← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

كيف تدعو فرداً ؟ الدعوة إلى الله هي دعوة للخروج من ظلمة المعاصي إلى نور الهداية، ومن سراديب الجهل إلى ساحات العلم والمعرفة بالله ورسله وشرعه. وكما أن الدعوة الجماعية لها تأثير فكذلك الدعوة الفردية هي أصل التأثير وأنفع الدعوات؛ باستقراء حال كثير من المهتدين، وإذا كان نفع الشخص في الدعوة الجماعية عميقاً فهو أعمق في الدعوة الفردية.

стр. 2312

الدعوة إلى الله: مفهومها وأهميتها إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى أزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله حق التقوى، فهي سبيل النجاة لأولى القلوب السليمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. معاشر المؤمنين! لا يخافكم أن دعوة عباد الله إلى طاعة الله من أجَلِّ الأعمال وأفضل القربات، كيف لا وهي وظيفة الأنبياء، ومهمة الرسل، وديدن العلماء، وميراث ورثه الدعاة، دعوة عباد الله إلى طاعة الله، ذلكم الجواب الذي تحدث به الصحابي الجليل حينما قابل قائد الفرس، وقال ذلك القائد: ألم تكونوا جياعاً، فكنا نعطيكم كل عام ميرة أصواعاً من بر أو شعير فتكفيكم، فما الذي جاء بكم؟ فقال الصحابي الجليل: [جئنا إليكم لنخرج من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها]. أيها الأحبة! الدعوة إلى الله جل وعلا دعوة إلى النور وهجر للظلمة. الدعوة إلى الله جل وعلا دعوة إلى العلم وقطيعة للجهالة. الدعوة إلى الله جل وعلا دعوة إلى الاجتماع وتحذير من الفرقة. الدعوة إلى الله جل وعلا دعوة إلى العمل وتطليق للبطالة. الدعوة إلى الله جل وعلا دعوة إلى التعاون وهجر للأثرة والأنانية. كيف لا وهي تدور في محورها على عبادة الله جل وعلا، وعبادة الله محققة لكل خير طاردة لكل شر. أيها الأحبة! يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] ويقول جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] ففي هذا خطاب يوجه الطاقات إلى أن توظف في الدعوة إلى الله ، ويرسم لها طريق الدعوة وسبيلها ووسائلها، ويبين فضلها، وجليل منزلتها ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥] وبدأ بالحكمة قبل الموعظة، والموعظة مشتملة على العلم والبصيرة، لأن الاختيار والتوقيت، ومعرفة السبيل، وكيفية التطبيق والأداء أمر مهم جداً، الحكمة: فعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي، الحكمة: وضع الأمر في نصابه وفي موضعه، وعلى السبيل والطريقة التي تضمن بإذن الله نجاحه. فاختيار الوسيلة أمر مهم لا يغني عن وجود العلم، ووجود العلم لا يغني عن الحكمة والوسيلة، وكل أمر من الأمور لا بد فيه من صحة الوسيلة وصحة النية كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: كل أمر من الأمور لا بد فيه من صحة المقاصد، وصحة الوسائل، وإن صحة الوسائل لا تعفي ولا تغني عن صلاح المقاصد، وإن صلاح المقاصد، لا يغني ولا يعفي من صحة الوسائل. وهذا أمر جلي واضح حتى في أبسط الأمور وأيسرها، فمن أراد ونوى وقصد السفر، فإن قصده السفر لا يغنيه عن تحديد وسيلته المناسبة، ومن اختار وسيلة مناسبة في السفر دون تحديد للوجهة والمقصد، فهو ضائع هائم على وجهه. يقول نبينا ﷺ : (من دعا إلى هدى فله أجره وأجور من عمل به إلى يوم القيامة) ويقول ﷺ لـ علي، والخطاب لعموم الأمة: (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمُرِ النعم). أيها الأحبة! لن نطيل في بيان فضل الدعوة، وأهميتها، ومكانتها، ومنزلتها، فهي أمر واجب وجوباً عينياً لا تبرأ ذمة الحاكم والمحكوم إلا بالقيام به، لا تبرأ ذمة الراعي والرعية إلا بأدائه، لا تبرأ ذمة الرئيس والمرؤوس إلا بالعمل له والدعوة إليه، وتيسير سبله، وفتح أبوابه، وتنويع مجالاته، الدعوة إلى الله أمر مهم وخطير وجليل وكبير ينبغي أن يلج كل مجال، وأن يدخل كل مضمار، وأن يحل في كل مساحة ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] وواجب الدعوة واجبان: واجب يتعلق بولي الأمر ومن عينه ولي الأمر مسئولاً محاسباً متابعاً منظماً معداً لأمر الدعوة إلى الله. وجانب آخر من الدعوة يتعلق بكل فرد، يتعلق بالذكر والأنثى، والفتى والفتاة، والرجل والمرأة، قال ربنا جل وعلا: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]. فهذا دليل صريح على أن شقاً وجزءًا وجانباً عظيماً من الدعوة يتحكم في الحاكم وأجهزته وكل دواوينه المتعلقة بهذه المهمة، يتحملون فيها عبء وشرف التكليف في هذا السبيل، ويقول تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] فهذا دليل أيضاً على أن واجب الدعوة لا يقتصر في وجوبه ومسئوليته والمحاسبة عنه على الحاكم وأجهزته، بل يتعدى الوجوب إلى سائر الأمة، فكل مؤمن وكل مؤمنة مسئول عن الدعوة . وهذان الدليلان على سبيل المثال لا الحصر، لأن الأدلة من القرآن والسنة متواترة متضافرة مشتهرة على توزيع هذه المسئولية. ألا وهي مسئولية الدعوة إلى الله .

стр. 2313

الأسلوب الناجح في الدعوة إلى الله أيها الأحبة! ولنا وقفة بعد هذا لنتكلم في واحد من أساليب الدعوة إلى الله، لقد ظن أو علم كثيرٌ من الناس بما رأوا من المحاضرات، والندوات، والكلمات، واللقاءات، وطباعة الكتب، وتوزيع الأشرطة أن هذه من أساليب الدعوة إلى الله، وهذا أمرٌ صحيحٌ، ولكنهم ظنوا أن وسائل الدعوة تقف عند هذه الوسيلة الجماعية، أن الدعوة في وسيلتها وطريقتها مخاطبة للجماهير، مخاطبة للجموع، حديث مع الفئام، ومن ظن أن الدعوة اقتصرت على هذه الوسيلة فقد أخطأ وأساء فهماً.

стр. 2314

أهمية أسلوب الدعوة الفردية أيها الأحبة! هناك وسيلة مهمة من وسائل الدعوة إلى الله أوصيكم ونفسي بها، وأُحملكم ونفسي مسئوليتها، والدعوة إليها، ونشرها، والعناية بها ألا وهي: الدعوة الفردية، فإن كثيراً من الناس لا يعلم عن هذا شيئاً، وبعض الناس يظن أن الدعوة بالوسيلة الفردية استعمال لوسيلة ضعيفة غير مؤثرة، وليس هذا بصحيح، بل إن الرجال الأشاوس الأفذاذ الذين نفعوا الأمة لو رجعت إلى تاريخهم لوجدت أصل تربيتهم دعوة فردية تلقوها من عالم في حلقة علمه، وإمام ترسموا خطاه في منهج سلوكه في حياتهم. إذاً: الدعوة إلى الله بالوسيلة الفردية لا تغني عنها الوسائل الجماعية في الدعوة، من الممكن والميسر أن توزع مئات أو آلاف الأشرطة، ومئات أو آلاف الكتب، وتخاطب المئات أو الآلاف من الناس في محاضرة أو ندوة، ولكن ثق وتيقن واعلم أن عدداً كبيراً من هؤلاء لم تنفذ رسالة الدعوة إلى قلوبهم، ولم تبلغ صميم أفئدتهم؛ الأمر الذي يشكك في أثر هذه المواعظ على جوارحهم وحواسِّهم. أما التربية الفردية، أما الدعوة الفردية، فلها- بإذن الله- منزلة ومنفعة عظيمة، ولست بهذا أقلل من شأن الدعوة إلى الله بالوسائل العامة، أو بطبع الكتب وتوزيعها، ونسخ الأشرطة وتوزيعها، أو مخاطبة الجموع عبر الخطب والمحاضرات والندوات، ولكن ينبغي أن يكون لكل داعية ولكل فرد منكم جهد واضح، ومعالم بينة في الدعوة إلى الله بالوسيلة الفردية. أتدري ما هي الدعوة الفردية؟ اتصال فردي بواحد أو اثنين، فإن ذلك أدعى- بإذن الله- إلى التأثر، وإن ذلك- بإذن الله- أدعى إلى التربية الحقيقية، والاستقامة النافعة، ولها أثرٌ بالغٌ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ:٤٦] الدعوة إلى الله بالوسيلة الفردية دعوة إلى مخاطبة العاطفة والفكر، دعوة إلى مخاطبة القلب والعقل، وتأثيرٌ على السلوك، واقتداءٌ في المعاملة، ولأجل ذلك كان الاقتداء من أجلِّ طرق التأثر والتأثير في الدعوة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١] ويقول الله تعالى لنبيه، والخطاب للنبي بالأصالة، ولعموم الأمة بالتبع: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨].

стр. 2315

الدعوة الفردية: صورة من صور تطبيقها ترى شاباً منحرفاً وفي علمك أن من نفسك القدرة-بإذن الله- على التأثير عليه دون التأثر به، أو ترى شاباً فيه علامات خير، ولم توجه طاقتك بالكامل إليه، فتبدأ بالتعرف عليه أولاً، وكسب محبته ثانياً؛ لأنك لن تؤثر على أحد ما دام يبغضك، ولن تؤثر على أحد ما دام يكرهك، ولن تؤثر على أحد ما لم تكسر حواجز تمنع رسالتك من نصيحةٍ أو كلمةٍ إلى قلبه، فلا بد من كسب محبته بهدية، برسالة، بدعوة، بمناسبة، بأي وسيلة من الوسائل المشروعة التي تمكن لك في قلبه موقعاً ومكاناً، ثم بعد ذلك اعقد العزم على أن يكون ذاك الشاب، أو ذلك الرجل، أو ذلك الذي قصدت دعوته، اعقد العزم على أن يكون رفيقاً لك لمدة سنة كاملة، بمعنى الرفقة والملازمة والمتابعة، فتأخذه معك في محاضرة عامة، وتزوره ويزورك، وتتفقد المكتبات التجارية لترى ما فيها من الكتب، ولو شئت لزرت غيرها من المكتبات الخيرية، تذهب وإياه إلى درس، أو اثنين، أو ثلاثة من الدروس العلمية الشرعية في الفقه، أو العقيدة، أو النحو، أو غيرها، فيكون تلميذاً ملازماً، لهذا تجعل بينك وبينه وترسم معه منهجاً تحفظ فيه معه أجزاء من القرآن، وأحاديث من السنة، ونصوص من المتون، بمعنى اجعل هذا الرجل أو اجعل هذين الرجلين قضيتك هذا العام. إننا أيها الأحبة لو سلكنا هذا الطريق، لنمى الخير بطريقة الأعداد المضاعفة المركبة، فلو اجتهد عشرة من الشباب على عشرة مثلهم، لكانت حصيلة هذا الجهد- بإذن الله- عشرين من المهتدين، ثم إذا اجتهد العشرون، كانت حصيلة سعيهم أربعين، فثمانين، فمائة وستين، وهكذا يتضاعف الخير بهذه الوسيلة المهمة. نعم، لك أن تقول: شتان شتان بين أن أفرغ جهدي ووقتي لدعوة واحدة أو اثنين، وبين أن أقف خطيباً، أو محاضراً، أو متحدثاً أمام ثلاثة آلاف، أو أربعة آلاف، لا شك أن الأرقام هنا بينها بونٌ شاسعٌ، وفرقٌ واسعٌ، ولكن ثق أن الجماهير- في الغالب- عاطفتها وقتية، في الغالب من تأثر منها فإنما يتأثر في لحظة سماع الموعظة أو الخطبة أو النصيحة، وليس هذا تقليل لشأن الخطبة أو المواعظ، ولكن ذلك -كما قلت- يوجه، ولا يغني عن الدعوة إلى الله بالوسيلة الفردية. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2316

أثر الدعوة الفردية على المدعوين الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار. أيها الأحبة في الله! إن الشريط والكتاب له أثرٌ بالغ، ولكن الشريط يخاطب حاسة السمع، والكتاب يخاطب العقل بواسطة البصر، وأما الدعوة الفردية فهي دعوة تخاطب السمع والبصر كل صفة قابلة للتوجيه والتأثر في المدعو، لذا كان لزاماً أن يتحمل كل واحدٍ منا، وكل من ينسب نفسه إلى هذه الأمة المباركة، إلى هذه الدعوة السامية وإلى هذه الأمة الوسط أن يتحمل كل واحدٍ منا مهمةً ودوراً عظيماً في الدعوة إلى الله ، لا تكتفي برسالة ترمي بها لصاحبك، أو بشريط يوزع في مناسبة، أو كتاب تسلمه في يده، بل إنا نسألكم، ونسأل من يعدون أنفسهم مستقيمين، أو يعنون بأمر الدعوة، ويهتمون بأمر الإسلام والمسلمين، نقول: إلى جانب كل جهودكم أين جهودكم في الدعوة الفردية؟ العلم ميراث، بل حتى أمور الدنيا ميراث، تجد أنواعاً من الصناعات والحرف يتوارثها حفيدٌ عن أب، وأبٌ عن جد، وجدٌ عن أجداده، فالدعوة تلزم من كل واحد قادر أن يجعل له تلاميذ أن يكون له أصحاب يتعاهدهم كما يتعاهد الزارع زراعته، يهتم بهم كما يهتم التاجر بثروته، يتفقدهم كما يتفقد المستثمر أمواله، تحج بهم ومعهم، تعتمر بهم ومعهم، لا تنقطع عنهم في الأسبوع المرتين والثلاث، تحضر معهم ويحضرون معك دروس العلماء وطلبة العلم، تذهب وإياهم إلى المحاضرات والحفلات والمهرجانات النافعة حتى لو اقتضى الأمر أن يكون حظك في تسوق بعض حاجاتك وبعض حاجاتهم على وجه من الذهاب سوياً وجميعاً ففي هذا خير. أيها الأحبة! إن التربية الحقيقية هي ثمرة من ثمار الدعوة الفردية، الكلمات العامة في المناسبات العامة تخاطب خطاباً عاماً وخطاباً خاصاً، ولكنها لا تحيط بحياة المدعو، فلهذا الذي يسمع كلامك الآن يتأثر بك قليلاً، فلما يعود إلى شاشته يجلس متكئاً واضعاً رجلاً على رجل ليسمع ويرى نقيض وخلاف كل ما خطبت عنه، أو تكلمت فيه، وربما ارتكب شيئاً من الأفعال التي حذرت منها، أما الدعوة الفردية إلى جانب هذه الوسائل المباركة، فإنها تأثير على الوجدان، تأثيرٌ على الفكر الذي يتحكم بالحواس والجوارح، تأثيرٌ على القلب، تأثيرٌ على المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله. إننا لا نريد النتائج بالعشرات، أو بالمئات، وإنما نسأل كل شاب من الشباب -والخطاب للشباب وللشابات، والرجال والنساء، والكبار والصغار- ونخصهم بهذا الخطاب؛ لأنهم أحرى وأدرى وأقوى على اختيار هذه الوسيلة وتطبيقها: هل جعلتم في برنامجكم، وأنتم في بداية هذا العام الهجري (١٤١٤هـ) وتستقبلون إجازة عظيمة، هل جعل كل واحد منكم في ذهنه أن يجعل محصلة عمله، وثمرة جهده في هذه الإجازة واحداً، أو اثنين من الشباب يرافقهم ويلازمهم، ويعتني بهم، ويحل مشاكلهم، ويجتهد في فهم أمورهم، وتأثيره على سلوكهم؟ ثقوا أيها الأحبة أننا وأنكم ستجدون أثراً مضاعفاً مركباً في هذا المجتمع، فكل سنة تجدون صوراً، ومزيداً من الصور المشرقة في صلاح الأمة، وهذا لا يغني عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمعنى أنه لا يغني عن وظيفة الحسبة، وهذا لا يقلل أو يغني من الدعوة بالأساليب الجماعية كالخطب والمحاضرات، والندوات، واللقاءات، وتوزيع الكتب والأشرطة، ولا يغني عن غيره من الوسائل، ولكن الوسائل مجتمعة بدون استخدام هذه الوسيلة -أي: الدعوة الفردية- تبرز وتبين أن النتيجة ربما كانت ناقصةً، أو ليست في حجم ما نطمح إليه ونرغب فيه. لذا أيها الأحبة أعيد وأكرر، وأزيد وأبين، وأخص الشباب بهذا ألا يكون نصيبكم من الالتزام فقط التزامكم الشخصي، وذهاب الواحد بنفسه إلى حلقة العلم منفرداً وعودته منفرداً، ذهابه إلى المكتبة منفرداً وعودته منفرداً، ذهابه إلى المعهد العملي أو المركز الصيفي منفرداً وعودته منفرداً، ذهابه إلى العمرة منفرداً وعودته منفرداً، بل لا بد أن يجعل معه واحداً أو اثنين يذهب بهم إلى حلقة العلم والمحاضرة والمعهد، والمركز، والحج والعمرة، والسفر، وزيارة العلماء وطلاب العلم. وهنيئاً لك يوم القيامة يوم أن تقف بين يدي الله جل وعلا في وقت ذهلت فيه كل مرضعة عما أرضعت، ووضعت كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى من شدة عذاب الله وهول ما يرون، في وقت كل يفر من صاحبه، الأم تفر من ابنها، والزوج من زوجته، والأخ من أخيه، في ذلك الوقت ستجد صيامك وصيام هذا الذي أثرت عليه في موازينك، ستجد تهجدك وصلاتك، وتهجد اثنين ممن أثرت عليهم، ستجد علمك وعلم اثنين أو ثلاثة ممن أثرت عليهم، ولو صدقت النية لكان لك في نهاية كل سنة ميزانية ثرية، وميزاناً يخبرك أنك رابح حيث كانت نتيجة سعيك، ومحصلة عملك أن اهتدى على يديك في هذا العام اثنين، واهتدى على يديهم عشرين، وعلى يد العشرين آخرين، فيكون الجميع في ميزان أعمالك يوم القيامة. أرأيتم كيف تكون الدعوة من أجَلِّ الأعمال، وأربح البضاعات، وأجّلِّ القربات، أرأيتم كيف أن الحسنات في الدعوة إلى الله تضاعف مضاعفةً مركبةً لا حصر لأرقامها إلا بعلم الله جل وعلا إذا صدقت النوايا، وصحت الوسائل. فيا شبابنا، ويا رجالنا، ويا أبناء أمتنا، ويا معاشر المؤمنين والمؤمنات الدعوة الفردية، وهذا الخطاب يصح أن يوجه للمرأة، وللنساء، فللمرأة أن تؤثر على صاحبتها بزيارتها، واستضافتها، وحضور المحاضرات معها، إني أعجب يوم أن تجد منتقداً ينتقد فتاةً تحضر محاضرة، أو ينتقد امرأةً قد سجلت اسمها في مدرسة تحفيظ القرآن، أو في مركز صيفي يعنى بتحفيظ القرآن الكريم، لكنه ما انتقد تلك التي حظ السوق منها خمسة أيام من الأسبوع، وحظ حديقة الحيوانات يومين من الأسبوع، وحظ الملاهي اثنين أو ثلاثة، وحظ المناسبات والزيجات في الفنادق وقصور الأفراح أياماً متعددةً، تجد عجباً! لا تجد من ينكر على تلك المرأة التي ضاع ليلها ونهارها بين الحدائق والمناسبات والأسواق، ولكن يقول بعضهم: ما سمعنا بالتزام امرأة تحضر محاضرة، أوليس خيراً لها أن تسمع إذاعة القرآن الكريم فقط؟ ما سمعنا بامرأة تخرج إلى ندوة نسائية، أولا يكفيها أن تسمع الشريط بعد تسجيله؟ ما سمعنا بامرأة كذا وكذا، لكنه يعلم علم اليقين حال تلك التي خرجت لتفتن الرجال وتفتن نفسها، وأن شر البقاع عند الله أسواقها، وأن شر فتنة أنزلت على هذه الأمة المال والنساء، فلا ينكر من هذا قليل ولا كثير، لكنه ينكر على الفتاة الصالحة، وعلى المرأة المسلمة المتدينة، ينكر عليها اهتمامها بالدعوة الفردية أيضاً، فالخطاب للجميع أن يتبنى كل واحد في كل عام رجلاً أو رجلين، والفتاة تتبنى صديقةً أو صديقتين، امرأةً أو امرأتين، فتعتني ويعتني الكل بصاحبه عنايةً فائقةً، وإن النتيجة-بإذن الله- نافعة.

стр. 2317

لا يجدي تعداد الأخطاء ولكن علاجها إن مهمتنا في الدعوة تعبيد الناس لله ، وإن وظيفة الأنبياء هي تعبيد الناس لله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] وليعلم كثيرٌ من الشباب أنه ما ضره ولن يضره أن يعرف الكثير أو القليل عن أخطاء الحكام والحكومات، ولن يضره أن يجهل الكثير أو القليل عن المخالفات في أي مجال من المجالات المتعلقة بفلان أو علان، ولكن سينفعه -بإذن الله- اشتغاله بالدعوة إلى الله، اشتغاله بتعبيد الفرد لله، وتعبيد الفتاة لله، اشتغاله بتطويع السمع والبصر واليد والرجل والحواس لله ، اشتغاله بأن يعبد الله على بصيرة، أن تؤدى الصلاة كما صلاها رسول الله ﷺ ، أن يشتغل العبد بطاعة الله وتطبيق أوامر الله، ولن يضره لو جهل أخطاءً من حكام، أو حكومات، أو مسئولين، أو مؤسسات، أو هيئات. من المؤسف أن تجد قليلاً يرى أن الدعوة هي اشتغال في المجالس بأخطاء فلان وعلان، وزلات فلان وعلان، والهيئة الفلانية، والمؤسسة الفلانية، والرجل الفلاني، والمسئول الفلاني، وقس وألحق ما شئت من الألقاب والهيئات بعد هذا، ولكن اعلم أن هذا لن يكون في موازينك يوم القيامة. لو أخذت عشرةً أو عشرين من الشباب، وأعلمتهم باختلاس مالي، وأخبرتهم عن سرقة، وحدثتهم عن تلاعب، وأشغلتهم بأي أمر من هذه الأمور وأضرابها وأصنافها، فإن ذلك لن يؤثر في سلوكهم في حياتهم. لكن لو امتلأت قلوبهم حباً في الجنة، وخوفاً من النار، لانعكس هذا على صلاح سلوكهم، وانعكس هذا على بيان البصيرة والطريقة الصحيحة في دعوة أولئك المخطئين أو المختلسين أو الواقعين في المنكرات، كثيرٌ من الناس يظن أن الدعوة اشتغال بأخطاء الأشخاص والهيئات والمؤسسات، وليس هذا بصحيح، الدعوة تعبيد الناس لله، الدعوة تطويع الناس لله، الدعوة تسخير النعم في طاعة الله ، هذا هو المهم والخطير الجليل الذي سوف ينفعنا وينفكم بإذن الله. يقول الإمام الجهبذ العلامة ﵀ رحمةً واسعةً محمد الأمين الجَكني الشنقيطي صاحب" أضواء البيان " والكتب المعروفة، يقول لولده: يا بني إن الله لن يسألك يوم القيامة لماذا لم تشتم فرعون -هل يوجد طاغية أشد طغياناً منه، وأضل ضلالاً منه؟ - ولكن الله سيحاسبك على عرض كل مسلم زللت فيه. وهذه مسألة مهمة. إذاً: فالتربية والدعوة الفردية حينما نتحدث عنها هي دعوة إلى التربية بمعناها الحقيقي، دعوة إلى تعميق التقوى والمراقبة والمحاسبة والخوف من الله جل وعلا. أما أن تعلم الشباب بما ظهر من ألوان وأصناف الفضائح والجرائم والمنكرات سواء في مجلات أجنبية، أو بما يتناقله الناس إن صدقاً، وإن كذباً، لكن ثم ماذا؟ تجد واحداً يتحدث عن تلك الفضيحة الفلانية، وهو يشعل سيجارته ويتعاطى شرب الدخان، وما أثر ذلك على سلوكه، ويرى زوجته تنظر في صور الرجال الممكيجين الذين تجملوا بالمكياج ومساحيق التجميل ولا يغار عليها، وهو يعلم ويعرف عن كثير من الأخطاء، ولكن ما أثر ذلك في سلوكه، ويرى ابنته تخرج إلى السوق ويكثر خروجها وما أثر في سلوكه، والشاب يرى هذا من أخته ولا يغار أو ينكر عليها، هذه هي الدعوة التي لا تؤثر في النفوس أي شيء؟ إذاً: الدعوة الحقيقة التخويف بالنار، والترغيب بالجنة، وتعبيد الخلق لله، وتسخير الجوارح في طاعة الله، وتعميق المراقبة لله، تعميق التقوى في النفوس بحيث إذا ازدانت، وازدهرت، وتزخرفت المعصية، وغلقت الأبواب، وحضرت الشهوة، وقام الشيطان، ودعي المسلم إلى المعصية، قال: إني أخاف الله، قال: معاذ الله، قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧] هذه ثمار الدعوة. أما أن نظن أن من أهم وأصول الدعوة بيان الأخطاء، والفضائح، والمشكلات، ونظنها وقوداً وزاداً نربي به الجيل والأمة، فثقوا -والله- وأدين لله بهذا الكلام، أقوله تعبداً: أنك لو أخذت شاباً عمره من العشرين إلى الثلاثين، وأنت تبين له فضائح الأنظمة، وأخطاء الحكام، ومصائب الهيئات، وأفعال المؤسسات والمعارف حتى بلغ الثلاثين من عمره، فلن يؤثر هذا في سلوكه شيئاً، سيمتلئ قلبه غيظاً وحقداً وكمداً وحسداً وبغضاً، ولن يؤثر في واقعه شيئاً، اللهم إلا نشر الحسد، والتشاؤم، والإحباط، وعدم التفاؤل في صلاح الأمة. أما لو أشغلته بحفظ القرآن والسنة، وتعبيد جوارحه لله، ومراقبة الله، وفعل مرضاة الله، ولا يمنع ذلك إن علم، أو إن رأى خبراً، أو سمع أمراً، فله أن يحكم عليه، إن رأى أمراً، أو سمع به في شاشة، أو مجلة، أو جريدة، لا يعني ذلك أن يسكت عنه، ويقول: ليس من المصلحة أن نحكم عليه بأنه حلال أو حرام، إذا رأى ما يخالف شرع الله فسئل عنه، أو أراد أن يبين حكمه لنفسه، أو من حوله، يقول: هذا لا يرضي الله، هذا لا يجوز، هذا يسخط الله، هذا كبيرة من الكبائر، هذا أمر خطر، هذا يسبب الهلاك والفساد، ويقف عند هذا الحد، ولا يجعل شغله الشاغل الكلام عن الآخرين، لا يجعل شغله الشاغل في تربية من حوله، ودعوة أبنائه، أو إخوانه، هذه القضية، ففي هذا أمرٌ مهمٌ جداً جداً. أسأل الله أن يسددنا وإياكم إلى الوسيلة والطريقة النافعة في الدعوة إلى الله، وأسأله أن يهدينا لمعرفة أسباب مرضاته، ولزومها، وتنجب أسباب سخطه والبعد عنها. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين. اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم انصر المسلمين في البوسنة والهرسك، اللهم انصر المسلمين في الفلبين، وكشمير، وأركان، وطاجكستان، اللهم اجمع شملهم في أفغانستان، وانصر المجاهدين في فلسطين، وإريتريا وأرومو، وسائر البقاع يا رب العالمين. اللهم أهلك أعداء المسلمين، اللهم عليك بالهندوس والصربيين، اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم فرق شملهم، وشتت جمعهم، وقسم دولهم، واجعلهم غنيمةً للمسلمين يا رب العالمين. ربنا لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا متزوجاً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا أيماً إلا زوجته. اللهم اجمع شملنا وحكامنا وعلمائنا ودعاتنا على طاعتك، وسخر لنا ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأراضين بقدرتك. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2318

كيف تقضي الإجازة ؟ أيها الأحبة: الإجازة تقدم علينا في كل عام، وهي قطعة من أوقاتنا وأعمارنا، تحتاج إلى برامج عملية جادة، وإلا فستعود على أصحابها بما لا جدوى فيه ولا طائل تحته، والناس في قضاء هذه الإجازة أصناف، وفي هذه المادة تقفون وقفات مع أصناف الناس في الإجازة والسياحة.

стр. 2319

أصناف الناس أمام الوقت الحمد لله، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نرجو بها النجاة يوم القيامة، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة، ونصَح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتَرَكَنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. معاشر المؤمنين: بعد أيام قليلة أو أقل من قليلة يستقبل كثير من الشباب والطلاب، وربما رتَّب بعضُ الموظفين حساباته من أجل أن يوافقهم في استقبال إجازة طويلة تحتاج برنامج عملي جاد وتطبيق نافع، وإلا فستعود على أصحابها بالوبال وضياع أوقاتهم فيما لا جدوى فيه ولا طائل تحته. أيها الإخوة: الناس أمام الوقت أصناف: فمنهم من يرى الوقت محنة؛ يبحث ويقلِّب في ألوان السبل للقضاء عليه ولقتله والتخلص من بياض نهاره وسواد ليله، فتراه يبحث عن مواقع اللهو ومواطن السياحة التي لم يفقه أو لم يعبأ أو لم يكترث بمآلها وعواقبها. وآخرون ينظرون إلى الوقت غنيمة بكل ما تعنيه الغنيمة من معنى، فتحتاج إلى المبادرة بالاستفادة، وإلى الإعداد قبل الدخول فيها. وأقوام تمر عليهم الأوقات يستوي فيها ليلها ونهارها، وجدها وهزلها، ونافعها وضارها، فهم كما قال القائل: ولكنها عن قسوة القلب قحطها فيا ضيعة الأعمار تمضي سَبَهْلَلا أيها الأحبة في الله: إن هذه الإجازة هي قطعة من العمر، هي قطعة من الحياة والزمن، وكل يوم يمضي منها فهو مقرِّب إلى القبر والموت واللحد والنهاية والآخرة، فالعاقل ينظر إلى هذه الإجازة أنها مطايا تحثه وتسير به إلى آخرته؛ نعم قد يُسَرُّ البعض بحلول هلال شهره، وزوال بدر شهره، وهو كما قال القائل أيضاً: يَسُرُّ المرء ما ذهب الليالي وإن ذهابَهن له ذهابا أيها الأحبة في الله: إن المتأمِّل في هذه الإجازة بعين البصيرة، وبمنطق الدليل، وهُدى الوحي من الكتاب والسنة، ليراها قطعة من عمره، وقطعة من حياته تقربه إلى الآخرة، فما تُراه صانعاً بقطعة من عمره؟! أيقتل قطعة من عمره؟! أيفني أياماً وليالي من حياته؟! أيتخلص من فرصة قد أوتيها ليعمل فيها ويزرعها ويغتنمها؟! أيتخلص منها حتى تنتهي بلا فائدة؟! إن ذاك والله هو الغبن الفاحش الواضح البيِّن، حيث يقول ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ). ومن تأمل حال المرضى والمشغولين، وَجَدَ الأصحاء والفارغين في نعمة، إما أنهم يستفيدوا منها أو يُغْبَنوا فيها. انظر صحيحاً لم يجعل من صحته حظاً للصيام، ولم يجعل من قوته مكاناً للقيام والتهجُّد، ولم يجعل من عافيته سبباً لنفع الآخرين أو قضاء حاجاتهم، أو السعي إلى حِلَق الذكر ورياض الجنة، أو الجد في طلب العلم والدعوة إلى الله جل وعلا، أين مضى عُمُرُه؟ وأين ذهبت عافيتُه؟ وانظر إلى آخر لا شغل له؛ أيامه ولياليه مليئة بالساعات الفارغة فلم يصرف شيئاً منها فيما ينفعه في دينه أو دنياه، أو ينفع غيره بأي وجه من سبل النفع ومساعدة الآخرين: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ). ولذا جاء في حديث النبي ﷺ : (اغتَنِمْ خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، وخذ من نفسك لنفسك، ومن دنياك لآخرتك). الفراغ الذي يقدم عليه كثير من الشباب والبنات والرجال والنساء وغيرهم إن لم يُعد له برامج ومشاريع لتملأه وإلا فستمضي بلا فائدة من أعمارهم. لذا أيها الأحبة حري بكل واحد منا أن ينظر فيما يملؤ وقته وفيما يشغل فراغه، ولينظر ما هو البرنامج الذي اختاره، هل ينفعه في دينه؟ أو ينفعه في دنياه؟ أو ينفعه في الدنيا والآخرة؟

стр. 2320

أصناف الناس في السياحة بعد هذه المقدمة اليسيرة ننتقل إلى طائفة قد ربطوا أمتعة السفر وتهيئوا بحجز وتذاكر إلى دول مختلفة لقضاء إجازة نهاية العام، وهم على أصناف: فمنهم من لا برنامج له في السياحة إلا رؤية شلالٍ هادر، أو بحيرة واسعة، أو جبل تكسوه الخضرة، أو برج شاهق، أو بناية تنطح السحاب، أو مدنية متقدمة، وحضارة معاصرة، فلا حظ له من سياحته إلا هذا، فذاك -أيها الأحبة- الواقع والعقل والمنطق شهود عليه أنه يخسر أكثر مما يربح، إذ أن كثيراً من البلاد التي توجد بها تلك المشاهد، وتقع بها تلك المواقع الغالب على كثير منها الإباحية والانحلال والتبرج والسفور، وسبل الخنا متاحة، وأبواب الدعارة مُشْرَعَة، والأزقة العامة مليئة بمن يتاجرون بلحوم الفساد والعياذ بالله. وطائفة يسافرون: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١١] يقولون: نسافر للسياحة، وهم أقرب إلى الوقوع في الفساد من السيل إلى منحدره، يقولون بألسنتهم: نسافر لأجل السياحة، فإذا خلوا في فنادق الدرجة الأولى أو الشقق المفروشة أو الأماكن المشهورة التي يعرفها بعضهم أو كثير منهم لم يتمالك نفسه أمام عَرض رخيص، أو فتنة بشعة، أو بين يدي مشهد يهز مشاعر الفساد في النفس، ويدعو النفس إلى الوقوع في الفاحشة، والله جل وعلا يقول: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤]. اسأل بعض الذين ذهبوا وسافروا وطاروا وارتحلوا، قل لواحد منهم -إن أعطاك لحظة من الصراحة معك-: لماذا تسافر؟ فهل قال: سافرت لأجل الزنا؟! أو قال: سافرت لأجل الخنا؟! أو قال: سافرت لأجل اللحوم العارية؟! لا، وإنما قال: سافرت للسياحة، سافرت للاستطلاع، سافرت لرؤية كذا وكذا. ووالله لو أن عبداً من عباد الله لم يعرف عن الأبراج حرفاً، ولم يعرف عن الشلالات كلمة، ولم يعرف عن البحيرات جملة، ولم يعرف عن الجبال نثراً، ولم يعرف عن الطبيعة شعراً، ما ضره ذلك يوم يلقى الله جل وعلا، ولن يحاسبه الله أو يقال له: يا عبد الله، لماذا لم تعرف جزر هاواي، أو الشلالات الهادرة، أو البحيرات الواسعة، أو الجبال المكسية بالخضرة، ولكن: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فِيْمَ أفناه؟ وعن شبابه فِيْمَ أبلاه؟ وعن علمه ماذا عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفِيْمَ أنفقه؟).

стр. 2321

حقيقة السياحة إلى بلاد الكفار السياحة تلك الكلمة التي هي نوع فسادٍ يتربع الجرائد والمجلات فلا يستطيع البعض أن ينكره! السياحة بوابة من بوابات الخنا! السياحة بوابة من بوابات الدعارة! السياحة بوابة من بوابات إثراء الاقتصاد الغربي، ودعم الدول التي تؤذي المسلمين وتضطهدهم! السياحة بوابة من بوابات تضييع أوقات المسلمين وأبنائهم! وليست السياحة بجميع جوانبها، بل السياحة في ذاك النوع الذي تحدثنا عنه آنفاً. نعم أيها الأحبة، إن كثيراً ينفقون تحت دعوى السياحة مئات الآلاف أو عشراتها! ويقال لأحدهم: إن مرضعة صومالية ورضيعاً أشبه بالهيكل العظمي، عَظْمٌ يتربع على عظم أمه ويمص ثدياً لا قطرة من الحليب فيه، فيقال لأحدهم: ائتِ أو أعطِ أو ابذل من أموال سياحتك لهؤلاء الفقراء، فيقول: لا، هكذا قدر الله عليهم. قد يمعن الله بالبلوى وإن عَظُمَتْ ويبتلي الله بعض القوم بالنِّعَمِ أما يخشون الله؟! أما يخافون الله؟! أما يعلمون أن الليالي دول والدهر قُلَّب؟! ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] ينفق أحدهم على علبة المشروبات الغازية خمسة ريالات في الوقت الذي لا تساوي فيه ريالاً واحداً، ولو قيل له: ابذلوا قيمة هذا لمرضعاتٍ وأطفال رُضَّع قد بلغوا من الجوع والعطش مبلغاً؛ لم يبالِ ولم يكترث، وما موت البهائم على قارعة الطريق وموت إخوانه في أرض المجاعة إلا بميزان واحدٍ أو مقياس واحد. وآخر يقال له: آلافك هذه تكفل مئات الدعاة في الفليبين، أو في القارة الخضراء في أفريقيا، الداعية يُكْفَل في السنة الواحدة بألف ومائتي ريال. فلأَنْ تبذل هذا المال لوجه الله جل وعلا بدلاً من أن يُبْذل المال لفنادق يهودية أو شركات سياحية تعود ملكياتها إلى علمانيين فجرة أو غربيين كفرة، تجده متردداً! تهون الآلاف في الفنادق وفي البرامج السياحية لكنها صعبة شديدة عظيمة ثقيلة يوم أن يقال له: ابذل بعض هذه الآلاف لكفالة الدعاة إلى الله جل وعلا. وهذا مثال، واللبيب بالإشارة يفهم، وعلى هذا فقِس، ولا تعييك المسائل لكثرة الشواهد والوقائع فيما تراه من واقعك. أيها الأحبة: نقول لأولئك الذين يهمون بالسفر وقولوا لهم أنتم أيضاً: أنتم أدرى بأنفسكم: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤] وما يعرف صراحة الإنسان أحد كمعرفته صراحة نفسه: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة:١٥] حتى لو أظهر أو أعذر أو صنع أو لفق أو جَمَّع من الأعذار والأقوال، هو أدرى بنفسه؛ هل سافر لأجل أفلام خليعة، أو لمناظر مجردة؟! هو أدرى بنفسه. من كان هذا همه فليتذكر أن أناساً سافروا أشداء أقوياء وعادوا جنائز في التوابيت، وليتذكروا أن بعضهم سافر مبصراً وعاد كفيفاً، وبعضهم سافر نشيطاً وعاد معوقاً مشلولاً، وبعضهم عاد بكثير من الذنوب والأوزار والسيئات مريضاً، وربما كانت نهايته في سوء خاتمته وسوء مآله وغايته ولا حول ولا قوة إلا بالله! وليتذكر أن عليه من الشهود ما لا يحصى، فأرض وطئها تشهد عليه، وملائكة كرام كاتبون يشهدون عليه، وجارحة عصى الله بها تشهد عليه، والخلق شهود عليه، والنبي ﷺ شاهد عليه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] وقبل ذلك وبعده شاهد عليه مَن لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض والسماء ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] شاهد عليه مَن يعلم كل دقيق وجليل، من يعلم ويسمع دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء. قولوا هذا لمن علمتموه تعود السفر للتبذير وصرف المال هناك بلا فائدة، وبلا غاية وحاجة.

стр. 2322

قولوا لمن علمتموه تعود السفر بلا غاية وحاجة: أيها الأحبة: نقول لأولئك الذين يهمون بالسفر وقولوا لهم أنتم أيضاً: أنتم أدرى بأنفسكم: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤] وما يعرف الإنسان صراحة أحد كمعرفته صراحة نفسه: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة:١٥] حتى لو أظهر أو أعذر أو صنع أو لفق أو جَمَّع من الأعذار والأقوال، هو أدرى بنفسه؛ هل سافر لأجل أفلام خليعة، أو لحوم رقيعة، أو لمناظر مجردة؟! هو أدرى بنفسه، من كان هذا همه فليتذكر أن أناساً سافروا أشداء أقوياء وعادوا جنائز في التوابيت، وليتذكروا أن بعضهم سافر مبصراً وعاد كفيفاً، وبعضهم سافر نشيطاً وعاد معوقاً مشلولاً، وبعضهم عاد بكثير من الذنوب والأوزار والسيئات مريضاً، وربما كانت نهايته في سوء خاتمته وسوء مآله وغايته ولا حول ولا قوة إلا بالله! وليتذكر أن عليه من الشهود ما لا يحصى، فأرض وطئها تشهد عليه، وملائكة كرام كاتبون يشهدون عليه، وجارحة عصى الله بها تشهد عليه، والخلق شهود عليه، والنبي ﷺ شاهد عليه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] وقبل ذلك وبعده شاهد عليه: مَن لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض والسماء، شاهد عليه: مَن ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] شاهد عليه: مَن يعلم كل دقيق وجليل، من يعلم ويسمع دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء. قولوا هذا لمن علمتموه تعود السفر للتبذير وصرف المال هناك بلا فائدة، وبلا غاية وحاجة.

стр. 2323

كيف يهنأ لمسلم سياحة كيف يهنأ لمسلم مُنْتَجَع؟! وكيف يهنأ لمسلم سياحة وهو يعلم أن الأعراض في البوسنة تُنْتَهَك، يتعاقب الصرب على فرج الفتاة العذراء الصغيرة؟! وكيف تهنأ السياحة والجياع يموتون في الصومال جوعاً؟! وكيف تهنأ السياحة والمسلمون في الفليبين الآن في كتباتو وفي مراوي يواجهون حرباً شعواء ضروساً من النصراني راموس؟! السياحة كيف تهنأ بها والفتن محيطة حتى ببلادنا هنا؟! فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ من كان يقول: إن واقعنا اليوم كواقعنا قبل سنتين فقط فلا حظ له من الفهم والوعي السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإعلامي: (انتهى وقت النوم يا خديجة). قال امرؤ القيس لما قُتل أبوه: اليوم خمر وغداًَ أمر. انتهى هذا العبث، وانتهى ذاك اللهو، وقد آن لنا أن نعمل، وآن لنا أن نجد، وآن لأفعالنا أن تنطق ولو سكتت ألسنتنا. صامت لو تكلما لفظ النار والدما وأخو الحزم لم يزل يده تسبق الفما لا تلوموه قد رأى منهج الحق أظلما وبلاداً أحبها ركنُها قد تهدما وطغاةً ببغيهم ضجت الأرض والسما كيف تهنأ السياحة والأبرار الأحرار، الأتقياء الأوفياء الأصفياء خلف القضبان في السجون والزنازين في بلاد تدَّعي الإسلام وقد ملئت سجونها بعشرات الآلاف من المسلمين. أيها الأحبة: إن القضية والمأساة والأزمة إنما هي في القلوب، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم). فإلى أولئك الذين قد أعدوا عدة السفر نقول: أحبابنا! اتقوا الله، إخواننا! راقبوا الله، إخواننا! أربعوا على أنفسكم ففينا وفيكم من الذنوب والعيوب والزلات والهفوات ما الله به عليم، فلا حاجة أن تطفح الموازين بمزيد من الذنوب والمعاصي. نقول لأولئك الذين جمعوا ريالاً مع آخر، وديناراً مع آخر: اصرفوها وابتغوا بها وجه الله تنفعكم: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. وما نهاية عبدٍ جوَّال؟! ما من شلال إلا وتمتع بالنظر إليه، أو جبل إلا وأكل وجبة على سفحه، أو سهل إلا وتناول شراباً على خضرائه، أو بحيرة إلا وتناول الشاي على أطرافها، أو بحر إلا وأبحر بزورق في أمواجه، ما هي نهايته؟ نهايته اللحد كنهاية مَن لم يعرف في السياحة ألفاً ولا باءً، مادامت النهاية هي اللحود فاعمل لدار البقاء. فاعمل لدار غداً رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها ابنِ ما شئت، واشترِ ما شئت، وعَمِّر ما شئت، فليست تلك بدورك، وليست بقصورك، وليست بمنازلك، إنما منزلك البرزخي لحد طوله متران وعرضه شبران، هذا هو بيتك، وهذا هو مآلك، وهذا هو مصيرك، ولو كنت ضابطاً مرموقاً فلن يُدفن جندي معك، ولو كنت رئيساً عظيماً فلن يُدفن خادم معك، ولو كنت ثرياً كريماً فلن يُدفن دينار معك، ولو كنتَ مَن كنتَ فلن يُدفن معك ولن يؤنِّسك إلا عملُك الصالح. بعد هذه الجولة الطويلة في الدنيا بأبعادها وجنباتها يموت ابن آدم، وفي نهاية الرحلة يودعه ويشيعه ثلاثة: عمله، وماله، وولده، فيرجع ماله وولده ويبقى عمله، فاعمل لنفسك.

стр. 2324

همسة صراحة وعتاب وكلمة مودة وعتاب، وهمسة صراحة نقولها لأولئك الذين يسافرون بالنساء والبنات، بالزوجات والأمهات، والصغيرات والكبيرات، ويرون أن هذا صورة من صور التقدم والوعي والمدنية والحضارة: ما ضَرَّ أَمَةً من إماء الله عفيفة شريفة حيية متحجبة تغض طرفها، لا تخضع بصوتها ما ضرها أنها لم تعرف شيئاً عن تلك البلدان، ولكن ضَرَّ فتاة من إماء الله أن رأت مشهداً احتقرت به زوجها، أو رأت صورة أبغضت فيه بلادها، أو جلست مجلساً كرهت فيه دينها، أو ارتكبت ما حرم الله عليها، أو عادت إلى بلادها وكأنها تعود من حرية السماء إلى سجن الأرض. إن كثيراً من الناس يجنون على بناتهم ونسائهم، ولا تقولوا: لن يقع فقد وقع، والشواهد كثيرة، أناس ينهون عن الحق وينأون عنه، لا يكتفون في سياحتهم بفساد أنفسهم بل يسافر الواحد منهم ثم تنتهي الرحلة مع الأهل والزوجة والأسرة في مطار لندن أو باريس، ثم يشق طريقاً منفرداً له، وتشق الأسرة طريقاً آخر منفرداً لها، فلا تسأل عما يفعل، ولا تسل عما يفعلون أو يُفعَل بهم! أيها الأحبة! نقولها وقلوبنا يعتصرها الأسى غيرةً وحباً وشفقةً لإخواننا الذين ضاقت بلاد التوحيد بأطرافها أن تستوعب مراح قلوبهم وفساح أفئدتهم؛ لكي يبحثوا عن السياحة في بلدان أخرى، فلنكن صرحاء: إن كانت السياحة بحراً؛ ففي بلادنا بحار. وإن كانت السياحة جبلاً؛ ففي بلادنا جبال. وإن كانت السياحة رملاً؛ ففي بلادنا رمال. وإن كانت السياحة هواءً عليلاً ومواقع في جبال شاهقة؛ ففي بلادنا كذلك. وإن كانت السياحة خلاعة تُعْرَض، أو خموراً يؤذن بها، أو دعارةً مقننة، أو سينما يحميها النظام والقانون؛ فهذا هو بيت القصيد! والآن جاءت المسألة! من أراد السياحة فليسأل نفسه؛ إن كان جاداً يريد أن يغير شيئاً من مكانه فسيجد بنصف تكلفة سفره داخل بلاده إن شاء في الشمال أو في الجنوب وإن شاء في الشرق أو الغرب؛ لكن لن يرى صليباً يُعْبَد، ولن ينقطع الأذان عن مسمعه، ولن يرى فواحش جهاراً نهاراً، أو كبائر إلا الربا، فأقول: خير لك أن تقضي سياحة إجازتك أو إجازة سياحتك في حدود بلدك، ففيها إثراء للقوة الاقتصادية في الداخل، وفيها حفظ لدينك ولدنياك، وحفظ لأهلك ولزوجتك، ولعل إقدام الكثيرين على السياحة داخل بلادهم يجعل المسئولين يعملون جادين في تطوير برامج السياحة في الداخل بما لا يحدث فتنة أو ينشر فساداً.

стр. 2325

لكل قوم سياحة وأنتقل بعد ذلك إلى السائحين الراكعين العابدين؛ فريق لهم في الإجازة سياحة، ولكنها سياحة الجهاد والدعوة، يخرجون في سبيل الله ولوجه الله، ابتغاء مرضاة الله؛ فيبحثون عن المساجد التي لم يُلتفت لها فيعطون أهل المساجد وعُمَّارها ما جمعوه طيلة هذه الأشهر، ويعلِّمونهم القرآن، ويعلِّمونهم أحكام الصلاة، وسنة المصطفى ﷺ ، ويدعونهم إلى كل فضيلة، ويحذرونهم من كل رذيلة، إن وجدوا قبراً أنكروه ولا زالوا بأصحابه حتى ينقلوه أو يهدموه، إن وجدوا بدعة اجتهدوا في بيان مخالفتها للسنة، إن وجدوا منكراً تلطفوا في إزالته حتى يثبِّتوا إخوانهم في تلك البلاد. هنيئاً مريئاً غير داء مخامر نقول: هنيئاً لهم ما فعلوه ويفعلون، ونقول: (إن الأقربين أولى بالمعروف). فما الذي يمنع أيضاً أن تكون السياحة أو حظ السياحة بحدود بلدك التي رأينا وتعلمون أن فيها أناساً بعضهم لا يحسن الفاتحة، فما الذي يضير شباب الإسلام الذين يحبون التجوال والتطواف والتسيار أن يخرجوا فئاماً وجماعات صغيرة ينطلقون إلى حدود مملكتهم وحدود بلادهم فيخيموا في كل منطقة يحلون بها خمسة أيام يتعرفون على أهل الحي عبر المسجد، يتعرفون على الإمام يعطونه الكتب والأشرطة، وعلى المؤذن، ويتجولون في القرى والهِجَر، وفي تلك المواطن والمضارب، يجمعون الناس ويذكرونهم بالجنة، ويخوفونهم من النار، ويخبرونهم عن مخططات أعداء الإسلام، فإن بلادنا بحاجة كما أن تلك المراكز والمساجد الإسلامية البعيدة بحاجة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2326

السياحة طريق إلى فاحشة الزنا الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة في الله: يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة:٢٠٨]. معاشر المؤمنين: إن السياحة قد تكون بداية للرذيلة عند بعض الناس وطائفة منهم، وكم جاء في هذا المسجد وتحت هذا المنبر وعند ذلك الباب شباب يقولون: سافرنا لأجل السياحة فعدنا بفاحشة الزنا، والواحد منهم لو قيل له في البداية: يا عبد الله! لا تسافر إلى بلادٍ الدعارةُ فيها مُصَرَّحة، والخنا أبوابه مفتوحة، ودعاة الرذيلة على أبوابه في كل طريق، لا تسافر وأنت شاب غرير مسكين بين هوى مطاع، وشح متبع، ونفس أمارة، وشيطان يوسوس؛ لقال: معاذ الله، ما ذهبت لأجل الزنا ولا يزال الشيطان به لحظة لحظة حتى يعود وقد سجل في عداد الزناة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فيا عبد الله: اتقِ الله جل وعلا، فإن كان قد مضى مثلها فالحمد لله على ما ستر وغفر، وأمامك امتحان فيما بقي، وإن كانت الأولى فاحرص على صفاء صفحتك، فاحرص على صفاء سجلك، وليكن خالياً من فاحشة الزنا. أحد الشباب لما حضر موعد زفافه، وفي ليلة زواجه الأول بكى! فقيل: ما يبكيك؟ فقال: أبكي فرحاً وشكراً، وحمداً وثناءً على الله أنني أدخل بزوجتي الليلة ولم أعرف الحرام لحظة. تلكم الشهادة، وتلكم العفة، وتلكم الطهارة يا عباد الله. ومن العجب أنك قد تجد بعضهم من عصمة الله له أنه لا يقدر على السفر، فيأتيه من يقول: سافر معنا، فالتذكرة مجاناً، والسكنى على حسابنا، والتنقلات هدية منا، فما يزالون به حتى يضاف في عدادهم ولا حول ولا قوة إلا بالله! فيا عبد الله: ما دمت نظيفاً فاحرص على نظافتك، وما دمت نزيهاً فاحرص على نزاهتك، وما دمت عفيفاً فاحفظ عفتك، وليعلم أولئك الذين يدعون أنها نوع ذكاء أو شطارة كما يسمونها، أو تدبير بصمت، ليعلموا أنهم بهذا يفتحون الشر على بيوتهم، قال الشافعي: من يزنِ يُزْنَ به ولو بجداره إن كنتَ يا هذا لبيباً فافهمِ إن الزنا دَين فإن أقرضته كان الوفا من أهل بيتك فاعلمِ من قد زنا يوماً بألفي درهم في بيته يُزْنى بغير الدرهمِ يقول ﷺ : (احفظ الله يحفظك) أتريد حفظ بيتك؟ احفظ نفسك (احفظ الله يحفظك) ابنِ أسواراً منيعة من التقوى ومراقبة الله بينك وبين حدود الله، يُبْنَ لبيتك ولأهلك أسوارٌ منيعة فلا يتسلق مجرم أو صاحب فاحشة على أهلك وبيتك. ثم إن طائفة من الشباب لا ينظرون إلا إلى ذات الفاحشة؛ فوالله لو استنطقت هذه البقعة تحت المنبر لو أراد الله أن يُنْطِقها لنطقت؛ أن شاباً جاء متألماً من ارتكاب فاحشة الزنا، وكان الأمر أن سافر إلى بلاد ليست بعيدة فكلَّمه مَن كلَّمه من داخل الفندق وعَرَض عليه فأرسل له والعياذ بالله، ثم إنها لذة وهمية في لحظة قصيرة، ثم عاد يضرب أخماس أسداس، ويعض أصابع الندم، يعيش قلقاً وشروداً وشتاتاً في الذهن والتفكير مع ما يتبع ذلك من قسوة القلب، والوحشة مع الرب، والخوف من الخلق، وتكدر الأحوال عليه، وتقلب أموره بين يديه بسبب تلك المعصية، وإن لم يتُب فحسابه عند الله عسير، قال ﷺ : (ومررت بأناس -ليلة أسري به ﷺ عراة، ويُجلدون بسياط من نار، وتحت أرجلهم لهب يمس فروجهم، فإذا علا الذهب ضَوْضَوا -أي: صاحوا وارتفع صياحهم- فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الزناة، وأقوام يشربون من عصارة أهل النار، من ردغة الخبال وهم أهل الخمر والمسكرات). وبعد هذا وقبله شاب يُغَرَّر به، فيزني بفتاة في لحظة غاب فيها عقله، وحضر شيطانه، وغَرَّر به زملاؤه، ثم واقع فتاةً فحمل فيروس الإيدز، والإيدز لا يظهر ظهوراً واضحاً فيمن يصاب به إلا بعد ست أو سبع سنوات، فلربما حمل الفيروس وعاد إلى بلاده، وحيّاه من حياه، فخطب منهم وزوجوه، فنقل الفيروس إلى فتاة عفيفة شريفة، فأصيبت بالإيدز، ونقل الفيروس إلى جنينه، فيصاب به كذلك، وصدق الله العظيم حيث قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢]. ثم أولئك الذين قد اشتعلت غرائز الجنس في أبدانهم ما الذي يردهم أن يتزوجوا؟! إن وجدوا ما يريدون ويرغبون من البنات في مواصفاتهم، والبعض قد ضيعه وقاده إلى الشهوة والفاحشة شدة تفصيله وشروطه في مواصفات زوجته، فتأخر عن الحلال وأقدم وأسرع في الحرام، فما الذي يضيره لو تزوج أرملة أو مطلقة أو امرأة أكبر منه سناً فإنه ينظر نفسه يوم أن يقضي وطره وينتهي مِمَّا في نفسه، ولكن مجتمعٌ بلسان سليط وأبصارٍ حادة يوم أن يتزوج شابٌّ بكرٌ فتاةً أرملة أو فتاةً مطلقة، ومجتمعٌ سليطٌ يوم أن يتزوج شابٌّ بثانية أو ثالثة أو رابعة، ومجتمعٌ سليطٌ يوم أن يتزوج شابٌ بامرأة أكبر منه ولو بعشرين سنة، ولكنه مجتمع جبان يوم أن يُعْلَم أن فلاناً قد سافر وزنا، أو سافر وتكرر سفره لغير تجارة أو علم أو دعوة أو فائدة، فعند ذلك يُغَضُّ الطرف وتَصْمُتُ الألسنة! مصيبة من أعظم المصائب! وإن أولئك الذين تساهلوا بالزنا تحت دعوى السياحة، موضة الشباب شرق آسيا، موضة الشباب غرب أفريقيا، موضة الشباب البلاد الفلانية!

стр. 2327

تصوير رائع لحقيقة الزنا اسمع كلاماً جميلاً لواحد من دعاة الإسلام يقول فيه: إن أولئك الذين يسافرون إلى بلاد الغرب أو الخارج لأجل الزنا ينظرون امرأة متبرجة قد أخذ بألبابهم وأبصارهم أصباغُ وجهها، وتبرجُ أطرافها، وجمالُ لباسها، إن المرأة في ذلك المجتمع ما هي إلا كالحمَّام، كالمرحاض، كدورة المياه المنصوبة على قارعة الطريق، فيأتي شاب يدخل ذلك المرحاض وذلك الحمَّام الذي يعجَب ببلاطه ورخامه وأدواته الصحية ولكن ما حقيقة ما يوضع في الحمَّام؟ هو فضلات البشر. فذلك مثل المرأة المتبرجة التي يقصدها أهل الزنا والدعارة، يرون شكلاً جميلاً كجمال شكل الحمَّام وظاهره؛ ولكن حقيقة تلك الفتاة التي تعرض نفسها للبغاء أو توافق على هذه الفاحشة كحقيقة ما يوضع في الحمَّامات، فمن ذا الذي يرضى أن يكون الغائط حضناً له، والبول فراشاً له، والنَّفَس عطراً يشمه؟! ولو أن كل شاب سافر إلى بلاد الغرب وفي نفسه أن يفعل ما يفعل، فرأى فتاة مهما أعجبه جمالها أو عُرِي أطرافها أو رائحة عطرها فتذكر أن جمالها الخارجي كجمال دورات المياه الخارجية من بلاط أو سيراميك أو قطع صحية لتذكر أن تحت الثياب البول والغائط، والنجاسة والنَّتَن، والقذر والوسخ، فمن ذا الذي يفتش حتى يصل إلى النجاسة وإلى النَّتَن وإلى القذارة فيجعلها حضناً له؟! هذا تصوير رائع لحقيقة الزنا، وتقريب جميل لهذه الفاحشة التي قد استسهلها كثير من الشباب ووقعوا فيها. وبعضهم لا يبالي ولا يخشى ولا يخاف، وأشد منهم من ينتهي من تلك ليبحث عن غيرها، فلو أن مَن وقع أناب وتاب ورجع وثاب إلى رشده لكان حرياً أن يغفر الله له والله يغفر لمن يشاء. أما أولئك الذين يصرون على هذه الفواحش فإنا نخشى عليهم أن يموتوا على خاتمة السوء، وعند ابن القيم كلام جميل يقول فيه: إن الإصرار على المعصية بريد الموت على الكفر. ليس بريداً إلى سوء الخاتمة، بل هو بريد الموت على الكفر. شاب ذهب برفقة بعض الشباب إلى بلد ليست بعيدة قال: فلما حللنا مشارف تلك المدينة والعاصمة التي يحجها ويقصدها كثير من الشباب، وقف لنا رجل من أهلها عليه سيما الوقار والصلاح فقال: يا عباد الله، أيها الشباب! ما الذي جاء بكم إلى هذه البلاد، وأنتم قد تركتم مكة خلف أظهركم، والمدينة ومسجد رسول الله ﷺ خلف أظهركم؟! هل في بلادنا كعبة يُحَجُّ إليها، أو مسجد يُشَدُّ الرحل إليه، أو حلق علم كما هي في بلادكم؟! أنصحكم وهذه بلادي وأنا أدرى بها: عودوا إلى بلادكم خيراً لكم، عودوا إلى بلادكم خيراً لكم، عودوا إلى بلادكم خيراً لكم.

стр. 2328

دعوة إلى اغتنام الإجازة في المراكز الصيفية وختام الحديث أيها الأحبة دعوة للشباب الحضور، ودعوة لكم: أن تدعوا الشباب ومن تعرفون أن يغتنموا الإجازة في المراكز الصيفية فإن فيها من الأنشطة النافعة الثقافية، والعلمية الشرعية والخطابية والترويحية والمهنية والعلمية وغيرها الكثير الكثير، فجزى الله من دعا إليها كل خير، وجزى الله أساتذة وشباباً ودعاةً بذلوا من أوقاتهم مقابل ثواب يرجونه من عند الله، ولو أعطوا من المال ما أعطوا فليس ذاك بثمن تضحياتهم وجهودهم، فلهم بعد الله الشكر الجزيل، ونسأل الله أن يثبتهم على صبرهم على الناشئة، وعلى تلطفهم بأخطائهم، وجلدهم في معاناة تربية الشباب المراهقين ومَن فوقهم، فإن المراكز الصيفية جِدُّ جميلة، وأروع من رائعة لكثير من الشباب الذين لا يدرون أين يقضون أوقات فراغهم، فوجهوا الشباب إليها. وإلى كل معلم ومدرس وقائد دعوة: أن يشارك وأن يبذل ما في وسعه لإنجاح هذه المراكز التي تحفظ عشرات الآلاف من الشباب. وأدعو الشباب قبل هذا وبعده إلى الدروس والحلق العلمية، ففي بعض المساجد حلقات عبارة عن دورات تعليمية لمدة أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، مَن حضرها من أولها إلى آخرها أقول: جدير وحقيق بشهادةٍ في ذلك الفن الذي حضره؛ لأنها علمية أُرِيْدَ بها وجه الله، قام بها وبذلها وأداها علماء وطلبة علم أفاضل ففيها خير، وهي مرتع لمن أراد أن يقضي إجازته فيما ينفعه. كذلكم المكتبات الخيرية ففيها نفع عظيم جداً، ونوصي أهل الأحياء بمساعدة ودعم روادها والقائمين عليها. كما ندعو الشباب أيضاً ونحثهم على الصف في الأسواق والبيع والشراء وتعاطي التجارة، لو أن الشاب صلى الفجر وذهب إلى السوق الكبيرة، سواءً سوق جنوب الرياض أو شرق الرياض إنك لتجد أرباحاً طائلة يغفل عنها كثير من الشباب، سيارة بكاملها فيها من البطيخ أو الطماطم أو الخضراوات أو الفواكه تباع السيارة بكاملها بألف ريال، فمن اشتراها وصبر عليها سحابة النهار باعها مجزأة بثلاثة آلاف، أو بألفين وخمسمائة، أو بألفين؛ لكن أين الشباب الذين ينامون في الليل مبكِّرين ويستيقظون بعد الفجر كما يستيقظ امرؤ القيس: وقد اغتدي والطير في وكناتها بمنجرد قيد الأوابد هيكل من الشباب من ترى فيه الجدية يخرج قبل الفجر أو مع الفجر مباشرة، ومنهم من لا يعرف اليقظة إلا بعد الظهر وأما الليل فقد سهره وأقامه فيما لا ينفعه ولا طائل تحته. أو ابحث لك عن وظيفة والتجارة خير من الوظيفة في دخلها وفي راتبها وفي كل شيء، إلا من احتسب أن ينفع المسلمين بوظيفته، فيها خير كثير وربح وفير ولكن الشباب عن هذا غافلون، قال ﷺ : (بُورِك لأمتي في بكورها). فأين اغتنام البكور يا شباب الإسلام؟ اغتنموا هذا الصباح، ففيه من الأرزاق الخيرات والأرباح والبركات شيء كثير. أسأل الله أن يستعملنا وإياكم في طاعته. أسأله سبحانه أن يجعل هذه الإجازة القادمة وفيرة علينا بالصحة والعافية، والعمل الصالح والدعوة إلى الله، ونفع المسلمين، وكسب الحلال، وبر الوالدين وصلة الأرحام. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم دمر أعداء الدين. اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين. اللهم انصر المجاهدين في الفليبين. اللهم انصر المجاهدين في البوسنة والهرسك. اللهم اجمع شمل المسلمين في أفغانستان. اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، وكشمير، وإريتريا، وأرومو، وفي سائر البقاع يا رب العالمين. اللهم عليك بالصربيين. اللهم أحصهم عدداً، واجعلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً، واجعلهم غنيمة للمسلمين. اللهم إنك تعلم أن المسلمين لن يستطيعوا أن يقدموا لإخوانهم في البوسنة والهرسك شيئاً يُذكر، اللهم فلا تَكِلْ إخواننا إلى المسلمين وكِلْهُم إلى وجهك الكريم وعزتك التي لا تضام، وركنك الذي لا يرام، وقدرتك التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء، انصرهم بنصرك، واجمع شملهم، وعجل نصرهم، وأقم دولتهم، واقمع أعداءهم بقدرتك يا رب العالمين. اللهم آمِنَّا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم اهدِ أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم اهدِ علماءنا، وثبت دعاتنا، وأصلح شبابنا، واهدِ نساءنا، واجمع شملنا، ولا تفرِّح علينا عدواً، ولا تُشْمِت بنا حاسداً. اللهم اهدِ إمام المسلمين، وأصلح بطانته، وقرِّب له مَن علمتَ فيه خيراً له، وأبْعِد عنه مَن علمتَ فيه شراً له ولأمته برحمتك يا رب العالمين. اللهم اغفر لآبائنا، وأمهاتنا، وأجدادنا، وجداتنا، ولنا، وأحبابنا وإخواننا المسلمين. وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 2329

لا إله إلا الله منهج وحياة لا إله إلا الله كلمة لابد من توضيح معناها وبيان مقتضياتها وآثارها، وذكر فضلها وشروطها وحقوقها وكل ما يتعلق بها، ومن أجل ذلك جاءت هذه المادة شارحة لما سبق؛ لأن كلمة التوحيد هي الأمر كله، من قالها نجا ومن استعصم بها عصم.

стр. 2330

فضل لا إله إلا الله الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، أحمده سبحانه جعل في السماء بروجاً، وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً. أحمده سبحانه حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها النجاة يوم نلقاه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الأحبة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أسأل الله أن يجعل لي ولكم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمة، اللهم إنا نسألك بصفاتك وأسمائك ألا تردنا في هذا اللقاء خائبين، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا تائباً إلا قبلته، اللهم إنك تعلم ولا يعزب عن علمك مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء أن هذه الوجوه ما اجتمعت إلا ترجو رضاك وجنتك، وتخاف سخطك ونارك، اللهم فأعطنا ما سألناك، وأمِّنِّا مما منه خفنا بمنك وكرمك يا رب العالمين! أيها الأحبة في الله: الحديث اليوم عن قضية القضايا، عن قضية الدنيا والآخرة، عن الأمر كله، عن أوله وآخره، إنها: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) إنها (محمد عبده ورسوله). هذه الكلمة لأجلها نزلت الكتب، ولأجلها بعث الرسل، ولأجلها طيبت الجنة للأبرار، وأعدت النار للأشرار، لأجل هذه الكلمة مد الصراط؛ أحد من السيف، وأدق من الشعرة. لأجل كلمة (لا إله إلا الله) تطايرت الصحف: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق:٧ - ٨] وأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يصرخ ويصيح فائزاً من ثمار لا إله إلا الله: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠]، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً﴾ [الانشقاق:١٠ - ١٢] ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٨]. من أجل (لا إله إلا الله) أعد الله كل نعيم للأبرار، وأعد كل جحيم للفجار والأشرار. إن الذين خالفوا لا إله إلا الله نزل بهم عذاب الله في مواضع شتى، وفي سور شتى، لقد دكدكت الأرض وزلزلت خمس مرات، زلزلت بالطوفان وبالصيحة وبالخسف وبالحاصب وبالريح الصرصر عقوبات حسوماً على أقوام خرجوا عن لا إله إلا الله. (لا إله إلا الله) شأنها عظيم، في الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري أن النبي ﷺ قال: (يا معاذ! فقال معاذ: لبيك يا رسول الله! وسعديك، فقال: يا معاذ! فقال معاذ: لبيك يا رسول الله! وسعديك، فقال ﷺ الثالثة: يا معاذ! فقال معاذ: لبيك يا رسول الله! وسعديك، فقال ﷺ : ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار) الله أكبر! هذا الفضل العظيم لأجل هذه الكلمة العظيمة. وفي حديث عتبان عند الشيخين رحمهما الله: أن النبي ﷺ قال: (إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) متفق عليه. وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال ﷺ : (من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله الجنة على ما كان عليه من العمل) متفق عليه. إن الأمان والأمن والطمأنينة في هذه الكلمة العظيمة (لا إله إلا الله) قال الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] الأمن في الدنيا والآخرة، والهداية إلى صراط الله المستقيم. (لا إله إلا الله) هي العروة الوثقى (لا إله إلا الله) هي القول الثابت: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم:٢٧] وفي الحديث أن موسى رسول الله صلى الله عليه وعلى نبينا وسائر الأنبياء قال: (يا رب! علمني دعاء أسألك وأدعوك به، فقال الله : يا موسى! قل: لا إله إلا الله، فقال موسى ﵇: يا رب! كل عبادك يقولون: لا إله إلا الله، فقال الله : يا موسى! لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن لا إله إلا الله). الله أكبر! ما أعظم هذه الكلمة في لفظها ومعناها ومدلولها، وفضلها وأنسها وسعادة من لهج بها، وسرور من رددها ومن عاش لأجلها ومن مات عليها! (لا إله إلا الله) يأتي عبد يوم القيامة فيحاسبه الله ، فيقال له: (يا عبد الله! -الله يقرره بذنوبه- هل لك من حسنات؟ هل لك من أعمال؟ فيقول: يا رب! غير ما تعلم، فيقول يا رب! ليس عندي إلا ما تعلمه، فيقول الله : إنك لا تُظلم عندنا اليوم، ثم يخرج له بطاقة فتوضع في كفة، ويوضع ذلك الرجل بأعماله في كفة، فترجح لا إله إلا الله) وضع الرجل بذنوبه، بسيئاته، بأخطائه، بمنكراته في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة، فرجحت بهن لا إله إلا الله. والمعنى في هذه الأحاديث العظيمة التي جاءت في فضل لا إله إلا الله، ومنها ما رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ لما توضأ ذات يوم ثم قال: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أني رسول الله لا يلقى بهما عبد ربه غير شاك إلا أدخله الله الجنة)، وكذلك حديث: (من قال: لا إله إلا الله صدقاً من قلبه إلا أدخله الله الجنة)، وكذلك حديث: (من كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله؛ أدخله الله الجنة)، وفي بعض الأحاديث: (حرمه الله على النار) فإن هذا مما يدل على أن شأن لا إله إلا الله عظيم: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؛ إلا كتب له بذلك ألف حسنة، ومحيت عنه ألف سيئة، وكانت حرزاً له من الشيطان، وكأنما أعتق عشر رقاب من ولد آدم). أين الذين يخافون من الأعداء؟ أين الذين يخافون من تسلط الجن والشياطين؟ نقول لهم: عليكم بلا إله إلا الله، فإنها تعصم الدماء، وتحفظ الحقوق، لما قال أسامة مخبراً النبي ﷺ برجل من العدو قابله، فلما رفع أسامة سيفه، وبهر ذلك المشرك شعاع السيف قال: لا إله إلا الله، فأهوى أسامة بالسيف عليه، حتى جعله فرقين، فلما أخبر النبي ﷺ تغير وجه النبي ﷺ ، وقال: (أقتلته بعد أن قالها؟! أقتلته بعد أن قالها؟! أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟! وكيف بك إذا جاءت لا إله إلا الله تحاج له عند الله يوم القيامة؟!)، ورجل يخبر النبي ﷺ أو يسأل فيقول: (يا رسول الله! أرأيت لو أن رجلاً من المشركين ضربني حتى قطع يدي بسيفه، ودمي يشخب من عروقي، ثم رفعت عليه السيف لأقتله فقال: لا إله إلا الله؟ فقال ﷺ : إنك إن قتلته كنت بمنزلته قبل أن يقولها، وكان بمنزلتك قبل أن تفعل ذلك).

стр. 2331

شروط لا إله إلا الله إن (لا إله إلا الله) شأنها عظيم، وخطرها وأهميتها في حياة المسلمين عظيمة لو أنهم وعوا هذه الكلمة ومعناها وأبعادها، ولكن افهموا واعلموا وأخبروا من وراءكم أيها الأحبة، يقول الشيخ/ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ما معناه: قد يقول قائل: إذا نطق العبد بهذه الكلمة نال كل هذه الفضائل، ونجا من العذاب، وليس له بعد ذلك من خطر يخافه أو يهابه، الجواب فيما يقوله الشيخ: لا، إن هذه الكلمة من يقولها لابد أن يأتي بشروطها وحقوقها وواجباتها، إذ لولا ذلك لردَّدها كل مردد، وتلفظ بها كل متلفظ، ولقال: يكفيني هذه الكلمة. مع تركه ما أوجب الله، وارتكابه ما يخرجه من الملة، ألا وإن لا إله إلا الله لها شروط وحقوق وواجبات، ولمخالفتها تبعات. ومن شروطها حتى ينال الإنسان فضلها: ألا يرتكب ما ينقضها، وألا يقع فيما يخالفها، وألا يقصر في حقوقها وواجباتها، أتظنون أن لا إله إلا الله تنفع طغاة العلمانية الذين يعتقدون عدم صلاحية الدين للاقتصاد والإعلام، والاجتماع والتربية! أتظنون أن لا إله إلا الله تنفع طغاة التغريب والضلالة الذين يريدون أن يحصروا الدين في المساجد والمحاريب والأقبية والخلوات، ويريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؟ أتظنون أن لا إله إلا الله تنفع أولئك الذين يريدون أن يدخلوا في رءوس الأمة ألا مجال للدين إلا في التسبيح فقط، وما سوى ذلك فليس للدين فيه أمر ولا نهي؟! إن لا إله إلا الله تنفع من عمل بها، ومن علمها وتيقن أنها في شئون حياته كلها، نعم وإن ارتكب شيئاً من المعاصي، أو وقع في شيء من الكبائر، فإن أهل السنة والجماعة مخالفون لمذهب الخوارج والمعتزلة الوعيدية الذين منهم من يكفر بارتكاب الكبيرة، ومنهم من يجعل صاحب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، ليس مخلداً في النار ولكن من أهل الجنة، نعم إن أهل السنة والجماعة يرون أن من قال: لا إله إلا الله وارتكب ذنباً يقر أنه ذنب، ووقع في خطيئة يقر أنها خطيئة، ويعترف أنه في تقصير، فذلك شأنه شأن المذنبين في الصغائر والكبائر. أما الذين يقولون: لا إله إلا الله وهم يقررون تقريراً، ويعتقدون اعتقاداً، ويدينون لطواغيتهم ديانةً ألا دخل للدين إلا في الأحوال الشخصية؛ في زواج وطلاق، وفي محاريب وتسابيح، وما سوى ذلك فلا علاقة للا إله إلا الله بها، إن ذلك تحجير للكون كله في زاوية ضيقة، ذلك تحجير لأمر عظيم في مجال ضيق، لذا فلنعلم هذه الكلمة وخطورتها وشأنها. (لا إله إلا الله) نفي وإثبات، (لا إله) لا يوجد إله، لا يتصور إله إلا إله واحد هو الله وحده الذي يستحق العبادة. (لا إله إلا الله) نفي وإثبات، نفي لهذه الألوهية ونفي لهذه العبودية عن كل موجود وكل مدع إلا لمن يستحقها وهو الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، الذي تألهه القلوب، وتفزع إليه، الذي تتضرع إليه، الذي تنكسر إليه، لا إله إلا الله الذي تألهه النفوس، البهائم تجأر إلى ربها، والصغار يجأرون إلى ربهم، وكل ما في الكون ساجد مطمئن مسلم لله . (لا إله إلا الله) شأنها عظيم أيها الأحبة! وشروطها: أن يعلم العبد هذه الكلمة: ((فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)) [محمد:١٩]، شروط لا إله إلا الله أن تعلم بها علم اليقين: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] تأكيد، وإثبات وبيان، وتوضيح وشهادة، قل أي شيء أكبر شهادة من الله؟ أي شيء أعظم من شهادة الله على وحدانيته؟ ثم رضي شهادة الملائكة وشهادة أولي العلم. ومن شروطها: القبول المنافي للرد، فمن قال: لا إله إلا الله فليقبل شرع الله، وليذعن للا إله إلا الله، وليسلم لأمر الله، من كان يقول: أنا أقول لا إله إلا الله، وأقر بلا إله إلا الله، فإذا قيل له: إن الله حكم بهذا. عليه أن يقول: سمعنا وأطعنا، من يقول: لا إله إلا الله ويريد ثوابها، إذا خوف بالله وبأمره، وبنبيه ﷺ وبزجره فليقل: سمعنا وأطعنا، ألا إن قبولها أمر لابد منه، فمن ادعاها ورد مقتضاها فذلك متناقض في نفسه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]. ومن شروط لا إله إلا الله: الإخلاص، وضده الرياء، فيجب أن تخلص لهذه الكلمة، أن تقولها حباً في الله وطاعة لله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، إخلاص بمحبة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. ولابد لهذه الكلمة من صدق يمنع من الاعتراض: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩] ومن حقق ذلك في لا إله إلا الله وجد لذة الانقياد لها، يقول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].

стр. 2332

حقوق لا إله إلا الله ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الحشر:٢٢ - ٢٤]. تتكرر الأسماء وتتعدد وتتنوع، وتتضمن هذه الصفات، وكلها كمال مع كمال، وبهاء مع جلال، قال الشيخ/ محمد بن عثيمين في رسالته القيمة النفيسة، التي أنصح كل شاب وكل طالب علم أن يعتني بها؛ دراسةً وفهماً وفقهاً، المسماة: القواعد المثلى في أسماء الله وصفاته الحسنى: إن من القواعد الثابتة في أسماء الله وصفاته أن دلالة أسماء الله على صفاته دلالة بالمطابقة والتضمن والالتزام، فإن كلمة لا إله إلا الله تتضمن كافة أسمائه، وكافة صفاته، وضرب لذلك مثلاً -مناسباً أن نطرحه- ألا وهو قول الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق:١٢] ففي أول الآية الله يبين أنه الخالق، وهذا اسم من أسمائه، ويقتضي هذا الاسم أن يكون الخلق والإيجاد من العدم، وإبراء النسمة والخلق من العدم هو من صفات الله ، فالاسم الخالق، والصفة الخلق، ويقتضي ذلك صفات بالتضمن والالتزام: أن يكون قادراً على ما يخلق، عليماً بما يخلق، حكيماً فيما يخلق، فكذلك لا إله إلا الله، الله اسم علمٌ على الله يتضمن هذا الاسم أسماء الرحمة وكل اسم فيه الرحمة وفيه المغفرة، وفيه الخلق، وفيه الرزق، وفيه كل ما يليق بالله من أسمائه الحسنى، وكل ما يليق بالله من صفاته العلى. إن كلمة لا إله إلا الله تتضمن كل شيء، فالله هو الرزاق ذو القوة المتين لمن أراد أن يسأل ربه بالرزق، وهذا ما يسمى بتوحيد المسألة؛ أن تسأل الله باسم يناسب سؤالك، فإن كنت تريد رزقاً فقل: يا رزاق! ارزقني، وإن كنت تريد رحمة فقل: يا رحمان! ارحمني، وإن كنت تريد قوة فقل: يا قوي! قوني. إن كلمة لا إله إلا الله تضمنت كل أسماء الله وصفاته، فمن أراد رزقاً فالله هو الرزاق، ومن أراد فضلاً فالله ذو الفضل العظيم، ومن أراد ذرية فالله هو الذي يهب الذرية: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً﴾ [الشورى:٤٩ - ٥٠] ومن أراد العزة فالله هو المعز، ومن أراد النصرة فالله هو الناصر، ومن أراد العون فالله هو المعين، ومن أراد التيسير فالله هو الميسر، ومن أراد البركة والطمأنينة ألا إنها في ذكر الله: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. (لا إله إلا الله) كلمة سعد بها من نطق بها وقام بحقها، وشقي وضل من جحدها، لقد أنكر هذه الكلمة أقوام فعاشوا عيشة الضنك والحسرة، يجزعون لكل مصيبة ولو تافهة، ولا يؤجرون على ما فاتهم من حظ، ولا يؤجرون على ما حل بهم من أسى، يتخوفون من المستقبل وعاقبتهم إلى النار، عبدوا بجحودهم دنياهم فأوردهم ذلك شقاء، فتعبوا وانتكسوا يحبون أن يجنوا لزوالها أو نقصها، ويتقاتلون على تحصيلها، ولا يحتسبون ثواباً فيما أنفقوا ولو على أنفسهم وأهليهم منها، لماذا؟ لأنهم لم يقوموا بلا إله إلا الله. ألا وإن من واجبنا أن نفهم هذه الكلمة بكل معانيها، وأن نظل دائماً داعين إليها. (لا إله إلا الله) الركن الأعظم قبل كل شيء، وكل عمل يبنى عليها، وبدونها لا يقبل عمل ولو كثر أو تعاظم؛ لأجل ذلك أيها الأحبة! نالت قضية التوحيد قدراً عظيماً وحيزاً كبيراً من الاهتمام والمقام في كلام الله وكلام رسوله. وقد يقول قائل: إن لا إله إلا الله فقط نالت اهتماماً في بداية الدعوة، وفي صدر الدعوة، وفي السور المكية، ولما قامت دولة الإسلام في المدينة، ولما أمن النبي ﷺ وصحبه بدولته في مهاجره في المدينة لم يعد الأمر كما كان في التنويه والتنبيه والإشارة إلى عظم لا إله إلا الله. وليس هذا بصحيح، فإن كلمة لا إله إلا الله لم يُخاطَب بها المشركون وحدهم، بل خوطب بها المؤمنون أيضا تذكيراً وتثبيتاً، وكما خوطب بالدعوة إليها الكفار في كثير من السور والآيات المكية، خوطب بها المؤمنون في كثير من الآيات والسور المدنية. أيها الأحبة: اسمعوا قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦] أوليس ربنا ينادي عباده ويدعوهم باسم الإيمان ثم يقول: آمنوا بالله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ [النساء:١٣٦]؟ إن الحياة لا تقوم إلا على الحقيقة -الحق كله في لا إله إلا الله- وأعظم حقيقة هي لا إله إلا الله، فهذه الكلمة وما تضمنته حق وما سواها باطل، لا إله إلا الله تحجب التأله عن كل شيء إلا لله وحده، ومن لم يكن الله الرحمن الرحيم الحي القيوم إلهه فإلهه الهوى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] من لم يكن الله إلهه فإلهه شهوته في منصبه أو ماله، فيما يريد أو فيما يذر، قال ﷺ : (تعس عبد الخميصة، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش). نعم، إن لا إله إلا الله من كانت قضيته فأذعن لها صار عبداً لله ، ومن ضيعها وجهلها وصرف عنها شقاءً وضلالاً ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإنك لا تحصي كم يتخبطه من الآلهة من شهواته، ومن ملذاته، وممن يهابهم ويرهبهم ويخافهم، وممن يخشاهم على نفسه ورزقه وحياته.

стр. 2333

عمومية لا إله إلا الله أيها الأحبة: كلمة لا إله إلا الله، لماذا وقفت الأمم السالفة -وليست قريشاً وحدها- منها موقف التحدي والعناد موقفاً واحداً؟ إن جميع هؤلاء الأقوام وقفوا من أنبيائهم موقف عداوة، فهذه ثمود، وهؤلاء قوم نوح، ومدين، وعاد، والمؤتفكات، كلهم وقفوا من لا إله إلا الله موقف التحدي والعناد، والمصارعة وعدم التسليم، لماذا؟ وحق لنا أن نسأل عن ذلك. نعم أيها الأحبة: إنهم يدركون ما تعنيه هذه الكلمة، واسمعوا قول الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود:٢٥ - ٢٧] هذا موقفهم من لا إله إلا الله، لما قال لهم: اعبدوا الله مالكم من إله غيره. وأما عاد لما قال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ * قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود:٥٢ - ٥٣]. وأما ثمود لما دعاهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٣٢] ثم ذكرهم بنعم الله عليهم التي تدعوهم إلى توحيده، قال لهم: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ * قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود:٦١ - ٦٢]. وهذه من أساليب أهل الضلالة؛ إذا دعاهم داع إلى الهدى، قالوا: كنا نظن أن لك عقلاً راجحاً، كنا نظنك عاقلاً، كنا نظنك فقيهاً، كنا نظنك فاهماً، أفتدعونا إلى مثل هذا الكلام وتقوله؟ إلى غير ذلك مما ورد وكان من الأنبياء مع أقوامهم يوم أن وقفوا في مواجهة لا إله إلا الله. أيها الأحبة: لعل من أخطر القضايا التي جعلت هؤلاء يقفون في مواجهة لا إله إلا الله هو منهج العلمانية القديمة والحديثة، إن العلمانية المعاصرة هي فرع وامتداد لذلك الضلال القديم، الذي جعل أمم الأنبياء تقف في وجوه الأنبياء لترد هذا الهدى، ولتجعل الأصابع في الآذان، ولتستغشي الثياب، ولتصر على عنادها بعداً عما يدعون إليه، إن تلك الأقوام الجاهلية قد استنكرت من رسلها أن يتدخل الدين في شئون الحياة، إن تلك الأمم يخيل لهم أن الدين فقط في حرية شخصية، وأن الدين فقط في محراب وخلوة، في مسبحة وسجادة، ولما جاء من يدعوهم ليقول: إن الدين يشمل جميع نواحي الحياة وقفوا في ذلك، وهم يعلمون معنى لا إله إلا الله؛ ألا يكون في الحياة دقيق ولا جليل، صغير ولا كبير، كثير ولا قطمير إلا للا إله إلا الله فيه أمر وتوجيه. نعم! لقد عاش أولئك الطواغيت الذين واجهوا الأنبياء ومن تابعهم على منهجهم يحللون كيف ما يشتهون، ويحرمون كيف ما يريدون، ويفعلون ما يحلو لهم، لا يجدون من يردهم إلى لا إله إلا الله، فعلموا أن هذه الكلمة وأن الدين جاء ليقطع عليهم لذَّاتهم، وينغص شهواتهم، ويغير عليهم أمورهم، فقالوا: لا. لا نقبل هذه. وأبرز نموذج لهذه القضية: اعتراض قوم شعيب على رسولهم، قال الله عنهم: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٨٥] ثم لا إله إلا الله أخذت تفصل وتوجه حتى في أدق القضايا الاجتماعية والاقتصادية: ﴿وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود:٨٤ - ٨٥] لو كانت مجرد لا إله إلا الله كل يقولها ويمضي أولئك في غشهم وفي تطفيفهم في موازينهم، وفي شهواتهم ولهواتهم وما اعترضوا عليه، ولكن لما جاء لتتدخل لا إله إلا الله في أدق شئون حياتهم اعترضوا اعتراضاً عظيماً، إنهم لم يعترضوا فقط على الجانب العقدي من هذه الكلمة حين دعاهم رسولهم إلى نبذ كل آلهة تعبد دون الله، وإنما اعترضوا أيضاً بروح علمانية: كيف يدخل الدين في حياتنا، فقالوا: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود:٨٧]. إذاً العداوة والعناد هل هي من أجل هذه الكلمة لفظاً ونطقاً، أم من أجل مقتضاها ومعناها؟ لو كان العناد من أجل هذه الكلمة نطقاً لما كان لقريش أن تزج بفلذات أكبادها وأجمل شبابها في مواجهات مع النبي ﷺ ، لتطير الرءوس، ولتسيل الدماء، ولتتناثر الأشلاء في معسكر الإيمان ومعسكر الشيطان اللذين يتواجهان ويتجابهان ويتصارعان. العداوة من أجل الكلمة ومقتضاها، لو كانت كلمة فقط لكان كل يسعد بها ويقولها غير آبه بما تقتضيه وما تلتزمه، إذ النبي ﷺ لما دعا قومه إليها قال: (يا معشر قريش! قولوا: لا إله إلا الله كلمة واحدة تدين لكم بها العرب، وتدفع لكم بها الجزية العجم، فقال أبو جهل: نعطيك عشراً يا محمد -أي نعطيك عشر كلمات لا كلمة واحدة تجعلنا بها سادة للعرب، وملوكاً على العجم يدفعون لنا الجزية- فقال الرسول ﷺ : قولوا: لا إله إلا الله، فقال شيطانهم، وقائد ضلالهم وكبيرهم الذي علمهم العناد: تباً لك ألهذا جمعتنا؟ ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]). نعم أيها الأحبة! لا يتصور من قريش أن تقف موقف العناد كله، ولا يتصور من قريش أن تقف هذا الصراع العظيم إلا لأنها تعلم أن لا إله إلا الله سوف تغير حياتها، إن قريشاً كانت تفخر وتفتخر وتفاخر أن يوجد فيها شاعر كـ النابغة الجعدي، أو أن يوجد فيها شاعرة كـ الخنساء، أو يوجد فيها نابغ في مجال من المجالات، لماذا لم تفتخر قريش وهذا نبي يخرج فيها؟ نعم، كان في ظنها أن تفتخر لو كان هذا النبي لا يتدخل في سلطتها، وفي زعاماتها ورياساتها، وفيما تفرضه على الناس من حولها، ولكن لما جاء محمد ﷺ بلا إله إلا الله، وأدركوا مضمونها، وكانوا يفتخرون بكل من ينسب أو يلفت أنظار قبائل الأمة من حولهم إليهم، يفتخرون به، ويتوجونه رياسة لكي ينال بذلك زعامة وفخراً وسؤدداً بين قبائل العرب والعجم، لما قال محمد وقد ظهر فيهم نبياً، وكان الواجب أن يفتخروا به، وقفوا في معاداته وعداوته، لأنه جاء بما لا يشتهون، جاء بما ينغص عليهم حياتهم. إن لا إله إلا الله لم تأتِ فقط لتزيل الأصنام، وإنما جاءت لتحطم وتهدم كل انقياد لغير الله، وكل إذعان لغير الله، وكل تحاكم لغير الله ، جاءت لكي تلغي وتنسف هذه المرافق التي بنيت على أساس عرقي عصبي قبلي، ولتقرر: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. جاءت لتحد الناس على ميزان الحق، وصراط القسطاس المستقيم، فلا يبغي أحد على أحد: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٨]. جاءت لا إله إلا الله لترد النفوس عما ولغت وذلت وانحدرت فيه، ولترفعها إلى ما يرضي الله ، إن الذين يظنون أن لا إله إلا الله فقط لإزالة صنم يعبد على صورة وثن أو غيره فأولئك فهمهم قاصر. إن النبي ﷺ لما قال لـ عدي بن حاتم: (كم إلهاً تعبد؟ قال: سبعة، ستة في الأرض وواحداً في السماء، فقال: من لشدتك وكربك؟ فقال: الذي في السماء، فتلا النبي ﷺ : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١]-أي: واتخذوا المسيح رباً من دون الله- فقال عدي: يا محمد! إنهم ما عبدوهم -يعني ما سجدوا لهؤلاء الرهبان، وما سألوا الرهبان تفريج الكربات وإغاثة اللفهات- فقال ﷺ : أوليسوا يحرمون عليهم الحلال فيحرمونه؟ قال: بلى، قال: أوليسوا يحللون لهم الحرام فيستحلونه؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم إذاً) إن العبادة ليست سجوداً للأصنام، بل إن من أطاع غير الله معتقداًَ أن له حق التشريع والطاعة فذلك شرك وضلال مخرج من الملة، نعوذ بالله من الخذلان. إن لا إله إلا الله لما خالطت شغاف القلوب، وباتت دماء تضخها هذه القلوب، وخفقات تنبض بها الأفئدة، وزاداً للأرواح قبل الأبدان، ونسمات تتعللها الأنفاس في الصدور، إن لا إله إلا الله لما خالطت شغاف النفوس هجرت الأعين نومها، وهجرت الأبدان راحتها، فأصبحت النفوس كباراً. وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام لما خالطت هذه النفوس لا إله إلا الله فسالت الدماء لأجلها، وطارت الرءوس، وأخرج مكنوز الأموال، وكل تبرأ من ماله ومن كل ما يثقله ويبعده عن مرضاة الله . أما في هذا الزمان كم الذين يقولون: لا إله إلا الله؟ أين الذين يقولون: لا إله إلا الله؟ مليار ونصف المليار. يا ألف مليون وأين همُ إذا

стр. 2334

مفهوم لا إله إلا الله أيها الأحبة: إن لا إله إلا الله -كما قلت- لا تنحصر في مجال معين، ولو فهمها المسلمون هذا الفهم وقاموا بها هذا القيام لما وجدت حالنا اليوم كما نحن عليه الآن: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] هذه لا إله إلا الله من الحياة إلى الممات، من البداية إلى النهاية، من الظاهر إلى غاية الباطن؛ في الشكل والمضمون، وفي القلب والقالب، في الصورة والحقيقة، في العبارة والمعنى، ينبغي أن نفهم لا إله إلا الله، إننا لا نستطيع أن نزعم أننا وفينا لا إله إلا الله وإن اعتقدنا إننا لا نستطيع أن نزعم ونحن نقول: لا إله إلا الله، لا نستطيع أن ندعي أننا وفيناها حقها، وإن اعتقدنا الاعتقاد الصحيح، وإن نجونا من الوقوع في شرك العبادة وإن وإن إلى آخره، فإن حق لا إله إلا الله بحذافيره وأطرافه وكل مستلزماته أمر عظيم، لكن علينا أن نجتهد ما استطعنا، وأن نجاهد أنفسنا ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. إنني أعلم أن ممن يقولون: لا إله إلا الله ولا يفهمون أبعادها ومعناها، يقولون: إلى متى ونحن نظل نتحدث عن لا إله إلا الله، أما آن لنا أن نطرح الطروح العملية؟ أما آن لنا أن نخرج إلى البرنامج التطبيقي؟ أما آن لنا أن ندع الكلام في لا إله إلا الله لنتحدث عن المرحلة القادمة؟ نقول لأولئك: أيها الأحبة! إن لا إله إلا الله ليست شيئاً قائماً بذاته والدين أو نواحي الحياة أمراً مستقلاً آخر، بل إن لا إله إلا الله صميم الحياة، والحياة في صميم لا إله إلا الله، ومن ثم فحديثنا عن كل صغير وكبير يربطنا بلا إله إلا الله، إن كنا عباداً لله نفتخر ونتشرف بهذه العبودية، لنتوجه إلى لا إله إلا الله، وليكن قولنا، وسرنا وجهرنا، ونهينا واحتسابنا في لا إله إلا الله وفي مقتضاها، حتى لا نخرج عن هذه المسألة؛ لأن لا إله إلا الله هي الأمر كله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦]. لقد غلب على عقل كثير من الناس في واقعنا المعاصر أن قضايا العلم، والحضارة والتكنولوجيا، والأدب والفكر، والاجتماع والسياسة هي قضايا موضوعية بحتة أو فنية بحتة، أو قضايا علمانية لا بد أن تخرج عن إطار الدين، وهذه القضايا يستوي فيها المؤمنون والكافرون، وأن سعي الأمة إلى حيازة التقدم يجب أن يكون موضوعياً بحتاً لا علاقة له بالعقيدة، وإنما ينطلق من واجب إزالة التخلف، واللحاق بركب الحضارة، والسعي إلى إيجاد المجتمعات الحديثة، ومعايشة العصر الذي نعيش فيه، نقول: هذا خطأ ووبال وضلال، إن هذا التخلف العقدي الذي ابتليت به بعض شعوب المسلمين في قصر مفهومها، وضيق مفهومها للا إله إلا الله، أخرج من هذه المفاهيم فروض الكفاية، أو شيئاً من الواجبات التي لا ينبغي للمسلمين بصفة خاصة أن يقعوا فيها، أو يتضجروا من الحديث عنها، لأنها شاملة لكل نواحي الحياة، حتى نرى الحياة كلها من صغيرها وكبيرها مرتبطة بلا إله إلا الله في إصلاح شامل، ودعوة مستمرة، وجهاد لا يلين، حتى يعبد الله وحده لا شريك له؟ (لا إله إلا الله) هي الروح والنور، وهل رأيتم حياة في شخص لا روح له؟ (لا إله إلا الله) هي الروح والنور، وهل رأيتم رجلاً لا نور له إلا ويتخبط في الظلمات، ويسقط في المهاوي والدركات؟ إن معرفة الله بأسمائه وصفاته، والتوجه إليه بالدينونة توجهاً شاملاً، والأخذ بمنهجه الذي أنزله في محكم كتابه؟ وبينه رسوله ﷺ هو الدواء الشافي لأوجاع البشرية وآلامها، وهو الروح لأرواحنا، والنور لنفوسنا، وبغير لا إله إلا الله وهي الروح والنور لا حياة ولا ضياء، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢] نعم سمى الله هذه الكلمة وما تشتمله من الوحي المنزل روحاً ونوراً، فهو للأرواح نور، يمدها بالحياة الحقة، والإنسان بغير الروح يعيش حياة بهيمية؛ أو يموت وإن كان يتحرك بين الناس، يعيش عيشة بهيمية يأكل ويشرب وإلى غير ذلك ولكنه كما قال الله : ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤]. وبدون (لا إله إلا الله) فإننا أموات، وإن أكلنا وشربنا، وعلى الأرض مشينا: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً﴾ [الأنعام:١٢٢] لقد علمنا ديننا كيف نعيش مع لا إله إلا الله، كما أن لا إله إلا الله في السياسة والاقتصاد والتربية والاجتماع والإعلام وما سوى ذلك فهي أيضاً في زواجنا وطلاقنا، ونفقاتنا مع زوجاتنا، ومع الحضانة والإيلاء والظهار، ولا إله إلا الله في الخطبة والنكاح، وفي الوليمة والضيافة والجوار، ولا إله إلا الله هي في العلاقات والأُخُوَّة، والبيع والشراء والإجارة، والمساقاة والمزارعة والوكالة والضمان، لا إله إلا الله هي في كل هذه الأمور جميعاً، لأننا نرقب فيها ما يرضي الله فندنو إليه، ونرقب فيها ما لا يرضيه فنبتعد عنه، علمنا هذا الدين كيف نرتبط بلا إله إلا الله. إن مما يدلنا على أن الأديان غير الإسلام محرفة، وأن الشرائع غير الإسلام مبدلة أنك لا تجد في غير الإسلام ديناً يبين لك أدق تفاصيل حياتك، حتى في أول مراحل الحياة يوم أن توضع النطفة في رحم المرأة، للإسلام في ذلك توجيه، وللإسلام في خروج الجنين توجيه، وفي تسميته توجيه، وفي رضاعته توجيه، وفي حضانته ونفقته توجيه، وفي تربيته وتسميته توجيه، وفي معاملته توجيه، وفي علاقاته بمن حوله توجيه، إنك لا تجد هذه الدقائق إلا في دين الإسلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، لا تجد هذا إلا في كتاب قال الله فيه : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]. إن هذا الشمول للا إله إلا الله، وهذا الكمال للا إله إلا الله يدلنا حقاً على أن هذا هو دين من عند الله، وما سوى ذلك فليس بدين ثابت أو سليم من الزيادة والنقصان، والتحريف والتبديل وغير ذلك. علمنا ديننا كيف نعيش مع لا إله إلا الله إذا أصبحنا: (اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا، وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور) علمنا كيف نمسي: (اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا، وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير) علمنا كيف نستغفر، وكيف نقر، وكيف نتقرب إلى الله بسيد الاستغفار، وكيف ندنو من الله رتباً ومراتب تقربنا من مرضاته : (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت -حتى في الاستغفار عودة إلى لا إله إلا الله- خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) أي: أعترف بذنبي، أقر بذنبي، وبهذه المناسبة فإن كثيراً من الذين يذنبون لا يحسنون الاستغفار، تعلموا سيد الاستغفار، وتعلموا الإقرار بين يدي الله ، إذا سجدت فاعترف بذنبك لله: اللهم يا من لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء! ما خفي عليك مقامي، ولم يعزب عنك شأني وأمري، في تلك الليلة، في ذلك اليوم، في تلك اللحظة فعلت كذا، أذنبت كذا، حصل كذا، انظروا كيف يعترف الجاني على المجني عليه، انظروا كيف يعترف المقصر في حق من ظلمه أو نال منه، يعترف اعترافاً تفصيلياً دقيقاً، ولله المثل الأعلى وهو الغني عنا، ينبغي أن نتذلل لله ، وأن نلظ بكل ما يرضي الله بمناداتنا له بأسمائه وصفاته. اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا، وأهلنا ومالنا، هذا من الدعاء وأسوقه بلفظ الجمع لعله أن يستجاب لنا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وشمائلنا ومن فوقنا، ونعوذ بك اللهم أن نغتال من تحتنا. سبحان الله العلي العظيم! هذا الدين علمنا أن نعيش مع لا إله إلا الله في كل حال، حتى إذا لبسنا ثوباً جديداً، حتى إذا دخلنا المسجد، حتى ولو خرجنا من المسجد، حتى وإن أصابتنا المصيبة، إذا نزلت الطامة المدلهمة لا فرج إلا بلا إله إلا الله كما ثبت في البخاري أن دعاء الكرب: (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم) كان ﷺ يعلم أن في شخصيته قدوة سامية جلية، كيف يحيا الإنسان في معية الله، وكيف يكون في كنف لا إله إلا الله صابراً إن أصابه ضر، شاكراً إن أصابه ضير، متطلعاً إلى الله ، لاجئاً إلى الله، مستعيناً مستغفراً، مسلماً بقضائه وقدره، هذه حال لا إله إلا الله: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١]. إذاً فيا أيها الأحبة: إن لا إله إلا الله لم تنزل لتكون كلمة تنطق بها الألسنة، وإنما جاءت ومن أجلها تقاتلت هذه الأمم مع أنبيائها، ومن أجلها وجدت الجنة والنار، حتى تقيم مجتمعاً وكياناً متكاملاً على ما يرضي الله ، لا إله إلا الله جاءت ليتشكل الواقع البشري وفق كتاب الله، وسنة رسوله، فمن حقق خيراً فليستزد، ومن وقع في إثم أو خطيئة فليستغفر الله، وليعد وليؤوب إلى الله عاجلاً غير آجل.

стр. 2335

اقتران لا إله إلا الله بأنواع التوحيد الثلاثة إن لا إله إلا الله تعني عبادة الله وحده لا شريك له، لئن كانت لا إله إلا الله بياناً للربوبية، وأن الله هو الخالق الرازق، المحيي المميت، المدبر الذي يقبض ويبسط، مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، ويعز من يشاء، يمنع ويخفض ويرفع، إن كانت هذه من معاني لا إله إلا الله في باب الربوبية، ولئن كان الكفار يقرون بذلك: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه﴾ [لقمان:٢٥] فإن هذا وحده لا يكفي، لا نفهم من أن لا إله إلا الله تعني أن نعترف بأن الله هو المدبر الخالق، الاقرار بتوحيد الربوبية لا يعصم الرقاب ولا يحفظ الحقوق والأموال، بل لابد مع توحيد الربوبية من توحيد الألوهية وهو صرف العبادة بكل أنواعها بكل أشكالها لله ، فلا إله إلا الله عبادة لله وحده لا شريك له، ولا يجوز أن يشرك معه غيره، قال الله : (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه). ولا إله إلا الله كما أنها إقرار بالربوبية وإفراد بالعبادة، هي أيضاً وحدانية في الأسماء والصفات، لا إله إلا الله في أسمائه، فلا يسمى إلا بما سمى به نفسه، وسماه به رسوله ﷺ ، ولا يوصف ربنا إلا بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ ، وما كان من نقص، وما كان من وصف لا يليق إلا وينفى عن الله بمقتضى لا إله إلا الله، وبمعنى لا إله إلا الله.

стр. 2336

مقتضيات لا إله إلا الله لهذه الكلمة العظيمة مقتضيات عدة: فمقتضاها الإيماني: أن من فقد هذه الكلمة فهو يتخبط خبط عشواء، والذين أعرضوا عن ذكر الله في ظلمات لا نهاية لها، إن الذين لا يفهمون لا إله إلا الله يرون أن الحياة من أجل أن يقضوا أوطارهم في شهواتهم وملذاتهم، لا وألف لا، وكيف تكون حياة بدون لا إله إلا الله والله يقول: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ [المؤمنون:١١٥] خلقتم من أجل لا إله إلا الله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]، من فهم لا إله إلا الله يدرك أن كل ما في الكون لم يخلق إلا لأجل الله ولمرضاة الله : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧] نعم ذلك ظن الذين كفروا، يظنون أن في هذا الكون شيئاً خلق باطلاً، أو شيئاً وجد عبثاً، أو شيئاً قد وجد سدى، أما الذين يفهمون لا إله إلا الله يعلمون أن النفوس لم تخلق عبثاً، ولم تترك سدى، ولم يوجد من هذا شيء باطل: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٧ - ٢٨] الذين يعلمون لا إله إلا الله يعلمون أن هذا معناها ومقتضاها. أما ذلك الضال المضل -وهو مثال لمن لم يفهموا معنى هذه الحقيقة- يوم أن قال: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري ولماذا لست أدري؟ لست أدري أولئك لم يفهموا لا إله إلا الله، ولم يعرفوها، ولم ينالوا شرف الانتساب إليها، فإلى أي درك يهبط هذا الإنسان إذا لم يعرف معنى وجوده، إلى أي هاوية تخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق يوم أن يجهل لا إله إلا الله، إن الإيمان بالله وحده هو حق لله على عباده، في وقتٍ الله غني عن عباده، يقول الله وهو الغني عن العباد: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧]. إننا ندعى إلى لا إله إلا الله ليس لحاجة ربنا إلينا، وليس من أجل أن يستكثر بنا ربنا من قلة، أو يستظهر بنا من قلة علم ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢] لا إله إلا هو وحده لا شريك له، والله لا يزيد في ملكه شيء أن يعبده الناس على قلب رجل واحد، أو أن يكونوا على أفجر قلب رجل واحد منهم كما في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً) إذاً فنحن المحتاجون والله هو الغني عنا، ونحن الفقراء والله الغني، وإن نشكر فالله يرضى لنا، وإن نكفر فإن الله غني حميد: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الإسراء:١٥]، ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦]. إن الفساد الذي يسري في الأرض حين يهبط الإنسان عن الإيمان بما لا تدركه الحواس، فيفقد الإيمان بالله واليوم الآخر، ويفقد معنى لا إله إلا الله يعني ألواناً شتى لا تحصيها أقلام ولا مجلدات من الضلال والضياع، لأن النفوس إذا ضاعت وزلت وتاهت عن طريق لا إله إلا الله، فلا تسل عن هلكاتها، في أدنى أدنى وأصغر أصغر أمور حياتها، ومن زار الكفار أو عاش معهم فترة أو قرأ أحوالهم عرف إلى أي درجة يتخبط أولئك. أيها الأحبة: إن بعض المسلمين يقول: هؤلاء الكفار عندهم من المخترعات، وعندهم من زخرف الحياة، وعندهم من الملذات والشهوات، ما يظهرون به في غاية السعادة، مع أنهم لم يعرفوا لا إله إلا الله، فلماذا أنتم تكررونها وتزيدون وتعيدون فيها؟ نقول: أيها الأحبة! إن أولئك كما قال الله عنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] والله يبتلي عباده المؤمنين ويبتلي الكافرين: ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠] ليبتلي الإنسان هل يثبت وهل يبقى على يقينه وإيمانه؟ لأن أناساً لما رأوا سعادة وهمية في حياة الكفار، وابتسامات زائفة على وجوه الكافرين، وشيئاً من الرخاء في بعض حياتهم أو حياة أممهم، قال: هؤلاء عاشوا وبدون هذه الكلمات التي تدعون إليها وتكررونها، نقول: هذا من البلاء، وهذا من الفتنة، إذ لو تأملت أحوال بقية الكفار لوجدت فيهم من الضلال والخبال، والبؤس والشقاء ما الله به عليم، ولكن إن لله سنناً من أخذ بها نال شيئاً ولو حظاً من الدنيا، فبعضهم الذين أخذوا بشيء من سنن الدنيا نالوا حظاً في الدنيا مع شقاء في نفوسهم وأرواحهم، والآخرون من الكفار لم ينالوا حظاً لا من الدنيا ولا من السعادة أبداً، فيُبتلى المؤمنون بهذا. إن أخذنا بالعمل والجد، والصبر والمثابرة، والتعلم والكفاح والمنافسة؛ فإننا أيضاً ننافس هذه الأمم الغربية الكافرة، حتى لا يقول أحد: إن ديننا فقط هو ذكر وعبادة دون أن ننافس في تجارة وصناعة، وسياسة وإعلام واقتصاد وغير ذلك، إنها سنن لو أن أمماً بوذية ويهودية وغربية وشرقية في قضية من قضايا الأمور الدنيوية أخذت بأسباب الدنيا، بعوامل الإنتاج، بنظرية الإنتاج على الطريقة التي تنتج بها ما توده وما تحتاج إليه لأنتجت، وهذه من سنن الله أن من صبر على أمر من أمور الدنيا ناله، لكن المؤمن يصبر فيؤجر على صبره، ويظفر فيثاب على ظفره، ويثاب فيما قدم وعمل، وأما أولئك فليس لهم عند الله قليل ولا كثير من سعيهم، وإنما تعجل لهم ملذاتهم وما يحلو لهم حال دنياهم.

стр. 2337

آثار لا إله إلا الله في الدنيا إن لا إله إلا الله -أيها الأحبة! - لابد أن يكون لها أثر في حياتنا، فمن آثارها: أن يتحرر الإنسان من كل طاغوت، والطواغيت: من يعبدون بتجاوز وتعد من دون الله ، وحسب مؤمن يعظم لا إله إلا الله فيشعر أنه عبد لله، لا تنحني هامته إلا لله وحده، ولا يطأطئ رأسه وأنفه إلا لله وحده، ولا يمرغ أنفه وجبينه إلا لله وحده، وبدون ذلك ولغير ذلك فإن إراقة الدماء أهون عليه من أن يسجد لغير الله، أو أن ينقاد لغير الله ، هذه آثار لا إله إلا الله، يقولها من لم يدرس في الجامعات، ولم يؤلف المطولات، ولم يقرأ في المختصرات، صحابي من الصحابة لما قابل قائداً من قواد المشركين، يجيبه على سؤاله الذي قال فيه: ما الذي جاء بكم؟ فقال: [إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فإن أجبتم لكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فالجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإن أبيتم ناجزناكم بأقوام يحبون الموت كما تحبون الحياة] إن هذا من مقتضى كلمة لا إله إلا الله، أن يتحرر الإنسان فيها، أن يجد عزة وغنى: (استغن عمن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره) فلا إله إلا الله تغنيك عن كل ما سوى الله ، ألا لو أننا تعلقنا بها، وتوكلنا بمعناها على الله حق التوكل لرزقنا كما يرزق الطير تغدوا خماصاً وتروح بطاناً. أيها الأحبة: ومن آثار لا إله إلا الله: أنها تحرر هذه النفوس فيما جبلت عليه من غرائز جبلية، جبلت النفس على حب المال، وجبلت النفس على حب الشهوة، وجبلت النفس على كثير من الغرائز، لكن من تعلق بلا إله إلا الله واستحكمت في حياته فإنها تجعله منفقاً لهذا المال الذي يتقاتل الناس على جمعه، تجعله متعففاً عن هذه الشهوة التي يحتال الكثير من أجل الوصول إليها، تجعله سامياً يرمق ما عند الله في وقت يتنافس فيه الناس على الريال والريالين، إن لا إله إلا الله تجعل أماني المسلم أماني عظيمة، ولذلك لما قال أحد السلاطين في عهد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنك تريد ملكي وما عندي وسلطاني، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية: أنا أريد ملكك؟! إن من يطمع في جنة عرضها السماوات والأرض ليس له حاجة فيما عندك. المسلم الذي يرغب جنة عرضها السماوات والأرض فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، لا يفكر أن يطمع في أشياء دنيوية، أو أمور سخيفة تافهة، فالعاقل -أيها الأحبة! - يدرك أن لا إله إلا الله تحرر النفس، وتجعل الإنسان يرثي لحال هؤلاء الذين يتقاطعون ويتدابرون، ويكذبون ويتشاتمون، ويتهاجرون ويتسابون من أجل مصالح الدنيا، لأنه إن رآهم يتقاتلون على ريال أو ريالين أو مليون أو أكثر فإنه يرغب فيما عند الله ، إن هذا أيضاً مما تقتضيه لا إله إلا الله ومن آثارها. فواجبنا أيها الأحبة أن نعتني بها، وأن ندركها تمام الإدراك، وأن نكون دعاة إليها، ندعو إلى لا إله إلا الله حتى آخر لحظة في حياتنا، وحتى آخر لحظة في حياة من ندعوهم، أما آخر لحظة في حياة الداعي: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة:١٣٣] هو الآن يعالج سكرات الموت، ويدعو إلى لا إله إلا الله، فيقول: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة:١٣٣] فيقولون: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٣]. وندعو إلى لا إله إلا الله حتى آخر لحظة في حياة من ندعوهم: لما قام ﷺ يدعو عمه أبا طالب، وهو يعلم أنه في آخر اللحظات، لا يستطيع أبو طالب أن يحمل سيفاً للجهاد، ولا أن يقوم ليركع، ولا أن ينحني ليسجد، ولا أن يمد لينفق، ولكنه يدعو إليها حتى ولو في النزع الأخير: (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله) فيقول أبو جهل وصناديد قريش الذين كانوا من حوله: أتترك دين الآباء والأجداد؟ والنبي يدعوه إليها وأولئك يصدونه عنها حتى مات وهو يقول: على ملة عبد المطلب. ندعوهم حتى آخر لحظة من حياتهم، خرج ﷺ يزور يهودياً وولده مريض، فلما جاءه وجد الشاب المريض ينازع في سكرات الموت، فقال ﷺ وهو ينظر إلى ولد جاره اليهودي: (يا فتى! قل: لا إله إلا الله -دعوة حتى في النزع الأخير من الحياة- فينظر الصبي وعينه تغرغر بالدمع إلى والده، فيقول أبوه: أطع أبا القاسم، فيقول الصبي: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فتفيض روحه، فيخرج النبي ﷺ يكبر يتهلل وجهه وهو يقول: الحمد الله الذي أنقذه بي من النار). ندعو إلى لا إله إلا الله غير المسلمين لكي يعرفوا حلاوة الإيمان، ولننقلهم من السجود والخضوع والتعظيم لغير الله، من العبودية للأحجار والأصنام وغيرها إلى شرف التوحيد والوحدانية لله، وندعو المسلمين أنفسهم الذين ينطقون لا إله إلا الله أن يقوموا بحقها وواجبها، ندعو من يقول: لا إله إلا الله أن تحركه لا إله إلا الله لتسابق خطوه نفسه في صلاة الفجر ليكون أول الصافين مع الجماعة، ندعو الناطقين بلا إله إلا الله أن يكفوا عن أكل الحرام، ندعو الناطقين بلا إله إلا الله ألا يعطوا ولا يأخذوا الرشوة والربا، ندعو الناطقين بلا إله إلا الله أن يقوموا بهذا الواجب بسمعهم وأبصارهم وفروجهم وبطونهم وكل ما آتاهم الله. أسأل الله أن يجعل قولي وقولكم حجة لنا لا حجة علينا. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 2338

الأسئلة

стр. 2339

أنواع المرجئة والرد عليهم السؤال جزاكم الله خير الجزاء، ونسأل الله لنا ولكم الأجر في كل حرف مما ذكرتموه، يقول المرجئة اليوم: الإيمان بكلمة التوحيد والإقرار بها في القلب وحده ملزم لدخول الجنة، وإن ترك الرجل الصلاة وامتنع عن الزكاة، فما هو رد فضيلتكم على هذه المقولة؟ الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، لا شك أن هذه مقولة ضالة خاطئة، والمرجئة بالمناسبة إذا أطلقوا فهناك إطلاقان: مرجئة الفقهاء المتقدمين الأوائل، هم الذين يقال لهم: مرجئة الفقهاء الذين أرجئوا القول فيما كان بين الصحابة وفيما كان بين علي ومعاوية، وأحياناً قد تسمع عنهم في ترجمة بعض الثقات أو العدول: فلان من مرجئة الفقهاء، فلا يعني ذلك أنه من الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، أما المرجئة الذين ضلوا ضلالاً بعيداً فهم الذين ينطقون بهذا، وهم ضد الوعيدية من فـ الخوارج والمعتزلة، وأهل السنة وسط بين طرفين، الخوارج والمعتزلة يقولون: من ارتكب الكبيرة الخوارج يخلدونه في النار، والمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين، والمرجئة يقولون: من كان مؤمناً فلا يضره شيء أبداً ما دام أنه يدعي الإيمان، بل إن أبا الحسن الصالحي من القدرية، وبعض من وافقه من الطوائف قالوا: إن مجرد المعرفة كافٍ ليكون الإنسان مؤمناً، وبعض طوائف الضلالة من الكرامية قالوا: إذا قال الإنسان: أنا مؤمن فقط بلسانه هذا في حد ذاته كافٍ، وهذه أقوال فاسدة. يلزم من القول الأول أن يكون إبليس وأبو طالب والضُّلاَّل والجهَّال الذين يعرفون الله ولم يستجيبوا له ولم يعبدوه أن يكونوا مؤمنين، ويلزم من القول الثاني: أن يكون المنافقون مؤمنين، وضلال أمر المرجئة واضح جداً لأن النصوص في القرآن والسنة جاءت فيها آيات الوعد والوعيد، فكما أن الله رتب الثواب الجزيل على من قام بالإيمان، رتب أيضاً العقاب الأليم على من خالف، والصلاة بحد ذاتها أخطر أمور العبادة وشرائع الدين وأركان الإسلام، من تركها فقد كفر، نعم من ترك الزكاة لا يكفر، من ترك الحج والصوم لا يكفر يعتبر عاصياً مرتكب كبيرة جداً، لكن الراجح وكما سئل سماحة الشيخ/ ابن باز وأفتى، قال: من ترك الصلاة فقد كفر: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)، وعمر بن الخطاب ﵁ لما دعاه المسور بن مخرمة على إثر طعنة طعن فيها يوم كان في المحراب ﵁ فقال عمر: [نعم. ألا إنه لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة] فقام عمر يصلي وجرحه يثعب دماً، فأولئك الذين يقولون: مجرد الإيمان في القلب أو مجرد التلفظ وحده كافٍ مع عدم السلامة من النواقض، وعدم القيام بالشروط والحقوق فإن لكل شيء حقوقه وشروطه وواجباته، وهذه مبينة مفصلة من كلام الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 2340

حكم من قال: لا إله إلا الله وهو واقع في المعاصي السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أقول لا إله إلا الله ولكن في بعض الأحيان أفعل المعاصي، فهل اعتبر من الذين لا يعملون بمقتضاها أم ماذا؟ الجواب من قال لا إله إلا الله وارتكب من الذنوب والمعاصي ما ارتكب فهو مقصر في حقوق لا إله إلا الله بقدر ما ارتكب، لكن أخطر ما هنالك أن يأتي الإنسان بما يناقضها أو يضيع شروطها، فإذا ضيع من شروطها أو ارتكب ما يناقضها مما يخرج من الملة فهذا الخطر العظيم، أما من ارتكب ذنباً فإن الكل يقول: لا إله إلا الله، لكن نور لا إله إلا الله في النفوس يختلف، هناك من يقول: لا إله إلا الله فيبكي، وتغرورق عينه بالدموع، ويسمع له البكاء والأنين والنحيب، وهناك من يقول: لا إله إلا الله وهو خارج مدبر بعيد عن الفريضة وعن الطاعة، فهذا مرتكب كبيرة عظيمة، وذاك في قلبه من حق لا إله إلا الله الشيء العظيم جداً، لكن ينبغي أن نفهم حتى لا نكفر الناس، ولا يفهمنا أحد فهماً خاطئاً أن من عصى الله فقد ارتكب ما يناقض لا إله إلا الله، لا. المعاصي ليست من نواقض لا إله إلا الله. من نواقض لا إله إلا الله السخرية بالدين والاستهزاء، من نواقض لا إله إلا الله ترك الصلاة، من نواقض لا إله إلا الله كراهة العبادة، كراهية شيء مما جاء به الله ورسوله إلى آخر ما تعلمون، لكن من وقع في الذنب وفي المعصية فإن نور لا إله إلا الله، وحقوق لا إله إلا الله بشمولها ومعناها لم تكتمل في نفسه، فعليه التوبة والمبادرة والرجوع إلى الله .

стр. 2341

من أسباب زيادة الإيمان ونقصانه السؤال أرجو من الشيخ أن يذكر لنا بعض أسباب زيادة الإيمان وأسباب نقصانه؟ الجواب لا شك في معتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول واعتقاد وعمل؛ قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. مما يزيد الإيمان في النفوس: مثل هذه المجالس، يجد الإنسان في نفسه -السامع والمتكلم- حباً للخير، وإقبالاً على الطاعة، وحماساً إلى الدعوة إلى الله ؛ حماساً في الصلاة وفي العبادة. وكذلك مما يقوي الإيمان: العناية في هجر المنكرات وتركها وعدم التساهل بها، إن الذي يربي نفسه على الحساسية تجاه المنكرات يجد أن أدنى أدنى منكر يجعله يتأثر، ويحس بنفسه ما يجعله يتألم أكثر من لذته فيما فعل من المعصية، فمن أراد زيادة الإيمان فعليه بالأعمال الصالحة جملة، ومن أهمها: تلاوة كلام الله وتدبره، العناية بحلق الذكر ورياض الجنة: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا) العناية بعبادة السر، بمعنى أن يكون لك حظ من قيام الليل، أن يكون لك حظ من صدقات لا يعلم بها أحد، أن يكون لك حظ من عمل معين، تجد مثلاً بعض الناس يسرق نفسه خلسة لا يعلم به أحد فيعتمر ويعود ما درى به أحد، بعض الناس يأخذ نفسه خلسة مع المقابر والجنائز لا يعرفه أحد، كلما كانت العبادة أو كان للإنسان حظ من عبادة السر بينه وبين الله لا يعلم بها أحد فإن ذلك مما يعظم هذا الجانب في النفس.

стр. 2342

وصايا لتائب السؤال قد منَّ الله علي بالهداية، ولكن شباب الحي والمدرسة لم يتركوني في حالي، وإني أقول لك يا حضرة الشيخ: أريد منك بعض النصائح التي تبعدني عن مثل هؤلاء؟ وما هي شروط لا إله إلا الله (تذكيراً ببعضها)؟ الجواب لا يظن الإنسان أن الهداية إذا نال العبد شرفها وكرامة منزلتها أنه سيجدها ماءً عذباً زلالاً من دون شيء من الابتلاء قال تعالى: ﴿ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:١ - ٢]. وقال: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام:١٠]. وقال: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت:٤٣]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩]. يا أخي الحبيب: ليس غريباً أن تجد أهل الشر والمنكر والباطل والمعاصي يسخرون، لأنهم يحسدونك على ما أنت عليه من الهداية، ويرون أنك بعد أن كنت معهم في حضيض معاصيهم ودنس منكراتهم قد ارتفعت عليهم، فأنت كنت كمن يمشي معهم حافياً في الشوك والشمس والحر والهاجرة، وإذا بك فجأة تركب أطيب المراكب وألينها وأعلاها وأشرفها، فحسدوك فيما أنت فيه، ولكن المسلم ينظر إلى هؤلاء بالرحمة والعطف: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٩٤] لأن بعض الذين يهتدون يرجع ينظر إلى هؤلاء بعين العداوة والتصدي والحقد والتدبير، لا. كما من الله عليك بالهداية فابذل لهم من أسباب الهداية إذا تمكنت من الصلاح، وتمكنت من الاستقامة، فإن شئت ألا يفوتك أجر هدايتهم، أو أحببت أن تبادر في دعوتهم فاستعن بالله ثم بمن يعينك على ذلك ممن ثبتت قدمه في الدعوة والعلم. ونوصي هذا الأخ حديث العهد بالتوبة والاستقامة: أولاً: أن يطهر نفسه من كل معصية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] لأن بعض الشباب هداهم الله يتوبون إلا من شريطين وثلاثة، ويستقيمون إلا من أربع مجلات، ويرجعون إلا من ثلاث نقاط، فتجد الواحد توباته كأنها شركات تقسيط، أو ربما عنده شيء يقبله وشيء يرفضه، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] ما دام أن الله من عليك بالهداية لا تدع شيئاً تحت السرير أو فوق النافذة، أو عند الدولاب أو في شنطة السيارة، كل ما عندك مما يدعو إلى معصية الله أخرجه وأتلفه ولا تبق من ذلك شيئاً. الأمر الثاني: التمس البديل عن أصحابك، والبديل عن سماعك، والبديل عن مطالعاتك، فالإنسان بطبعة اجتماعي، يحب الاختلاط والحديث والأنس والألفة، فإن كنت من قبل مختلطاً بهؤلاء الذين يعصون الله ويعينونك على المعصية فعليك بثلة وصحبة طيبة، واذهب وابحث، سلمان الفارسي تعلمون قصة إسلامه بحثاً عمن يهديه ويدله إلى الاستقامة والإيمان بمحمد ﷺ ، بل إني أعرف شاباً ابتلي بقرناء سوء في مدينة تبعد عن الرياض حوالي ستمائة كيلو متر فنقل دراسته، ونقل سكنه خوفاً على استقامته والتزامه، لما فعلاً أحس أنهم قد أحاطوا به، والسبب أن قرناء السوء في تلك المنطقة قد أخذوا عليه مستمسكاً يهددونه ويفضحونه به، فلم يجد بداً للمحافظة على استقامته والسلامة من فضائحهم إلا أن يهاجر فاراً بتوبته واستقامته معرضاً عن كل ما يغرونه أو يهددونه به. البديل الآخر: ألا وهو المطالعة والقراءة، تجد بعض الشباب في ضلاله؛ مجلات وأشرطة وملاهي إلى غير ذلك من المطالعات السيئة والرديئة، فأبدل هذا بمادة نافعة، كتب، طلب علم، عناية بالقرآن، اشتغال بالسنة، سماع المحاضرات، الخطب، الفوائد، القصائد، النثر والشعر الطيب النافع، هذا فيه خير بإذن الله. أما ما يتعلق بما مر ذكره في المحاضرة من شروط لا إله إلا الله فهي: العلم المنافي للجهل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران:١٨]. اليقين المنافي للشك. المحبة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. الإخلاص: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]. الانقياد: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] وهي واضحة وجلية. وأوصي الشباب بالعناية برسائل الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب الموجزة المختصرة الطيبة التي تبني أصول الإيمان، مثل: كتاب التوحيد، والمسائل الثلاث، وكشف الشبهات إلى غير ذلك.

стр. 2343

وصايا للمرأة المسلمة السؤال هل من كلمة للنساء حول ما يخصهن من مقتضيات لا إله إلا الله؟ الجواب الخطاب للرجل كالخطاب للمرأة، الخطاب للذكر كالخطاب للأنثى، لا يفرق المرأة عن الرجل ولا الرجل عن المرأة إلا ما خص أحدهما بدليل، وما سوى ذلك فالمرأة والرجل على حد سواء في الخطاب، إلا أننا نوصي المرأة فيما هو من خصائصها: أن تتقي الله ، وأن تجعل لا إله إلا الله انقياداً واتباعاً وإخلاصاً وخشية من الله في خروجها، فلا تخرج إلا لحاجة ومع ذي محرم، وبقدر حاجتها، غير متبرجة ولا متعطرة ولا متزينة. في علاقاتها: فلا تصاحب إلا من تخشى الله من صويحباتها. وتتقيه في كلامها: فإياها أن تُملأ بالغيبة والنميمة فتكون كمن جمعت من الحسنات في صلاتها ونوافلها، ثم ضيعت هذه الحسنات في سماعة الهاتف. ما أكثر النساء اللائي يصمن الإثنين والخميس، ويتهجدن الليل، ويضيعن آلاف الحسنات على سماعة الهاتف في الحديث عن فلانة وعلانة، أو يضيعن الحسنات في كثير من الذنوب والمعاصي! فالعاقل الذي مَنَّ الله عليه بجمع الحسنات يحرص على تمام المنة بالمحافظة عليها وعدم ضياعها. كذلك على هذه المرأة: أن تعلم أنها مستهدفة في حظها من لا إله إلا الله من قبل العلمانيين ودعاة التغريب والضلالة، الذين نقلوا للأمة كل ألوان الفجور والفساد، اليوم المرأة مستهدفة، مجلة الأزياء مستهدفة، عرض الأزياء مستهدفة، دعاوى الاختلاط مستهدفة فيها؛ اختلاط في الوظيفة، اختلاط في التعليم، اختلاط في أمور كثيرة: المرأة نصف معطل، المرأة حبيسة الدار، المرأة مظلومة المرأة المرأة، وفعلاً في بلادنا هذه بالذات المرأة مستهدفة، ولن يقر للعلمانيين قرار، ويهدأ لهم بال حتى يروها تجوب الشوارع بسيارتها، وتخادن من تشاء، وتصاحب من تشاء، وتخرج متى شاءت، وتلبس ما شاءت، وتتبرج كيفما شاءت، وتتحدى بوجهها مقبلة مدبرة الرجال وغيرهم، فالمرأة العاقلة تقول: أنا أدرى بما أكرمني الله به، فلا أريد حضيضاً مما عند هؤلاء العلمانيين الذين يَدَّعون أنهم أوصياء على المرأة، وكما يقول أحد المفكرين: هؤلاء والله لا يريدون تحرير المرأة وإنما يريدون حرية الوصول إلى المرأة. نعم في المجتمع المسلم ونحسب أن بلادنا بلاد إسلامية، ومجتمعنا مجتمع إسلامي، على ما فينا من الذنوب والخطأ والتقصير، في بلادنا هذه من الصعوبة أن الإنسان يدخل على المرأة هكذا مباشرة، كيف؟ هل رأيتم إنساناً يمسك امرأة في الشارع يتحدث معها، أو سيجدها موظفة وسوف يتعامل معها، أو يجدها معه في طاولة الدراسة أو جنبه في الوظيفة أو عند إشارة المرور، بين الرجل وبين المرأة في هذه البلاد حواجز كثيرة، دعوني من الذين يتسللون لواذاً ويعملون خلف الكواليس، فمن ستر الله عليه فإن الله ستير يحب الستر، ونحن لا نتكلم عن الحالات الشاذة، لكن في عامة شأن الأمة الوصول إلى المرأة في المجتمع أمر صعب، ولأجل ذلك هم يريدون أن يخرجوا المرأة من هذه الحصون المنيعة حتى يسهل الاتصال بها، من الصعب أن يأتي واحد من هؤلاء، بل دونه الدماء، لو واحداً يطرق الباب يقول: أريد أن أكلم امرأة، أو يدخل عليها في مدرسة، أو يهتك ستراً من أستار وجودها، أو حصناً من حصون بقائها، ولذلك لابد أن نخرج هذه المرأة. هل سمعتم علمانياً يقول: أخرجوها نزني بها، أخرجوها نستمتع بها، أخرجوها نتمتع بجمالها؟ لا. أخرجوا هذه المظلومة، أخرجوا هذه المسكينة، أعطوها حقها، دعوها تعمل مع الرجل، دعوها تشارك في الإنتاج، اتركو الدخل القومي يزيد، اتركوا ودعوى وهلم جراً إلى الصيحات الضالة، ولو كانوا جادين ويريدون أن تستفيد هذه المرأة، بدلاً من دعاوى التحرر ليفكروا كيف يوجدوا للمرأة مصانع نسائية مستقلة، كيف يوجدوا للمرأة قنوات نسائية بحتة، إن الإسلام لم يحرم على المرأة أن تعمل حينما تحتاج أو إذا رغبت في الضوابط الشرعية دون أن يفتتن بها الرجال، ودون تعطيل الوظيفة التي خلقت لأجلها وهي: الإنجاب والرعاية بالأبناء والزوج، فإذا وجد هذا فلا حرج، لكن أولئك تجد الذين يتكلمون كثيراً عن المرأة لا يطرحون قضية توظيف المرأة في المجال النسائي المستقل، لا. بل: لماذا لا تسوق السيارة؟ لماذا لا تشارك الرجل؟ لماذا لا تقف في المصنع؟ لماذا لا تعمل كذا؟ وهؤلاء بإذن الله خابوا وخسروا ما دام في الأمة أغيار من علمائها ورجالها وولاتها بإذن الله . هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 2344

لا تنسوا فلسطين إن فلسطين المحتلة هي جرح واحد من عشرات الجراح في هذه الأمة، ولغفلة بعض المسلمين وبعدهم عن دينهم وإقبالهم على دنياهم نسي كثير منهم قضية فلسطين واليهود المحتلين، الذين وصفهم الله في كتابه بأوصاف يستحقونها، وقد ذكر الشيخ في المحاضرة بعضاً من معتقداتهم وأقوالهم.

стр. 2345

من عقائد اليهود الحمد لله الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى, أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه, قال في محكم كتابه: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, خلقنا وخلق البشر أجمعين, والذي خلق هو أعلم بما ينفع ويضر, وهو أعلم بما تنطوي عليه سرائر العباد, والذي خلقنا وخلق أعداءنا هو الذي يعلم ما نكن في صدورنا وما نعلن, ويعلم ما يكن أعداؤنا في صدورهم وما يعلنون: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة, وأدى الأمانة, ونصح الأمة, وجاهد في الله حق جهاده, بعث بالسيف إلى يوم القيامة, ونصر بالرعب، وجعل رزقه تحت ظل رمحه, وجعلت له الأرض مسجداً وطهوراً, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى, تمسكوا بشريعة الإسلام, وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى, واعلموا أن لله سنناً لا تتبدل ولا تتحول قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٢] ﴿وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء:٧٧]. ومن سنن الله: أن من تمسك بدينه وتوكَّل عليه وأناب إليه في السراء والضراء, فالله ناصره, ولو كان لا يملك قليلاً أو كثيراً. ومن سنن الله: أن من بعد عن دين الله فإن الله خاذله ومذله, ولو تدجج بالسلاح وأحاطت به القوى إحاطة السوار بالمعصم. معاشر المؤمنين! يقول الله جلَّ وعلا: ﴿هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٩] وهذا في شأن أهل الكتاب, ويقول الله جلّ وعلا في شأنهم أيضاً: ((لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ)) [المائدة:٨٢] اليهود الذين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] اليهود الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] اليهود الذين قالوا: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام؛ فتعب فاستراح في اليوم السابع! فأنزل الله رداً عليهم وتبكيتاً لهم: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [ق:٣٨ - ٣٩]. والله لا سبيل إلى العزة والاستعلاء والكرامة, ومضاء السنة والعقيدة إلا بالصبر, والتسبيح ليلاً ونهاراً قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق:٣٩ - ٤٠]. اليهود -يا عباد الله- الذين هم أكَّالون للسحت اليهود الذين يقتلون الأنبياء بغير حق اليهود الذين يسعون في الأرض فساداً قال الله عنهم: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً﴾ [المائدة:٦٤] اليهود الذين لا يرون لبشر منزلة, ولا مكانة, ولا مقام أبداً. وإذا شئتم أن تعرفوا عقائد اليهود, ورأي اليهود فيكم؛ فاسمعوا إلى نصوص مترجمة من التلمود, وإلى نصوص مترجمة من كتبهم وكتب عقائدهم! أيها الأحبة في الله: إن اليهود يقولون: إن الله تعالى يدرس التلمود منتصباً على قدميه! قبحهم الله, يرون أن التلمود أعظم من الله, وأن الله يقف جاثياً على قدميه يدرس التلمود -يدرس كتابهم- تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً! اليهود يقولون: إن التلمود وجد قبل الخليقة, ولولا التلمود لزال الكون, ومن يخالف حرفاً من التلمود يمت. واليهود يقولون: إذا احتدم خلاف بين الله والحاخامات فالحق مع الحاخامات. ويقولون: إن اليهود يعتبرون عند الله أفضل من الملائكة؛ فإذا ضرب واحد من الناس يهودياً فكأنما ضرب العزة الإلهية! ويقول كتابهم: لو لم يخلق اليهود لانعدمت البركة من الأرض, ولما خلقت الأمطار. ويقول كتابهم: الفرق بين الحيوان والإنسان كالفرق بين الأمم واليهود. ويقول كتابهم: مصرح لليهودي أن يطعم الكلاب, وغير مصرح له أن يطعم الأجانب لحماً, بل يعطيه للكلاب؛ لأنها أفضل منهم، والأمم الخارجة عن دين اليهود ليسوا كلاباً فحسب بل حمير أيضاً. وتقول كتبهم وبرتوكولاتهم: خلق الناس باستثناء اليهود من نطفة حصان, وخلق الله الأجنبي على هيئة إنسان ليكون لائقاً لخدمة اليهود الذين خلقت الدنيا من أجلهم! وتقول كتبهم: لا يجوز لليهودي أن يشفق على غير اليهود من الأمميين. وتقول كتبهم: يحق لليهودي أن يغش الكافر, وأن ينافق معه عند اللزوم. وتقول كتبهم: إذا كان اليهودي قاضياً بين يهودي وأجنبي؛ فواجب عليه أن يعمل جهده ولو بالغش والخداع ليظهر الحق بجانب اليهودي ويحكم له. وتقول كتبهم: مصرح لليهودي أن يجامل الأجنبي ظاهراً ليتقي شره على أن يضمر له الشر. وتقول كتبهم: لا يغفر إله اليهود ذنب اليهودي الذي يرد مالاً مفقوداً إلى الأجانب. وتقول كتبهم: غير مصرح لليهودي إقراض الأجنبي إلا بالربا, والربا محرم تعاطيه بين اليهود. وقال الحاخام ليفي بن جرسون: إن حياة الأجنبي ملك يد اليهودي فكيف بأمواله. وتقول كتبهم: يجب قتل الصالحين من غير اليهود, ومحرم على اليهودي أن ينجي أحداً من باقي الأمم من هلاك, أو يخرجه من حفرة, بل يجب أن يسد الحفرة الذي وقع بها الوثني. وتقول كتبهم: كل من يقتل أجنبياً يقرب قرباناً إلى الله. وتقول كتبهم: إذا قتل يهودي يهودياً آخر خطأ وكان قصده أن يقتل أجنبياً فخطيئته مغفورة؛ لأنه كان يهدف إلى قتل الأجنبي. وتقول كتبهم: الذي يقتل أجنبياً يكافأ بالخلود في الفردوس, والذي يرتد عن دينه من اليهود يعامل كالأجنبي إلا إذا فعل ذلك تقية, أو من أجل غش الأمميين. ويقول اليهود: الزنا بغير اليهود سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً مباحٌ لا عقاب عليه أبداً. وتقول كتبهم: اليمين الذي يؤديه اليهودي للأجنبي لا قيمة له, ولا يلزم اليهودي بشيء؛ لأنه لا أيمان بين اليهود والحيوان. وتقول كتبهم: مباح لليهودي أن يؤدي عشرين يميناً كاذبة يومياً، وتمحى ذنوب هذه الأيمان في اجتماعات الغفران التي يعقدها الحاخامات لشطب حساب الأيمان الكاذبة. وبعد فهذا قليل من كثير من التعاليم التلمودية الحاقدة!!

стр. 2346

خسة أفعال اليهود عبر التاريخ معاشر المؤمنين! اليهود هم الذين سعوا لقتل رسول الله ﷺ تحت الجدار, تمالئوا أن يلقوا عليه حجرة عظيمة فأتاه الوحي وأخبره. واليهودية هي التي سمَّت الفخذ للرسول ﷺ في شاة وقال ﷺ : (ما زال سُم تلك اللحمة التي من الشاة مؤثراً في بدني). وسُحِر رسول الله ﷺ , سَحَرهُ لبيد بن الأعصم في جف طلعة نخل ذكر, فكان ﷺ من شدة السِّحر يخيل إليه أنه أتى نساءه ولم يأتهن, حتى جاء ملكان وقالا: ما بالرجل؟ فقال مطبوب: سحره لبيد بن الأعصم اليهودي, فبحثا عن السحر وأخرجاه. واليهود هم الذين قتلوا عمر بن الخطاب. واليهود هم الذين أججوا الفتنة واجتمع الناس على بيت عثمان , وهو الخليفة وإمام المسلمين, وتسوروا الجدار, وأغروا ناقصي العقول حتى جثم أحدهم على صدر عثمان واحتز رقبته بالسكين, بعد أن أمسك بلحيته وجز رقبته عن بدنه. واليهود هم الذين سعوا بالفتن في صفين , وفي الجمل بين علي ومعاوية , وبين عائشة وعلي. واليهود هم الذي قتلوا علي بن أبي طالب. واليهود هم الذين لا زالوا يسعون في بلاد المسلمين خراباً ودماراً يتنفذون ولا يدعون فرصة إلا ويثبون إليها, ويستحكمون فيها, وينشرون ما يخدم أفكارهم, ويخدم نظامهم, ويخدم عقيدتهم, هذا فيما مضى. واقفزوا مع التاريخ قفزة عظيمة, اسألوا الحرائر كم قتل في دير ياسين؟ كم قتل في تل الزعتر؟ كم قتل في صبرا وشاتيلا؟ كم قتل في سيرلانكا على يد نمور التاميل بأموال يدفعها اليهود؟ وكم قتل في سينجار بـ كشمير بأموال يدفعها اليهود؟ وكم قتل من المسلمين على أيدي البابيين والبهائيين, وعلى أيدي القاديين, بأموال يدفعها اليهود؟ والله ما من شر إلا واليهود وراءه. فيا معاشر المؤمنين! إن كنتم تجهلون حقيقة اليهود فاعرفوا حقيقتهم, فإن الله جل وعلا قد قرب حقيقة اليهود لكم في كل يوم سبعة عشر مرة, فأنتم تسبونهم وتلعنونهم في صلاتكم, أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:١ - ٧] المغضوب عليهم هم: اليهود, والضالين: النصارى, إن اليهود مغضوب عليهم, والنصارى ضالون, ومن غضب الله عليه فهو ملعون. فيا معاشر المؤمنين! اعرفوا حقيقة أعدائكم, إن الذي لا يعرف حقيقة عدوه, لا يميز بين القريب والبعيد, والدخيل والعميل, والصادق والمنافق, والمخلص والمتنفذ.

стр. 2347

سبب احتلال اليهود لأرض فلسطين عباد الله! أسألكم سؤالاً: لماذا اختار اليهود فلسطين أرضاً يجعلونها خنجراً يطعنون بها وحدة المسلمين لكي يقيموا عليها دولة لهم, أليس اليهود أغنى أمم الأرض؟! بلى والله! ألا يوجد على سطح هذه الكرة الأرضية من الصحاري والقفار, والبيداء الشاسعة والأراضي ما يكفي لإقامة وطن لليهود, يبنونه بأموالهم على أحسن طراز وأحدث تقدم؟ لا يعجزهم ذلك من قلة المال أبداً, لا يشكون قلة المال حتى يقيموا بلداً في صحراء نيفادا , أو يقيموها في مكان بعيد, ولو طلبوا من دولة غربية أو شرقية أو من النصارى أو من وافقهم رقعة تقام عليها بلادهم أو لو سعوا إلى ذلك لوجدوا إليه سبيلاً. فلماذا يأتون إلى هذه الرقعة؟! ولماذا يقيمون وطنهم في هذه الرقعة؟! لأن كتابهم يقول: " إن فلسطين أرض الميعاد. إذاً: فاليهود يعملون بعقيدتهم, وبدينهم, وبتوراتهم, وبتلمودهم. معاشر المؤمنين! نحن أولى أن نعمل بشريعة ماضية من أولئك الذين يعملون بشريعة منسوخة, ونحن أولى أن نعمل بقرآن محكم من أولئك الذين يعملون بتوراة محرفة, ونحن أولى أن نكون أقرب إلى تعاليم ديننا وعقيدتنا. معاشر المسلمين! إن اليهود لن يرضوا ولن يقفوا عند حد معين, ولكنها سنة الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ [الإسراء:١٠٤] لعل هذا أوان اقتراب مذبحتهم وملحمتهم ونهايتهم وما ذلك على الله ببعيد. وإن كان يجرح فؤادي أن أسمع إذاعة بصوت عربي أو أقرأ جريدة بحرف عربي تقول: إن عند اليهود ثلاثمائة رأس نووي, ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦] هل يخوف المسلمين في العالم الإسلامي بثلاثمائة رأس نووي؟! من الذي خلق اليهود؟ الله، من الذي خلق عقولهم؟ الله، من الذي سخَّر لهم هذه المادة الذرية؟ الله, من الذي جعل هذه الصواريخ تنطلق على نظام وسنة عملية؟ الله, أليس الذي قدر على ذلك كله قادر على أن يغير شيئاً من هذا كرامة لعباده المؤمنين؟ أليس الذي جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم قادر على أن يجعل الصواريخ تعود إلى قلوب اليهود؟! بلى والله, قال : ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣] ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً﴾ [النمل:٥٠] فكان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم أجمعين, ويقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] وقال : ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق:١٥ - ١٧] ويقول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم:٤٦]. نعم. إن لهم كيد, وإن لهم مكر, وإن لهم تخطيط بعيد المدى, أول ما فكر اليهود في إقامة هذا الوطن الذي يجمع شتات اليهود في أولى القبلتين, أول ما فكر اليهود في هذا كان عام (١٨٤٨م) أي: قبل وعد بلفور بمائة عام, ومضى العمل على قدم وساق, مضى العمل جاداً من خلال بعض المفكرين والأساتذة والإرساليات والمنظمات والشركات, لكي يكتبوا تقريراً, ويستقرئوا الواقع عن إمكانية غرس هذا العضو الغريب بين المسلمين، فقالوا: لا يمكن أن يغرس عضو غريب في بدن صحيح إلا إذا خففت المناعة في هذا البدن, فسعوا إلى ذلك ونشروا الرذيلة وروجوا الدعارة, وأنتجوا كل ما من شأنه أن يقطع الأواصر وأن يكسر العلاقات, ويهدم الحياء, ويخرج المرأة, وينبت الفاحشة؛ حتى أصبح مجتمع المسلمين مخدراً. وحينئذٍ أمكن زرع عضو غريب في بلاد المسلمين, وبعد مائة عام من التخطيط والتفكير ظهر أول حرف يقول في وعد بلفور: " بوطن قومي لليهود في فلسطين "! وماذا بعد ذلك؟ لا زال العمل على قدم وساق ومضت الأمة في مراحل دامية من المذابح والقتل والمواجهات العسكرية, ودخلتها الخيانات والعمالة, ودخلها ما دخلها مما فضحه التاريخ. ولا تستر الشمس بالبراقع! حتى بلغ الحال إلى أن أصبح إخواننا الفلسطينيين يشردون في الأرض -يا عباد الله- والله ما سافرت دولة إلا ووجدت واحداً من الفلسطينيين هناك, أين أرضكم يا إخواننا؟ أين بلادكم يا إخواننا؟ في الصين الشيوعية وجدت فلسطينيين! في كمبوديا وجدت فلسطينيين! في مختلف بقاع العالم وجدت الفلسطينيين! أيتام على مائدة اللئام! أين الولاء والبراء؟ أين قوة الإيمان؟ أين دم التوحيد الذي يسري في القلوب. يا أمة الإسلام! كم من فتاة بقر بطنها وهي حامل! وكم من مسلمة انتهك عرضها أمام والديها في السجون؟ وكم من صغير قتل بأفتك ألوان التعذيب أمام والديه؟ وكم من رجل رأيناه يموت غيظاً, ويموت كمداً, ويموت من قلة الحيلة، وهوانه على الناس، وغفلة إخوانه المسلمين. يا معاشر المسلمين! أين إيماننا؟ أين توحيدنا؟ أين عقيدتنا؟ أمسلمون بالكلام, أم بالتوابع, أم بالجنسيات؟ هذا نداء للعالم الإسلامي كله: " لا تنسوا فلسطين ". إن الله جل وعلا وعدنا بأن تعود فلسطين من جديد, إن الله وعدنا أن نذبح اليهود شر مذبحة في فلسطين حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! ورائي يهودي تعال فاقتله. يا أخي الكريم! ما شعورك لو أن لصوصاً طردوك من بيتك وأخذوا يتفاوضون على بيع دارك, وأنت تنظر إليهم, هل يبقى في عروقك دم يسيل أو يجري؟ هل يبقى لقلبك خفقة أو نبضة؟ هل يبقى لعقلك مساحة للتفكير؟ هل يبقى في قدمك جهد لتتحرك به؟ يا أمة الإسلام! لا تنسوا فلسطين , ولا تنسوا الجهاد في فلسطين؛ فالجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة, إن الذي جعل من الأفغان الحفاة العراة العزل واجهوا روسيا بخيلها وهلمانها وصواريخها ودباباتها وطائراتها وفرق التدخل السريع منها والصاعقة والكمندوز الذين نزلوا بهم في أرض أفغانستان , وإن الله جل وعلا يوم نصر الأفغان على هذه الدولة الظالمة الباغية وتحطمت فذلك بيان لوعد الله وذلك تحقيق لوعد الله: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) عادوا أولياء الله في أفغانستان , فانقلبت الدائرة على رءوسهم بانقسام بلادهم وذوبان نظريتهم وذوبانهم وسيرهم تحت معسكر آخر, إن الذي نصر أولئك ليس عاجزاً بل هو القادر جل وعلا على أن ينصر أطفال الحجارة, وعلى أن ينصر المسلمين, وعلى أن ينصر الفلسطينيين, وعلى أن ينصر الشباب الصغار, إن الله جل وعلا قادر على أن يجعل هؤلاء خنجراً في قلب اليهود. اللهم ارحم الفلسطينيين في كل مكان، اللهم ارحم إخواننا الفلسطينيين، اللهم إنك تعلم أن بلادهم تباع وهم يشردون، اللهم إنا نسألك نصراً من نصرك, ونسألك اللهم نفحة تقويهم بها, وتثبتهم بها، اللهم اجمع شملهم، اللهم وحّد جهودهم صفوفهم, وسدد رصاصهم, اللهم بك وحدك لا شريك لك، اللهم أنت المستعان وإليك المآب وعليك التكلان لا يكمل قدر إلا منك, وما قدرت إلا بتمام حكمة لأنك لا تقدر عبثاً, وقدرت بتمام العدل لأنك لا تقدر ظلماً, ورحمتك سبقت غضبك, ووسعت كل شيء. اللهم ارحم إخواننا في فلسطين , وارحم الفلسطينيين في كل مكان، اللهم اهد شبابهم واجمع كلمتهم, ووحد شملهم، اللهم ردهم إلى أرضهم وأسكنهم في بلادهم, وأقم كتابك وسنة نبيك على أرضهم يا رب العالمين. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2348

فقدان فلسطين مكانها بين قلوب المسلمين الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى, وتمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى, واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار, وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة, ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من النار. معاشر المؤمنين! إننا لم نبلغ حقيقة الإيمان إلا بشعورنا بالولاء والبراء, إننا لم نبلغ لذة الإيمان إلا بالموالاة في الله والمعاداة في الله, والله جل وعلا يقول: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣] إن لم نحقق هذا الولاء بيننا تكن فتنة عظيمة جداً, وإن ما نعيشه اليوم هو إفرازات ماضياً ضاعت فيه الأمة, وضاعت فيه مقدساتها, وضاع فيه القدس , وضاعت فيه القبلة الأولى, وضاعت فيه أرض المعراج والإسراء منذ تاريخه القديم. ويوم تسمعوا هذه الكلمات لست أعني الحركة الانتحارية، ولكن أقول: حركة عملية ألا تنسوا فلسطين , وأن تكون فلسطين في دمائكم, إن كثيراً من أطفالنا نشئوا وقد نسوا شيئاً اسمه فلسطين , وسمعوا بشيء اسمه إسرائيل, ولقد كنا صغاراً في المدارس نتسابق إلى مدير المدرسة نقدم عشرة ريالات مكتوب عليها: ادفع ريالاً تنقذ عربياً, وإن كان في حقيقة قلوبنا أننا نريد أن ننقذ مسلماً, لأننا رأينا في العرب البعثيين, ورأينا في العرب اليهود, ورأينا في العرب من هم أخبث من اليهود, ورأينا في العرب من هم ألعن وأسوأ وأخبث تخطيطاً وتدبيراً للكيد والمؤامرات من الأعداء, وليس هذا بغريب وليس هذا بعجيب! ولكن الواجب -أيها الأحبة- وأنا أخاطبكم فيما تستطيعون, وكل مخاطب فيما يقدر عليه, وأول ما أخاطبكم به ألا تنسوا فلسطين في كل صلاة بدعوة واحدة: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر:١٠ - ١١] إن أبواب السماء تشققت كأفواه القرب, وأصبحت الأرض طوفاناً لا يملك لها قراراً, بدعوة واحدة, فلعل الله جل وعلا أن يرحم إخواننا وأن يهلك أعداءنا بدعوات مجتمعة. أيها المسلمون! عودوا إلى خريطة التاريخ, واشرحوا لأطفالكم وأبنائكم خريطة فلسطين , وقولوا: هذه فلسطين يحدها من الشمال كذا, ومن الجنوب كذا, ومن الشرق كذا؛ ومن الغرب كذا, وقولوا لهم: في عام كذا دخل اليهود أرض إخوانكم, وتمكنوا فيها, وقولوا لهم: إن كتاب الله يقول: إن هؤلاء الذين دخلوا هذه الأرض سوف نقاتلهم في آخر الزمان -ونحن في آخر الزمان- وسوف تشترك الأشجار والأحجار في المعركة, حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم يا عبد الله ورائي يهودي تعال فاقتله. ابعثوا قضية فلسطين ولا تشاركوا في دفنها ولا تشاركوا بوأدها, ولا تنسوا فلسطين من قلوبكم, ولا تنسوا فلسطين من دمائكم, إن المسلم الذي لا يعرف من الإسلام والمسلمين إلا حدوده الجغرافية, كما أكل المسلمون خارج حدوده, سيؤكل هو ويتفرج المسلمون عليه كما تفرج هو. ومع إفرازات التاريخ من قريب وبعيد جعلنا نتفرج على كثير من بلدان المسلمين وهي تشكو الفقر والحاجة, وتشكو الذلة والمسكنة, وتشكو المذابح والإعدامات, وتشكو المشانق والزنازين, ونسأل الله ألا يؤاخذنا, ونسأل الله ألا يهلكنا, ونسأل الله أن يستجيب دعاءنا لإخواننا وأن يفرج كرباتهم. معاشر المؤمنين! قد يقول قائل: إن هذه الخطبة قد تغير شيئاً في مجرى ما يدور؟ ولكني أقول: لا. لن يغير في مجرى ما يدور إلا دعاؤكم أنتم, لن يغير مجرى الأحداث إلا دعاؤكم أنتم، قال الله : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] وقال ﷻ : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] وقال : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي﴾ [البقرة:١٨٦]. إن إخواننا في فلسطين وفي أولى القبلتين وأرض الإسراء والمعراج لفي حاجة إلى الدعاء, وإن المجاهدين داخل فلسطين لفي حاجة إلى الدعم وإلى العطاء والزكوات والصدقات والوقوف معهم, حتى لا يقر يهودي بنومه, وحتى لا يتلذذ يهودي بلقمة, ولا يتلذذ يهودي بشربة، ولا ينام يهودي قريراً, ولا يمشي يهودي مطمئناً, وهم والله الآن في رعب, ربنا جل وعلا قال فيهم: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ [الحشر:١٤]. إن اليهود بينهم من الخلاف والنزاع والافتراق ما الله به عليم، قال جَلَّ وعلا: ((بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤] فما الذي جعلهم مجتمعين في أعيينا؟! إن فرقتنا -معاشر المسلمين- هي التي جعلتنا ننظر إليهم مجتمعين, ولو كنا مجتمعين لنظرنا إليهم متفرقين: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤]، جبناء: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ [المائدة:٢٢] خوافون جبناء. من الذي يصمد لهم؟ تصمد لهم حقيقة الإسلام.

стр. 2349

أثر العقيدة في توجيه أصحابها لو أن أسداً محشواً بالليف, محنطاً بالقطن, وقف في وسط هذا المسجد ما تحرك أحد خوفاً منه, ولربما رأيت الأطفال يجعلون أناملهم الطرية بين أنيابه الحادة, لأنها صورة أسد, ولو أن نمراً صغيراً انطلق لوجدت الناس يهربون منه يمنة ويسرة, لماذا يهرب الناس من نمر صغير ولا يخافون من أسد كبير؟ لأن الأسد صورة, والنمر حقيقة. فنحن لا نريد أن نحمل صورة الإسلام, إن اليهود يحملون شيئاً من حقيقة معتقدهم, ولأجل ذلك خافهم الناس, أما إن كنا نحمل حقيقة معتقداتنا فوالله لا وزن لهم ولا كرامة, ولا هيبة لهم ولا مهابة, ولكن -يا عباد الله- كيف ننمي هذه الحقيقة الدينية؟ وكيف ننمي حقيقة العقيدة؟ شباب الإسلام! قد آن لكم أن تنفضوا النوم عنكم, يا شاباً ما زال يغرق في المعاكسة! يا شاباً ما زال مغرقاً في الهوى والحب والغرام! يا شاباً ما زال يبيع أفلام اللهو والطرب! يا شاباً ما زال يتعامل بالربا! يا رجلاً ما زال وراء شهواته وملذاته! يا رجلاً غافلاً في سكراته! يا مسلماً ضيعت نفسك وضيعت بيتك وأسرتك! إخوانك يتخطفون, وأبناؤهم يباعون, وزوجاتهم وأعراضهم ينتهكون, وثكالاهم يصرخون, وشيوخهم يشردون, وأنت على سماعة الهاتف تنتظر حبيبتك أن ترد عليك: صباح الخير أو مساء الخير؟! أهذه أمة الإسلام؟! أقوم يعذبون ويقتلون وشباب لا زالوا على الغرام ومصارعة النساء وأفلام الفديو والرقصات الحمراء والليالي الغنائية المطربة؟! أهذا شأن شباب المسلمين؟! إن شبابنا المسلمين الذين سافروا إلى بانكوك ومانيلا وكازبلانكا وكثير من البلاد إن أفجر واحد منهم يستطيع أن يمد خطوته ساعتين إلى أولان باتور في منغوليا أو إلى فلمبيا في كمبوديا ويعلم المسلمين الوضوء والفاتحة والصلاة, المسلم شيء كثير لكنه أسد ربط في قفص, وتربى مع البقر فلا يفقه إلا الخوار ولا يعرف الزئير أبداً. إن الشباب الذين تنقلوا إلى بلاد الفساد والعهر من أنحاء العالم الإسلامي لكي يفجروا ويزنوا ويفسدوا, إنهم يحملون في قلوبهم خيراً عظيماً لو تابوا إلى الله, ولو تابوا إلى الله وسابقوا إلى الاتحاد السوفيتي لكي يجمعوا المسلمين أحفاد البخاري وأبو داود السجستاني ومسلم بن الحجاج النيسابوري وأحفاد الترمذي لو عادوا إليهم وأعادوهم إلى الإسلام وعلموهم العقيدة، إن أولئك الذين يفعلون الفاحشة لو تابوا إلى الله وبدلاً من الذهاب إلى بانكوك أو مانيلا أضافوا ساعتين حتى يصلوا إلى بلاد المسلمين فيعلموهم العقيدة؛ لاستطعنا حينما يغضب مسلم فينا أن يغضب له مليار مسلم. رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم أمتي هل لكِ بين الأمم منبر للسيف أو للقلم أتلقاك وطرفي مطرق خجلاً من أمسك المنصرم ألإسرائيل تبقى دولة في حمى الحق وظل الحرم لا يلام الذئب في عدوانه إن يك الراعي عدو الغنم ومن رعى غنماً في أرض مسبعة ونام عنها تولى رعيها الأسد لقد تركنا إخواننا فلا عجب أن يرعاهم اليهود, لقد تركنا إخواننا ونسيناهم, مَن منا يفكر في فلسطين صباح مساء؟ أو أفغانستان؟ أو أثيوبيا؟ أو المسلمين في سيرلانكا؟ أما قرأتم جريدة المسلمون، أما اطلعتم في العدد الماضي على صورة شاب قد قطعت رقبته كما تقطع رقبة البهيمة؟ وتعلقت رقبة طفل بقطعة لحم تتدلى؟ أرأيت الذبيحة يوم أن تذبحها ولا تستطيع أن تقطع الوريد والمريء والأوداج ويبقى شيء من الحياة ونزع من الموت, أرأيت كيف ترفس الذبيحة؟ رأيت صوراً لإخواننا المسلمين في مسجد من مساجد سيرلانكا قد ذبحوا والمسلم يرفس على الجدار وعلى ما حول الجدار والدم يتناثر يمنة ويسرة!! أين المسلمون؟! ضع صندوقاً في بيتك وصندوقاً عند بابك واكتب على هذا الصندوق: فلسطين وأفغانستان وكشمير وأثيوبيا وإريتريا وآسام , اكتب عليه هذه الأسماء لكي تراها بعينك فإذا دخلت ضع خمسة ريالات وإذا خرجت ضع مثلها, وإذا أذنبت فكفر بهذه الصدقات, ثم اجمعها إلى رابطة العالم الإسلامي , إلى الندوة العالمية للشباب الإسلامي وقل: هذا من أجل المسلمين, والله لو رفع شعار يقول: قاتلوا المسلمين لتبرع أعداؤكم بالمليارات, ولو رفع شعار يقول: قاتلوا اليهود والنصارى لعجزنا أن نجمع شيئاً. أحد الدعاة يقول: أردنا أن نجمع لمشروع مائة مليون من أجل المسلمين، رفعه النصارى فجمعوا في خلال ثلاثة أشهر فقط مائة مليون دولار, ونحن لنا ثلاث سنوات نجمع مائة مليون بعملتنا حتى الآن! وكثير من المسلمين أغنياء ولكن أين من يتفاعل مع قضايا المسلمين؟! أسأل الله جل وعلا ألا نكون على كرب إخواننا من المتفرجين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين أجمعين، اللهم آمنا في دورنا, وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته واجمع شمله وأعوانه وإخوانه على ما يرضيك يا رب العالمين، اللهم بصرهم بكتابك وسنة نبيك، اللهم مسكهم بالحق المبين، اللهم ما علمت في أحد خيراً لهم فقربه منهم، وما علمت في أحد شراً لهم ولأمتهم فأبعده عنهم، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، اللهم ولي علينا خيارنا واكفنا شرارنا، اللهم اجمع شملنا وعلماءنا وولاة أمرنا ولا تشمت بنا حاسداً ولا تفرح علينا عدواً بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين, يا أكرم الأكرمين! اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته, ولا هماً إلا فرجته, ولا ديناً إلا قضيته, ولا مبتلىً إلا عافيته, ولا مريضاً إلا شفيته, ولا حيران إلا دللته, ولا غائباً إلا رددته, ولا أيماً إلا زوجته وأسعدته, ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته, بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم استرنا بسترك واكلأنا برعايتك, ولا ترفع عنا يد رحمتك, بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين، اللهم أكرمنا ولا تحرمنا، اللهم أعطنا ولا تهنا, وأعنا ولا تُعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، اللهم رد فلسطين إلى المسلمين، اللهم رد المسلمين إلى المسلمين، اللهم اقتل اليهود في فلسطين، اللهم جمد الدماء في عروقهم، اللهم اقتلهم شر قتلة، اللهم مزقهم شر ممزق، ربنا إنه لا يعلم جنودك إلا أنت ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر:٣١]. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 2350

لحظة قبل فوات الأوان جمعت هذا المادة عدة مواعظ للشيخ، فقد احتوت على تنبيه للغافلين المسيئين، مع بيان أن الموت حقيقة لا مفر منها، ثم عقب ذلك بذكر قصتين: الأولى لرجل مات وهو ساجد لعاهرة، والقصة الثانية عن رجل مات في المسجد والشيخ نفسه يخطب الجمعة، فشتان ما بين الميتتين.
следующие страницы →