← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

الحزن للآخرة والاهتمام بها أيها الأحبة: إن من دلائل الاهتمام والاشتغال بالآخرة التي يجزي ربنا جل وعلا عليها، ويجزي بها إقبالاً من الدنيا على صاحبها، واجتماعاً لأمره ولو كان متشتتاً، أن يحزن للآخرة ويتذكر الآخرة ويهتم بها، أن يتذكر الآخرة، أن يهتم بالآخرة، أن يكون عمله دءوباً للآخرة، فإذا رأى في الطريق شوكة أو أذى أو قذى أماطه، وقال: لعل بهذه الحسنة ترجح موازين الحسنات على السيئات، وما يدريك بعد رحمة الله أن تكون تلك الحسنة فيصل في حال العبد إما إلى جنة وإما إلى نار. أن إذا أقبل إلى قوم بش وهش وابتسم إليهم يريد بذلك صدقة تزحزحه عن النار، إذا رأى محتاجاً أغاثه يريد بذلك حسنة ينجو بها من النار، إذا دعي إلى بذل بذله يريد أن ينجو بعد رحمة الله من النار، أن يهتم للآخرة، لا توفر حسنة ولا تدخرها، ولا تتهاون بمعصية ولا تقم عليها: خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى أن تحزن للآخرة أو أن تهتم للآخرة، فإذا أظلم عليك ليل تذكرت ظلمة الآخرة، وإذا أسفر صبح تذكرت أنوار الجنة، وإذا لبست خزاً، إذا لبست ناعماً تذكرت ثياب أهل الجنة، وإذا رأيت خشناً تذكرت سرابيل أهل النار، أن تحزن للآخرة وأن تهتم بها وأن تحاسب نفسك أولاً بأول؛ يقول : ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:١ - ٢] ومر معنا كلام الحسن أنها نفس المؤمن، تلومه إن قصر في حسنة عاتبها على التقصير، وإن فرط في معصية حاسبها على التفريط.

стр. 3047

الأسباب الحائلة بيننا وبين الاهتمام بالآخرة أيها الأحبة: إن من واجبنا أن نتعود محاسبة النفس، والحزن من أجل الآخرة، فإن القلوب إذا خلت من الاشتغال والاهتمام والحزن لأمر الآخرة باتت يباباً خراباً يسكنها البوم، وتنعق فيها الغربان، ومن ثم تأوي إليها الهوام من ألوان الشهوات والشبهات، أما إذا ساكن القلب الحزن للآخرة فإن ذاك النوع من الحزن يطرد ألوان الهوام المختلفة بشبهاتها وشهواتها، إننا مرضى ولسنا بصحاح، لكن الواحد منا يبصر أسقام بدنه ولا يدرك أمراض قلبه، فيا ترى ما الذي يحول بيننا وبين تذكر الآخرة والاهتمام بها؟

стр. 3048

الاشتغال بالدنيا عن الآخرة نعم. يحول بيننا وبينها أمور كلنا وقع فيها إلا من رحم الله، وقليل ما هم، فأول هذه الأمور: طلب الدنيا والاشتغال بها، والتكالب عليها حتى أشغلتنا عن الآخرة، أليس الله جل وعلا يحذرنا من حطام الدنيا ومتاعها الزائل يوم أن يكون صارفاً عن طاعته: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]. طلبوا الدنيا لذات الدنيا، طلبوا المال لجمع المال، طلبوا المنصب لأجل المنصب، طلبوا الرياسة لذات الرياسة، طلبوا المتاع لأجل المتاع أمر مذموم، أما من طلب الريال ليفرج به كربة ويفك به أسيراً، ويكفل به غازياً، ويجهز به داعية، ويحفظ به يتيماً، فحينئذ يا حبذا ذاك الشغل ما لم يخرج به عن الاهتمام بما أوجب الله عليه، ما أحد ولا أحد ينكر الثراء في المال، كان عثمان بن عفان من أثرى الأثرياء، وكان الزبير من الأثرياء، وكان عبد الرحمن بن عوف من الأثرياء. مرت قافلة داخلة المدينة، فسمع أهل المدينة للأرض وجفة ورجفاً وهزاً؛ حتى تساءل الناس ما الذي حل بالأرض؟ فقالوا: قافلة لـ عثمان بن عفان قدمت من الشام بألوان التجارات والملابس والقماش، فجاء التجار يهرعون إلى عثمان بن عفان، قالوا شرينا شرينا يا عثمان، فقال: إني بعت، فقالوا: شرينا، فقال: كم تعطونني؟ قالوا: نعطيك في الدرهم اثنين، قال: قد أعطيت أكثر، قالوا: نعطيك في الدرهم ثلاثة، قال: قد أعطيت أكثر، فما زالوا به حتى أعطوه في الدرهم سبعة، فقال: لقد أعطيت فيه عشرة، فقالوا: ما صدقت يا عثمان! من الذي يعطيك عشرة ونحن تجار المدينة ولا ينافسنا أحد؟ فقال: إن ربي قد أعطاني في الدرهم عشرة، إن الحسنة بعشر أمثالها. كانوا تجاراً تجارتهم ترجف بالأرض، كانوا أثرياء ثراؤهم لو قسم على أهل المدينة لربما وسعهم، ومع ذلك ما كانت ثروتهم تشغلهم عن قيام الليل وعن التهجد، ولما تلا عبد الله بن مسعود ﵁ قول الله : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] قال: [ذاك عثمان بن عفان] الذي يتهجد بالقرآن يرجو رحمة ربه، ويحذر الآخرة، ما منعه الثراء من الجهاد والغزو والبذل والإنفاق في سبيل الله، أما الاشتغال بالدنيا على سبيل الكذب في تحصيلها، والخداع في نوالها، والغش في جمعها، فذاك أمر من أعجب العجب، واعلموا أن الدنيا من عند الله والآخرة من عند الله، فلا ينال ما عند الله إلا برضا الله، ومن استعجل شيئاً حراماً فربما كتب له من الحلال. قال رجل لأحد العلماء: أرأيت فلاناً سرق مالاً؟ قال: استعجله حراماً، ولو تعفف لبلغه رزقه حلالاً، استعجله حراماً، ولو تعفف وصبر لبلغه الرزق بإذن الله حلالاً.

стр. 3049

عدم تدبر آيات القرآن الكريم الأمر الآخر الذي يحول بيننا وبين الاهتمام والاشتغال بالآخرة: أننا نقرأ آيات الوعد وآيات الوعيد خاصة فلا نتدبر ولا نتذكر، وعجباً لأحوالنا، بل إن من الناس من ربما رأيته ينتقد قائماً متكلماً بعد الفريضة أو في مناسبة أو في اجتماع وليمة أو عرس أو عقيرة أو وكيرة، ينتقد فلاناً يوم أن يتكلم عن الجنة والنار وما حاجتنا بهذه الدنيا لولا رضا الله ثم طلب الجنة والنار؟ ألم يقل النبي ﷺ للأعرابي الذي سأله كيف تدعو؟ فقال: لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، ولكني أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، فقال ﷺ : (أنا ومعاذ حولها ندندن)؟ بل الله جل وعلا يصف خيرة خلقه وهم أنبياؤه ورسله بقوله عز من قائل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] رغباً في الجنة، ورهباً من النار، إننا قل أن نتذكر الآخرة، ولو مرت بنا أحوال الآخرة، وأهوال القيامة لقل أن نتدبرها أو نتخيل أحوالنا فيها، انظر إلى الذين يتخيلونها تماما، تقول عائشة ﵂: (يا رسول الله! يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً بهماً الرجال والنساء، وا سوأة النساء! وا فضيحة النساء! فقال ﷺ : الأمر أعظم من ذلك يا عائشة!) الأمر أعظم من أن يسترق رجل نظرة إلى عورة امرأة، أو أن تخطف امرأة نظرة إلى سوأة رجل، ولكن الأمر أعظم من ذلك. وإني لا أزال متذكراً مكرراً يوم أن حصل لبعض الحجاج ازدحاماً في نفق المعيصم خرج بعضهم عرياناً، خرج بعض الحجاج عارياً لا إزار عليه ولا رداء، يمشي يريد أن يتنفس ذرة من الهواء بعد تخلصه من الزحام والناس يحلقونه من حوله ويرمون عليه إزاراً يستر سوأته، هذا نفق صغير ضيق في زحام من زحامات الدنيا خرج المزحوم فيه ذاهلاً عن سوأته لم ينتبه لها ولم يغطها، فما بالك بأهوال القيامة ترى رجلاً سوف ينظر إلى عورة امرأة أو امرأة تنظر إلى عورة رجل. مر الحسن البصري برجل يضحك ويقهقه ويستغرق في الضحك لاهياً غافلاً، فقال الحسن: [يا بن أخي! هل جزت الصراط؟ قال: لا. قال: هل علمت إلى الجنة تصير أم إلى النار؟ قال: لا. قال: ففيم الضحك؟] نعم. إننا لا ننكر صفة خلقها الله فينا، ولا نريد بهذا أن نكون مقطبين لا نبتسم ولا نضحك أبداً فقد ضحك ﷺ ، وربنا خلق فينا صفة فكيف ينكرها قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم:٤٣] الله أضحكنا، الله الذي خلق فينا هذه الصفة بهذه الكيفية والهيئة، ولكن أن يكون الضحك باستغراق وغفلة حال كثير من الناس لا يروي لك إلا ما يضحك، ولا يسمع إلا ما يضحك، ولا يقرأ إلا ما يضحك، ولا يشاهد إلا ما يضحك، فويل ثم ويل لمضحك القوم! قال الحسن البصري: [فضح الموت الدنيا فما أبقى لحي لذة، وما ترك لذي لب فرحاً] حسبنا في هذه الدنيا أننا لا نتلذذ بها إلا حال غفلة، ولو أن الواحد تذكر أحوال الآخرة والفراق لما استطاع أن يتلذذ بطعام ولا شراب، ولا فراش ولا قليل ولا كثير.

стр. 3050

الاغترار بالصحة والعافية أيها الأحبة: ومما يحول بيننا وبين الاشتغال والاهتمام بأمر الآخرة أننا نغتر بالصحة، أن الواحد ربما حمل أثقالاً على رأسه، وحمل على يديه أوزاناً ثقيلة، وتنافس مع القوم في مصارعة ومطارحة مغتراً بعافية بدنه، وما علم أن العافية عارية ربما أخذت ولا يزال الروح باق في البدن، كم من أناس كانوا يهزون الأرض حينما يعدون، وكانوا يسابقون الخيل حينما يستبقون، وكانوا يأكلون ويشربون وينكحون، أتاهم من أقدار الله ما جعلهم معوقين لا يتحركون، فالعاقل لا يغتر بصحته: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧]. إن الله جل وعلا قادر أن يسلب هذه الصحة ويبقي البدن؛ ليتدبر الإنسان بنفسه من نفسه، وبقلبه من حاله، وبفكره من مآله، حتى ينظر في أي شيء يغتر الواحد: فكم من صحيح مات من غير علة وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر أيها الأحبة في الله! العاقل لا يغتر بما عنده ولا بما أوتي ولا بما بين يديه: إذا الرجال ولدت أولادها وبليت من كبر أجسادها وجعلت أسقامها تعتادها تيك زروع قد دنا حصادها إذا الرجل أنجب أولاده، وأصبح جداً بعد أن كان أباً، ثم بات جسده بالياً أو أوشك أن يبلى، وأصبحت الأسقام تعاوده، فليعلم أنه زرع قد دنا حصاده، ولأجل ذلك قال أحد السلف: يا أهل الستين! قد أعذر الله إلى امرئ بلغه الستين من عمره، ويا أهل السبعين! زرع قد دنا حصاده: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وقليل من يجاوز ذلك) ويا أهل الأربعين! علام الانتظار والأجل قد دنا: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾ [الأحقاف:١٥]؟ العاقل يدرك -أيها الأحبة- أن ما مضى من أيام الغفلة لا يلتفت إليه، وما بقي من أيام العمر لا يعلم ما الله صانع به. ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 3051

السلف واهتمامهم بالآخرة الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضو بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ . وخير الأمور السالفات على الهدى وشر الأمور المحدثات البدائع واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وأن كل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وأن نبينا ﷺ قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).

стр. 3052

عمر وخشوعه عند قراءة القرآن أيها الأحبة في الله: لو نظرنا إلى سير الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين كيف كان اهتمامهم واشتغالهم بأمر الآخرة لوجدنا عجباً عجاباً، قام عمر بن الخطاب ﵁ يصلي بالناس صلاة الفجر، فقرأ قول الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:٨ - ١٠] فسقط ﵁، وظل الناس يعودونه في بيته أسبوعاً.

стр. 3053

ابن مسعود وتذكره نار الآخرة وكان ابن مسعود ﵁ يربط ما يرى في الدنيا بأحوال الآخرة، مر ذات يوم على أقوام ينفخون في الكير، فأخذ ينظر إلى النار والحديد فبصر بحديدة قد أحميت؛ فجعل ينظر إليها وهو يبكي، وهذا مما يؤيد قول علي بن أبي طالب ﵁: [إن أصحاب محمد في جباههم أمثال ركب المعزة من السجود، ويراوحون بين أقدامهم من طول قيام الليل، فإذا ذكرت النار ماجوا واضطربوا كأنما خلقوا لها ولم تخلق لغيرهم] مع أن فيهم من بشره الله بالجنة، ومن بشره النبي ﷺ بالجنة. ونحن أدرى بعيوبنا وذنوبنا، وزلاتنا وأخطائنا وسيئاتنا، ونعلم أن السيئة سيئة لا محالة، ونعلم أن الحسنة لا ندري هل أخلصناها لله، وهل عملناها على مقتضى سنة رسول الله، وهل قبلت منا أم لا، فترى الواحد يفاخر ويكابر وإذ قيل له: جزاك الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، انتفخ صدره ورأسه، وكأنما زوال الملة بزواله وبقاء الدين ببقائه، وما علم أن الله غني عنه وعن ملايين من أمثاله.

стр. 3054

الحسن البصري يترك الطعام صائماً لأجل آية أيها الأحبة: وهذا الحسن البصري من التابعين، وهو من تلاميذ الصحابة، حياته كلها تعلق بالآخرة، ويروي صالح بن حسان قال: أمسى الحسن البصري صائماً، فجئناه بالطعام عند فطره، فلما قرب إليه الطعام تلا رجل عنده هذه الآية: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً﴾ [المزمل:١٢ - ١٣] قال: فقلصت يده عن الطعام فقال: ارفعوه، قال: فأصبح صائماً إذ في ليتله تلك كان يتفكر في أمر الآية، فلما أراد أن يفطر في اليوم الآخر تذكر الآية فأعرض عن الطعام، فلما كان اليوم الثالث انطلق ولده إلى ثابت البناني ويحيى البكاء وأناس من أصحاب الحسن فقال: أدركوا أبي فإنه لم يذق طعاماً منذ ثلاثة أيام، كلما قربنا إليه إفطاره تذكر قول الله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً﴾ [المزمل:١٢ - ١٣] قال: فأتوه فلم يزالوا به حتى أسقوه شربة من سويق، كل ذلك فزعاً وجزعاً من أمر الآخرة، لقد أشغلهم الأمر وأهمهم حتى باتوا لا يلتفتون إلى الطعام والشراب.

стр. 3055

سفيان الثوري وتذكره للموت وهذا سفيان الثوري يقول الإمام الذهبي عنه: سفيان الثوري، شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمنه، كان سفيان ﵁ لشدة تعلقه بالآخرة، واستيلاء هَم الآخرة على فكره كأنه جاء من الآخرة، يحدث الناس عن الآخرة كأنما رآها رأي العين، ويقول أبو نعيم: كان سفيان إذا ذكر الموت لم ينتفع بالطعام والشراب أياماً، ويقول ابن مهدي: كنا نكون عند سفيان فكأنما وقف للحساب بين يدي الله جل وعلا، ويروي أحد أتباعه يوسف بن أسباط عن مدى تعلق سفيان بالآخرة قال: قال لي سفيان وقد صلينا العشاء الآخرة: ناولني المطهرة، أي: إداوة أو إناء فيه ماء يتوضأ منه، قال: فناولته المطهرة فأخذها بيمينه ووضع يساره على خده، قال: فنمت، فاستيقظت وقد طلع الفجر، فنظرت إلى سفيان والمطهرة بيمينه ويده اليسرى على خده فقلت: يا أبا عبد الله! هذا الفجر قد طلع فقال: لم أزل منذ ناولتني هذه المطهرة أتفكر في أمر الآخرة حتى الساعة. وهذا عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما عاشرت في الناس رجلاً أرق من سفيان، وكنت أرمقه الليلة بعد الليلة، فما كان ينام إلا أول الليل ثم ينتفض فزعاً مرعوباً ينادي النار النار! شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات، ثم يتوضأ ويقول على إثر وضوئه: اللهم إنك عالم لحاجتي غير معلم، وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار، إلهي! إن الجزع قد أرقني وذلك من نعمك السابغة علي، إلهي! لو كان لي عذر في الخلوة ما أقمت مع الناس طرفة عين، ثم يقبل على صلاته وكان البكاء يمنعه من القراءة حتى يقول عبد الرحمن بن مهدي: إن كنت لا أستطيع سماع قراءته من كثرة بكائه، وما كنت أقدر أنظر إليه استحياءً وهيبة منه، وإنما أرمقه ببصري رمقاً. وهذا الحسن البصري يتقلب ويخشى عند فراق روحه البدن، لما بكى بكاءً شديداً قالوا له: أو لست الإمام العالم الزاهد المحدث؟ فقال: أخشى أن يطرحني في النار ولا يبالي، ويرددون عليه فيقول: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]. أما نحن -أيها الأحبة- فإننا قد يبدو لنا ما نحسبه ونحتسبه، وقد يبدو لنا ما نعرفه عن أنفسنا وزلاتنا وهفواتنا وأخطائنا. كم ليلة أودعتها مآثماً أبدعتها في غفلة أطعتها لشهوة ومطمع نحن أدرى بعيوبنا وذنوبنا وما أقل ما نذكر الآخرة، وإذا مرت الآخرة علينا مرت مرور الكرام. فيا أيها الأحباب: تذكروا واستعدوا وأعدوا وكما قال عمر بن الخطاب: [حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا] وتأهبوا للعرض الأكبر على الله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]. أيها الأحبة: ما عذرنا أمام ربنا؟ أولم يجعل لنا بصراً فلماذا نظرنا إلى الحرام؟ أولم يجعل لنا سمعاً؛ فلماذا سمعنا الحرام؟ أولم يجعل لنا أقداماً؛ فلماذا مشينا إلى الحرام؟ أو لم يجعل لنا قلوباً وألباباً وأفئدة؛ فلماذا نفكر بالحرام؟ هل من توبة؟ هل من عودة؟ هل من رجعة؟ هل من مبادرة إلى التوبة قبل أن يحل بنا الأجل؟ قبل أن تخطفنا سهام المنون؟ صادفن منها غرة فأصبنها إن المنايا لا تطيش سهامها

стр. 3056

دعوة إلى استغلال الإجازة الصيفية أيها الأحبة: وقبل ختام هذه الخطبة أوصيكم ونفسي بتقوى الله في الإجازة التي نحن قادمون عليها، إن كثيراً من الناس قد أعدوا وتجهزوا لقضاء وقت الإجازة، فإن كان في مباح فلينووا بذلك المباح أن يكون عوداً ونشاطاً وقوة من جديد لطاعة الله ، وإن كانوا قد أعدوا إلى سفر لا يرضي الله، فليتقوا الله ولينزجروا ولينتهوا؛ فإن الله جل وعلا سيحاسبهم على وقتهم وعمرهم وشبابهم: (ولن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع). أيها الأحبة في الله: أوصيكم ونفسي باستغلال واغتنام هذه الإجازة فيما ينفع، والحذر والحذر أن تكون بوابة إلى معصية الله والوقوع في الغفلة، كما أوصي الذين يتنزهون في البرية والخلاء أن ينتبهوا لنسائهم، وأن يحفظوا عوراتهم، وأن يستروا بناتهم وزوجاتهم؛ فإن مما يلاحظ على كثير من الناس أنهم إذا خرجوا في الإجازات ونصبوا المخيمات تنزهاً بالخلاء والبرية؛ أن تجدهم ربما أهملوا بناتهم وأولادهم، وذئاب تحوم حول مخيماتهم، ذئاب من الشباب الفاسدين أصلحهم الله وهداهم، يرمقون النساء بمقربات الرؤية بما يسمى بالمنظار أو الدربيل، يرمقون النساء حتى إن بعضهم من خسته ودناءته ليتتبع المرأة حال بعدها لقضاء حاجتها. فالعاقل ينتبه لأهله، وليعد مكاناً طيباً، وليحفظ به أولاده وأهله، ولسنا بذا نحرم أن يخرج أحد بذريته ليتنزه، ولكن إذا خرجت فاحفظ نفسك، واحفظ بيتك وأهلك، وأما أناس جعلوا من البرية سهراً بالطبول إلى آخر الليل ونوماً عن صلاة الفجر، فوالله ليأتين يوم يندمون على سفرهم هذا وخروجهم. اللهم اهدهم وردهم ونفسي وإياكم إلى الحق رداً جميلاً، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم أصلح ذات بين المسلمين في أفغانستان، اللهم من كان باغياً فاقطعه، وأرح المسلمين من شره وتسلطه، اللهم احفظ عوراتهم وآمن روعاتهم، واستر ذرياتهم، وعجل وحدتهم، وأقم على الكتاب والسنة دولتهم، اللهم انصر المسلمين في البوسنة والهرسك وفي طاجكستان وفي البورما وأرامو والفليبين، اللهم انصر المسلمين في فلسطين واخذل اليهود أعداء الدين، يا رب العالمين! ربنا لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا عيباً إلا سترته، ولا حاجة إلا قضيتها، بمنك وكرمك يا رب العالمين! اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمامنا وأصلح بطانته وقرب له من علمت فيه خيراً له، وأبعد عنه من علمت فيه شراً له، واجمع شمله وإخوانه وأعوانه والعلماء والدعاة على ما يرضيك يا رب العالمين! إن الله وملائكته يصلون على نبينا محمد ﷺ ، اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 3057

وداع عام واستقبال عام كل لحظة تمر هي جزء من حياتنا ومن أعمارنا، فعلى المسلم أن يحاسب نفسه على ما مضى من عمره: هل كان في خير أم في شر؟ وهل كان في طاعة أم في معصية؟ وعليه أن يحمد الله إذا ودَّع عاماً من الأعوام أن الله لم يقبضه فيه، بل ترك له فرصة أخرى؛ ليكثر فيها من الأعمال الصالحة ويندم على ما مضى منه في العام الماضي، وهنا يذكر الشيخ بضرورة المسارعة في الخيرات قبل فوات الأوان.

стр. 3058

وقفة محاسبة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال في محكم كتابه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:٦٢]، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]. أشهد أن لا إله إلا الله، ولا معبود بحق سواه. أشهد أن الله أحيانا ويميتنا، ويبعثنا ويحشرنا، ويحاسبنا وبالعدل يحكم بيننا. أشهد أن لا إله إلا الله: واحد في ربوبيته، فهو المدبر وهو المتصرف والمالك، وهو المعز والمذل، مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، كل خير بيده، ولا يدفع بلاء إلا بمنة منه وحده. أشهد أن لا إله إلا الله: فالركوع له، والسجود له، والحلف به، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف من عذابه، والطمع في ثوابه. أشهد أن لا إله إلا الله: له الأسماء الحسنى والصفات العلى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠]. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خير من وطئت قدمه الثرى، بعثه الله إلى الجن والإنس بشيراً ونذيراً، قال ﷺ : (قد أعذر الله إلى امرئ بلَّغه الستين من عمره) فمن بلغ فليعتبر، ومن دنا فليستعد، ومن انتصف فلينظر ما قدم وما أخر. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، كان نبينا بنا براً رءوفاً رحيماً: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]. هذا النبي الرءوف الرحيم ما ادخر شفاعته لآل محمد، أو لآل البيت، أو لمن دنا نسبه وسببه منه، رءوف رحيم، بل جعل شفاعته للعصاة من أمته، أن يخرجوا من النار فيدخلوا الجنة، بعد أن يأذن الله له: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] والنبي من المرضيين. أيها الأحبة في الله: منذ يومين أو أقل أو أكثر ودَّعَنا لا نقول: ودَّعْنا نحن، بل ودَّعَنا؛ لأن المودِّع لو كان قادراً على الخيار في أن يودع أو يمكث لقلنا نحن المودعين، لكن العام ودَّعَنا، ولا خيار لنا في وداعه، ولا خيار لنا في فراقه؛ لأن الله أمر هذا العام بأشهره، وأيامه، ولياليه أن تودعنا. أيها الناس: من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا. في الغابرين الأولين من القرون لنا بصائر لما رأيت موارداً للناس ليس لها مصادر أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر هذا من كلام قس بن ساعدة، وهي خطبة بليغة في التفكر والتدبر، في فراق الدنيا، ورحيل الأيام والأعوام. إن الجديدين إذا ما استوليا على جديد أسلماه للبلا منع البقاء تقلب الشمس وخروجها من حيث لا تمس وبزوغها صفراء صافية ومغيبها حمراء كالورس أيها الأحبة في الله: ولَّى هذا العام لينزع من غابة عمرك، شجرة لينزع من غابة العمر شجرة هي سنة بأغصانها، أشهرها وأوراقها الأيام والليالي. وكان لعامنا المنصرم بداية، ورأينا مصرع العام، ونهاية العام، ورحيل العام، وسيشهد عام مصرعنا، وسيشهد عام ما سيشهد رحيلنا وفراقنا، سيشهدنا يوماً نُحمل فيه على الأكتاف، على النعش نغسل ونكفن وندفن ونودع. وليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء إنا في هذا العام نودع أمواتاً -أيضاً- هم على قيد الحياة، وسنودع أمواتاً ينقلون إلى المقابر، وكما شهدنا وداعه، سيشهد عام قادم وداعنا وفراقنا ورحيلنا، وتصرم شجرة عمرنا. أيها الأحبة: وسيكون لهذا العام الذي دخلناه نهاية، فمن ينتهي أولاً، هل ننتهي نحن أم ينتهي العام أولاً؟! وهب أننا شهدنا نهايته، فهل نشهد نهاية أعوام قادمة أم لا بد أن يكون فيها عام يشهد مصرعنا، ورحيلنا، وسكراتنا، وتغرغر الروح فينا، وبكاء الأقارب حولنا، وضعفنا ونحن على الأسرة والفرش نعالج السكرات ونرى الكربات، ونرى الأقارب لا يدفعون ولا يقدمون ولا يقربون.

стр. 3059

لذة تزول وإثم يبقى أيها الأحبة في الله: لقد زال ذاك العام قبل يومين ولى ومضى لكنه زال وزالت كل لذة فيه. فأما لذات أهل المعاصي، من سهر ليلة على أضواء حمراء خافتة، والغيد والوصيفات مقبلات مدبرات، ربما شهد بعض القوم ليلة كهذه، ولكن تلك الليلة ولت ومضت وانقضت لذتها وذهبت، وبقي إثمها، ولى العام باللذات وبقيت حسرات المعصية، وشؤم الفاحشة، وبلاء المخالفة، إن هذا الرحيل عجيب، وإن هذا الفراق غريب! كم أناس عصوا ربهم في الليالي الماضية المنصرمة، واسألوا من بقي حياً: يا عبد الله! يا فلان ابن فلان! ليلتك التي عشتها، بما فيها من كأس وغانية، ومسلسل ومجلة، ومعصية وفاحشة، هل تذكر الآن من لذاتها شيئاً؟! هل تحس لمشهد من مشاهدها ركزاً؟! هل ترد لذة إلى حاسة من حواسك؟! لا والله، لقد انقضت اللذة وبقي الإثم، وبقي شؤم المعصية، وبقيت الحسرة. وأقولها: لا تغرنك سلامة تراها في بدنك، إن للمعاصي شؤماً ولو بعد حين، إن من الناس من إذا ارتكب الفاحشة، وتقحم المعصية، على بصيرة وعلم، فمضى يوم أو يومان أو ثلاثة، ولم ير خسفاً أو مسخاً أو غرقاً أو هدماً أو حريقاً، يظن أن تلك المعصية مرَّت ولا ضرَّت، وانتهت ولا عاقبة لها، وعلى حد زعم القائل: إذا لم يغبر حائط في وقوعه فليس له بعد الوقوع غبار لا. إن شؤم المعاصي ولو بعد حين، ومن شر شؤم المعاصي ذاك الشؤم الذي يأتي يوم أن تبلغ الروح الحلقوم، شؤم معصية يغيب عنك طيلة عمرك ولا يحضرك إلا حالة النزع ومعالجة السكرات، تريد أن تقول: لا إله إلا الله فتصرف عنها، تريد أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله فتعجز عنها، تريد أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله فتذكر غيرها. وقيل لشاب حضرته سكرات الموت وحوله رجل فيه خير يلقنه، ويعرض الشهادة عليه، ويقول: يا فلان! قل لا إله إلا الله، فيقول الفتى: هل رأى الحب سكارى مثلنا. ما رأى الموت سكارى مثلكم، ما رأى الموت سكارى في غفلة عن القبر والموت والضنك واللحد والحشر والنشر والصراط والحساب والعذاب، ما رأى سكارى مثل هؤلاء، أسأل الله أن يتجاوز عن الجميع وأن يتغمدنا برحمته. اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا، وعافنا واعف عنا وعن إخواننا، ولا تبتلينا يا رب العالمين. ومضى هذا العام وولى وانقضى، وقد شهد الصالحون فيها ساعات يراوحون بين الأقدام من قيام الليل، ويجعلون الأكف على البطون من آلام جوع الصيام، ويسترخون قليلاً من تعبٍ قد ينالهم وهم يتقلبون بين تلاوة أو ذكر أو عبادة، ونسألهم اليوم: يا معاشر الطائعين! هل تشعرون بآلام عبادة في عام مضى؟ هل تشعرون بشيء من التعب الذي نالك إبان العبادة في عام مضى؟ لا والله. لقد نسيت الألم والجوع والتعب، ولكن بقي الأجر، بقي الثواب، بقي الوعد الجزيل، بقي الجزاء العظيم، بقي الخير العميم الذي ينتظرك من أعمال صالحة قدمتها فتقبلها الله بيمينه جل وعلا، وتراها يوم القيامة كالجبال. فهنيئاً لمن مضى عمره وانقضى عامه على طاعة لله جل وعلا. ومضى العام عليَّ وعليكم، بلذات عاقرناها، وتلذذنا بها، وانتهت اللذات وأعقب اللذة تعب. كنا نجد لذات الأكل ولا نزال، ونجد لذات الشرب ولا نزال، ولكن اللذة في أطيب طعام نشتهيه ثوانٍ توضع فيها اللقمة على اللسان، فإذا انتقلت اللقمة إلى الجوف استوى الذين علفوا البرسيم والذين أكلوا أطيب الطعام، استقر في الجوف ولو رد ما أكلناه، ورأيناه مرة أخرى لانصرفنا وتقززنا عن رؤيته أو سماعه والنظر إليه. إذاً: فحتى لذاتنا لذات اللحظات، لذات الثواني والدقائق، لذة الطعام أثناء وضع اللقمة على طرف اللسان، ثم بعد ذلك تنتهي إلى الجوف، وحينئذٍ يستوي طعام الفقراء والأغنياء، والملوك والعالة والصعاليك، والمدراء والوزراء، وكل غني وفقير يستوي طعامه بعد أن يتجاوز ثوان مر فيها الطعام على لسانه. أيها الأحبة: هل هذه حياة، ودنيا يتعلق بها الإنسان في لذة لا يجدها إلا ثوان معدودة على طرف اللسان، وهل ينتهي الأمر عند هذا؟ لا وألف لا. إذا استقر كل طعام شهي، وكل شراب مري في هذا الجوف انقلب عذاباً، وحسرة، ومرضاًَ، وسقماً، حتى نخرجه من بطوننا، فهذه لذاتنا في الدنيا، وهذه ملذاتنا في أعمارنا فهل خلقنا لهذا؟!!

стр. 3060

حقيقة اللذة في الدنيا لنعلم أن اللذة في طاعة الله، وفي الأنس بالله وذكر الله، ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ [الرعد:٢٨] غاية السعادة بالطمأنينة، وأين الطمأنينة؟ هل هي في الفرش أو الأكل والشرب، أم في الجاه، والمنصب، أم في الحسب والوظيفة؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] هذا هو أنس الدنيا وهذه لذاتها. وبهذا نعلم -أيضاً- أن النعيم نعيم السعداء، وليس نعيم المترفين في الدنيا، النعيم نعيم السعداء الذين علقت وتعلقت قلوبهم بذكر الله، ولهجت ألسنتهم بكلام الله، واشتاقت أرواحهم إلى ما عند الله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ [هود:١٠٨] السعداء: هم أهل السعادة الحقيقية في الآخرة: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨]. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود:١٠٨] من يخرجهم؟ من يكدر عليهم؟ هل يخشون دولة تعتدي على حدودهم في الجنة؟ هل يخشون عدواً يتسور بيوتهم؟ هل يخشون لصاً يتسلل عبر نوافذهم؟ هل يخشون بلاءً من فوقهم أو من تحتهم؟ ولم يخشون، وهم في الأمن والطمأنينة عند مالك الملك رب الأرضين والسماوات؟ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨]. من ذا الذي يقطع نعيماً أعطاكه الله جل وعلا، أما لذتك في المنصب فأنت مهدد بالعزل عنها، وأما لذتك بالصحة فأنت مهدد بزوالها، وأما لذتك باجتماع الأحباب فأنت مهدد بفراقك عنهم أو فراقهم عنك أو بلية تشتت شملكم، وأما لذتك بالغنى فالفقر لا تدري من أي الأسباب يأتي، وأما لذتك بكل شيء فإنها مهددة مخطورة بأدنى شيء يخطر أو لا يخطر على بالك، أما لذات الآخرة فكما قال الله جل وعلا: ((خَالِدِينَ فِيهَا)) [هود:١٠٨]، (يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت). نعيم الجنة خلود أبدي، وعجبنا لمن يركن ويطمئن ويغفل في هذه الدنيا وهو يعلم أن أمواله ستقسَّم من بعده، سيقتسمها الورثة، مقاسمة الشريك الشحيح لشريكه، بل إن بعض الورثة لا يرضى الإجمال في القسمة؛ بل لا بد أن يأتي بالمحاسب القانوني الذي يدقق كل صغيرة وكبيرة، وكل مدخل ومخرج، نسيناك يا ميتنا، نسيناك يا مورثنا، نسيناك يا صاحب المال، الشأن شأن التركة، أما أنت فقد انتهيت. إذاً، فدنياك: مالك يقسم بعدك، وزوجتك ضجيعة الفراش طالما سمعت عبارات الود والصفاء -وليس هذا بإثم ولا عيب- ستتزوج بعدك، وتمنح الذي يليك ما منحتك، ودارك سيسكنها أجنبي سواك، وقد يطرد أولادك منها، ويسكنها رجل آخر مع أبناء آخرين. هذه الدنيا: لا تبك على عمر منصرم؛ إلا إذا انصرم في معصية أو انصرم في غفلة عن طاعة الله . أيها الأحبة في الله: هكذا فلنعلم أن شأننا في هذه الدنيا شأن المودع لا محالة، أرأيت رجلاً دخل صالة المغادرة في المطار فجاء وجلس ونصب خيمة، أو بنى داراً، وأعد طعاماً، وافترش فراشاً وطلب لذة، لا. تجده يتقلب وينتظر الإقلاع والرحيل، فكن هكذا، كن هكذا، كن كأنك غريب أو عابر سبيل، وخذ من دنياك لآخرتك، ومن نفسك لنفسك، ومن شبابك لهرمك، ومن صحتك لسقمك، فبادر هل تنتظر إلا هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو فقراً مطغياً، أو غنىً ملهياً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر. معاشر المؤمنين: الدهر قُلَّب، والأيام دول، ماذا كان شأن المسلمين في البوسنة والهرسك قبل عام مضى؟ كانوا على حال لا نقول حال السعداء، لكنها لا تقارب بأحوالهم الآن. وأحوال المسلمين في بورما وكشمير، تتقلب الأيام والأعوام عليهم، وقد عاشوا عاماً أو أعواماً مضت في طمأنينة، فانقلب عليهم الأعداء، وخذوا مثالاً على البلاء، قال مسلم من كشمير في سجون الهندوس -عبدة الأبقار- قال: طلبت ماءً لما بلغ بي العطش مبلغاً، فجاء جندي من السيخ، وأجبرني بعض الجنود على فتح فمي، فبال الهندوسي في فم المسلم. أحوال وأمور أسأل الله ألا يغير علينا، أسأل الله ألا يفتننا، أسأل الله ألا يبتلينا. إن هذه النعم لو رأيت ما يقدمه كثير من الناس اليوم في مقابلتها، لما رأيت إلا أفلاماً يتبادلونها ويسهرون عليها، وغفلات عن صلاة الجماعة، وإعراضاً عن الانقياد والاتباع، واشتغالاً بالمال من أي طريق. ولما دعي من دعي للاكتتاب في بنوك الربا، توافد الكثير من الأقوياء الذين قد لا يخشون أن يمسخ الله عافيتهم، يقولون: شكر النعمة اكتتاب في الربا، وشكر الطمأنينة أسهم في الحرام، وشكر هذه الآذان معصية لله جل وعلا. ولا حول ولا قوة إلا بالله ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨]. فما دام أن العمر منقضٍ، فانتظر ما يأتيك واستعد، فإن عامك الذي مضى قد مرض فيه أصحاء، وصح فيه سقماء، وعز فيه أذلاء، وذل فيه أعزاء، وتفرق فيه مجتمعون، واجتمع فيه متفرقون، ومات فيه أحياء، وولد فيه أجنة، فالحمد لله على كل حال الذي لا تشغله حال عن حال. أيها الأحبة: ولى العام وانقضى، فماذا قدمتم لعام تستقبلونه؟ وماذا قلَّبتم في عام تودعونه؟ أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المعتدلين. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 3061

لكل شيء نهاية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أيها الأحبة: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار. معاشر الأحبة: نهاية العام فيها بشارة أيضاً، بشارة لكل مريض أن المرض له نهاية، فيه بشارة لكل معتقل أن الاعتقال له نهاية، بشارة لكل مبتلاً أن البلاء له نهاية، بشارة لكل مظلوم أن للظلم نهاية. وانتظر الفرج، فلن يغلب عسر يسرين: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٥ - ٦]. ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرج عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب فلكل شيء نهاية فللظلم نهاية وللطواغيت نهاية وللجبروت نهاية و ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. للظلم نهاية قال مظلوم لظالم كان يتغطرس ويتفنن ويتلذذ في ألوان إيقاع الظلم والأذى فيه. قال له: افعل ما بدا لك اظلم ما شئت أوليس الموت عن هذه الدار ينقلنا؟ أوليس القبر يضمنا؟ أوليس المحشر يجمعنا؟ أوليس الله يفصل بيننا؟ افعل ما بدا لك. هذا أمر عجيب، إن في زوال الأيام والأعوام بشارة لزوال كل ظلم وكفر وبغي وعدوان، ولكن أين من يصبر؟ أين من يعرف ويعلم أن شيئاً من البلاء في ظرف من الزمن آية يبتلي الله فيها عبادة؟ ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣] حتى ساعات الظلم بعدها فرج عظيم، وآيات الله في العباد كثيرة لا تحصى. في دولة من الدول التي تنتسب إلى الإسلام، وتزعم أنها مسلمة، كان الدعاة فيها في الزنازين، والأئمة في السجون، والعلماء في غياهب السجون، فجاء زعيم من زعماء السجون -سجون التعذيب- ليأخذ واحداً من الدعاة المظلومين، فأخذ يلطمه ويركله، فقال ذلك المسكين: يا الله! فقال الطاغية الظالم: والله لو نزل ربك لسجنته في زنزانة انفرادية. ما أحلم الله على عبادة، الله عظيم وحلمه عظيم أيضاً، ومرت الأيام، ويخرج ذلك المظلوم من سجنه، وينتقل ذلك الظالم المتفنن في تعذيب المظلومين والمساكين، فخرج ذات يوم يتنزه في ضيعة من ضياعه، وبينما هو في الطريق، إذ بجرار زراعي -الذي نسميه دركتل أو الشيول- إذ به يقطع الطريق عليه فجأة، فتلتحم شوكات هذا الجرار الزراعي وسط سيارة ذلك الظالم، ويختلط لحم وعظم الظالم بين الحديد وبين شوكة الجرار الزراعي. فجاء رجال الأمن ومن يهمهم الأمر، فلم يجدوا حيلة أن يخرجوا هذه الحالة أو صاحب هذا الحادث إلا بتقطيع جسمه قطعة قطعة، وإخراجه من بين شوكة الجرار وحديد السيارة، فيا لله!! من سجن من من حبس من من أودع من لا إله إلا الله. وما من يد إلا يد الله فوقها ولا ظالم إلا سَيُبلى بأظلم تنام عينك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم

стр. 3062

الاستعداد للموت أيها الأحبة: هذه الحياة بأيامها مرت سراعاً عجالاً على السعداء، وتمطت بكلكلها، ونأت بأعجازها على المبتلين، لكن الزمن هو الزمن على السعيد والشقي: مرت سنون بالوصال وبالهنا فكأنها من قصرها أيام ثم انثنت أيام هجر بعدها فكأنها من طولها أعوام ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام فكل شيء ماض. أيها الناس: إن لكم غاية فانتهوا إلى غاياتكم، وإن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن الواحد منكم بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدري ما الله قاض فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله صانع فيه. فأعدوا واستعدوا، وفي نهاية العام تذكروا نهاية الأعمار: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]، ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨]، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]. ولكن أيها الأحبة: نتيجة الخوف من الموت هي الاستعداد للموت، والذي يخاف من الحريق يعد لإطفاء الحريق، ويعد مادة أو يستعمل مواداً غير قابلة للاحتراق، ويعد أشياء في بناء بيته تعزل انتقال الحريق، هذا هو الخوف الطبيعي، يتترجم إلى استعداد ومواجهة، أما رجل يخاف من النار وهو ينظر إليها ويصطلي بلظاها، أو رجل يخاف من الجوع وهو ينظر الطعام ولا يأكله، أو رجل يخاف من البرد وهو يرى اللباس ولا يلبسه. الخوف من الموت هو ألا تبكي وتنشغل أو تسهر، كما يخبرني بعض الشباب أن خوفهم من الموت بلغ بهم حداً أن الواحد منهم يضع يده على خده، أو يده على ناصيته، ويجعل رأسه بين رجليه، فتارة في شرود ذهن، وتارة في قلق فكر، وتارة في عذاب ضمير، ما بك يا أُخيَّ، خائف من الموت، هذا ليس بخوف. الخوف من الموت تخافه الحشرات، لو لحقت حشرة هربت؛ لأنها تخاف من الموت، اجعل خوفك من الموت مترجماً محولاً إلى أن تسجد، من كان يخاف الموت فلا ينم إلا وقد صفى قلبه على عباد الله، وأدى حقوق الله في نفسه وماله وبيته، من كان يخاف الموت فليستعد له بالوصية، من كان يخاف الموت فليكثر من الركوع والسجود، والعمل الصالح الذي يؤنسه في قبره، نهاية العام تذكير بفناء ونهاية العمر. لكن نريد استعداداً ونريد أهبة، فإن الزاد قليل والسفر طويل، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: [يا دنيا غري غيري تزينتي قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها]، وقال غيره: [لقد أدركنا رجالاً من صحب محمد ﷺ في جباههم أمثال ركب المعز من السجود، ويراوحون الليل والنهار -يراوحون بين أقدامهم من طول القيام والعبادة في الليل والنهار- وإذا ذكرت النار اضطربوا وماجوا وخافوا كأنها لم تخلق إلا لهم] أصحاب النبي ﷺ الذين ﵃، وبشرهم واختارهم لهذه الصحبة إذا ذُكرت النار اضطربوا كأنها لم تخلق إلا لهم، ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف:١٦٩]. من أحسن الرجاء أحسن العمل، ومن ابتغى الولد ورجى الولد تزوج، ومن ابتغى الثمرة زرع، ومن ابتغى البيت سعى في البناء. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً وبولاة أمرنا فتنة، وبعلمائنا مكيدة، وبالدعاة فرقة وضلالة، اللهم فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء. اللهم من سعى في أعراضهم بالفرقة والنميمة والوشاية اللهم أخرس لسانه، وعطل أركانه، وأرنا فيه عجائب قدرتك، واخزه اللهم بين العباد أجمعين. اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم انصر المسلمين في الجزائر وتونس وبورما وفلسطين والبوسنة والهرسك وأفغانستان وكشمير وأرميوا وفي كل بلاد وبقاع الأرض يا رب العالمين. اللهم ما علمت من داعية أو عالم صالح أو مخلص، اللهم فانصره وأيده وثبته ووفقه يا رب العالمين. اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ولي علينا خيارنا واكفنا شرارنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك، اللهم لا تفرِّح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً. اللهم سخر لنا ولعلمائنا ولولاة أمرنا ودعاتنا ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، واجعل اللهم ذلك في طاعتك ومرضاتك، يا رب العالمين. معاشر المؤمنين: لا تنسوا إخوانكم المضطهدين المشردين المقتلين المبتلين في البوسنة والهرسك، وستجدون على الأبواب من يجمع تبرعاتكم. وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 3063

واقعنا بين الأمس واليوم [٢،١] استعرض الشيخ حفظه الله في حديثه هذا حال المسلمين بالأمس، مبيناً كيف كان اعتزازهم برفعة الإسلام وأهله، وأن ذلك أدى إلى أنهم ساسوا الدنيا ومن عليها، ولما اختلفت عقيدتهم انهدمت تلك العقيدة القائلة بوجوب سيادة المسلمين، فأدى ذلك إلى حال يرثى لها.

стр. 3064

فائدة الحديث عن الماضي والحاضر بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، الحمد لله على نعمه التي لا تحصى، وعلى آلائه التي لا تنسى، الحمد لله ملء السماء وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شاء ربنا من شيء بعد، الحمد لله الذي جمعنا وألف بين قلوبنا، ولو أُنفِق ما في الأرض جميعاً ما ألف بين قلوبنا إلا بفضله ومنته ورحمته، الحمد لله الذي خلقنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام ووفقنا إلى التوحيد، وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي لهم ولا مؤوي، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها الأحبة في الله! أحييكم بتحية الإسلام: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وخير ما أبدأ به كلمتي هذه أن أتوجه إلى الله بدعاء وأنتم تؤتمنون عليه: وأسأل الله أن يكون هذا الدعاء مستجاباً لنا جميعاً؛ لأنه ما جاء بنا إلا ابتغاء رحمته، وما جمعنا إلا ابتغاء مرضاته وجنته، فنسأله أن لا يردنا خائبين ولا محرومين. اللهم إنا نسألك أن تكفينا بحلالك عن حرامك، اللهم بارك لنا فيما أبحت لنا، وحبب إلينا ما شرعت لنا، وبغض إلى نفوسنا ما حرمت علينا، اللهم إنا نسألك أن تجعل لنا لكل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلوى عافية، ومن كل فاحشة أمناً، ومن كل فتنة عصمة، ونسألك اللهم الوفاة على التوحيد شهداء، والحياة على الإسلام سعداء، والحشر يوم المحشر مع الأنبياء، اللهم إنا نسألك أن تتوفانا وأنت راضٍ عنا، راكعين ساجدين هداة مهديين راضين مرضيين، ونسألك اللهم ألا تفاجئنا ملائكة الموت ونحن على معصية. أيها الأحبة في الله! حديثنا اليوم إليكم بعنوان: "واقعنا بين الأمس واليوم". أيها الأحبة! ماذا نستفيد إذا حدثناكم عن الأمس، وماذا نجني لو حدثناكم عن اليوم، هل الفائدة أن نسرد عليكم الأقاصيص والروايات؟ لا والله. إن حديثنا عن الأمس مقارنة باليوم، إن حديثنا عن واقعنا وأمسنا وإن تأملنا في مستقبلنا أمر ضروري، والله جل وعلا في كتابه الكريم ذكر آيات دلت على ذلك، فينبغي أن نعلم أن من أهم الأمور التي نستفيدها من دراستنا لأمسنا وليومنا أن نعلم أموراً مهمة عديدة:

стр. 3065

أن لله سنناً كونية لا تتغير أولها: أن السنن الكونية التي أودعها الله في عباده وجعلها في هذا الكوكب من مخلوقاته التي هي بالأمس لا تزال هي باليوم، السنن الكونية التي كانت قبل ألف وأربعمائة سنة لا تزال هي السنن في زمننا؛ لأن سنن الله باقية، وسنن الله ثابتة، وسنن الله لا تتبدل ولا تتغير، سنة الله في الذين خلوا من قبل ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ [فاطر:٤٣]. فحينما نتحدث عن الأمس واليوم فإننا نتحدث في إطار سنن ثابتة لا تتغير أبداً، وإن من أهم السنن التي هي ثابتة لا تتغير ويهمنا أن نتناولها في موضوعنا اليوم: أن نعلم عداوة الكافرين للمؤمنين، والفاسقين للصالحين أنها عداوة باقية وعداوة أبدية. يقول الله جل وعلا: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:١٠٥]. سنة العداوة من الكافرين لنا معاشر المؤمنين سنة باقية، إن أعداءنا الكفار الذين عادوا رسول الله، وعادوا صحابة نبيه، وعادوا خلفاءه الراشدون، وعادوا أئمة الإسلام وعلمائه لا يزالون هم الأعداء إلى هذا الزمان. العداوة باقية وإن اختلفت أساليبها وتلونت أشكالها وتنوع وتغير رجالها وأبطالها، المهم أن نعلم أن حديثنا بين الأمس واليوم لا يلغي السنن، السنن باقية، فمنها هذه العداوة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩] ويقول جل وعلا: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٩]. فيا معاشر المؤمنين! إن أعداء الدين الذين كانوا فيما مضى من الأزمنة هم على مدار الأزمنة والأمكنة موجودون، وهذه سنة التدافع: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١]. فحديثنا عن الأمس أو حديثنا عن اليوم هو حديث عن الظواهر، أما السنن فهي لا تزال سنن باقية.

стр. 3066

أن الزمان لا يتغير ولكن نحن نتغير كذلك أيها الأحبة نعلم أن حديثنا عن الأمس واليوم لا يتناول الزمان: والليل فاعلم والنهار كلاهما أرواحنا فيها تعد وتحسب الليل والنهار منذ زمن نبينا ﷺ إلى يومنا هذا أربعة وعشرون ساعة، واليوم يتراوح طوله وقصره بين الليل والنهار، هل زاد النهار في هذا الزمان وقصر في ذلك الزمان؟ لا، الزمان هو هو كما كان. واعلموا كذلك أن صفات أهل الزمان الخلقية الأصلية كما كانت في ذلك الزمان هي موجودة أيضاً في هذا الزمان؛ كي تقوم الحجة علينا. إن الصحابة كان لهم عينان وأنف واحد ويدان ورجلان، ولكل واحد منكم عينان ويدان ورجلان وأنف واحد لم يتميز ذلك التاريخ السابق، أو الأمس الذي نتحدث عنه، لم يتميز بأن أصحابه كانوا أولو عشرات الأعين ونحن ليس لنا إلا عينين فقط، لا، بل اتفقنا معهم أعيننا كأعينهم، وأنوفنا كأنوفهم، وأبصارنا كأبصارهم، وأقدامنا كأقدامهم، وأيدينا كأيديهم. إذاً ما الخلاف؟ اختلفت البصائر: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. والذين حينما تحدثهم عن واقعهم، أو انحراف أو تساهل أو ضعف في سلوكهم وتمسكهم بدينهم، وتهاون بالغيرة في حرمات الله وأوامر الله ومناهي الله جل وعلا، قام يحدثك ويقلب لك الأمر ويفرقع الأصابع: ذاك زمان مضى وهذا زمان اختلف، لا. أرى حللاً تصان على أناس وأخلاقاً تداس فلا تصان يقولون الزمان به فساد وهم فسدوا وما فسد الزمان نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا وقد نهجو الزمان بغير جرم ولو نطق الزمان بنا هجانا فيا أحبتي في الله! ينبغي أن نعلم أننا يوم أن نتحدث عن الأمس واليوم، أننا نتحدث عما جنت واجترحت وفعلت واكتسبت أنفسنا وجوارحنا، أما السنن فإنها لم تتغير أبداً. هذا الكلام أقوله لكي لا يزداد بعدنا عن الزمان الأول وإغراقنا في الزمان الآخر، ولكي نتمسك بما كان عليه الصدر الأول: (أفلا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي). مهما كانت البشرية في القرن الخامس عشر الهجري أو العشرين -بعد أيام قليلة ندخل في عام ألف وأربعمائة وأحد عشر- أو لو بلغنا عام ألف وتسعمائة أو ألفين للهجرة فإن عام ألفين للهجرة لا يعني أن نتهاون بحرف واحد من كتاب الله جل وعلا، مهما تقدمنا وتطورنا ومضت بنا العصور والأزمنة فإن ذلك لا يغنينا ولا يجعلنا في غنىً عن آية واحدة من كتاب الله، فضلاً عن كتاب الله كله، لماذا؟ لأن السنة واحدة، والسنة باقية، وسنة الله في هذا الكون لا تتبدل ولا تتحول، أراد الله لهذا الدين أن يكون خاتماً ومهيمناً على سائر الأديان والرسالات إلى يوم القيامة، فكانت معجزة الدين خاتمة ومهيمنة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 3067

منفعة الحديث عن الماضي ثم اعلموا أيها الأحبة! أنه ينبغي قبل أن نفصل عن الحديث عن الأمس واليوم أن نسأل: ماذا ينفعنا الحديث عن الماضي؟ ينفعنا الحديث عن الماضي أن نتأسى وأن نتثبت، وإذا ابتلينا بواقعة في زمننا، تأملنا تاريخنا، وتاريخ أسلافنا، بل وسيرة نبينا ﷺ ، لنعلم أن فيها عظة وعبرة، ودواء وعلاجاً، وشفاءً ومنهجاً وترياقاً، وتجربة صادقة من تمسك بها نال الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، هكذا حينما ندرس الماضي، لا لكي نقرأ كان يوم كان، أو لكي نعرف الحكايات الممتعة، والبطولات المتنوعة، لا، إنما ندرس الماضي لكي نستلهم العبر، ولكي نفتش ولكي نقلب الأحرف والأسطر من التاريخ والسيرة، عند ذلك نجد أن لكل واقعة جديدة علاقة بحدث قديم، لو استطعنا أن نستنبط وأن ندقق وأن نعرف الطريق الصحيح إلى الفهم والاستيعاب. كذلك في هذا القرآن ما يدل على ذلك، إن الله جل وعلا قد جمع لنبيه أخباراً عن الأولين السابقين السالفين، نحن الآن نتكلم عن الماضي، ونتكلم عن اليوم والله جل وعلا قد قص على نبيه أحداث وأخبار وأنباء أقوام كانوا في الماضي، وأخبره عن كيد قومه في زمنه، لماذا يا ربنا قصصت على نبينا على أخبار أقوام مضوا وسلفوا، لماذا؟ ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام:١٠]، ﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠]. فإذاً: الله جل وعلا قد ذكر لنبيه وبيَّن أن أقواماً غير من قصصنا عليك لهم أخبار ولهم أحداث وشأن مع أنبيائهم، إلا أن الله جمع لنبيه فيمن لم يفصل له قصتهم وأنباءهم جمع له شأنهم فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. وفي القرآن تفصيل وإيجاز وبيان وتوضيح لأخبار من سلف من الأنبياء والرسل لتثبيت فؤاد النبي ﷺ ، يضير قلبك، يجرح خاطرك، يحز في فؤادك أن قومك يستهزئون بك، يسخرون بك، يستهزئون من دعوتك، يسجد النبي ﷺ فيقول صناديد الكفر والشر: أيكم يأتي بسلا جزور بني فلان فيضعه على ظهر هذا الصابئ، فيقوم أشقى القوم عقبة بن أبي معيط، ثم يأخذ سلا الجزور -وهو بقايا الناقة بعد نتاجها- ويضعه على ظهر النبي ﷺ . هذه فيها عبرة يا إخواني لكل داعية ولكل تائب إلى الله يوم أن نجد الاستهزاء والسخرية، تضيق وتتبرم وتنزعج وتتكدر يوم أن تجد من يستهزئ ويسخر بك؛ لأنك التزمت وتبت إلى الله واستقمت على نهج الله، لن تكون أفضل من محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، الذي هو أفضل من وطئت قدمه الثرى، ومع ذلك وضع نجاسة وبول ودم الناقة على ظهره ﷺ ؛ فإذا أوذيت فتذكر من قبلك، وإذا ابتليت فتذكر من قبلك، من هنا يكون حديثك عن الأمس فائدة لك في اليوم، أما أن يكون الحديث مجرداً من دون فائدة ولا عبرة ولا تثبيت للفؤاد، فلا فائدة في كان يوم كان، أو فُعل أو حصل أو قيل أو قال.

стр. 3068

كيف ننتفع بحديثنا عن الواقع كذلك أيها الأحبة! ينبغي أن نعلم أن حديثنا عن الواقع لا ينفعنا بشيء ما لم يكن حديثاً مبنياً على خطوات علمية. تكلمنا عن الأمس بإيجاز، ونتكلم عن فوائد الكلام في اليوم بإيجاز. حينما نتحدث عن واقعنا من دون ثمرة عملية للواقع ماذا نستفيد؟ أحدثكم عن الواقع، أحدثكم عن غفلة الناس عن ذكر الله، أحدثكم عن بعد بعض الناس عن طاعة الله، أحدثكم عن إهمال بعض الآباء لأبنائهم في التربية على منهج الله، أحدثكم عن ضيعة من تولوا مسئولية البيوت والأسر والبنات والزوجات، ضيعوا ما ولاهم واسترعاهم الله، ثم ماذا؟ أطيل الحديث لكم، وأنبئكم بأشجان ومصائب، وما يحز في قلبي مما أرى في واقعي ثم ماذا بعد ذلك؟ لو حدثتكم عشر ساعات، ثم أخذتم تبكون وتنشجون، وتصيحون وتهزون الرءوس، هذا لا فائدة منه، هذا شأن النساء وليس شأن الرجال، إن شأن الرجال يوم أن يتحدثوا عن واقعهم يتحدثون عن الواقع لكي يفعلوا أمام الواقع أمراً يصلحه، هل تنتهي مهمة مراجعتك للمستشفى بمجرد دخولك على الطبيب وتصف له الواقع، أيها الطبيب عندي قلة شهية واضطراب في الأمعاء، وصداع في الرأس، وخمول في المفاصل، ووجع في الأعصاب، ثم يقول الطبيب: لا حول ولا قوة إلا بالله، وتخرج من باب المستشفى؟! هل سمعتم أن هذا طب، أو أن هذا عقل، أو أن هذا علاج؟ لا، هذا جزء بسيط أن تصف الأعراض، أن تصف الحالة، لكن أنت جئت واصفاً لحالتك من أجل أن تنال الدواء والعلاج، من أجل أن يقول لك الطبيب: اترك كذا، وافعل كذا، واجتنب كذا، وتجنب مصاحبة كذا، واحرص على أداء كذا، وعند ذلك يكون وصفك لحالتك مجدياً أمام جواب نافع، أما أن نصف الواقع بدون فعل وبدون عمل، فهذا لا ينفعنا بشيء أبداً. وقديماً قالت العرب في أمثالها: أوسعتهم سباً وأوردو بالإبل. أنا أخبركم بقصة هذا المثل: راعٍ من الرعاة، استودعوه أذواداً -جمع ذود من الإبل- يرعاها، فغزا قوم المرعى، فاستاقوا الإبل وضربوا الراعي، وأخذ الراعي يرفع يديه ويلعنهم ويشتمهم ويسبهم وهم يسوقون الإبل هاربين غانمين بها، فلما جاء أصحاب الأباعر قالوا: أين النوق؟ قال: والله غزانا بنو فلان فأخذوا النوق والأباعر، قالوا: وأنت أين كنت؟ قال: والله كنت أشتمهم وأسبهم وألعنهم، هل هذا يكفي؟ لا. أوسعتهم شتماً وساروا بالإبل فهذا شأننا إن كنا نتحدث عن واقعنا اليوم بدون عمل، فنحن أوسعناهم شتماً وساروا بالإبل. لو انطفأ النور في هذا المسجد الآن، كلكم يقول: انقطع التيار الكهربائي؟ فماذا نفعل؟ انطفأت الأنوار، انطفأت الأنوار، ثم نردد هذه العبارة، ماذا استفدنا؟ يعثر بعضنا في بعض، يطأ بعضنا بعضاً، يموت بعضنا بسبب تدافع بعض بدون فائدة؛ لأننا لم نزد على أن وصفنا الواقع، لكن لو قام واحد ذكي واشترى شمعة بنصف ريال وأشعلها لرأينا جميعاً، فهنا استفدنا بعد ذكر الواقع أن نوقد شمعة، وكما قال: لأن نوقد شمعة في الظلام خير من أن نلعن الظلام ألف مرة. إخواني! واقع كثير من الصالحين أو الطيبين أو المستقيمين أو الدعاة -فضلاً عن سائر إخواننا الذين نسأل الله أن يمن عليهم بالهداية، وأن يذيقهم لذة الاستقامة- أنهم يحسنون وصف الأشياء ولا نعرف كيف نتعامل بعد ذلك، فأمثالنا أمثال من وقفوا في تقاطع الطريق، والسيارات ذاهبة غادية رائحة، واحد يجلس في الطريق، ويقول: هذه (التريلة) قربت وصلت فسوف تدعسنا دعستنا ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهل ينفع الوصف؟ لكن ينفع أن نبتعد عن طريق (التريلة) قليلاً حتى نسلم وتمر هذه السيارة أو الشاحنة بسلام. إذاً: وصف الواقع من الأساليب التي اجتهد الأعداء أن يشغلونا بها.

стр. 3069

نجيد وصف الواقع ولا نجيد الحلول له عشنا فترة من الزمن ما كنا نعرف واقعنا، ما كنا نعرف حقيقة ما يراد بنا، ما كنا نعلم المخططات اليهودية والاستعمارية والشيوعية الحاقدة التي حسدتنا على خيرات نحن فيها، أخذنا زمناً طويلاً ونحن نجهلها، فلما بدأنا نتنور وبدأنا نعرف هذه المخططات وتلك الحروب الفكرية والعلمية والميدانية، حينما بدأنا نعرفها أشغلنا الأعداء بحسن وصفها، ويقف جهدنا عند هذا الأمر، نقف عند وصف مخططات الأعداء. مثلاً: أنا أصلي جمعة في مسجد فيقول الخطيب: يا معاشر المؤمنين! إن مخططات أعداء اليهود قد نفذت في هذا الزمان حرفاً حرفاً، وإن برتوكولات حكماء صهيون قد نفذ منها البرتوكول السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر على التوالي والمصلين يقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله، وماذا بعد ذلك؟ نفذوا السابع عشر أو السابع والعشرين، ما دام أن ليس عندنا إلا هز الرءوس، فمعنى ذلك: أن لا فائدة، لكن لو قلنا: ماذا قدمنا؟ لكي نقف بالمرصاد أمام البرتوكول الأول من مخططات حكماء صهيون؟ عند ذلك نقف وقفة المحاسبة، ووقفة المراجعة، ووقفة التأمل مع أنفسنا لنعلم إلى أي درجة نحن نفهم هذا الواقع. أيها الأحبة! نحن نعيش في مواجهة عدو تمرس في مختلف الأساليب النفسية، والفكرية، والتجريبية، والعلمية، والفنية وفي شتى المجالات، نحن نواجه عدواً ذكياً يستطيع أن يشغل الكثير من شبابنا من حيث لا يشعر. لذلك أيها الأحبة! أقول: إن من أهم واجباتنا فيما يتعلق بذكر واقعنا: أن نعرف قاعدة قبل أن نتكلم عن الواقع، ماذا سنفعل بعد أن نعرف الواقع؟ أيها الأحبة! حديثنا عن واقعنا وأمسنا نقسمه إلى ثلاثة جوانب: واقعنا الاقتصادي وماضينا الاقتصادي، واقعنا السياسي وماضينا السياسي، واقعنا الاجتماعي وماضينا الاجتماعي، وأرجو أن لا تخافوا من كلمة السياسة؛ لأني سأتحدث عن نظريات.

стр. 3070

واقعنا السياسي وماضينا السياسي اعلموا أيها الأحبة أن ماضينا من الناحية السياسية؛ كان المسلمون يعتقدون فيه أن لا غلبة ولا حياة ولا نفس للهواء إلا بسلطان المسلمين على سائر الأمم أجمع، كل مسلم في ذلك الزمان الماضي كان يرى أن المسلم ينبغي أن يكون المهيمن والحاكم والمسيطر على هذه الدنيا بأكملها، من خليجها إلى محيطها، هكذا كان فكر المسلم، وهكذا كان فكر خلفاء الإسلام، أن الإسلام لا بد أن يسيطر على جميع جوانب وأجزاء المعمورة أجمع، ولا يمكن أن نتنازل عن شبر فضلاً عن مترٍ، أو كيلو، أو بلدان، أو بقاع، أو أراضي للمسلمين أجمعين. هذا فيما مضى، كل مسلم حتى وإن كان خبازاً، أو حائكاً، أو بناءً، أو فلاحاً، هو في عمله، لكن يعتقد أن العزة للمسلمين، ولا يمكن أبداً أن يكون لكافر على مسلم سلطان أبداً، لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١]. نظريتنا السياسية في العهد القديم: أنه لا يمكن أنه يوجد كافر يستعلي على مسلم، هكذا كانوا يفهمون وهكذا كانوا يتعاملون، ولذلك فلا يرضون أن يكون للكفار أدنى رفعة أو أدنى علو أو زهو أو مكانة أبداً هكذا عقيدتهم، هكذا تربوا، وهكذا شربوا ورضعوا. أما واقعنا اليوم عندكم أنتم وعندي أنا وعند كثير من المسلمين في هذا الزمان: أن الأرض فرصة متساوية لطوائف من البشر يمكن أن يستعلي فيها من يستعلي، وأن يعيش فيها من يعيش. نحن لا نحرم الناس حق العيش، أرجو أن لا أفهم فهماً خاطئاً، إن الإسلام جاء بحفظ كرامة الذميين من اليهود والنصارى، إن الإسلام جاء بحفظ حقوقهم، إن الإسلام جاء بحقوق وواجبات لهم وعليهم، لكن بشرط أن يكون الإسلام هو الأعلى. أما في هذا الزمان فأين المسلم الذي إذا زار الأندلس قال: كيف أصبحت هذه الأرض بأيدي الكفار؛ لأن النظرية السياسية انتكست، تجد الكثير من المسلمين يزور برشلونا، وبهو السباع، قصر الحمراء، غرناطة، وهو يتمتع بهذه المظاهر الجميلة، لكن أن تجده يحترق فلا؛ لأن النظرية انعكست بدلاً من أن يكون المسلمون هم على هذه الأرض، أصبح النصارى يجعلون صورة الصليب والعذراء والمسيح على مداخل المساجد في تلك المناطق، لا، هذه الدنيا فرص، وهذه الآن فرصة الأسبان أن يعيشوا على هذه الأرض لا أقل ولا أكثر. من هنا انتكس مفهوم النظرية السياسية، ففي القديم كان المسلم لا يرضى أبداً أن يتملك كافر شبراً من أراضي المسلمين، لكن في زماننا هذا صار هَمُّ كل مسلم أن ينال قطعة أرض على شارعين، وسيارة لا بأس بها، إما نقداً أو بالتقسيط المريح، وزوجة على المواصفات المطلوبة حسب الإمكان، ومستقبل مادي لا بأس به، هنا يعيش حد وفكر كثير من المسلمين، وأنا لا ألومهم أيها الإخوة لأن النفوس درجات، من الناس من لا يقنع إلا بدرجة أولى، ومن الناس من لا يقنع إلا بطيران خاص، ومن الناس من يقنع بالقطار المسمكر، كل يضع نفسه حيث شاء، فمن المسلمين الذين تنسموا وتنفسوا روائح العزة لا يرضون بل لا يطيقون أن يروا كفاراً على معقل من معاقل المسلمين. هذا فيما يتعلق بالنظرية السياسية أو بالواقع السياسي بين الأمس واليوم.

стр. 3071

السلام العالمي المزعوم إن الذي تتبع منكم العام الماضي بالذات ما يتعلق بالصحف والمجلات والجرائد الأجنبية كلها، والإذاعات الأجنبية كلها، ماذا تقول؟ عام السلام الدولي، عام الطمأنينة، عام الأمن والأمان، يغرسون في القلوب أنه يجب أن يعيش الناس مرحلة إلقاء السلاح ومرحلة هدوء تام، ورضى كل بما حصل له، المهم ألا تفكر بأكثر مما عندك وهذا مبدأ يريد الأعداء من خلال أبواقهم ووسائلهم، أن يقرروه في نفوس المسلمين، أن يقولوا لكل مسلم: لا تتحرك أكثر من كذا لا يمكن، حتى بلغ بالمسلمين من الهوان والضعف ما بلغ. يقول لي أحد الدعاة وهو ألماني الجنسية مصري الأصل قال: كنت في زيارة لأهلي في مدينة المنصورة فسألت جارة لنا، تعيش في بيت خرب للغاية، مصر التي كانت تصدر للدنيا خيرات عظيمة، وكانت شوارعها تغسل بالصابون، القاهرة كانت تغسل بالصابون، ماذا حصل؟ كيف الحال يا أم سيد؟ وهي تعيش في بيت خرب أوشك على السقوط، وتطلب من جارتها أن تسكن في حضيرة الفراخ، فيقول لها: يا أم سيد كيف الحال؟ فتقول: يا بني لو أحسن من كذا (حتبوز) أي: لو وجد أحسن من البيت الخربان وحضيرة الفراخ فستخرب، أين همة المسلمين؟ أين الهمم التي لا ترضى إلا بالأعالي؟ أين الأم المجاهدة التي كانت تقول: لا تدخل هذا البيت حتى تأتيني برأس عدو الله؟ أصيب المسلمون بما يسمى بالتطبيع والهدوء، وعام السلام وعام الأمن وعام الطمأنينة، ينبغي لكل أن يقنع بهذا، وكما يقول الفاجر قباني: بالسلم قانعون بالحرب قانعون بالحر قانعون بالبرد قانعون وكل ما نملكه إنا إلى الله لراجعون يصف ويستهزئ وهو من النصارى، شهد شاهد من أهلها، يصف حال أمته ومن حوله، يقول: إنهم قنعوا بما أراد الأعداء. والله -يا إخوان- حينما ترى، ويتفاءل الرئيسان العظيمان بعد الخروج من قمة مالطا للحد من الأسلحة طويلة المدى، ونزع الصواريخ متوسطة المدى، والاتفاق بين حلف الناتو والأطلسي وو إلى أن يكون هذا العام عاماً جديراً بالسلام الدولي والأمني. ما هذا السلام؟ سلام وفلسطين عند اليهود؟! سلام وأفغانستان عند الشيوعية؟! سلام وبورما تسيل من دماء المسلمين؟! سلام وأثيوبيا ستة آلاف امرأة يزنى بهن في السجون؟! سلام والفليبين يذبح المسلم فيها كما تذبح الشاه، وفي مانيلا وفي منديناو؟ كيف تطوف اللعبة على المسلمين، لأن النظرية السياسية والواقع السياسي اختلف، كنا بالأمس لا نرى راحة ولا طمأنينة حتى نتربع على الأرض من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها. أما الآن فغاية الطمأنينة عندنا أن نملك قطعة من الأرض على شارع أو اثنين، وسيارة صغيرة وزوجة صغيرة، إلى آخر ذلك. لا يا إخوان! حينما نعرف الموال والعزف الموسيقي على وتر السلام فلنعرف ما هو السلام، سيحدثونك يا بني عن السلام: لكن ما هو هذا السلام الذي يتحدثون عنه، سلام يعيش فيه المسلمون أعزاء كرماء؟! سلام ينال به المسلمون أبسط حقوقهم كبشر؟! والله لقد عاملوا إخوانكم في أفغانستان وفي جنوب السودان وفي إريتريا وفي الفليبين وفي كثير من مواقع الأرض التي كانت السلطة والدولة والقوة فيها للمسلمين، عاملوهم أقل مما يعاملون البهائم والكلاب والدواب والحشرات، هل سمعتم بالإبادات الجماعية، والأسلحة الكيماوية؟! لا والله يا معاشر المؤمنين، أي سلام هذا الذي يراد أو يتحدث عنه، والمسلمون هكذا دماؤهم رخيصة، فحينما تسمعون العزف على وتر السلام اسألوا: ما هو السلام؟ أكلت يوم أكل الثور الأبيض، كانت فلسطين لا يتربع فيها إلا الفلسطينيون، وكذلك كل دولة من دول الإسلام، وأفغانستان لا يتربع فيها إلا الأفغان، كان أهل سجستان فيها، وأهل ترمذ فيها، وأهل بخارى فيها، وأهل طشقند فيها، وأهل جوزجان فيها، وأهل دوشمبي، وأهل طاجكستان كل أمة متمتعة، لكن جاء الدب الروسي الملحد فنهب قطعة من الأرض، فقال الذي بجواره: الحمد لله، ما دمت سليماً فالمسألة سهلة، فجاء الدب الروسي الشيوعي الملحد فنهب القطعة الثانية فقال الثالث: الحمد لله أنا سليم، فأخذ الثالثة، قال الرابع: أنا سليم، فأخذ الخامسة قال السادس: أنا سليم، حتى أكلت أراضي المسلمين وبلدانهم، بسبب التخلف في النظرية السياسية والانتكاس لماذا؟ أصبحنا فكرياً فضلاً عن عملياً نوافق أن يكون للكفار قائمة، وأن يكون للكفار دولة، وأن يكون للكفار أمة.

стр. 3072

ما خلفته دعوى السلام من أثر علينا قد يقول بعضكم: ما هذا التحمس العاطفي، يريد أن يقول: هكذا بـ أمريكا وهكذا بـ روسيا، ويضرب رأسهما ببعض؟ لا، أقول: وإن كان الواقع يدل على أن للكفار دولة، وعلى أن للكفار أمة، فينبغي أن العقول والقلوب ترفض هذا الواقع، إن المسلمين في عصور أذلوا فيها على أيدي المغول والتتار، مع ذلك كانوا يقولون: أنت كافر ذليل، والمسلم يقتل ويقول: أنت كافر ذليل، يعني: الواقع يشهد أن المغولي والتتري يذبح المسلم لكن الفكر الإسلامي كان نظيفاً، كان يحمل سياسة تقول: إن الكافر خسيس ذليل لا يمكن أن يتربع على مسلم حتى ولو مسك السيف وقطع رقبة المسلم، لكن الآن لا. ولذلك لاحظوا كم عدد الذين يتمنون أن تنتهي قضية أفغانستان بالحل السلمي وسنفونية الأمن والأمان والسلام؟ ليس لدينا مانع، والكثير يردد أن تنتهي القضية الأفغانية من خلال مسلكين: منظمة الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي، تتولى منظمة الأمم المتحدة الانتخابات في المناطق التي يسيطر عليها الشيوعيون، ومنظمة المؤتمر الإسلامي تتولى الانتخابات في مناطق المهاجرين، والمناطق التي يسيطر عليها المسلمون، هذا المبدأ تقترحه الدول الكافرة. نحن لا نتهم الآن منظمة المؤتمر الإسلامي أو نقول هي عميلة أو دخيلة، لا تفهموا خطأً أو تنقلوا خطأً، لكن أقول هكذا يفكر الأعداء أن ينهوا القضية، وللأسف بفكر ومنطلق ومفهوم الأعداء في إنهاء القضية وحسمها على هذا الواقع المرير يوجد آلاف بل مئات الآلاف من المسلمين، بل ملايين يريدون أن تنتهي القضية، تنتهي على ماذا؟ بعد مليون وستمائة ألف رقبة وروح أزهقت، وثمانمائة ألف يتيم، دموعهم تزرع الأشجار الباسقة، ما مسحت أبداً، بعد قرابة المليون معوق، يد، رجل، عين، وجه، جذع أنف، إعاقة، شلل ثلاثي أو رباعي أو نصفي، بعد هذا كله نجد مسلماً يوافق أن تكون الدولة والحكومة للشيوعيين مشتركة مع المسلمين بهذا الاقتراح الذي يقترحه الأعداء والعملاء؟! لا. فيا معاشر الأحبة! أعلموا أنه ينبغي أن نعتقد أنه كما لنا في هذه المملكة الطبية وهذه الجزيرة المباركة، كما أن للمسلمين فيها ولولاة أمرهم السلطة والقوة والدولة والغلبة، فينبغي أن تكون الدولة والسلطة والغلبة للمسلمين في كل بقاع الأرض، لا أن تقول: الحمد لله نحن بخير، ولا نبالي بأي مسلم في أي وادٍ هلك، هذا من الجهل ومن الخطر ومن الاتكالية القاتلة.

стр. 3073

واقعنا العسكري وماضينا العسكري كذلك أيها الأحبة! واقعنا العسكري بين الأمس واليوم: كنت أسمع محاضرة لمن يسمي نفسه دكتوراً، عن واقع إسرائيل مع دول المواجهة، يقول: إننا لم نبلغ الحد الذي نستطيع أن نقابل إسرائيل حتى الآن، فمن واجبنا، معنى كلامه: أن نجتهد في أنفسنا وأن نفعل وأن نقدم وأن نؤخر، المهم أنه يتحاشى الدخول مع اليهود في معركة، من خلال فكره وكلامه، لماذا؟ لأننا لا نملك ما تملكه إسرائيل، وإن إسرائيل تملك جيشاً احتياطياً مجنداً عدده مليون، هذا احتياطي كل يعرف ثنكنته وقائدة ورئيسه ومهمته عند صفارة الإنذار وناقوس الخطر، ويقول: إن إسرائيل تملك قنابل تقارب المائة قنبلة نووية، وإن إسرائيل، وإن إسرائيل، وإن دول المواجهة لو دخلت مع دول إسرائيل في حرب فستكون خاسرة لا محالة، هذا بمنطق من؟ هذا بمنطق المقاييس المادية البحتة، رصاصتان أكثر من رصاصة، دبابة أكبر من رشاش، صاروخ أقوى من راجمة، لكن كان المنطلق العسكري والنظرية العسكرية في الأمس: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال:٤٥] النظرية العسكرية القرآنية فيما مضى كانت لا تجيز لمسلم أن يفر أمام عشرة: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً﴾ [الأنفال:٦٥]، وبعد التخفيف لا يجوز لمسلم أن يفر من اثنين وإلا يعتبر مرتكباً لكبيرة الفرار من الزحف، هذا مستوى النظرية العسكرية في الماضي، أما واقعنا اليوم فيشهد أن النظرية العسكرية عند الذين لم يعرفوا النظرية القرآنية الحقة، ولم يتعاملوا مع كتاب الله معاملة مباشرة، يقولون: ماذا نفعل؟ الله جل وعلا قال: انصروا، أو قال: عليك الفوز؟ قال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ﴾ [الحج:٤٠] ما من آية ربطت النصر بالبشر، النصر كله بالله جل وعلا، انظروا الآيات التي تتحدث عن النصر والفوز والغلبة، كلها جاءت لتقرر أن النصر والفوز والغلبة بيد الله، إذاً ما الذي بأيدينا؟ الذي علينا العمل: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة:١٠٥] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال:٤٥] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠] ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨]. الآيات تأمرنا بالعمل ولم تأمرنا بالنصر، لماذا؟ لأن النصر من عند الله.

стр. 3074

وما النصر إلا من عند الله أيها الأحبة! لما أوقد لإبراهيم ﵇ نار عظيمة ثم أهوي به فيها من المنجنيق، جاءه جبريل في تلك اللحظة: يا خليل الله إبراهيم، هل لك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، التوكل القوي على الله، وعلم أن النصر بيد الله، إن الذي خلق النار قال لها: كوني برداً وسلاماً، إن الذي جعل العوامل والعناصر الفلزية واللافلزية والكيماوية وغيرها تتفاعل حتى تنفجر على نمط ننوي معين هو الذي خلقها، فالله قادر أن يعطل هذه القنابل النووية. نحن علينا أن نأخذ بالأسباب فقط، ولا أحصي لكم عدد الأخبار التي أخذتها بنفسي من مجاهدين، وممن نقلوها عن قادة المجاهدين يقولون: لا نحصي عدد القنابل والقذائف التي تنزل بالقرب منا ولا تنفجر، لماذا؟ لأن الموت لم تحن ساعته، ليست هذه رصاصتك التي تميتك، إن الرصاصة التي سوف تقتلك لم تصنع بعد، أما صندوق الرصاص، الذي فرغ في وجهك، هذا كله تخطاك يمين يسار ("١سم" فوق، "١سم" تحت، "١سم" يمين، "١سم" يسار) وربما ضرب في ثوبك ونفضته، لماذا يا أخي؟ لأنك تعلم أن الموت بيد الله، وأن الأمر بيد الله، وأن القوانين والسنن الكونية بيد الله، فالذي خلق العقول يعميها ويهديها، والذي سخر الرصاص يبطل كيده ومفعوله. هذا ما ينبغي أن نعلمه في مستوى النظرية العسكرية. إننا إن كنا نريد أن نقابل أعداءنا بقوة تساوي قوتهم العسكرية، فقد نحتاج إلى أزمنة طويلة، ولن ندخل معهم ساعة الحسم والمواجهة، ولكن يوم أن نعلم أن الله جل وعلا هو الذي خلقنا وخلقهم، كما قال أهل البادية حين خوفوهم بالطيارات قالوا: الطيارات فوق الله أو تحت الله؟ قالوا: تحت الله، قالوا: أجل نحن وإياهم تحت الله، الطيارات والذي على الأرض كلنا تحت الله، فهكذا تنتصر الأمم بهذه العقائد، إننا لا ننتصر بذواتنا ولا بأسلحتنا، ولكن ننتصر بعقيدتنا أيها الإخوة، والعقيدة شأنها عظيم، شعب بغير عقيدة ورق تذريه الرياح من خان حي على الصلاة خان حي على الكفاح

стр. 3075

الانهزامية التي تعانيها الأمة فيا معاشر الأحبة! واقعنا في النظرية العسكرية بين الأمس واليوم. يقول عمر بن الخطاب: [والله إني لا أخشى على الجيش من عدوه، ولكن أخشى على الجيش من ذنوبه]. واقعنا اليوم يختلف، حتى أصبح المسلمون في واقعهم العسكري قد تعودوا نغم الهزائم والحروب والمصائب، يقول الشاعر: حرب حزيران انتهت وكل حرب بعدها ونحن طيبون عندنا استعداد لأن نتقبل مزيداً من الحروب والمصائب لماذا؟ لمستوى النظرية العسكرية الجوفاء، ليس بالتكبير والتهليل وتربية النفس، وأننا نقاتل القوم بعقيدة. حرب حزيران انتهت وكل حرب بعدها ونحن طيبون تغلغل اليهود في بلادنا ونحن عائدون ناموا على فراشنا صاروا على مترين من ديارنا ونحن راجعون ناموا على فرشانا ونحن عائدون وكل ما نملكه إنا إلى الله لراجعون حرب حزيران انتهت جرائد الصباح ما تغيرت الصور العارية الحمراء ما تغيرت كلفنا ارتحالنا خمسين ألف خيمة جديدة تعودنا أن نبني مخيمات، أن نتعامل مع لاجئين، مع مهجرين لا أقل ولا أكثر، ولكن أن نتعلم من أين أصبنا؟ لا، هذا مفهوم حرص الأعداء أن يبعدوه عنا، والله جل وعلا قد علم الأمة درساً في ثاني معركة، بداية بناء الدولة الإسلامية في عهد النبي ﷺ في معركة أحد، بداية خطيرة، الهزيمة تعني السحق للطائفة المسلمة، ومع ذلك حصلت الهزيمة ويقتل سبعون من صحابة رسول الله، وتدخل حلقتان من حلقة المغفر في وجه رسول الله ﷺ ، وتشج جبهته ﷺ وتكسر رباعيته، والله جل وعلا يقول والوحي يتنزل: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران:١٦٥] من أين جاءت الهزيمة؟ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] من أنفسكم أنتم، أتيتم من أنفسكم. فوالله يا معاشر المسلمين! والله لو اجتمع المسلمون في هذا الزمان وتدارسوا مواقع الخلل ومواطن النقص في أنفسهم لكانوا أعظم قوة على أعدائهم، ولكن من أين للمسلمين صف واحد يتحدون حوله إلا بمنّ الله وفضله، ثم بشباب الإسلام الصادقين ودعاته المخلصين وولاته المسلمين.

стр. 3076

إنما نقاتل عدونا بعقيدة لا بعدد هكذا ينبغي أن نعلم أن طريقنا إلى جيل جديد يحتاج إلى تغيير المفاهيم. يا شباب الإسلام! الأرض لكم، الأمة لكم، يا شباب الإسلام! المسلمون مهيمنون، المسلمون مسيطرون، وفكر المسلم على المستوى السياسي يوافق أن الكفار يكون لهم غلبة، وفكرك على المستوى العسكري لا تقتنع أن تدخل معركة إلا إذا كان عدد سلاحك ورصاصك أكثر منهم، لا، وإن كان شكلك مسلماً أو ملتزماً، فإن فكرك يحتاج إلى تغسيل، غيِّر هذه النظريات الموجودة عندك، ورأيت بأم عيني آيات من آيات الله، وآخر خبر بلغني أن واحداً من الشباب الذين رأوه في أحداث منطقة خوست، قال: ضربنا طائرة وشيكة الهبوط في مطار خوست محملة بالذخائر، وشيكة الهبوط على مستودع الذخيرة والأسلحة في المطار، بقاذفة بي إم، تكلف مبلغاً بسيطاً، فتضرب بها الطائرة فتصيب في الطائرة مقتلاً فجر سلاحها ويتفجر المستودع وتلتف الطائرة في المطار بحركة عشوائية تدمر ثمان طائرات. أين الذين يتحدثون عن الموازنة العسكرية والمساواة في العدد والعدد والأفراد والقواد إلى آخره؟! لا، القضية تحتاج إلى إخلاص: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]. جاء فريق من الأمريكان إلى عبد رب الرسول سياف قالوا: أعندكم سنجر؟ كيف تضربونه؟ قال: اذهبوا به إلى سزنور، قائد أفغاني نحيل، فذهبوا إلى أحد المواقع وحمل سزنور صاروخ السنجر الذي جعل الأمريكان له مواصفات في حمله، ومواصفات درجة الحرارة في تخزينه، ومواصفات معينة في وضعه، ومواصفات في كيفية إطلاقه وتهيئة القاعدة له، نظم وبرامج ومخططات، حمله هذا الأعرابي على كتفه ثم نشن على طائرة هيلوكبتر ثم تكلم بكلام ما علموه وأطلق، فجاء الأمريكان يقيسون كم مسافة بعد الصاروخ عن أذنه؟ كم مسافته عن كتفه؟ كم حجم ذراعه يمشي عليها التيس وإلا لا؟ يأخذون مواصفات ومقاييس، قالوا: طيب هناك كلام أنت قلته قبل أن تطلق ما هو؟ فضحك وقال: ما تعرفونه؟ قالوا: لا نريده، فأخبر المترجم قال: إني قلت: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] ثم أطلقت، فلما ترجم المترجم للخبير الأمريكي قال: هذا نحتاج إلى سنين حتى نعلم الجيش الأمريكي هذا الكلام. فنحن على مستوى النظرية العسكرية نحتاج إلى فهم دقيق، أننا لن نغلب الأعداء بعددنا ولا بعددنا وإنما نغلبهم بقوة العقيدة، إن أعداءنا يحملون عقيدة، ونحن نحمل عقيدة، فإن كانت عقيدتنا التي نحملها أقوى نحملها حملاً فعلياً، أنا لا أشك أن عقيدة المسلم حتى الفاسق عنده عقيدة، يقول: أنا عندي عقيدة نعم، عقيدتك صحيحة لكن أين أثر العقيدة في سلوكك؟ إذا كان شيوعيو المليشيا المتطوعون يجدهم المجاهدون ومعهم الأكفان، عقيدة لا إله والحياة مادة، لا يمكن أن يعترف بدين ولا بإله ولا بغير ذلك، جاء متطوعاً لكي يسحق الإسلام والمسلمين والثوار، يسميهم الثوار المخربين، يقاتل عن صرح الشيوعية فداء لروح لينين وكارل ماركس وإنجلز وغيره ومعه كفنه، هذا عنده عقيدة فاسدة لكنه يحملها بحق وصدق، والمسلم عنده عقيدة حقة لكنه لا يتعامل معها، عقيدة المسلم أن الموت لا يتقدم ولا يتأخر ومع ذلك ينفر من الموت، عقيدته أن الرزق لا يزيد ولا ينقص ومع ذلك يظن أن الكذب والاحتيال يزيد في رزقه، وأن الغش يزيد من فرص الرزق له، وأن إلى آخره يزيد من حظه من الدنيا أو ينقصها. إذاً معاشر الأحبة! نحن في بون شاسع في النظرية السياسية والعسكرية فيما مضى وفي عصرنا الحاضر.

стр. 3077

واقعنا الاقتصادي وماضينا الاقتصادي كذلك أيها الأحبة! واقعنا الاقتصادي؛ فيما مضى مشت أمورنا وأمور المسلمين أجمع بدون نظام ربوي أبداً، أما الآن فيا للأسف! يعتقد بعض من يعد من رجال الفكر والعلم أنه لا يمكن أن توجد قوة اقتصادية إلا بقوة نقدية، ولا يمكن أن توجد قوة نقدية إلا بقوة بنكية، ولا يمكن أن توجد بنوك إلا بفوائد. يهمني أن نعلم أننا نستطيع أن نعيش بدون الفائدة والربا، نستطيع أن نلغي اللعنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩] نحن نتعامل مع كلام الله جل وعلا، الله ينهانا عن الربا ويأتي من يقول: لا يمكن أن توجد قوة اقتصادية إلا بقوة نقدية، ولا قوة نقدية إلا ببنكية، ولا بنوك إلا بفوائد، ما هذا الكلام؟ أن نقول: والله هذا ذنبنا، وهذا خطأ، عندنا بنوك، عندنا فوائد، هذا شيء، لكن أن نقول: لا يمكن أن نعيش إلا بالربا هذا شيء آخر، وأنا لست في مجال مناقشة الوضع الأول، قضية وجود بنوك وفوائد لا أناقشه الآن، لكن أناقش الفكرة التي تريد أن تعمق في رأسي ورأسك أنه لا يمكن أن نعيش إلا بالفائدة والربا، لا وألف لا، نستطيع أن نعيش على نظام اقتصادي إسلامي غني عن الفائدة والربا، فيا معاشر المؤمنين! هاتان نظريتان بين القديم والحديث، عاشت ملايين البشر على مستوى من الثراء والتجارة والغنى، والمنشئات والمشاريع، والحضارة والتمدن والبناء وما عرفت هذا كله. إذاً: فلنعرف كيف نغزى في عقولنا، إننا قبل أن يحل بنا أو يفعل بنا فعلة يسبقها تمهيد فكري في النظرية، فإذا اعتقدنا بالنظرية الفكرية، عند ذلك سهل التطبيق. بالنسبة للمستوى العملي كيف كان واقعنا بالأمس وواقعنا اليوم؟ فيما مضى كان الناس قد شغلوا بأمور معاشهم، ومهما اشتغلوا بأمور معاشهم فما كانت الدنيا أكبر همهم ولا مبلغ علمهم، وما كانت تطغيهم عن أمر آخرتهم، بل إن دنياهم كان دعماً ومدداً وعوناً لدينهم ولجهادهم ولإعلاء كلمة ربهم. أما في زمننا هذا فشغل الناس بالدنيا حتى أصبح الواحد يجمع جمعاً كأنما سيعيش ألف سنة في منطقة نائية عن البشر ليس له محي ولا مغيث إلا رصيده وماله، ولذلك تجد أناساً -سبحان الله العظيم! - يلهث الواحد منهم وراء الدنيا لهثاً، مع أن المسكين يجهل أن رزق الله لا يجلبه حرص حريص ولا طمع طامع، ولا يرده حسد حاسد. نحن لا نقول: هيا إلى أفغانستان، أو أن نكون خطباء أو معلمين، لا، نقول: نريد كلاً يعمل في أفضل جانب يخدم فيه الإسلام، سواء كنت مهندساً، معلماً، ضابطاً، نجاراً، خبازاً، أياً كانت وظيفتك وعمليتك، أفضل موقع يقربك إلى الله جل وعلا تعمل فيه، ولكن اجعل جزءاً من عملك خدمة لدينك، فمثلاً أنا موظف عندي راتب من أجل ماذا؟ من أجل أذهب عند مؤسسة الراجحي لأشتري فيستفيد وحده؟ لا، حتى أقبض من هذا الراتب وأحرق الشيوعية بنار هذا الراتب، لكن هذا يوم أن يكون الهم في المستوى العملي وأمور المعيشة مرتبطاً بالجهاد وبعقيدة. أما الآن لا والله همومنا: الذي عنده سيارة ينتظر متى يشترى طراداً، والذي عنده طراد ينتظر متى يشتري شالية، والذي عنده شالية ينتظر متى يشتري قصراً، والذي عند قصر ينتظر متى يفعل فقط: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢] من الذي حرم زينة الله؟ ما أحد يستطيع يمنعك أن تشتري طراداً وتصيد في البحر وتغوص، ما أحد منعك أن تشتري وتصلح، لكن لا تنس دينك، ولا تنس عقيدتك، ولا يكون جمعك للمال ملهياً لك عن أمر عقيدتك، أنا أسألكم بالله يوم أن يخرج الزاني السكير الشاذ المنحرف الخبيث المعتوه من البار أو الحانة، أو النيت كلوب، أو النادي الليلي، أو أي مكان، ثم يجد صندوق (هلتوريد جروف) ساعدوا الصليب الأحمر، ويخرج ما بقي من الدولارات ويضعها، سكير عربيد ومع ذلك ما نسي أن ينتسب إلى النصرانية التي يجتاح مزيداً من البقاع وتحتاج إلى دعم في التنصير، لكن المسلم لا يمكن أن تجد إلا القليل من المسلمين من يجعل العمل للإسلام هماً يومياً وعملاً يومياً، من هو في بيته صندوق كهذا مثلاً إذا جئت البيت انفض الريالات، الريال الزايد هاه بسم الله تضع الريال، وفي نهاية الشهر أذهب به واجعله كفالة ليتيم ولو لمدة أسبوع، أو قيمة عشر رصاصات، أو قيمة قذيفة، أو قيمة أي شيء مما ينفع المسلمين. كم عدد المسلمين في العالم، مليار مسلم: يا ألف مليون أين هم إذا دعت الجراح النزيف والدم الإسلامي الرخيص الذي جرى على الأرض لم يلتفت له أحد. يا ألف مليون أين هم إذا دعت الجراح هاتوا من المليار مليوناً صحاحاً من صحاح من كل ألف واحداً نغزو بهم في كل ساح هل نجد من كل ألف مسلم مسلماً؟!! العالم الإسلامي مليار، لو أخرجنا من كل ألف واحداً لاستطعنا أن نجد مليون مسلم على قلب واحد، ولكن هذا حتى الآن لم يوجد. نادت الصليبية بمشروع المائة مليون، فغطي مشروع الصليبية الحاقدة (مشروع المائة مليون) في شهر واحد، فقام أحد الدعاة إلى الله وقال: نريد مائة مليون دولار في ثلاثة أشهر، فمضت ثلاث سنوات لم يجمع مشروع المائة مليون، لماذا؟ لأنك تجد الواحد يسرف على نفسه في اللذائذ والملذات ما الله به عليم، وإذا دعي إلى الدعم وإلى مراد الله وأمر الله ودين الله وجدته بخيلاً ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]. اعلموا أننا بحاجة إلى الدين، بحاجة إلى الجهاد، بحاجة إلى العزة، وإلا فأمر الله ماض: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد٣٨] ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] فهل نكون منهم يا أحبابي؟ هل نكون وإياكم من القوم الذين أحبهم الله ويحبون الله، أم نكون من الذين أحبوا شهواتهم فنسوا الله فنسيهم الله؟ ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩].

стр. 3078

واقعنا الاجتماعي وماضينا الاجتماعي ثم يا معاشر الأحبة! لماذا هذا البون الشاسع والمساحة الواسعة بين الماضي واليوم فيما يتعلق بالهم على مستوى المعيشة والحياة؟! أقول لكم: إننا خفنا على أمرين اثنين: خفنا على الحياة، على الروح مثل ما يقال: (يا روح ما بعدك روح) خفنا على الحياة، وخفنا على المال، ونسينا أن الآجال لا تتقدم ولا تتأخر ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]. الخوف على الروح، الخوف على الحياة، بعض الناس بلغت به الوسوسة أن يظن أن كل خطوة يعملها للإسلام أنه يقتل بها من قال لك هذا الكلام؟ وسوس الشيطان في ذهنك وزين لك، وإني أعجب أن نرى -ولله الحمد والمنّة- في بلادنا مجالات عديدة للعمل الإسلامي، كالشمس في رابعة النهار، ما تريد لها في الليل، تقول هذا عمل ممنوع أو سري، مجالات عديدة للعمل الإسلامي التطوعي مفتوحة، ومع ذلك تجد الواحد يتخفى كأنه يريد أن يبيع كيلو (هروين) وإلا (كوكايين) فيتلفت يخاف أن يراه أحد، لماذا هذا الخوف؟ لماذا هذا الذعر والهلع والخوف؟ يقولون: إن رجلاً كان في منطقة من مناطق نجد وأصله أفغاني كما يقال، يسمونه (درويش) قالوا له: إن أمير المنطقة سوف يقتلك، اهرب، كان ذلك قبل الحكم الحالي، أمير المنطقة سوف يقتلك، وكان لا يحسن العربية فقال: أنا ما أهرب، إذا الله يقول: درويش يموت أنا أموت، إذا الله يقول درويش ما يموت أنا ما أموت يا مجنون اهرب، الرجال يريد أن يذبحك، قال: ما في، فلما جاء الليل إذ بالناعي ينعى والصائح يصيح: إن الأمير مات في فراشه البارحة، فلما جاءوا الفجر وإذا به جائي إلى المسجد الذي يصلي على جنازته يصلي معه. قالوا: ما الذي أتى بك؟ قال: جئت من أجل أن أقول بعد أن أكبر الرابعة: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥]. فيا إخوان الأجل بيد الله. أقول لها وقد طارت شعاعاً. تنتفض خوفاً. أقول لها وقد طارت شعاعاً من الأبطال ويحك لن تراعي فإنك لو سألت بقاء يوم عن الأجل الذي لك لم تطاعي فصبراً في مجال الموت صبراً فما نيل الخلود بمستطاع والله يا إخوان ما أحد يتجاوز يوماً واحداً، الأخ عبد الهادي التونسي أسأل الله أن يجعله من الشهداء، جلس أسيراً في السجن الشيوعي، بولى شرخى في كابول سجن، كما أخبر عنه من حدث به، قال: من شدة البلاء فيه، زنزانات يجتمع فيها دورات المياه مكشوفة على المجلس، فإذا أراد أحد المساجين أن يقضي حاجته إخوانه يولون وجوههم للجدار وهو يقضي حاجته هناك ويسمعون ضراطه ويشمون رائحته، من شدة العذاب، خرج من السجن بعد مدة، بعد سنوات، ما كتب له أن يموت، ولما خرج يركب سيارة من سيارات المجاهدين، ويقول سياف: لا تتعدوا هذه المنطقة، فينسى السائق أو يغفل، فيتعداها فيقع في الأسر من جديد ويقتل في تلك اللحظة. أسره بعض الشيوعيين وقتله بسرعة، سنوات في الأسر ما قتل فيها، وبعد الخروج والحرية حانت اللحظة والساعة فمات. تزود من الدنيا فإنك لا تدري إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر فكم من صحيح مات من غير علة وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر وكم من عروس زينوها لزوجها وقد نسجت أكفانها وهي لا تدري وكم من صغار يرتجى طول عمرهم وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر الخوف على الحياة هو الذي قتلنا وذبحنا، الواحد يخاف الحياة حلوة، حياة زينة، رضينا بها، اطمأننا بالحياة الدنيا، لكن أسألكم بالله يا إخوان: الحياة ما هي؟ لو كان أحدنا عطشان ثم شرب شربة الماء يتلذذ بها، أو إنسان عطشان يوشك أن يموت من العطش، فعند الرمق الأخير من الحياة والعذاب وتقطع البدن، من معاناة ألم العطش وجد شربة الماء، فشاء الله أن ينحبس الماء في جوفه ولا يتبول، فإنه يتعذب، حتى يخرج هذا الشيء الذي كان أشد ما يتمنى، فالحياة ألذ ما تتمناه أحب ما تفارقه، ألذ طعام يزرع في بلاد ويجنى ويصدر ويجفف، ويحضر إليك، ويحضر له الغاز، وتضع المقادير وتطبخه، ثم تأكله بنهم وشراهة وأكل ولذة، ألذ طعام تشتهيه مر بمرحلة طويلة حتى وصل إلى فمك، فترة اللذة على اللسان فقط، ثم إذا دخل الجوف والله إن أكلت علفاً أو أكلت غيره ما تختلف، إذا وصلت الجوف انتهت العملية، لكن ألذ طعام بعد هذه المرحلة إذا أكلته لو احتبس في بطنك تمنيت عملية جراحية لإخراج الغائط من بطنك، ما هذه الحياة؟ حياة لا نضمن فيها البقاء، هل وجدتم أحداً عمره مائتين أو ثلاثمائة سنة؟!! نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح لتموتن ولو عمرت ما عمر نوح أحسن الله بنا أن الخطايا لا تفوح حيث إن الذنوب مالها روائح وإلا ما اجتمعنا في هذا المسجد. ما هذه الحياة؟ حياة قوة، شباب، عنفوان، مرض وفراش، ثم يغسل ميتاً، والعقل الجبار، العقل الذي تعامل مع برامج الكمبيوتر، العقل الذي يدير أدق العمليات الجراحية، مآله إلى التراب، ما الحياة؟ ما الحياة؟ اجتماع بعده افتراق، صحة بعدها مرض وسقم، لذة بعدها كدر، إن لم تخرج بولاً وغائطاً، ما الحياة؟ الحياة: طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأكدار ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار ما الحياة التي نتعلق بها؟! ما هي الدنيا التي نخاف عليها؟! وهي السبب في حال المسلمين من الضعف والخور والجبن، وعين كلام النبي ﷺ بدأ جلياً واضحاً فينا اليوم: (كيف بكم إذا تداعت عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها؟ قالوا: أومن قلة نحن يا رسول الله؟ قال: لا. أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يصيبكم الوهن، وينزع الله من صدور أعدائكم المهابة منكم، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) فعلاً أيها الأحبة! هكذا أحببنا الدنيا، ولو تأملنا حقيقة الدنيا لما وجدنا أنا كم رأيت أناساً والله يكدون كد الحمير وهم أفقر عباد الله، ورأيت أقواماً بأدنى سبب تفتح لهم به الأموال والأرصدة والأرزاق. يقول ﷺ : (لقد جاءني جبريل ونفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها) الذي يشتغل فترتين أو ثلاث، والذي يشتغل أربع ساعات كل منهم لن يموت حتى تقول الملائكة: لقد أكل آخر لقمة، وشرب آخر شربة، واستهلك آخر ريال، وقبض آخر درهم. ستموت بعدما ما تستوفي جميع حقوقك من التقاعد، وخارج الدوام والراتب الرئيسي وبدل النقل، لن يبقى لك شيء أبداً. كما يقول ﷺ : (اتقوا الله وأجملوا في الطلب) أي: ابذل السبب للرزق لكن لا تجعل الدنيا أكبر همك.

стр. 3079

غرض الغزو الفكري من شباب الإسلام أيها الأحبة! إلى جانب غفلتنا في واقعنا اليوم وخوفنا من الموت، وخوفنا على الرزق الذي جعل كثيراً من الناس يجبنون عن المشاركة في فعل الخير، أو القول بالخير ونحو ذلك، إلى جانب ذلك نجد حملة مسعورة من أعداء الإسلام على شباب الإسلام، وهذه الحملة اتخذت طابعين: التبشير، والاستشراق، والغزو الفكري، حملات تنصيرية لإخراج المسلمين عن دينهم، وتشكيك المسلمين في القرآن، وتشكيكهم في السنة، وفي أعلام التاريخ.

стр. 3080

التشكيك في التاريخ الإسلامي وتشويه أعلامه من هو خالد بن الوليد؟ يقول جورجي زيدان عنه كذا، صلاح الدين يقول قسطنطين زريق عنه كذا، محمود بن سبكتكين الغزنوي يقول عنه جرجي سلامة كذا أي: أصبح الشباب يقرءون سير أعلام الإسلام من خلال كتابات النصارى وأعداء الإسلام، أو المسلمين العملاء، فلا يبقى للمسلم رمز ينتخي به أو ينتسب إليه من الأباء والأجداد والقادة، ثم ماذا بعد ذلك؟ سيل وافر ومنهمر مما يخدر العواطف ويوجه السلوك، أسأل شبانا كم تحفظ من شعر طلال بن سعيد؟ يعد لك الكثير، ما أدري فهد بن سعيد أو طلال بن سعيد والثاني والثالث يحفظ لك الكثير، (يا ونيت ونيتها من خوى الرأس) وهات من هذه القصيدة وجلسة كاملة كلها قصيدة، لكن أريد سورة من كتاب الله ما أجد، سبحان الله! حينما توضع في القبر، فيقول لك الملكان ماذا قلت؟ طلال بن سعيد، فهد بن سعيد ماذا يصلح لك هؤلاء؟ وربما بعضهم تاب إلى الله، فالمصيبة أن الشباب استغلت عواطفهم، بدل ما تكون حرارة العواطف موجهه للجهاد؟ أو في الشفقة على أيتام المسلمين وأراملهم وجهت إلى القصائد، والنظم والنثر والشعر في وصف حلال المسلمين، مما يثير همم البقية، فهل ذلك لنخوتهم ولمساعدتهم؟ لا، لكن العواطف الساخنة وجهت في أشعار الحب، ورباعيات الخيام، وألف ليلة وليلة

стр. 3081

التخدير بالمعاصي وماذا بعد ذلك الجانب القوي والنخوة والنجدة والشيمة في نفس المسلم؟ تحذير بالغزل الجنسي، تجد فيلماً يباع في أي محل من محلات الفيديو، أو يصدر من الدول الفاجرة، تجد فيلماً لا هو بخليع ولا بمحتشم، كي يحرق أعصابك، تظل تتابع متى تجد الموقف الذي يثيرك، وطول الليل وأنت تتابع هذا الفيلم نعم العواطف مستهلكة لمتابعة آخر حدث، ماذا يصير؟ إذاً أنا أقول لك قبل أن تشتري الفيلم: هذا فيلم فيه فاجر فعل الزنا في فاجرة، انتهينا منه، ماذا قدمنا للإسلام؟ لكن لا، أسلوب عرض شيق، صدفة، مقابلة، حادث، أصبح في نار عجيب وحوار شيق، حتى يجرك إلى الحدث، وربما بعضهم يصيح إذا رأى فيلماً هندياً ما هذه العاطفة، وما هذا الخيال الفارسي، تلقاه يتقطع، ثم ماذا؟ يغلق التلفزيون ويذهب ينام، هذه قوة بدلاً من أن تكون راجمة صواريخ، بدلاً من أن تكون كاسحة ألغام، بدلاً من أن تكون حرباً على أعداء الله، بدلاً من أن تكون قوة بناءة، جعلوها قوة آهات وأنات، وجنس وعادة سرية، وفواحش وزنا إلى غير ذلك. ولذلك هاتوا لي شاباً من أفسق شباب المسلمين الآن، واربطه بيديه ورجليه بالحديد، وأقول: اسمع لا تدخل المسجد ولا تصلي، تفرج على التلفزيون وتفرج على الأفلام والفيديو وكذا وكذا، لكن إياك أن تعبد الله أو تصلي، هذا الفاسق الفاجر يقول: أما تخسأ، أنا أترك الصلاة ديني ودين آبائي وأجدادي؟ ثم تتحرك العقيدة والحمية ويتمرد على هذا القيد، ويكسر الحديد وربما يدخل إلى المسجد ويكون من حمام المسجد وأئمته. لكن بالأسلوب الثاني، أسلوب الغزو الفكري تعال يا أخي المسجد كم له من باب، أربعة أبواب، نحن نتبرع بفتح بابين زيادة، كي تصير أبواب المسجد ستة، ولكن تفضل هذا (رامبوا) رقم اثنين ورقم ثلاثة وآخر ما أنتجته أفلام هوليود إذا كنت تتابع أو تسمع، فيأخذ الفيلم وينظر إليه، ويؤذن المؤذن، والمسجد فاتح أبوابه، يقول: يا رجال سنلحق وقت الصلاة، لكن الفيلم سيفوت. انظر في المرة الأولى ربطناه وواجهناه بالعداوة، فلم يرض وأبى إلا أن يدخل المسجد، لكن في المرة الثانية قلنا المسجد مفتوح ونحن ما نردك عن المسجد؛ لكن تفضل هذا فيلم فيديو، فيشتريه وينظر ويحترق، وربما رأى صورة امرأة فيقول: لابد أن أدبر حجزاً وأسافر وألقاها على الأقل أتصور بجانبها، كما حصل من بعض الشباب.

стр. 3082

صرف العواطف إلى الملاهي انظروا إلى أي درجة أصبح واقعنا، صرفت فيه عواطف الشباب إلى الأمور التافهة، وإلى ساقط الأوضاع حتى لا يمكن أن يكون من بين هؤلاء الشباب مجاهداً يهدد أعداء الله، وأنا دائما أردد مثلاً من الأمثلة التي رأيتها بعيني، وزارني في مسجدي في الرياض، يمني أنحل واحد فيكم أسمن منه، أي: نحيف، وأقصر واحد فيكم أطول منه أي: قصير، أبو عتيق اليمني كهربائي، لما منّ الله عليه وأراد به عزة ورفعة، وليس في الكهرباء عيب بل هي أشرف من الكسب الملتوي والغش والخداع، لكن لما أراد الله له سماء العزة الجهاد، ذهب إلى أفغانستان وأصبح مساعداً للحاج شير علم، ويهدد نجيباً، يقول: أترجى حاج شير علم، أقول يا شير علم، أمهلنا ست ساعات، وبعدها نمطر كابول بطوفان، ويقول الحاج شير علم: الذي وصلهم يكفيهم. هذا من كهربائي، ربما (يا أبو يمن) ما عرفت تصلح، خربت الفيش، لكن أصبح يهدد نجيب ويخرج نجيب على الشاشة ويقول: إن كابول قد أغرقت بطوفان من الصواريخ، من هددك يا نجيب يا عميل الشيوعية؟! أما علمت أن الذي هددك أبو عتيق اليمني، كان كهربائياً، من أجل هذا وجهت عواطف الشباب، حتى لا يكون النجار قنبلة، حتى لا يكون الحداد قاذفة، حتى لا يكون المعلم قائداً، حتى لا يكون الشاب رمحاً في نحور الأعداء، حتى يتفادى أعداؤنا هذه الصور الإيمانية المتفجرة المتأججة القوية، فشغلوا شبابنا بألوان الفكر والفن والطرب وبرامج السياحة، وبرج إيفل، وشواطئ الأنهار وفولردا وميامي وجزر كذا إلى آخره؛ حتى لا يتوجه الشباب إلى دين الله، وإلى عزة الله .

стр. 3083

العمل للإسلام مسئولية الجميع فيا معاشر المؤمنين! هذا واقعنا يحتاج إلى رجعة، وأنا أقول أيها الأحبة! وصف الواقع لا يكفي بل أنتقل إلى العمل وأقول: هاأنا وصفت لكم واقعنا وواقع شبابنا، والانحراف والغسيل الفكري، الذي أحدثته مختلف الوسائل في عصرنا في عقول المسلمين، فما أنتم فاعلون؟ كل واحد في هذا المسجد: أبو عقال والذي ما عليه عقال، والملتحي والذي ما له لحية، واللاعب الرياضي والذي ما يلعب رياضة، والذي يفعل والذي ما يفعل، أسأل كل واحد منكم: ماذا قدمت للإسلام؟ ماذا قدمت للإسلام؟ ليس من شرط العمل للإسلام ألا يخدمه إلا أولو اللحى، أو لا يخدمه إلا أولو المشالح، كل واحد مسئول، إن وجد تقصير في سلوكك فأنت مؤاخذ بتقصيرك ولكن لا تجمع مع التقصير في السلوك إهمال للعمل للإسلام. ماذا قدمتم أيها الإخوة! أسألكم بالله يوم أن تحمل جنازتي وجنازتكم على الأكتاف، وبعد تحضر الملائكة وتنزع الروح من الجسد، ونحن نتذكر ومن حولنا يبكون علينا، ونحن نقول: ماذا قدمنا للإسلام؟ هل ربينا الأولاد تربية طيبة، أم أخذنا نحضر لهم مختلف الأفلام والمسلسلات؟! هل اعتنينا بالزوجات والبنات؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]. ماذا قدمتم للإسلام أيها الإخوة؟! إن الإسلام للجميع، والعمل للإسلام مسئولية الجميع، ليس مسئولية الخطباء أو الدعاة أو حملة الشرعية، فالمكنيكي مسئول عن الإسلام، والمطافئ مسئول، ومنقب الزيت مسئول، وسواق التاكسي مسئول، والحارس مسئول، وأكبر وأصغر واحد مسئول عن هذا الدين، فماذا قدمتم؟! اسألوا أنفسكم يا إخواني: ماذا قدمتم؟ قدمتم لبطونكم. ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم:٣١] أين المسلم الذي يكون مباركاً أينما كان؟ نعم نحن مباركون لكن في حظوظنا الأنانية، حينما نعيش لذواتنا فحسب، حينما نعيش لأنفسنا فحسب تبدو لنا الحياة قصيرة تبدأ من حيث بدأنا وتنتهي حيث ننتهي. وحينما نعيش لفكرة، حينما نعيش لغاية، حينما نعيش للدين نبدأ قبل أن نولد لأننا بدأنا مع الحق، ونستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها حتى نرى ثمار الحق، ذلك يوم أن نعيش للإسلام. مسئولية كل واحد منكم أن يكون عيناً حارسةً لأمنه ووطنه وبلاده خاصة، وبلاد المسلمين عامة، مسئولية كل واحد منكم أن يكون يداً معطاءة لمشاريع الخير، للعمل الإسلامي، الجبهات مفتوحة الآن، العالم الإسلامي مطعون طعنات عديدة. إذا كنا مللنا قضية أفغانستان، فعندنا قضية جديدة اسمها قضية السودان، والجهاد في جنوب السودان بدأ، والجهاد في إريتريا بدأ، والجهاد في الفليبين على أشده، لكن ماذا نعرف؟ نعرف أن المدرب العجوز الكاميروني قاد الكاميرون إلى دور الأربعة، ودخلت في مباريات كأس العالم. كيف استطاع ذلك العجوز المعجزة أن يقود كأس العالم؟ نعم عرفنا هذا، لكن هل عرفنا أن هناك جهاد؟! هل عرفنا أن في سجون أثيوبيا آلاف المسلمات ولدن سفاحاً من الزنا من قبل جنود الشيوعية؟! ما هو واجبنا؟ واجبنا أن نجعل العالم الإسلامي كالفطور والغداء والعشاء، كيف؟ الدعم والتبرع، اجعل صندوقاً في بيتك، فاتتك الصلاة فقل: أستغفر الله وأتوب إليه، إن الحسنات يذهبن السيئات، وهذه في الصندوق، سببت أحداً أستغفر الله وأتوب إليه، إن الحسنات يذهبن السيئات وهذه في الصندوق، جاءك رزق من الراتب، فباسم الله طهارة ونماء للمال وهذه في الصندوق، كل بيت فيه صندوق في نهاية الشهر نجمع الكثير ثم نتوجه به، لنحرق أعداء الإسلام؛ لأننا نرجو ما لا يرجون ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤]. إذا كنا نتألم من عداوة الأعداء وحرب الأعداء لنا، فإنهم يتألمون أيضاً من ضرباتنا، ولكن نحن نرجو ما لا يرجون، ولذلك في غزوة أحد لما تكلم أبو سفيان قال النبي ﷺ : (من يجيب الكافر؟ قالوا: ماذا نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم) فنحن نرجو ما لا ترجون يا أعداء الله! نحن يوم أن نستمر ونصبر ونصابر نعلم أن هذا الدين دين جهاد.

стр. 3084

حقيقة العمل الإسلامي ثم نقول يا إخواني: في خضم العمل الإسلامي اليومي للإسلام لا يكون الواحد عابساً لا يضحك ولا يبتسم بل أضحك وأنا أعمل للإسلام، وأمازح إخواني وأنا أحمل هم القضية الإسلامية، وأتنزه مع أسرتي وأولادي، أعرف كيف أكون مسلماً طبيعياً مع حملي لهموم الإسلام. الكثير من المسلمين يقول: وأنا يا أخي أعيش معقداً، فقط: أظل أتنفس الصعداء وهموم المسلمين، أنا أريد أن أضحك مثل الناس تقول: اضحك يا أخي، وهل كان النبي ﷺ يمنعه جهاده الكفار أن يمازح صحابته؟ لا. ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم:٤٣] الذي خلقك أضحكك وأبكاك، فلا يمكن أن ربك ينكر عليك الضحك والمرح وسعة الصدر، ولا يمنع أن توسع صدرك، ولكن الجهاد والعمل للإسلام لا يمنع أن تضحك وأن تمازح، وأنت ترد المنكر والشر عن بيتك، هذا إن كنا نصدق مع الله أيها الإخوة، هذا إن كنا ننظر أن الموت أجل مغيب. يا غافلاً عن العمل وغره طول الأمل الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل ينبغي أن نعلم أيضاً مع هذا كله أننا نحشر فرادى، وأن الإنسان لا ينفعه قريب ولا بعيد ولا ينفعه إلا عمله، حتى أمك وأبوك، الشلة التي تسهر معها، وزع يا أبا صالح، وابغ لنا الرابع يكمل الشلة الليلة، هؤلاء إذا كان أبوك وأمك ما نفعوك يا أبا صالح كيف بأبي عزيز الذي كلمك أو شرح لك أو أعطاك الحكم، هل هذا نفعك عند الله؟ لا، اعلموا يا إخواني! ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦] أبي أمي، ما أحد ينفعك، نفسي نفسي. في حادثة النفق كنت حاجاً، ورأيت الناس ممن ليس عليه إزار ولا رداء ولا سروال ولا شيء، إزاره ورداؤه طائح وما يدري، يريد أن يتنفس هواء، ذهل أن عورته ظهرت وأن رداءه سقط، قلت: سبحان الله! في زحمة نفق غفل عن نفسه وما درى عن عورته، فما بالكم إذا ازدحم الخلائق في المحشر! وقبل يومين كنا في سجن الشرقية نحدث بعض إخواننا السجناء، نسأل الله أن يمن عليهم بالهداية، ما في مكيفات، مراوح شغالة، فلما ازدادت الرطوبة والحر والأنفاس، قام مجموعة من المساجين يصيحون صياحاً شديداً، قلت: سبحان الله! مراوح ومفروش ومظلل والعالم قامت تصيح من القهر: افتحوا لنا، هلكنا من الرطوبة والحر، سبحان الله! وأين الناس يوم تدنو الشمس من الخلائق قدر ميل، فمنهم من يبلغ عرقه إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ عرقه إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ عرقه إلى حقويه، ومنهم من يبلغ إلى ترقوته وثدييه، ومنهم من يلجمه العرق، فيا إخواني: إلا من؟ إلا (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله منهم: شاب نشأ في طاعة الله) هذا ما يجد العرق والشر والشمس هذه كلها، (وشابان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، وإمام عادل، ورجل معلق قلبه بالمساجد، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه). يا أحبتي نحن بحاجة إلى أن نفهم الدين، حينما نناقش بعض أحبابنا وإخواننا الشباب عن الالتزام والتدين والاستقامة والتقوى والعبادة، والسعادة، يقول: أفهم والله أن فلاناً دين، ما معنى: فلان دين؟ أي: صار يضع الغترة كذا، ويطلع اللحية بالشكل ذا، وقصر ثوبه إلى ركبته، أهذا هو مفهوم التدين؟ لا. ليس هذا مفهوم التدين، الشيطان يصور لنا أن التدين هكذا، حقيقة التدين أن تعرف مصلحة نفسك، أن تعرف أنك يوماً ما تؤاخذ وتحشر وحدك، وتحاسب وحدك، ويدنيك الله جل وعلا ويقررك بذنوبك ذنباً واحداً واحداً. يا إخواني! لو قلت لكم: اذكروا ذنوبكم التي تستحون منها، فكل واحد يعرف ذنوبه، يعدها ويراها مضيئة، ولا يشك فيها، بل يعرف متى وقعت؛ في الوقت الفلاني، في اللحظة الفلانية، في الساعة الفلانية، في السيارة الفلانية ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤] ولو قلت له: عد حسناتك التي ترجو بها لقاء الله؟ قال: والله ماذا أفعل! ما أحضر الصلاة مع الجماعة، وإذا صليت ما أدري عن هذا الوضوء، وإذا ركعت أو سجدت فلا أخشع، ولا أدري ماذا أقول، ولا أتدبر، وحالي ما يعلمه إلا الله، وتقصير في السلوك، وتساهل بالمعاصي، وأمور يأمر الرسول بها وأنا مقصر فيها، أي: يكاد يقطع يديه أمامك وما يذكر حسنة قدمها يدخرها عند الله، كما قال النبي ﷺ لـ بلال: (يا بلال! إني سمعت دف نعليك في الجنة، فماذا تفعل؟ قال: إني ما توضأت إلا صليت بعدها ركعتين) أي: عمل مستمر مع القيام بالواجبات وترك المنهيات، نحن ما عندنا عمل نرجو أن نلقى الله به، لكن ذنوب نذكرها كما نعد هذا اللمبات في السطح. ويا إخواني أسألكم بالله: هل فيكم من يكره الله؟ حاشا، كل واحد منكم يحب الله، فلو طرق ملك الموت الباب، وقال: الذي يحب الله يأتي معي يقابل الله، من يقوم منا. كنت أخطب الجمعة في الرياض مرتجلاً، فإذا برجل كان أمامي، يتقلب فجأة هكذا، وفجأة هكذا، ثم أخذوا ماء ورشوا عليه ما تحرك، أخذوه إلى مستشفى الأمير سلمان، قالوا: هذا مات منذ ثنتي عشرة دقيقة، جاء ملك الموت في المسجد وقبض روحه وانتهى. فيا إخوان أنا أقول وأنتم تقولون: لا نكره الله، ما فينا من يكره الله، لو جاء ملك الموت الآن وقال: يا إخوان! نريد واحداً يقابل الله؟ كل واحد يقول: انظر الذي بجانبي، اذهب إلى الثاني، أين الذي يحب الله؟ لأننا خربنا الآخرة وعمرنا الدنيا، فكرهنا أن ننتقل من العمار إلى الخراب، فاعمروا آخرتكم، وإنها فرصة وتوبة إلى الله جل وعلا. يا أحباب! يا شباب! يا شيب! يا رجال! ومن يسمع هذا النداء والخطاب عبر الشريط من الفتيات والنساء، اسمعوا هذه النصيحة: أعدوا لأنفسكم وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]. أسأل الله جل وعلا أن يجعل ما سمعتموه حجة لنا ولكم، وأن لا يكون حجة علينا ولا عليكم، وأسأله أن يكون دفعة لنا في أن نفهم ماذا تحتاج أمتنا وما يحتاج واقعنا لنعمله، وكما قلت: لأن وصف الأمس ووصف اليوم لا يجدي شيئاً ما لم نعمل، العمل، التوبة، إصلاح النفس، فاقد الشيء لا يعطيه، نصلح أنفسنا ثم نستطيع أن نقدم الصلاح، ونستقيم على أمر الله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 3085

الأسئلة
следующие страницы →