين النافعين، ألا ليت شاباً يعرف قيمة هذه الإجازة فيقرر أن ينال حظاً وافراً من الدعوة إلى الله: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم) فلو عرفت جاراً لا يصلي وقررت أن يكون هذا الجار هو مشروعك في هذه الإجازة، فبدأت بهديته ومضيت على نصيحته، ولاطفته فيما يقربه إلى الله فنلت محبته ونلت مودته، فهداه الله على يدك، أي نصرٍ وأي نجاحٍ وأي فلاحٍ أعظم من أن تنال عباداتٍ كاملة، يقوم بها رجلٌ سواك وكل عملٍ يفعله فلك مثل أجره: (من دعا إلى هدى فله مثل أجره وأجور من عمل به إلى يوم القيامة).
شباب الإسلام! المراكز الصيفية تفتح أبوابها بما فيها من مختلف الأنشطة الرياضية والاجتماعية والفكرية، فهلم إليها وتوجهوا إليها واستفيدوا مما يدور فيها، وإن البعض ليقول: قد شاركنا فلم نستفد، أقول: نعم، من شارك مشاركةً سلبية فلن يستفيد شيئاً، ومن شارك مشاركةً إيجابية فسيستفيد بإذن الله خيراً عظيماً.
كثيرٌ من الشباب حينما ينتسب إلى مركزٍ صيفي أو مكتبةٍ خيرية أو صحبةٍ صالحة، تراه مطرقاً ساكتاً صامتاً قد يمنعه الخجل والحياء، فليعلم أن العلم والفضل لا يناله مستحٍ ولا مستكبر، إن الحياء الذي يردك عن مزيد العلم لا يعتبر حياء، وإن التكبر الذي يردك أن تتواضع لكي تتعلم لمن أخبث الطباع أيضاً، فشارك في هذه المراكز وبادر إليها وكن عنصراً إيجابياً في كل مجالاتها، وقارن نفسك قبل الالتحاق بها وبعد الخروج منها، ستجد أنك نلت حظاً عظيماً، ولقد عرفنا كثيراً من الخطباء وكثيراً من الدعاة وكثيراً من الذين واصلوا تعليمهم كان الفضل لله، ثم لهذه المركز الصيفية يوم أن التحقوا بها وشاركوا في أنشطتها فعرفتهم قيمة أنفسهم وثمن أوقاتهم بإذن الله جل وعلا.
فالله الله يا شباب الإسلام! لا تضيعن الإجازة سدى واعلموا أن بناتكم -أيضاً- يواجهن قضية الإجازة، ولعل المشكلة تكون أكبر بالنسبة للفتاة، فالواجب على كل شابٍ وعلى كل زوجٍ وعلى كل أخٍ أن يجعل في بيته منتدىً إسلامياً ومركزاً صيفياً ونشاطاً يومياً، يقدم كل يومٍ شريطاً جديداً لزوجته أو لأخته أو لأهل بيته، يقدم كل يومٍ مجلةً إسلامية تحوي أخبار المسلمين ومختلف المواضيع، يقدم كل يومٍ برنامجاً نافعاً لا أن يستمتع هو بإجازته وأخته أو زوجه أو أهله حبيسة البيت، لا تستفيد من إجازتها شيئاً، فالأقربون أولى بالمعروف.
وابدأ بنفسك ثم بمن تعول فهم أحق من يحتاجون إليك في هذه الإجازة، فأعنهم وشاركهم في قضاء أوقاتهم بما ينفعهم.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بشبابنا ضلالة وأراد بنسائنا تبرجاً واختلاطاً وسفوراً، وأراد بعلمائنا مكيدة، اللهم اجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره يا سميع الدعاء.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعهم بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً اللهم أسبغ وافر الرحمة على قبره، وافتح له باباً إلى جنتك يا رب العالمين.
اللهم أبرم لأمتنا أمر رشدٍ، يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.
стр. 2278
قصة من آثار الخدم
إن من المخجل والمخزي ما تهاون به كثير من المسلمين من استقدام الخدم والخادمات من غير حاجة ماسة لذلك، أو مراعاة لمصلحة راجحة أو غير راجحة، وفي هذه المادة يتكلم الشيخ عن جملة من الإرشادات التي ينبغي مراعاتها لمن ابتلي بالخادمات في بيته.
стр. 2279
أمور في استقدام الخادمات
الحمد لله وحده لا شريك له، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله لكم ولمن كان قبلكم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
معاشر المؤمنين: الحديث عن الخدم والخادمات معلوم لدى الجميع شيء كثير عنه؛ لكثرة ما يتعرض له في الإذاعات والندوات والخطب وغيرها، لكن الذي نريد أن ننتبه له في هذه الخطبة، هو أن نعلم جملة من القوانين والإرشادات التي ينبغي مراعاتها لمن ابتلي ببلية الخادمات في بيته، وقبل أن نفصل في ذلك فلا بد أن نذكر أن الكثير منا يعلم أضرار استقدامهن ومساكنتهن ومخالطتهن في البيوت مع الأطفال والشباب وأفراد الأسرة، لكن البعض ابتلي بهن للحاجة الماسة إليهن؛ لظروف مرض أو عجز أو حاجة، كل يختص فيما دعاه إلى استقدامهن.
أيها الإخوة: ينبغي أن نعلم أنه لا ينبغي لأحد أن يجعل خادمة في بيته إلا لحاجة ماسة ومصلحة راجحة، تدعوه للإقدام على ذلك، ومن أجلها يضطر أن يتحمل جزءاً من سلبيات هذا الاستقدام محاولاً تلافي ذلك ما أمكن إليه سبيلاً، لكن المؤسف والمخجل هو ما تهاون فيه كثير من المسلمين في هذا الباب حيث فتحوه على أنفسهم، فأخذ كل يستقدم من غير مراعاة لحاجة ماسة أو غير ماسة، من غير مراعاة لمصلحة راجحة أو غير راجحة، ومن صريح القول -أيها الإخوة- أن نحدد النقاط التي نريدها كما يلي:
стр. 2280
استقدام أكثر من خادمة
الأمر الأول: يستقدم البعض منا أكثر من خادمة في حين أنه لا يحتاج إلا لواحدة فقط أو قد لا يحتاج، لكن المباهاة والمفاخرة جعلت بعض المسلمين يستقدم الخدم من دون حاجة، ويستقدم أكثر مما يحتاج إليه، وهذا الأمر هو الذي فتح باب الفراغ القاتل والبطالة الخطرة على بعض الفتيات، وسينتج هذا أو قد أنتج عدداً كبيراً من الفتيات اللاتي لا يعرفن إعداد أدنى واجبات المنزل، ويبدو هذا واضحاً عندما تتزوج الواحدة منهن فتقع في خلاف ومشاكل زوجية، فهي لم تتعود سلفاً أن تعد الطعام، أو أن تجهز الملابس، أو أن تعتني بالبيت، بل قد كان ذلك من واجبات الخادمة، ومن ثم سيضطر زوجها إلى طلاقها أو البقاء معها في مناخ تسوده الخلافات وسوء العشرة.
следующие страницы →