Полный текст (3 155 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
التخدير بالمعاصي
وماذا بعد ذلك الجانب القوي والنخوة والنجدة والشيمة في نفس المسلم؟ تحذير بالغزل الجنسي، تجد فيلماً يباع في أي محل من محلات الفيديو، أو يصدر من الدول الفاجرة، تجد فيلماً لا هو بخليع ولا بمحتشم، كي يحرق أعصابك، تظل تتابع متى تجد الموقف الذي يثيرك، وطول الليل وأنت تتابع هذا الفيلم نعم العواطف مستهلكة لمتابعة آخر حدث، ماذا يصير؟ إذاً أنا أقول لك قبل أن تشتري الفيلم: هذا فيلم فيه فاجر فعل الزنا في فاجرة، انتهينا منه، ماذا قدمنا للإسلام؟ لكن لا، أسلوب عرض شيق، صدفة، مقابلة، حادث، أصبح في نار عجيب وحوار شيق، حتى يجرك إلى الحدث، وربما بعضهم يصيح إذا رأى فيلماً هندياً ما هذه العاطفة، وما هذا الخيال الفارسي، تلقاه يتقطع، ثم ماذا؟ يغلق التلفزيون ويذهب ينام، هذه قوة بدلاً من أن تكون راجمة صواريخ، بدلاً من أن تكون كاسحة ألغام، بدلاً من أن تكون حرباً على أعداء الله، بدلاً من أن تكون قوة بناءة، جعلوها قوة آهات وأنات، وجنس وعادة سرية، وفواحش وزنا إلى غير ذلك.
ولذلك هاتوا لي شاباً من أفسق شباب المسلمين الآن، واربطه بيديه ورجليه بالحديد، وأقول: اسمع لا تدخل المسجد ولا تصلي، تفرج على التلفزيون وتفرج على الأفلام والفيديو وكذا وكذا، لكن إياك أن تعبد الله أو تصلي، هذا الفاسق الفاجر يقول: أما تخسأ، أنا أترك الصلاة ديني ودين آبائي وأجدادي؟ ثم تتحرك العقيدة والحمية ويتمرد على هذا القيد، ويكسر الحديد وربما يدخل إلى المسجد ويكون من حمام المسجد وأئمته.
لكن بالأسلوب الثاني، أسلوب الغزو الفكري تعال يا أخي المسجد كم له من باب، أربعة أبواب، نحن نتبرع بفتح بابين زيادة، كي تصير أبواب المسجد ستة، ولكن تفضل هذا (رامبوا) رقم اثنين ورقم ثلاثة وآخر ما أنتجته أفلام هوليود إذا كنت تتابع أو تسمع، فيأخذ الفيلم وينظر إليه، ويؤذن المؤذن، والمسجد فاتح أبوابه، يقول: يا رجال سنلحق وقت الصلاة، لكن الفيلم سيفوت.
انظر في المرة الأولى ربطناه وواجهناه بالعداوة، فلم يرض وأبى إلا أن يدخل المسجد، لكن في المرة الثانية قلنا المسجد مفتوح ونحن ما نردك عن المسجد؛ لكن تفضل هذا فيلم فيديو، فيشتريه وينظر ويحترق، وربما رأى صورة امرأة فيقول: لابد أن أدبر حجزاً وأسافر وألقاها على الأقل أتصور بجانبها، كما حصل من بعض الشباب.
стр. 3082
صرف العواطف إلى الملاهي
انظروا إلى أي درجة أصبح واقعنا، صرفت فيه عواطف الشباب إلى الأمور التافهة، وإلى ساقط الأوضاع حتى لا يمكن أن يكون من بين هؤلاء الشباب مجاهداً يهدد أعداء الله، وأنا دائما أردد مثلاً من الأمثلة التي رأيتها بعيني، وزارني في مسجدي في الرياض، يمني أنحل واحد فيكم أسمن منه، أي: نحيف، وأقصر واحد فيكم أطول منه أي: قصير، أبو عتيق اليمني كهربائي، لما منّ الله عليه وأراد به عزة ورفعة، وليس في الكهرباء عيب بل هي أشرف من الكسب الملتوي والغش والخداع، لكن لما أراد الله له سماء العزة الجهاد، ذهب إلى أفغانستان وأصبح مساعداً للحاج شير علم، ويهدد نجيباً، يقول: أترجى حاج شير علم، أقول يا شير علم، أمهلنا ست ساعات، وبعدها نمطر كابول بطوفان، ويقول الحاج شير علم: الذي وصلهم يكفيهم.
هذا من كهربائي، ربما (يا أبو يمن) ما عرفت تصلح، خربت الفيش، لكن أصبح يهدد نجيب ويخرج نجيب على الشاشة ويقول: إن كابول قد أغرقت بطوفان من الصواريخ، من هددك يا نجيب يا عميل الشيوعية؟! أما علمت أن الذي هددك أبو عتيق اليمني، كان كهربائياً، من أجل هذا وجهت عواطف الشباب، حتى لا يكون النجار قنبلة، حتى لا يكون الحداد قاذفة، حتى لا يكون المعلم قائداً، حتى لا يكون الشاب رمحاً في نحور الأعداء، حتى يتفادى أعداؤنا هذه الصور الإيمانية المتفجرة المتأججة القوية، فشغلوا شبابنا بألوان الفكر والفن والطرب وبرامج السياحة، وبرج إيفل، وشواطئ الأنهار وفولردا وميامي وجزر كذا إلى آخره؛ حتى لا يتوجه الشباب إلى دين الله، وإلى عزة الله .
стр. 3083
العمل للإسلام مسئولية الجميع
فيا معاشر المؤمنين! هذا واقعنا يحتاج إلى رجعة، وأنا أقول أيها الأحبة! وصف الواقع لا يكفي بل أنتقل إلى العمل وأقول: هاأنا وصفت لكم واقعنا وواقع شبابنا، والانحراف والغسيل الفكري، الذي أحدثته مختلف الوسائل في عصرنا في عقول المسلمين، فما أنتم فاعلون؟ كل واحد في هذا المسجد: أبو عقال والذي ما عليه عقال، والملتحي والذي ما له لحية، واللاعب الرياضي والذي ما يلعب رياضة، والذي يفعل والذي ما يفعل، أسأل كل واحد منكم: ماذا قدمت للإسلام؟ ماذا قدمت للإسلام؟ ليس من شرط العمل للإسلام ألا يخدمه إلا أولو اللحى، أو لا يخدمه إلا أولو المشالح، كل واحد مسئول، إن وجد تقصير في سلوكك فأنت مؤاخذ بتقصيرك ولكن لا تجمع مع التقصير في السلوك إهمال للعمل للإسلام.
ماذا قدمتم أيها الإخوة! أسألكم بالله يوم أن تحمل جنازتي وجنازتكم على الأكتاف، وبعد تحضر الملائكة وتنزع الروح من الجسد، ونحن نتذكر ومن حولنا يبكون علينا، ونحن نقول: ماذا قدمنا للإسلام؟ هل ربينا الأولاد تربية طيبة، أم أخذنا نحضر لهم مختلف الأفلام والمسلسلات؟! هل اعتنينا بالزوجات والبنات؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦].
ماذا قدمتم للإسلام أيها الإخوة؟! إن الإسلام للجميع، والعمل للإسلام مسئولية الجميع، ليس مسئولية الخطباء أو الدعاة أو حملة الشرعية، فالمكنيكي مسئول عن الإسلام، والمطافئ مسئول، ومنقب الزيت مسئول، وسواق التاكسي مسئول، والحارس مسئول، وأكبر وأصغر واحد مسئول عن هذا الدين، فماذا قدمتم؟! اسألوا أنفسكم يا إخواني: ماذا قدمتم؟ قدمتم لبطونكم.
﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم:٣١] أين المسلم الذي يكون مباركاً أينما كان؟ نعم نحن مباركون لكن في حظوظنا الأنانية، حينما نعيش لذواتنا فحسب، حينما نعيش لأنفسنا فحسب تبدو لنا الحياة قصيرة تبدأ من حيث بدأنا وتنتهي حيث ننتهي.
وحينما نعيش لفكرة، حينما نعيش لغاية، حينما نعيش للدين نبدأ قبل أن نولد لأننا بدأنا مع الحق، ونستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها حتى نرى ثمار الحق، ذلك يوم أن نعيش للإسلام.
مسئولية كل واحد منكم أن يكون عيناً حارسةً لأمنه ووطنه وبلاده خاصة، وبلاد المسلمين عامة، مسئولية كل واحد منكم أن يكون يداً معطاءة لمشاريع الخير، للعمل الإسلامي، الجبهات مفتوحة الآن، العالم الإسلامي مطعون طعنات عديدة.
إذا كنا مللنا قضية أفغانستان، فعندنا قضية جديدة اسمها قضية السودان، والجهاد في جنوب السودان بدأ، والجهاد في إريتريا بدأ، والجهاد في الفليبين على أشده، لكن ماذا نعرف؟ نعرف أن المدرب العجوز الكاميروني قاد الكاميرون إلى دور الأربعة، ودخلت في مباريات كأس العالم.
كيف استطاع ذلك العجوز المعجزة أن يقود كأس العالم؟ نعم عرفنا هذا، لكن هل عرفنا أن هناك جهاد؟! هل عرفنا أن في سجون أثيوبيا آلاف المسلمات ولدن سفاحاً من الزنا من قبل جنود الشيوعية؟! ما هو واجبنا؟ واجبنا أن نجعل العالم الإسلامي كالفطور والغداء والعشاء، كيف؟ الدعم والتبرع، اجعل صندوقاً في بيتك، فاتتك الصلاة فقل: أستغفر الله وأتوب إليه، إن الحسنات يذهبن السيئات، وهذه في الصندوق، سببت أحداً أستغفر الله وأتوب إليه، إن الحسنات يذهبن السيئات وهذه في الصندوق، جاءك رزق من الراتب، فباسم الله طهارة ونماء للمال وهذه في الصندوق، كل بيت فيه صندوق في نهاية الشهر نجمع الكثير ثم نتوجه به، لنحرق أعداء الإسلام؛ لأننا نرجو ما لا يرجون ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤].
إذا كنا نتألم من عداوة الأعداء وحرب الأعداء لنا، فإنهم يتألمون أيضاً من ضرباتنا، ولكن نحن نرجو ما لا يرجون، ولذلك في غزوة أحد لما تكلم أبو سفيان قال النبي ﷺ : (من يجيب الكافر؟ قالوا: ماذا نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم) فنحن نرجو ما لا ترجون يا أعداء الله! نحن يوم أن نستمر ونصبر ونصابر نعلم أن هذا الدين دين جهاد.
стр. 3084
حقيقة العمل الإسلامي
ثم نقول يا إخواني: في خضم العمل الإسلامي اليومي للإسلام لا يكون الواحد عابساً لا يضحك ولا يبتسم بل أضحك وأنا أعمل للإسلام، وأمازح إخواني وأنا أحمل هم القضية الإسلامية، وأتنزه مع أسرتي وأولادي، أعرف كيف أكون مسلماً طبيعياً مع حملي لهموم الإسلام.
الكثير من المسلمين يقول: وأنا يا أخي أعيش معقداً، فقط: أظل أتنفس الصعداء وهموم المسلمين، أنا أريد أن أضحك مثل الناس تقول: اضحك يا أخي، وهل كان النبي ﷺ يمنعه جهاده الكفار أن يمازح صحابته؟ لا.
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم:٤٣] الذي خلقك أضحكك وأبكاك، فلا يمكن أن ربك ينكر عليك الضحك والمرح وسعة الصدر، ولا يمنع أن توسع صدرك، ولكن الجهاد والعمل للإسلام لا يمنع أن تضحك وأن تمازح، وأنت ترد المنكر والشر عن بيتك، هذا إن كنا نصدق مع الله أيها الإخوة، هذا إن كنا ننظر أن الموت أجل مغيب.
يا غافلاً عن العمل وغره طول الأمل
الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل
ينبغي أن نعلم أيضاً مع هذا كله أننا نحشر فرادى، وأن الإنسان لا ينفعه قريب ولا بعيد ولا ينفعه إلا عمله، حتى أمك وأبوك، الشلة التي تسهر معها، وزع يا أبا صالح، وابغ لنا الرابع يكمل الشلة الليلة، هؤلاء إذا كان أبوك وأمك ما نفعوك يا أبا صالح كيف بأبي عزيز الذي كلمك أو شرح لك أو أعطاك الحكم، هل هذا نفعك عند الله؟ لا، اعلموا يا إخواني! ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦] أبي أمي، ما أحد ينفعك، نفسي نفسي.
في حادثة النفق كنت حاجاً، ورأيت الناس ممن ليس عليه إزار ولا رداء ولا سروال ولا شيء، إزاره ورداؤه طائح وما يدري، يريد أن يتنفس هواء، ذهل أن عورته ظهرت وأن رداءه سقط، قلت: سبحان الله! في زحمة نفق غفل عن نفسه وما درى عن عورته، فما بالكم إذا ازدحم الخلائق في المحشر! وقبل يومين كنا في سجن الشرقية نحدث بعض إخواننا السجناء، نسأل الله أن يمن عليهم بالهداية، ما في مكيفات، مراوح شغالة، فلما ازدادت الرطوبة والحر والأنفاس، قام مجموعة من المساجين يصيحون صياحاً شديداً، قلت: سبحان الله! مراوح ومفروش ومظلل والعالم قامت تصيح من القهر: افتحوا لنا، هلكنا من الرطوبة والحر، سبحان الله! وأين الناس يوم تدنو الشمس من الخلائق قدر ميل، فمنهم من يبلغ عرقه إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ عرقه إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ عرقه إلى حقويه، ومنهم من يبلغ إلى ترقوته وثدييه، ومنهم من يلجمه العرق، فيا إخواني: إلا من؟ إلا (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله منهم: شاب نشأ في طاعة الله) هذا ما يجد العرق والشر والشمس هذه كلها، (وشابان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، وإمام عادل، ورجل معلق قلبه بالمساجد، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).
يا أحبتي نحن بحاجة إلى أن نفهم الدين، حينما نناقش بعض أحبابنا وإخواننا الشباب عن الالتزام والتدين والاستقامة والتقوى والعبادة، والسعادة، يقول: أفهم والله أن فلاناً دين، ما معنى: فلان دين؟ أي: صار يضع الغترة كذا، ويطلع اللحية بالشكل ذا، وقصر ثوبه إلى ركبته، أهذا هو مفهوم التدين؟ لا.
ليس هذا مفهوم التدين، الشيطان يصور لنا أن التدين هكذا، حقيقة التدين أن تعرف مصلحة نفسك، أن تعرف أنك يوماً ما تؤاخذ وتحشر وحدك، وتحاسب وحدك، ويدنيك الله جل وعلا ويقررك بذنوبك ذنباً واحداً واحداً.
يا إخواني! لو قلت لكم: اذكروا ذنوبكم التي تستحون منها، فكل واحد يعرف ذنوبه، يعدها ويراها مضيئة، ولا يشك فيها، بل يعرف متى وقعت؛ في الوقت الفلاني، في اللحظة الفلانية، في الساعة الفلانية، في السيارة الفلانية ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤] ولو قلت له: عد حسناتك التي ترجو بها لقاء الله؟ قال: والله ماذا أفعل! ما أحضر الصلاة مع الجماعة، وإذا صليت ما أدري عن هذا الوضوء، وإذا ركعت أو سجدت فلا أخشع، ولا أدري ماذا أقول، ولا أتدبر، وحالي ما يعلمه إلا الله، وتقصير في السلوك، وتساهل بالمعاصي، وأمور يأمر الرسول بها وأنا مقصر فيها، أي: يكاد يقطع يديه أمامك وما يذكر حسنة قدمها يدخرها عند الله، كما قال النبي ﷺ لـ بلال: (يا بلال! إني سمعت دف نعليك في الجنة، فماذا تفعل؟ قال: إني ما توضأت إلا صليت بعدها ركعتين) أي: عمل مستمر مع القيام بالواجبات وترك المنهيات، نحن ما عندنا عمل نرجو أن نلقى الله به، لكن ذنوب نذكرها كما نعد هذا اللمبات في السطح.
ويا إخواني أسألكم بالله: هل فيكم من يكره الله؟ حاشا، كل واحد منكم يحب الله، فلو طرق ملك الموت الباب، وقال: الذي يحب الله يأتي معي يقابل الله، من يقوم منا.
كنت أخطب الجمعة في الرياض مرتجلاً، فإذا برجل كان أمامي، يتقلب فجأة هكذا، وفجأة هكذا، ثم أخذوا ماء ورشوا عليه ما تحرك، أخذوه إلى مستشفى الأمير سلمان، قالوا: هذا مات منذ ثنتي عشرة دقيقة، جاء ملك الموت في المسجد وقبض روحه وانتهى.
فيا إخوان أنا أقول وأنتم تقولون: لا نكره الله، ما فينا من يكره الله، لو جاء ملك الموت الآن وقال: يا إخوان! نريد واحداً يقابل الله؟ كل واحد يقول: انظر الذي بجانبي، اذهب إلى الثاني، أين الذي يحب الله؟ لأننا خربنا الآخرة وعمرنا الدنيا، فكرهنا أن ننتقل من العمار إلى الخراب، فاعمروا آخرتكم، وإنها فرصة وتوبة إلى الله جل وعلا.
يا أحباب! يا شباب! يا شيب! يا رجال! ومن يسمع هذا النداء والخطاب عبر الشريط من الفتيات والنساء، اسمعوا هذه النصيحة: أعدوا لأنفسكم وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨].
أسأل الله جل وعلا أن يجعل ما سمعتموه حجة لنا ولكم، وأن لا يكون حجة علينا ولا عليكم، وأسأله أن يكون دفعة لنا في أن نفهم ماذا تحتاج أمتنا وما يحتاج واقعنا لنعمله، وكما قلت: لأن وصف الأمس ووصف اليوم لا يجدي شيئاً ما لم نعمل، العمل، التوبة، إصلاح النفس، فاقد الشيء لا يعطيه، نصلح أنفسنا ثم نستطيع أن نقدم الصلاح، ونستقيم على أمر الله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 3085
الأسئلة
стр. 3086
نصيحة إلى النساء بحسن معاملة الأزواج
السؤال
نرجو منكم تقديم نصيحة للنساء المتواجدات هنا؟
الجواب
يخبرني أخي الحبيب يقول: إن مجموعة من النساء موجودات، وليس عندي نصيحة لهن إلا حديث النبي ﷺ يوم جاءت أسماء بنت يزيد بن السكن الأشهلية الأنصارية، قالت: (يا رسول الله! إن الرجال يجاهدون معك، ويسمعون حديثك، ويجالسونك، ويذهبون بالأجر ونحن ليس لنا منك شيء؟ فقال ﷺ : يا أسماء! يا أسماء! يا أسماء! أخبري من وراءك: إن حسن تبعل المرأة لزوجها يعدل ذلك كله) ما تبعل المرأة لزوجها؟ لطفها، رقتها، عذوبتها، تعطرها لزوجها، وعدم تعطرها للأجانب، تجملها لزوجها وعدم تجملها للأجانب، استعدادها لزوجها، الصبر معه على شظف العيش، الشكر له إذا قدم هدية، القناعة وحسن المعاملة، محاولة نصيحته، محاولة التأثير عليه، لأني عرفت شباباً ما استقاموا إلا بسبب زوجاتهم: (إن حسن تبعل المرأة لزوجها يعدل ذلك كله).
فالأخت المسلمة يوم أن تكون مطيعة لزوجها، حافظة عرضها، حافظة نفسها، حافظة بيتها، الأخت المسلمة يوم أن تكون عنصراً نافعاً يكون لها ذلك الأجر.
عندنا أحد الإخوان في الرياض، عنده أم عجوز لكنها والله أبرك من بعض الإخوان في هذا الزمان، أبرك من بعض الطيبين، منّ الله على قلبها بالهداية، عمرها تسعون سنة أو أقل من التسعين، لكن التزمت وهي كبيرة فقالت: الذي يحبني يا عيالي يأتي لي بأشرطة، قالوا: خيراً ما تريدي يا أمنا! وصار كل واحد يأتيها بأشرطة، فالذي يأتي لها بعشرين شريطاً للقرني، والذي يأتي لها بأشرطة لـ سعيد بن مسفر والذي يأتي لها وتأخذ من هذه الأشرطة، وتقوم الصباح على الجيران: تعالي يا أم فلان، وتشغل المسجل وتسمعهم مقطعاً يبكيهم، وتخوفهم بالله، وتعطيهم الشريط.
فأقول للأخوات المسلمات: لا تكن هذه العجوز خيراً منكن وأنتن متعلمات، حتى التي لم تتعلم تفهم ما يقال بحمد الله، فما الذي يمنع الأخت المسلمة أن تكون داعية إلى الله بالشريط والرسالة والكتاب النافع، أن تكون متحجبة، أن تكون سبباً في نشر الخير والبر والفضيلة.
стр. 3087
وليد السيف واحتسابه حادثة الحريق لله
أحد الإخوان يقول: لو ذكرت لهم قصة وليد السيف.
الجواب
هو أحد الشباب المجاهدين صار له حادث حريق، وزوجته حافظة للقرآن مجودة مدرسة، في تلك الليلة في تمام العاشرة والنصف تقريباً كانت تتدارس معه قول الله كما يخبر وليد ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢] كانت تتناقش معه وتشرح له هذه الآيات، وناموا على بركة الله، ووسط الليل الواحدة والنصف شب حريق في البيت، فبداية اختناق فتح الباب فإذا بالصالة محترقة، فأخذ ابنته، وزوجته أخذت ابنته الثانية عمرها أربع سنوات، حملها ومر على الحريق، والحريق مشتعل في الموكيت -والرجل في مستشفى الحمادي زرته غرفة ألف ومائة وستة وثلاثين الدور الأول- يريد أن يفتح باب الصالة فعجز، فعاد ودخل المطبخ هو ابنته، زوجته خرجت وحملت الطفلة الصغيرة فعثرت في الحريق، فسقطت ولما أوشكت على ملامسة الأرض ظنت أن باب الصالة مفتوح فقذفت البنت على الباب فارتطمت الطفلة بالباب وعادت الطفلة في الحريق، فالتهمها الحريق، وأما هي فلما انتهت المطافي من العملية إذ بها لم يحترق فيها قطعة واحدة، حفظت القرآن فحفظها الله من النار، بل وجدوا تحتها بقعة من الماء، كيف يجتمع العنصر المائي والعنصر الناري، والرجل التهم الحريق أطراف قدمه ومكث في المستشفى مدة.
والحوار الذي دار بيني وبينه طويل، تجدونه في شريط قصص وعبر في محاضرة ألقيتها أمس، لما قابلته قال: يا أخ سعد أنا بنعمة لست بكفء لها، لأن الله إذا أحب عبداً ابتلاه، وهو يتبسم، من يصبر يا إخوان ويكون يقينه بالله ورضاه بقدر الله إلى هذا المستوى، لكن علمه الجهاد الصبر، علمه الجهاد أن يحمل إخوانه من الشهداء ومن الجرحى ومن الأشلاء ويحتسبهم عند الله، فاحتسب زوجته وطفلته عند الله، ويقول: إذا عادت حالتي الصحية سأعود إلى الجهاد مرة أخرى، فلما أخبرني أمس أحد الإخوان، اتصلت لكي أطمئن على الأخ وليد، هاتفياً قال: يريد أن يذهب إلى أفغانستان بعدما تحسن حاله، قلت: هذا والله أراد الله به خيراً، وأغلب الظن أن يكرمه الله بالشهادة في سبيل الله.
هكذا تكون الزوجة المؤمنة الصالحة، ويكون المجاهد الصابر المؤمن، يكون الشاب المسلم الذي له أثر في الحياة، كم عدد الذين يعيشون في الدنيا، لكن الذين يعدون خمسة، إما داعية، وإما مجاهد، وإما رجل كريم بالدعوة إلى الله، سخي في البذل إلى الله، أو حاكم عادل، أو عالم تقي، هؤلاء هم الذين يبقون، وأكرر أبيات ابن أدهم الجميلة التي لا أمل تردادها:
إذا ما مات ذو علم وتقوى فقد ثلمت من الإسلام ثلمه
وموت الحاكم العدل المولى بحكم الأرض منقصة ونقمه
وموت فتىً كثير الجود محل فإن بقاءه خصب ونعمه
وموت العابد القوام ليلاً يناجي ربه في كل ظلمه
وموت الفارس الضرغام هدم فكم شهدت له بالنصر عزمه
فحسبك خمسة يبكى عليهم وباقي الناس تخفيف ورحمه
وباقي الخلق همج رعاع وفي إيجادهم لله حكمه
إخواني: هل أنتم من الرعاع أم من الخمسة الذين يبكون إذا فقدوا؟! والله تستطيعون أن تصنعوا من أنفسكم تاريخاً وسجلاً مجيداً، يوم أن تتمسكوا بهذا الدين, تلتزموا به، تفهموه حق الفهم، وإذا فهمتموه عرفتم أن الدين ليس مجموعة معقدين ولحى، وثياب مقصرة، وثياب متلفقة، الدين أكبر وأعظم من ذلك، افهموا دينكم جيداً تعيشوا قادة سادة، علماء أتقياء، كرماء سعداء في أي لحظة وفي أي حال.
стр. 3088
سبب عدم وجود الجهاد في فلسطين
السؤال
لماذا نجاهد في أفغانستان مع ما فيها من المسلمين، واليهود يستولون على المسجد الأقصى وهم أحق بالجهاد؟
الجواب
افتح لي الطريق إلى فلسطين وانظر من الذي يمتنع، والله لو يفتح الباب إلى فلسطين فلن يبقى لليهود سن يأكلونه، نملأ فلسطين إن شاء الله؛ لكن افتحوا الطريق.
стр. 3089
الجهاد مهم على كل أرض
السؤال
بعض الناس يقول أيهما أهم: الجهاد في أفغانستان أم في فلسطين؟ نرجو التوضيح؟
الجواب
الجهاد في كل أرض ينبغي أن نعتني به، في فلسطين في أفغانستان في الفليبين في إريتريا في كشمير في جنوب السودان في كل محل، ينبغي أن ندعم الجهاد، المسلمون ليسوا قلة، كم عدد المسلمين؟ مليار أي: ألف مليون، لو أن عُشر الألف مليون الذين هم مائة مليون امتنعوا عن شرب البيبسي يوماً واحداً استطاعوا أن يقدموا مائة مليون ريال.
المسلمين ليسوا بقليل، لكن الغثاء في المسلمين، الغثاء الذي نعيشه في واقع المسلمين.
стр. 3090
وجود أماكن تدريب في أفغانستان
السؤال
هل هناك في أفغانستان مكان للتدريب وخاصة في هذه الفترة؟
الجواب
توجد أماكن كثيرة ومراكز كثيرة للتدريب على الجهاد في سبيل الله.
стр. 3091
فضل الجهاد على غيره من الأعمال
السؤال
نرجو أن تعلمنا فضل الجهاد، وكيف يكون خالصاً لوجه الله؟
الجواب
يكفيك فضل للجهاد أنه ذروة سنام الدين، الأركان الخمسة: الشهادتان والصلاة والزكاة والحج والصوم ذروة الأمر الذي يحرسها ويحفظها ويهيمن عليها، الجهاد في سبيل الله، فحسبك أن الجهاد ذروة سنام الأمر، وأنا أقول يا إخوان: الجهاد منزلة عالية، لا يقدر عليها ولا ينالها كل واحد، فهي منزلة عظيمة جداً جداً، لا تعجبوا من قلة المجاهدين، أو من قلة الذين يذهبون إلى الجهاد، لماذا؟ لأن ما وجد كفأ أن ينال المنازل الرفيعة، لكن أقل الأحوال إذا لم تكن في الملحمة في مواجهة الصفوف، في الميمنة، في الساقة، في الميسرة، فلا أقل من أن تكون حمالاً للجهاد، أن تكون جامعاً للتبرعات للجهاد، أن تكون داعية إلى الجهاد، أن يكون دعاؤك بالليل والنهار للجهاد والمجاهدين.
стр. 3092
(من تتبع الصيد غفل)
السؤال
أنا وزملائي نذهب إلى البر في أثناء الربيع للقنص، ونظل عشرة أيام ولا يوجد عندنا ما نشرب ونأكل منه، وبعض أوقات الصلاة لا نتوضأ، فهل يكفي التيمم؟
الجواب
أولاً بالمناسبة هناك قنص ممتاز في أفغانستان أنصحكم به.
نقول: إذا عدم الماء جاز التيمم، وإذا لم يبق معك من الماء إلا ما تشربه فالماء الذي تشربه تنقذ به حياتك ويجوز لك أن تتيمم ولكن أذكر الحديث: (من تتبع الصيد غفل، ومن سكن البادية جفا) من تتبع الصيد غفل أي: القنص فعلاً ملهاة، يلهي الواحد، لا يدري عن نفسه إلا والصلاة تلو صلاة، ووقت تلو وقت يذهب كله، وربما تنفذ ذخيرتك كلها، والميزانية مائلة.
انتبهوا جيداً في هذه المسألة، بعض الناس فتن بالقنص فتنة أهلكت ماله، وقطعته عن عياله، وضيع كثيراً من العبادات.
стр. 3093
حقيقة القتال الدائر في أفغانستان
السؤال
نرجو توجيه كلمة للذين يقولون: الجهاد في أفغانستان ليس إسلامياً وإنما هم أفغان يحررون أرضهم ويقاتل بعضهم بعضاً؟
الجواب
النبي قاتل أبو لهب وأبو جهل وهم أعمامه، قرشياً يقاتل قرشي، أفخر العرب وأطيب العرب يقاتلون أفخر العرب وأطيب العرب نسباً، لكن ليست الأنساب هي التي تقرب.
لقد عز بالإسلام سلمان فارس وقد ذل بالشرك النسيب أبو لهب
فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب
وبعد ذلك من يقول لك: إن هؤلاء يقاتل بعضهم بعضاً، هؤلاء يقاتلون ويقولون: لا إله إلا الله، وهؤلاء يقولون: لا إله والحياة مادة، الضابط على رأسه المطرقة والمنجل شعار لينين واستالين، والحزام -القايش- عليه المطرقة والمنجل، وكتبهم وأماكنهم كلها شيوعية، فهل يعقل أن يقال: إن مثل هذا الذي يسجد لله كالذي يقول: لا يوجد إله؟! الذي يصلي لله كالذي يقول لا يوجد إله؟! الذي يقول هذا الجبل خلقه الله كالذي يقول هذا خلقته الصدفة والطبيعة؟! أيوجد فرق بين هذا وهذا؟!! أبسط الأحوال.
فيا إخواني!
لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعف النطق أن لم تسعد الحال
إذا ما استطعت أن تكون مجاهداً، أو جامعاً للتبرعات، أو باذلاً للمجاهدين فقل خيراً أو اصمت.
стр. 3094
جواز الجهاد إن لم يضع الأهل
السؤال
أنا شاب أريد الذهاب إلى الجهاد في العطلة ولي والدة تقول: لا تذهب لخوفها، وما الحل ونحن نسمع التضحيات من الصحابة؟
الجواب
أنا أقول احرص على الجهاد ولا تعق أمك، يعني: إن كان لك عدد من الإخوان يستطيعون القيام بخدمة الأهل فإن شاء الله تستطيع بالأسلوب الطيب أن تقنع والدتك وتذهب، وإن كنت أنت الوحيد الذي تقوم بمسئولية أهلك وتعولهم وتقوم على أمرهم فأذكر لك قصة واحد من شبابنا في الرياض أراد الجهاد، قال له أهله: لا نسمح لك أن تجاهد وتتركنا، قال: لو ذهبت إلى الجهاد لأخذ الجهاد مني ليلي ونهاري، لكن سأعطي الجهاد العصر صار يشتري ثياب الدفة بالجملة ويبيعها بالحراج بالقطاعي والمكسب للمجاهدين، هذا الذي صادق في الذهاب إلى الجهاد، ويقول: فعلاً ما ردني عن الذهاب إلا والدي.
стр. 3095
توضيح صورة الجهاد لأجل الدعم
السؤال
عند حلول قرب استلام الراتب لموظفي شركة الزيت قام أحد زملائنا بتذكير إخوانه المسلمين بالتبرع لـ أفغانستان بما تجود به أنفسهم، ولكنا فوجئنا بأن أتى لزميلنا إنذار خطي من إدارة الشركة بعدم عمل هذا الفعل، فما رأيك بهذا الموضوع؟
الجواب
أرجو أن يتم التفاهم مع إدارة الشركة لبيان وجهة النظر الإسلامية الطيبة النافعة، لأننا نعلم ولله الحمد والمنّة أن هيئة الإغاثة الإسلامية هيئة رسمية تحت إمرة الدولة ورعاية الدولة وتدعمها الدولة، ومشاريعها جبارة وواضحة وقوية في جميع مجالات الجهاد، ومشاريع الإغاثة، وكفالة الأيتام، وأيضاً من نعرف من الثقات، أي: لو جاءك واحد وأعطاك أمانة، وقال: يا أخي تفضل، أنت ذاهب إلى أفغانستان، فخذها أنت وسلمها من يدك إلى يد سياف، أو من يدك إلى يد حكمتيار، أو من يدك اشتر بها ألف صاروخ وأدخلها، إذا كنت قادراً على حمل الأمانة فنقول: جزاك الله خيراً، وإن أتيت وسلمتها لـ هيئة الإغاثة فهي جهة موثوقة ومعروفة لا نشك فيها.
стр. 3096
كل عمل يبدأ صغيراً ثم يكبر
السؤال
تحقيق النصر الذي تنشده لا يتحقق إلا بوجود دولة إسلامية واحدة لها قائدة واحد؟
الجواب
الأمر الأول: هذا مثل الذي يجد آلام الجوع ويقول: والله ما أنا بقائم آكل إلا إذا أزالوا القصدير عن (المفطح) لكن الذي فعلاً يريد أن يشبع يقوم ويولع النار، ويقرب المحماة ويحمي القهوة، ويذبح الميسور أو يطبخ الميسور ويأكل، فنحن نقول: أولاً هذا كلام العاجزين.
الأمر الثاني: لله الحمد والمنّة توجد مؤسسات وهيئات وجهات ونشاطات إسلامية قوية، لكن من أراد العمل عرف كيف يعمل، ومن أراد الكلام فالكلام لا ينتهي أبداً.
هذا صك إعسار يا إخوان.
стр. 3097
تهكم العلمانيين على شباب الصحوة
السؤال
إني أحبك في الله، قرأت في جريدة الشرق الأوسط موضوعاً خطيراً وتهجماً بعض أذناب العلمانية على شباب الصحوة حيث يقول: هذه المجموعات في مختلف مواقع البلاد تعتمد مظهراً واحداً، يتمثل إطالة شعر اللحية بشكل غير منظم وغير نظيف، وكأن الشعر أصبح مقدساً لا يجوز المساس به، ويقول: تتعمد هذه المجموعات تقصير الثياب بشكل ملفت للنظر يُظِهر جزءاً كبير من السيقان، فيصبح منظر الواحد منهم لا يتناسق ولا يتناسب مع ثياب فضفاضة وقصير مع سيقان عارية -لكن ما رأى سيقان الحريم هذا الذي كتب، مسكين إي والله لما رأى السنة شرق بريقه، ولما رأى المنكر جمد بباطله- ويقول: إنهم يلتزمون السلبية في المجتمع فلا يجالسون غير جماعتهم، ويقول: هذا التصرف لا ينم عن روح الدين الإسلامي الذي رضعناه مع حليب أمهاتنا -والله ما أدري ما رضع هذا- ونشأنا عليه.
ويقول: هل هذه صورة المسلم الصحيح.
وبعد السؤال عن الشخص وعن أحواله وجد أن حاله مغايرة للمسلم الذي يتكلم عنه، فهو مسبل أو حليق وضيق للغاية، ولا يشهد الصلاة مع الجماعة ولا الجمعة ولا العيدين.
فما هو الحكم؟
الجواب
اسمع يا أخي الكريم! أولاً: هذه الحالة التي ترونها في جميع أنحاء العالم الإسلامي والمملكة ولله الحمد والمنّة ليس غريباً عليها، دولة إسلامية أهل فطرة وأهل عقيدة، الصحوة الإسلامية ليست غريبة عليها في المملكة ولله الحمد، لأنهم هم أهل الفطرة، فكل مسلم له فطرة، وأرض تجديد العقيدة وأرض مهبط الرسالة من عندهم.
هذه مسألة.
ثانياً: هذه الصحوة قد شرق بها ومات بدخانها بعض العلمانيين القذرين الذين أصبحوا يتهجمون على الصحوة، يقول: ما معنى هذا يقصر ثيابه؟! وتجده عنده مؤلفات طويلة عن الحرية، الحرية ذلك المظهر الرائع من المجتمعات الغربية المتمدنة التي تتيح لكل فرد أنماطاً وأساليب في الحياة كيفما يحلو له، حرية مطلقة، لكن واحد يصير حر في لحيته يربيها، لا، ينبغي أن تحلق، أين الحرية؟ البس ما شئت، شارلستون، جنز، قصير، طويل لكن إذا اتبع المسلم السنة قالوا: ما هذا؟ فإذاً أنت تتكلم عن الحرية، أتركه حراً في تطبيق السنة.
ثم أنا أقول لأحبابي الشباب، وأرجو منهم أن يفهموني جيداً: إن المسلم يسعه أن يكون قريباً لزي مجتمعه، (إزرة المؤمن إلى نصف ساقه)، (وما أسفل من الكعبين ففي النار) لكن لو زدت فوق الكعب بمقدار واحد سنتي رفعت الثوب عن الكعب واحد سنتي أقبل رأسك وجبينك، أقول: كثر الله خيرك، سلمت من الإسبال وحققت جزءاً من السنة، وإن أردت غاية السنة فثوبك إلى نصف ساقك ولا أحد يدخل في خصوصياتك، لكن أنا وجهت نظري أن الداعية يكون قريباً من الناس بأن يكون زيه قريباً من زيهم، ولا أعترض على السنة.
كذلك ينبغي للداعية والمسلم الملتزم أن يكون باشاً مبتسماً ضحوكاً مرحاً حبيباً حتى لا يقول الناس: إن الإنسان إذا التزم يصير معقداً، مثل ما يقول لي واحد من الشباب أبوه في هيئة كبار العلماء، يقول: كنا نخرج نلعب كرة، شباب ملتزمون صالحون ولله الحمد يلعبون كرة ويضحكون ويمرحون، يقول: طلع معنا شاب ما كان يظن أن أهل الخير بهذه الصفة، يظن الواحد والله من أول ما يدخل البيت حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وصك السند وهات المتن وحول وحاء.
يقول: طلع معنا إلى البر وكان من عادتنا أننا إذا خرجنا نقرأ حتى تغرب الشمس، نقرأ صفحة أو صفحتين من كتاب رياض الصالحين، أو تفسير آية، ثم إذا انتهينا منها لبسنا السراويل وأخذنا نلعب حتى يؤذن المغرب فنصلي قال: خرج معنا هذا الشاب وكنا مصيفين، قلنا: ما في وقت نقعد نقرأ، نفرق بسرعة قبل أن يذهب الوقت، فرقنا ونزلنا الكرة وكل واحد لبس، يقول: جاء ومسكني ويقول: أنتم مطاوعة تلعبون كرة؟ قال: نعم، من الذي قال لك إن الكرة حرام، قال: أنا أحسبكم تطلعون وكل واحد يمسك كفر ويصيح عنده، فعلاً أنا أعجب من بعض الشباب يستغرب، ما يصدق أن الشيخ يضحك، سبحان الله العلي العظيم، ولذلك أنا أقول: احذروا أيها الإخوة جميعاً يا من في هذا المسجد، الصحوة الإسلامية الآن مهددة بأمرين: الأمر الأول: يؤتى إلى أحد علماء الصحوة يقال: هذا صاحب معاكسات، هذا رجل لوطي، هذا صاحب مخدرات، ثم يبدأ الشباب يتشككون فيه، هذه من أساليب ضرب الصحوة، وهذا الرجل تقي نقي داعية مسلم مخلص.
الأسلوب الثاني لضرب الصحوة: أن يوجد أناس فجار فساق إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها، تجده مجرماً؛ لكن يحاول أن يبالغ في مظاهر معينة وفي زي وشكل معين، ويدعي أنه ممن ينتسبون إلى الصحوة، وتجده يستلف من هذا ويسرق من هذا، وتجده يغتصب هذا ويفعل مع هذا، ويصلح مع هذا حتى يقول الناس: انظروا يا إخوان، هؤلاء المتدينون، فما هو ذنب المتدينين! عندما يوجد رجل ينتحل زي رجل الأمن، وأخذ فلوسك ولعب عليك، وثبت أن هذا الرجل لص ليس برجل الأمن، نقعد نسب رجال الأمن كلهم، أو نقول نستغني عن جهاز الأمن كله؟! هذا ليس بصحيح، لماذا؟ لأن هذا رجل دخيل في سلك الأمن.
لو جاء طبيب دجال ولعب على الناس وأخذ فلوسهم وصار يعطي أدوية، وأكل الناس، نقول: كل الأطباء دجالون ونستغني عن الطب؟ لا، نقول: هذا الدخيل على الطب دجال.
فكذلك إذا جاء رجل دخيل على الصحوة الإسلامية وعلى الشباب الطيبين، وأخذ ظاهرهم وفعل أفعالاً تخالف مقتضى الالتزام والسلوك الإسلامي، فلا نقول: كل الشباب الملتزم فجار أو فساق أو مخادعون أو خونة، بل نقول: هذا المنتحل هو الذي يحارب، وأما البقية فمكانهم على العين والرأس.
стр. 3098
الشيخ يدفع عن نفسه شبهة أنه حليق
السؤال
بعض الأسئلة يقولون: أنت يا شيخ حالق لحيتك؟
الجواب
أنا أقول الذي عنده لحية للبيع يعطيني إياها، قيس بن سعد بن عبادة يقول: لولا الإسلام -كان ذكياً، ذكي جداً، كان نحيلاً ذكياً- يقول: والله لولا الإسلام لمكرت مكراً لا تعرفه الجاهلية.
وكان قومه يقولون: والله لو بيعت اللحى لاشتريناها له، فأنا عندي هذه الشعرات، الذي يقطع منها ثلاث يدفع الدية، وأما أنا فهذا حد ما عندي والحمد لله على هذه النعمة، لكن لا يظن البعض أنني حليق، وأسأل الله لكل حليق أن يمن عليه بالاقتناع والفهم والالتزام بأن اللحى سنة، ليست سنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، بل سنة واجبة وجوباً، يعني حكم إعفاؤها واجب، أسأل الله أن يمن عليهم وأن يفتح على قلوبهم.
стр. 3099
حث على التبرع للأفغان
السؤال
الشباب في الخارج عندهم صناديق لجمع التبرعات للمجاهدين الأفغان نرجو كلمة قصيرة تحث على التبرع؟
الجواب
يا إخوان: الذي ليس في قلبه واعظ لا تنفعه المواعظ، إن شاء الله إننا وإياكم سمعنا ونسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا، ما يكفي أن ندرك حال إخواننا، وأن نتبرع باستمرار بالقليل، ما قلت الواحد يحط خمسمائة وكذا، إذا أذنبت ذنباً فقدم كفارة، حاول أن تتقرب إلى الله، لحظة صفاء، لحظة قرب من الله، لكن حينما تدعى في كل موقف لا تتردد أن تدفع ولو بريالاً واحداً، وجزاكم الله خير الجزاء.
стр. 3100
الجور بالقول [١]
العدل غريب في هذه الدنيا، لكننا نجد تمام العدل والإنصاف في كتاب الله، وقد ذكر الشيخ هنا أسباب الجور في الحكم وقلة الإنصاف، ثم عرج إلى الأدلة الشرعية في الموازنة بين الإيجابيات والسلبيات مع بيان حال السلف في ذلك.
وبعد ذلك بيّن عواقب انعدام التوازن في منهجية الحكم على الآخرين، كما ركز على أهمية التعاون في تنمية الخير والتناصح لإزالة الشر وإصلاحه.
وفي الأخير تطرق إلى موضوع مهم، وهو خطر ترك أقوال العلماء الكبار المشهود لهم بالخير والصلاح والعلم عند وقوع النوازل والخطوب والأخذ بأقوال غيرهم.
стр. 3101
واقع العدل والإنصاف
الحمد لله القائل في محكم كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:٨] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
معاشر المؤمنين إن العدل والإنصاف في هذا الزمان بات عزيز المنال لدى الكثيرين إلا من رحم الله وقليل ما هم، فالمسلم مأمور أن ينصف من نفسه ومأمور أن يعدل في قوله وحكمه وفعله، لا أن تأخذه الحمية أو العاطفة، أو يغلبه التقليد والتبعية، أن يرى ما يراه الآخرون، أو يصدق ما ينقله الناقلون من غير دليل وبرهان فيكون كما قال القائل:
وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
بل الواجب العدل في كل حال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل، الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم يشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة.
ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام؛ وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الدين من خلاق، ومتى لم تقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة.
وفي هذا الزمان -أيها المسلمون- الذي عز فيه العدل والإنصاف، يحتاج المسلم إلى الرجوع إلى منهج السلف، ليقيس الأمور بمقياس الكتاب والسنة، حيث أصبحت الأهواء هي التي تتحكم بآراء الناس وأقوالهم، حتى أن الإنسان قد يتغاضى عن أخطاء من يحب مهما كانت كبيرة، بل يبررها، بل تتحول هذه الأخطاء إلى محاسن ويجعل محبوبه في أعلى المنازل، ولا يقبل فيه نقداً أو مراجعة، وفي المقابل ترى بعض الناس إذا أبغض أحداً لهوى في نفسه أو تقليداً لغيره، جرده من كل فضائله، ولم ينظر إلى حسناته، أما زلاته فيفخمها وينسى أو يتناسى محاسنه الأخرى مهما كانت بينة، وليس هذا غريباً، وليس غريباً أن توجد العداوات من أهل الأهواء والضلالة، قال ابن الوردي ﵀:
ليس يخلو المرء من ضد ولو حاول العزلة في رأس الجبل
وقال الآخر:
لو كنت كالقدح في التقويم معتدلاً لقالت الناس هذا غير معتدل
وقال الثالث:
إن نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام هذا إن عدل
لكن المسلم الذي يحاسب نفسه يزن بميزان الشرع ويحكم بالقسط، إن سيئات الفرد لا تمنع ذكر حسناته، إن سيئات المجتمع لا تمنع ذكر حسناته، إن سيئات الدولة لا تمنع ذكر حسناتها، وإن حسنات الفرد أو المجتمع أو الدولة لا تمنع من إصلاح سيئاتها، إذا كان سياقها لمصلحة على وجه النصيحة لا التعيير، وعلى وجه الإرشاد لا الشماتة، ما لم يبلغ الفساد والخلل حد الكفر، فليس بعد الكفر ذنب ولا ينفع مع الكفر حسنة.
стр. 3102
العدل والإنصاف في القرآن
أيها المسلمون إن المتأمل لكلام الله جل وعلا يجد تمام العدل في الحكم، وكمال الإنصاف في القول، فهؤلاء النصارى على الرغم من ضلالهم المبين في مسألة التوحيد، إلا أن الله سبحانه بين أن منهم من يؤدي الأمانة قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٧٥] وعلى الرغم من الآيات التي جاءت بقتال الكفار، إلا أن الله شرع الكف عمن لم يقاتل، ولم يشرد أو يتسبب في تشريد الآمنين، قال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩].
стр. 3103
السرعة في إطلاق الأحكام
أيها الأحبة العجب كل العجب مما نراه اليوم ونسمعه من التسرع في إطلاق الأحكام، من التسرع في الحكم على الأمور قبل بحثها وإدراك أبعادها ومضامينها، وأسوء من هذا خوض الصغار في المعضلات، وخوض الجهلة في المشكلات، خوض الكثير في المعضلات بغير علم، فتجد النازلة المحيرة التي تتزاحم فيها المفاسد والمصالح وتتقابل، وتنوء بها عقول الجهابذة من العلماء، سرعان ما ترى صغيراً أو قليل علم يتحدث فيها برأي أو هوى، وأسوء من هذا أن يعيب الجاهل العالم، أو ينتقد القاصر الوافر بحكمته وتجربته، قاصر قليل التجربة ينتقد عالماً وافراً في حكمته وتجربته، فترى صوراً من التطاول وألواناً من التقدم بين يدي العلماء، ناهيك عن الخوض في أعراضهم، فيا سبحان الله! كيف يتجرأ صغير على كبير، وجاهل على عالم؟!
إذا عير الطائي بالبخل مادرٌ وعير قساً بالفهاهة باقل
وطاولت السحب السماء سفاهة وفاخرت الأرض الحصى والجنادل
وقال السهى للشمس أنت ضئيلة وقال الدجى يا صبح لونك حائل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل
وأسوء من هذا أن تجد الفئام من الطغام، يردون الوحل والسبخات، ويتركون الأنهار العذبة الزلالة من علمائهم الذين لا يشك في ورعهم وصلاحهم وتقواهم، فهل يجد هؤلاء الطغام غناءً عند أولئك الجهلة؟
متى تصل العطاش إلى ارتواء إذا استقت البحار من الركايا
ومن يثني الأصاغر عن مراد إذا جلس الأكابر في الزوايا
وإنّ ترفع الوضعاء يوماً على الرفعاء من أقسى البلايا
إذا استوت الأسافل والأعالي فقد طابت منادمة المنايا
стр. 3104
أسباب الجور في القول والتسرع في الحكم
لو تأملنا هذه المسألة حق تأملها وهي الجور في القول والتسرع في الحكم بلا علم ولا حلم وحكمة وتجربة لوجدنا لهذا أسباباً
стр. 3105
تفلت اللسان والعجلة بالقبول والرد
أولها: تفلت اللسان والعجلة بالقبول والرد، وقد نسي ذلك المتسرع قول الله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ونسي قول الله: ﴿وَلا تَقْفُ﴾ أي: لا تتبع ولا تتبع ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] وفي الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي وإسناده صحيح عن معاذ بن جبل ﵁، كان مع النبي ﷺ -إلى أن قال- قال رسول الله ﷺ : (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فقلت: بلى يا نبي الله! فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا.
فقلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على وجوههم أو مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم) ولأجل ذا كان حفظ اللسان من ضمان دخول الجنة؛ قال ﷺ في الحديث الذي أخرجه البخاري: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة).
عباد الله إن فقدان الورع في القول وإطلاق اللسان والبلية بالعجلة سبب الهلاك ومظنة العطب، والعاقل يدرك أن ما قيل لا يرد ولا يستدرك فيكف وقد قيل؟ وأما ما لم يقله المرء، فهو مخير بين إمساكه وإطلاقه.
فكم ندمت على ما كنت قلت به وما ندمت على ما لم أكن أقل
يقول الإمام الجهبذ العلامة ابن قيم الجوزية مشيراً إلى فائدة عجيبة قال فيها: من العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر والنظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى يرى الرجل قد يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يزل بها أبعد مما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم لسانه يفري أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي بما يقول! وتزداد الخطورة -أيها الأحبة- ويعظم الذنب إذا كان الكلام والتطاول والقدح والتناول في أعراض العلماء وأعراض الدعاة، فهم سادة الأمة وقادتها ونورها، ولا خير في قوم لا يعرفون لعلمائهم قدرهم، قال ابن عساكر: "لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة، ومن وقع فيهم بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب".
فأعراض المسلمين حفرة من حفر النار، ومن وضع قدمه في عرض مسلم، أو في أعراض المسلمين فقد وضعها على شفا جرف هار، يخشى أن ينهار به في نار جهنم، وكما قال الشاعر:
يموت الفتى من عثرة بلسانه وليس يموت المرء من عثرة الرجل
فعثرته من فيه ترمي برأسه وعثرته في الرجل تبرا على مهل
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 3106
عدم التجرد والسلامة من الهوى
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة.
أيها الأحبة إذا تقرر ما سبق علمنا وجوب الإنصاف والعدل في الحكم على الفرد والمجتمع، والحاكم والمحكوم، والقريب والبعيد، وهذا يحتاج إلى شرط مهم، وهو: التجرد والسلامة من الهوى، يقول ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء:١٣٥] فالهوى مرض يجعل صاحبه يرى الصحيح سقيماً والعليل سليماً؛ ولهذا حذر الله منه، وأوصى نبيه داود بالحذر منه فقال جل وعلا: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦].
وحينما يبتلى المرء بداء الهوى، والميل والتجافي والمحاباة، فلن يعرف إلا ما يهوى، ولن يحب إلا ما يهوى، ولن يرى إلا ما يهوى، ولن يعتد إلا بمن يهوى، ولن يسمع إلا لمن يهوى، حتى يعميه الهوى ويصمه، وآية ذلك الإعراض عن الحق؛ فترى صاحب الهوى مائلاً إلى قول من اتبعه، معرضاً عن الدليل من كلام الله وكلام رسوله، وصدق الله جل وعلا حيث قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠] وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٠].
والعجب كل العجب أن ترى صاحب الهوى يستدل بأهل الأهواء أمثاله، أو يستدل بمن تابعه على ميله وهواه، فإذا علمت أيها المسلم أن الحق لا يستدل عليه بإقبال الطغام وإدبارهم عنه، وإنما يستدل على الحق بموافقة كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن من المعلوم أن مجرد نفور النافرين أو محبة الموافقين لا تدل على صحة قول ولا فسادة، إلا إذا كان ذلك بهدي من الله، بل الاستدلال بذلك استدلال باتباع الهوى بغير هدى من الله، فإن اتباع الإنسان لما يهواه هو أخذ القول والفعل الذي يحبه، ورد القول والفعل الذي يبغضه، بلا هدى من الله.
وقال ابن تيمية أيضاً: وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك، ولا يطلبه، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه، ويكون مع ذلك معه شبهة دين، أن الذي يرضى له ويغضب له أنه هو السنة وأنه الحق وهو الدين، فإذا قدر أن الذي معه هو الحق المحض دين الإسلام، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله، ولم يكن قصده أن تكون كلمة الله هي العليا، بل قصد الحمية لنفسه أو طائفته، أو الرياء، أو ليعظم ويثنى عليه، أو فعل ذلك شجاعة وطبعاً، أو لغرض من الدنيا، فذلك لا يكون لله ولم يكن مجاهداً في سبيل الله، فكيف إذا كان الذي يدعي الحق والسنة، هو كنظيره معه حق وباطل وسنة وبدعة، ومع خصمه حق وباطل وسنة وبدعة.
وبهذا يتبين أن التجرد في القول والعمل وسلامة المقصد أصل مهم في تقويم الرجال والمجتمعات والهيئات والذوات، حتى لو كان رأي الإنسان صحيحاً لكنه لم يقصد به وجه الله تعالى، ثم النصح للمسلمين، فإن عمله مردود غير مقبول، وهو مأزور غير مأجور، إذا لم يتجاوز عنه ربه قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥] وقال شيخ الإسلام فيما معناه: حتى أن الرد على أهل البدع إذا لم يكن لأجل عبادة الله وإخضاع الناس لطاعة الله، وإنما كان الرد لسلاطة اللسان، أو للانتقام، أو لبيان البراعة وقوة الحجة، فإن هذا لا يكون في موازين قائله، إذ شرط كل عمل أن يقصد به وجه الله جل وعلا.
إن الهوى وعدم التجرد لله ورسوله، سبب الفساد في الأرض وباب حبوط العمل، حتى ولو كان ظاهره صواباً لفوات مقصده وهو صلاح النية، بل غاية ما في هذا أن يجعل الحق تابعاً للهوى، وهذا -وايم الله- الشر كل الشر والفساد كل الفساد، قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون:٧١] فالعلم والعدل أصل كل خير، والظلم والجهل أصل كل شر، والله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأمره أن يعدل بين الطوائف ولا يتبع هوى أحد منهم، قال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى:١٥] فعلى المسلم أن يتقي الله ويخشاه، وأن يراقبه وأن يشعر بمعية الله له، وأن يوقن بأن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ثم عليه أن يفتش في قلبه وأن يطهره من جميع آثار الهوى قبل أن يبدأ في وضع الناس ووزنهم بمقاييس الهوى، وقبل أن يبدأ في التعديل والجرح في الذوات والهيئات، لكي يكون متزن الرأي منصفاً بعيداً عن الجور والظلم المذموم شرعاً.
وقد قال الإمام الفذ ابن ناصر الدين الدمشقي قال: هيهات هيهات إن في مجال الكلام في الرجال عقبات، مرتقيها على خطر، ومرتقيها هوىً لا منجى له من الإثم والوزر، فلو حاسب نفسه الرامي أخاه ما السبب الذي هاج ذلك، لتحقق أنه الهوى الذي صاحبه هالك، وقديماً كان سلفنا الكرام رضوان الله عليهم يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه.
стр. 3107
التقليد والتبعية والمحاكاة
معاشر المؤمنين ربما كان الجور في الحكم وفوت العدل ووضوح الميل، بسبب التقليد والتبعية والمحاكاة، وهذا مرض أخبث من الذي قبله، إذ فيه تعطيل آلات العلم وتقديم الآراء والأهواء على الحجج الواضحات والبراهين الساطعات، ولا تعجب يوم أن ترى كثيراً من الناس يرى رأياً أو يقول قولاً لأن فلاناً قاله أو رآه، وأعظم من هذا تعصبه له وإصراره، ألا يفكر بعقله وألا يعمل عقله في قول من قلده وحاكاه، وقد يكون لدى المقلد عقل لا بأس به لو أعمله وتدبر به ونظر ببصيرته لتبين له خطأ من اتبعه، وتبين له خلاف ما ذهب إليه ورآه من التقليد، ناهيك عما فيه من تقديم عقول الرجال وآرائهم على العدل الذي شرعه الله ورسوله.
وأدهى من هذا وأمر، أن تجد بعض الجائرين في القول والرأي والحكم والنظر إذا دعوته للمناقشة أو للمناظرة، أو إذا دعوته لمناقشة ومناظرة قائده وسيده الذي علمه هذا القول، جبن ورجع القهقرى وعاد خائفاً وقد امتقع لونه، ثم بعد ذلك يقول: أويعقل أن أناقش فلاناً؟! أويعقل أن أتكلم مع فلان؟! وهذا دليل الضلال إذ أن صاحب الحق والدليل لا يتورع عن طلب الحق، فإن كان على ضلالة تبين خطأ نفسه وسلك الحق، وإن كان الذي يقابله على الضلال والخطأ أقام له الحجة وأبان له المحجة، ثم دعاه إلى ترك ما ذهب إليه بهواه وأمره باتباعه.
والعجب أيها الأحبة أن من الناس من إذا ناقشته في رأي أو في قول قال لك من يقلد ويتبع: سبحان الله أيشك في فلان؟! أيشك في علان؟! إن المناظر لا يشكك ولا يسيء الظن ولكن يقول: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة:١١١] ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] ائتوني بأثارة من علم أو كتاب أو حجة أو بينة، ولو رد عليهم المناظر بقوله: وماذا يضير فلان لو حاورته وناظرته، فإن كان على صواب زادني صواباً، وإن كان على ضلال بسطت له من لآلئ الحجة ما يضيء له المحجة، ولكن قل أن ترى شجاعاً ينبذ التقليد والمتابعة.
إن الجبن ليس في الخوف من الإقدام في المعارك، بل إن شجعاناً على الإقدام في المعارك تراهم جبناء لا يقدمون على السؤال وعلى البحث والمناظرة وإقامة الحجة، ولكن قل أن ترى شجاعاً ينبذ التقليد والمتابعة، ويسأل ويناقش ويستفسر بصريح الخطاب والعبارة عن الغاية والوسيلة والنهاية، قال عبد الله بن مسعود ﵁: [ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً، إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر].
وقال سفيان بن عيينة: [اضطجع ربيعة مقنعاً رأسه وبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: رياء ظاهر، وشهوة خفية، والناس عند قادتهم كالصبيان في حجور أمهاتهم ما نهوهم عنه انتهوا، وما أمروهم به ائتمروا].
وقال أحمد بن حنبل: [من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال -وقال أيضاً- لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا] وهذا واضح، إذ أن من أصر على التبعية والتقليد والمتابعة بغير سؤال أو جواب، أو طلب للدليل كالذي يقول: إني أتبع معصوماً لا يزل.
ومن استنكف أو انزعج أو بدا قلقاً يوم أن طلب منه الحوار والمناظرة لمن قلده واتبع هواه فكأنه يقول: اتبعه بلا دليل، وإن من الثابت أن صاحب الدليل لا يتورع عن بيان ما استند إليه.
هذا هو المنهج الذي سار عليه أئمة الإسلام وعلماؤه الكرام بصفائه ونقائه، والعجيب كل العجب أنه مع وضوح هذه المسألة وتواترها عن علماء الأمة إلا أنك ترى طائفة ليست هينة تعاني من داء التقليد والمتابعة على التخليط في أمور بعضها جلي، وبعضها خفي، وبعضها واضح، وأكثرها غامض، وفي هذا يقول الغزالي ﵀: وهذه عادة ضعفاء العقول يعرفون الحق بالرجال ولا يعرفون الرجال بالحق.
والعاقل يقتدي بسيد العقلاء، عن علي بن أبي طالب ﵁ حيث قال: [لا تعرف الحق بالرجال بل اعرف الحق تعرف أهله].
أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من المتجردين لمرضاته، وفي الحديث الذي يروى: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) لهذا الموضوع بقية نبسطها في الجمعة القادمة.
أسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يدمر أعداء الدين، وأن يبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم لا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم اجمع شملنا وحكامنا ودعاتنا وعلماءنا، ولا تجعل فينا دخيلاً ولا عميلاً ولا فاجراً يريد بنا سوءاً، اللهم من أراد بهذا الجمع فرقة، وأراد بهذه الطمأنينة فزعاً، وأراد بهذا الأمن خوفاً، اللهم افضحه على رءوس الخلائق، وأرنا فيه عجائب قدرتك يا جبار السماوات والأرض.
اللهم سخر لنا ولعلمائنا ووالدينا وحكامنا ودعاتنا ملائكة السماء برحمتك وجنود الأرضين بقدرتك، واجعل اللهم ذلك في طاعتك واتباع كتابك وسنة نبيك، وباباً إلى الخضوع والاهتداء بهديك يا رب العالمين.
اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم اهزم النصارى، اللهم اهزم الكفار والمشركين والشيوعيين والوثنيين، وأقم علم الإسلام، اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الكفر والزيغ والعناد، اللهم فرج هم المهمومين، اللهم فرج هم المهمومين في السجون، ونفس كرب المكروبين في الزنازين، وفك أسر المأسورين في الحبوس يا حي يا قيوم، اللهم فرج لهم، اللهم فرج لهم، اللهم فرج لهم، اللهم إن أنينهم لا يخفى عليك، وصرخاتهم لا تعزب عن علمك، اللهم فرج لهم ما هم فيه، واجعل العاقبة لهم يا رب العالمين.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان ميتاً فاجمعنا اللهم به في جنتك، وجازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، ربنا لا تدع لنا في هذا المقام الشريف ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا مدمناً للمخدرات إلا عافيته منها وشفيته منها، وبغضتها إلى نفسه يا رب العالمين، لنا ولأحبابنا ولجميع إخواننا المسلمين.
اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 3108
الجور بالقول [٢]
أقام الله السماوات والأرض على العدل، ومكّن للناس في الأرض، وسيقضي بينهم يوم القيامة بالعدل.
ومن آثار ضياع العدل التحيز إلى فرد حتى يعتقد أنه لا يخطئ، كما أنه قد يجحف بحق آخر، وقد وضع الإسلام موازين منضبطة تعطي كلاً حقه، وتؤدي إلى نماء الخير وزوال الشر، وفي هذه المادة تجد فوائد عظيمة في هذا الموضوع.
стр. 3109
افتراض العصمة وعدم الخطأ في الفرد والمجتمع
الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
معاشر المؤمنين تحدثنا في الخطبة قبل الماضية عن العدل والإنصاف في النظر والحكم على الأشخاص والمجتمعات والهيئات والذوات، ومر بنا الحديث عن خطورة العجلة وإطلاق اللسان في الأمور قبل إدراكها وسبر أغوارها، وأن السلامة من الهوى مظنة الحكم بالعدل والحق، وإذا أعمل الرجل عقله ولبه ونبذ تقليد الرجال بغير دليل وبات جريئاً في السؤال لإدراك أبعاد الأمور دون هز الرءوس عند أدنى المسلمات، والاكتفاء بذلك عن التحقيق والتنقيب للوصول إلى حقائق الأمور وجوهرها.
والكلام اليوم بعون الله تعالى في تتمة هذا الأمر، فاعلموا يا عباد الله أن من أسباب الجور في الحكم ومن أسباب قلة التوفيق إلى العدل: أن يفترض الناظر العصمة في مجتمعه وأفراده ومن حوله، والهيئات والمؤسسات العاملة فيه، وبمعنى آخر: ألا يتصور حدوث الخطأ والزلل من قبيله وقرينه ومن حوله، متناسياً قول النبي ﷺ : (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) ولو صح أن العصمة موجودة في البشر، وأن من حولك لا يخطئون، وأن من صلح لا يمكن أن يحدث منه الزلل والخطيئة، لو صح ذلك، فما منزلة ومكانة آيات التوبة والمغفرة والأحاديث الواردة في ذلك؟ أليس ورود هذه الآيات دليل صريح على أن في المؤمنين من يعصي ويستغفر، ويزل ويتوب، ويخطئ وينيب؟ أيها الأحبة فأما الزلة والخطيئة فمعفو عنها بالتوبة والاستغفار، ومعفو عنها بالحسنات الماحية للسيئات، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] وأما الخطأ الصادر عن اجتهاد أراد صاحبه الحق فلم يوفق إليه؛ فذاك معفو عنه، وأما من عرف خطأه وضلاله، لفساد منهجه وخبث طويته وإصراره على ذلك؛ فذاك الذي ينبغي مناصحته وأمره ونهيه بالسبل والوسائل الشرعية المفضية إلى تحصيل المقصود بالمعروف دون حدوث المنكر، أو زيادة في حجم المنكر، وبالجملة فإن قليل السيئات مغفور مع كثير الحسنات، وحسبك ألا معصوم إلا نبي فيما يبلغ عن ربه، وكفى المرء نبلاً أن تعد زلاته، وصدق القائل:
إذا أنت لم تصبر مراراً على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
فعش واحداً أو صل أخاك فإنه مقارف ذنب مرة أو مجانبه
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
قال ابن الأثير الجزري ﵀: وإنما السيد من عدت سقطاته، وأخذت غلطاته، فهي الدنيا لا يكمل فيها شيء.
ويقول ابن القيم ﵀: وكيف يعصم من الخطأ من خلق ظلوماً جهولاً؟ لكن من عدت غلطاته أقرب إلى الصواب ممن عدت إصاباته.
واعلموا أيها الأحبة أن مما يوقع في الجور وسوء الحكم والفهم أن ينظر الواحد بعين لا ترى إلا المساوئ دون المحاسن
شر الورى بمساوئ الناس مشتغل مثل الذباب يراعي موقع الخلل
إن من لا يرى إلا المساوئ دون المحاسن إن ذلك مما يوقع في الجور وسوء الفهم، وإن مما يوقع في المداهنة والنفاق وفساد التصور، ألا يرى الواحد إلا المحاسن دون المساوئ، وكل هذين خطأ:
فلا تكن فيها مفرطاً أو مفرَّطاً كلا طرفي قصد الأمور ذميم
فإما أن ترى راضين مُسلِّمين لا يظنون أن في الإمكان خيراً مما كان أو مما يرون أو يسمعون، أو ترى ساخطين لا يرون أن فيما يرون ويسمعون شيئاً من الخير أو الصواب، ولو رأوا خيراً أولوه، ولو رأوا صواباً على شر حملوه، وهم كما قال القائل:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا
стр. 3110
أدلة الموازنة بين الإيجابيات والسلبيات
والصواب والحق في هذا -أيها الإخوة- أن الموازنة بين الإيجابيات والسلبيات أمر مطلوب، وإليك النصوص والأدلة الواضحة من القرآن والسنة التي تدل على أن العدل كل العدل في كلام الله ورسوله الذي يقرر هذه الموازنة ويذكر الحسنات والسيئات
стр. 3111
العدل مع أهل الكتاب
قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وهم اليهود والنصارى ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧٥] فهؤلاء اليهود الذين تعلمون ما كان منهم، فقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١].
أيها الأحبة هؤلاء الذين تجرءوا على ذات الله إن ذلك كله لم يمنع من العدل الإلهي أن يذكر فيهم طائفة إذا ائتمنوا بقنطار -بجبل من الذهب- أدوه، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك، فالله جل وعلا يذم اليهود من حيث العموم، ونحن نقرأ في الفاتحة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] فاليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون، ولكنه في الوقت ذاته يبين ربنا جل وعلا بأن بعضهم يلتزم بأداء الأمانة ولا يخونها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ أي: بغضاء وكراهية قوم ﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] واسمعوا هذه الصحاح التي نقلت عن بني إسرائيل، الذين ذكر من شأنهم ما ذكر من تركهم الأمر والنهي والتلاهي، وذكر ما ذكر فيهم من اللعنة: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٨] فهم بالعموم وبالجملة قد ذكروا في معرض الذم والتثريب على سوء فعلهم، ولكن لا يمنع ذلك النبي ﷺ أن يذكر أن فيهم من إذا اؤتمن أدى الأمانة، ومن إذا اقترض أدى ما عليه، ورد في صحيح البخاري حديث طويل في رجل من بني إسرائيل استقرض من صاحب له ألف دينار إلى أجل مسمى، فلما جاء الأجل، وأراد ذلك الرجل أن يؤدي القرض ويؤدي الدين، التمس مركباً يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركباً، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار، وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها ورمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو يلتمس مراراً مركباً يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه، ينظر لعل مركباً قد جاء بماله -أي أن الذي أقرض ذلك الرجل خرج ينتظر غريمه، لعله يأتي بالدين- فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطباً، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه وأتى بالألف دينار فقال: والله ما زلت جاهداً في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركباً قبل الذي جئت به.
قال الآخر: فإن الله قد أدى عنك، بعثت بالخشب، فانصرف بالألف دينار راشداً.
وإن كان يوجد في أهل الكتاب من له عقل وصدق وأمانة قد لا توجد في بعض المنتسبين إلى الإسلام كما قال تعالى في الآية التي ذكرناها آنفاً: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٧٥].
стр. 3112
موازنة الشرع بين الحسنات والسيئات
والدليل الثاني: قوله الله جل وعلا في شأن الموازنة بين الحسنات والسيئات، وأن ما ترى من شر، لا يمنع أن تذكر الخير فيما ترى، قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] فالله سبحانه أثبت النفع في الخمر والميسر، ولكنه حرمها لغلبة المفاسد على المحاسن، قال حذيفة بن اليمان ﵁: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير والشر، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم.
قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن.
قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر) فالنبي ﷺ في هذا الحديث أثبت الخيرية لبعض القوم على الرغم من وجود الدخن في الخير الذي عندهم، فالعبرة بكثرة المحاسن.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلاً كان على عهد النبي ﷺ ، وكان اسمه عبد الله، وكان يلقب "حماراً" وكان يضحك رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يوماً فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به! فقال ﷺ : (لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله) فهذا الصحابي الجليل ﵁ زلت قدمه وتكرر شرب الخمر منه، ولكن هذا لا يعني فساده بالكلية، بل فيه من الصفات الحميدة الأخرى ما يوجب محبته وموالاته، فيعرف للمحسن إحسانه وللمسيء إساءته إتماماً للعدل والإنصاف.
ولا يجوز بحال أن يغلب جانب النظر إلى المعصية دون النظر إلى بقية الحسنات والفضائل، وهذا حد فاصل بين أهل السنة والخوارج، إذ أن أهل السنة يحبون الرجل من وجه ويبغضونه من وجوه، أو يحبونه من وجوه ويبغضونه من وجه، وقد يجتمع في الواحد حب وبغض في آن واحد، قال ﷺ لأبي هريرة ﵁ لما جاءه الشيطان يحثو ويسرق من مال الصدقة وذكره وعلمه آية الكرسي لتحفظه من الشيطان قال: (أما إنه صدقك وهو كذوب) فالنبي ﷺ أثبت الصدق للشيطان، الذي ديدنه الكذب في تلك الحالة، فلم يمنع ذلك من تقبل الخير الذي دل عليه.
стр. 3113
حال السلف مع العدل والأنصاف
وقد أكد السلف الصالح ﵃ على أهمية هذا التوازن وضرورة العدل، وسطروا لنا أروع الأمثلة في هذا الباب، فمن أقوالهم الجميلة: قال سعيد بن المسيب: ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، لكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله.
وقال محمد بن سيرين: ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوء ما تعلم وتكتم خيره.
وقال عبد الله بن الزبير الحميدي: كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بـ مكة على سفيان بن عيينة، فقال لي ذات يوم: هاهنا رجل من قريش له بيان ومعرفة، فقلت له: فمن هو؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي.
وكان أحمد قد جالسه بـ العراق، فلم يزل بي حتى اجترني إليه، وكان الشافعي قبالة الميزاب، فجلسنا إليه ودارت مسائل، فلما قمنا؛ قال لي أحمد بن حنبل: كيف رأيت الرجل؟ فجعلت أتتبع ما أخطأ فيه وكان ذلك مني بالقرشية -أي من الحسد- فقال لي أحمد بن حنبل: فأنت لا ترضى أن يكون رجل من قريش يكون له هذه المعرفة وهذا البيان -أو نحو هذا القول-؟ تمر مائة مسألة يخطئ خمساً أو عشراً، اترك ما أخطأ وخذ ما أصاب؟ فإذا ظهر هذا وتبين لكم أيها الأحبة علمنا أن تصيد الأخطاء وتتبع العثرات والبحث عن الهفوات، كل ذلك مع التغافل عن الحسنات، دليل على فساد القصد وسوء الطوية، ورحم الله الشعبي إذ يقول: لو أصبت تسعاً وتسعين وأخطأت واحدة لأخذوا الواحدة وتركوا التسعة والتسعين!
стр. 3114
الاعتدال في منهج الحكم على الآخرين
أيها الأحبة إن الاعتدال في المنهج يفضي إلى العدل في القول، وإلى العدل في النظر والتصور والحكم، وما يقال في هذا على الأفراد يقال على المجتمع وعلى الحكام وعلى الدولة، فمن نظر إلى أخطاء مجتمعه دون حسناته قاده ذلك إلى الفشل والإحباط والتوتر في نفسه ومشاعره، ومن ثم انعكس ذلك على علاقاته وتعامله مع مجتمعه، وإن الذي يعمل في مجتمعه وفق منهج عدل، حينما ننظر إلى العدل والصواب، والحسنات والسيئات، فإن ذلك يدعو من رأى الصواب إلى العمل والمبادرة والتفاؤل والتنمية، ويحفزه ذلك إلى مزيد من الصواب الذي رأى، مع طمأنينته أن في الأمة خيراً يدعو إلى السعي والإصلاح (ومن قال هلك الناس فهو أهلكُهم أو أهلَكهم).
وإن من ينظر بعين الاعتدال، يدعوه اعتداله إذا رأى الخطأ ألا يقنط ولا ييئس من الإصلاح، بل يتوجه لما يرى من الاستجابة ويدأب في العمل للإصلاح إلى جانب ما رآه من الخير والصواب.
стр. 3115
عواقب انعدام التوازن في منهج الحكم على الآخرين
معاشر إخواننا، معاشر أحبابنا، معاشر الشبيبة المسلمة إن مغبة انعدام التوازن في المنهج الذي به ننظر ونحكم على الأفراد والهيئات والذوات يفضي إلى خطر كبير وشر مستطير، ولقد رأيت من صور هذا الخطر في ظل غيبة التوازن في المنهج أن تنطلق ألسنة الصغار في الكبار، والجهال في العلماء، والعوام في الحكام، الأمر الذي يفضي إلى سقوط هيبة قادات الأمة، ممثلةً في حكامها وعلمائها، ولو دام ذلك واستمر فلا شك في سوء عاقبته، وما يفضي إليه من ضياع مصالح العباد والبلاد في أموالهم وأعراضهم وأمنهم ومصالحهم وهذا يفهمه ويعقله أولو النهى وأرباب الحجى
يكفي اللبيب إشارة مرموزة وسواه يدعى بالنداء العالي
فيا أحبابنا إن بلادنا بلاد عقيدة وفكرة، وهي وليدة منهج ودعوة، تلكم دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وتبناها وعاضده فيها المؤسس الأول محمد بن سعود ﵀، فإذا كانت تلك الدعوة السلفية قد أنتجت دولة وجمعت شمل أمة؛ أفترون تلك الدعوة السلفية عقيمة لا تلد منهج إصلاح للدعوة أو توجيه للأمة؟ أم ترون أننا بحاجة إلى استيراد مناهج الدعوة يميناً ويساراً من البلاد المجاورة؟ ألا لست بهذا وفي هذا المقام أنتقد مناهج الدعوة في البلاد الأخرى، ومع ذلك لا أدعي لها الكمال والعصمة، بل لها وعليها، وفينا ما لنا وما علينا، وفينا على اختلاف مستوياتنا أخطاء وإصابات وسيئات وحسنات، ولكن لا يستطيع أحد أن يلزمنا بالدعوة على طريقة تلك المناهج الدعوية الموجودة في البلاد المجاورة وهذه المسألة مهمة جداً.
وإني والله أقول هذا الكلام، وأدين الله جل وعلا به، وما قلته تملقاً ولا تقرباً لأحد، لكني تأملت سيرة ذلك الإمام الجهبذ العلامة، الذي اجتمعت عليه قلوب الأمة شرقاً ومغرباً، وما علمت مبغضاً له إلا هو أقرب إلى الشر من الخير سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، رأيت رجلاً لم تستطع جماعة أن تحتويه، ولم يستطع منهج أن يجعله تحت ظله، ومع ذلك لم تستغن جماعة من الجماعات عن علمه ورأيه وفتواه وفكره، وطول خبرته وبصير علمه.
فيا معاشر المؤمنين إذا أدركنا ذلك وجدنا أننا بحاجة إلى التوازن، وبحاجة إلى الهدوء، وقد يفهم البعض أن الكلام عن الحكمة والتوازن أن نطأطئ الرءوس عن المنكرات، وأن نسكت عن الخطيئات لا والله، ليس هذا من الحكمة وليس هذا من التوازن، إن التوازن: أن ترى الخير فتذكره وتشكره، وأن ترى الشر فتنكره، ولكن بالأسلوب الذي لا يفضي إلى منكر أكبر أو يفوت معروفاً موجوداً.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 3116
تنمية الخير وإزالة الشر
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة إننا نعلم أن من الناس من لا يعجبه مثل هذا القول، ولكن لنعلم جيداً أن الله جل وعلا قد جعل وظيفة الأنبياء ومن ورثهم أن يقودوا الناس إلى الهدى، لا أن يسمعوا الناس ما يشتهون، فتجد من الناس من يقول: نسمع من فلان ما نشتهي، ونسمع من فلان كذا، ونسمع من فلان كذا، وفلان على حظه من الخير إن وفق إلى الخير، وعلى حظه من الأجر إن اجتهد فأخطأ فله أجر، وإن اجتهد فأصاب خيراً فله أجران، وعلى حظه من الإثم إن أراد شيئاً ظاهره أمر وباطنه غيره.
أيها الأحبة في الله إن من واجبات العدل في مجتمعنا أن ننظر إلى ما نحن فيه من خير فننميه، وأن نتأمل ما نحن فيه من شر أو خطأ أو نقيصة فنتعاون ونتناصح على إزالته وعلى إصلاحه، وأن يكون هذا دأبنا وديدننا وحرصنا، كما نحرص على أرزاقنا وأنفسنا وأموالنا وذرياتنا، وإني أعجب -أيها الإخوة- من أناس يوم أن يروا حسنة من الحسنات من أناس قد ضل منهجهم أو غاب الوضوح في رأيهم، وجدتهم يطنطنون بها ويذكرونها، وشكراً لهم على ذكر الحسنة في مكانها، ولكن ينبغي ألا تكون الحسنة بمعزل عن ذكر تلك الخطيئة والسيئة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى غيره، فتجد من ينظر بعين فيها هوىً وميل، يحرص أن يئول كل زلة، وأن يستر كل خطيئة، وأن يبعد عن مناقشة كل أمر، فلا تراه يذكر إلا ما يشتهي الناس، أو ما تشتهي الأمة.
إن الله جل وعلا قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١٠٥] فالدليل والنص والآية والحديث تجر الناس إلى التصور الصحيح وإلى الفهم السليم، لا أن يسمع الناس ما يشتهون، لا أن يقولوا ما يريدون، وقد حصل لي في أزمة الخليج محاورات كثيرة مع أناس منهم من رفع الصوت، ومنهم من خفضه، ومنهم من اغتاب، ومنهم من ذكر، والله إني أسأل الله أن يغفر لهم، ولكني قلت: لن أقول ما يشتهي الناس، وإنما أقول ما بلغه عقلي بعد اهتداء بهدي من الله وكلام رسول الله، وبعد إدراك لما رآه علماء الأمة، فإن كانت الآية والحديث دلالتها قطعية، فالصغار والكبار لا يجوز لهم أن يحيدوا عنها قيد أنملة، وإن كانت دلالة الدليل ظنية فليس اجتهاد فلان بأولى من علان، وإذا وضعت اجتهادين: اجتهاد من عاصر أمماً عديدة وعاصر دولاً عدة وسبر الأمور، وشابت شيبته في الإسلام، وعرف عنه الهدى والتقى والصلاح والعفاف والبعد عن مصالح الدنيا، أفترون من العقل أن أترك اجتهاده لعلمه وحلمه وورعه وصلاحه لاجتهاد غيره؟ حينئذ إذا اتبعت الحق بما شرح صدرك إليه فلا يضيرك من خالفك، صغيراً كان أم كبيراً، المهم أن يكون قصدك ما يرضي الله جل وعلا، المهم إذا وقفت يوم القيامة بين يدي الله وقيل لك: لماذا قلت كذا وكذا؟ تقول: هذا خير يا رب شرح صدري إليه، أو شرحت صدري إليه على دليل من الكتاب والسنة وفهم علماء الأمة الذين أرشد الله إليهم ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] وقول الله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ [النساء:٨٣].
стр. 3117
عجباً من مواقف بعض الشباب !!
إني أعجب من شبيبة -أسأل الله لي ولهم الصلاح والهداية- يوم أن تقع نازلة، أو تحل مسألة، فإذا سمعت قول كبار العلماء، وإذا التفت إلى اجتهادهم، أبطول تجربة وعمق بصر وبصيرة، وفهم وإحاطة شاملة للنصوص والأدلة، أخذت قولهم ورأيت رأيهم واتبعت منهجهم، فرأيت من يخالف ومن يلوم من يخالف وهم ينهون عنه وينأون عنه، فإن كان ولابد، فلا أقل من أن تأخذ ما وقفت عليه، ولتعلم أنك متبع للهوى في ذلك، ما معنى أن تعمل بقول ابن باز وقول ابن عثيمين في كثير من المسائل فإذا جاءت مسألة معينة قلت: لا، هذا قول لا أقبله، وهذا قول لا أتبعه.
أو قول من قال: إن المشايخ لا يفهمون، إن العلماء لا يدركون ومتى غاب عنهم شيء فتح عليك؟ ومتى جهلوا شيئاً علمته؟ ومتى عضلت عليهم مسألة فهمتها أنت؟ فيا سبحان الله!
ومن يثني الأصاغر عن مراد إذا جلس الأكابر في الزوايا
وإنّ ترفع الوضعاء يوماً على الرفعاء من أقسى البلايا
إن العدل كل العدل في منهج نعيشه أن نرد الأمور صغيرها وكبيرها إلى علمائنا الأجلاء، وكبار علمائنا الصالحين ممثلين في سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ومحمد بن صالح بن عثيمين، ومن وافقهم ونهج نهجهم، والجميع على هدي من النبي ﷺ ، نحسبهم كذلك ونسأل الله لهم ذلك.
وأما ما سوى ذلك أيها الأحبة، فدعونا من بنيات الطرق، وإن الحجة واضحة، والمحجة بينة
عطاينا سحائب مرسلات ولكن ما وجدنا السائلينا
وكل طريقنا نور ونور ولكن ما رأينا السالكينا
أيها الإخوة عجبت ذات يوم وكنت حينها في باكستان، أيام الجهاد في بيشاور، فجلست مع شبيبة أخذوا يتكلمون، لا حديث لهم إلا في الحكام وفي الذوات وفي العلماء، فقلت: يا عباد الله ألا تدعوننا ننام هذه الليلة سلمنا من غيبة أعراض وهيئات وذوات.
فتطاول البعض منهم إلى حد التكفير، وقال: فلان كافر، وفلان فيه، وفلان كفر.
فقلت: يا سبحان الله! إنك يوم القيامة إن لم تتكلم في واحد من هؤلاء لن يسألك الله عنهم، ولن يحاسبك الله لماذا لم تتكلم في فلان وعلان، لكن إن تكلمت في أعراضهم فزللت في ذواتهم وهيئاتهم ستحاسب عن كل صغيرة ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨].
المهم أنهم تكلموا وتحدثوا وهاجوا وماجوا، واضطرب الحديث واختلف حتى باتوا في حيص بيص، فقلت لهم -وهم من أجناس مختلفة- قلت: يا إخواننا مثلاً لو قلت لك في مصر، أو سوريا أو في تونس أو في الجزائر لو قلت لك: إن هيئة أنشئت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقلت لك: إن قراراً صدر بفصل البنين عن البنات، وقلت لك: إن الدكاكين والحوانيت تغلق وقت الصلاة، وقلت لك: إن القاتل يقتل والسارق تقطع يده، والزاني المحصن يرجم، وقاطع الطريق يقتل، وإن هناك محاكم شرعية، وقلت لك أيضاً: لا تجد باراً مرخصاً أو حانوتاً للزنا مقنناً، وقلت لك وقلت لك من هذه الأمور، أنها عادت إلى بلادك وحكم بها ألا ترى في تصورك أو ظنك أنها خلافة راشدة عادت من جديد؟ قال بعضهم: والله بلى.
قلت: إذاً فما بالكم تسلطتم علينا في مجتمعنا، ولا هم لكم إلا بلادنا، أنتم كذا وأنتم أذناب، وأنتم عملاء، وأنتم منافقون، وأنتم مداهنون؛ والمصيبة -أيها الأحبة- أن هذه الشنشنة الأخزمية نسمعها لا أقول في كثير من الأحيان، بل في بعض الأحيان من أناس لم يخبروا حقيقة الأمر، بل في زغرد أيام مؤتمر حقوق الإنسان في البوسنة والهرسك قابلت رجلاً من المشهورين، وأخذت أتحدث معه فقليلاً حتى نزل في مجتمعنا وأصبح لا يتكلم عنا إلا بالسيئات، فقلت له: هل يوجد في بلادكم كذا؟ هل يوجد كذا؟ هل يوجد مثل ذلك؟ فقال: لا.
قلت: يا أخي الحبيب إن كان ولابد فانظر إلى مجتمعنا بالحسنات والسيئات، ثم إني أسألك الآن عن البلاد التي سميت الآن بلاداً إسلامية، أو وصل الإسلاميون فيها إلى الحكم سددهم الله وأعانهم وثبتهم، هل هدموا القبور والأضرحة؟ هل منعوا التوسل بالأولياء؟ هل منعت المزارات؟ هل ألغي الشرك الأكبر الذي هو أكبر من الربا الذي تحدثني عنه؟ نعم والله ما مررت ببنك إلا وأنا بدلاً من أقرأ بنك كذا، إلا أقرأ في المقابل لوحة اسمها لعنة الله ورسوله على كذا وكذا؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] وقال ﷺ : (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه) نعم ننظر إلى مجتمعنا بحسناته وسيئاته، بأخطائه وصوابه، بما فيه من الخير وما فيه من الشر، ولكن أن نعطي العقول غيرنا ثم ننصب من أنفسنا أعداءً لحكامنا، أو أن نرى أننا نخالف كبار العلماء منا، فإذا جاءت المسألة الفلانية قلنا: قال ابن باز وقال ابن عثيمين، وإذا جاءت الأخرى قلنا: لا، قال فلان وعلان؟ ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥] أفنسمع لهذا تارة ونترك ذاك تارة، أم جعل العلماء للحيض والنفاس والصوم والصلاة والزكاة، وجعل غيرهم لأمور السياسة والاقتصاد وغيرها؟ إن العلماء هم العلماء، في السياسة والاقتصاد والطهارة والحج والصلاة والزكاة، وإن التفريق الذي نراه من البعض إنما هو شر ونذير شؤم وخطر على الأمة، وإن نهايته أن يفترق الناس إلى مدارات ثلاثة: مدار الحكام، ومدار العلماء، ومدار الدعاة.
وهذا خطر عظيم، لا نسمح ولا نرضى ولا يجوز شرعاً أن يوجد، بل لا حلف في الإسلام، ولا يجوز أن يقوم هذا ليكون نواةً لمجموعات أو أحزاب، إذ أن البلاد أمة، والمجتمع أمة، هي أمة واحدة، منهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات، فمن أحب هذا ورضيه وسأل عنه وناقش العلماء فيه؛ فإنه على خير، ومن أعرض عنه ولم ير إلا ما يشتهي أو ما ردد؛ فله من ذلك ماله وعليه من ذلك ما عليه.
اللهم رب جبرائيل وميكائيل ورب كل شيء ومليكه، فاطر السماوات والأرض، أنت ولينا في الدنيا والآخرة، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
أسأل الله أن يجمعنا وإياكم في الجنة، وأن يصلح لنا ولكم النية والذرية، وأن يعصمنا من الهوى والنفاق والرياء، ونسأله سبحانه أن يصلح شبابنا وعلماءنا وحكامنا ودعاتنا، وأن يجمع شملنا.
يا حي يا قيوم اللهم صل على محمد وآله وصحبه.
وأقم الصلاة.
стр. 3118
الخوف من الله
الخوف من الله لا يكون من أصحاب الذنوب والخطايا فقط، بل لابد أن يكون حتى من الصالحين، فالملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون يخافون من الله ، وكذلك الأنبياء ﵈، ولقد وردت كثير من الأقوال عن السلف رضوان الله عليهم تبيّن شدة خوفهم من الله مع طاعتهم له، فالخوف والرجاء كالجناحين للمؤمن يطير بهما إلى الجنة.
стр. 3119
أهمية اجتماع الخوف والرجاء
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، واعلموا أن حسن الظن والرجاء بمغفرة الله ومثوبته، ينبغي أن يكون لعبدٍ أخلص النية وأحسن العمل واجتهد في العبادة، أما العصاة المصرون على الذنوب المستهترون بفعلها، والمقيمون على الفواحش، فأي عملٍ صالحٍ يرجونه ويحسنون الظن به -يا عباد الله- فلو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.
أيها الأحبة في الله! إن كثيراً من أبنائنا، وكثيراً من شبابنا، وبعض المسلمين هداهم الله، ليتساهلون بالذنوب والمعاصي إلى حد الإصرار المقيم، والعمل المديم على المعاصي والفواحش والسيئات، دون تفكيرٍ أن يتوبوا أو أن يقلعوا أو أن ينيبوا إلى الله منها، فأولئك لو حادثت بعضهم وهو مصرٌ مقيمٌ على معصية الله، قال: إني أحسن الظن بالله، والله لو أحسن الظن لأحسن العمل.
إن المقيم على الذنب والمصر على المعصية، لفي أشد الحاجة إلى ما يخوفه ويزجره عن التمادي، ويردعه عن الوقوع في الغفلة والشهوات المحرمة، فمن كملت معرفته لربه وظهر خوفه من الله، وفاض أثر ذلك على قلبه، ثم انعكس على جوارحه بكفها عن المعاصي وإلزامها بالطاعات، تكفيراً لما سلف، واستعداداً لما سيأتي، وقال ﷺ : (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزلة) ولكن اعلموا -يا عباد الله- أن البكاء وحده ليس دليلاً على الخوف من الله، لكن حقيقة الخوف ترك العبد ما حرم ربه مع قدرته عليه، وإذا بلغ الخوف بالمؤمن هذه الدرجة انقمعت شهوته، وتكدرت لذته، فتصير المعصية المحبوبة إلى النفس مكروهةً يبغضها القلب، وتكف عنها الجوارح، وكلما تمكن الخوف من الله في قلب المؤمن زادت مراقبة العبد ومحاسبته لنفسه.
عباد الله! إن كثيراً من المسلمين لا يخافون من الله حق خوفه، ولا يخشونه حق خشيته، أيغرهم إمهاله لهم، أم يظنون أن الله غافلٌ عما يعملون سبحانه جل شأنه؟ وبعضهم إذا وقع في معصية ولم تصبه عقوبتها، ولم ير أثرها في الحال، يظن أن المعصية بعد ذلك لا تضره، وهو بفعله هذا على حد قول القائل:
إذا لم يغبر حائط في وقوعه فليس له بعد الوقوع غبار
وقد نسي ذلك المسكين أن بعض الذنوب ولا حول ولا قوة إلا بالله لا يرى العبد أثرها وشؤمها إلا بعد عشر سنين، أو عشرين سنة، أو أربعين سنة، ترى بعضاً منهم لا يخشى ولا يخاف العاقبة السيئة وما اقترف من الخطيئة، والبعض يتقلب في لهوه وغفلته كأنما ضمنت له الجنة وقدمت بين يديه الرحمة والمغفرة، فأين هو من جيل الصحابة والسلف الصالحين؟ أين هو من جيل الصحابة الراشدين والسلف الصالحين الذين بلغوا أعلى مراتب الخوف والخشية من ربهم، وما ذاك إلا لكمال معرفتهم بخالقهم.
стр. 3120
شدة خوف النبي ﷺ وأصحابه
معاشر المؤمنين! تأملوا كتاب الله، تعلمون كيف كان الملائكة المقربون الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، كيف كانوا يخافون من الله، كيف كانوا يخافون من خالقهم، يقول الله جل وعلا في وصفهم: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠] أما نبينا ﷺ وهو الذي غُُُُُُُُُُُُُُُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، تقول عائشة ﵂: (ما رأيت رسول الله ﷺ قط مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى لهواته، إنما كان يتبسم وكان إذا رأى غيماً وريحاً عُرف ذلك في وجهه، فقلت: يا رسول الله! الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عُرفت الكراهة في وجهك، فقال: يا عائشة! ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قومٌ بالريح، وقد رأى قومٌ العذاب فقالوا: هذا عارضٌ ممطرنا) أخرجاه في الصحيحين.
وكان ﷺ يقول: (أما والله لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تندبون أنفسكم وتجأرون إلى الله) أما الصحابة رضوان الله عليهم وفيهم من شهد له الرسول بالجنة، وهو بالجملة من أثنى الله عليهم في كتابه، فخوفهم من جلال ربهم، لقد كان أبو بكرٍ الصديق ﵁ يقول: [يا ليتني كنت شجرةً تعضد ثم تؤكل] وكان ﵁ يقول: [وددت أن أقدم على الله يوم القيامة لا لي ولا عليَّ] وكان عمر بن الخطاب ﵁ يسأل حذيفة أمين سر رسول الله ﷺ : [هل عدني رسول الله من المنافقين؟] وكان عمر ﵁ يسمع الآية فيمرض فيعاد أياماً، وقرأ ذاتٍ يومٍ في صلاة الفجر: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر:٨] فبكى ونشج نشيجاً عجيباً، فعاده الصحابة أياماً في بيته من شدة ما أصابه من خشية الله وخوفه، وكان عمر ﵁ في وجهه خطان أسودان من البكاء.
وقال أبو عبيدة عامر بن الجراح ﵁: [وددت أن كنت كبشاً فذبحني أهلي فأكلوا لحمي وحشوا مرقي] وقال عمران بن حصين: [يا ليتني كنت رماداً تذروه الرياح] ويقول علي بن أبي طالب: [والله لقد رأيت أصحاب محمدٍ ﷺ فما أرى اليوم شيئاً يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً بين أعينهم أمثال ركب المعزة، قد باتوا لله سجداً وقياماً، يتلون كتاب الله، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، إذا طال القيام سجدوا، وإذا طال السجود قاموا، فإذا أصبحوا ذكروا الله ، مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبتل ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين].
أما التابعون لهم بإحسان والسلف الصالح فلهم من خشية الله وخوف عقابه ما تهتز لذكره القلوب، وتهتز له الأفئدة.
следующие страницы →