Полный текст (3 155 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
خسة أفعال اليهود عبر التاريخ
معاشر المؤمنين! اليهود هم الذين سعوا لقتل رسول الله ﷺ تحت الجدار, تمالئوا أن يلقوا عليه حجرة عظيمة فأتاه الوحي وأخبره.
واليهودية هي التي سمَّت الفخذ للرسول ﷺ في شاة وقال ﷺ : (ما زال سُم تلك اللحمة التي من الشاة مؤثراً في بدني).
وسُحِر رسول الله ﷺ , سَحَرهُ لبيد بن الأعصم في جف طلعة نخل ذكر, فكان ﷺ من شدة السِّحر يخيل إليه أنه أتى نساءه ولم يأتهن, حتى جاء ملكان وقالا: ما بالرجل؟ فقال مطبوب: سحره لبيد بن الأعصم اليهودي, فبحثا عن السحر وأخرجاه.
واليهود هم الذين قتلوا عمر بن الخطاب.
واليهود هم الذين أججوا الفتنة واجتمع الناس على بيت عثمان , وهو الخليفة وإمام المسلمين, وتسوروا الجدار, وأغروا ناقصي العقول حتى جثم أحدهم على صدر عثمان واحتز رقبته بالسكين, بعد أن أمسك بلحيته وجز رقبته عن بدنه.
واليهود هم الذين سعوا بالفتن في صفين , وفي الجمل بين علي ومعاوية , وبين عائشة وعلي.
واليهود هم الذي قتلوا علي بن أبي طالب.
واليهود هم الذين لا زالوا يسعون في بلاد المسلمين خراباً ودماراً يتنفذون ولا يدعون فرصة إلا ويثبون إليها, ويستحكمون فيها, وينشرون ما يخدم أفكارهم, ويخدم نظامهم, ويخدم عقيدتهم, هذا فيما مضى.
واقفزوا مع التاريخ قفزة عظيمة, اسألوا الحرائر كم قتل في دير ياسين؟ كم قتل في تل الزعتر؟ كم قتل في صبرا وشاتيلا؟ كم قتل في سيرلانكا على يد نمور التاميل بأموال يدفعها اليهود؟ وكم قتل في سينجار بـ كشمير بأموال يدفعها اليهود؟ وكم قتل من المسلمين على أيدي البابيين والبهائيين, وعلى أيدي القاديين, بأموال يدفعها اليهود؟ والله ما من شر إلا واليهود وراءه.
فيا معاشر المؤمنين! إن كنتم تجهلون حقيقة اليهود فاعرفوا حقيقتهم, فإن الله جل وعلا قد قرب حقيقة اليهود لكم في كل يوم سبعة عشر مرة, فأنتم تسبونهم وتلعنونهم في صلاتكم, أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:١ - ٧] المغضوب عليهم هم: اليهود, والضالين: النصارى, إن اليهود مغضوب عليهم, والنصارى ضالون, ومن غضب الله عليه فهو ملعون.
فيا معاشر المؤمنين! اعرفوا حقيقة أعدائكم, إن الذي لا يعرف حقيقة عدوه, لا يميز بين القريب والبعيد, والدخيل والعميل, والصادق والمنافق, والمخلص والمتنفذ.
стр. 2347
سبب احتلال اليهود لأرض فلسطين
عباد الله! أسألكم سؤالاً: لماذا اختار اليهود فلسطين أرضاً يجعلونها خنجراً يطعنون بها وحدة المسلمين لكي يقيموا عليها دولة لهم, أليس اليهود أغنى أمم الأرض؟! بلى والله! ألا يوجد على سطح هذه الكرة الأرضية من الصحاري والقفار, والبيداء الشاسعة والأراضي ما يكفي لإقامة وطن لليهود, يبنونه بأموالهم على أحسن طراز وأحدث تقدم؟ لا يعجزهم ذلك من قلة المال أبداً, لا يشكون قلة المال حتى يقيموا بلداً في صحراء نيفادا , أو يقيموها في مكان بعيد, ولو طلبوا من دولة غربية أو شرقية أو من النصارى أو من وافقهم رقعة تقام عليها بلادهم أو لو سعوا إلى ذلك لوجدوا إليه سبيلاً.
فلماذا يأتون إلى هذه الرقعة؟! ولماذا يقيمون وطنهم في هذه الرقعة؟! لأن كتابهم يقول: " إن فلسطين أرض الميعاد.
إذاً: فاليهود يعملون بعقيدتهم, وبدينهم, وبتوراتهم, وبتلمودهم.
معاشر المؤمنين! نحن أولى أن نعمل بشريعة ماضية من أولئك الذين يعملون بشريعة منسوخة, ونحن أولى أن نعمل بقرآن محكم من أولئك الذين يعملون بتوراة محرفة, ونحن أولى أن نكون أقرب إلى تعاليم ديننا وعقيدتنا.
معاشر المسلمين! إن اليهود لن يرضوا ولن يقفوا عند حد معين, ولكنها سنة الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ [الإسراء:١٠٤] لعل هذا أوان اقتراب مذبحتهم وملحمتهم ونهايتهم وما ذلك على الله ببعيد.
وإن كان يجرح فؤادي أن أسمع إذاعة بصوت عربي أو أقرأ جريدة بحرف عربي تقول: إن عند اليهود ثلاثمائة رأس نووي, ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦] هل يخوف المسلمين في العالم الإسلامي بثلاثمائة رأس نووي؟! من الذي خلق اليهود؟ الله، من الذي خلق عقولهم؟ الله، من الذي سخَّر لهم هذه المادة الذرية؟ الله, من الذي جعل هذه الصواريخ تنطلق على نظام وسنة عملية؟ الله, أليس الذي قدر على ذلك كله قادر على أن يغير شيئاً من هذا كرامة لعباده المؤمنين؟ أليس الذي جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم قادر على أن يجعل الصواريخ تعود إلى قلوب اليهود؟! بلى والله, قال : ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣] ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً﴾ [النمل:٥٠] فكان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم أجمعين, ويقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] وقال : ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق:١٥ - ١٧] ويقول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم:٤٦].
نعم.
إن لهم كيد, وإن لهم مكر, وإن لهم تخطيط بعيد المدى, أول ما فكر اليهود في إقامة هذا الوطن الذي يجمع شتات اليهود في أولى القبلتين, أول ما فكر اليهود في هذا كان عام (١٨٤٨م) أي: قبل وعد بلفور بمائة عام, ومضى العمل على قدم وساق, مضى العمل جاداً من خلال بعض المفكرين والأساتذة والإرساليات والمنظمات والشركات, لكي يكتبوا تقريراً, ويستقرئوا الواقع عن إمكانية غرس هذا العضو الغريب بين المسلمين، فقالوا: لا يمكن أن يغرس عضو غريب في بدن صحيح إلا إذا خففت المناعة في هذا البدن, فسعوا إلى ذلك ونشروا الرذيلة وروجوا الدعارة, وأنتجوا كل ما من شأنه أن يقطع الأواصر وأن يكسر العلاقات, ويهدم الحياء, ويخرج المرأة, وينبت الفاحشة؛ حتى أصبح مجتمع المسلمين مخدراً.
وحينئذٍ أمكن زرع عضو غريب في بلاد المسلمين, وبعد مائة عام من التخطيط والتفكير ظهر أول حرف يقول في وعد بلفور: " بوطن قومي لليهود في فلسطين "! وماذا بعد ذلك؟ لا زال العمل على قدم وساق ومضت الأمة في مراحل دامية من المذابح والقتل والمواجهات العسكرية, ودخلتها الخيانات والعمالة, ودخلها ما دخلها مما فضحه التاريخ.
ولا تستر الشمس بالبراقع! حتى بلغ الحال إلى أن أصبح إخواننا الفلسطينيين يشردون في الأرض -يا عباد الله- والله ما سافرت دولة إلا ووجدت واحداً من الفلسطينيين هناك, أين أرضكم يا إخواننا؟ أين بلادكم يا إخواننا؟ في الصين الشيوعية وجدت فلسطينيين! في كمبوديا وجدت فلسطينيين! في مختلف بقاع العالم وجدت الفلسطينيين! أيتام على مائدة اللئام! أين الولاء والبراء؟ أين قوة الإيمان؟ أين دم التوحيد الذي يسري في القلوب.
يا أمة الإسلام! كم من فتاة بقر بطنها وهي حامل! وكم من مسلمة انتهك عرضها أمام والديها في السجون؟ وكم من صغير قتل بأفتك ألوان التعذيب أمام والديه؟ وكم من رجل رأيناه يموت غيظاً, ويموت كمداً, ويموت من قلة الحيلة، وهوانه على الناس، وغفلة إخوانه المسلمين.
يا معاشر المسلمين! أين إيماننا؟ أين توحيدنا؟ أين عقيدتنا؟ أمسلمون بالكلام, أم بالتوابع, أم بالجنسيات؟ هذا نداء للعالم الإسلامي كله: " لا تنسوا فلسطين ".
إن الله جل وعلا وعدنا بأن تعود فلسطين من جديد, إن الله وعدنا أن نذبح اليهود شر مذبحة في فلسطين حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! ورائي يهودي تعال فاقتله.
يا أخي الكريم! ما شعورك لو أن لصوصاً طردوك من بيتك وأخذوا يتفاوضون على بيع دارك, وأنت تنظر إليهم, هل يبقى في عروقك دم يسيل أو يجري؟ هل يبقى لقلبك خفقة أو نبضة؟ هل يبقى لعقلك مساحة للتفكير؟ هل يبقى في قدمك جهد لتتحرك به؟ يا أمة الإسلام! لا تنسوا فلسطين , ولا تنسوا الجهاد في فلسطين؛ فالجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة, إن الذي جعل من الأفغان الحفاة العراة العزل واجهوا روسيا بخيلها وهلمانها وصواريخها ودباباتها وطائراتها وفرق التدخل السريع منها والصاعقة والكمندوز الذين نزلوا بهم في أرض أفغانستان , وإن الله جل وعلا يوم نصر الأفغان على هذه الدولة الظالمة الباغية وتحطمت فذلك بيان لوعد الله وذلك تحقيق لوعد الله: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) عادوا أولياء الله في أفغانستان , فانقلبت الدائرة على رءوسهم بانقسام بلادهم وذوبان نظريتهم وذوبانهم وسيرهم تحت معسكر آخر, إن الذي نصر أولئك ليس عاجزاً بل هو القادر جل وعلا على أن ينصر أطفال الحجارة, وعلى أن ينصر المسلمين, وعلى أن ينصر الفلسطينيين, وعلى أن ينصر الشباب الصغار, إن الله جل وعلا قادر على أن يجعل هؤلاء خنجراً في قلب اليهود.
اللهم ارحم الفلسطينيين في كل مكان، اللهم ارحم إخواننا الفلسطينيين، اللهم إنك تعلم أن بلادهم تباع وهم يشردون، اللهم إنا نسألك نصراً من نصرك, ونسألك اللهم نفحة تقويهم بها, وتثبتهم بها، اللهم اجمع شملهم، اللهم وحّد جهودهم صفوفهم, وسدد رصاصهم, اللهم بك وحدك لا شريك لك، اللهم أنت المستعان وإليك المآب وعليك التكلان لا يكمل قدر إلا منك, وما قدرت إلا بتمام حكمة لأنك لا تقدر عبثاً, وقدرت بتمام العدل لأنك لا تقدر ظلماً, ورحمتك سبقت غضبك, ووسعت كل شيء.
اللهم ارحم إخواننا في فلسطين , وارحم الفلسطينيين في كل مكان، اللهم اهد شبابهم واجمع كلمتهم, ووحد شملهم، اللهم ردهم إلى أرضهم وأسكنهم في بلادهم, وأقم كتابك وسنة نبيك على أرضهم يا رب العالمين.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2348
فقدان فلسطين مكانها بين قلوب المسلمين
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى, وتمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى, واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار, وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة, ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من النار.
معاشر المؤمنين! إننا لم نبلغ حقيقة الإيمان إلا بشعورنا بالولاء والبراء, إننا لم نبلغ لذة الإيمان إلا بالموالاة في الله والمعاداة في الله, والله جل وعلا يقول: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣] إن لم نحقق هذا الولاء بيننا تكن فتنة عظيمة جداً, وإن ما نعيشه اليوم هو إفرازات ماضياً ضاعت فيه الأمة, وضاعت فيه مقدساتها, وضاع فيه القدس , وضاعت فيه القبلة الأولى, وضاعت فيه أرض المعراج والإسراء منذ تاريخه القديم.
ويوم تسمعوا هذه الكلمات لست أعني الحركة الانتحارية، ولكن أقول: حركة عملية ألا تنسوا فلسطين , وأن تكون فلسطين في دمائكم, إن كثيراً من أطفالنا نشئوا وقد نسوا شيئاً اسمه فلسطين , وسمعوا بشيء اسمه إسرائيل, ولقد كنا صغاراً في المدارس نتسابق إلى مدير المدرسة نقدم عشرة ريالات مكتوب عليها: ادفع ريالاً تنقذ عربياً, وإن كان في حقيقة قلوبنا أننا نريد أن ننقذ مسلماً, لأننا رأينا في العرب البعثيين, ورأينا في العرب اليهود, ورأينا في العرب من هم أخبث من اليهود, ورأينا في العرب من هم ألعن وأسوأ وأخبث تخطيطاً وتدبيراً للكيد والمؤامرات من الأعداء, وليس هذا بغريب وليس هذا بعجيب! ولكن الواجب -أيها الأحبة- وأنا أخاطبكم فيما تستطيعون, وكل مخاطب فيما يقدر عليه, وأول ما أخاطبكم به ألا تنسوا فلسطين في كل صلاة بدعوة واحدة: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر:١٠ - ١١] إن أبواب السماء تشققت كأفواه القرب, وأصبحت الأرض طوفاناً لا يملك لها قراراً, بدعوة واحدة, فلعل الله جل وعلا أن يرحم إخواننا وأن يهلك أعداءنا بدعوات مجتمعة.
أيها المسلمون! عودوا إلى خريطة التاريخ, واشرحوا لأطفالكم وأبنائكم خريطة فلسطين , وقولوا: هذه فلسطين يحدها من الشمال كذا, ومن الجنوب كذا, ومن الشرق كذا؛ ومن الغرب كذا, وقولوا لهم: في عام كذا دخل اليهود أرض إخوانكم, وتمكنوا فيها, وقولوا لهم: إن كتاب الله يقول: إن هؤلاء الذين دخلوا هذه الأرض سوف نقاتلهم في آخر الزمان -ونحن في آخر الزمان- وسوف تشترك الأشجار والأحجار في المعركة, حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم يا عبد الله ورائي يهودي تعال فاقتله.
ابعثوا قضية فلسطين ولا تشاركوا في دفنها ولا تشاركوا بوأدها, ولا تنسوا فلسطين من قلوبكم, ولا تنسوا فلسطين من دمائكم, إن المسلم الذي لا يعرف من الإسلام والمسلمين إلا حدوده الجغرافية, كما أكل المسلمون خارج حدوده, سيؤكل هو ويتفرج المسلمون عليه كما تفرج هو.
ومع إفرازات التاريخ من قريب وبعيد جعلنا نتفرج على كثير من بلدان المسلمين وهي تشكو الفقر والحاجة, وتشكو الذلة والمسكنة, وتشكو المذابح والإعدامات, وتشكو المشانق والزنازين, ونسأل الله ألا يؤاخذنا, ونسأل الله ألا يهلكنا, ونسأل الله أن يستجيب دعاءنا لإخواننا وأن يفرج كرباتهم.
معاشر المؤمنين! قد يقول قائل: إن هذه الخطبة قد تغير شيئاً في مجرى ما يدور؟ ولكني أقول: لا.
لن يغير في مجرى ما يدور إلا دعاؤكم أنتم, لن يغير مجرى الأحداث إلا دعاؤكم أنتم، قال الله : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] وقال ﷻ : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] وقال : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي﴾ [البقرة:١٨٦].
إن إخواننا في فلسطين وفي أولى القبلتين وأرض الإسراء والمعراج لفي حاجة إلى الدعاء, وإن المجاهدين داخل فلسطين لفي حاجة إلى الدعم وإلى العطاء والزكوات والصدقات والوقوف معهم, حتى لا يقر يهودي بنومه, وحتى لا يتلذذ يهودي بلقمة, ولا يتلذذ يهودي بشربة، ولا ينام يهودي قريراً, ولا يمشي يهودي مطمئناً, وهم والله الآن في رعب, ربنا جل وعلا قال فيهم: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ [الحشر:١٤].
إن اليهود بينهم من الخلاف والنزاع والافتراق ما الله به عليم، قال جَلَّ وعلا: ((بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤] فما الذي جعلهم مجتمعين في أعيينا؟! إن فرقتنا -معاشر المسلمين- هي التي جعلتنا ننظر إليهم مجتمعين, ولو كنا مجتمعين لنظرنا إليهم متفرقين: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤]، جبناء: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ [المائدة:٢٢] خوافون جبناء.
من الذي يصمد لهم؟ تصمد لهم حقيقة الإسلام.
стр. 2349
أثر العقيدة في توجيه أصحابها
لو أن أسداً محشواً بالليف, محنطاً بالقطن, وقف في وسط هذا المسجد ما تحرك أحد خوفاً منه, ولربما رأيت الأطفال يجعلون أناملهم الطرية بين أنيابه الحادة, لأنها صورة أسد, ولو أن نمراً صغيراً انطلق لوجدت الناس يهربون منه يمنة ويسرة, لماذا يهرب الناس من نمر صغير ولا يخافون من أسد كبير؟ لأن الأسد صورة, والنمر حقيقة.
فنحن لا نريد أن نحمل صورة الإسلام, إن اليهود يحملون شيئاً من حقيقة معتقدهم, ولأجل ذلك خافهم الناس, أما إن كنا نحمل حقيقة معتقداتنا فوالله لا وزن لهم ولا كرامة, ولا هيبة لهم ولا مهابة, ولكن -يا عباد الله- كيف ننمي هذه الحقيقة الدينية؟ وكيف ننمي حقيقة العقيدة؟ شباب الإسلام! قد آن لكم أن تنفضوا النوم عنكم, يا شاباً ما زال يغرق في المعاكسة! يا شاباً ما زال مغرقاً في الهوى والحب والغرام! يا شاباً ما زال يبيع أفلام اللهو والطرب! يا شاباً ما زال يتعامل بالربا! يا رجلاً ما زال وراء شهواته وملذاته! يا رجلاً غافلاً في سكراته! يا مسلماً ضيعت نفسك وضيعت بيتك وأسرتك! إخوانك يتخطفون, وأبناؤهم يباعون, وزوجاتهم وأعراضهم ينتهكون, وثكالاهم يصرخون, وشيوخهم يشردون, وأنت على سماعة الهاتف تنتظر حبيبتك أن ترد عليك: صباح الخير أو مساء الخير؟! أهذه أمة الإسلام؟! أقوم يعذبون ويقتلون وشباب لا زالوا على الغرام ومصارعة النساء وأفلام الفديو والرقصات الحمراء والليالي الغنائية المطربة؟! أهذا شأن شباب المسلمين؟! إن شبابنا المسلمين الذين سافروا إلى بانكوك ومانيلا وكازبلانكا وكثير من البلاد إن أفجر واحد منهم يستطيع أن يمد خطوته ساعتين إلى أولان باتور في منغوليا أو إلى فلمبيا في كمبوديا ويعلم المسلمين الوضوء والفاتحة والصلاة, المسلم شيء كثير لكنه أسد ربط في قفص, وتربى مع البقر فلا يفقه إلا الخوار ولا يعرف الزئير أبداً.
إن الشباب الذين تنقلوا إلى بلاد الفساد والعهر من أنحاء العالم الإسلامي لكي يفجروا ويزنوا ويفسدوا, إنهم يحملون في قلوبهم خيراً عظيماً لو تابوا إلى الله, ولو تابوا إلى الله وسابقوا إلى الاتحاد السوفيتي لكي يجمعوا المسلمين أحفاد البخاري وأبو داود السجستاني ومسلم بن الحجاج النيسابوري وأحفاد الترمذي لو عادوا إليهم وأعادوهم إلى الإسلام وعلموهم العقيدة، إن أولئك الذين يفعلون الفاحشة لو تابوا إلى الله وبدلاً من الذهاب إلى بانكوك أو مانيلا أضافوا ساعتين حتى يصلوا إلى بلاد المسلمين فيعلموهم العقيدة؛ لاستطعنا حينما يغضب مسلم فينا أن يغضب له مليار مسلم.
رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم
لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم
أمتي هل لكِ بين الأمم منبر للسيف أو للقلم
أتلقاك وطرفي مطرق خجلاً من أمسك المنصرم
ألإسرائيل تبقى دولة في حمى الحق وظل الحرم
لا يلام الذئب في عدوانه إن يك الراعي عدو الغنم
ومن رعى غنماً في أرض مسبعة ونام عنها تولى رعيها الأسد
لقد تركنا إخواننا فلا عجب أن يرعاهم اليهود, لقد تركنا إخواننا ونسيناهم, مَن منا يفكر في فلسطين صباح مساء؟ أو أفغانستان؟ أو أثيوبيا؟ أو المسلمين في سيرلانكا؟ أما قرأتم جريدة المسلمون، أما اطلعتم في العدد الماضي على صورة شاب قد قطعت رقبته كما تقطع رقبة البهيمة؟ وتعلقت رقبة طفل بقطعة لحم تتدلى؟ أرأيت الذبيحة يوم أن تذبحها ولا تستطيع أن تقطع الوريد والمريء والأوداج ويبقى شيء من الحياة ونزع من الموت, أرأيت كيف ترفس الذبيحة؟ رأيت صوراً لإخواننا المسلمين في مسجد من مساجد سيرلانكا قد ذبحوا والمسلم يرفس على الجدار وعلى ما حول الجدار والدم يتناثر يمنة ويسرة!! أين المسلمون؟! ضع صندوقاً في بيتك وصندوقاً عند بابك واكتب على هذا الصندوق: فلسطين وأفغانستان وكشمير وأثيوبيا وإريتريا وآسام , اكتب عليه هذه الأسماء لكي تراها بعينك فإذا دخلت ضع خمسة ريالات وإذا خرجت ضع مثلها, وإذا أذنبت فكفر بهذه الصدقات, ثم اجمعها إلى رابطة العالم الإسلامي , إلى الندوة العالمية للشباب الإسلامي وقل: هذا من أجل المسلمين, والله لو رفع شعار يقول: قاتلوا المسلمين لتبرع أعداؤكم بالمليارات, ولو رفع شعار يقول: قاتلوا اليهود والنصارى لعجزنا أن نجمع شيئاً.
أحد الدعاة يقول: أردنا أن نجمع لمشروع مائة مليون من أجل المسلمين، رفعه النصارى فجمعوا في خلال ثلاثة أشهر فقط مائة مليون دولار, ونحن لنا ثلاث سنوات نجمع مائة مليون بعملتنا حتى الآن! وكثير من المسلمين أغنياء ولكن أين من يتفاعل مع قضايا المسلمين؟! أسأل الله جل وعلا ألا نكون على كرب إخواننا من المتفرجين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين أجمعين، اللهم آمنا في دورنا, وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته واجمع شمله وأعوانه وإخوانه على ما يرضيك يا رب العالمين، اللهم بصرهم بكتابك وسنة نبيك، اللهم مسكهم بالحق المبين، اللهم ما علمت في أحد خيراً لهم فقربه منهم، وما علمت في أحد شراً لهم ولأمتهم فأبعده عنهم، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، اللهم ولي علينا خيارنا واكفنا شرارنا، اللهم اجمع شملنا وعلماءنا وولاة أمرنا ولا تشمت بنا حاسداً ولا تفرح علينا عدواً بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين, يا أكرم الأكرمين! اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته, ولا هماً إلا فرجته, ولا ديناً إلا قضيته, ولا مبتلىً إلا عافيته, ولا مريضاً إلا شفيته, ولا حيران إلا دللته, ولا غائباً إلا رددته, ولا أيماً إلا زوجته وأسعدته, ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته, بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم استرنا بسترك واكلأنا برعايتك, ولا ترفع عنا يد رحمتك, بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين، اللهم أكرمنا ولا تحرمنا، اللهم أعطنا ولا تهنا, وأعنا ولا تُعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، اللهم رد فلسطين إلى المسلمين، اللهم رد المسلمين إلى المسلمين، اللهم اقتل اليهود في فلسطين، اللهم جمد الدماء في عروقهم، اللهم اقتلهم شر قتلة، اللهم مزقهم شر ممزق، ربنا إنه لا يعلم جنودك إلا أنت ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر:٣١].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 2350
لحظة قبل فوات الأوان
جمعت هذا المادة عدة مواعظ للشيخ، فقد احتوت على تنبيه للغافلين المسيئين، مع بيان أن الموت حقيقة لا مفر منها، ثم عقب ذلك بذكر قصتين: الأولى لرجل مات وهو ساجد لعاهرة، والقصة الثانية عن رجل مات في المسجد والشيخ نفسه يخطب الجمعة، فشتان ما بين الميتتين.
стр. 2351
أيها المسيء احذر !!
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل والند والنظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
معاشر المؤمنين! معاشر الأحبة: كثيراً ما نواجه ويواجه كل واحدٍ منكم طوائف من الشباب ومن كبار السن من اللاهين العابثين الغافلين عن الآخرة، العابثين في دنياهم، اللامبالين بأي مصيرٍ يئولون إليه وينتهون عنده، إن قدمت شريطاً فيه موعظة لا يسمعونه، وإن قدمت رسالة فيها كلامٌ جميل لا يقبلونه، وإن قدمت نصيحة لا يرعوون لها، وإن تلطفت مع طائفة منهم يظنونه ذلاً واحتقاراً، وإن أخلصت النصيحة لأحدهم ظنوه استعلاءً وتكبراً، والله إن العقل والفكر ليحارا، ويصبح الحليم حيران أمام طائفة من أولئك اللاهين العابثين، الذين لا يعرفون المساجد إلا نزراً يسيراً، ولا يذكرون الله إلا قليلاً، ولهم في بلاد الغرب مع البغايا والفاجرات صولات وجولات، كيف الطريق إلى قلوب هؤلاء؟ كيف يُدعون إلى الله؟ كيف يُنادَون إلى كتاب الله؟ هل نيأس منهم؟ ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] هل نحكم عليهم بالشقاء؟ كلا لأن المسلم ليس مسئولاً أن يحكم على الناس في نهاياتهم أن يكونوا من أهل الجنة أو أهل النار، وعقائد أهل السنة جميعاً ناطقةٌ بأنهم جميعاً لا يشهدون لأحدٍ بجنة أو نار، لكن يخشون على المسيء العقاب، ويرجون للمحسن الثواب، هل يعتبرون من سقط المتاع أو على هامش الحياة؟ لا والله يا عباد الله! هناك مدخل رئيس، وهناك حقيقة لا بد من طرحها، وقضية لا بد من مواجهتها؛ قضية لا بد أن نواجهها نحن، لا بد أن يواجهها كل واحدٍ في هذا المسجد، ولا بد أن يواجهها كل مسلم وكافر، كل بعيدٍ وقريب، كل ذليل ٍوحقير، كل عزيزٍ وأمير، كل صعلوكٍ ووزير، هي حقيقة الموت، هي نهاية المطاف، هي خاتمة الدنيا.
إن كل البشرية تشهد وتعلم وتنطق أن نهايتها هي الموت، وأن منتهى الطريق بالنسبة لها هي الانقطاع عن هذه الدنيا؛ انقطاع النفس والروح، وانقطاع الجوارح؛ فالعين لا تبصر، واليد لا تتحرك، والأذن لا تسمع، والنفس لا يجري، والدماء لا تتحرك، والشرايين لا تنبض، إنها النهاية الأخيرة التي يواجهها ويقف أمامها كل صغيرٍ وكبير، كل بعيدٍ وقريب.
стр. 2352
مات وهو ساجد لعاهرة
شابٌ من مدة ليست بالقريبة حدثني عن أحد الشباب فيما تسمى بـ (بانكوك) قال: لقد كان في ضلالة، في بلاء، في أمرٍ لا يفيق منه بسبب المخدرات أو الشراب وما صاحب ذلك من مصاحبة البغايا والفاجرات، وفي لحظة من سكرٍ وشوقٍ إلى عهرٍ تأخرت صديقته، تأخرت حبيبته عليه، وقد كاد يُجن من تأخرها، فما هي إلا لحظات حتى أقبلت عليه، فلما رآها خر ساجداً تعظيماً لها، خر ساجداً لها وما الذي تنتظرونه؟ إنها السجدة الأخيرة، هي النهاية، والله ما قام من سجدته بل أقاموه في تابوته، وأرسلوه بطائرته ودفنوه مع سائر الموتى.
стр. 2353
مات وهو يسمع خطبة الجمعة
أيها الأحبة في الله! في الجمعة الماضية أثناء ما كنت أخطبكم على هذا المكان، وأنتم تستمعون في هذا المكان، دخل ملك الموت في هذا المسجد وتخطى صفاً واحداً واثنين وثلاثة وأربعة حتى بلغ الصف السادس أو السابع من آخر هذا المسجد، فقبض روح عبدٍ من عباد الله كان شاهداً الصلاة والخطبة معنا.
الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! لا إله إلا الله! لا إله إلا الله! لو تقدم ملك الموت صفاً واحداً لقبض روحك، ولو تقدم صفوفاً أكثر لقبض روحي، ولو تأخر صفاً واحداً لقبض روح شخصٍ آخر.
استعدوا يا عباد الله! ولمثل هذا فأعدوا، أسأل الله لميتنا الرحمة والغفران، ولذويه الصبر والسلوان، خرج من بيته إلى الجمعة لم يتخط رقبة، متطيباً متهيئاً، حادث أهله واستأنس بأطفاله، ثم اغتسل وخرج إلى المسجد، يقود سيارته بنفسه، وجيء بسيارته إلى البيت لا يقودها هو، لبس ثوبه بنفسه ولم يخلعه بل خلع منه، دخل هذا المسجد بنفسه وخرج محمولاً.
أيها الأحبة! بعد أن دخل الخطيب وأعلن التحية للسلام مد ميتنا مصحفه إلى من كان بجواره، فأخذ المصحف من يده ووضعه على الرف الذي أمامه، ثم جلس قليلاً يستمع الأذان ثم الخطبة، بعد الشروع فيها، وما هي إلا لحظة أو أقل من لحظة حتى اتكأ على ظهر كف يده، فظن الذي بجواره أنه ناعسٌ أو نائم، فالتفت إليه وأيقظه، فإذ به يسمع شيئاً أشبه ما يكون بشخير النائم، ثم بعد ذلك استلقى على قفاه، الله أكبر! (من مات يوم الجمعة أمن الفتان) الله أكبر! على هذه الميتة الطيبة في هذا المكان المبارك، في هذه الساعة المباركة، في يوم الجمعة خير يومٍ طلعت عليه الشمس.
стр. 2354
لقد كان في قصصهم عبرة [١]
في هذه الخطبة عرض موجز لقصة رسول من أولي العزم مع أشهر طاغية عرفه الزمان: إنها قصة موسى ﵇ مع فرعون، ففيها عبرة عظيمة جداً، وهي: أن الليل مهما طال بالطغيان فلابد أن يأتي الفجر لينشر نوره بنصر الله وتأييد جنده: ((وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ)).
стр. 2355
قصة موسى ﵇
стр. 2356
بداية نشأة موسى
الحمد لله القائل في محكم كتابه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فالعاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً﴾ [مريم:٥١].
معاشر المؤمنين: ذكر الله قصة موسى مع فرعون في سور كثيرةٍ من القرآن الكريم، وقصة هذا النبي الكريم -عليه وعلى نبينا أتم الصلاة والتسليم- مع فرعون الطاغية العنيد تتكرر وتبرز في كل زمان ومكان، وفي كل وقت وحين، لأنها تصور حقيقةً واقعةً، إنها تصور الصراع بين الحق والباطل، إنها تصور الصراع بين أولياء الرحمن وجند الشيطان منذ فجر الوجود وميلاد البشرية.
ولد موسى ﵇ في عهد الطاغية الأكبر فرعون الذي ادعى الربوبية وأعلن التمرد والعصيان، وزعم أن لا إله ولا رب سواه، وذاق بنو إسرائيل من أذى فرعون ومن شره ما لم يذوقوه من قبل ولا من بعد ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٤].
لقد رأى فرعون في منامه رؤيا أفزعته، فاهتم لها واغتم بها، رأى ناراً قد أقبلت من بيت المقدس حتى وصلت إلى بلاد مصر وأحاطت بدورها وبيوتها، فأحرقتها وأحرقت القبط، وتركت بني إسرائيل دون أذى، فدعا فرعون الكهنة والسحرة والمنجمين، وسألهم عن هذه الرؤيا، فعبروها قائلين: إنه سيولد في بني إسرائيل غلام يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه، ويكون ذهاب ملكك يا فرعون على يديه، وسيخرجك وقومك من بلدك، ويبدل دينك، وقد أظلك زمانه الذي يولد فيه.
عند ذلك طار صواب فرعون، وجُنَّ جنونه، فأمر بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل، أما الإناث فلم يأمر بقتلهن، بل أمر بتركهن لأجل الخدمة والتسخير؛ يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم.
وفي أثناء شدة هذا العذاب ولد موسى ﵇، كانت ولادته خطباً أليماً بالنسبة لأمه، ولما قرب وقت الوضع، وبدأت آلام المخاض، حزنت أمه حُزناً شديداً، واشتد همها وغمها، وأوحى الله إليها إلهاماً ألا تخاف ولا تحزن، لما سبق في علم الله أن هذا المولود سيكون له شأن عظيم، فولدته أمه خفية عن القابلات، وقذف الله في قلبها السكينة، وأمرها أن ترضعه حتى إذا خافت عليه فلتصنع له تابوتاً من الخشب، ثم تضعه فيه، وتربط التابوت بحبل لئلَّا تذهب به الأمواج، ثم تلقيه في البحر، وفعلت ذلك ثقةً بوحي الله وإلهامه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧].
وفي ذات يوم انفلت رباط التابوت، فذهب الماء بالتابوت، وفيه الوليد الرضيع الرقيق موسى ﵇، ذهبت الأمواج بالتابوت، تُرى إلى أي مكان سترحل الأمواج بهذا الرضيع وهذا الوليد؟ سترحل به إلى من هو أشد الناس بغضاً لبني إسرائيل، وأشدهم كراهيةً لأبنائهم، ذهب التابوت بموسى إلى بيت فرعون في ساعة كان الجواري يغتسلن ويستقين فيها، فأبصرن هذا التابوت، فأخذنه من الماء، وظنن أن فيه مالاً، فحملنه على عادتهن، وذهبن به إلى سيدتهن آسية زوجة فرعون، فلما فتحت التابوت، وجدت فيه هذا الغلام، فلما رأته، ألقى الله محبته في قلبها.
فلما جاء فرعون ورأى الغلام طار عقله وأراد قتله، وطلب الذباحين ليذبحوه، فالتمست آسية زوج فرعون منه أن يتركه لها، لأنها لا تلد: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ [القصص:٩] فقال لها فرعون: بل هو قرت عين لك أنت، أما أنا فلا حاجة لي فيه.
стр. 2357
حياة موسى في بيت فرعون
عاش موسى في بيت فرعون عند آسية، واجتهدت في البحث له عن مرضعة لتكون له ظئراً وتربيه، لكن الوليد الرضيع يأبى المراضع، ولا يقبل ثدي واحدة منهن حتى اشتد به الجوع، واشتد به البكاء، وهو لا يقبل ثدياً.
وما زالت آسية زوجة فرعون تبحث له عن مرضع حتى رأته أخت موسى، وقد كانت ترقبه من بعيد، فجاءت إلى آسية امرأة فرعون، وعرضت عليها أن تأتي بامرأة مرضعة أمينة ناصحة تتعهد بهذا الرضيع، وتعتني به مقابل أجرة لها، فقالت لها امرأة فرعون: ائتيني بها، فإن قبل ثديها أكرمتها بأي مال أرادت، فانطلقت أخت الرضيع إلى أمه، وأخبرتها الخبر، فلما رأت ولدها كادت أن تبدي به، أي: كادت أن تقول: هذا ولدي، لولا أن ثبتها الله حتى لا يشعر آل فرعون بأن هذه هي أمه، فلما وضعته في حجرها، التقم ثديها، وأخذ يرضع بنهم ولذة حتى ارتوى وملأ جنبيه.
ففرحت آسية فرحاً عظيماً، وطلبت من أم موسى -وهي لا تعلم أنها أمه- أن تمكث في القصر عندها لترضع هذا الغلام، ووعدتها بأن تعطيها أنواع المال والهدايا، وأن تكرمها بأنواع الإكرام، فأظهرت أم موسى العفة، وقالت: إن طابت نفسك أن تعطينيه، فأذهب به إلى بيتي، وأتعهده بالعطف والرعاية كما أتعهد ولدي، وأنا لا أستطيع أن أدع بيتي وأولادي من أجل هذا الغلام، تقول أم موسى وهي تعلم أنه ولدها: لا أستطيع أن أدع بيتي وأولادي من أجل هذا الغلام، فرضيت آسية أن تدفعه إليها على أن تأتي به في كل فترة لتراه وترضعه عندها.
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ [القصص:١١ - ١٣] بعد أن أمرت أن تلقيه في البحر: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:١٣].
стр. 2358
فرار موسى إلى مدين
شب موسى وترعرع في بيت فرعون معززاً ومكرماً، حتى إذا دخل المدينة ذات يوم على حين غفلة في أهلها وجد فيها رجلين يقتتلان، أحدهما من شيعته أي: من بني إسرائيل، والآخر من عدوه أي: من القبط، فاستغاثه الذي من شيعته على القبطي، فضربه موسى، فمات القبطي من فوره.
ثم أصبح موسى خائفاً يترقب، فجاءه رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، فأخبر موسى الخبر، وأمره أن يخرج من أرض مصر، لأن القوم يبحثون عنه، ويريدون قتله، فخرج موسى وتوجه إلى أرض مدين، ودعا ربه أن ينجيه من القوم الظالمين.
وفي أرض مدين أقام موسى، وتزوج بابنة شعيب ﵇، ورعى له الغنم فيها عشر سنين، وبعد ذلك حنَّ قلب موسى إلى أرض مصر، وفي طريقه إليها في ليلة مظلمة باردة تاه موسى عن الطريق: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٠ - ١٤] وهكذا نبئ موسى وكلمه ربه، وتوجه إلى فرعون بأمر ربه ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات:١٧ - ٢٥].
стр. 2359
تمكين الله لموسى في الأرض
اشتد الأمر بين موسى وفرعون، وتمادى فرعون في طغيانه وعناده، وأراد أن يكذب بنبوة موسى، وقال: إن هو إلا ساحر جاء بأخيه معه، وجمع فرعون السحرة أجمعين، وأراد بذلك أن يضل الناس عن النبوءة والدعوة، ولكن الله جل وعلا أبطل كيده وأبطل سحره: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩].
وبعد مضي هذه المدة وموسى يدعو فرعون ويخاطبه بخطابٍ لين، ويدعوه بدعوة وموعظة رقيقة إلا أنه لم يستجب، حتى إذا اشتد الأمر وبلغ أشده، ووصل الأمر بينهم إلى القتل والقتال، لما رأى فشل سحرته، ولما رأى فشل تدجيله وتطبيله، لما رأى فشل ذلك كله، لم يجد إلا أسلوب الجبابرة والطواغيت المعاندين، أسلوب القتل، أسلوب التشريد والإبعاد، فأتبعوهم مشرقين ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] لما ذهبوا ولم يبق من أمامهم إلا البحر، وفرعون وقومه من خلفهم ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٣] وعبر عليه موسى ومن معه من بني إسرائيل ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء:٦٤ - ٦٦] لما رأى فرعون ومن معه أن البحر أصبح يبساً، وعبر عليه موسى ومن معه لحقوا بهم يريدون أن يعبروا على البحر، لكنها سنة الله جل وعلا، يريد الله أن يغيرها، وأن يبدلها، وأن يعكس قانونها ونظامها لأوليائه وعباده وأنبيائه، أما الكافرون الجاحدون الظالمون فليسوا بأهل أن تغير لأجلهم سنة واحدة، أو أدنى ظاهرة في هذا الكون، فلما عبر موسى ومن معه، عاد البحر كما كان أمواجاً تتلاطم، ومياه تغرق من عليها، ثم أدرك فرعون الغرق: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس:٩٠] لم يقل آمنت أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، انظروا العناد والجبروت والتجبر والطغيان حتى في آخر ساعات العذاب، وفي آخر ساعات الهلاك لم يقل آمنت أنه لا إله إلا الله، بل قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ [يونس:٩٠ - ٩١] ليس ينفعك الإيمان في هذه اللحظة، ولا ينفعك قولك في هذه اللحظة وأنت من المفسدين الضالين المتجبرين المعاندين.
стр. 2360
نجاة موسى في يوم عاشوراء
وكان اليوم الذي نجى الله فيه موسى وأعوانه وجنده، وأهلك الله فيه فرعون ومن معه، هو يوم عاشوراء، لما قدم النبي ﷺ رأى اليهود في المدينة يصومونه، فسأل عن ذلك، فقيل له: هذا يوم نجى الله فيه موسى ومن معه، وأهلك فيه فرعون، فقال ﷺ : (نحن أحق بموسى منهم) فصامه وأمر بصيامه.
عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه) متفق عليه.
وعن أبي قتادة ﵁ وأرضاه أن رسول الله ﷺ سئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: (يكفر السنة الماضية) رواه مسلم.
وعن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : (لئن بقيت إلى قابل، لأصومن التاسع والعاشر) رواه مسلم.
معاشر المؤمنين: هذه قصة طويلة نهايتها في اليوم المبارك الذي هو يوم عاشوراء، أعز الله فيه عباده، وأعز فيه دعاة دينه، وأعز فيه جنده المخلصين، وأهلك فيه الطغاة والمعاندين والمتجبرين، ذلك يوم عظيم، وهو يوافق يوم الخميس من الأسبوع القادم، فصوموا هذا اليوم يا عباد الله، ومروا أبناءكم ومن دونكم بصيامه، واشكروا نعمة الله جل وعلا، وتذكروا فضل الله عليكم وعلى عباده المسلمين أجمعين.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2361
العبر من قصة موسى ﵇
الحمد لله الواحد الصمد على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جل عن الشبيه وعن المثيل وعن الند وعن النظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، كل ذلك تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار؛ عياذاً بالله من ذلك.
معاشر المؤمنين: لو تأملنا هذه القصة الجليلة التي ذكرها الله في مواضع متعددة من كتابه الكريم، لوجدنا فيها جملة لا تعد ولا تحصى من الدروس والمواعظ والآيات والعبر ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧].
هذه القصة لو لم يأت فيها إلا البشارة للدعاة المخلصين، لو لم يكن فيها إلا البشرى للذين يقومون بالدعوة إلى الله في كل مكان، وأن الله ينصرهم مهما أظلم الليل، ومهما ادلهمت الخطوب، ومهما تكالبت قوى الطغيان، ومهما تجمع أعوان الشر، فإن الله ينصر دعاة دينه، وينصر المصلحين المخلصين العاملين بكتابه وسنة نبيه ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] النصر للدعاة المخلصين المصلحين في الدنيا والآخرة، والفوز لهم في الدنيا والآخرة، والفلاح لهم في الدنيا والآخرة.
تأملوا وتدبروا هذه العبرة العظيمة: ذلك الطاغية الذي أمر القابلات أن يخبرنه بأي مولود يولد في بني إسرائيل حتى يقتله، وحتى لا يبقى في بني إسرائيل باقية من الذكور، يأبى الله إلا أن يتربى ويترعرع وينشأ نبيه الكريم في بيت الطاغية فرعون، ينشأ الداعية في بيت الطاغية ويترعرع ويمشي في أرض قصره وجنانه وحدائقه، ثم بعد ذلك يأمره الله ، ويكلفه بنبوءته، ثم يعود إلى فرعون شامخ الرأس معتزاً، رافعاً رأسه بما أوحى الله إليه، آمراً إياه بما أمره الله ببلاغه أن يهتدي، وأن يؤمن، وأن يخلي بينه وبين بني إسرائيل، وبين الناس أجمعين أن يلحقوه وأن يتبعوا دينه، لكن ذلك الطاغية يأبى ويعاند، فيأبى الله إلا أن يجعل هلاكه في أعظم آية للناس أجمعين، يقول الله : ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢].
إنها لآية عظيمة في فرعون، إنه لدرس عظيم لجميع الدعاة أمام الطغاة.
إذاً يا عباد الله: إنها لبشارة لجميع المسلمين في كل مكان، إنها لبشارة للدعاة في كثير من الدول المجاورة والبعيدة، الذين يلقون ألوان الأسى والعذاب والتشريد، يرون الإهانة في زوجاتهم، وفي بناتهم، ويرون القتل في أبنائهم، ويرون المضايقة والتشريد عن بلدانهم، لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، ولا حاكمية، ولا قيادة، ولا أمر، ولا نصر، ولا عزة، ولا انقياد إلا لله، ولا تطبيق إلا لحكم الله، ولا انقياد إلا لشريعة الله، هذه كلمة لا تعرف إلا في هذه البلاد، وهذا نظام لا يعرف إلا في هذه البلاد الطيبة.
نسأل الله أن يديمه علينا، وأن يديم العز لنا ولولاة أمورنا وعلمائنا، كي نبقى سعداء راضين بما قسم الله لنا، شاكرين له على ما أنعم به علينا من هذا العز والتمكين.
إنها لعبرة عظيمة، إن حفظ الله جل وعلا لعظيم.
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمانُ
أي عناية أعظم من أن يوضع طفل لا يملك شيئاً في تابوت صغير، ثم يلقى في البحر، فيحفظه الله بحفظه، ويكلؤه برعايته، تذهب به الأمواج المتلاطمة في البحار المليئة بالحيتان، والمليئة بكل شر وأذى حتى يصل إلى بيت الطغاة، فيترعرع وينشأ فيه، ويقذف الله تلك المحبة في قلب زوجة فرعون لهذا النبي الكريم؟! معاشر المؤمنين: إن الله لينصر الذين ينصرون دينه، وسنن الله لا تتغير ولا تتبدل، إذا علم الله منا إخلاصاً، وعلم منا انقياداً، وعلم منا إرادةً لوجهه الكريم، ولم يكن في نياتنا أدنى طمع في مال، أو منصب، أو جاه.
إن الله لينصر كل قائم لله بحق، ويجعل القلوب تفتح أبوابها لكلامه، ويجعل الأفئدة والجوارح تتطاير وتبادر لكي تنفذ ما أراد.
إنا -معاشر المؤمنين- أتينا من إخلاصنا، وبلينا من ذات أنفسنا، فقدنا الإخلاص وفقدنا إرادة وجه الله خالصاً في كل دقيق وجليل، ومن أجل ذلك فعلى قدر إخلاصنا تأتي النتائج في الدعوة، على قدر إرادتنا وجه الله تأتي النتائج وتأتي الثمرات في كل عمل نعمله.
أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من المخلصين الذين يريدون وجهه الكريم، اللهم سخر لنا ولولاة أمرنا ولإمام المسلمين ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرض بقدرتك، اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم من أراد ولاة أمرنا بفتنة، وأراد علماءنا بمكيدة، وأراد شبابنا بضلال، وأراد نساءنا بتبرج وسفور، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين! اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك.
اللهم عليك بالشعوبيين الفرس الذين لا يؤمنون بكتابك كاملاً، ولا يصدقون بنبوة نبيك، ويسبون صحابته، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واهلكهم بدداً، ولا تبق فيهم أحداً، اللهم أهلك زروعهم وضروعهم، اللهم اجعلهم غنيمةً باردةً للمسلمين، اللهم قرب هلاكهم، اللهم قرب هلاكهم، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك يا من أمرك بين الكاف والنون! اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم ارزقنا توبةً قبل الموت، وراحةً عند الموت، ولذةً وأنساً ونعيماً في القبور بعد الموت، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا حيران إلا دللته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا غائباً إلا رددته.
اللهم وفقنا لما تحب وترضى، اللهم جنبنا ما يسخطك، واعصمنا مما يغضبك، اللهم خذ بأيدينا إلى مرضاتك.
ربنا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أقل من ذلك، اللهم عليك توكلنا، وإليك أنبنا، ولك أسلمنا، وبك خاصمنا، ولك توجهنا، فلا تكلنا إلى أنفسنا، ولا إلى ما عندنا، وبارك لنا فيما آتيتنا.
اللهم ارزقنا الاستدراك قبل الفوات، والاستعداد قبل الممات، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم اجزهم عنا خير الجزاء، اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم، واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم أعنا على ما أعنتهم عليه، اللهم نور على أهل القبور قبورهم، اللهم افسح لهم اللحود مد أبصارهم، اللهم افتح لهم أبواباً إلى النعيم والجنان.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على نعمه التي لا تستطيعون شكرها، واشكروه على آلائه التي لا تقدرون حصرها يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2362
لقد كان في قصصهم عبرة [٢]
تحدث الشيخ -حفظه الله- عن الظروف التي اكتنفت ولادة موسى ﵇ وكيف أن الله رده إلى أمه لترضعه بثمن على ذلك.
وقد استعرض شيئاً من عبر هذه القصة، مبيناً أن الله لا يعجزه شيء، وأن نصره لجنده لا يتخلف، وأن الحق مهما عُذِّب أهله فإنهم ينصرون نصراً يذل الله به كل أعدائهم ومناوئيهم.
стр. 2363
ولادة موسى ونشأته عند فرعون
الحمد لله معز المؤمنين، ومذل الطغاة والمتجبرين، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأثني عليه الخير كله، نشكره ولا نكفره، ونخلع ونترك من يفجره، هو الذي أنشأنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، ومنَّ علينا بالتوحيد، وفضلنا على كثيرٍ من الأمم تفضيلاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، أنتم اليوم في يوم مبارك من شهر الله المحرم، وهذا الشهر من الأشهر المخصوصة بالفضائل التي امتنَّ الله بها على أمة محمد ﷺ ؛ حيث أضاف الله هذا الشهر إلى نفسه، يقول ﷺ : (أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل) فأضافه على نفسه بقوله: (شهر الله المحرم) وهذه الإضافة لا تكون إلا لخاصة مخلوقات الله لشرفها وعلو منزلتها، فهذا الشهر مفتاح السنة، وفيه نصر الله نبيه وكليمه موسى ﵇ على إمام الكفر وقائد الإلحاد فرعون الذي طغى وعلا في الأرض، وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] والذي تجبر وأدبر وتولى عن آيات الله وحجج الأنبياء، يقول الله : ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٤] وما أكثر الفراعنة في هذا الزمان! وكان الذي يحمله على تعذيب بني إسرائيل وإهلاكهم، واستحياء -أي: استبقاء- نسائهم، وإهلاك الذكور منهم هو علمه بأنه سيخرج من ذرية إبراهيم ﵇ غلامٌ سيكون هلاك مُلْك مصر ومَلِكِها على يديه، وشاع هذا وانتشر بين القبط، وتحدث به بنو إسرائيل، وعند ذلك فزع فرعون، وطاش ذعراً وخوفاً، وأمر بقتل أبناء بني إسرائيل حذراً من وجود هذا الغلام بينهم، وأنى له ذلك، ولن يغني حذرٌ من قدر.
لما حملت أم موسى به خافت أن يعلم بحملها، ولم تكن تظهر عليها علامات الحمل، فيا عجباً من آيات الله ومعجزاته، ولكن أكثر الناس عن تدبر آيات الله غافلون، علامةٌ عجيبةٌ لا يظهر عليها علامات الحمل، فلما ولدت به ضاقت به ذرعاً، فألهمها الله أن تتخذ له تابوتاً، وكانت دارها على نهر النيل، وكانت ترضع ابنها، فإذا خشيت من أحد وضعته في التابوت فأرسلته إلى البحر، وفي التابوت حبل تمسكه به، فأرسلته ذات يوم، وقضت إرادة الله أن يذهب التابوت ولا يعود، وذهب فيه ولدها مع النيل، فمر على دار فرعون، فالتقطه آل فرعون، الذين يذبحون الأبناء، التقطه الذين يقتلون كل ذكر من أبناء بني إسرائيل، فلما جاءوا به ووضعوه بين يدي امرأة فرعون، وفتحت هذا التابوت، رأت وجهاً يتلألأ نوراً، فوقع حبه في قلبها.
فلما جاء فرعون ورآه أمر بذبحه، وقال: اذبحوه، أو اقتلوه، فدافعت عنه تلك المرأة، فقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ [القصص:٩] ولقد نفع الله زوجة فرعون به، وحقق الله ما رجته من النفع، فهداها الله به وأسكنها جنته بسببه.
فلما أرادوا الغذاء لهذا الرضيع والوليد، وقد حرم الله عليه المراضع من قبل، وجدوه لا يقبل ثدياً، فحاروا في أمره حيرةً عظيمةً، فأرسلوه إلى السوق يبحثون له عن مرضعة يقبل ثديها، فرأته أخته ولم تظهر أنها تعرفه، بل قالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص:١٢] فذهبوا به إلى منزلهم، فأخذته أمه، فلما أرضعته التقم ثديها، وأقبل على درها، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، وأجروا لها أجرة من النفقة والكسوة، وجمع الله شملها بولدها بقوله جل وعلا: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [القصص:١٣].
стр. 2364
إرسال موسى ومحاجته لفرعون
ثم نشأ موسى ﵇ في كنف الله ورعايته في بيت فرعون يتغذى أحسن الغذاء، ويلبس أطيب اللباس، ولما بلغ أشده واستوى، آتاه الله النبوة، وقدر أنه رأى ذات يوم رجلين أحدهما من شيعته والآخر من أعدائه القبط، فاستغاث الذي هو من بني إسرائيل بموسى، فنصره على عدوه بضربة مات القبطي على إثرها، وعند ذلك أدرك موسى أنه أساء، فاستغفر ربه، فغفر له، ثم خاف من فرعون وملئه بعد حادثة القبطي هذه، فخرج من مصر إلى مدين، فوصل إليها وتزوج فيها، ثم سار بأهله إلى أرض مصر، وبينما هو في الطريق أكرمه الله برسالته، وبعثه إلى فرعون، فبلغه رسالة ربه، ولكنه عصى وتكبر وعاند، فأقام موسى عليه الحجج والبراهين، ولكنه لم يقبل شيئاً من ذلك، بل أنكر واستنكر قائلاً: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣] وقال لأهل مصر: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤].
стр. 2365
فرار موسى ومن معه
بعد أن عدل فرعون إلى استعمال القوة لصد الدعوة، وصد صوت الحق، أمر الله نبيه موسى ﵇ أن يخرج بمن معه من المسلمين إلى بلاد الشام، فخرج بهم ليلاً، فلما علم فرعون بخروجهم، غضب وجمع جنوده، وسار في طلبهم، فأدركهم عند طلوع الشمس، وقد انتهوا إلى البحر: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] لأن العدو خلفهم والبحر أمامهم، والجبال عن يمينهم وشمالهم وهي شاهقة عالية، فقال لهم موسى ﵇، قال لهم الرسول الصادق: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] وتقدم إلى البحر وأمواجه تتلاطم، وهو يقول: هاهنا أمرت، فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر، فلما ضربه انفلق وصار اثني عشر طريقاً، فانفلق وصار كل فرق كالطود العظيم، على عدد أسباط بني إسرائيل، وصار البحر يبساً لا ماء فيه، فسلكه موسى بمن معه، فلما جاوزوه وخرج آخر رجل من رجال موسى دخله فرعون وجنوده، وعندما تكاملوا أوحى الله إلى هذه الأمواج أن تتلاطم، وإلى هذا الماء أن يعلو، وإلى ذلك اليابس أن يتفتت سائلاً، فأطبق الله عليهم البحر بما فيه، وأغرقهم أجمعين، وبنو إسرائيل ينظرون إليهم، هكذا نصر الله رسوله وكليمه ومن معه من المؤمنين، وأهلك فرعون ومن معه من الكافرين، هذا حدث عظيم من أعظم أحداث التاريخ التي ثبتت وجاءت في شرعنا، ونقلت إلينا نقلاً صحيحاً، لم يتعرضها تحريف ولا تبديل، فيها العجب والعبرة والذكرى، ولكن أين المعتبرون؟!
стр. 2366
سنة الله فيمن ينصره
عباد الله: تأملوا هذه الواقعة العظيمة، وتأملوا هذه المعجزة الإلهية الكريمة؛ يوم أن تخلفت أسباب الحياة وامتنعت الأمور المادية أجرى الله خوارق العادات، وقلب القوانين على رأسها لتسخر لهذا النبي وأتباعه، وإنها سنة الله جل وعلا الذي شرع الشريعة وأرسل الرسول، وأنزل الكتاب، وأمر بالدين الحنيف، إن الله هو الذي خلق هذا الكون، وهو الذي أوجد ما فيه من اليابسات والكائنات، والسائلات والجمادات، فهو الذي يصرفها لعباده المؤمنين، وهو الذي خلقهم وأمرهم بالجهاد، فسخر لهم هذه الأمور.
إن الذي جعل النار المحرقة برداً وسلاماً على إبراهيم هو الذي جعل هذا الماء يابساً لموسى، فاعتبروا من ذلك يا عباد الله، واعلموا أن الله جل وعلا لا يعجزه شيء، وأن نصره لا يتخلف عن جنوده المؤمنين، فالله جل وعلا وعدهم بالنصر بقوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠] ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].
стр. 2367
السنة في صيام عاشوراء
معاشر المؤمنين: هذا اليوم العظيم الذي وقع فيه ذلك الحدث في اليوم العاشر من شهر محرم، وهو يوم عاشوراء، قد صامه موسى شكراً لله ، ولما قدم النبي ﷺ المدينة، وجد اليهود يصومونه، فقال لهم: (ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً لله، فنحن نصومه، فقال ﷺ : نحن أحق بموسى وأولى بموسى منكم فصامه ﷺ ، وأمر بصيامه) رواه البخاري ومسلم.
ويستحب صيام يوم قبله، أو بعده لما رواه مسلم عن ابن عباس ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ لما صام عاشوراء، قيل له: إن اليهود والنصارى يعظمون هذا اليوم، فقال ﷺ : (إذا كان العام المقبل، صمنا اليوم العاشر والتاسع إن شاء الله)، وفي مسند أحمد ﵁ وأرضاه: (صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، صوموا يوماً قبله، أو يوماً بعده).
وصيام هذا اليوم بساعاته القليلة، بلحظاته المحدودة فيه أجر عظيم، فلقد روى الإمام مسلم عنه ﷺ أنه سئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: (يكفر السنة الماضية) فمن يبخل على نفسه بتبييض صفحاته، وتبييض صحائف أعماله؟ من يبخل على نفسه أن يعود سجل أعماله أبيض باستهلال عام جديد، وبداية عام مشرق، أن يكون بذلك اليوم الذي يصومه قد كفر صغائر الذنوب والسيئات التي اقترفها في العام الماضي، وليعلم العباد أن صيام يوم عاشوراء يكفر الصغائر من الذنوب، أما الكبائر- مع فضل الله وسعة رحمته- فإنها تحتاج إلى توبة.
عباد الله: لو تأملنا يوم عاشوراء، لوجدنا الناس على مذاهب شتى فيه، أما الرافضة -عليهم من الله ما يستحقون- فهم يقضون ليلته ضرباً في أبدانهم، وجلداً بالسياط على أنفسهم، ما هذا الذي يفعلونه؟! وأي شريعة شرعت لهم ذلك؟ إنما هو من ذوات أنفسهم، فهم يتقربون إلى الله بغير ما شرع، فإن ذلك مردود عليهم، وإن كانوا يعدونه عملاً صالحاً، فسيجدونه هباءً منثوراً.
عجباً لأولئك الذين يبكون ويتباكون، يضربون أنفسهم لمقتل الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، ورضي الله عن صحابة نبيه أجمعين، يقول أحد الصحابة: [عجباً لكم يا أهل العراق تقتلون الحسين، وتبكون ليلة قتله!] وجاء إلى ابن عمر رجل يسأله عن دم البعوضة إذا وقع على الثوب هل ينجسه، قال: ويحكم ألا ينجسكم دم الحسين وتسألون عن دم البعوضة ونجاسته.
إن أولئك الذين يعظمون هذا اليوم بأمور لم يشرعها الله، ولم يسنها رسوله ﷺ إنما هم في ضلال ووبال عظيم، فالحمد لله الذي هدانا وقد ضل كثيرٌ من العالمين، واليهود وغيرهم فيمن يتمسك منهم قد يعظمون هذا اليوم، ولكن هذا اليوم بدليله وببقائه وثباته لدليل وشاهد على تكذيبهم وتحريفهم، إذ أن الشرائع جاءت بنبوة محمد ﷺ ، فلِمَ لا يؤمنون؟ وإذا كانوا يقولون إنهم على دين موسى، فدين موسى هو اتباع محمد ﷺ ، يقول النبي ﷺ لما وجد في يد عمر بن الخطاب قطعة من التوراة مكتوباً في ورق، غضب وقال: (والله لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) فيا عجباً من أولئك المصرين على العناد والإلحاد، فالحمد لله الذي فضلنا على كثيرٍ من خلقه تفضيلاً، وهدانا إلى أمورٍ ضل عنها كثيرٌ من العالمين.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2368
درس للدعاة من قصة موسى ﵇
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه وعن الند وعن المثيل وعن النظير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] كل ذلك تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.
عباد الله: إن المتأمل لقصة موسى مع فرعون، إن المتأمل لقصة نبي الله الكليم مع فرعون الطاغية الجبار الأثيم، ليرى فيها دروساً ومواعظ وعبراً للدعاة، الذين يتأملون ويستذكرون ويعلمون أن الله جل وعلا يوم أن شرع الشرائع، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، وشرف العباد بالدين الحنيف، وأكرمهم بالدعوة إليه, والمجاهدة والصبر على الأذى فيه، يعلمون أن في هذه القصة أملاً يرتجى، وبشارة عظيمة للذين يدعون إلى الله على بصيرة، ذلك أن الله جل وعلا يسخر الأمور ويدبرها حينما يجد دعاة صادقين ربانيين متجردين عن المطامع والأهواء والشهوات.
وإننا لنعجب عجباً عظيماً يوم أن كان الطاغية فرعون يبحث عن أبناء بني إسرائيل يقتلهم، وتقدر مشيئة الله جل وعلا أن ينشأ النبي في قعر بيت فرعون، أعجوبةٌ عظيمةٌ ذلك الذي رآه فرعون في منامه، وسمع به، وترددت الأقاويل في زمانه أن ذلك الغلام الذي سيخرج، وسيكون على يده هلاك ملك مصر وملكها، ينشأ ذلك الغلام في بيت فرعون، ويتغذى في بيته، ويترعرع في داره، ويستظل بسماء قصره، ومع ذلك يكرمه الله جل وعلا بالنبوة والرسالة، وهل بعد حفظ الله حفظ؟ يوم أن يوحي إلى أمه ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ [طه:٣٩] أي شيء بعد الهلاك في البحار، بعد الأمواج المتلاطمة، ومع ذلك يحفظه الله جل وعلا بهذا التابوت، ويذهب به بقدر الله ومشيئته إلى بيت الطاغية، ويتربى وينشأ فيه.
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمانُ
اتق الله يا بن آدم، ونم في أي مكان شئت بين السماء والأرض، من يحفظه الله فلن يتعرض له أحد بسوء.
هذه معجزةٌ ربانيةٌ من الله، ودرسٌ للدعاة، إذ مهما عظم الباطل، وعلا هديره، فإن الله جل وعلا لا بد أن يجعل هذا الباطل جفاء، ويبقى ما ينفع الناس، فالله جل وعلا قد ضرب ذلك مثلاً وعبرةً للدعاة المؤمنين الصادقين ألا يخافوا، وألا يهابوا من كيد الجبابرة والطواغيت، وأنتم الآن يا عباد الله ترون في معظم أصقاع المعمورة أن المسلمين يعذبون، وأن المسلمين يقتلون، وأن الدعاة يعذبون ويشردون وينفون ويطردون، ومع ذلك فإن الله جل وعلا ناصر دينه، أما كيد البشر، فهو كيد ضعيف لا يستطيعون بجميع ما أوتوا أن يصلوا إلى قلب مؤمن في إيمانه ويقينه، يقول أحدهم يوم أن عذبوه وجلدوه، لما أن أكرهوه على الفواحش، وأرادوا به كل سوء ومكروه، لا لشيء إلا لأنه دعا إلى الله على بصيرة، قال:
تالله ما الدعوات تهزم بالأذى أبداً وفي التاريخ برُّ يميني
ضع في يدي القيد ألهب أضلعي بالسوط ضع عنقي على السكينِ
لن تستطيع حصار فكري ساعةً أو رد إيماني وصد يقيني
فالنور في قلبي وقلبي في يدي ربي وربي حافظي ومعيني
إن من استقام على دينٍ صحيح ودعوة إلى الله صادقة متجردة عن الأهواء والمطامع والشهوات، لا بد أن ينصره الله جل وعلا كما نصر موسى، ونصر الأنبياء، وأهلك أعداء الأنبياء بالريح العقيم، والضفادع والطوفان، والجراد والقمل والدم، آيات الله جل وعلا وجنوده لا يعلمها إلا هو ﴿إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠] ولكن أين المؤمنون؟ أين الدعاة الصادقون الذين من أجلهم تخرق العادات، وتتخلف القوانين ويحقق الله على أيديهم النصر العظيم؟ نسأل الله جل وعلا أن يكون إشراق نور الإسلام من جديد في أرض المعمورة من قلب هذه البلاد التي أشرقت فيها أنوار النبوة، ولمعت فيها بروق تجديد العقيدة، نسأل الله جل وعلا أن يعود لها هذا العز دائماً أبداً، وأن يحفظها من كل سوء ومكروه.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بولاة أمورنا سوءاً، وأراد بعلمائنا فتنةً، وأراد بشبابنا ضلالاً، فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه، وأدر عليه دائرة السوء.
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا واعف عنا واغفر لنا وارحمنا.
اللهم اختم بالسعادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى جناتك مصيرنا ومآلنا، اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة النبيين والصديقين والشهداء.
اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا حيران إلا دللته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره، ولا أيماً إلا زوجته، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم وفق إمام المسلمين لما تحب وترضى، اللهم قرب له من علمت به خيراً له ولأمته، وأبعد واطرد عنه من علمت به شراً له ولأمته، اللهم وفقنا لما تحب وترضى.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم اغفر لموتى المسلمين، اللهم اغفر لموتى المسلمين، اللهم اغفر لموتى المسلمين، اللهم وسع لهم في قبورهم، اللهم افسح لهم مد أبصارهم، اللهم افتح لهم أبواباً إلى الجنان والنعيم.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2369
لقد كان في قصصهم عبرة [٣]
استعرض الشيخ شيئاً من المواقف بين يوسف وإخوته من جهة، وبين يوسف والملك من جهة أخرى عندما مكنه من خزائن الأرض، وأوضح الشيخ في ثنايا الكلام عِظم أخلاق هذا النبي الكريم في تعامله مع إخوانه رغم ما فعلوا به، ثم أنهى خطبته ببعض الفوائد من هذه القصة.
стр. 2370
بداية تمكين الله ليوسف في الأرض
الحمد لله، الحمد لله وحده لا شريك له، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه، وعن المثيل، وعن الند، وعن النظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، بلَّغ دين ربه أتم البلاغ، وأوصل رسالة ربه أتم الإبلاغ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى.
معاشر المؤمنين: أرسل الملك رسولاً في طلب يوسف وإخراجه من السجن، فلما جاء الرسول إلى يوسف وأخبره بذلك، وبشره بالخروج، قال: لن أخرج حتى ترجع أيها الرسول إلى الملك، ثم تسأله: ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن؟ يريد يوسف بذلك أن يتحقق الملك ورعيته من نزاهة عرضه وبراءة ساحته فيما ينسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأخرجت يوسف عليهن، فقال الملك: ما خطبكن وشأنكن إذ راودتن يوسف عن نفسه يوم أن أخرج عليكن؟ فقلن: حاشا لله ما علمنا عليه من سوء، وما هو بمتهم، وعند ذلك ظهر وتحقق ما أرداه يوسف من إعلان براءته على لسان من كاد به، ونطقت امرأة العزيز قائلة: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:٥١] أي: يوم أن قال: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف:٢٦] وتقول امرأة العزيز: وأعترف بهذا على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في فعل فاحشة، وإنما راودته مراودة فامتنع، ولست أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا من عصم الله ورحمه، وهذا القول هو الأشهر والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام.
وبعد أن تحقق الملك براءة يوسف ﵇، ونزاهة عرضه فيما نسب إليه، قال: ائتوني به أستخلصه لنفسي، وأجعله من خاصتي وأهل مشورتي، فلما كلمه الملك وعرف فضله وعلمه وبراعته، قال له: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف:٥٤] أي: لك عندنا مكانة وأمانة، فقال يوسف ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥].
стр. 2371
قصة يوسف مع إخوته
ثم مكن الله ليوسف في أرض مصر بعد أن جعل على خزائنها يتبوأ ويتصرف ويتنقل فيها حيث شاء بعد ذلك الحصر والحبس والضيق رحمةً له من الله جزاء ما صبر عليه من الأذى من إخوته، والحبس من امرأة العزيز، وليس جزاء الصبر والاحتساب هذا العز والتمكين فحسب، بل إن له في الآخرة أعظم وأكثر من ذلك، وبعد مضي تلك السنين المخصبة وحلول السنين المجدبة عم القحط بلاد مصر بكاملها، ووصل إلى البلاد المجاورة حتى إلى أرض كنعان التي كان فيها يعقوب والد يوسف عليهما الصلاة والسلام، حينئذٍ احتاط يوسف ﵇ للناس في غلاتهم، وورد عليه الناس من سائر البلدان يطلبون الميرة والقوت لأنفسهم وأولادهم، فكان إخوة يوسف من جملة من ورد إلى مصر حيث بلغهم أن عزيز مصر يعطي الناس الطعام بثمنه، فأخذوا معهم بضاعة يعتاضون بها طعاماً، وركبوا عشرة نفر، وبقي يعقوب ﵇ ومعه ابنه بنيامين شقيق يوسف، ولما وصل إخوة يوسف أرض مصر، جاءوا إليه فرأوه في أبهته ورياسته، فعرفهم يوسف، ولم يعرفوه لتغير حاله بعد أن فارقوه صغيراً، ولم يخطر على بالهم أن يصل أخوهم يوسف إلى ما وصل إليه مما رأوه من العزة والسيادة.
стр. 2372
قدوم إخوة يوسف إلى مصر لأخذ الميرة
الحاصل أنهم قدموا على يوسف وهم لا يعرفونه، وذكروا أنهم قدموا إليه للميرة، وأنهم إخوة عددهم اثني عشر، هلك أصغرهم في البرية، وبقي شقيقه عند أبيهم يعقوب ليتسلى به، ثم أمر يوسف بتجهيزهم وتوفية الكيل لهم، وحمل أحمالهم، ثم قال: ائتوني بأخيكم هذا الذي ذكرتم أنه عند أبيكم، ائتوني به لأعلم صدقكم فيما ذكرتم، ثم رغبهم في الرجوع إليه، واصطحاب أخيهم معهم قائلاً: ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [يوسف:٥٩] ثم رهبهم قائلاً: فإن لم تأتوني بأخيكم هذا، ولم تقدموا به معكم في المرة الثانية، فليس لكم عندي ميرة ولا تقربون، ثم همس يوسف لفتيانه وغلمانه قائلاً: اجعلوا بضاعتهم التي قدموا بها ليمتاروا عوضاً عنها، اجعلوها في رحالهم وأمتعتهم لعلهم يرجعون.
فلما رجع الإخوة إلى أبيهم، قالوا: يا أبانا منع منا الكيل بعد هذه المرة إن لم ترسل معنا أخانا بنيامين ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف:٦٣] وسنرجع به إليك، فقال يعقوب ﵇: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:٦٤] وهل أنتم صانعون به إلا كما صنعتم بأخيه يوسف من قبل، تغيبونه عني وتحولون بيني وبينه: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤] بكبر سني وضعفي وحزني على يوسف.
ولما فتح إخوة يوسف متاعهم، وجدوا بضاعتهم ردت إليهم، فقالوا: يا أبانا ما نبغي؟ أي: وماذا نريد بعد هذا؟ هذه بضاعتنا ردت إلينا، وأتينا بالميرة إلى أهلنا، وزيد لنا في الكيل، وكل ذلك لنا إن أرسلت أخانا معنا، وسنحفظه ونزداد به حمل بعير، فقال يعقوب: لن أرسله معكم حتى تأتوني موثقاً من الله وتحلفون لتأتنني به إلا أن يحاط بكم وتغلبوا جميعاً، فلا تقدرون على تخليصه، فآتوه العهود والمواثيق، فأكدها يعقوب عليهم بقوله: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف:٦٦] فوافق بعد ذلك على تجهيز بنيامين معهم، ثم أوصاهم، وقال: ﴿يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف:٦٧] قال ابن عباس وغيره: [خشي عليهم العين؛ لما كانوا عليه من جمال الهيئة وحسن المنظر وبهاء الطلعة] ثم قال يعقوب: وما يغني هذا الاحتراز والاحتياط في رد قدر الله شيئاً.
стр. 2373
أسلوب أخذ يوسف لبنيامين
ولما دخل إخوة يوسف عليه ومعهم أخوهم بنيامين، أدخلهم دار كرامته ومنزل ضيافته، ثم خلا بأخيه وأخبره بشأنه، وما فعل إخوانه به، وقال له: لا تبتئس، ولا تأسف، أو تظهر جزعاً مما صنعوه بي، واكتمه عنهم، وتواطأ يوسف مع أخيه على حيلة يبقيه عنده معززاً مكرماً، فلما جهزهم وحمل أحمالهم، أمر بعض فتيانه أن يضع السقاية في متاع بنيامين، وهي إناء من فضة، وقيل: من ذهب يكيل للناس به.
فلما أوشكوا على الرحيل، أذن مؤذن ونادى مناد: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف:٧٠] فالتفت إخوة يوسف إلى المنادي، وقالوا: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ [يوسف:٧١] قالوا: نفقد صواع الملك، وهي السقاية التي جعلها يوسف في رحل بنيامين، ولمن جاء بهذه الصواع حمل بعير، وتكفل المنادي بذلك قائلاً: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٢] فقال إخوة يوسف: ما جئنا هنا سارقين، ولا مفسدين، فقال الفتيان: فما جزاء السارق إن كان فيكم من أخذ صواع الملك؟ فقال إخوة يوسف: جزاء من وجد في رحله فهو جزاؤه، وكان في شريعتهم أن السارق يدفع إلى المسروق منه، وهذا هو ما أراده يوسف ﵇، فبدءوا يفتشون أوعيتهم قبل وعاء بنيامين، كأنه لا يعرف من الذي سرق، إذ لو بدأ بتفتيش وعاء بنيامين قبلهم ووجدها فيه، لقال إخوة يوسف: هذا أمر قضي بليل، أو دبر بخفاء، فلما فتش الفتيان وعاء بنيامين وجدوا السقاية فيها، فأخذوا بنيامين منهم بحكم اعتقادهم وإلزامهم بما يعتقدونه، في أن من سرق يدفع إلى المسروق، فقال إخوة يوسف لما رأوا الصواع قد أخرج من متاع بنيامين: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:٧٧] يعنون يوسف ﵇ يوم أن أخذ صنماً لجده أبي أمه فكسره، فأسرَّ يوسف في نفسه قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:٧٧] ثم قال إخوة يوسف: يا أيها العزيز! إن له أباً شيخاً كبيراً يحبه حباً شديداً، خذ أحدنا مكانه، أو بدلاً منه إنا نراك من المحسنين المنصفين، فقال يوسف: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ [يوسف:٧٩].
فعند ذلك يئس إخوة يوسف من تخليص أخيهم بنيامين، ثم انفردوا عن الناس يتناجون فيما بينهم، فقال كبيرهم وهو الذي أشار عليهم بإلقائه في البئر بدلاً من قتله: ألم تعلموا أنكم أعطيتم أباكم العهود والمواثيق من الله لتردن يوسف إليه، وقد رأيتم كيف تعذر ذلك عليكم، ومن قبل ذلك تفريطكم في شقيقه يوسف، فلن أبرح هذه البلدة حتى يأذن لي أبي في الرجوع إليه راضياً عني، أو يحكم الله لي بأخذ أخي، ثم قال أخوهم الأكبر: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ [يوسف:٨١] وإن كنت لم تصدقنا، اسأل القرية التي كنا فيها، والعير التي أقبلنا فيها، وإنا لصادقون فيما أخبرناك به من سرقته.
стр. 2374
موقف يعقوب من أولاده في فقدهم لبنيامين
فلما جاءوا إلى أبيهم ﵇، قال لهم مثلما قال يوم أن جاءوا بدم كذب على قميص يوسف، قال لهم: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾ [يوسف:٨٣] إن الله عليم بحالي، حكيم في قضائه وقدره في أولادي، ثم تولى يعقوب وأعرض عنهم، وذكرته هذه الحادثة بفقده يوسف، فقال ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤] ساكت حزين كئيب لا يشكو أمره إلى مخلوق، وهذا ملاحظ مشهود إذ قد يقع للإنسان من المصائب والآلام ما يجعله كئيباً ساكتاً لا ينطق بشيء من شدة حزنه وآلامه.
فقال إخوة يوسف لأبيهم يعقوب: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف:٨٥] إن استمر بك هذا الحال، فقال يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦] يريد بذلك تحقيق رؤيا يوسف وظهورها.
ثم التفت يعقوب إلى أبنائه وقال: اذهبوا وتحسسوا من يوسف وأخيه، لا تيأسوا من روح الله، فذهبوا إلى مصر، ودخلوا على يوسف، وقالوا له: يا أيها العزيز! مسنا وأهلنا الضر والجدب والقحط، وجئنا ببضاعة مزجاة، ومعنا ثمن الطعام الذي نمتاره وهو قليل، فأوف لنا الكيل، وتصدق علينا برد أخينا إلينا، واقبض هذه البضاعة المزجاة منا، إن الله يجزي المتصدقين، ولما ذكروا له ما أصابهم من الجهد والضيق وقلة الطعام، وما أصاب والدهم من الحزن لفقد أولاده، رق قلب يوسف لهم، وقال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف:٨٩] فعرفوه عند ذلك، وقالوا: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠] فقال إخوته: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف:٩١] وإنا لمخطئون فيما فعلناه في حقك، فقال يوسف: لا تثريب ولا تأنيب ولا عتاب عليكم، ثم دعا لهم بقوله: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٢].
стр. 2375
مجيء يعقوب وأهله وبنيه إلى أرض مصر
ثم قال يوسف: اذهبوا بقميصي هذا، فألقوه على وجه والدي الذي عمي من كثرة البكاء يأت بصيراً، وائتوني بجميع بني يعقوب، ولما فصلت العير خارجة من أرض مصر، قال يعقوب وهو في بلاد كنعان، قال يعقوب لمن كان عنده من بنيه: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف:٩٤] لولا أن تقولوا: إنك كبرت وهرمت.
فقالوا له: (تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف:٩٥] في حب يوسف لا تنساه ولا تصبر عنه، فلما أن جاء البشير الذي يحمل قميص يوسف، وكان هو بعينه الذي جاء بالقميص الذي لطخ بالدم الكذب، فألقى القميص على أبيه، عاد يعقوب بصيراً يرى ما حوله، ثم قال: ألم أقل لكم إني أعلم من الله أنه سيرده إلي.
فعند ذلك قال إخوة يوسف لأبيهم: يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين، قال: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف:٩٨] أرجأ الدعوة لهم بالمغفرة إلى وقت السحر، ثم تجهز يعقوب ﵇ مع بنيه وأهله ورحل من بلاد كنعان إلى أرض مصر، ولما أخبر يوسف بقدومهم وقرب وصولهم، خرج لتلقيهم، وخرج الملك، وأمر أمراءه وأكابر الناس بالخروج مع يوسف لتلقي نبي الله يعقوب ﵇، فلما رآه أبوه وأمه وإخوته، خروا له سجداً، وكان السجود للكبير جائزاً في شريعتهم، لكن حرم في شريعة الإسلام.
ثم قال يوسف: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ [يوسف:١٠٠] لأنهم كانوا أهل ماشية وبادية ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف:١٠٠] إذا أراد أمراً قيض أسبابه ويسره وهو العليم بمصالح عباده، الحكيم في أفعاله وأقواله وقضائه وقدره، وبعد أن استقر يوسف بإخوانه ووالديه، سأل ربه مبتهلاً حسن الختام قائلاً: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2376
بعض الدروس المستفادة من قصة يوسف
الحمد لله الواحد بلا شريك، القوي العزيز بلا نصير، والعليم بلا ظهير، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.
معاشر المؤمنين: لا شك أن هذه السورة العظيمة والقصص الكريم الذي أوحاه الله إلى نبيه محمد ﷺ قد احتوى جملةً من الدروس والعظات والعبر والفوائد التي لا يحصيها إلا الله ، وإن تعرضنا لشيء منها فما أوتينا من العلم إلا قليلاً.
لقد اشتمل هذا الطرف الذي ذكرناه في آخر قصة يوسف على جملة من الدروس من أهمها: أنه لا بأس أن يخبر الإنسان عما في نفسه من الصفات الكاملة من العلم وغيره إذا كان في ذلك مصلحة، وسلم من الكذب، ولم يقصد به الرياء، لقول يوسف ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥].
- ومن الفوائد أيضاً: أن الولاية لا تذم إذا كان المتولي لها يقوم بما يقدر عليه من إقامة الشرع وإيصال الحقوق إلى أهلها، ولا بأس بطلب الولاية إذا علم الإنسان أنه أهل لها، وأعظم كفاءة من غيره.
- ومنها: أن جباية الأرزاق إذا أريد بها التوسعة على الناس من غير ضرر يلحق بهم فلا بأس بذلك، لأن يوسف أمرهم بجباية الأرزاق والأطعمة في السنين المخصبات للاستعداد به للسنين المجدبات، وقد حصل بذلك خير عظيم.
- ومنها: أن سوء الظن مع وجود القرائن الدالة عليه غير ممنوع ولا محرم، فإن يعقوب قال لأولاده: (هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٦٤] وقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً﴾ [يوسف:١٨].
- ومنها: أن استعمال الأسباب الدافعة للعين وغيرها من المكاره، أو الرافعة لها بعد نزولها غير ممنوع، وإن كان لا يقع شيء إلا بقضاء الله وقدره، والأسباب من القضاء والقدر، وذلك من قول يعقوب: ﴿يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: ٦٧].
- ومنها: أنه ينبغي لمن أراد أن يوهم غيره بأمر لا يحب بيانه أن يستعمل المعاريض القولية والفعلية المانعة له من الكذب، كما فعل يوسف حينما ألقى الصواع في رحل أخيه، ثم استخرجها منه ليوهم أنه سارق، وليس في ذلك تصريح بالسرقة، وإنما استعمل المعاريض، ومثل هذا قوله: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ [يوسف:٧٩] ولم يقل: سرق متاعنا.
ومنها: أنه لا يجوز للمسلم أن يشهد إلا بما علمه وتحققه برؤية، أو سماع لقولهم: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف:٨١].
ومنها: أن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، وذلك في قول يعقوب لما اشتد عليه ألم فراق يوسف، وتلاه فراق بنيامين، وابيضت عيناه من الحزن، فقال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦].
ومنها: أن قرب الفرج مع شدة الكرب، فإنه لما تراكمت الشدائد، وتنوعت المصائب على يعقوب، رجع إلى فارج الهم كاشف الغم مجيب دعوة المضطرين، وهذه عوائده الجميلة خصوصاً لأوليائه وأصفيائه ليكون لذلك الوقع الأكبر والمحل الأعظم، وليجعل من المعرفة بالله والمحبة له ما يعادل ويرجح بما جرى على العبد بلا نسبة.
ومنها: جواز إخبار العبد بما يجد، وما هو فيه من فقر أو مرض، أو غيرهما على غير وجه التسخط، لقول يعقوب: ((يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ)) [يوسف: ٨٤] وقول إخوة يوسف: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ [يوسف:٨٨].
ومنها: فضيلة التقوى والصبر، وأن كل خير في الدنيا والآخرة من آثار التقوى والصبر، وأن عاقبة المتقين أحسن العواقب لقوله تعالى: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠].
ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يلح دائماً على ربه في تثبيت إيمانه، وأن يحسن له الخاتمة لقول يوسف وهو نبي كريم: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١].
ومنها: ما ورد في هذه السورة من الأصل الدال على مشروعية الجعالة والكفالة في قول يوسف: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف:٧٢] فهذه هي الجعالة، وقوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٢] فهذا دليل على مشروعية الكفالة.
معاشر المؤمنين: كتاب الله جل وعلا مليء بالفوائد والآيات والعظات والعبر، ولكننا نخشى أن نكون قد وقع فينا قول الله على لسان النبي: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠].
إن كتاب الله جل وعلا لمليء بالآيات والعظات والعبر:
وإن كتاب الله أوثق شافع وأغنى غناءٍ واسعاً متفضلاً
إن كتاب الله جل وعلا فيه دواء القلوب، وفيه دواء الأمراض، وفيه الفوائد، وفيه كل شيء من القصص التي ذكرها الله لنبيه، ذكرها لكي يطيب نفسه، وذكرها لكي يهون عليه ما رآه من قومه حينما يذكر قصص الأقوام السالفين مع أنبيائهم، وما يلقى النبي من إخوانه، وما يلقى النبي من أقرب الأقربين إليه، يكون في ذلك شيء عظيم في تطييب نفس النبي ﷺ ، وتهوين ما يلقاه من قومه.
أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم لكتاب الله من التالين المتدبرين، وأن يجعلنا في فوائده ودروسه من المستفيدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أرد بولاة أمرنا فتنة، وأراد بعلمائنا مكيدة، وأراد بشباب المسلمين سوءاً، وأراد نساءهم باختلاط أو تبرج أو سفور، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميره، اللهم أدر عليه دائرة السوء.
اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم احفظ إمام المسلمين، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم وفق إمام المسلمين، اللهم ارزقه بطانة صالحة، وجنبه بطانة السوء، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه، اللهم قرب لهم من علمت فيه خيراً لهم، وأبعد عنهم من علمت فيه شراً لهم ولأمتهم.
اللهم توفنا على الإسلام شهداء، وأحينا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء، اللهم إنا نسألك توبة وإنابة قبل الموت، وراحة وشهادة للوحدانية عند الموت، ولذة ونعيماً في القبور بعد الموت.
اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا غائباً إلا رددته، ولا باغياً إلا قطعته برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعلنا من عبادك المحسنين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، اللهم اجعلنا على حوض نبينا واردين، ولكأسه من الشاربين، وعلى الصراط من العابرين، اللهم بيض وجوهنا يوم تسود وجوه الكفرة والمجرمين.
اللهم أدخلنا الجنة بسلام آمنين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، اللهم اغفر لموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، اللهم اغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم يا عظيم السماوات والأرض! اللهم يا جبار السماوات والأرض! اللهم إنا نسألك أن ترينا عجائب قدرتك في الشعوبيين الفرس، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أحصهم عدداً، وأهلكهم بدداً، ولا تبق فيهم أحداً، اللهم اجزهم شر ما تجزي به طاغياً في طغيانه، ومتكبراً في كبره، وفاسقاً في فسقه، ومجرماً في إجرامه، وطاغوتاً في طغيانه بقوتك وقدرتك يا قيوم السماء والأرض! فإنهم لا يؤمنون بكتابك، ويسبون صحابة نبيك، ويخونون ملائكتك المطهرين، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم عجل زوالهم، اللهم عجل زوالهم، اللهم عجل زوالهم، اللهم أشعل الفتنة بينهم، اللهم أهلك بعضهم ببعض، اللهم اهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج أمة محمد من بينهم سالمين، اللهم عجل زوالهم، ربنا إنك لا يعجزك شيء، ربنا يا من أمرك بين الكاف والنون، اللهم إنهم لا يرون لمسلم حرمة، ولا يرون لمسلم ذمة، ولا يرون لكتابك قدراً، اللهم عجل زوالهم، اللهم عجل زوالهم، اللهم عجل هلكتهم، اللهم أرنا هلكتهم على رءوس الخلائق بقدرتك يا جبار السماوات والأرض! ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعو
стр. 2377
ماذا أعددنا لاستقبال رمضان ؟
رمضان موسم عظيم للطاعات، وتكثير الحسنات وتكفير السيئات، وتزداد أهمية الوقت في رمضان بشكل كبير لتعدد الطاعات وزيادة الأجور، لكن هناك من الناس من يتذمر لقدومه، فحاله فيه حال الغافل اللاهي الأكثر بعداً عن طاعة الله.
وفي هذه الخطبة بيان لفضل شهر رمضان وأحوال الناس فيه، إضافة إلى ذكر بعض المحاذير التي يقع فيها كثير من الناس في رمضان.
стр. 2378
فضل شهر رمضان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
معاشر المؤمنين: يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣].
وقال ﷺ : (بني الإسلام على خمس) وذكر منها صيام هذا الشهر الكريم، فصومه ركن من أركان الدين.
أيها الأحبة: لم تبق إلا أيام قليلة، ويهل علينا بهلاله، ونسعد بإطلاله، فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن أُكرم ببلوغه والعمل فيه، والتمام له والقبول، فذلك شهر عظيم، تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيها أبواب النيران، وتسلسل الشياطين، ذلك شهر كله مدرسة عظيمة، منذ تربت فيه الأجيال بأمر الله بصيامه إلى يومنا الحاضر، بل وإلى أن تقوم الساعة.
ولكن الناس في هذا الزمان بين مد وجزر في استفادتهم من هذا الشهر العظيم، والأمر في استفادة الناس ليس إلى الشهر، فالشهر يبلغ بقدر الله ، ويحل بأمر الله ، ولكن الأمر إلى الناس، فمن زكى نفسه وجاهدها؛ فقد أفاد من هذا الشهر خيراً عظيماً، ومن دساها وأتبعها هواها، وتمنى على الله الأماني؛ فقد خسر خسراناً عظيماً، إذاً فالأمر فينا وليس في الشهر.
من كتب الله له أن يدرك هذا الشهر؛ فهو مدركه لا محالة، ولكن الذين يدركون الشهر تتباين نتائجهم في ختامه، فمنهم الرابح فيه، ومنهم الناجح، ومنهم الفائز فوزاً عظيماً، ومنهم الخاسر خسراناً مبيناً.
إنه شهر الصبر واليقين، وبذلك تُنال الإمامة في الدين، قال الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] ففيه عبادة الصوم، وهي عبادة جليلة، يقول الله فيها في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي) رواه البخاري ومسلم.
أيها الأحبة: إن إدراك هذا الشهر وصيامه سبب لتكفير الذنوب، قال ﷺ : (الصوم جنة يستجن بها العبد من النار) أخرجه الإمام أحمد.
فمن كان مذنباً أو مفرطاً أو مضيعاً، فأدرك هذا الشهر، فيا هنيئاً له إذ بلغ شهراً يكون له جُنَّة ووقاية من عذاب الله، ويكون سبباً في تكفير ذنوبه، ومباعدة وجهه عن النار سبعين خريفاً، قال ﷺ : (من صام يوماً في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) وهو حسنة من الحسنات، بل من أعظم الحسنات وأشرفها وأزكاها، والله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] أما الذين لا يتذكرون، أما الغافلون، أما اللاهون والجاهلون، أما الضائعون والسابحون في غفلاتهم ولهوهم، فليس لهم في ذلك حظ من الذكرى.
والله إنها لفرحة عظيمة، أن يهل علينا شهر يكون لنا جُنَّة من النار، وتكفر فيه ذنوبنا، وترفع فيه درجاتنا، وتفتح لنا فيه أبواب الجنة، وتغلق دوننا أبواب النيران، وتصفد وتسلسل الشياطين التي طالما تسلطت علينا وأغرتنا بالمعاصي وأغرت المعاصي بنا.
يقول ﷺ : (فتنة الرجل في أهله وماله وجاره يكفرها الصلاة والصيام والصدقة) رواه البخاري ومسلم.
ويقول ﷺ : (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم.
فمن ودع الشهر الماضي في العام الماضي، ثم استقبل هذا الشهر في هذا العام، وقد سلم من الكبائر، فهي بشارة له وهدية وتحية، نقول له: قد كفرت ذنوبك كلها، ومحيت سيئاتك وأنت تستقبل صفحة جديدة بيضاء نقية.
إن من صام هذا الشهر إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه، فالصالحون في هذه الأمة يحرصون على الخير، وكانوا أحرص الناس عليه، لذا تراهم قبل دخول الشهر يراجعون أنفسهم قبل أن يراجعوا خزائن الطعام، ويستعدون بأرواحهم قبل أن يستعدوا لأصناف المآكل والمشارب، ويزكون أفئدتهم قبل أن يقلبوا النظر فيما يأكلون ويشربون.
إن من أقبل عليه هذا الشهر فقدم عليه وهو في اشتياق ولهفة وحنين إليه، حنين إلى الصوم حنين إلى القيام حنين إلى التهجد حنين إلى الركوع والسجود والوقوف بين يدي الله رجاءً ورغبة، عسى أن يغفر الله لنا ولهم كل ما سلف من الذنوب، وعسى أن نكون في عداد العتقاء من النار، فأولئك تراهم يفرحون فرحاً عظيماً لا يقارن بفرحهم سواءً كان بزوجة حسناء، أو بولد يولد، أو بمال يوهب، أو بشيء من حطام الدنيا.
стр. 2379
حال كثير من الناس مع قدوم رمضان
إن كثيراً من الناس يقدم عليهم الشهر فيستسلمون للأمر الواقع، غير فرحين بقدومه، غير آبهين بإهلاله، غير سعداء بإطلاله، فأولئك نخشى عليهم أن يكونوا ممن قال الله فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩].
إن من لم يأبه بهذا الشهر ويفرح به، وحصل في نفسه ضد ذلك، وهو الألم من انقطاعه عن الملذات والمآكل والمشارب، وألمه في أنه سوف يترك كثيراً مما تعوده من أوهامه التي ينسجها بقدوم الشهر، فهذا على خطرٍ عظيم أن يحبط عمله، وأن يرد صيامه ولو صام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إن كثيراً من الناس اليوم مما تأسف له القلوب حزناً، وتزداد النفوس في أحوالهم ألماً وحسرة، أن ترى بعضهم إذا قدم رمضان كأنهم في ضيق وشدة، وكأن الشهر ضيف ثقيل، ينوء بكلكله عليهم، فيقطع عنهم لذاتهم، فتراهم تتحشرج أرواحهم في صدورهم لم كل هذا؟! لأن رمضان في نظرهم يحجب عنهم ما تعودوه من الذهاب والإياب، والسعي الدءوب، والكدح الذي لا يعرف الملل، في أمور قد فرغت وقسمها الله .
هذا في المباح فضلاً عما يقترفه بعضهم من الملذات الوهمية المحرمة، فترى الذين تعودوا الخمر والفساد، وتعودوا الخنا والزنا، وتعودوا المعاصي والآثام، يعدون الساعات والأيام، يعدون عداً تنازلياً متى ينقضي هذا الشهر، ويفرحون بانقضاء أيامه ولياليه، فهم على مرور أيام السنة ولياليها غارقون في الملذات والشهوات والمباحات والمحرمات، فإذا أتى رمضان في نظرهم، حرمهم من هذا ومن غيره، ورأوا أنه يقيدهم يقطعهم عما كانوا يشتهونه.
ثقل الكتاب عليهم لما رأوا تقييده بأوامر ونواهي
ورأوه أعظم قاطع للنفس عن لذاتها يا ذبحها المتناهي
عباد الله: لأجل ذا كان من واجبنا أن نتميز عن استقبال الغافلين للشهر، وأن نتميز عن استقبال اللاهين للشهر بأن نستقبله بكل فرح، وبكل شكر ودعاء، وبكل خضوع وسعادة أن بلَّغنا الله هذا الشهر، وكم من نفس تدفن في ليلة حلوله! وكم من نفس تبلغ أوله ولا تدرك آخره! وكم من نفس أعدت الطعام والمتاع لبلوغه ولأجل صيامه وقيامه! فكان الطعام لورثتها من بعدها، وأما هي فلم تدرك منها شيئاً.
стр. 2380
ضياع الأوقات في رمضان
عباد الله: إن بعض المسلمين هداهم الله إذا جاء رمضان بحثوا يقلبون وينظرون ويفكرون كيف يضيعون الأوقات في هذا الشهر العظيم، وإن قضية الزمن ليست من مصائب الغافلين وحدهم في هذا الشهر، بل هي قضية ومصيبة الأمة.
إن التفنن الذي تعيشه أمتنا في تضييع أوقاتها على الصعيد العام والخاص؛ أدى بأن يمضي العالم وأن يسبقنا إلى المستقبل، وصرنا أيتاماً للتاريخ، وصرنا أشباحاً وأوهاماً وأطلالاً للتاريخ، ذلك بتضييعنا الأوقات عامة، والأوقات في شهر رمضان خاصة.
فإن لم يتحول إلى فن في استغلال الأوقات واغتنامها، وإعمارها على الوجه الصحيح، فسنبقى أمة في دبر الزمان وفي ذيل القافلة.
أيها الأحبة في الله: كم نغبن غبناً عظيماً في ضياع الأيام والليالي والشهور والأعوام دون أن نستفيد منها، فما بالك بأشد الغبن حينما تمر مواسم التجارة وفرص الربح العظيم، ثم تولي ولم نأبه ولم نستفد منها، وصدق ﷺ حين قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ).
فكم غبنا في أشهر ماضية، وكم غبنا في ليالٍ عديدة وأيام مديدة، ضاعت فيها فرص لنا فيها قدرة أن نبلغ أعلى الدرجات، وأن نسابق الأمم إلى مدارج الرقي والكمال، ولكننا ضيعنا تلك الغنائم التي أمرنا النبي ﷺ بالعناية بها إذ قال: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) رواه الحاكم وصححه.
نعم أيها الأحبة: كم ضاع من أيامنا في طوال أيام السنة ولياليها؟ وكم ضاعت منا الفرص في عشر ذي الحجة، وفي شهر رمضان، وفي الهجيع الأخير من الليل، وفي ساعات الإجابة يوم الجمع، وفي مناسبات عديدة نستطيع أن ندرك بها أجوراً وثواب أيام وليالٍ عديدة؟ ولكن لغفلتنا واشتغالنا وضياع أوقاتنا بما يضرنا فرطنا وضيعنا وأصبحنا من المغبونين: الحذر الحذر -أيها الأحبة- من أن تلهينا الدنيا عن العمل للآخرة في زمن شريف كهذا الشهر العظيم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:٩ - ١١].
ففي الآية تحريض ودعوة وترغيب إلى المسارعة في اغتنام هذه الأوقات وعدم ضياعها، أو الاشتغال بأمور قد قسمها الله ونحن أجنة في بطون أمهاتنا.
الحذر من أن تلهينا الدنيا، ثم نقبل ظالمين أنفسنا، ثم نصبح في غمرات الموت، أو نمسي نادمين على ما فرطنا من الليالي والأيام، إذ العاقل -أيها الأحبة- يتدارك أيامه وشريف الزمان قبل أن يقول: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧] قبل أن يقول: ﴿رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون:١٠] قبل أن يقال له: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧].
أين ضاعت الأعمار؟ وأين مضت الشهور؟ وأين ولت الدهور؟ وفيم قضيت الليالي والأيام؟
يا نفس كُفِّي فطول العمر في قصر وما أرى فيك للتوبيخ من أثر
يا نفس قضيت عمري في الذنوب وقد دنا الممات ولم أقض من الوطر
يا نفس غرك من دنياك زخرفها ولم تكوني بهول الموت تعتبري
يا نفس بالغت بالعصيان غاوية ولم تبالي بتحذير ومزدجر
стр. 2381
حال السمع والبصر واللسان في رمضان
العاقل -أيها الأحبة- يعصم سمعه ولسانه وبصره: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦].
فكم من رجل يدرك هذا الشهر، فيصوم بفمه عن الطعام والشراب، ولا يصوم لسانه عن القيل والقال، ولا يصوم عن الغيبة والنميمة، يتسحر ويفطر ليهدي أجر صومه إن ثبت له أجر الصوم، ليهديه إلى الذين يغتابهم، وإلى الذين يتكلم في أعراضهم، وكثير من الناس بهذا يقعون وفي هذا يشتغلون.
فالعاقل يعصم لسانه وبصره، فما أكثر الذين يصومون عن المأكل والمشرب والمنكح، ولكن آذانهم لا تصوم عن سماع اللهو، ولكن أعينهم لا تصوم عن النظر إلى الحرام! وتراهم حتى في شهر الصيام يشترون لهو الحديث، ويضلون أنفسهم، ويضلون من دونهم بغير علم: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥].
إن كثيراً من الناس ربما تراه في نهار رمضان صائماً، ثم ينظر إلى قناة من القنوات، تلك التي يستقبلها جهاز الدش أو المستقبل، ثم يرى شيئاً يُستهزئ فيه بكلام الله، ويُستهزئ فيه بسنة رسول الله، ويسمع فيه ما يناقض العقيدة والشريعة، فتراه لا يزيد أن يقلِّب يداً على الأخرى، أو يضع رجلاً على رجل وقد نسي قول الله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء:١٤٠].
فما أكثر المسلمين اليوم الذين يرون عبر هذه القنوات أموراً فيها استهزاءً بآيات الله أو بشريعة الله أو بسنة رسول الله، ولكنهم لا يقومون ولا يتحركون ولا يتجافون أو يبرحون هذا المكان! وإنما تراهم على منكرهم يقعدون ويمكثون، فأولئك والله على خطر عظيم، أن ينالهم نفس الوزر الذي يناله الفاعلون؛ لأن من رضي وسكت وأقر فيما يسمع ويرى من غير أن يقوم وينكر بقلبه على الأقل؛ فربما كان وشيكاً أو حقيقاً بأن يدخل في هذا الوزر العظيم.
أما كثير من المسلمين الذين لا يتورعون عن سماع اللهو والغناء، سواءً في رمضان خاصة وفي غيره عامة، فنقول لهم: يا عباد الله! أبهذا يستقبل الشهر؟ أبهذا يتقضى العمر؟ أبهذا يقضي المسلم سحابة يومه؟ يسمع الأغاني الماجنة والأغنيات الخليعة والدندنة والطنطنة التي تشغل عن ذكر الله والتي تصد عن استماع كلام الله؟ ورحم الله القائل: فلعمر الله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا! وكم من حر أصبح بالغناء عبداً للصبيان والصبايا! وكم من غيور تبدل به اسماً قبيحاً بين البرايا! وكم من ذي غنىً وثروة أصبح بسبب اللهو على الأرض بعد المطارب والحشايا! وكم من معافى تعرض لهذا اللهو فأمسى وقد حلت به أنواع البلايا! وكم أهدي للمشغوف من أشجان وأحزان فلم يجد بداً من قبول تلك الهدايا! وكم جرع من غصة! وأزال من نعمة! وجلب من نقمة! وذلك منه إحدى العطايا! وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة وغموم متوقعة وهموم مستقبلة! نعم يا عباد الله! إن اللهو وسماعه، والحرام والنظر إليه، والمعصية والاشتغال بها، تورث ذلك كله، فالعاقل يصون صومه، ويصون جوارحه في صيامه: (فمن لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).
стр. 2382
كيف نستقبل شهر رمضان
عباد الله: الواجب علينا أن نستقبل الشهر بترك الذنوب الواجب علينا أن نستقبل الشهر بالتوبة إلى الله ؛ إذ إن كثيراً من الجهال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، ولكنهم لم يفهموا هذا الأمر فهماً جيداً، فضيعوا أمر الله احتجاجاً برحمته، ووقعوا في الكبائر والفواحش احتجاجاً بلطفه، ونسوا أن الله شديد العقاب، كما أنه غفور رحيم، وأنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين، ومن اعتمد على عفو الله مع إصراره على معصية الله فهو كالمعاند.
قال بعض السلف: رجاءك لرحمة من لا تطيعه من الخذلان والحمق.
وقال بعض الناس للحسن: نراك طويل البكاء، قال: [أخاف أن يطرحني في النار ولا يبالي].
فهذا الحسن البصري من العلماء العباد والزهاد والمحدثين، هذا عظيم خوفه وجليل إشفاقه من الله ، مع أنه لم يقترف من الذنوب ما اقترفه السفهاء، ولم يقع في المعاصي كما وقع فيه الأغبياء والجهلاء، بل سيد الخلق ﷺ بُشر بالجنة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكان إذا رأى في السماء لوناً أو تغيراً؛ تغيَّر وجهه واصفر لونه ﷺ ، ويقول: (اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً).
وإذا كسفت الشمس أو خسف القمر؛ ظهر ﷺ من حجرته يجر رداءه خوفاً ووجلاً وإخباتاً وخشوعاً وخشيةً من الله أن يحل بالخلق ما يحل بهم، فما بالنا نحن معاشر الذين جمعنا مع الذنوب أملاً عظيماً ومع التفريط رجاءً واسعاً؟ فنعوذ بالله أن نكون من الذين يقع فيهم أو يحل فيهم أمر الله وقوله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧].
سأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد! كيف نصنع بمجالسة أقوام يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تنقطع؟ فقال: [والله لأن تصحب أقواماً يخوفونك حتى تدرك أمناً، خير لك من أن تصحب أقواماً يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف].
وقال ﷺ : (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه -أي: يعطي العبد ما يحب- فإنما هو استدراج، ثم تلا قول الله : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام:٤٤]).
فالعاقل -يا عباد الله- يحاسب نفسه وينتبه ويعد للأمر عدته، ويحذر أن تكون هذه المعاصي قد جعلت على قلبه طبقة من الران، فأصبح كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2383
محاذير تقع في رمضان
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
стр. 2384
الترف والإسراف
أيها الأحبة في الله: إن كثيراً من المسلمين هداهم الله، يقعون في محاذير ينبغي السلامة منها في هذا الشهر العظيم خاصة، فمن أهمها: الترف الذي يحصل والإسراف الذي يقع في المآكل والمشارب على موائد الإفطار والعشاء، فإن هذا شهر عبادة وليس شهر مهرجان للطعام والشراب، وليس شهر منافسات أو مسابقات لاختيار الأذواق والأطعمة، إنما هو شهر عبادة (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه) وكثير من المسلمين يتفننون في هذه الأطعمة، إننا لا نحرم أن يطهي الإنسان ما يحب ويشتهي، ولكن نقول: الحذر الحذر من أن يبلغ الأمر إلى حد الإسراف والتبذير.
فكم من مسلم مر بزبالة فرأى فيها ألوان الطعام والشراب قد اختلطت بالنجاسات وغيرها، أفهذا من شكر نعم الله؟ أفهذا من حمد الله أن بلغنا الشهر، ونحن أعزة، وغيرنا في مذلة! ونحن في أمن وغيرنا في مخافة! ونحن في نعيم وغيرنا في مجاعة! ونحن في اجتماع وشمل وغيرنا في تفرق وتمزق! ونحن في منعة وغيرنا تتخطفهم السهام من كل جانب! ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:٥٧].
فيا عباد الله: الواجب علينا القصد في المعيشة كلها، لأن المقصود من الأكل عند الإنسان أن يكون الطعام والشراب بلغة إلى الآخرة ومعيناً على عبادة الله.
نعم إن الحيوان والبهيمة نهمته ورغبته إشباع غريزة الأكل التي خلقت فيه، ليسمن ثم ينحر ليأكله أهله وأصحابه.
أما الإنسان فما يأكل ليسمن كما تسمن البهائم، وإنما يأكل ويشرب من أجل أن يكون الطعام بلغة إلى طاعة الله .
فينبغي أن نفهم المقاصد في كل ما شرع لنا، وفي كل ما أوتيناه من نعم الله ، والحذر الحذر من أن يكون همنا الرغبة في الدنيا بكل ما فيها.
إن طائفة من البشر لا هم لهم إلا الملذات ولا غير الشهوات ولا غير رغبات النفوس ولا غير شهوات النفوس ولا غير المهم اللذة في المأكل والمشرب والفراش والغدو والرواح المهم اللذة سواءً وافقت طاعة أو معصية وذلك من الإعراض عن رحمة الله ورجاء ما عند الله، والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس:٧ - ٨].
فنحن أيها الأحبة: نأكل ونرجو رحمة الله، ونشرب ونرجو رحمة الله، ونغدو ونروح نرجو رحمة الله، وننام ونستيقظ نرجو رحمة الله، ينبغي ألا يفارقنا رجاء لقاء الله، ورجاء رحمة الله .
стр. 2385
التهاون في أمر السحور
إن من المحاذير التي ينبغي السلامة والحذر من الوقوع فيها من كل مسلم هو أن نعتني بأمر السحور؛ فإنه سنة ثبتت عن النبي ﷺ حيث قال: (تسحروا؛ فإن في السحور بركة).
إن في السحور بركة، هدية عظيمة وبركة عميمة، يقولها النبي ﷺ ، ينطق بها عن وحي يوحى، وما هو من الهوى.
وكثير من المسلمين اليوم جعلوا طعام منتصف الليل هو مائدة طويلة عريضة، ويجعلونها هي خاتمة المطاف ثم ينام الكثير نومة يدع فيها لقمة السحور، ولو أن المسلم تفطن لذلك؛ لوجد أن في اليقظة للسحور سر ومعنى وبركة، فيما أخبر به النبي ﷺ وليكون من الذين قال الله فيهم: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨].
أن تنال الشرف بمتابعة النبي ﷺ ، وتنفيذ نص أمره ﷺ ، مع ما ينالك من التسبيح والاستغفار في لحظات السحر لتكون من الذاكرين الله كثيراً، إن هذا أمر عظيم ينبغي أن ننتبه إليه.
следующие страницы →