Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
الرقي خاضع للدين
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراًَ إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى.
واعلموا أن خيرَ الكلام كلامُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد ﷺ ، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
معاشر المؤمنين: تأملوا قول الله جل وعلا في الآية السالف ذكرها: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب:٣٢] لا تخضعن بالقول: لا تتدللن بالقول, لا تتكسرن بالقول، لماذا؟ ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب:٣٢].
يكون الجواب على قدر السؤال، يكون الكلام بقدر الحاجة، من غير انكسار أو تدلل، وإننا -والله- لنستحي أن نطلب -مثلاً- واحداً ممن لنا به حاجة -وأنتم ترون هذا- فإذ بك تجد من يرد عليك، إما فتاة أو امرأة تتكسر في صوتها، أو تتغنج في لحن عبارتها، وما الحاجة إلى هذا؟! وما الداعي إلى ذلك؟! أما طائفة من البشر، فيظنون أن هذا من علامات الرقي، ومن علامات التمدن، ومن علامات الحضارة، أن ترد الفتاة بصوت كله نعومة، وما هذه نعومة، بل هي خشونة المعصية بداية شرها بداية دخول المرض في القلب المريض.
إن مئات من الآذان بل آلافاً لَمَريضة جداً.
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا
يتلذذ بعضهم بهذا الخطاب، فلا يجد بُداً من أن يتفنن في السؤال، ويطرح ألواناً من الأسئلة وأنواعاً من الاستفسارات، لا حاجة له -والله- بها، وإنما هو يريد مزيداً من السماع، مزيداً من الكلام، مزيداً من العرض، وهذا هو أول خيوط المعصية، وأول بداياتها.
يقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء:٣٢].
عباد الله: لم يقل الله: ولا تزنوا، وإنما قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]؛ لأنه لا يمكن أن يقع أحدٌ في الزنا مباشرة، لا يمكن أن يوجد رجل فيرفع ثيابه على امرأة لكي يزني بها من أول وهلة؛ قد يسبق الزنا إما مكالمة، وإما نظرة، وإما اتصال، وإما وقوف وانتظار ونظرات.
خدعوها بقولهم: حسناءُ والغواني يغرهن الثناءُ
حينما يبدأ بعضهم بهذا الاتصال قد يطرح سؤالاً ويجيب عليه بنفسه، ويمدح هذه المسكينة، والمرأة ضعيفة، والفتاة هزيلة، عند ذلك تنكسر وتذوب لمديح هذا الفاجر، ثم بعد ذلك يبدأ ليبني طوب مصيبته، ويبني جدار معصيته على هذه العبارات، وعلى هذه الكلمات، وعلى هذه النظرات.
نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ فكلامٌ فموعدٌ فلقاءُ
عباد الله! من هنا نكشف سر قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]؛ لأن الزنا يكون قرباناً، يكون خطوات، يكون خطوة تليها خطوة، فإذا نجحت الأولى تقدم المجرم إلى الثانية، وإذا استعصت الثانية أطال المكوث فيها طويلاً حتى يذلل صعوبة وجدها أمامه، وينتقل إلى الثالثة، وهَلُمَّ جراً، وكل هذه المعاصي، وكل هذه المصائب مبدؤها من الصغائر التي نتساهل ونتهاون بها، ونعد أن من المرونة في الدين، وأن من المرونة في العلاقات أن لا ندقق في هذه الصغائر، وأن لا نهتم بها، وألا نلقي لها جانباً، لا.
خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أر ضِ الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرةً إن الجبال من الحصى
ويقول الآخر:
كل المصائب مبدؤها من النظرِ ومعظم النار من مستصغر الشررِ
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وترِ!
يسر ناظره ما ضر خاطره لا مرحباً بسرور عاد بالضررِ
ونقول نحن أيضاً:
كم (كلمة) فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وترِ؟!
يسر (مسمعه) ما ضر خاطره لا مرحباً بسرور عاد بالضررِ
стр. 2207
الزنا ديْن لابد من قضائه
أيها الأحبة في الله: ينبغي أن نحذر على أنفسنا، ينبغي أن ننتبه لأنفسنا.
ذكر ابن القيم ﵀ كلاماً جميلاً في شأن من وقع في أول هذه المعاصي، فقال: مثله كمثل من كانت معه فرس عنيدة شمَوس جموح، كان يقودها ويذللها، فبعد ذلك انتهى به الطريق إلى زقاق ضيق، إلى سكة ضيقة، ثم نشبت رأس الفرس في بداية هذا الطريق، ما الحل لتخليص الفرس من هذه المشكلة؟ أمن الحل أن يضربها بالسياط حتى تمضي تتوغل في هذه السكة والزقاق؟! لا.
إنما الحل أن يداريها وأن يرجع بها حتى يتخلص من هذا الطريق، ويسلك بها طريقاً أخرى.
والفرس: هي النفس الإنسانية.
والطريق: هي طريق المعاصي والشهوات.
فمن بدأ أو وقع في ذلك فليسحب فرسه من البداية، وليسلك بها طريقاً أخرى مذللة.
عباد الله: إن كثيراً من الشباب ليتساهلون بهذا الأمر، وما يعلمون أن الأمور بالموازين، وأن المكاييل كما تكيل لغيرك فالناس يكيلون لك، ومن حفظ عينه عن أعراض الناس حفظ الناس أعينهم عن عرضه، ومن حفظ مسمعه عن أعراض الناس حفظ الناس مسامعهم عن عرضه.
يا أيها الشاب، الذي قد يرفع هذه السماعة لكي يعاكس فتاة! يوم أن تمتد يدك لتغازل أو تعاكس فتاة اعلم أن مئات الأيادي بل آلاف في هذه اللحظة وفي هذه الساعة سوف ترفع السماعة وتدير الرقم والقرص على بيتك، وإن أنت وضعتها خوفاً من الله، ليصرفن الله عن أهلك وعنك السوء، وعن كيد الماكرين.
فيا عباد الله: ينبغي لنا أن ننتبه لهذه المعصية، ومن وجدناه واقعاً أو متساهلاً بها، أن نحذره ونخوفه منها؛ لأن الناس لا يرضون ذلك لبناتهم، ولا لإخواتهم، ولا لإمهاتهم، وإن كان بعض المعاكسين-كما علمتُ- ومنهم مَنْ مَنَّ الله عليه بالتوبة -أسأل الله أن تكون لنا ولهم توبة صادقة نصوحاً- يقول: إنه لا يتورع أن ينشئ علاقة بين أخته وأخ الفتاة التي يعاكسها؛ حتى تتوقد العلاقة بينه وبين الفتاة التي يريدها.
إلى هذا الحد ترخص الأعراض، وتهون الكرامات والشيم؛ لكي يضحي الإنسان بهذا كله، من أجل الوصول إلى مكالمة، ووراءها ما وراءها؟!
مَنْ يَزْنِ يُزْنَ به ولو بجداره إن كنت يا هذا لبيباً فاهمِ
إن الزنا دَين فإن أقرضته كان الوفا من أهل بيتك فاعلمِ
جاء شاب إلى النبي ﷺ قال: (يا رسول الله! ائذن لي بالزنا -هل طرده النبي ﷺ ؟ أو سَبَّه؟ أو شتمه؟ لا بآبائنا هو وأمهاتنا، بل دعاه يدنُ منه قليلاً- فقال: يا غلام، أترضاه لأمك؟ قال: لا.
يا رسول الله! قال: فإن الناس لا يرضونه لأمهاتهم، أترضاه لأختك؟ قال: لا.
يا رسول الله! قال: فإن الناس لا يرضونه لأخواتهم، أترضاه لعمتك؟ قال: لا.
يا رسول الله! قال: فإن الناس لا يرضونه لعماتهم) أو كما قال ﷺ .
стр. 2208
نتيجة عدم الالتزام بالأخلاق الإسلامية
أيها الأحبة في الله: علينا أن ننتبه لهذه الظاهرة التي سبق الكلام عنها، ولكن الاستقراء والتأمل ليدل على أنها تفشَّت، وأول مصائبها: الفراغ، وغيبة راعي الأسرة، وكذلك ضعف التربية الإسلامية، التي أوجدت ألواناً من الشر والفساد، ولم تفتح باباً من التعليم والتربية والأخلاق الإسلامية.
واعجباً منا -يا عباد الله- الواحد يوم أن يبني فلة جميلة، بما فيها من الأدوات الصحية والأبواب والنوافذ، يستقدم خادماً أو خادمة ليلمع الزجاج والأبواب والمرايا وغير ذلك، وما يبذل من ماله ما يلمع به أخلاق أولاده، ما يلمع به سَمْتَهم وعلاقاتهم، ما يجعل من وقته ما يكفي لتربيتهم، لا يحرص على أن يوجد من يهتم بهم أو يعتني بهم، بل بعضُهم -والعياذ بالله- يوم أن يرى في بعض أولاده بذرة من الهداية، وبداية في الاستقامة يقول: هذا بدأه الوسواس، هذا دخله الدين، هذا تطوع، هذا تعقد، هذا تشدد.
ينبغي أن يفهم الدين على أصوله، ينبغي أن يفهم الدين الذي فهمنا من آبائنا وأجدادنا وجداتنا، وهَلُمَّ جَرَّاً، وينسب إلى الأجداد والجدات فهماً هم -والله- منه براء؛ لأن أولئك -عفا الله عنهم وجمعنا بهم في مستقر رحمته- عرفوا الدين خوفاً وورعاً، وكفى بخشية الله علماً، ومن كان لله أخوف فهو به أعرف، أولئك الذين ما كنتَ ترى من إحداهن كفاً ولا أصبعاً، ما كنت ترى من إحداهن ثوباً لا قصيراً ولا طويلاً.
أما في هذا الزمان -والله- إنه المستقيم المتعفف لينكسر بصره في الأرض، مما يرى من حرقة أبصار النساء إليه، لقد انكسر الحياء وضاع عند كثير من الفتيات، بسبب ذلك.
ولا تعجبوا -يا عباد الله-! أن ما نزرعه بأيدينا نحصده بأيدينا أيضاً، فانظروا ماذا زرعنا في بيوتنا منذ عشرات السنين وها نحن نجد اليوم غيه.
إن هذه لَمِن المصائب أن يغفل الإنسان عما يدور في بيته.
فانتبهوا لذلك -يا عباد الله- وإن مصائب المعاكسات لَذَاتَ شرٍّ خطير، ووزر مستطير، وآثام منتشرة، ولا يملك من ينكشف له العار من الساعات إلا أن يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٣].
أسأل الله أن لا يرينا الخزي في أنفسنا، ولا في أحبابنا، وأن يستر علينا، وألا يهتك لنا ستراً، وألا يكشف لنا عورة.
يا عباد الله: إنها لمن أعظم المصائب يوم أن تُكشف القضية أمام رجال الهيئة! من هذه؟ إنها فلانة بنت فلان! من هذا؟ إنه فلان بن فلان! فتكون مصيبة لا يمحوها إلا التراب، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ إلا من تداركه الله بتوبة صادقة صالحة، فإن الله -جل وعلا- يقول: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠].
وللحديث في هذا الموضوع بقية.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، واسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب، أن يحفظنا، وأزواجنا، وبناتنا، وأمهاتنا، وأخواتنا، وعماتنا، وخالاتنا، وجميع أقاربنا.
اللهم لا ترينا في أنفسنا فاحشة ولا مكروهاً، اللهم لا ترينا في أنفسنا فاحشة ولا مكروهاً، وتجاوز عنا أجمعين، برحمتك يا رب العالمين! اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً اللهم جازِه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم يا حي يا ودود يا ذا العرش المجيد قرب له من علمت فيه خيراً له ولأمته، اللهم يا حي يا ودود يا ذا العرش المجيد أبعد عنه من علمت فيه شراً له ولأمته، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على ما يرضيك يا رب العالمين! ولا تشمت بنا ولا بهم حاسداً، ولا تفرِّح علينا ولا عليهم عدواً، وسخر اللهم لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، يا رب العالمين، يا أرحم الراحمين! اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم أصلح قلوبهم، اللهم اهد قلوبهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم وحد صفهم، اللهم اجمع شملهم، اللهم سدد رصاصهم، اللهم أقم دولتهم، يا رب العالمين! اللهم عليك باليهود أعدائك أعداء دينك وأنبيائك ورسلك وكتبك، اللهم اهلك زروعهم، وضروعهم، اللهم اجعلهم شذر مذر، واجعلهم غنيمة للمسلمين، يا رب العالمين! اللهم أغثنا وأغث قلوبنا وبلادنا وأرض المسلمين أجمعين.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلِّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
стр. 2209
على شارع الحياة
لقد منَّ الله علينا بنعم كثيرة لا تحصى، ومع ذلك ترى الكثير من شباب المسلمين لاهين غافلين لا يؤدون شكر نعمة من نعمه، ولو أن هؤلاء الشباب سخروا أوقاتهم وأموالهم وأسفارهم للدعوة إلى الله لكان خيراً كثيراً ولكن ألهتهم الشهوات، وسوف يعلمون.
стр. 2210
عظمة الله تعالى
الحمد لله القائل في محكم كتابه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١]، والقائل في محكم كتابه: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ [القيامة:٣٦] أحمده على آلائه، وأشكره على نعمائه، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله: والله إني لأستحي أن أحدثكم وأنا جالس أو قاعد، وإكراماً لوجوهكم وإفادة بكوامن الشعور والإخاء والمودة بيني وبينكم، لا أرضى لكم ولا أرضى لمقامكم من نفسي إلا أن أقف بينكم، وأسأل الله جل وعلا، أن يجعل مقامي ومقامكم هذا في خالص أعمالنا يوم نلقى الله يوم القيامة.
أيها الأحبة: إن مما يطعن قلوب اليهود والنصارى، ومما يُبطل مخططات أعداء الإسلام، ويفسد مؤامرات أهل الكيد والتخطيط والتدبير في شباب الجزيرة مثل هذا الاجتماع، إن اجتماعكم هذا -أيها الشباب- لأعظم طعنة وأعظم بصقة في وجه أولئك الذين أصبحوا يراهنون عليكم، ووالله ثم والله، لقد تحدث الأعداء عنكم وقالوا: كفيتم شأن هؤلاء الشباب، أشغلناهم بالأفلام، وبالمعاكسات، والمجلات، والتفحيط والمخدرات، والشذوذ والعلاقات الشاذة، والأمور الخبيثة إلى غير ذلك من كل جديد يبتكرونه وينتجونه لصدكم عن صراط الله المستقيم.
أما وقد عادت شوارعنا مجالس ذكر، وعادت مساجدنا رياض جنة، وعاد شبابنا دعاة إلى التوحيد وإلى الاستقامة والصلاح، فهذا والله موطن يغيض الكفار، هذا موطن يغيض أعداءكم وأعداء أمتكم، وأعداء بلادكم، وأعداء المسلمين في كل مكان.
يا شباب الإسلام! يا شباب العقيدة! أتظنون أن الله جل وعلا خلق الواحد منكم في أحسن تقويم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤]؟ يا شباب الإسلام! أتظنون أن الله كرمكم، وفضلكم وجعل لكم منزلة فوق سائر المخلوقات: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠]؟ يا شباب الإسلام! أتظنون أن الله أسجد الملائكة لأبيكم آدم: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البقرة:٣٤]؟ الملائكة خلق عظيم شديد، كلهم ما بين راكع وساجد، ومسبح ومكبر ومؤتمر بأمر الله: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] الملائكة يسجدون لأبيكم، أليس هذا دليل تكريم لكم؟ أليس هذا دليل منزلة لكم؟ أليس هذا بيان مرتبة لكم؟ بلى والله، ولكن كثيراً من شبابنا وأبنائنا يدعون إلى مائدة القرآن ليكرموا، فيختارون موائد السفالة والرذيلة.
إن بعض شبابنا يدعون إلى رحمة الله لينجوا فيختارون المعصية والهلكة.
إن كثيراً من شبابنا، يدعون إلى العز والكرامة، فيختارون الذلة والهوان.
إن كثيراً من شبابنا يدعون إلى مرضاة الله، ويدعون إلى حِلقٍ تغشاها السكينة، وتتنزل فيها الرحمة، وتحفها الملائكة، ويذكر الله الجالسين فيها فيمن عنده، فيختارون مجالس لا يفتح فيها إلا صفحات السيئات، ولا يكتب فيها إلا ملائكة السيئات، يجلسون في سيئة، ويأكلون على سيئة، ويشربون على سيئة، ويتحدثون في سيئة، ويقيمون عن خطيئة وربما انتهت بسوء الخاتمة والعياذ بالله.
أيها الشباب! إن واقعنا في هذا اليوم يحتم علينا أياً كان الواحد منا، أستاذاً أو تلميذاً، مدرساً أو معلماً، موظفاً أو بناء، أو أياً كانت وظيفته، أو أياً كان عمله، إن واقعنا وواجب ديننا علينا أن يشعر الواحد منا أنه مربوب لله معبود لله، تذكر أنك عبد لله قبل كل شيء، وتذكر أنك مخلوق صغير جداً بالنسبة لخلق الله جل وعلا.
فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
كيف يجرؤ ابن آدم على معصية الله وهو خلق صغير جداً جداً أمام عظمة الله جل وعلا، ما تظنون في هذه المدينة العظيمة؟ فسيحة جداً، وما تظنون في المدن الأخرى؟ أكبر منها، ما تظنون في دول العالم؟ كبيرة جداً جداً، ما ظنكم بعرش الله جل وعلا؟ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
استوى ربنا على عرشه، استواءً يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه، وعرش الله أكبر من هذه الأرضين جمعياً، بل أكبر من السماوات جميعاً، إذا كان هذا عرش الله، فما بالكم بربكم؟ ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣].
أيها الشباب! قبل أن ندخل في تفاصيل الحديث، اعرفوا من أنتم؟ واعرفوا من هو ربكم؟ أمَّا نحن فخلق ضعيف ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٢٨] أما نحن فخلق عجول: ﴿وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولاً﴾ [الإسراء:١١].
أما نحن فخلق هلوع جزوع منوع: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ [المعارج:١٩ - ٢١].
أما نحن فخلق ضعيف، إذا أصابنا ألم انكسرنا ونقول: يا الله، يا الله، يا الله، فإذا عوفينا وعادت العافية إلى أبداننا، ودبت الدماء في عروقنا، بدأنا نقول: دعنا من كلام الله، دعنا من كلام رسول الله، آخر أغنية ما هي؟ آخر مسرحية ما هي؟ آخر شريط ما هو؟ يوم أن كنا في بلاء المرض والألم، كان الواحد يصيح: يا الله، ولما سرت الحياة في عروقه، وانتفض الدم في جوفه، أصبح يلتفت يمنة ويسرة فيسمع الأذان ولا يجيب، ويرى جلسة اللهو والطرب فيستجيب، يسمع نداء (حي على الصلاة، حي على الفلاح) فلا يهب ولا يتحرك، ويسمع جلسةً فيها عزف أو وتر أو طرب فيتحرك، ولا أقول: إن من حضر جلسة طرب قد انقطع الأمل فيه، لا والله فيه من الإيمان خير، فيه من الإسلام بقية، ولكن كيف غلبه الشيطان! أيها الأحبة: يقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢].
وأنا أعطيكم أكبر دليل على هذا، أنتم ترون شاباً ربما أتى إلى الإسعاف في ليلة من الليالي على أثر مرض، أو صداع أو شيء يؤلمه، ثم بعد ذلك يؤتى به في حالة إسعافية، وماذا بعد ذلك؟ يؤتى إليه بالعربية، أو بالسرير الذي أعد للإسعاف، فيوضع على هذا السرير، وهو يقول: آه، آه، آه، يصيح من المرض، يتألم، والممرضات في طريقه ولا يلتفت إليهن، والزائرات في طريقه ولا يراهن، والحسناوات مقبلات مدبرات ولا ينظر إليهن، فإذا دخل المستشفى ووضع المغذي في عروقه، واعتني بصحته، ودبت إليه العافية، إذا جاءت الممرضة تعطيه علاجاً أخذ ينظر إليها بطرفٍ خفي، نعم لما دخل المستشفى في تلك الليلة، وهو يصيح: آه آه من المرض والألم لم يكن يلتفت لحسناء ولا ممرضة ولا مقبلة ولا مدبرة، ولكن لما دبت العافية في عروقه، وسال الدم دفاقاً قوياً في شرايينه، أصبح لا يرى مقبلة إلا أحرقها ببصره، ولا يرى مدبرة إلا نفذها ببصره، ولا يسمع شيئاً إلا أرهف الحس لنغمه وطربه، ألست أنت وأنا ذلك المسكين؟! ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ [يونس:١٢] لما كان في الإسعاف ﴿أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢].
стр. 2211
الحث على الدعوة إلى دين الله
أيها الشباب: إن المرجو فيكم والمرجو منكم، والمؤمل فيكم، فوق ما أنتم عليه، وإن العالم الإسلامي، والكرة الأرضية أبصارها تتجه إليكم.
يا شباب الجزيرة! إن العالم الإسلامي ودول العالم تعلم يقيناً: إن كان هناك إسلام فالإسلام في بلادكم، وإن كان هناك بلاد اسمها بلادكم فهي بلاد الإسلام، فإذا جاء الوافدون، أو سافر أبناؤنا إلى الخارج، ورأينا من أبنائنا أول ما يسأل أين ( Night Club) أين النادي الليلي، أين المرقص؟ أين مكان كذا وكذا؟ أين السينما؟ أين هذه الملهاة؟ أين مكان الأهازيج؟ إذا علم أولئك أن هؤلاء هم أبناء هذه البلاد، قالوا: أي أمل نعقده فيكم؟! أي أمل نعقده في بلادكم؟! خذوا مني وإن كنت أود لا أتكلم بهذا قبل أوانه، كنا في زيارة لـ كمبوديا، وكمبوديا دولة كانت شيوعية، قتل فيها من المسلمين سبعمائة ألف مسلم، ذبحوا ذبح النعاج.
والله لقد رأينا مكاناً كبيراً من جماجم المسلمين، تصوروا -نسأل الله ألا يقدر عليكم شراً أو مكروهاً- لو أن سيفاً جاء وقطع هذه الرقاب جميعاً، وجمع الجماجم ماذا تتصور أن تجد؟ جبلاً من الجماجم، والله لقد رأينا جماجم المسلمين، صنع منها خريطة على الطبيعة، خريطة كبيرة على حائط طويل عريض يقال: هذه خريطة هذه البلاد وهي من جماجم المسلمين، أي: أن الأمر لم يستمر ولم يستقر إلا على رقاب المسلمين.
أيها الشباب! أيها الإخوة! أهذه جماجم إخواننا، وتلك جلسات لهونا وطربنا؟! أهذه جماجم أمهاتنا وبناتنا وفلذات أكبادنا وأطفالنا وأولادنا؟ أهذه جماجمهم وتلك محلات لهونا وطربنا؟! لا والله يا شباب الإسلام.
العالم ينتظر منكم أن تقدموا شيئاً، كم عدد الشباب الذين سافروا إلى مانلا؟ كم عدد الشباب الذين سافروا إلى بانكوك؟ كم عدد الشباب الذين سافروا إلى كازا بلانكا؟ كم عدد الشباب الذين سافروا إلى جاكرتا؟ كم عدد الشباب الذين سافروا إلى بلاد العهر والدعارة والفساد، أو سافروا إلى بلاد وكان قصدهم الدعارة والعهر والفساد؟! كم أنفق الواحد في تذكرته ذهاباً وإياباً؟! كم أنفق في الفندق والهوتيل ذهاباً وجلوساً وإقامته؟! كم أنفق على طعامه وشرابه؟ في كمبوديا رأينا واحداً من كبار المسلمين، يسكن في بيته عدد من أيتام المسلمين ويعمل من الصباح إلى الظهر ومن قبل العصر إلى العشاء وراتبه ستة عشر دولاراً.
يا شباب! ستة عشر دولاراً اضرب ستة عشر في ثلاثة فاصل خمسة وسبعين، تقريباً ستين ريالاً، أي: هذه الآلاف التي صرفها بعض أحبابنا وبعض شبابنا -نسأل الله أن يمن عليهم بالهداية- كان بوسعها أن تحمي المسلمين، وأن تجعل لهم دوراً بدلاً من الفيضانات التي تجتاحهم، تلك الآلاف التي ينفقها بعض الشباب في اللهو والدعارة والطرب وغير ذلك، كان بإمكانك أن تشتري بها قارباً صغيراً لخمس أسر من المسلمين يعيشون على النهر ويصطادون من السمك ويأكلون من رزق الله.
حياة الفقراء، حياة المساكين، واقع المسلمين هناك شيء، وواقع شبابنا شيء آخر، تايلاند، بانكوك، كم بينها وبين بنوم بنه عاصمة كمبوديا؟ ما بينهما إلا ساعتين فقط، وربما تجد في بعض البلدان مسلماً لا يزال متمسكاً بالإسلام، لكنه لا يعرف أحداً يعلمه الإسلام، يقول: أنا مسلم، يدعى إلى الكنيسة فيأبى أن يدخل، ويدعى إلى معبد البوذيين فيأبى أن يدخل، ويدعى إلى المسجد فيأتي، وربما يتمنى أن يقام في بلده مسجد، وربما لا يزال يحافظ على هويته الإسلامية، ولا يعرف من الإسلام إلا أنه لا يأكل لحم الخنزير، ويريد من يعلمه الوضوء، ويريد من يعلمه الصلاة، ومن يعلمه الفاتحة، وإذا علموا أن مسلماً جاء إلى بلادهم تدافعوا إليه زرافاتٍ ووحدانا، وجلسوا حوله كالنحل حول الملكة، جلسوا حوله كالسوار على المعصم، والمشكلة أنه يأتي بجوارك لا يعرف لغتك وأنت لا تعرف لغته، أتدرون من الذي استطاع أن يترجم لنا؟ مسلم هناك، كيف نجا من القتل؟ لما بدأ حاكم تلك البلاد بحملات المذابح في المسلمين، قام ذلك المسلم الذي يجيد اللغة العربية وأزال كوفيته وأزال كثيراً من ملابسه، وجعل الطين على رأسه وجسمه، والروائح الخبيثة على بدنه وأخذ يمشي ويركض ويصرخ في الشوارع، يدعي أنه مجنون، لعله أن يسلم من القتل، وفعلاً سلم ذلك المسلم ووجدنا مسلماً يترجم لنا، ويترجم حديثنا مع هؤلاء.
فيا أحبابنا الشباب! الذين سافروا إلى الفلبين، والذين سافروا إلى تايلاند، هل كانوا لا يعرفون الوضوء؟ بلى والله يعرفون الوضوء، هل كانوا لا يعرفون الصلاة؟ بلى يعرفون الصلاة، هل كانوا لا يعرفون القرآن؟ بلى يعرفون القرآن، فشبابنا لو تقدموا ساعتين وبدلاً من الجلوس في أحضان العاهرات والفاجرات، امتدوا خطوات لكي يعلموا القرآن الكريم، ولكي يعلموا الفاتحة والوضوء والصلاة، لكي يعلموا أركان الإسلام، لكي يعلموا توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، لكانوا على ذلك من القادرين.
والله إن الشاب الذي أمضى جزءاً من حياته في فسادٍ وانحرافٍ ودعارةٍ يستطيع أن يكون داعية على الأقل إلى تعليم الوضوء والصلاة والفاتحة، وأجره أعظم من أجورنا هنا جميعاً.
يا إخوان! العالم ينتظر منكم شيئاً عظيماً في أولان باتور عاصمة منغوليا خمسة عشر ألف مسلم لا يوجد فيهم من يحسن الفاتحة، ومسلمون يدعون إلى الشيوعية فيرفضون، ويدعون إلى النصرانية فيرفضون، ويدعون إلى البوذية فيرفضون من أنتم؟ مسلمون، ينتظرون مسلماً يأتي إليهم، فما بالكم إذا وطئت قدم شاب مسلم أرضاً قريباً من أرضهم، فقيل: هذا مسلم فلحقوه يتبعونه، فإذا تبعوه وجدوه آخر الطريق يسهر في مرقص، فإذا تبعوه وجدوه آخر الطريق في مكان دعارة، فإذا تبعوه، وجدوه في آخر المسار في ملهاة ومعصية وأمر لا يرضي الله جل وعلا.
أيها الشباب! إن أمة الإسلام تنتظر منكم شيئاً عظيماً، وإن ما نراه من شبابنا اليوم من إقبالٍ على الله جل وعلا وصحوة عمت صغيرهم وكبيرهم، وعمت ذكرهم وأنثاهم وفتاهم وفتاتهم، هذه لابد أن يكون لها ثمرة، وثمرتها فيكم وفي جهودكم.
إن من أهم واجباتنا ومن أهم أمورنا -يا شبابنا- أن ننظف مجتمعنا من الرذيلة، وأن ننظف مجتمعنا من الانحراف، ليس غريباً أن تسافر إلى دولة كافرة أو إلى دولة علمانية، أو إلى دولة شرقية أو غربية، فترى الخمور تباع علناً، وترى الدعارة مقننة، وترى الأرصفة مليئة بالفجرة والفسقة الذين يسهرون على الشراب والمنكرات، لكن في بلادنا الطبيعي والمؤمل والمنتظر كما نرى في المساجد رياض الجنة وحلق الذكر أن نرى على الطرقات من يكونون عوناً فيها، وإرشاداً للمارين (أما وإن جلستم فأعطوا الطريق حقه، قيل: وما حقه يا رسول الله؟ قال: كف الأذى، ورد السلام، وغض البصر) فهل الجالسون في طرقاتنا اليوم يقومون بحقوق الطريق؟ هل هم ينكرون المنكر ويأمرون بالمعروف؟ هل يعرفون أن أوقاتهم محسوبة عليهم؟ هذا منتظر منكم -أيها الشباب- وإني يوم أن أكرمني الله جل وعلا بحضور هذا المقام هذه الليلة، أطلب منكم طلباً واحداً، إذا حضرت فأريدك أن تأتي بشاب منحرف معك، لا أريدك أن تأتي بشاب قد منّ الله عليه بالمحافظة على صلاة الفجر مع الجماعة وسائر الصلوات، وشاب لا يسمع الملاهي ولا يشغل وقته بها، أو شاب أشغل وقته بالقراءة وطلب العلم، هذا قد سلك الطريق، وعرف الجادة، وظهرت عنده الحجة، واستقام على المحجة، ولكن أيها الشباب! أريد من كل واحد منكم أن يبحث في حيه عن أفجر وأفسق شاب في الحي، وأكثر شباب الحي انحرافاً، فيأتي به، ولو كان في جيبه الدخان، ولو كان في جيبه الصور، وإن كان أشعث أغبر متطاير الشعر، فأت به هنا إلى رياض الجنة، وإلى غسيل القلوب، وإلى طريق الحياة، فهنا البداية، اُدع والدعوة بإذن الله إذا ظهرت منكم بإخلاص واتجهت إلى إخوانكم بشفقة ورحمة وسمعتم ووافق السماع قلباً مستعداً بإذن الله جل وعلا سوف ترى المنحرف بالأمس إماماً اليوم، وسترى الضال بالأمس هادياً مهدياً في الغد، هذا هو الذي نرجوه، وهذا الذي نأمله يا شبابنا، لئن كانت هذه الجالسة في هذا الشارع، فإنا بحاجة إلى جلسات في شوارع عديدة.
شباب يقولون: أين أنتم؟ ما وجدنا من يحدثنا، ما وجدنا من يسلم علينا، ما وجدنا من يُهدينا شريطاً، ما وجدنا من يعطينا كلمة، ما وجدنا من يصبر على رائحة الدخان فينا قليلاً، ما وجدنا من يجلس معنا ولو تجهم وجوهنا، وأنكر ما يرى من ملامحنا، فليسمعنا، إن قلوب هؤلاء الشباب ليست غلفاً بمعنى لا يمكن أن تقبل الحق أبداً، ولكن يوم أن يأتي من يلينها بلطيف الموعظة، ودقيق الحكمة، ولذيذ الأسلوب، بإذن الله جل وعلا سيجد فيها خيراً كثيراً.
стр. 2212
لو أسلم حمار آل الخطاب ما أسلم عمر
كانت أرغب أن أحضر معي هذه الليلة فناناً من الفنانين، ومطرباً من المطربين، في مدينة من مدن المملكة، يقول لي وزارني في البيت، ورسالته عندي، ومع زيارته لي يقول: كنت أول من فتح محل الفيديو في مدينتي، وكنت أسهر في هذا المحل من فلم مصارعة النساء إلى رقصات النساء، ومن فلم المطاردات إلى فلم الجنس، ومن فلم الخلاعة إلى فلم الشذوذ، وهكذا كانت حياتي، وزيادة على ذلك يقول: كنت مطرباً، أعزف العود عزفاً أنافس فيه أحسن المطربين، وكنت شاعراً أقول الشعر بنوعيه فصيحه ونبطيه، وما كنت أحب أحداً من أهل الخير، وإذا رأيت متديناً تجهمته، وإذا رأيت ملتحياً كرهته، وإذا رأيت مستقيماً أعرضت عنه، فأحدث في نفسي أمراً عجيباً جعل الناس يضجرون مني، حتى جاءني ذات ليلة شابان أول ما رأيتهما، يقول: تمنيت لو رأيت الشيطان وما رأيتهما، وهم من أهل الخير! لكن ليس عجيباً إذا استحكمت المعاصي وأصبحت القلوب غلف إلى درجة مغلقة: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥].
قال: جاءني شابان سيماهم في وجوههم من أثر الطاعة، وإكرام لحاهم، وحسن سمتهم، وهدي سلوكهم، قال: فلما جاءا إليّ قلت لهما: ماذا تريدان مني؟ عندي فيديو، عندي عود، عندي شعر، وأقول شعراً نبطياً خليعاً، يقول: والله كنت أتغزل والعياذ بالله إلى درجة الإفساد والتشبيب، وأحكي قصصاً مفصلة، كما لو كنت فعلتها وهي لم تفعل.
قال: فلما جلسا إليّ، قالا لي: السلام عليكم، قلت: وعليكم السلام، ماذا تريدان؟ قالا: يا أخي! نريد أن نسمع منك قصيدة، ما عندك قصيدة؟ قال: بلى عندي قصيدة، قالا: نسمع بالشارع؟! نريد أن ندخل عندك ونسمع قصيدة، نسمع قصيدة على الرصيف؟! لا يصلح، قال: فدخلا عندي، وكان عندي شقة مخصصة فقط للفساد والمعاصي -والله يا شباب- قال: فلما دخلا عندي وأردت أن أعرض ما عندي عليهما عرضا عليّ بضاعة كسرت مغاليق قلبي: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١].
قالا: اسمع منا، اسمع منا؟ فأسمعاه كلاماً ثم خرجا من عنده، قال: فبت تلك الليلة وأنا على أمر عجيب، ضيقة في صدري، وقلق في نفسي، وتناقض في كواملي، حالةٌ لا أستطيع أن أصفها من نفسي.
قال: فتذكرت شيئاً من كلامهما، وقلت: ماذا لو ذهبت إلى المسجد؟ قال: فذهبت وتوضأت -قال: والله قد كان يمر عليّ أربعة أيام وأنا جنب، لا يغتسل والعياذ بالله- قال: فتوضأت وذهبت إلى المسجد، فلما دخلت كأن شيئاً دخل في جوفي، أرى منه إشراقاً ونوراً، وكان والدي هو إمام المسجد، فلما دخلت قبل أبي إلى المسجد في صلاة الفجر، إذا بأبي يفاجأ عندما رآني في المسجد، فما كان من والدي إلا أن رفع يديه، وقال: اللهم اهده.
الأمل في الله عظيم -أيها الشباب- لا نيئس من هداية إخواننا، الأرصفة مليئة، ولكن الشباب الذين على الأرصفة فيهم خير كثير بإذن الله جل وعلا، ومتى يتفجر هذا الخير هدىً ودعوة وصلاحاً واستقامةً وأمراً بخير ونهياً عن شر؟ يوم أن يكون لكم هذا النشاط، إذا أتيت إلى هذا المكان، ائت بواحد منحرف أو اثنين فقط، نريد من كل واحد أن يأتي بواحد معه، حتى تسمعه كلام الله، وتقيم عليه الحجة، وتبين له المحجة.
يقول: فلما بدأت أصلي كنت كالذي يتذكر شيئاً فقده من زمان وهو أني لم أكن أصلي، قال: فلما هويت ساجداً إذ بأمرٍ ينتابني، قال: فسال دمعي وأنا أصيح وأقول: يا الله! يا الله! يا الله! اهدني وافتح على قلبي، اشرح صدري، يا خالقي! يا رب! قال: أخذت أناجي الله جل وعلا بكل ما تيسر على ذاكرتي من اسم أو صفة لله جل وعلا، قال: فلما رفعت من السجدة الأولى، إذ كأن صدري هذا قد شق وأدخلت الدنيا فيه من ساعتي.
قال: فلما عدت إلى السجدة الثانية وفيها من البكاء والنحيب والتضرع والانكسار ومناجاة الله جل وعلا.
يأيها الشباب! يقول ربنا جل وعلا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢] وهل هناك ضرورة أعظم من ضرورة الضال إلى الهداية؟ وأعظم من حاجة الضال إلى الهداية، هل هناك ضرورة أعظم من حاجة المنحرف إلى الاستقامة؟ وهل هناك ضرورة أعظم من حاجة الذي لا يصلي في المسجد من صلاته إليها؟ هل هناك ضرورة أعظم من حاجة الذي امتلأ رأسه وقلبه وجوفه ودماغه بالغناء ومزمار الشيطان أعظم من حاجته إلى كلام الرحمن؟ ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢].
حاجتك إلى دينك أعظم من حاجتك إلى الطعام والشراب، حاجتك إلى معرفة ربك أعظم من حاجتك إلى الطعام والشراب، أخي! قلت لك في بداية الكلمة، إن الله كرمك، وأسجد الملائكة لأبيك، وفضلك على كثيرٍ ممن خلق، ولكن متى؟ يوم أن تهتدي بهداية الله، وإلا إن ضللت عن نهج الله وطريق الله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦] يوم أن يضل عن طاعة الله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] يقول صاحبنا: فما كان مني بعد أن فرغت من تلك الركعتين إلا وقررت أن أترك المعصية إلى غير رجعة، فتخلصت من محلي ومن أشرطتي ومن شقتي، ومن أعوادي ومزاميري وما عندي، وأصبحت مؤذناً للمسجد خلف أبي، فلما كبر سن والدي أصبحت مؤذناً وإماماً.
стр. 2213
فضل الدعوة إلى الله وتعليم الدين
يا إخواني! الواجب والمسئولية والدور يقع عليكم أنتم، كم يوجد في سجون المخدرات من الشباب؟ لو أن كل واحدٍ مع صديقه، عقدا العزم على أن يسخرا ويسلطا جهودهما لعلاقة بذلك الشاب المنحرف في زيارته وذهاب معه، وإياب به، وهديته ودعوته ومخالطته وقطع الطريق بينه وبين الأشرار الذين يزينون له المعاصي، والله لأنتجتم للمجتمع خيراً كثيراً.
يا شباب الإسلام! هذا هو الدور المنتظر، لو أن كل اثنين أو ثلاثة منكم عقدوا العزم على أن يحدثوا في هذا المجتمع خيراً لأحدثوه، بلادنا فسيحة والناس بحاجة إلى من يعلمهم جزءاً من القرآن الكريم، وعشرة من الأحاديث، وجملة من الأحكام، وشيئاً من أصول العقائد، وأنتم تتقنون هذا، كما قلت: الذين ذهبوا إلى بانكوك ومانلا، هل هم لا يعرفون الصلاة؟ بل ربما الواحد منهم صلى سنين طويلة، ولا يزال يصلي، فهذا الذي سافر وهو يعرف الوضوء والصلاة ويعرف الفاتحة ويعرف شيئاً من القرآن، لو مد الخطوة ساعتين وترك طاعة الشيطان إلى الدعوة إلى دين الله جل وعلا، وعلم عشرين أو ثلاثين مسلماً الوضوء والفاتحة، والتوحيد، لعاد يوم القيامة بأجر آلاف المسلمين.
إن الواحد منكم، يمكن أن يبقى واحداً، ويمكن أن يصبح مائة، أنت أيها الشاب! بإمكانك أن تكون واحداً، ولدت واحداً، وتعيش واحداً، وتموت واحداً، وبإمكانك أن تكون مائة، وبإمكانك أن تكون ألفاً، وبإمكانك أن تكون عشرات الآلاف، كيف تبقى واحداً؟ إذا كان جهدك حول نفسك.
طعامك وشرابك ونومك وسيارتك وحاجتك ملهياتك، لا يكون عندك شيء من اهتماماتك الرخيصة، وبإمكانك أن تكون مائة يوم أن يكون وقتك في الدعوة إلى الله، قدوة لتطبيق ذلك على نفسك، واستقامة على مرضاة الله، ودعوة الآخرين والصبر على الأذى فيه، والصبر على ما ينالك في هذا:
والناس ألف منهم كواحد وواحد كالألف إن أمر عنى
يا شبابنا! هذه الأرض فيها من رميم البشر قبلنا شيء كثير، خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد، الأرض التي تسيرون عليها قبلكم أمم سارت عليها ودفنوا الآن تحتكم، أنتم تمشون على رميم أمم قبلكم في هذه الدنيا، وستمشي أقوام على رميمكم، ولكن أين ستكون أرواحكم؟ في أعلى عليين أو في أسفل سافلين: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة:٨٩] أو تكون في زقوم وحميم ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يا شباب الإسلام: إياكم أن يأتي الشيطان لأحدكم، فيقول: أنت لا تستطيع أن تكون صالحاً ولا مصلحاً، إياكم أن يأتي الشيطان إليكم، فيقول: أنت أيها التافه أيها الحقير يا صاحب الرصيف! يا صاحب التفحيط! يا صاحب الدخان والشيشة! يا صاحب المطرب! يا صاحب التمثيلية! والفلم! يا صاحب كذا، إنما أنت هينٌ حقيرٌ تافه، ويبدأ يحقر من شأنك فتنقاد للشيطان، وإذا أردت أن ترفع نفسك، ضربك الشيطان ضربة على أم رأسك، وقال: اجلس يا ذليل يا حقير يا تافه.
حينما تذل للشيطان فإن الشيطان لن يدعك، لن يدعك الشيطان تشم نسمة من نسمات العزة، ولكن إن أردت الحق، فأنت عزيز بعزة الله، قوي بقوة الله، غني بفضل الله، عليم بما علمك الله، كريم بما أكرمك الله به، تستطيع أن ترفع من نفسك.
وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام
إخوانكم الشباب في أفغانستان، شابٌ بالأمس كان من أهل التفحيط والفساد، أصبح قائداً على جبل كرجل، شابٌ كان بالأمس في المنطقة الشرقية لا هم له، ولا هم لجهاز الأمن إلا مطاردته من كثرة جرائمه ومعاصيه، فلما فتح الله عليه، يسمي بالله ويمسك الشيوعي ويذبحه بالسكين على رقبته، الله أكبر! أي إيمان جعل من هذا الحقير التافه الذليل صاحب المعاصي والمنكرات والفواحش والسيئات، رفعه إلى درجة أصبح يضع رجله على رقبة الشيوعي ويسل السكين ويذبحه، وهو يقول: إيماناً بالله وتصديقاً بسنة رسول الله في الجهاد: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٤].
قال: والله لما ذبحتهم بيدي وجدت شفاء روحي، ووجدت راحةً في صدري؛ لأنهم قتلوا عدداً من إخواني المجاهدين، فما وجدت شفاء الصدر إلا في هذه الآية، لكن أين كان بالأمس؟ كان منحرفاً، وكان يعاكس ويغازل، وكان له صديقات، وله أمور عجيبة جداً، فلما أكرمه الله بالتوبة، والتوبة تجب ما قبلها، والله يفرح به (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم أضل ناقته في فلاة وعليها طعامه وشرابه، فلما تيقن هلكته، توسد يده موقناً بهلاكه، فلما أفاق وجد راحلته عنده، فقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح).
إذا كان هذا فرح ربنا جل وعلا، فمن واجبنا أن نفرح بتوبة إخواننا، وأن ندعوهم إلى التوبة، وأن نفرح بتوبتهم، وأن نقدم لهم وقتنا، وهديتنا، ودعاءنا بظهر الغيب، ونصحنا، ولكن أين الذين يعملون؟ أين الذين يدعون إلى الله جل وعلا؟ أين الذين يحرصون على الدعوة؟ إن دعوة الشاب الضال والمنحرف والذي وقع في كثيرٍ من الأمور لا تحتاج إلى شهادة الليسانس أو بكالوريوس أو ماجستير أو شهادة من الشهادات العلمية العصرية، تحتاج دعوة هؤلاء أولاً: إلى إخلاص، وإلى نية صادقة ورغبة كما هداك الله أن يهديهم الله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٩٤].
أن يمنّ الله عليه بما منّ الله عليك، توبة صادقة، ومن ذاق لذة الدعوة إلى الله بعد توبة نصوح صادقة، والله لا يكل ولا يمل أبداً و (ما مع الحب إن أخلصت من سأم).
يوم أن تكون محباً لهذه الدعوة مخلصاً إياها لوجه الله جل وعلا، فلن ترَ سأماً ولا مللاً.
يا إخواننا! يا من جمعتم وتجمعتم في هذا المكان الطيب المبارك! أسألكم بالله: هل فيكم من قال: أنا لها؟ هل فيكم من قال: سمعنا وأطعنا؟ هل فيكم من قال: استفدنا مما سمعنا؟ هل فيكم من قال: عرفت فالزم؟ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ [النساء:٦٦] لو فعلتم ما تسمعون وطبقتم ما به تنصحون، لكان خيراً لكم وأشد تثبيتاً: ﴿لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً * وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٦ - ٧٠].
هذه أفضال الله، وهذه نعم الله، وهذه بركات الله تتدفق عليكم تترى، ولكن من المؤسف -كما قلت- أن تعرض علينا العزة فنختار الذلة، وتعرض الكرامة فنختار الهوان، ويعرض الغنى فنختار الفقر، ويعرض الخير فنختار الشر، وتعرض الهداية فنختار الضلالة، وتعرض الاستقامة فنختار الانحراف، معاذ الله أن نكون كذلك.
أسأل الله جل وعلا بأسمائه وصفاته، أسأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، أسأله بكل اسم هو له، سمى به نفسه، أو أنزله في كتابه، أو علمه أحداً من خلقه، أو استأثر به في علم الغيب عنده، أن يمنحكم نفحةً من بركاته، وأن يمنحكم بركةً من فيض رحمته، وأن يمنحكم خيراً وتوبة، وإيماناً ودعوة، وإخلاصاً وصدقاً، وثباتاً واستقامة حتى نلقى الله بذلك وإياي والسامعين وإياكم أجمعين.
أيها الأحبة: قد زانت هذه الليلة، والليالي تزينها الأقمار، وتعطر هذا اللقاء وازدان هذا المجلس بحضور والدنا وحبيبنا وشيخنا نسأل الله أن يجعله مباركاً أينما كان، نسأل الله جل وعلا أن يجعل كل خطوة من خطواته في موازين أعماله، نسأل الله أن ينفعنا بعلمه، وألا يحرمنا بركته، وأن يريه ما تقر به عينه فيكم وفي أبنائكم وفي ذريته وأبناء ذريته من الهداية والاستقامة والعلم والعمل والدعوة، ذلكم هو سماحة الشيخ/ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين قد زين هذا اللقاء متواضعاً بمجيئه، أسأل الله أن يرفع درجاته في عليين.
اللهم ارفع درجاته في عليين، واجعلنا بركبه سائرين على نهج سيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2214
عندما يكون لحياتنا معنى
حينما تكون القلوب حية، يكون للحياة معناها المنشود؛ ومن نظر إلى الحياة على أنها متع وملذات، فقدت حياته معناها.
وهنا بيان لمظاهر الحياة الحقيقية، ومميزات أصحابها، وأهمية الإعداد للحياة الأخرى، وقد خصصت هذه المادة حيزاً للكلام عن صلاح المرأة، وأثر ذلك، ومعاني حياتها.
стр. 2215
نعمة الاجتماع في مجالس الذكر
الحمد لله؛ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله! أسأل الله جل وعلا أن يكتب خطاكم إلى هذه الروضة العبقة من رياض الجنة في موازين أعمالكم، كما أسأله أن يحط عنكم بكل خطوة خطيئة، وأن يرفع لكم بكل خطوة درجة، كما أسأله سبحانه أن يحشرنا وإياكم كما اجتمعنا بكم في هذا المكان الطيب، نسأله أن يحشرنا وإياكم في زمرة نبيه ﷺ مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
أيها الأحبة! إنه لجمع نباهي به بفضل الله جل وعلا، وإنه لاجتماع يبعث في النفوس الإشراق ويبعث في القلوب الأمل ويستمطر الرحمات بالدعاء من الله جل وعلا أن يسدد هذه الصحوة وأن يجعل مسيرها إلى خير، وأن يجعل عاقبتها إلى رشد وفلاح في الدنيا والآخرة، وأن يعصمها عن مواقع الزلل والفتن ما ظهر منها وما بطن.
أيها الأحبة! إن جمعاً كهذا كان قبل اثنتي عشرة سنة نادراً في أكبر المدن، والله لقد كنا في المحاضرات قبل اثنتي عشرة سنة أو قبل ذلك أيضاً، يندر أن تجد اجتماعاً كهذا في مدينة من كبريات المدن، أما ونحن بفضل الله جل وعلا في منطقة من المناطق أو في ضاحية من الضواحي ونرى هذا الجمع الطيب المبارك برجاله ونسائه، بشبانه وشيبه، بذكوره وإناثه، بصغاره وكباره، فهذه نعمة نسأل الله جل وعلا أن يديمها علينا، اللهم لك الحمد كلما قلنا: لك الحمد، اللهم لك الشكر كلما قلنا: لك الشكر، اللهم لك الثناء الحسن كلما قلنا: لك الثناء الحسن.
إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الآماد واتصل الدهر
إذا عم بالسراء أعقب مثلها وإن مس بالضراء أعقبها الأجر
فذلك فضل من الله عظيم جدا.
стр. 2216
حياة القلوب هي الحياة الحقيقية
أيها الأحبة! موضوع هذا الحديث معكم اليوم (حينما يكون للحياة معنى).
أيها الأحبة! الحياة الحقيقية ليست هي الحياة التي يراها الناس في ظاهر تصرفات بني جنسهم من الذهاب والإياب واليقظة والنوم والحل والترحال والسفر والنزول والوصول، وإنما الحياة الحقيقية هي حياة القلوب، قال جل وعلا: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] إن الحياة الحقيقية هي حياة القلوب، إن الحياة الصادقة هي توجه الأفئدة إلى بارئها إلى الذي خلقها وأنشأها من العدم، إلى الذي قسم أرزاقها وقسم آجالها، إلى الذي يطعمها ويسقيها ويكفيها ويؤويها، إن الحياة الحقيقية أن يتوجه الإنسان بقلبه وقالبه، بظاهره وباطنه، بشكله ومضمونه بجوهره وعرضه، أن يتوجه بهذا كله إلى الله جل وعلا.
стр. 2217
البداية الحقيقية للحياة
أيها الأحبة في الله! الحياة الحقيقية أن يدرك الإنسان بدايته الحقيقية، وأن يدرك الإنسان البداية، وأن يدرك الدوام بعد البداية، أما بداية الحياة التي تبدأ بالولادة وتنتهي بالموت منتقلة بذلك إلى برزخ يكون فيه الواحد من العصاة والمعذبين والأشرار الذين لم يكونوا في عداد عباد الله الصالحين في الدنيا، فأولئك ليست حياتهم بحياة.
стр. 2218
المعنى المطلوب للحياة
أيها الأحبة! عندما يكون للحياة معنى فإن هذا يعني أموراً عديدة: أولها: أن يشعر الإنسان أن حياته ليست لذاته فحسب، يعني هذا أن حياتك ليست لجوفك، وليست لفرجك، وليست لجيبك، وليست لرصيدك، وليست لمالك، وليست لأنانيتك، وليست لأثرتك، وإنما الحياة الحقيقية أن تعيش دائراً مع الحق حيث دار، الحياة الحقيقية ألا تكون حياتك قمة الأنانية في خدمة البدن.
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته أذهبت عمرك فيما فيه خسرانُ
أقبل على الروح فاستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
الحياة الحقيقية عندما يكون لها معنى أن يشعر الإنسان بأن بدايته قديمة، وأن نهايته لا تخط أثراً للترحال إلا في رضوان الله جل وعلا، يوم أن تكون من المكلفين فإنك تشعر ببدايتك بداية الحق الذي بعث الله به نبيه ﷺ ، فليست بدايتك أيها المسلم حينما يكون لحياتك معنى، ليست بدايتك هي ولادتك وإنما بدايتك هي بداية الحق الذي بعث به الرسول ﷺ وبشر به الأمة وأنذر به الأباعد والأقارب وكان رسولاً به إلى الثقلين كافة الجن الإنس بشيراً ونذيرا، بدايتك تبدأ مع هذا الحق وتشعر أن نبيك هو قائدك الأول، وأن صحابة نبيك هم المثل وهم القناديل، وهم النجوم الزاهرة الذين تتلألأ كواكبهم في سماء الحق وفي طريق الهداية، وفي جادة الدعوة التي تمضي بها إلى مرضاة الله مروراً بالصحابة والتابعين والسلف الصالحين وعلماء الإسلام وقادة الأمة المسلمين أجمعين، البداية ليست بداية الميلاد حينما يكون للحياة معنى وإنما هي بداية الحق، والنهاية ليست بخروج الروح من البدن، وإنما خروج الروح من البدن هو أول خطوة تضعها في باب نوال الجزاء والثواب وجميل المغفرة والستر والفوز والفلاح برب العالمين، أيها المسلم حينما يكون لحياتك معنى فإن حياتك لا تنتهي بموتك، وإنما تبدأ رحلة جديدة أوسع آفاقاً وأبعد مدى وأعمق أصولا وأشمل في جميع الجوانب؛ لأن نهاية المؤمن من الحياة هي بداية النعيم إلى مرضاة الله جل وعلا، وكما يقول واحد من دعاتنا وعلمائنا: أيها المسلم أنت موعود بمستقبل مشرق يبدأ بموتك.
стр. 2219
الحياة التي لا معنى لها
هذا حينما يكون للحياة معنى، أما الذين لا معنى لحياتهم فأولئك الذين يرون الحياة في لذة الجوف، ومتعة الفرج، ونظرة العين، وحلاوة الطعم، وما يشربون ويأكلون ويلبسون، وتلك وأيم الله فانية، تلك وأيم الله حياة قصيرة، تلك وأيم الله حياة لا معنى لها؛ لأنها يشاركنا فيها الدواب والبهائم والطيور وسائر بهيمة الأنعام.
حياة الذين لا معنى لحياتهم ماذا يجدون فيها؟ مهما بلغ الواحد من الثراء والنعم والأموال فإنه لا يلبس إلا ثوباً واحداً، ولا يرى إلا بعينين اثنتين، ولا يجد إلا أنفاً واحداً في بدن محدود القوة قصير الصحة مهدد بالسقم والآلام تصبحه أو تمسيه، حياة الذين يرون الحياة التي لا معنى لها، الذين يرون الحياة مطعما حياتهم في الحقيقة أيها الإخوة نغص ونكد وآلام.
من ذا الذي قد نال راحة عمره فيما مضى من عسره أو يسره
يلقى الغني لحفظه ما قد حوى أضعاف ما يلقى الفقير لفقره
فأبو العيال أبو الهموم وحسرة الرجل العقيم كمينة في صدره
أو ما ترى الملك العظيم بجنده رهن الهموم على جلالة قدره
ولقد حسدت الطير في أوكارها فرأيت منها ما يصاد بوكره
ولرب طالب راحة في نومه جاءته أحلام فهام بأمره
والوحش يأتي موته في بره والحوت يأتي حتفه في بحره
كيف التخلص يا أخي مما ترى صبراً على حلو القضاء ومره
الحياة التي تتعلق بالمتع أو بالملك أو بالوزارة أو بالإمارة أو بالجاه أو بالثراء أو بالسلطان هي حياة والله قصيرة، ولذلك عبر عنها إمام أهل السنة صاحب تاج الوقار في المنافحة عن منهج أهل السنة والوقوف عقبة كئوداً أمام البدعة أحمد بن حنبل ﵀، لما ابتلي بالقول بخلق القرآن وأوذي أذىً شديداً وعذب عذاباً بليغا، جلد بالسياط فتمزق قميصه، وبقي أثر السياط على جلده، دخل عليه ولده عبد الله بن الإمام أحمد، جاء ليسأل أباه: أين الحياة؟ أي حياة هذه؟ إمام السنة يعذب، إمام السنة في السجن، إمام السنة يعلق برجليه، إمام السنة يسجن في الجب والبئر، إمام السنة في ضيق والمبتدعة في سعة، إمام السنة في ضنك ونكد وأهل البدع على مفارش الحرير والنمارق والسندس، إمام السنة يبتلى صباح مساء وأولئك يتقلبون كيفما يشتهون، قال عبد الله بن الإمام أحمد: يا أبتي متى الراحة؟ أين الحياة؟ أين طعم الحياة؟ أين لذة الحياة؟ فقال الإمام أحمد: يا بني الراحة عند أول قدم نضعها في الجنة.
فحي على تلك المنازل.
فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم
стр. 2220
بعض مظاهر الحياة الحقيقية
أيها الأحبة في الله! الحياة حينما يكون لها معنى ألا يكون همك كم تجمع من المال؟ ألا يكون همك ما تلبس من الثياب؟ ألا يكون همك أي مرتبة رقيت عليها؟ ألا يكون همك كم رصدت في رصيدك في البنك؟ ألا يكون همك كم جمعت من الدور والضياع والقصور؟ وإنما الحياة الحقيقية أن يكون همك أن تكون من عباد الله المتقين، أن تكون من المقبولين، ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] أن يكون همك أن تكون مع الثلة الذين هم على منابر من نور، أن تكون رفيقاً للأنبياء جليساً للشهداء، قريباً من الصالحين، داخلاً هذه الجنة أول الداخلين، هذه هي الحياة الحقيقية، أيضاً عندما يكون للحياة معنى فإن الفكر يختلف والبصر يختلف والسماع يختلف والخطى تختلف والبطش والأخذ والمد والرد يختلف، حينما لا يكون للحياة معنى سترى أقواماً الجميل في أعينهم ما كان جميلاً في دائرة العقل الضيق، وأما حينما يكون للحياة معنى فالجميل ما كان مرضياً لله جل وعلا، والقبيح ما كان مسخطاً لله جل وعلا، حتى ولو تزخرف الباطل، حتى ولو تزين بألوان الملابس والمراكب والمراتب، والجميل والعالي الطيب النفيس ما كان نفيساً عند الله جل وعلا.
حينما يكون لحياتك معنى فبصرك بنور الله جل وعلا، وسماعك لما يرضي الله لكلام الله وحديث رسول الله ﷺ ، وخطواتك في الدعوة إلى الله والسير في سبيل الله والسعي في مرضاة الله جل وعلا.
حينما يكون لحياتك معنى فإن نَفَسَك تسبيح، ونومك عبادة، وأكلك عبادة، وشربك عبادة، وبذلك عبادة، وأخذك عبادة، وقبضك عبادة، هذا حينما يكون للحياة معنى أن تجد النية لصيقة لا تفارقك بأي حال من الأحوال، فإذا خرجت من بيتك سألت القدم: إلى أين؟ وسألت القلب: من المقصود بهذا؟ فتقول القدم: إلى روضة من رياض الجنة، ويقول القلب: لكي نكون مع الذين غشيتهم الملائكة، وحفتهم السكينة، ونزلت عليهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده، ففي القلب إخلاص لله جل وعلا، وفي القدم سير صحيح على صراط الله المستقيم.
стр. 2221
الصبر من مظاهر الحياة الحقة
حينما يكون للحياة معنى فإن نَفَس المسلم في هذه الدنيا طويل، حتى وإن وجد شيئاً من الآلام، حتى وإن رأى شيئاً من الأذى، أو قوبل بشيء من السخرية، أو لقي شيئاً من الاستهزاء، لأن هذا كله لا يعدل شيئاً أمام نفحة من نفحات الرحمة، ولحظة من لحظات القبول إذا قال الله: يا عبدي سعيك لأجلي وذهابك لأجلي وبصرك لأجلي ومجيئك وكلامك وصمتك وفكرك وذكرك ونطقك وحركاتك وسكناتك لأجلي، حينئذٍ يهون كل شيء حينما يكون للحياة معنى.
انظر إلى اثنين في المستشفى أحدهما إذا انقلب قال: يا الله، وإذا أحس بالألم استعان بالله، وإذا وجد مرارة السقم احتسب هذا عند الله جل وعلا؛ لأنه يعلم أن نبيه قد بلغه عنه: (ما من هم ولا غم ولا نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كَفَّر الله بها من خطاياه) هذا لحياته معنى وإن كان على سرير المرض، وآخر على سرير المرض إذا انقلب انقلب بالويل، وإذا تجافى تجافى بالثبور، وإذا تحرك تحرك بالسخط، وإذا قام قام بالاعتراض على قدر الله جل وعلا، فشتان بين هذا وهذا، حياة سقيم رضا وحياة سقيم سخط، حياة سقيم عبادة وحياة سقيم تعجيل للعقوبة في الدنيا، وإن لم يتداركه الله برحمته ففي عقوبة الآخرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
حينما يكون للحياة معنى ترى الواحد منا يحدد البداية والغاية والنهاية والوسيلة، البداية بهذا الحق، والغاية مرضاة الله جل وعلا، والوسيلة إلى هذا الدعوة إلى دين الله جل وعلا، سواء في الوظيفة أو في المسجد أو في السيارة أو في المنتدى أو في المعسكر أو في المركز أو في النادي أو في السوق أو في المستشفى أو في الذهاب أو في الإياب، هذه عبادة، الدعوة إلى الله غاية لنيل رضوان الله جل وعلا.
стр. 2222
الفرق بين الحياتين
أيها الأحبة! شتان بين من هذه حياته وبين من حياته إنما هي لفرجه وجوفه ومشربه ومأكله، اسألوا الذين لا يعرفون للحياة معنى إلا في شهواتهم هل يشربون شراباً يبقى في أجوافهم لا يتحدق؟ وما الظن لو أن أحدهم شرب شربةً احتبست، وما الظن لو أن أحدهم أكل أكلةً احتبست، وما الظن لو أن أحدهم أُغلقت عليه سبل بدنه فلم يستطع أن يُخرج أو يُدخل شيئاً، أليست هذه حياةٌ قصيرة؟! بلى والله، حياة تافهة، فمن أراد أن يجعل الحياة بالجسوم والرسوم فهي حياة تافهة، سواء افتخر صاحب الحياة فيها بملكه فإن فرعون كان ملكاً ومع ذلك فهو من أهل النار، وإن افتخر فيها بوزارته فإن هامان كان وزيراً ومع ذلك فهو من أهل النار، ومن افتخر بحياته بماله فإن قارون كان من الأثرياء ومع ذلك عد من أهل النار، من افتخر بنسبه فإن أبا لهب من جرثومة قريش ومن عظمتها ومن وسطها وسوائها ومع ذلك قال الله فيه: ﴿سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣] إذاً الحياة إنما هي بالقلوب، إنما هي بالأرواح، إنما هي بالتعلق بالله جل وعلا، فـ أبو لهب النسيب الرفيع من أهل قريش يقول الله فيه: ﴿سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣]، ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:١ - ٣] هذا أبو لهب من جرثومة قريش، وأما بلال بن رباح العبد الحبشي، كان مملوكاً اشتراه أبو بكر ﵁ فأعتقه، يقول النبي ﷺ فيه: (يا بلال أخبرني أي عمل ترجوه فإني سمعت دفي نعليك في الجنة) وهو بلال العبد الحبشي الأسود، فإن كانت معاني الحياة بالنسب فأهل لذلك أبو لهب، وإن كانت معاني الحياة بالملك فأهل لذلك الطواغيت من الذين سادوا وشادوا وملكوا، ولكنهم كانوا في كفر بالله وعصيان لأمر الله جل وعلا، لو كانت الحياة بالوزارات لكان هامان من أقرب أهل الأرض منازل، ولو كانت بالأموال لكان قارون والذين جمعوها على نحو ما جمع ملحدين منكرين نعم الله، واقفين بما أوتوا من هذه النعم في صراط الله يصدون عن صراط الله المستقيم لكانوا أسبق بذلك، لكن هذه ليست هي الحياة، إنما الحياة في قلب يتعلق بالله جل وعلا.
قيل لـ بلال بن رباح: كيف كنت تصبر على حر الرمضاء يا بلال؟! كيف تصبر والحجر يوضع على ظهرك ويوضع على بطنك وتسحب في الرمضاء، والحجارة تنكب جسدك، كيف كنت تصبر؟ قال: [والله أما إني كنت أجد ألماً عظيماً، ولكني مزجت حرارة الألم بلذة الرضا في ما أرجوه من عند الله فغلب ذلك ما أجد من آلامها] إنه قلب، (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
стр. 2223
التميز عن الأنعام من مظاهر الحياة الحقة
الحياة الحقيقية ليست حياة الجسوم والرسوم، لقد ذكر الله حال الكافرين وما فتح لهم وما زخرف بين أيديهم وما سخر بينهم، ومع ذلك قال الله جل وعلا في شأنهم: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤].
وذكر الله جل وعلا شأن المعرضين وإن كانوا أحياء على وجه الأرض شأن المعرضين عن ذكر الله وهدي رسول الله ﷺ فقال جل وعلا: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦] تلك حياة الذين لا يستجيبون لله ورسوله، ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ﴾ [الأحقاف:١٧] فيكون جوابه العناد والاستكبار ويقول لهما: ﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف:١٧] ليست الحياة أن يرمق الطرف، أو أن تمشي الخطى، أو أن يخفق القلب، أو أن يضخ الدم، أو أن تتحرك الجوارح، هذا عرض من أعراض الحياة، لكن الحياة الحقيقية هي حياة القلوب، كما مر أحد السلف برجل من الذين ابتلوا بالأمراض والأسقام فقيل له: يا فلان كيف تجد حالك؟ قال: أحمد الله الذي آتاني لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وبدناً على البلاء صابراً.
هذه حياة القلوب ليست حياة الجوارح التي لا تنقاد ولا تستجيب لأمر الله جل وعلا.
стр. 2224
حرية القلب من مظاهر الحياة الحقة
أيها الأحبة في الله! إذا عرفنا ذلك جيداً فليسأل كل واحد منا نفسه: أين أنت من الحياة الحقيقية؟ هل تشق طريقاً إلى حياة أبدية طويلة؟ هل تشق حياة إلى دار ينادي الله عباده إليها: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] هل تشق طريقك الآن إلى حياة ترجو أن تلقى الله جل وعلا بعد فراغك من الدنيا لتحط عصا الترحال في بداية نعيم: (لا أذن سمعت به، ولا عين بصرت به، ولا خطر على قلب بشر)؟ هل نحن نشق طريقنا إلى هذه الحياة الأبدية؟! أيها الأحبة! أيضاً حينما يكون للحياة معنى فإن القلب يكون حراً حتى وإن غلت الأيدي إلى الأعناق وإن القلب يكون حراً وإن كُبلت الأقدام بالسلاسل، وإن القلب يكون حراً وإن هدد البدن بالموت، وإن القلب يكون حراً حتى وإن هدد الإنسان بقطع رزقه أو أجله، لماذا؟ لأن الحياة بالقلب والقلوب بيد الله جل وعلا.
تالله ما الدعوات تهدم بالأذى أبداً وفي التاريخ بر يميني
والدعوة هي الحياة الحقيقية.
ضع في يدي القيد ألهب أضلعي بالسوط ضع عنقي على السكينِ
لن تستطيع حصار فكري ساعةً أو نزع إيماني ونور يقيني
فالنور في قلبي وقلبي في يدي ربي وربي حافظي ومعيني
الحياة الحقيقية أن يكون القلب حراً حتى وإن كان الجسد محبوساً، أن يكون القلب غنياً حتى وإن قطعت موارد المال، أن يكون القلب عزيزاً بالله حتى وإن مس بألوان الأذى والبلى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ماذا يصنع أعدائي بي؟ أنا سجني خلوة، وطردي من بلدي سياحة، وقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟!
стр. 2225
الإيمان بحقيقة الرزق والأجل
هذه حياة لها معنى أيها الأحبة، أما الحياة التي يرتاح صاحبها، وحينما ينقص ماله بتهديد بشر أو بخسارة مال يرتعد وينقلب هلوعاً جزوعاً، الحياة التي يتردد صاحبها يخشى أن يقول كلمة حق أو يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر خوفاً على رزقه وأجله.
الحياة الحقيقية حينما يكون لها معنى فإنها ترتبط بالبداية كما في حديث ابن مسعود: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: (إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يؤمر الملك فينفخ فيه الروح، ثم يؤمر الملك بكتب أربع كلمات: برزقه وأجله).
الحياة الحقيقية أن تعرف أن الرزق مقسوم وأنت جنين صغير تتحرك في رحم أمك، الحياة الحقيقية أن تعرف أن الأجل محدود، والنفس معدود، وأنت جنين مضغة مخلقة في رحم أمك، هذه هي الحياة الحقيقية ليست حياة الجبناء.
ترددت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أعقابنا تقطر الدما
стр. 2226
الارتباط بالله من مظاهر الحياة الحقة
الحياة الحقيقية أن ترتبط النفس بالله جل وعلا، الحياة الحقيقية كما عبر عنها عبد الله بن حذافة السهمي لما بعثه عمر بن الخطاب رسولاً إلى الأكاسرة فماذا فُعل به؟ لما بعث رسولاً إلى الروم ماذا فُعل به؟ عرضوا عليه أن يتنصر فأبى فدعاه ملك الروم، وقال: أعطيك نصف ملكي وتدع دين محمد قال: لا، قال: أعطيك ملكي كله وتدع دين محمد، قال: لا، قال: فإنا نزوجك أجمل بناتنا، قال: لا، فعرض عليه المال, والجاه، والجمال، والشهرة، والمنصب، والمرتبة، فلما استنفدت وسائل الترغيب أغراضها وانتهت صلاحيتها بدأ التلويح بوسائل الترهيب والتخويف، فجاءوا برجل وقد أوقدوا ناراً عظيمة ونصبوا عليها قدراً يغلي بالماء والزيت فقذفوا واحداً من المسلمين لما ثبت على دينه ولم يرتد فأصبح لحمه يتطاير في هذا القدر وهو يراه، فلما رأى ذلك عبد الله بن حذافة السهمي بكى، فأُخبر القيصر بذلك فرد عليه: فقال: بلغني أنك لما رأيت صاحبك ألقي به في القدر، أخذت تبكي فما الأمر؟ أتعود عن دين محمد ونعطيك ما وعدناك به؟ انظروا إلى الذين يعرفون معنى الحياة، انظروا إلى الذين يعرفون حقيقية الحياة، ماذا قالوا؟ قال عبد الله بن حذافة: بكيت لأنه ليس لي إلا نفس واحدة وكم تمنيت أن لي مائة نفس تموت هذه الميتة في سبيل الله.
هذا حينما يكون للحياة معنى، كما قال ﷺ في موقفه وفي حديثه ﷺ : (وددت أن أغزو في سبيل الله فأُقتل) ما قال فانتصر أو فأغنم أو فتفتح لي قال: (وددت أن أغزو في سبيل الله فأُقتل) القتل هو بداية الحياة، (ثم أغزو ثم أُقتل ثم أغزو ثم أُقتل) ثلاث مرات يرددها ﷺ ، هذه هي الحياة الحقيقية حينما ترتبط النفوس بالله جل وعلا، ولكن أيها الأحبة من الذي يعرف قيمة الحياة؟ هل يعرف معنى الحياة من استهلك نور البصر والبصيرة بالأفلام والمسلسلات على ألوان الشاشات؟ هل يعرف قيمة الحياة من لا يجد للسماع مذاقاً إلا في الأغاني والملاهي والطرب والزمر والدندنة؟ هل يعرف للحياة معنى من لا يجد السعي إلا إلى مجالسة البطالين والعاطلين الذين تفنى أيامهم وتنقضي ساعاتهم وتشهد عليهم ملائكة الليل والنهار بغفلتهم وإعراضهم وإدبارهم وتشهد الأرض عليهم بما يقترفون ويشهد الناس عليهم بصدهم عن سبيل الله جل وعلا؟ أهذا هو معنى الحياة؟! لا والله، الحياة الحقيقية إما أن تكون في علم وتعليم، أو في بذل ومال ترضي به وجه الله، تسلطه على هلكته في الحق، أو تكون في جهاد في سبيل الله، أو تكون في عدل وقسط بين الناس، أو تكون في ركوع وسجود وما أطيبها إذا اجتمعت جميعاً.
стр. 2227
أثر الحياة الحقة في أهمية الإنسان
قال إبراهيم بن أدهم ﵀ وهو يبين قيمة الحياة لأهل الحياة الحقيقية:
إذا ما مات ذو علم وتقوى فقد ثلمت من الإسلام ثلمة
وموت الحاكم العدل المولى بحكم الأرض منقصة ونقمة
وموت الفارس الضرغام هدمٌ فكم شهدت له بالنصر عزمة
وموت فتىً كثير الجود محلٌ فإن بقاءه خصب ونعمة
وموت العابد القوام ليلاً ينادي ربه في كل ظلمة
أولئك الذين كانت حياتهم معنى، كانت حياتهم وجودا، وكان غيبتهم فقدانا، أولئك الذين كانت حياتهم عطاء وإيجابية، وكان ذهابهم سلبية وحرمانا:
فحسبك خمسة يبكى عليهم وباقي الناس تخفيف ورحمة
وباقي الخلق همج رعاءٌ وفي إيجادهم لله حكمة
الحياة الحقيقية أيها الأحبة أن تجد لذة العبودية وأعلى مراتب العزة بتمريغ الجبهة والأنف بين يدي الله جل وعلا، أن تشعر بالتحليق في طباق السماوات وأنت تمرغ الجبهة والأنف والجبين بين يدي الله جل وعلا.
كذلك أيها الأحبة في الله حينما يكون للحياة معنى فإن الإنسان تجده بركة أينما حل وأينما كان، كما قال عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم:٣١].
أيها الأحبة! حينما يكون للحياة معنى فإن لوجودك أثراً ولغيبتك أثراً، وحينما يكون للحياة معنى فإن لحركاتك وسكناتك وذهابك وإيابك أثراً، كما قال الله جل وعلا على لسان عيسى بن مريم: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم:٣١] إخواني! من هو المبارك فينا أينما كان؟ أين المبارك في وظيفته؟ أين بركتك على زملائك في الوظيفة؟ أين بركتك على بيتك المبارك بأسرته؟ أين المبارك في مسجده؟ أين المبارك بين جيرانه؟ أين المبارك بين أصدقائه؟ أين المبارك بين زملائه؟ أين المبارك بين زملائه في الدراسة في الجامعة في الوظيفة في كل مكان حل وارتحل؟ ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم:٣١] إن الذي تجد فيه بركة أينما حل هو الذي لحياته معنى، وأما الذي يعيش ولا أثر لحياته فذلك كما يقول القائل:
وأنت امرؤ فينا خلقت لغيرنا حياتك لا نفع وموت فاجع
غاية ما يوجد بعده أن تفجع مصيبته أمه وأباه أو أهله وذويه، بموته، ويُنسى.
стр. 2228
الحياة الحقة لا تنتهي بالموت
أيها الإخوة حينما يكون للحياة معنى سنظل أحياء ولو كنا في المقابر، فـ سيد قطب ﵀ هل هو الآن من الأحياء أم من الأموات؟ هو والله من الأحياء، كتبه مؤلفاته وفيها خير كثير، ولا تسلم من شيء والبشر لا يسلمون لكنه من الأحياء حتى وإن كانت نهايته أن يشنق على خشبة صفراء أو حمراء، قبله شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أليس من الأموات؟! ولكنه حي مع الأحياء، كتاب التوحيد تعجبون أيها الإخوة أن بكين عاصمة الصين الكبرى فقد كنت في زيارة من مدة قريبة كنت ذاهباً إلى الصين في بكين وجدت مدرسة يدرس فيها رجلٌ عجوز من أهل الصين، ماذا يدرس؟ يدرس الأصول الثلاثة وكشف الشبهات، رحمك الله وأسكنك فسيح جناته وجمعنا بك في الجنة، متى توفي الشيخ الإمام المجدد العلامة محمد بن عبد الوهاب؟ ١٢٠٦هـ ونحن الآن ١٤١٢هـ والأصول الثلاثة وكشف الشبهات تدرس في الصين ليست دولة لا دينية أو دولة علمانية أو دولة نصرانية، دولة أهل كتاب، وإنما دولة ترى أن الدين أفيون الشعوب، دولة الإلحاد: لا إله والحياة مادة، إن الرجل في قبره وحياته فوق ظهر الأرض بل في أقاصي البلاد، ليس في هذه الجزيرة وحدها وإنما في أبعد نواحي الدنيا، هذه هي الحياة الحقيقية.
وميت ضجت الدنيا عليه وآخر لا تحس له نعيا
الناس ألف منهم كواحد وواحد كألف إن أمر علا
وكما في الحديث الصحيح عن ابن عمر: (الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة) نعم ما أكثر الخلق الذين نراهم، ما أكثر الذين يملئون الطرقات والشوارع والمساجد والمدارس والجامعات والمؤسسات والشركات والدوائر لكن لا تكاد تجد في كل ألف إلا واحدا، كما قال ابن قيم الجوزية ﵀ في نونيته الكافية الشافية:
يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحد لا اثنان
يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلان
يا سلعة الرحمن سوقك كاسد بين الأراذل سفلة الحيوان
يا سلعة الرحمن سوقك كاسد فلقد عرضت بأيسر الأثمان
أيها الإخوة! حينما يكون للحياة معنى، سنظل أحياء حتى وإن كنا في قبورنا، إنا لنرجو الله جل وعلا إن يصل أجرنا ونحن في اللحود والقبور، لعلها ببركة من بركات القبول التي يمن الله بها علينا لشريط من الأشرطة، محاضرة من المحاضرات، كلمة من الكلمات، كتيب من الكتب، رسالة من الرسائل، جولة غدوة وروحة في سبيل الله لدعوة ضال أو توجيه منحرف أو مناقشة صاحب شبهة، يرجو الإنسان أن يبقى حياً وإن كان ميتاً، هذه هي الحياة الحقيقية، يبقى لك الذكر بعد موتك، يبقى الثناء وتذهب الأموال ويبقى الثناء والحمد بخير، ولكل عصر دولة ورجال:
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني
فاحفظ لنفسك بعد موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثاني
شيخ الإسلام ابن تيمية أليس حياً من الأحياء؟ بلى والله، فقد توفي في أوائل القرن الثامن ٧٢٠هـ، وابن قدامة، وابن عبد البر، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن حجر، علماء الإسلام، كل أولئك ما زالوا أحياء وإن كانوا الآن في قبورهم، أياً كانت نهايتهم ماتوا بالقتل، أو ماتوا حتف أنوفهم، أو ماتوا على فرشهم، لكنا رأينا حياتهم، ورأينا ما كتب لهم من القبول، حفيد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وهو سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب قال له الأتراك في ذلك الزمن: أنت تكفرنا، قال: نكفر كل من يعبد القبور، ويتوسل بها، ويرجو منها جلب المنافع ودفع الكربات وتحقيق الغايات، قالوا: ما ترجع عن قولك هذا؟ قال: لا، فأتي به وهو العالم النحرير العلامة الذي ألف من أشهر كتبه تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، يقول في مقدمة هذا الكتاب: وإني لأعرف رجال الحديث أكثر من معرفتي بأهل الدرعية.
وهذا من علمه وتحقيقه، هذا الرجل لما فتن في هذا الباب، في باب التوحيد ثبت ولزم عقيدة الأنبياء والمرسلين، ماذا فعل به؟ عزفت الموسيقا بين يديه تبكيتاً له، ثم ربط في فوهة المنجنيق وأطلقت قذائفه فتطايرت أشلاؤه ﵀، هل مات سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب؟ لا، ما مات، فلا زال تيسير العزيز الحميد من أشهر شروحات كتاب التوحيد التي يتداولها طلبة العلم شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً في هذه البلاد وفي غيرها، إذاً حينما يكون للحياة معنى سنظل أحياء ولو متنا، سنظل أحياء وإن كنا في القبور، سنظل أحياء وإن كنا في اللحود.
стр. 2229
مراحل الحياة بعد الموتة الأولى
ولا يخفاكم أيها الإخوة لو كانت الحياة في مقياس الذين يقولون: نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، أو مقياس المعاند المكابر الذي قال الله فيه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] وهذه الآية نزلت قيل في الوليد بن عقبة، وقيل في العاص بن وائل، وقيل في عبد الله بن أبي، وأئمة التفسير لا تفوتهم الفطنة قالوا: نزولها في ابن أبي مستحيل لأن الآية مكية وابن أبي إنما ظهر في المدينة، فهي نزلت في أحد هذين جاء بعظم قد رمّ يفته بين يدي الرسول ﷺ ويقول: يا محمد تزعم أن الله يبعثنا بعد أن نموت ونكون عظاماً رميماً كهذا؟ فقال له النبي ﷺ : نعم، يميتك الله، ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى جهنم.
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
أيها الأحبة! لا تظنوا أن من دفن انتهت حياته، انتهت المرحلة الأولى من الحياة، وانتقل إلى المرحلة الثانية ألا وهي حياة البرزخ؛ فإما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، إما أن يقول: ربّ أقم الساعة، ربّ أقم الساعة، لما يرى من نعيم في حياة البرزخ، وإما أن يقول: رب لا تقم الساعة، رب لا تقم الساعة، مما يرى من بدايات العذاب في دار البرزخ، والمرحلة الثالثة الحياة الأبدية حياة الجنة أو حياة النار، حياة في نعيم أو حياة في جحيم، حياة السعداء أو حياة الأشقياء، ينبغي أن نعرف أن معنى الحياة أن تمتد به آفاقنا وتفكيرنا وسعينا وحركاتنا وجهودنا لكي نبلغ تلك المنازل، حينئذ كما قال الإمام أحمد: حينما نضع أول خطوة أو أول قدم في الجنة، نكون قد بلغنا الحياة الحقيقية.
وهذه مراحل قبل الحياة، أو مراحل أولية ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [لقمان:٣٣] الحياة الدنيا من غرته فليست لحياته معنى، ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣] إنما الحياة الحقيقية هي الدار الآخرة والحيوان الكامل ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤].
стр. 2230
نسبة حياة الدنيا إلى حياة الآخرة
الحياة الحقيقية ليست هي هذه الحياة التي نحن فيها؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨] إنما هذه الحياة الدنيا بما فيها من نعم وما فيها من مظاهر وما فيها من مراتب وأموال وزوجات وضياع وقصور وغير ذلك كلها وليست في بلادكم وحدها، بل في الكرة الأرضية وما حول هذه الكرة وما خلق الله في هذه الحياة الدنيا، يقول الرسول ﷺ لبيان هذا كله: (إنما مثل الحياة الدنيا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم -في البحر- ثم يلجئه أو يخرجه فلينظر هل يخرج من ذلك بشيء أو هل ينقص من ذلك بشيء) يعني: إنما هذه الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة كمقدار ما يعلق بإصبعك من الماء حينما تدخله في البحر ثم تخرجه، أما الآخرة فهي المحيط فهي البحر المتلاطم بأمواجه الذي لا يحصيه إلا الذي خلق، هذه أيها الإخوة هي الحياة القصيرة، حياة كلها كدر، قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤].
طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار
الحياة، اسأل نفسك يا من تظن أنك الآن في الحياة الحقيقية، أخي الكريم هل عافيتك لا يكدرها المرض؟ هل حياتك لا يهدمها الموت؟ هل اجتماعك لا ينغصه الفراق؟ هل ملذاتك لا تكدرها المخاوف؟
يا نائم الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
والليالي من الزمان حبالى مثقلات يلدن كل عجيب
ما حل بغيرك يحل بك، أقل ما فيه السقم والموت، من الذي رأيته سالماً لا ينصب ولا يمرض ولا يتعب؟ ومن رأيت مخلدا؟
ولو كانت الأعمار تبقى لواحد رأيت رسول الله حياً مخلدا
إذاً فليست هذه بحياة، أين أبوك؟ أين جدك؟ أين أمك؟ أين ذهبوا؟ اسألوا الملوك أين ذهبوا؟ هل نزل في القبور معهم خدم؟ هل نزل معهم الوزراء؟ اسألوا الأثرياء هل فتح البريد الإلكتروني في اللحود والقبور؟ اسألوا الأغنياء هل نزل بالشيكات والأرصدة في اللحود؟ اسألوا الرؤساء حينما يقبر أحدهم كسائر الناس وربما تتجول الكلاب في المقابر فتبول على قبري أو قبرك أو قبر أي ملك من الملوك، لا قيمة لهذا البدن لا مكانة لهذا البدن، إنما القيمة والمكانة والمنزلة الحقيقية إنما هي في هذه الروح، الروح إن كانت متعلقة بالله جل وعلا فلتبشر بخير عظيم وفضل عميم في الدنيا والآخرة.
ولا تظنوا أن العمل الصالح في الحياة الدنيا لا يجد العبد نتيجته إلا في الآخرة، لا، جل ربنا أن يعامله العبد نقداً فيجازيه نسيئة، إن البشرى والبركة والنعم وحسن الجزاء والثواب هو في الدنيا وهو أيضا في الآخرة: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف:٣٠]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة:١٢٠].
فيا أحبابنا! هل من الأحياء من لا ينام إلا وقد قلب عينه في فيلم السهرة ولا ينام إلا الساعة الحادية عشرة والنصف؟ أو في المسلسلات اليومية؟ أسألكم بالله هل هذه حياة؟ أهذه حياة أن يسهر الإنسان في الليل على الأفلام والمسلسلات، ينام متأخراً ويتخلف عن صلاة الفجر، يخرج إلى عمله متأخراً، يقابل الناس بوجه عبوس قمطرير، ضعيف في الصلاة لا يحضر قلبه، بطيء حينما يقوم إليها، لا يخشع لذكر الله، لا تدمع عينه من خوف الله، لا يرقب في مؤمن إِلاً ولا ذمة، إن وجد مالاً قبضه لا يسأل عن حله أو حرمته، أهذه حياة؟! لا، هذه شريعة الذئاب، هذه مناهج الغاب، هذه حياة السباع التي يبغي بعضهم على بعض.
стр. 2231
حياة الذكر وحضور القلب
الحياة الحقيقية أن تجد لقلبك حضوراً بين يدي الله، أن تجد لنومك طمأنينة وأنت تقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت روحي فارحمها، وإذا أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين.
الحياة حينما تستيقظ من الموت الأصغر أو من الموتة الصغرى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الزمر:٤٢] حينما تستيقظ من هذه الموتة الصغرى في الحياة، أن تقول: الحمد لله الذي رد علي روحي، أو الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور.
الحياة أن ترى إشراقه الصباح فتقول: أصبحنا وأصبح الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير هذا اليوم وخير ما بعده، وأعوذ بك من شر هذا اليوم وشر ما بعده، رب أعوذ بك من عذاب النار وعذاب في القبر، الحياة أن تدخل البيت فتقول: باسم الله اللهم أسألك خير المولج وخير المخرج، الحياة حينما تخرج أن تقول: بسم الله توكلت على الله، باسم الله خرجنا وعلى الله توكلنا، اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أُزل، أو أضل أو أُضل، أو أظلم أو أُظلم، أو أجهل أو يجهل علي، الحياة أن تلقى المسلمين فما ترى أحداً من المسلمين إلا ابتسمت في وجهه لماذا؟ لأنها تدنيك إلى درجات الحياة الحقيقية، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، الحياة أن تجد قلبك حاضراً بين يدي الله وفي تلاوة كلام الله، الحياة أن تجد من نفسك استعداداً للقاء الله جل وعلا، هذه الحياة، أما حياة الذين ضاعت -كما قلت- لياليهم في السهر والعبث والضياع والغيبة والنميمة فليست هذه والله بحياة، ليست هذه والله بحياة، والحياة الحقيقية كما قال عنها أحد علماء السلف: [إننا لفي نعمة ونعيم لو علمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف].
стр. 2232
افتقاد الأرض للأحياء الحقيقيين
الحياة حينما يكون لها معنى فإن الكرام الكاتبين يعرفون حسناتك ويكتبونها في ذهابك وإيابك وكل حركاتك وملائكة الليل والنهار وشهود الله في أرضه، والأرض تحدث أخبارها بصلاحك وعبادتك وأعمالك، هذه حياة لأناس كان لحياتهم معنى فأثبتتها الأرض وشهدت بها، ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:٤] كتبتها الملائكة وسجلت وسطرت في الكتب وادخرت لك في يوم عصيب، أما حياة أهل الترف والنعيم فاسمعوا قول الله جل وعلا فيهم حينما يكونون معرضين عن هدي الله وشرعه: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٩] الحياة الحقيقية هي التي يفقدك حتى الجماد، حتى الجمادات تفقدك بها، أما الحياة الهزلية والحياة الضعيفة التي لا معنى ولا قيمة لها، فمن ذا الذي يفقدك؟ من ذا الذي يسألك عنك؟ أي بناء كنت تبنيه فوقف؟ أي سعي كنت تسعى به فانقطع؟ أي صلاح كنت تدعو إليه ففقد؟ أبداً ما أكثر الذين عاشوا وما أكثر الذين فقدوا:
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
رب لحد قد صار لحداً مراراً والهاً من تزاحم الأضداد
أيها الأحبة! كم عاش على الأرض قبلكم؟ أمم كثيرة وملوك كثر! وأثرياء كثر! ولكن ما ذكر إلا طائفة كانت حياتهم حقيقية فهل تجعلون لحياتكم معنى؟ هل تجددون نمط الحياة فيما يرضي الله جل وعلا؟ هل تنتقل الحياة من الأنانية والأثرة وحب الذات والسؤال عن النفس والاقتيات الشخصي إلى الحياة الواسعة لخدمة قضايا المسلمين والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر الخير والمساهمة فيه، والدعاء للصالحين، على الأقل حياة القلوب بالدعاء لهؤلاء فيما يرضي الله جل وعلا.
стр. 2233
المعاني المنشودة في حياة المرأة
أيها الإخوة: إن الخطاب إلى المكلفين في كلام الله وكلام رسوله ﷺ شامل للرجال والنساء، فحينما يكون للحياة معنى فهذا أمر على حد سواء، يوجه للرجل والمرأة، وللذكر والأنثى والفتى والفتاة، حينما يكون لحياة المرأة المسلمة معنى أماً كانت أو زوجة أو أختاً أو بنتاً فإنها تتوجه بكرامة الله لها، وبما فضلها الله به جل وعلا: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران:١٩٥] وهي تعرف كرامة الله لها، ورفعة منزلتها: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] فهي داخلة في الخطاب، ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] إلى آخر الآيات، فكما ذكر فيها فريق الرجال ذكر فيها فريق النساء، حينما يكون للمرأة لحياتها معنى فإن حياتها تتجاوز ما جرت به عادة النساء في كثير من المجتمعات في هذا الزمان، فلئن كانت حياة النساء بمفهومها القاصر أن تهتم المرأة بفستانها أو ملابسها أو موضتها أو بردة الأزياء أو عرض الأزياء أو غير ذلك، فإن الفتاة المسلمة الملتزمة الصادقة حينما يكون لحياتها معنى فإنها ترى أن الحياء أجمل اللباس، وترى أن غض البصر هو أطيب عدسة تجعلها على عينها، وترى قصر الخطى والقرار في البيت أعظم عرش تتربع عليه لكي تربي أولادها، ولتحسن رعاية بيتها، وتقوم بحقوق زوجها على أكمل وجه.
стр. 2234
أهمية صلاح المرأة
حينما يكون لحياة المسلمة معنى تراها مصلية صائمة عابدة قانتة، تربي أولادها على ذكر الله، يحفظون منها الأذكار في الصباح والمساء، يتعلمون منها أن يستهلوا اليوم بذكر الله وأن يختموه بحمد الله، حينما يكون لحياتها معنى تعد للمجتمع رجالاً يكونون صناعاً للتاريخ، يسيرون دفته ويمسكون بزمامه، حينما يكون لحياتها معنى فلن يكون للعبث واللهو ومتابعة الأفلام والمسلسلات والأغاني والمطربين والمطربات والمجلات ودعوات العلمانيين ودعوات الذين يصيحون بها: اخرجي! توظفي! اعملي! اختلطي، لن يكون لدعواتهم من قلبها نصيب أو من سمعها مكان أو منزل، حينما يكون أيضاً لحياة المرأة المسلمة معنى فإنها تعرف دوراً تواجه به اليوم، إن التحدي الكبير في هذه الأمة في آخر قلعة من قلاعها المرأة المسلمة، وفي هذه البلاد يقف التحدي الآن على مرحلة المرأة فإن استطاع العلمانيون ودعاة التغريب والضلالة والسفور والتبرج والاختلاط عبر وسائلهم المتعددة بالفيلم والمسلسل والرواية والقصة والمسرحية والكلمة والمجلة والجريدة إذا استطاعوا أن يقولوا لها: أنتِ حبيسة، أنتِ مضيق عليكِ، أنتِ متخلفة، أنتِ مسكينة، أنتِ لا حرية لك، فإذا سمعت مقالهم واستجابت لضلالتهم وتركت عينها وعرشها ومملكتها فحينئذٍ اعرف أن مجتمعك هذا ينهار أو قد انتهى.
ربوا البنات على الفضيلة إنها في الشرق علة ذلك الإخفاق
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق
الأم روض إن تعاهده الحيا بالري أيرق أيما إيراق
حينما يكون لحياة المرأة المسلمة معنى فإنها ستتعدى مستعلية مرتفعة محلقة بفكرها وخلقها وسمتها وصلاحها، ترتفع عن مجالس الرقص والطبل واللهو وتبادل الحديث الطويل الذي يأخذ الوقت في الأقمشة والأواني.
стр. 2235
أهمية الدعوة النسائية
فترتفع عن هذا كله لكي تكون داعية لبنات جنسها، تجتمع بجاراتها فتهديهن شريطاً، أو تقرأ عليهن نصيحة، تجتمع بطالباتها فتعطي كل طالبة شريطا، تعطي كل طالبة كتابا، تجتمع بزميلاتها فيتبادلن المسائل والأحكام الفقهية والشرعية في آدابها وطهارتها وحجابها وحدود ما أباح الله لها، وما نهاها الله عنه، هكذا حينما يكون لحياة المرأة المسلمة معنى، إن عدداً قليلاً من الداعيات ولله الحمد بمجتمعنا والله إن حياتهن لأبرك من حياة كثير من الشباب والرجال؛ بما فضلها الله به بالدعوة إلى الله، فنحن ننتظر من الفتاة المسلمة أن يكون لحياتها معنى بالدعوة إلى الله، لا نريد أن تخرج أو يلزم من ذلك أن تخرج، بل بالدعوة إلى الله في بيتها، بين أبنائها، بين أقاربها، وأقارب زوجها، تصوروا -وهذه واقعة من الوقائع التي حصلت في المجتمع- امرأة صالحة انحرف زوجها ولكن كان لحياتها معنى ولم يسمع زوجها نصيحة واحدة منها، ولا يزال مغرقاً ممعناً في ضلالته ومعصية، أتدرون كيف كان أطيب السبل وأقرب الأسباب إلى إصلاح بيتها وتعديل مسار زوجها؟ أولادها، كانت معتنية بأولادها فإذا جاء الأب تعلق الأولاد به، يا أبتي لا نريد الفيديو في البيت، يا أبتي لا نريد هذه الأفلام في البيت، وإذا جاء الأب ربما سلموا عليه وبقوا ساكتين فيسأل الأب: يا أولادي لماذا لا تلعبون؟ لماذا لا تتكلمون؟ لماذا لا تضحكون؟ يقولون: يا أبي إذا كنت تريد أن نلعب معك، ونضحك، ونتكلم، فأخرج هذا الشيطان عن البيت، فكان وراء هؤلاء الأطفال الصغار أم، امرأة عظيمة استطاعت أن تعدل مسار الانحراف في زوجها، نعم كانت فتاة لحياتها معنى.
فهذا أيها الأحبة أمر له أكبر الأثر، والأم والزوجة والبنت لها أثر طيب، عرفنا أسراً كانت مغرقة في الفساد والضلال فانقلبت إلى رياض من الذكر والتوحيد وحفظ القرآن والحجاب والستر والحياء، أين دخلها النور؟ وأين بدأت بالاستقامة؟ من فتاة استقامت وحفظت القرآن وأصبحت حريصة في دعوة أمها وأخواتها وإخوانها حتى أثرت على من حولها جميعاً، فليس الأثر للرجال دون النساء، وليس الأثر والفعل والتأثير محصور في الرجال دون النساء، بل من النساء من فيهن خير كثير ولهن قبول كثير، فنرجو أن تحرص كل واحدة من أخواتنا اللاتي يسمعن هذا الكلام أن يكون لحياتها معنى بأن يكون لوجودها معنى وأن يكون لحياتها أثر في نفسها وذريتها ومن حولها، وأبويها وإخوانها وأخواتها وجيرانها وقريباتها.
أيها الأحبة! لا أود أن أطيل، أسأل الله جل وعلا أن يجعل أعمالنا وإياكم خالصة لوجهه، كما أسأله أن تكون حياتنا حياة طيبة، كما أسأله سبحانه أن نكون من الذين بارك الله فيهم وجعلهم مباركين أينما كانوا، كما نسأله أن تكون حياتنا طويلة ولو كنا في قبورنا، ولو كنا في لحودنا، اللهم إنا نسألك بركة الأعمال وإن كنا في اللحود، ونسألك القبول والرضا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2236
الأسئلة
стр. 2237
أسباب القحط
السؤال
سائل يقول: فضيلة الشيخ إني أحبك في الله، حبذا لو تحدثتم عن أسباب القحط الذي أصاب البلاد وخاصة بلادنا هذه؟
الجواب
أيها الأحبة، هذا والله أمر مهم، وأعظم سبب كان شؤمه جلياً على العباد والبهائم والبلاد الربا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩] الربا شره خطير وشؤمه مستطير، بل إن أدنى آثار الربا أن تمحق البركات وأن يحبس القطر من السماء.
ومن أسبابه: قطيعة الأرحام وعقوق الوالدين، والغش في المعاملات، والتدليس في البيوعات، هذا أيضا من أسباب القحط ولا حول ولا قوة إلا بالله، كذلك انتشار بعض المعاصي ورضا كثير من الناس بها على أنها أمر قد فرض نفسه، الملاحظ مثلاً كل واحد يمر يجد على اليمين فيديو الأماني مثلاً، ليتهم يسمونه بأسماء حقيقية لو يقولون مثلاً: فيديو الانحراف، فيديو الإفساد فيديو الجريمة، لكان معقولاً، لكن يسمونها بغير اسمها وغاياتها، فيمر الإنسان على محل الفيديو على اعتبار أن محل الفيديو أمر طبيعي قد فرض نفسه، لا، هذه شوكة ونبتة نجسة غريبة في قلب المجتمع المسلم هنا، فلو أن كل واحد مر وكما قال أبو محمد بن حزم: لو اجتمع المنكرون بقلوبهم على أمر ما غُلبِوا عليه.
يعني: لو أن كل من يمر على محل الفيديو وينزل قائلاً: يا أخي الكريم! اتق الله لا تكن سبباً في شؤم نفسك وأولادك والإنفاق على أهلك من السحت والحرام، اتق الله لا تفسد بيتك وتفسد أهلك وتفسد مطعمك ومشربك وملبسك وجيرانك ومجتمعك، ما ظنكم هذا الجمع الآن لو أن كل من مر على فيديو دخل إليه يعطيه شريطاً أو كتاباً وآخر ينصحه أو يدعو له، أو يسأل الله له الهداية، والذي يقول: يا أخي اترك هذا أسأل الله أن يبدلك خيراً منه، هل تظنون أن صاحب هذا المنكر سيبقى على ضلالته وإمعانه وانحرافه؟ لا والله، لو اجتمع المنكرون بقلوبهم على أمر لم يغلبوا عليه، لكن تعود الناس أن يقبلوا صوراً من المنكرات ويعتبرونها أمراً طبيعياً، فكثير من الأمور يظن بعض الناس أن هذا وضع طبيعي، خذ مثالاً آخر على ذلك: محل الأغاني، بيع المحرمات وآلات اللهو والطبل والزمر وغير ذلك، فيا إخوان لو أن كل واحد رأى منكرا أنكره بكل ما في وسعه، وأقول: أما الإنكار باليد فلا تمدن يدك إلا إن كنت مخولاً بسلطة من ولي الأمر، لماذا؟ لأننا لو فتحنا باب الإنكار باليد، لربما جاء عدو لصاحب الفيديو وكسر محله ليس غيرة له ولكن انتقاماً لذاته وليس لمرضاة الله، ويدعي ويقول: جئت لأنكر المنكر، ولا تنضبط الأمور بقاعدة، نقول: لا، إنما الإنكار بالقلب واللسان هو من مسئولياتكم: (من رأى منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه) فأنت مأمور بأن تغير ما كان تحت قدرتك وتحت صلاحياتك وتحت مسئولياتك في مؤسستك وشركتك ومتجرك ودكانك وقسمك ودائرتك، وهذا الأمر بين يديك فلا يجوز أن تقر منكراً وأنت قادر على تغييره.
أيضا من أسباب القحط: عدم شعور الناس بحاجتهم إلى الغيث والقطر، فالناس قد غرهم أن المياه تحلى من البحار، وهذه نعمة من نعم الله جل وعلا، ونرجو ألا يكون استدراجاً، نسأل الله جل وعلا ألا نكون من الذين قال الله فيهم: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٤٤] حتى البحار المالحة جاءت إليهم في أنابيب بيوتهم حلوة ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام:٤٤] نسأل الله ألا نكون من أولئك.
فبعض الناس لم يشعر بالحاجة إلى ذلك، وظن أن القضية مسألة مياه من البحر، محطات تحلية وتصل، ما هي الحاجة للاستسقاء؟ شغلونا في كل وقت بالاستسقاء! ما هي الحاجة إلى ذلك؟ والدليل على ذلك، أن هذا الجمع مثلاً لا تجده غداً في صلاة الاستسقاء، هذا الجمع بأكمله لا تجده غداً في صلاة الاستسقاء، بل الكثير ربما يجلس لفطوره أو يتقلب في فراشة أو يتقلب ويقول: فرصة أن نتعذر بالاستسقاء ونتأخر عن العمل قليلاً، البعض ولا أعمم -أستغفر الله- فيا أحبابنا شعورنا بعدم الحاجة إلى ذلك أمر خطير، ثم إن هذه الأنابيب التي تحلي المياه، لو شاء الله لجعل الماء جامداً حجراً صلتاً لا يسري فيها: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك:٣٠] أليست قدرة الله جل وعلا التي سخرت البحار المالحة، عبر الأنابيب عبر هذا التكاتف والترشيح ومختلف أساليب التحلية والتقطير وغيرها، حتى تصل إليك حلوة، أليست قدرة الله التي جعلت هذا ممكناً؟ بلى، فينبغي أن نتقي الله في أنفسنا، وأن نشعر بحاجتنا إلى الله، ونسأل الله سبحانه بأسمائه وصفاته واسمه الأعظم نستغفره ونتوب إليه ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله، أن يغيثنا وأن يسقينا وأن يرحم العباد والبهائم والبلاد بمنه وكرمه إنه أرحم الراحمين.
стр. 2238
نصيحة للجالسين على الأرصفة
السؤال
يقول: فضيلة الشيخ نخبرك أننا نحبك في الله، ونسأل الله أن يجعل لحياتنا وإياك معنىً يرضي الله جل وعلا، وبعد نرجو من فضيلتكم إعطاء الشباب الذين يقفون على أعتاب السكك والأرصفة ويضيعون حياتهم وأوقاتهم في الشوارع ولا يهتمون بطاعة الله، نرجو إعطاءهم نصيحة جزاكم الله خيرا؟
الجواب
نصيحتنا لهؤلاء الشباب أن يسألوا أنفسهم ما هو دورهم في الحياة؟ وما هي الغاية من وجودهم؟ هل سأل كل واحد منهم نفسه سؤال الجاد، وأجاب جواب الصادق، ووقف يخاطب نفسه صراحةً أو أمام مرآة ويشير إلى عينه بعينه، ويقلب الوجه بالوجه ويسأل هذا الجسم، العين خلقت للبصر، والأذن خلقت للسمع، والأنف خلق للشم والنفس، وهذا الجسم خلق لماذا؟ أتخلق كل جارحة لحكم عظيمة وهذا البدن يضيع هباء منثورا، هذا أمر عجيب، ثم أيضاً أهذا البدن يستمر على هذه الدنيا معافىً مسلماً بلا كدر ولا نكد
ما أضيق العيش ما دامت منغصة لذاته بقدوم الموت والهرم
أيها الإخوة! أيها الشباب! إن من عرف قيمة نفسه عرف أين ينزل بها، وخذ مثالاً على ذلك: تجد الإنسان إذا كان من أهل الثراء والمال، حينما يريد أن يسافر فيقول له موظف الخطوط: أين تريد أن نحجز لك؟ يقول: طبعاً أحجز درجة أولى، لأن الإنسان يعرف عن نفسه إنه إنسان في مرتبة عالية، رجل أعمال لا يليق به إلا درجة أولى، أو إنسان تسأله عن أمور دنياه وملابسه من أي ثياب تلبس؟ يقول: ثيابي من المحل الفلاني، المقص الذهبي، أو خياط الأمراء، لأنه يرى نفسه في الأعلى، فيما يتعلق بأمر عرض في الحياة وليس من أساسيات الحياة، سفر أو ثوب أو حذاء -أجلكم الله- أو غتره أو شيء من ذلك، لكن تعال لنفسك، السفر: درجة أولى، الغتره: شماغ ملكي، الثياب: دفة أصلي -هذه دعاية للدفة- وهلم جرا المهم يعني تجد الرجل يختار لنفسه منازل محددة في ملابسه وتنقلاته وسيارته، فأي المنزلتين تختار لنفسك؟ رياض الجنة، وحلق الذكر أم المجالس التي تحضرها الشياطين وتفتح لأصحابها صحائف السيئات، وتكتب الملائكة على أهلها الزلات والعبارات؟ ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] فعجباً للناس، وعجباً للإنسان كيف يختار لنفسه في أمور تنقله، وملابسه، وذهابه وإيابه، وطعامه، وأكله وشرابه يختار أرقى الأمور، لكن بالنسبة لنفسه ومنزلته في هذا الكون يختار أدنى الدرجات؟! سبحان الله، مجلس كهذا تغشاه الملائكة، تحفه الرحمة، تتنزل السكينة، يذكركم الله فيمن عنده، هل أحد يترك هذا المجلس لكي يجلس على رصيف ليلعب (بلوت) أو (يعمر شيشة) أهذا معقول؟ من الذي يقال له: أتريد الطيب أم النجاسة؟ يقول: لا، لا أريد طيباً أريد نجاسة، أتريد العزة أم الهوان؟ أريد الهوان، نقول: أتريد الكرامة أم الذلة؟ يقول: أتريد أن تكتب لك الحسنات أم تكتب عليك سيئات؟ يقول: نريد أن تكتب السيئات ولا تكتب الحسنات، أتريد أن تذكر في عداد الأبرار الأخيار الأطهار، أو في عداد سقط المتاع على الأقل؟ يقول: دعني مع سقط المتاع، أنا لا أقول كل من جلس على الرصيف من سقط المتاع، لكن أقول: ينبغي لمن جلس أن يعرف كما قال ﷺ : (إياكم والجلوس في الطرقات، قالوا يا رسول الله: ما لنا عنها بد، قال: فإن كنتم فاعلين لا محالة، فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حقه؟ قال: رد السلام وغض البصر، وكف الأذى) نعم لا أحد يمنعك أنك تجلس إذا مشيت أنت ومجموعة من إخوانك لكن اجلس على مرضاة الله، اجلس على أمر ينفعك وإخوانك، يجلس عشرة من الشباب يقرءون في كتاب، يسمعون شريطاً، يشوون دجاجاً، يشوون حماماً كما يشاءون، لا أحد يمنعك؟ لا تقل: والله هؤلاء المطاوعة عقدونا حتى على الأرصفة لا يريدون أحداً يجلس، أين تريدوننا أن نذهب؟ لا، نقول: لا حرج أن تجلس لكن بالضوابط الشرعية، أعطوا الطريق حقه، ما حقه؟ كف الأذى ورد السلام وغض البصر، أما جلسة على الطريق أذكر ذات مرة كنا في جدة، فمررنا على طريق اسمه الكورنيش، فرأينا شاباً مع صديق له فاتحين (الكبوت) و (الشنطة) والزجاج، والأغاني تصدح، حتى كأن الحوت منزعج في الماء، من ارتفاع الصوت فقلت لأخي الذي كان معي: ما رأيك بأن نقف ونرى ماذا عند الشباب، ونزلنا: سلام عليكم، حيا الله الشباب، فأخرج السيجارة، تدخن يا شيخ، قلت له: شكراً جزاك الله خيراً، وجعلناه يعيد الدخان في مكانه، فقد كان لديه (باكتين) فوق بعض، وعنده الزمزمية ونحن جالسون، قلنا: يا أخي سمعنا هذا الصوت الذي هو يصدح يميناً ويساراً أو ينعق بالأحرى والله وينعب يميناً ويساراً، وأحببنا أن نسألك يا أخي الكريم، أسألك بالله هل أقصى حجر أو مدر يبلغه الصوت من الغناء تؤجر به يوم القيامة؟ الصوت الذي كلما بعد وسمع يكون لصاحبه أجر وقبول، هو صوت الحق داعي الفلاح، داعي الأذان، (إذا كنت في ماشيتك أو في غنمك فأذنت فارفع صوتك فإنه لا يبلغ مدى صوت المؤذن أو لا يبلغه حجر ولا مدر إلا شهد له يوم القيامة) يا أخي الكريم! كل من يصل له هذا الصوت يشهد عليك ولا يشهد لك يوم القيامة، يا أخي الحبيب! الله أكرمك، ليس لتجعل الدخان المضر يدخل في جوفك ويحتبس في رئتيك، يا أخي الحبيب! حياتك ثمينة، حياتك عظيمة، الله خلقك في أحسن تقويم، وأسجد الملائكة لأبيك، وجعل أحسن الخلق والإبداع والدقة والتكوين فيك ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ [فصلت:٥٣] أعظم الآيات (ِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت:٥٣] ثم دخلنا في موضوع الوظيفة، وما الوظيفة؟ وهلم جرا، أخيراً الشاب أخذ الدخان وحطه، وأغلق سيجارته، وقصر أو أغلق الموسيقى الذي كانت معه، وكان معنا شريطان وأعطينا كل واحد منهما شريطاً، ودعونا لهم بالهداية والتوفيق وذهبنا وتركناهم.
فيا أحبابنا! نحن لا نقول ذلك حتى لا يقولوا والله هؤلاء المطاوعة يحرمون الجلوس على الأرصفة، لا، من الذي قال: هذا حرام، لكن إذا جلست فأعط الطريق حقه، وإذا جلست أيضاً تذكر أن جلوسك من حياتك، أن تشذب وتقطع وتنشر في عمرك:
والليل فاعلم والنهار كلاهما أرواحنا فيها تعد وتحسب
الليل والنهار مطيتان تقربان إلى الأجل، فإذا مضت ليلة قرب موتك ليلة، وإذا مضى يوم دنا موتك يوماً، فأحبابنا نقول أيضاً: إن الوقت هو الحياة، وما دمت تعرف ذلك جيداً فاحرص أن تنتفع وليكن جلوسك مثلاً أنت وخمسة وستة من إخوانك على الرصيف، إذا رأيت شاباً منحرفاً تعال دعه يجلس معكم، ابتسموا معه تبادلوا المرح والمزاح في المباح، والكلام الطيب وتألفوا قلبه، أهدوه شريطا، أعطوه كتابا انصحوه، حينئذ يكون لكل واحد منا دور ونفع ويكون للحياة معنى في كل موقع، حتى ولو كانت حياة على الرصيف فلها معنى أيضاً.
جزاكم الله خيراً وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 2239
عوامل وحدة الأمة
إن مما يحقق ويعين على وحدة المسلمين أن يفقه كل مسلم أن الأخوة الإسلامية لا تحول دونها التضاريس الطبيعية، وأن يعلم أن إخوانه هم أطرافه وجوارحه، فمن سقي بسموم العصبية فليتقيأ هذا السم، وليشرب من نمير الأخوة عذباً، وعسل المحبة مصفى، وليدرك أنه إن قطع فيده، وإن بتر فرجله، وإن طعن ففؤاده، وإن أراق فدمه، وإن أزهق فنفسه، حينها يعلم معنى الأخوة.
стр. 2240
بلاغ رسالة الله من رسله
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فهو الواحد في ربوبيته، المالك المدبر المحيي المميت، الخافض الرافع، القابض الباسط، مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، يعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
واحد في ألوهيته، فله التنزيه والتسبيح والتهليل والتكبير، والركوع والخضوع والسجود، والإنابة والتوكل والاستعانة والذبح، وكل صغير وكبير من العبادة فله وحده لا شريك له، ومن صرف من ذلك شيئاً فقد أشرك مع الله، واحد في أسمائه وصفاته، فله الأسماء الحسنى والصفات العلى، جل عن الند والشبيه، وعن المثيل والنظير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
معاشر المؤمنين: إن حكمة الله في خلق عباده أن يعبد وحده لا شريك له، وهو القائل : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وما في هذا الكون من يستطيع الخروج عن أمر الله، وأنى له ذلك ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران:٨٣].
هذه الغاية الواحدة وهي عبادة الله وحده، هي مهمة ورسالة جميع الأنبياء والرسل ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
ولقد بلغ رسل الله رسالة ربهم، والغاية من خلقهم والخليقة معهم، بلغوا الرسالة إلى أقوامهم، فتفرق القوم بعد بلوغ الرسالة إلى فريقين: فريق على الهدى وفريق على الضلالة، بعد أن كانوا على الكفر فريقاً واحداً ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل:٤٥] باتوا فريقين بعد أن كانوا على الكفر أمة واحدة، وعلى الشرك صفاً واحداً.
ولقد بلغ رسل الله أتم البلاغ وأوضحه، فلم يبق حجة أو عذر لمعاند يكابر في الإذعان للحق والانقياد له، بل قامت الحجة وبانت المحجة: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً * رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٣ - ١٦٥].
ذلك لأن الوقوع في الباطل والمنكر وفوات الحق وعدم ظهوره، يعود إلى كتمان من المبلغ والداعي، أو إبهام وخفاء في البلاغ والخطاب، أو إعراض من المبلغ لهواً وكبراً، مع العلم واليقين بالحق: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠] ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣]، فهذا المعرض ضال ليس عن جهل، ولا عن خفاء للحق، ولكنه الهوى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل:١٤].
لقد تقرر في الشريعة بواضح الأدلة أن الرسالات ختمت بمحمد ﷺ ، وأنه ﷺ يموت ويحمل الدين من بعده أمته، ليستمر البلاغ والدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤].
стр. 2241
فتن تفتك بوحدة الأمة
بعد موت النبي ﷺ عاشت أمة الإسلام حقبة من الزمن في ظل وحدة تلم شتاتها، وتوحد صفها وكلمتها، وتحوط الأمور بعنايتها ورعايتها، وتحقيق ما يصلح شأنها، وما زال الحال بالمسلمين من نقص إلى مثله، ومن انحدار إلى أسفل منه، حتى انتهى الأمر اليوم إلى ما ترون وتسمعون، وقد مر بالمسلمين في فترات ماضية أنواع وألوان مما حل بهم اليوم، ولكن لا أظن منصفاً أو عاقلاً متأملاً بنظرة شاملة، يقول: إنه مر بالمسلمين فيما مضى مثلما حل بهم في هذا الزمان وهذا العصر وهذه الحقبة، ولستم بحاجة أن أفصل لكم ما نعنيه بما أصاب المسلمين، فترى كثيراً من المسلمين يجهلون الإسلام جهلاً مطبقاً، ولا يعرفون عن الإسلام إلا اسمه، والانحراف عن العقيدة السوية أمر منتشر عند كثير من المسلمين أيضاً، وفشو البدع، وغزو المسلمين في أخلاق شبابهم، وعفاف نسائهم، ناهيك عما حل بأعراضهم من استباحة، وما حل بأراضيهم من سلب، وما حل بأموالهم من نهب، وما حل بدمائهم من نزيف، وما حل بجراحهم من ثلم.
ثم أصبح اجتماعهم فرقة، وبات حال الواحد منهم يرى أن الموت بات أمنية، والفراق للدنيا أجمل أغنية.
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وأن المنايا قد غدونا أمانيا
أو كما قال بعضهم:
ألا موت يباع فنشتريه وهذا العيش ما لا خير فيه
ألا رحم المهيمن نفس حر تصدق بالوفاة على أخيه
وهل يلام من قال اليوم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٣] وهو يرى تسلط أبناء القردة والخنازير، اليهود الحفنة القليلة، يرى تسلطهم على الأمة العظيمة، وهو يرى ويبصر حروباً وقودها جماجم المسلمين، وحصادها أعراضهم وأرواحهم.
وهل يلام على ذلك وهو يرى الذين تدخلوا في شئون المسلمين باسم حقوق الإنسان، يراهم لا يعتبرون لمسلم قدراً، ولا يحسبون له حساباً، حتى ولو وطئت المنجزرات والدبابات أشلاؤه في الشيشان، أو سورته المدافع من حوله، وأظلته القاذفات السابحات من فوقه في البوسنة والهرسك، أو ظل في الجبال والأدغال يطالب بأدنى حقوقه، ويفنى ويضيع ويضل ويذهب كثير منهم ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ [مريم:٩٨].
كل هذا فهل يلام من يرى ما حل بالمسلمين وهو عاجز، أن يتمنى أن لو كان مات قبل هذا، وكان نسياً منسياً، أما من يستطيع أن يفعل شيئاً ولو يسيراً، فالصبر والمصابرة والجلد والمجالدة أولى به، وهو المشروع في حقه، حتى لا نظن أنها دعوة إلى اليأس، أو حرب على التفاؤل، أو نداء إلى القنوط.
إن ما مضى بمجموعة لا يساوي أشد طعنة طعن بها المسلمون، وهي ضرب المسلمين في وحدتهم، وتفجير العصبيات والقبليات في أوساطهم، وتشجيع التحزب على الضلالات والشعارات، حتى أصبح الحديث عن وحدة المسلمين عند القوميين جريمة، وعند العلمانيين خرافة، وعند المنهزمين أضغاث أحلام.
стр. 2242
المخرج من الفتن إلى الوحدة
أيها المسلمون: إن حاجة الأمة إلى الوحدة الصحيحة على العقيدة السوية والمنهج القويم في هذه الحقبة خاصة فوق كل حاجة، وإن ما أصاب المسلمين يوم أن أصابهم، حتى تحول حالهم إلى هذا اليوم، إلى ما نراه في هذا اليوم، ما ذاك إلا للأسباب أهمها بعدهم عن كتاب الله، وتشتت وحدتهم، وتفرق صفوفهم، وذهاب ريحهم، واختلاف كلمتهم، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦].
أما المخرج من هذا التيه، والخروج من هذا الضياع، فقد بينه النبي ﷺ بعد أن بيَّن ونبأ أن الأمة ستواجه فرقة واختلافاً، ثم بيَّن المخرج من ذلك، ففي الحديث عن العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً).
وقد رأينا هذا الخلاف، وصدق رسولنا ﷺ ، ثم قال بأبي هو وأمي: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة) فبين ﷺ أن الخلاف سيقع، وأن المخرج منه لزوم السنة.
أيها المسلمون: المخرج في صراط الله المستقيم ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] وهذا الصراط نأوي فيه إلى ركن شديد يعصمنا بكل معنى العصمة، يعصمنا من الزلل والتفرق، نأوي فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين، وكل معصوم لا يزل ولا يضل من لزمه ولم يبرحه.
فالقرآن محفوظ لم يفرط الله فيه من شيء، والسنة مثل القرآن (ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه) وقد قيض الله للسنة رجالاً وضعوا لها علماً لم يوجد في الدنيا له مثيل، يميزون به الصحيح من غيره، وينفون به عن السنة انتحال المبطلين، والإجماع معصوم، إذ لا تجتمع الأمة قاطبة على ضلالة، وإن حمل الأمة، وسوق الأمة، ودعوة الأمة، وبث الوعي في نفوس أبنائها باليأس، ندعو الأمة إلى اليأس والقنوط، نحمل الأمة على اليأس وننادي إلى القنوط من كل حل أو مشروع أو نظام أو منهج لا يرتبط بالمنهج المعصوم، وهو الإسلام، أو لا ينبثق منه.
إن هذا من المهمات التي يستطيعها كل واحد منكم، إن هذا من الأمور التي يستطيعها آحاد المسلمين، فضلاً عن النظم والمؤسسات، بمعنى أن يتقين عامة المسلمين، وأن يفقهوا معنى قول الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] إن حمل الأمة، ودعوة الأمة، ومناداة الأمة، وبث الوعي في نفوس أبنائها بأن كل عقدة أو مشكلة أو فتنة أو نازلة أو واقعة أو مصيبة لا ترد إلى كتاب الله وسنة نبيه؛ فإن ذلك يجعل الظلام دامساً، والمر علقماً، ولا يزيد الأمة إلا رهقاً، ولا يزيد الطين إلا بلة، ولا يزيد الأمور إلا تعقيداً، فما من مصيبة لا ترد إلى الله ورسوله، إلا وتتضاعف وتفرخ وتنتشر وتتنامى.
ولا حل إلا بالعودة إلى كتاب الله وسنة نبيه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب يمتعكم متاعاً حسناً، ويزدكم قوة إلى قوتكم.
стр. 2243
خطوات على طريق الوحدة
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
إنه ما من مسلم إلا ويتغنى ويتمنى وينشد ويرمق ذلك اليوم الذي يرى فيه المسلمين أمة واحدة ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢] وإن مما يعين على تحقيق هذه الوحدة، أن نعظم في النفوس شأن الانقياد والاستجابة لله ورسوله، وأن نعظم في النفوس محبة الخضوع والتسليم للدليل بلا نزاع أو جدال أو تسويف، فلا إيمان إلا بتسليم لله ورسوله ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
أن نعظم في النفوس هذا الاستسلام والانقياد، وهذه الاستجابة: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] أن نربي أبناءنا وبناتنا ومجتمعنا عبر كل وسيلة إعلامية وتعليمية وتربوية على الخضوع والاستجابة الفورية لأمر الله ورسوله.
وإن مما يعين على تحقيق وحدة المسلمين: أن يعرف المسلمون من هم أعداؤهم، من هم الأعداء التاريخيون، ولو تلونت الوجوه، وتغيرت الأقنعة، أو تبدل السرج، وتغيرت المواقف.
إذا عرفنا من هم أعداؤنا، نسينا خلافات جانبية أو جزئية فيما بيننا، لنقف وقفة واحدة، بغضبة وغيرة لله ورسوله في مواجهة عدو لم يألوا المسلمين خبالاً، ود عنتهم، يعض عليهم الأنامل من الغيظ، لا يفتأ يتربص بهم الدوائر، وإن تصب المسلمين حسنة تسؤهم، وإن تصب المسلمين سيئة يفرح بها.
إن مما يحقق الوحدة الإسلامية: أن يفقه كل مسلم أن الأخوة بين المسلمين لا يحدها جبل أو بحر، أو سهل أو وعر أن يفقه كل مسلم أن إخوانه المسلمين هم أطرافه وجوارحه، فمن سقي بسموم العصبية عبر أي وسيلة من الوسائل، فليتقيأ ذلك السم، وليشرب نمير الأخوة عذباً، وعسل المحبة مصفى.
أن نشعر أن إخوننا المسلمين هم أيدينا وجوارحنا وأطرافنا، فإذا ثارت نعرات القومية والعصبية والبغضاء والتناحر؛ أدركنا أننا إن نقطع فنقطع أيدينا، وإن نبتر فنبتر أرجلنا، وإن نطعن فنطعن أفئدتنا، وإن نرق نرق دماءنا، وإن نزهق نزهق أنفسنا، حينما يعظم في نفوسنا معنى الأخوة لكل المسلمين، بغض النظر من أي اتجاه هو.
وحيثما ذكر اسم الله في وطن عددت أرجاؤه من لب أوطاني
إن مما يعين على تحقيق الوحدة بيننا: ألا يؤخذ المسلمون بذنوب أنظمتهم؛ إذ ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤].
وإن مما يعين على تحقيق الوحدة: نشر الوعي بكتاب الله والحاجة إليه، ونشر القنوط واليأس بإفساد وخواء وإفلاس الأنظمة التي ما جرت على الأمم إلا فشلاً بعد فشل، وهزيمة بعد هزيمة، وسقوطاً بعد سقوط.
إن مما يعين على تحقيق الوحدة: أن ندعو إلى هذا وأن ننشره عبر الأشرطة، والكتب، وعبر كل سبيل ووسيلة نافعة.
اللهم اجمع شمل المسلمين على طاعتك، اللهم أصلح قلوبهم، وثبت أقدامهم، ووحد صفهم، وسدد رصاصهم، وأقم دولتهم.
الله صلِّ على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وصحبه وسلِّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
стр. 2244
غلاء المهور
إن غلاء المهور، وتكاليف الولائم لمن المشاكل والصعوبات التي يواجهها شبابنا في هذه الأيام، وإنها لشر مستطير ينذر بهلاك الأسر والمجتمعات، والسير بشباب الأمة إلى أحضان الفسق والرذيلة، والتدني في الأخلاق، والانسياق وراء الشهوات، ولقد حث المصطفى على تيسير المهور، وجعل فيه الخير والبركة، وتكفل الله بغنى من تزوج فقيراً، ولكن ترك ما هنا لك!!
стр. 2245
آثار غلاء المهور على المجتمع
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن اهتدى بهديه وسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، التقوى سبيل النجاة في الدنيا والآخرة، التقوى سبب الفوز في الدنيا والنجاة والفلاح في الآخرة.
معاشر الأحباب! في هذه الأيام نشهد مناسبات تثلج الصدور، وتطمئن القلوب، ألا وهي إقبال كثير من الشباب وانتقالهم من حياة العزوبة والتأيم إلى حال الزوجية والسكن والاطمئنان.
معاشر الأحباب! هذه ظاهرة يفرح بها كل مسلم، إذ إن الزواج لا شك إحصان لفروج الشباب، وغض لأبصارهم، ولكن ينبغي أن نذكر في المقابل شباباً يكتمون أناتهم وآهاتهم، ويحبسون غرائزهم رغبة في النكاح ولكن لا يجدون إليه سبيلاً، رغبة في الإحصان والعفاف، ولكن قلة ذات اليد، وظروف العيش بالنسبة لهم حال بينهم وبين ذلك، فهم على فئتين: فئة آثرت أن تصبر وتحتسب حتى ييسر الله لهم من همهم فرجاً ثم يتزوجوا بعد ذلك.
والبعض الآخر لم يجدوا ولم يبالوا إلا أن يتوجهوا إلى بلاد الغرب ودول الإباحة؛ ليفرجوا عما يحبسونه من الغرائز في جوارحهم، ولا شك -أيها الأحباب- أننا وإن شهدنا هذه المناسبات الكثيرة في هذه الأيام إلا أننا نرى عوائق أخرى تحول بين الشباب وبين الزواج، وتجعلهم يبتعدون عن حياة السكن والاطمئنان، ألا وهي مشكلة غلاء المهور، تلك هي أكبر عامل يصد الكثير من الشباب عن الزواج، وتجعل المجتمع يميل ميلاً خطيراً عن جادة الصواب في الطريق الأمثل إلى تكوين الأسرة المسلمة، فإن غلاء المهور والمغالاة للصداق لهي المشكلة الثانية التي تأتي بعد سوء الاختيار أو الزواج من دول الخارج بلا مبالاة أو تقدير للعواقب والآثار، ومشكلة الغلاء بوجه عام نراها شبحاً مانعاً وإن قال البعض: إنها خفت شيئاً يسيراً، ولكنها والله ما زالت بحالها إلا في نوادر من بعض أهل البيوت الذين امتلأت قلوبهم مروءة وشهامة، وآثروا الكرامة والتقى لبناتهم ولمن يصاهرونهم على الرغم من تأخر البنات في كثير من المنازل بلا أزواج، وإلحاح البعض من البنات صراحة في طلب الزواج اعتباراً بسوء المصير الذي لحق من قبلهم، واعتبار البعض الآخر من الآباء والأولياء بعد أن رأوا الشقاء الذي جروه على بناتهم بسبب مغالاتهم لمهورهن، أو تأخير زواجهن لعل ذلك ابتغاء المزيد من الرواتب، والنفع المادي، وإن كان بعض أولئك يذكر نفسه بادعاء المحبة الخالصة لابنته، وعدم قدرة قلبه على فراقها، إلا أن الذي يجب أن يعرفه كل واحد منا أن تمام المحبة والمودة هي أن نسعى في زواج من هو تحت ولايتنا من بناتنا وأخواتنا، حتى ولو لم يأتِ خاطب يخطبها منا، فلنبحث نحن عن أزواج أكفاء، ولقد جاءت الآيات والأحاديث مبنية ومبينة وجوب أداء المهر والصداق وعدم المغالاة فيه، ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ [النساء:٤] فالصداق إذاً هو للمرأة؛ هو لابنتك أو لأختك، هو للمرأة التي يراد لها أن تتزوج، أو يطلب الزواج منها، وليس المهر للأب والأم، أو للخال والخالة والعم والأقارب، وما يفعله الكثير من الناس هذا اليوم يقول: أريد مبلغاً وقدره كذا لأمها، وحاجة وقدرها كذا لأبيها، ومبلغاً آخر لخالها، هذه جريمة اجتماعية، والذين يقعون فيها يجدون غبها ولو بعد حين.
وقف بي شاب ذات يوم بعد صلاة الجمعة في هذا المسجد وسألني قائلاً: إنني أريد أن أقترض مبلغاً فلم أجد إلا رجلاً يداينني مداينة،، فقلت: ما الذي يحدوك إلى ذلك؟ قال: الزواج، قلت: وهل تزوجت؟ قال: لقد خطبت ابنة قريب لي قد فرض علي من المهر مبلغاً وقدره (١٢٠٠٠٠) ألف ريال فمن أين لي بهذا؟ قلت له: وماذا فعلت؟ قال: بدأت أقترض من فلان وعلان، أدفع راتباً إلى آخر، وأحرم نفسي ما أشتهيه حتى جمعت قرابة ثمانين ألفاً، وتدينت سيارة بأضعاف قيمتها، والآن بقي علي عشرين ألف ريال، ولقد أخبرني والدها إن لم آت وأكمل المهر فإنه سيزوجها برجل آخر، فكان لا بد من ذلك المسكين أن يذهب إلى والدها وأن يسلم له ما جمع بيده، فقال: زوجنيها، فعقد له عليها، فدخل بها، ولكن الأب أمسك البنت رهينة عنده حتى يؤدي باقي المهر والصداق، وقدره عشرون ألف ريال، قلت له: أليست زوجتك؟ قال: نعم؛ قلت: أوليست تحبك؟ قال: نعم، قلت: وما الذي يمنعك أن تأتي بها إلى مقر عملك هنا؟ قال: ولكن والدها يرفض حتى أكمل هذا المبلغ، ولم أجد إلا من يداينني عشرين ألفاً بستة وثلاثين ألف ريال.
فهل هذا يجوز؟ فوالله ما أجد من نفسي دهشة أو تأسياً أو حزناً لشاب يريد إعفاف نفسه، وغض بصره، وإحصان فرجه، وبعد ذلك يقع في صهر كهذا، فبئست هذه المصاهرة، فلم أجد بداً من أن أوجهه ما أستطيع، ولعل ذلك قد يجديه أو لا يجديه شيئاً ولكن المشكلة هي مشكلة ذلك الأب الذي جعل المرأة والبنت رهناً حتى يقدم ما بقي من الصداق.
هذه صورة من الصور الاجتماعية الموجودة عندنا.
وإن البعض ليقدم مهراً ثلاثين ألفاً أو أربعين ألفاً، وبعد ذلك يرد عليه مهره؛ لأن هذا المهر لا يكفي للذهب، ولغرفة النوم، وللعطورات، وللملابس ولغير ذلك، فهل الزواج إلا رحمة وسكن أو مصيبة وشقاء، وهل المهر إلا لهذه البنت وحدها تشتري به ما تشاء وتقتصر على ما تشاء، وليس لأبٍ أن يرد زوجاً لقلة مهره.
следующие страницы →