Полный текст (3 155 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
تنمية الخير وإزالة الشر
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة إننا نعلم أن من الناس من لا يعجبه مثل هذا القول، ولكن لنعلم جيداً أن الله جل وعلا قد جعل وظيفة الأنبياء ومن ورثهم أن يقودوا الناس إلى الهدى، لا أن يسمعوا الناس ما يشتهون، فتجد من الناس من يقول: نسمع من فلان ما نشتهي، ونسمع من فلان كذا، ونسمع من فلان كذا، وفلان على حظه من الخير إن وفق إلى الخير، وعلى حظه من الأجر إن اجتهد فأخطأ فله أجر، وإن اجتهد فأصاب خيراً فله أجران، وعلى حظه من الإثم إن أراد شيئاً ظاهره أمر وباطنه غيره.
أيها الأحبة في الله إن من واجبات العدل في مجتمعنا أن ننظر إلى ما نحن فيه من خير فننميه، وأن نتأمل ما نحن فيه من شر أو خطأ أو نقيصة فنتعاون ونتناصح على إزالته وعلى إصلاحه، وأن يكون هذا دأبنا وديدننا وحرصنا، كما نحرص على أرزاقنا وأنفسنا وأموالنا وذرياتنا، وإني أعجب -أيها الإخوة- من أناس يوم أن يروا حسنة من الحسنات من أناس قد ضل منهجهم أو غاب الوضوح في رأيهم، وجدتهم يطنطنون بها ويذكرونها، وشكراً لهم على ذكر الحسنة في مكانها، ولكن ينبغي ألا تكون الحسنة بمعزل عن ذكر تلك الخطيئة والسيئة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى غيره، فتجد من ينظر بعين فيها هوىً وميل، يحرص أن يئول كل زلة، وأن يستر كل خطيئة، وأن يبعد عن مناقشة كل أمر، فلا تراه يذكر إلا ما يشتهي الناس، أو ما تشتهي الأمة.
إن الله جل وعلا قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١٠٥] فالدليل والنص والآية والحديث تجر الناس إلى التصور الصحيح وإلى الفهم السليم، لا أن يسمع الناس ما يشتهون، لا أن يقولوا ما يريدون، وقد حصل لي في أزمة الخليج محاورات كثيرة مع أناس منهم من رفع الصوت، ومنهم من خفضه، ومنهم من اغتاب، ومنهم من ذكر، والله إني أسأل الله أن يغفر لهم، ولكني قلت: لن أقول ما يشتهي الناس، وإنما أقول ما بلغه عقلي بعد اهتداء بهدي من الله وكلام رسول الله، وبعد إدراك لما رآه علماء الأمة، فإن كانت الآية والحديث دلالتها قطعية، فالصغار والكبار لا يجوز لهم أن يحيدوا عنها قيد أنملة، وإن كانت دلالة الدليل ظنية فليس اجتهاد فلان بأولى من علان، وإذا وضعت اجتهادين: اجتهاد من عاصر أمماً عديدة وعاصر دولاً عدة وسبر الأمور، وشابت شيبته في الإسلام، وعرف عنه الهدى والتقى والصلاح والعفاف والبعد عن مصالح الدنيا، أفترون من العقل أن أترك اجتهاده لعلمه وحلمه وورعه وصلاحه لاجتهاد غيره؟ حينئذ إذا اتبعت الحق بما شرح صدرك إليه فلا يضيرك من خالفك، صغيراً كان أم كبيراً، المهم أن يكون قصدك ما يرضي الله جل وعلا، المهم إذا وقفت يوم القيامة بين يدي الله وقيل لك: لماذا قلت كذا وكذا؟ تقول: هذا خير يا رب شرح صدري إليه، أو شرحت صدري إليه على دليل من الكتاب والسنة وفهم علماء الأمة الذين أرشد الله إليهم ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] وقول الله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ [النساء:٨٣].
стр. 3117
عجباً من مواقف بعض الشباب !!
إني أعجب من شبيبة -أسأل الله لي ولهم الصلاح والهداية- يوم أن تقع نازلة، أو تحل مسألة، فإذا سمعت قول كبار العلماء، وإذا التفت إلى اجتهادهم، أبطول تجربة وعمق بصر وبصيرة، وفهم وإحاطة شاملة للنصوص والأدلة، أخذت قولهم ورأيت رأيهم واتبعت منهجهم، فرأيت من يخالف ومن يلوم من يخالف وهم ينهون عنه وينأون عنه، فإن كان ولابد، فلا أقل من أن تأخذ ما وقفت عليه، ولتعلم أنك متبع للهوى في ذلك، ما معنى أن تعمل بقول ابن باز وقول ابن عثيمين في كثير من المسائل فإذا جاءت مسألة معينة قلت: لا، هذا قول لا أقبله، وهذا قول لا أتبعه.
أو قول من قال: إن المشايخ لا يفهمون، إن العلماء لا يدركون ومتى غاب عنهم شيء فتح عليك؟ ومتى جهلوا شيئاً علمته؟ ومتى عضلت عليهم مسألة فهمتها أنت؟ فيا سبحان الله!
ومن يثني الأصاغر عن مراد إذا جلس الأكابر في الزوايا
وإنّ ترفع الوضعاء يوماً على الرفعاء من أقسى البلايا
إن العدل كل العدل في منهج نعيشه أن نرد الأمور صغيرها وكبيرها إلى علمائنا الأجلاء، وكبار علمائنا الصالحين ممثلين في سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ومحمد بن صالح بن عثيمين، ومن وافقهم ونهج نهجهم، والجميع على هدي من النبي ﷺ ، نحسبهم كذلك ونسأل الله لهم ذلك.
وأما ما سوى ذلك أيها الأحبة، فدعونا من بنيات الطرق، وإن الحجة واضحة، والمحجة بينة
عطاينا سحائب مرسلات ولكن ما وجدنا السائلينا
وكل طريقنا نور ونور ولكن ما رأينا السالكينا
أيها الإخوة عجبت ذات يوم وكنت حينها في باكستان، أيام الجهاد في بيشاور، فجلست مع شبيبة أخذوا يتكلمون، لا حديث لهم إلا في الحكام وفي الذوات وفي العلماء، فقلت: يا عباد الله ألا تدعوننا ننام هذه الليلة سلمنا من غيبة أعراض وهيئات وذوات.
فتطاول البعض منهم إلى حد التكفير، وقال: فلان كافر، وفلان فيه، وفلان كفر.
فقلت: يا سبحان الله! إنك يوم القيامة إن لم تتكلم في واحد من هؤلاء لن يسألك الله عنهم، ولن يحاسبك الله لماذا لم تتكلم في فلان وعلان، لكن إن تكلمت في أعراضهم فزللت في ذواتهم وهيئاتهم ستحاسب عن كل صغيرة ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨].
المهم أنهم تكلموا وتحدثوا وهاجوا وماجوا، واضطرب الحديث واختلف حتى باتوا في حيص بيص، فقلت لهم -وهم من أجناس مختلفة- قلت: يا إخواننا مثلاً لو قلت لك في مصر، أو سوريا أو في تونس أو في الجزائر لو قلت لك: إن هيئة أنشئت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقلت لك: إن قراراً صدر بفصل البنين عن البنات، وقلت لك: إن الدكاكين والحوانيت تغلق وقت الصلاة، وقلت لك: إن القاتل يقتل والسارق تقطع يده، والزاني المحصن يرجم، وقاطع الطريق يقتل، وإن هناك محاكم شرعية، وقلت لك أيضاً: لا تجد باراً مرخصاً أو حانوتاً للزنا مقنناً، وقلت لك وقلت لك من هذه الأمور، أنها عادت إلى بلادك وحكم بها ألا ترى في تصورك أو ظنك أنها خلافة راشدة عادت من جديد؟ قال بعضهم: والله بلى.
قلت: إذاً فما بالكم تسلطتم علينا في مجتمعنا، ولا هم لكم إلا بلادنا، أنتم كذا وأنتم أذناب، وأنتم عملاء، وأنتم منافقون، وأنتم مداهنون؛ والمصيبة -أيها الأحبة- أن هذه الشنشنة الأخزمية نسمعها لا أقول في كثير من الأحيان، بل في بعض الأحيان من أناس لم يخبروا حقيقة الأمر، بل في زغرد أيام مؤتمر حقوق الإنسان في البوسنة والهرسك قابلت رجلاً من المشهورين، وأخذت أتحدث معه فقليلاً حتى نزل في مجتمعنا وأصبح لا يتكلم عنا إلا بالسيئات، فقلت له: هل يوجد في بلادكم كذا؟ هل يوجد كذا؟ هل يوجد مثل ذلك؟ فقال: لا.
قلت: يا أخي الحبيب إن كان ولابد فانظر إلى مجتمعنا بالحسنات والسيئات، ثم إني أسألك الآن عن البلاد التي سميت الآن بلاداً إسلامية، أو وصل الإسلاميون فيها إلى الحكم سددهم الله وأعانهم وثبتهم، هل هدموا القبور والأضرحة؟ هل منعوا التوسل بالأولياء؟ هل منعت المزارات؟ هل ألغي الشرك الأكبر الذي هو أكبر من الربا الذي تحدثني عنه؟ نعم والله ما مررت ببنك إلا وأنا بدلاً من أقرأ بنك كذا، إلا أقرأ في المقابل لوحة اسمها لعنة الله ورسوله على كذا وكذا؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] وقال ﷺ : (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه) نعم ننظر إلى مجتمعنا بحسناته وسيئاته، بأخطائه وصوابه، بما فيه من الخير وما فيه من الشر، ولكن أن نعطي العقول غيرنا ثم ننصب من أنفسنا أعداءً لحكامنا، أو أن نرى أننا نخالف كبار العلماء منا، فإذا جاءت المسألة الفلانية قلنا: قال ابن باز وقال ابن عثيمين، وإذا جاءت الأخرى قلنا: لا، قال فلان وعلان؟ ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥] أفنسمع لهذا تارة ونترك ذاك تارة، أم جعل العلماء للحيض والنفاس والصوم والصلاة والزكاة، وجعل غيرهم لأمور السياسة والاقتصاد وغيرها؟ إن العلماء هم العلماء، في السياسة والاقتصاد والطهارة والحج والصلاة والزكاة، وإن التفريق الذي نراه من البعض إنما هو شر ونذير شؤم وخطر على الأمة، وإن نهايته أن يفترق الناس إلى مدارات ثلاثة: مدار الحكام، ومدار العلماء، ومدار الدعاة.
وهذا خطر عظيم، لا نسمح ولا نرضى ولا يجوز شرعاً أن يوجد، بل لا حلف في الإسلام، ولا يجوز أن يقوم هذا ليكون نواةً لمجموعات أو أحزاب، إذ أن البلاد أمة، والمجتمع أمة، هي أمة واحدة، منهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات، فمن أحب هذا ورضيه وسأل عنه وناقش العلماء فيه؛ فإنه على خير، ومن أعرض عنه ولم ير إلا ما يشتهي أو ما ردد؛ فله من ذلك ماله وعليه من ذلك ما عليه.
اللهم رب جبرائيل وميكائيل ورب كل شيء ومليكه، فاطر السماوات والأرض، أنت ولينا في الدنيا والآخرة، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
أسأل الله أن يجمعنا وإياكم في الجنة، وأن يصلح لنا ولكم النية والذرية، وأن يعصمنا من الهوى والنفاق والرياء، ونسأله سبحانه أن يصلح شبابنا وعلماءنا وحكامنا ودعاتنا، وأن يجمع شملنا.
يا حي يا قيوم اللهم صل على محمد وآله وصحبه.
وأقم الصلاة.
стр. 3118
الخوف من الله
الخوف من الله لا يكون من أصحاب الذنوب والخطايا فقط، بل لابد أن يكون حتى من الصالحين، فالملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون يخافون من الله ، وكذلك الأنبياء ﵈، ولقد وردت كثير من الأقوال عن السلف رضوان الله عليهم تبيّن شدة خوفهم من الله مع طاعتهم له، فالخوف والرجاء كالجناحين للمؤمن يطير بهما إلى الجنة.
стр. 3119
أهمية اجتماع الخوف والرجاء
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، واعلموا أن حسن الظن والرجاء بمغفرة الله ومثوبته، ينبغي أن يكون لعبدٍ أخلص النية وأحسن العمل واجتهد في العبادة، أما العصاة المصرون على الذنوب المستهترون بفعلها، والمقيمون على الفواحش، فأي عملٍ صالحٍ يرجونه ويحسنون الظن به -يا عباد الله- فلو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.
أيها الأحبة في الله! إن كثيراً من أبنائنا، وكثيراً من شبابنا، وبعض المسلمين هداهم الله، ليتساهلون بالذنوب والمعاصي إلى حد الإصرار المقيم، والعمل المديم على المعاصي والفواحش والسيئات، دون تفكيرٍ أن يتوبوا أو أن يقلعوا أو أن ينيبوا إلى الله منها، فأولئك لو حادثت بعضهم وهو مصرٌ مقيمٌ على معصية الله، قال: إني أحسن الظن بالله، والله لو أحسن الظن لأحسن العمل.
إن المقيم على الذنب والمصر على المعصية، لفي أشد الحاجة إلى ما يخوفه ويزجره عن التمادي، ويردعه عن الوقوع في الغفلة والشهوات المحرمة، فمن كملت معرفته لربه وظهر خوفه من الله، وفاض أثر ذلك على قلبه، ثم انعكس على جوارحه بكفها عن المعاصي وإلزامها بالطاعات، تكفيراً لما سلف، واستعداداً لما سيأتي، وقال ﷺ : (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزلة) ولكن اعلموا -يا عباد الله- أن البكاء وحده ليس دليلاً على الخوف من الله، لكن حقيقة الخوف ترك العبد ما حرم ربه مع قدرته عليه، وإذا بلغ الخوف بالمؤمن هذه الدرجة انقمعت شهوته، وتكدرت لذته، فتصير المعصية المحبوبة إلى النفس مكروهةً يبغضها القلب، وتكف عنها الجوارح، وكلما تمكن الخوف من الله في قلب المؤمن زادت مراقبة العبد ومحاسبته لنفسه.
عباد الله! إن كثيراً من المسلمين لا يخافون من الله حق خوفه، ولا يخشونه حق خشيته، أيغرهم إمهاله لهم، أم يظنون أن الله غافلٌ عما يعملون سبحانه جل شأنه؟ وبعضهم إذا وقع في معصية ولم تصبه عقوبتها، ولم ير أثرها في الحال، يظن أن المعصية بعد ذلك لا تضره، وهو بفعله هذا على حد قول القائل:
إذا لم يغبر حائط في وقوعه فليس له بعد الوقوع غبار
وقد نسي ذلك المسكين أن بعض الذنوب ولا حول ولا قوة إلا بالله لا يرى العبد أثرها وشؤمها إلا بعد عشر سنين، أو عشرين سنة، أو أربعين سنة، ترى بعضاً منهم لا يخشى ولا يخاف العاقبة السيئة وما اقترف من الخطيئة، والبعض يتقلب في لهوه وغفلته كأنما ضمنت له الجنة وقدمت بين يديه الرحمة والمغفرة، فأين هو من جيل الصحابة والسلف الصالحين؟ أين هو من جيل الصحابة الراشدين والسلف الصالحين الذين بلغوا أعلى مراتب الخوف والخشية من ربهم، وما ذاك إلا لكمال معرفتهم بخالقهم.
стр. 3120
شدة خوف النبي ﷺ وأصحابه
معاشر المؤمنين! تأملوا كتاب الله، تعلمون كيف كان الملائكة المقربون الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، كيف كانوا يخافون من الله، كيف كانوا يخافون من خالقهم، يقول الله جل وعلا في وصفهم: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠] أما نبينا ﷺ وهو الذي غُُُُُُُُُُُُُُُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، تقول عائشة ﵂: (ما رأيت رسول الله ﷺ قط مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى لهواته، إنما كان يتبسم وكان إذا رأى غيماً وريحاً عُرف ذلك في وجهه، فقلت: يا رسول الله! الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عُرفت الكراهة في وجهك، فقال: يا عائشة! ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قومٌ بالريح، وقد رأى قومٌ العذاب فقالوا: هذا عارضٌ ممطرنا) أخرجاه في الصحيحين.
وكان ﷺ يقول: (أما والله لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تندبون أنفسكم وتجأرون إلى الله) أما الصحابة رضوان الله عليهم وفيهم من شهد له الرسول بالجنة، وهو بالجملة من أثنى الله عليهم في كتابه، فخوفهم من جلال ربهم، لقد كان أبو بكرٍ الصديق ﵁ يقول: [يا ليتني كنت شجرةً تعضد ثم تؤكل] وكان ﵁ يقول: [وددت أن أقدم على الله يوم القيامة لا لي ولا عليَّ] وكان عمر بن الخطاب ﵁ يسأل حذيفة أمين سر رسول الله ﷺ : [هل عدني رسول الله من المنافقين؟] وكان عمر ﵁ يسمع الآية فيمرض فيعاد أياماً، وقرأ ذاتٍ يومٍ في صلاة الفجر: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر:٨] فبكى ونشج نشيجاً عجيباً، فعاده الصحابة أياماً في بيته من شدة ما أصابه من خشية الله وخوفه، وكان عمر ﵁ في وجهه خطان أسودان من البكاء.
وقال أبو عبيدة عامر بن الجراح ﵁: [وددت أن كنت كبشاً فذبحني أهلي فأكلوا لحمي وحشوا مرقي] وقال عمران بن حصين: [يا ليتني كنت رماداً تذروه الرياح] ويقول علي بن أبي طالب: [والله لقد رأيت أصحاب محمدٍ ﷺ فما أرى اليوم شيئاً يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً بين أعينهم أمثال ركب المعزة، قد باتوا لله سجداً وقياماً، يتلون كتاب الله، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، إذا طال القيام سجدوا، وإذا طال السجود قاموا، فإذا أصبحوا ذكروا الله ، مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبتل ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين].
أما التابعون لهم بإحسان والسلف الصالح فلهم من خشية الله وخوف عقابه ما تهتز لذكره القلوب، وتهتز له الأفئدة.
стр. 3121
الخوف عند السلف والخلف
كان عمر بن عبد العزيز ﵁ إذا ذكر الموت انتفض انتفاض الطير ويبكي حتى تجري دموعه على لحيته، وبكى ليلةً فأبكى أهل الدار معه، فلما تفلت العبرة عنهم، قالت زوجه فاطمة: بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين! مم بكيت؟ فقال عمر: بكيت من صرف القوم من بين يدي الله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] ثم صرخ فغشي عليه، والحسن البصري ﵁ بكى بكاءً شديداً وسألوه، فتلا عليهم قول الله جل وعلا: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ [الجاثية:٣] وتلا أيضاً: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧].
فهذا خوف الملائكة، وذلك خوف الأنبياء، وهذا خوف الصحابة والتابعين، ومنهم المعصوم ومنهم من شُهد له بالجنة، فنحن أجدر وأولى بالخوف منهم، فاخشوا الله حق خشيته، وتذكروا سطوته وأليم عقابه، واصحبوا -يا عباد الله- من يخوفونكم حتى تأمنوا، ولا تصحبوا من يؤمنونكم حتى تخافوا.
معاشر المسلمين! إن منزلة الخوف من الله جل وعلا قد تقهقرت في النفوس وتراجعت في الأفئدة إلى حدٍ عجيب عجيب جداً، ترى كثيراً من الناس يدفنون موتاهم بأيديهم، ثم يخرجون من أبواب المقابر ضاحكين، وترى كثيراً من الناس يرون ما أحل بالخلائق حولهم، وتراهم في أكلهم وشربهم لاهين غافلين، أفأمنوا مكر الله؟ أفأمنوا عقوبة الله؟ أفأمنوا سخط الله؟ إن أمةً من الأمم التي سلفت قد عُذبت بذنبٍ واحد من الذنوب، فكيف بهذه الأمة التي فيها أناس قد استجمعوا ذنوباً عظيمة، استجمعوا أكل الربا والسكوت على المنكرات، وبيع آلات اللهو والطرب، والتجارة بإفساد العقول والأفئدة، والسكوت عن كلمة الحق، وأمورٌ كثيرة، نسأل الله جل وعلا ألا يعذبنا بذنوبنا وألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 3122
حقيقة الخوف والرجاء
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه وعن الند وعن المثيل وعن النظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، عضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، عياذاً بالله.
أيها الأحبة! اعلموا أن المؤمن كما أن خوفه من الله عظيم فله رجاءٌ في الله كبير، فالرجاء والخوف جناحان يطير بهما عباد الله إلى منازل الخلود والنعيم والآخرة، والرجاء هو: اطمئنان وراحة في انتظار ما يحبه العبد ويشتاق إليه مع قيام العبد بتحليل أسبابه، والمانع أن المؤمن يرجو النعيم في قبره، والأمن في محشره، والجنة دار المقيم له برحمة ربه مع بذله أسباب الفوز والفلاح وفعل ما يرضي الله وتجنب ما يسخطه؛ لأن الرجاء مرتبطٌ بالعمل، أما الرجاء الذي لا يصحبه عملٌ صالح، ولا يقترن به عبادة مخلصة، فهو تمنٍ مجرد، وما ظنكم -معاشر المؤمنين- برجلٍ يقول: أرجو أن يوهب لي ولدٌ صالح ولم يتزوج؟ أو يقول: أرجو أن تنبت هذه الأرض عنباً ورماناً وهو لم يحرث ولم يبذرها ولم يبذل أي سببٍ في إصلاحها؟ فلا شك أنكم تقولون: هذا مجنون لا عقل له.
إذاً: فما تقولون في رجالٍ لا يشهدون الصلاة مع الجماعة غافلين عن ذكر ربهم وعبادة خالقهم في ملهاة بالغناء والطرب والمعاصي واللهو منشغلين بذلك عن كل خيرٍ ومعروف مجترئين بذلك على حدود الله ومحرماته، ولو كلمه أحدكم وقال: أي عملٍ قدمت بين يديك؟ لرد عليه قائلاً: إني أرجو الجنة وأرجو رحمة ربي، وهو مصرٌ على المعصية، مقيمٌ على الفاحشة، فهل يسمى قوله هذا رجاء؟ لا والله، بل هذا هو التمني رأس عنوان المثل الذي يصدر من العاجزين، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، ورحم الله القائل:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
وعلى ذلك فالرجاء الصادق ينطبق على انتظار الجزاء والثواب بعد تمهيد أسبابه المرتبطة بفعل الطاعة وتجنب المعصية، وبعد ذلك ينتظر العبد التوفيق والهداية والقبول من الله ، لقد ذم الله جل شأنه أقواماً هذا شأنهم أقواماً يرجون بلا عمل، فقال : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف:١٦٩] وقال سبحانه: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً﴾ [الكهف:٣٥ - ٣٦] وتأملوا قول الله جل شأنه في وصف عباده الراجين رحمته بصدق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٨] فجعل الرجاء بعد الإيمان، وبعد الهجرة والجهاد، واعلموا -يا عباد الله- أن الرجاء محمودٌ ومطلوبٌ من العبد؛ لأنه دائبٌ على العمل، ومعينٌ على تحسينه بخلاف اليأس الذي هو مذموم وصارفٌ عن العمل.
стр. 3123
سعة رحمة الله مدعاة للرجاء
عباد الله! ينبغي لكل مسلمٍ أن يحسن العمل والرجاء والظن، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (قال الله : أنا عند ظن عبدي بي) وفي رواية: (فليظن بي ما شاء) وروى مسلم بأن النبي ﷺ قال: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله) واعلموا -يا عباد الله- أن العبد المذنب إذا تاب وأقلع عن الذنوب والمعاصي، فإنه يكون بأمس الحاجة إلى رجاء رحمة ربه وعفوه وغفرانه، إذ أن بعض العصاة والمذنبين يردهم اليأس والقنوط عن التوبة والإنابة، ولاشك أن هذا من كيد الشيطان ووسوسته حينما يأتي الشيطان يلعب به، فيقول له: أذنبت، وعصيت وفعلت ما حرم الله عليك، فأنى لك بالتوبة؟ وكيف تدرك التوبة وقد فعلت ما فعلت؟ ولا يزال الشيطان بالعبد يجعله يائساً من رحمة الله، ويقنطه من مغفرة ربه، حتى يصل به إلى اليأس والقنوط، بل إن بعضهم قد يصل به الأمر مع الشيطان أن يقول له: اكفر بالله، ثم أسلم؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، ويمحو ما قبله، ومن يضمن للعبد المسكين أن يعيش بعد كفره إلى أن يجدد إسلامه، وأنى للعبد في هذه المرحلة وفي هذه المعركة الرهيبة مع الشيطان إلا أن يجدد رجاءه وعزمه بالله.
وعلى ذلك فالواجب على كل مسلمٍ مهما كثرت ذنوبه وكثرت معاصيه أن يتوب إلى الله توبةً صادقةً نصوحاً، ثم يكثر من الحسنات الماحيات للسيئات، ثم يحسن رجاءه لربه، ويحسن ظنه بخالقه، وليتذكر قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] وقول الله أيضاً: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد:٦] وقول الله جل وعلا: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٢] وقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وقول الله أيضاً: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠] وقول الله جل وعلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على سعة رحمة الله ومغفرته لعباده التائبين الأوابين المقلعين عن الذنوب، النادمين على ما سلف، الكارهين أن يعودوا إلى المعصية كما يكره المرء أن يقذف في النار.
وتذكروا قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح عن عائشة ﵂، قال ﷺ : (سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لن يُدخِل أحداً الجنة عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يقول الله يوم القيامة: يا آدم! قم فابعث بعث النار، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك يا رب، وما بعث النار؟ قال: من كل ألفٍ تسعمائة وتسعة وتسعون كلهم في النار إلا واحد، فحينئذٍ يشيب المولود: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، وقالوا: يا رسول الله! وأينا ذلك الواحد؟ -من يكون ذلك الواحد بين الألف- فقال ﷺ : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، فقال الناس: الله أكبر! فقال النبي ﷺ : والله إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة! والله إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة! والله إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة؛ فكبر الناس، فقال ﷺ : ما أنتم يومئذٍ في النار إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض) وقال ابن مسعود ﵁: [ليغفر الله يوم القيامة مغفرةً لم تخطر على قلب بشر].
وفي السيرة في قصة سبي هوازن أن امرأة جاءت تسعى بين السبي، فوجدت وليداً لها فأخذته فضمته إلى صدرها ثم ألقمته ثديها، والنبي ﷺ ينظر والصحابة ينظرون، فقال ﷺ : (أتظنون أن هذه تلقي بولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله! فقال النبي ﷺ : لله أرحم بعبده من هذه بولدها) وفي الحديث: (أن الله جل وعلا خلق مائة رحمة، أنزل رحمةً واحدة في الأرض فبها يتراحم الناس والوحش والسباع والطير والبهائم، وادخر تسعة وتسعين رحمةً لعباده يوم القيام).
فأقبلوا على الله يا عباد الله! وأبشروا بمغفرة الله إن صدقتم العدل والعهد والوعد مع الله، أقبلوا إلى الله وجددوا التوبة، واستغفروا الله كثيراً، أنيبوا إلى ربكم قبل أن يأتي يومٌ لا مرد له، بادروا إلى أوبة قبل أن تبلغ الروح الحلقوم، عودوا إلى الله يا شباب الإسلام! يا شباباً سلف منه ما سلف، يا شباباً مضى منه ما مضى، يا شباباً فعل في سفره ما فعل، يا شباباً اجترح في خلوته ما اجترح، أبشر بقول الله في آياته: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] فأنيبوا إلى الله، ربكم رحيم غني كريم، وهو غني عنكم يتودد إليكم، يقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] إن رحمة الله لا يستعصي عليها ذنب، ولا تعجزها معصية، فأين العبد التائب؟ وأين العبد الأواب؟ أين العبد البكاء على خطيئته؟ أين العبد الأواه المنيب؟ عودوا إلى الله يا شباب الإسلام! إن طريق الإسلام كله سعادة، وكله لذة وراحة وطمأنينة، إن الاستقامة والالتزام، والارتباط بالصالحين، وحسن العلاقة بالطيبين الصالحين لمن أسهل الأمور وأهونها، ومن أعظم الأسباب الميسرة للحياة السعيدة، خلافاً للفواحش وحياة الآثام وحياة الكبائر كلها، قلقٌ ونكد وحسرة.
إن أحلى عيشةٍ قضَّيتها ذهبت لذاتها والإثم حل
стр. 3124
الحث على التوبة والرجوع إلى الله
فيا شباب الإسلام، ويا أمة الإسلام! عودوا إلى الله الذي هو غنيٌ عنكم ويتودد إليكم، ويتقرب إليكم، يقول الله جل وعلا: (إذا تقرب إلي عبدي ذراعاً؛ تقربت إليه باعاً، وإن جاءني العبد يمشي؛ أتيته هرولة، وإن لقيني بقراب الأرض خطايا ثم لقيني لا يشرك بي شيئاً؛ لقيته بقرابها مغفرة) ذلك فيما سلف والله يعفو عنه، ذلك فيما مضى والله يتجاوز عنه.
فعاهدوا الله من هذا المكان، في هذه الساعة، وفي هذه اللحظة، عاهدوا الله جل وعلا، عاهدوا الله على ترك الذنوب والإقلاع وترك الإصرار على المعصية، فإن الله غفور رحيم، وهنيئاً لعبدٍ تاب إلى الله، في الحديث: (أن الله جل وعلا يجزي عبداً من عباده يوم القيامة والخلائق في الحشر واقفون، والناس ينظرون فيدليه الله جل وعلا ثم يكشف له سجله يقول الله: عبدي أتذكر ذنب كذا في يوم كذا، في مكان كذا؟ فيقول: إي يا ربِّ والله أذكر، فيقول: أيا عبدي! أتذكر كذا، في يوم كذا، في مكان كذا؟ فيقول: إي والله أذكر، فيقول الله جل وعلا: يا عبدي! -تغمده الله برحمته، وأدركته التوبة- فيقول: يا عبدي إني غفرتها، وجعلتها حسنات، فيقول العبد: يا ربِّ إن لي ذنوباً ما رأيتها، أين هي؟ طمع العبد أن يراها حتى تجعل مع حسناته، وحتى تقلب من سيئاتٍ إلى حسنات، عند ذلك يبتسم الجبار جل وعلا، وعند ذلك ضحك النبي ﷺ أو كما جاء في الحديث.
فيا عباد الله! توبوا إلى الله، الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) فالجنة قريبة إليكم يا عباد الله! والجنة سهلة ميسرة.
يا سلعة الرحمن لستِ رخيصةً بل أنتِ غاليةٌ على الكسلان
يا سلعة الرحمن كيف تصبر الخطاب عنكِ وهم ذوو إيمان
يا سلعة الرحمن سوقكِ كاسدٌ فلقد عرضتِ بأيسر الأثمان
يا سلعة الرحمن سوقكِ كاسدٌ بين الأرامل ثكلة الحيوان
يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحدٌ لا اثنان
فكونوا من خطابها عند الله، كونوا من أهل الشراء للجنة، كونوا ممن ينالون سلعة الله (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) وثمنها التوبة والإنابة، والإقلاع والاستغفار، وكثرة المداومة على الصالحات، والبعد عن السيئات، بعد فعل الواجبات وترك المحرمات.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿رَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً﴾ [الكهف:٥٨].
أسأل الله العلي العظيم أن يمن علي وعليكم بالتوبة الصادقة النصوح، اللهم اهد شبابنا، اللهم اهد شبابنا، اللهم اهد شبابنا، وردهم إلى الحق رداً جميلاً، اللهم أصلح أفئدتهم واهد قلوبهم، واحفظ جوارحهم.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الملحدين، اللهم احفظ إمام المسلمين، اللهم احفظ إمام المسلمين، وارفع اللهم إمام المسلمين، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على ما يرضيك يا رب العالمين، اللهم لا تفرح علينا ولا عليهم عدواً، ولا تشمت بنا ولا بهم حاسداً.
اللهم انصر المجاهدين، اللهم انصر المجاهدين، اللهم انصر المجاهدين، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، اللهم اقمع أعداء دينك أعداء الدين، اللهم ثبتنا على ما يرضيك إلى أن نلقاك، اللهم جنبنا أسباب سخطك، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 3125
الركون إلى الدنيا
الدنيا مزرعة الآخرة، ولقد أمرنا الله ألا نركن إلى هذه الدنيا، فإنما هي متاع، والآخرة هي دار البقاء والقرار، كما حثنا على التزود من الطاعات والأعمال الصالحة، وتحيُّن أوقات مضاعفة الثواب والأجر، وقد بيّن لنا أن من هذه الأوقات شهر رمضان، بما فيه من صيام وقيام وذكر وتلاوة للقرآن، عن هذه الغنائم كان محور خطبة الشيخ وكلامه.
стр. 3126
حالة العبد في الحياة الدنيا
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى أزواجه وصحبه، ومن اتبع سنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله لكم ولمن كان قبلكم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] ويقول جل من قائلٍ عليماً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
عباد الله: اعلموا رحمكم الله أن الشهور والأعوام والليالي والأيام كلها مواقيت الأعمال ومقادير الآجال، تمضي سريعاً وتنقضي جميعاً، والذي أوجدها وخص مواسمها بالفضائل، واحدٌ أحدٌ فردٌ صمد، هو الله الذي أوجب في كل يومٍ من الأيام وظيفةً من وظائف طاعاته، ولطيفةً من لطائف رحمته ونفحاته، ويوفق لاغتنامها كل كيسٍ فطن، ويغفل عنها كل محرومٍ شقي.
أيها الأحباب في الله: إن كل شهرٍ يستهله الإنسان يدنيه من أجله، ويقربه إلى آخرته، وخيركم من طال عمره وحسن عمله، وشرار الناس من طال عمره وساء عمله، فما بين العبد والانتقال إلى دار المثوبة على الإحسان أو العقوبة على العصيان إلا أن يقال فلانٌ مات وانتقل، وولى ورحل، وهل هذه الدنيا إلا طريق العبور بعد الابتلاء والامتحان إلى دار القرار بعد الممات: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر:٣٩ - ٤٠].
فتأملوا واعتبروا كيف سمى الله هذه الدنيا متاعاً، وهو ما يتمتع به صاحبه برهة ثم ينقطع عنه، أو ما يتزود به المسافر حال ضعنه إلى أن يصل دار إقامته واستقراره، فهل ترضون يا عباد الله! بالقليل من الدنيا نصيباً لكم في الآخرة؟ ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨] وما هو متاع الدنيا؟ إنه صفوٌ بعده الكدر، واجتماع بعده الفراق، ولذةٌ سرعان ما تزول، تقلبٌ بين الفقر والغنى، بين العز والذل، بين الصحة والمرض، وختام ذلك كله دار الضيق التي لا أنيس فيها ولا صديق، إنها القبور، أعاذنا الله وإياكم من وحشتها، وجعلها علينا وعليكم روضةً من رياض الجنان، وباباً إلى رحمة الكريم المنان.
стр. 3127
حال أهل الدنيا في الآخرة
عباد الله: انظروا إلى حال من جمعوا في هذه الدنيا بين لذيذ المآكل والمشارب، وأرقى المساكن والمراكب، وغفلوا عن حظهم في الآخرة، أترون ما هم فيه يعدل ذرةً من نعيم الآخرة، إن أردتم حقيقة ذلك، وحقيقة ما هم فيه، فاسمعوا وأنصتوا إلى حالهم ومآلهم: حيث يؤتى يوم القيامة بأطول الناس أعماراً في الدنيا من المترفين التاركين للطاعات المرتكبين للمنكرات، فيصبغ أحدهم في النار صبغة، ثم يقال له: هل رأيت في الدنيا خيراً قط، هل مر بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا يا رب! ما مر بي نعيمٌ ولا رأيت خيراً قط، فينسى نعيم الدنيا عند أول مسٍ من العذاب، يقال له: كم لبثت في الدنيا؟ يقول: لبثت يوماً أو بعض يوم، يقال له: بئس ما اتجرت في يومٍ أو بعض يوم.
هؤلاء الذين صرفوا عقولهم وأعمالهم للعمل في دنياهم، واتباع شهوات البطون والفروج، وتركوا فرائض ربهم، ونسوا أمر الآخرة، ولم يزل ذلك دأبهم حتى خرجوا من الدنيا مذمومين مدحورين، مفلسين من الحسنات والأعمال الصالحات، قد تكالبت عليهم سكرات الموت وحسرات الفوز، وهول المطلع، وملائكة العذاب، فيندم أحدهم على تفريطه حين لا ينفع الندم: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٤ - ٢٦] خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.
стр. 3128
الإقبال على الموت والتزود للآخرة
معاشر المؤمنين! ما قيمة العمر، وما لذة الحياة إن لم تنل النفوس نصيبها وافراً من طاعة الله، والصلة به، والانكسار بين يديه، والبكاء من خشيته، واللجوء إلى جنابه، ومجالسة أوليائه وأحبابه، فإن خلت الحياة من هذا فلا مرحباً بطول العمر، ويا حبذا الموت قبل الغفلة والوقوع في المعاصي.
لما حضرت معاذ بن جبل الوفاة وكان صائماً قال لجاريته: انظري هل غربت الشمس؟ فلما أخبرته أنها قد غربت تناول شيئاً يسيراً أفطر عليه، ثم قال: [مرحباً بالموت، مرحباً بحبيب جاء على فاقة] لا أفلح والله من ندم على الدنيا.
يقول معاذ بن جبل: [اللهم إنك تعلم أني لم أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، وإنما أحببت البقاء فيها لقيام الليل وصيام النهار، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر، آهٍ إلى ذلك] ثم مضى وفاضت روحه ﵁.
عباد الله: إن هذا الموت الذي نخافه، ونفزع منه، ليس هو الفناء الأبدي، ولكنه الانتقال من النعيم الشقاء العاجل الزائل إلى دار الخلود في النعيم أو العذاب المقيم، فما خلقت يا عبد الله! إلا لعبادة ربك، وما سخر لك ما فيها إلا لنفس الغاية التي من أجلها وجدت: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] ولا تنسى قول رب العالمين: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فالدنيا دار الابتلاء والامتحان، دار الزراعة والبذر، حفت بالنكد والأكدار، والشرور والأضرار، حلالها حساب، وحرامها عقاب، فلا عيش والله إلا عيش الآخرة، يوم يقول المؤمنون في جنة ربهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر:٣٤ - ٣٥].
اللهم اجعلنا ممن يقولها في دار النعيم، اللهم اجعلنا ممن يقولها في دار الخلود، برحمتك يا أرحم الراحمين.
فما دارنا هذه بدار إقامةٍ ولكنها دار ابتلا وتزود
أمَا جاءنا من ربنا وتزودوا فما عذر من وافاه غير مزود
ينادي لسان الحال جدوا لترحلوا عن المنزل الغث الكثير التنكد
أتاك نذير الشيب بالسقم مخبراً بأنك تتلو القوم في اليوم أو غد
عن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ وهو يعظ رجلاً ويقول: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبلك هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، فما بعد الدنيا من مستعتب، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 3129
حال الناس مع رمضان
الحمد لله الواحد بلا شريك، والعزيز بلا نصير، والقوي العليم بلا ظهير، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه، هو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وهو على كل شيءٍ قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الند، وعن الشبيه، وعن المثيل، وعن النظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
عباد الله! بعد أيامٍ قليلة نستقبل شهراً كريماً، وموسماً رابحاً، طوبى لمن شمر واستعد، طوبى لمن اجتهد وجد، فإنه موسمٌ عظيم، يا حسرة المغبون والمحروم من خيره، ويا مصيبة الغافل من اغتنام فرصه، وهنيئاً للمجدين المشمرين المستعدين للعبادة فيه.
عباد الله: أقبل هذا الشهر الكريم والناس تجاهه على ثلاثة أصناف؛ طائفة من الناس يسألون الله بلوغه وتمامه، يسألون الله الإعانة على صيامه وقيامه، والقبول في كل عملٍ فيه، يسألون الله المضاعفة والمغفرة والرحمة، وأن يمضي الشهر عليهم بأوفر نصيب وأطيب حظ، وأولئك الذين تمنوا هذا الشهر واستعدوا له، منهم من حرص على جمع شرف المكان والزمان، فرغب أن يصومه في مكة المكرمة، ليجمع بذلك بين شرف الزمان في رمضان، وشرف المكان في مكة، وشرف الصلاة في المسجد الحرام، الصلاة الواحدة فيه بمائة ألف صلاة، فهنيئاً لأولئك، نسأل الله جل وعلا أن يجعل نياتنا وإياهم خالصةً لوجهه.
وطائفة من الناس استعدوا لهذا الشهر بالمأكل والمشرب، وطول النوم والكسل، والتهاون عن الصلاة في النهار بحجة أنهم صائمون، ولا نصيب لأولئك أن غفلوا عن الصلاة وهم صيام، بل الذي ينبغي لهم أن يحتسبوا وأن يدركوا أنه موسمٌ عظيم، ما هو بموسم أكلٍ ولا شرب، وإنما هو موسم صومٍ وإمساك حسيٍ ومعنوي، إنما هو موسم صلاح وعبادةٍ وتوبةٍ صادقة، إمساكٌ عن المحرمات، وعن الغيبة والنميمة، وعن الملهيات، والمصائب والمشغلات، إمساكٌ عن كل ما يغضب الله، والتفاتٌ إلى العبادة والطاعة.
وطائفة ثالثة من الناس يعدون الأهبة للهروب من هذا الشهر على شواطئ البلاد الأوروبية بعيداً عن فريضة الصيام، وبعيداً عن هذه الفريضة المباركة، فيا حسرتهم ويا ويلهم، ولا تقولوا: هذه مبالغة، بل إن من الناس من يفر إلى ذلك هرباً من الصوم، لما قيل لأحدهم عياذاً بالله من حاله: قد أقبل شهر رمضان، قال: لأشتتن شمله في الأسفار، أي: يسافر من هنا إلى هنا، ليترخص بذلك في الفطر، وليتهاون بذلك في العبادة، فهذا على خطرٍ عظيم إن مات على ذلك، نسأل الله جل وعلا أن يبلغنا وإياكم هذا الشهر على أحسن حال من الصحة والعافية، والتوبة الصادقة النصوح.
стр. 3130
رمضان موسم العبادة والتزود بالأعمال الصالحة
معاشر المؤمنين: استعدوا لهذا الشهر، واجتهدوا واعزموا على العمل الصالح فيه، فإنه موسمٌ من مواسم الجنة، موسمٌ من مواسم التجارة الرابحة، يقول ابن قيم الجوزية: يا سلعة الرحمن -يريد الجنة-
يا سلعة الرحمن سوقكِ كاسدٌ فلقد عرضتِ بأيسر الأثمان
يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحدٌ لا اثنان
يا سلعة الرحمن كيف تصبّر الخطاب عنك وهم ذوو إيمان
ولا عجب يا عباد الله! أن يغفل الغافلون وهم يجهلون سلعة الرحمن، وهم يجهلون عذاب الله، ما داموا يجهلون الوعد والوعيد، والعقوبة والنعيم، ما داموا في غفلةٍ وجهلٍ عن ذلك، فلا غرابة أن تكون السلعة بين أيديهم ثمينة، ولا يشترونها بأيسر الأثمان، إلى أن قال ﵀:
شمسٌ لعنينٍ تزف إليه ماذا حيلة العنين في الغشيان
خوذٌ تزف إلى ضريرٍ مقعدٍ يا محنة الحسناء بالعميان
الذين لا يعرفون الجد والتشمير في هذه الدنيا، وأنها موسم العبادة والزرع، وأن التحصيل غداً، هم الذين يغفلون ويجهلون عن ذلك، فاجتهدوا وأعدوا واستعدوا لهذا الموسم المبارك؛ من الأعمال الصالحة، والتوبة الصادقة النصوح، والبذل في جميع وجوه البر والخير، بالنفقة والصدقة على المساكين والأقارب، والعناية ببيوت الله جل وعلا، والالتفات إلى مصالح المسلمين فيها، فإن من قدم خيراً يكون منفعته لجمعٍ من المسلمين، فإن أجره يعظم ومثوبته تزداد بقدر ما زاد، وبقدر ما بذل في هذا الأمر الذي نفعه ومصلحته عائدةٌ إلى جمعٍ كبير من المسلمين، ألا وإن من ذلك العناية بالمساجد، والالتفات إليها، وفعل كل ما يصلح شأنها، وفعل كل ما يريح المصلين فيها ويجعلهم يأنسون ويرغبون ويطمئنون للجلوس فيها، متقلبين بين ذكر الله، وتلاوة القرآن، والعكوف فيه، فهذا من أعظم الأعمال.
نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من المحسنين، وأن يجعلنا وإياكم من التائبين التوبة الصادقة النصوح.
اللهم تقبل منا، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، اللهم كن لنا ولا تكن علينا، اللهم ما سألناك فأعطنا، وما لم نسألك فابتدأنا.
اللهم يا مفرج هم المكروبين! يا نصير المستضعفين! يا إله الأولين والآخرين! نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، وباسمك الأعظم الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت، أن تجعلنا من التائبين الذين تتوب عليهم بقدوم هذا الشهر المبارك برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا مأسوراً إلا فككت أسره، بمنك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل لنا من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية، ومن كل فاحشةٍ أمناً، ومن كل فتنةٍ عصمة، اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم انصرهم بالإسلام، وانصر الإسلام بهم، اللهم ارفعهم بكتابك وسنة نبيك، اللهم ما علمت في أحدٍ خيراً لهم فقربه منهم، وما علمت في أحدٍ شراً لهم فأبعده عنهم، وأرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم من أراد بهم سوءاً وأراد بعلمائنا فتنة، وأراد بشبابنا ضلالاً، وأراد بنسائنا تبرجاً وسفوراً، اللهم فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه، وأدر عليه دائرة السوء، اللهم أذهب سمعه وعقله وبصره، اللهم من أراد بهم سوءاً فمزق شمله، اللهم ففرق جمعه، اللهم من أراد بهم سوءاً اللهم أحصهم عدداً وأهلكهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، بقدرتك يا جبار السماوات والأرض.
اللهم اجعلنا على حوض نبيك من الواردين، ولكأسه من الشاربين، وعلى الصراط من العابرين، وبيض وجوهنا يوم تسود وجوه الكفرة والمجرمين، وآتنا صحفنا باليمين، واجعلنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، بمنك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين! إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، نبيك محمدٍ وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 3131
القبوريون
أخبر النبي ﷺ أن من سيحيا بعده سيرى اختلافاً كثيراً، وسيلقى أثرة، وهذا ما نلحظه في هذا الزمان بعد اختلاط المفاهيم، وانتكاس الفطر، وإهمال العقيدة، وتعظيم القبور! وقد كان تعظيم القبور هو الموضوع الأساس لهذه المادة، حيث رد الشيخ حفظه الله على الاعتقادات الباطلة في نزلاء القبور، مع ذكر تحذيرات من تعظيم القبور، وأهمية تسوية القبور وطمس التماثيل.
وفي ختام هذه المادة أشار إلى منزلق خطير، وقع فيه أحد الكتّاب، محذراً من مثل هذه الظواهر.
стр. 3132
زمن انتكاس الفطرة والاختلاف الكثير
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، واجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
معاشر المؤمنين! في هذا الزمان اختلطت كثير من المفاهيم، وانتكست كثير من الفطر، وانقلبت كثير من التصورات فأصبح الكبير صغيراً، وأصبح الحقير عظيماً، وأصبح شيء من المعروف منكراً، وأصبحت أنواع من المنكر معروفة، وكما قال ﷺ في حديث العرباض بن سارية ﵁، قال: (وعظنا نبينا ﷺ ذات يوم موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع! -كأنك تودعنا، كأنك تشير إلى فراقنا، أو إلى قرب رحيلك عنا- فأوصنا، فقال ﷺ : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ -إلى أن قال بأبي هو وأمي ﷺ : فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً).
وما أعظم الهوة بين عهد المصطفى ﷺ وبين واقع المسلمين في هذا الزمان، بل لو خرج صحابي أو تابعي ورأى ما عليه المسلمون اليوم لأنكر ما يراه من كثير من المسلمين، صدق ﷺ : (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً) وكما قال ﷺ : (إنكم ستلقون بعدي أثرة -أي: اختصاصاً بالمشاء والمباح- فقال الصحابة: ما نصنع يا رسول الله؟! فوجههم وأرشدهم بالثبات إلى أن يلقوه على الحوض) ﷺ .
стр. 3133
إهمال التوحيد في هذا الزمان
أيها الأحبة! في هذا الزمن نرى تعتيماً للحقائق الشريعة، وتضليلاً للمقاصد النبوية والقرآنية، وما ذاك إلا من دعاة الضلالة أو دعاة الجهالة؛ لأن التوحيد الصحيح في هذا الزمان غريب غريب جداً؛ لأن المعتقد النقي أصبح في هذا الزمان -بين المسلمين أنفسهم- أصبح نادراً قليلاً، وأعظم من هذا وأخطر منه يوم أن يدور الحديث حول مسائل العقيدة وأصول التوحيد ترى بعض المسلمين هداهم الله يقول لك: ليست هذه من المهمات، ومن الحكمة عدم طرحها في هذا الزمان، أليس من الحكمة بناء الدين على أصل صحيح لكي يكون بنيان الأعمال بعدها على أساس متين؟! أم من الحكمة الاهتمام بالمسائل الفرعية وترك الجمل والحقائق الأصولية؟! عباد الله! أسوق هذا لأني رأيت تبايناً واختلافاً في كثير من المفاهيم والأطروحات في هذا الزمان، ولأجل ذلك ترى العقيدة النقية نادرة غريبة فريدة جداً، وإن كنا قد من الله علينا بفضل منه ورحمة وعناية ونعمة أن ظهر في أرضنا إمام الدعوة المجدد محمد بن عبد الوهاب نور الله ضريحه، فرأى الناس وما هم عليه من عبادة للقبور وتعظيم لها وتجصيص لها وإيقاف الأوقاف عليها وتحبيس الأوقاف عليها، ورأى أيضاً اعتقاد كثير من الجهلة والضلال بركة أصحاب القبور أو بركة العبادة عند القبور فأنكر هذا وحاربه ووقف في مواجهته وانقلبت عليه كثير من القبائل، ووقفت في طريق دعوته أمم شتى ومع ذلك فمن كان برهانه كتاب الله ومن كان دليله سنة رسول الله فهو على الحق ولو كان وحده، وكما قال ابن مسعود ﵁: [الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك].
стр. 3134
تعظيم القبور صورة لأهمال التوحيد
وفي هذا الزمان بل في هذه الأيام نرى تساهلاً عند كثير من المسلمين في كثير من البقاع بأوضاع القبور وأوضاع العقيدة عامة ومنها: مسألة القبور، فترى في كثير من البقاع قبوراً توضع في محاريب المساجد، وتجد في كثير من البلدان قبوراً توضع في نواحي المسجد عن يمنته أو يساره أو في مؤخرة المسجد أو في مقدمته، وكل هذا لا يجوز أبداً، بل لا تصح الصلاة في مثل هذه الأماكن، ولا يجوز للمسلم أن يغشاها أو يرتادها إلا أن يكون البناء قديماً والمسجد حديثاً وحيل بين المسجد وبين القبر بحائط أو مانع يدل دلالة واضحة على عدم انصراف نية المتعبد إليه كما يراعى في ذلك الفتنة أو يراعى في ذلك حصول المفسدة العظيمة.
أيها الأحبة في الله! مسألة القبور شأنها عظيم جداً، وقد يقول قائل: في هذا الوقت الذي سهرت فيه كثير من وكالات التلفاز لنقل أخبار رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية وسهرت لأجلها إلى الثالثة ليلاً إلى الثامنة صباحاً، في هذا الوقت الذي تناقلت وكالات الأنباء ووكالات التلفزة والأقمار الصناعية وقلوبها تبلغ حناجرها وأفئدتها مضطربة لتنقل أحوال الانتخابات، في هذا الوقت تأتي لتحدثنا عن القبور ورفعها، وحرمة التشييد والبناء حولها.
أقول: والله ما قادنا إلى ذلك إلا غفلتنا عن أصول العقيدة، وجهلنا بحقائقها ومهماتها، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 3135
اعتقادات باطلة في نزلاء القبور
أيها الأحبة في الله! مسألة القبور شأنها عظيم وأخبث ما فيها أن وجد بين المسلمين الآن من يعتقد أن الصالحين من نزلاء القبور، وساكني اللحود، يدفعون البلاء، ويجلبون النعم، ويجيبون الدعوة، ويكشفون الكربة، ويسهلون المستحيل، ويشفون السقام؛ وكل هذا والله بالجهل والضلالة في أعظم أصول الدين وهي مسائل العقيدة.
стр. 3136
كلام الشوكاني عن بداية الانحراف
واسمحوا لي بأن أنتقل بكم إلى إمام جليل من أئمة الإسلام الموحدين وهو الإمام الشوكاني ﵀، في رسالة عظيمة ألفها فيما مضى، وكأنه يرى أحوال الناس ومنها نبذ جليلة طاهرة من الكتاب والسنة في مسألة تعظيم القبور وتشييدها والبناء عليها، يقول ﵀ وينقل هذا عمن كان قبله من السلف: كان أول ذلك -يعني: بناء القبور وتعظيمها، وعبادة الأصنام والعناية بها- في قوم نوح حيث قالوا كما قال الله جل وعلا: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً * وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً * وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [نوح:٢١ - ٢٣] كانوا قوماً صالحين، قوم نوح جعلوا من هؤلاء من ود ويغوث وسواع ويعوق ونسر، جعلوا من هؤلاء الصالحين جعلوهم قادة لهم يقتدون بهم وجعلوهم قادة يتبعونهم، وكان الذي ظهر فيهم هذا الأمر في بداية أمرهم كانوا من صالحي بني آدم، ولكن الصالحين الذين عظموا ماتوا، فقال أصحابهم الذين يقتدون بهم: لو صورناهم، بدأ الشرك بالتصوير، لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم فلما ماتوا مات ذلك الجيل الأول الذي صور الصالحين لا لعبادتهم ولكن للتشوق إلى العبادة حال رأيت صورهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر، فعبدوهم ثم عبدتهم العرب بعد ذلك، وقد حكي معنى هذا في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄.
стр. 3137
أحاديث نبوية تحذر من تعظيم القبور
وقال قوم من السلف: إن هؤلاء كانوا قوماً صالحين من قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عائشة ﵂ أن أم سلمة ﵂ ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وذكرت أم سلمة للنبي ما رأت في الكنيسة من الصور، فقال ﷺ : (أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله) وأخرج ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم:١٩] قال: اللات كان يلت السويق للحاج فعكفوا على قبره.
وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته: ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: (لما نزل الموت برسول الله ﷺ وحل الأجل ووصلت لحظة الفراق بالنبي ﷺ جعل أو طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم كشفها فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما صنعوا.
انظروا أيها الأحبة: أي نصيحة وأي وصية تحتاجها الأمة ونبيها وإمامها وقائدها يعالج سكرات الموت وفي ساعة الأجل وفي ساعة الفراق لم ينبهم إلى الاقتصاد ولم يتكلم في تلك الساعة عن أمر من الأمور إلا عن أهم الأمور وهي مسألة التوحيد ومسألة العقيدة وتحقيق العبودية والتوجه إلى الله، فقال: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما صنعوا، أي: حتى لا يجعل قبره ﷺ مسجداً فيعبده المسلمون، أو يطوفوا به، أو يتوسلوا به، أو يتعلقوا به، أو يتعلقوا بجاهه، أو يرجوا بركة ضريح القبر ومكانه؛ لأن النبي ﷺ أعبد العباد لربه، ولأجل ذلك وجه الأمة إلى ما يحقق هذه العبودية.
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ مثل ذلك، وفي الصحيحين أيضاً من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) قال الراوي أو المعلق: ولولا ذلك لأبرز قبره ﷺ ، ولكنه خشي أن يكون مسجداً.
فأين هذا من طاغوت الصوفية ومنحرف الضلالة ذلك الذي يزعم أن بقعة قبر النبي أفضل من بقعة الكعبة، وذلك الذي يزعم أن ليلة المولد أفضل من ليلة القدر، وذلك الذي يزعم أن التبرك بقبر النبي والدعاء والتمسح والتوسل عنده من مظنات الإجابة، فلا حول ولا قوة إلا بالله! أخرج الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد)، وأخرج أحمد وأهل السنن من حديث زيد بن ثابت ﵁ أنه ﷺ قال: (لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)، وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي الهياج وغيره قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : ألا تدع تمثالاً ألا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) وفي صحيح مسلم عن ثمامة نحو ذلك.
стр. 3138
أهمية تسوية القبور وطمس التماثيل
أيها الأحبة في الله! إن طمس التماثيل، وتسوية القبور، كل ذلك إما أن يكون لدفع حصول الشرك، أو لقطع ذرائع الشرك؛ لأن هذه الأصنام التي تصور في تقاطعات الطرق وفي الممرات وفي أماكن شتى، والتي كثيراً ما ترونها ونراها في كثير من البلدان التي عصت الله ورسوله، في البلدان التي استوحت فنونها وثقافتها من عقائدها الوثنية فزين لهم الشيطان نحت الأصنام ونصب التماثيل في الممرات والتقاطعات، كل ذلك راجع إلى لوثة الشرك والوثنية، ولا حول ولا قوة إلا بالله! بل والله إن الموحد الذي يرى ويدرك صفاء التوحيد في قلبه من إذا رأى وثناً انقبضت نفسه وتغير وجهه وتكدر حاله وأصابه من الرعب وأصابه من الخوف داخل نفسه ما يمقت به هذه الصورة المنحوتة؛ كل ذلك لأن فيها شركاً صراحاً، أو فيها ما ينافي كمال التوحيد ويكون ذريعة إلى الشرك.
أيها الأحبة! بهذه النصوص التي سمعتموها أعظم دلالة على أن تسوية كل قبر مشرف بحيث إذا ارتفع القبر عن الحد المشروع فإن تسويته واجبة متحتمة، ومن إشراف القبور وارتفاعها أن يرفع سمكها أو يجعل عليها القباب أو المساجد فإن ذلك من المنهي عنه بلا شك ولا شبهة، ولهذا فإن النبي ﷺ بعث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بعثه وانتدبه وأرسله لهذه المهمة وقال: (لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا تدع تمثالاً إلا طمسته).
ثم إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أيضاً عمل بما أوصاه به النبي ﷺ فأرسل أبا الهياج الأسدي في أيام خلافة علي قال: [ألا أبعثك على ما بعثني عليه المصطفى ﷺ ؟] فكان الجواب الحالي: أن نعم، وأتشرف بهذه المهمة، فأرسله وندبه إلى هذا.
أخرج الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه النسائي وابن حبان من حديث جابر قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، أو يبنى عليه، أو يوطأ) وزاد هؤلاء المخرجون لهذا الحديث عن مسلم زادوا: (أو يكتب عليه) قال الحاكم: النهي عن الكتابة على شرط مسلم، وهي صحيحة غريبة.
ويدخل في هذا أيضاً البناء على جنبات القبر.
أيها الأحبة! إني يوم أن أسوق هذا بحمد الله ما رأيت في بلادنا هذه قبراً يعبد، وما رأيت ضريحاً يطاف به، ولكني أخشى أن يتساهل الناس بأمر المقابر، بل وربما تناقل البعض أن بعض العامة جهلاً وبعض المنحرفة فساداً ربما بدءوا رويداً رويداً بجعل ألواح من الرخام فينقشون عليها اسم الميت وتاريخ وفاته وشيئاً من أمره، وربما جاء بعد ذلك جيل يكبرون لوحة الرخام فينقشون عليها شيئاً من مناقبه ومآثره، وربما جاء بعد ذلك من جاء ليكتب حتى يصبح الأمر طريقاً وذريعة إلى البناء المحرم والمنهي عنه.
وإن هذا -أيها الأحبة- من أعظم الأمور؛ لأن من شرب الخمر أو زنى وهو يعلم أنه في معصية يعلم أنه في مخالفة لأمر الله وفي عصيان لشرع رسول الله ﷺ فلا يلبث أن يعود، لكن الذي ينقش على الرخام عند القبور ويزينها ويهتم بها ربما تعلق واقتنع واستحسن فعله هذا، وربما تعبد الله بهذا، ولأجل ذلك فإن من واجبنا أن نهتم بهذه المسألة وألا نتساهل بها، بل من واجب الشباب؛ ومن واجب الأغيار؛ ومن واجب العلماء؛ ومن واجب طلبة العلم، أن يبعثوا الثقات والمخلصين بين الفينة والفينة ليروا أحوال المقابر فما رأوا فيها من قبر منقوش عليه أزالوه، وما رأوا فيها من قبر مشرف إلا وسووه، وما رأوا فيها بدعة أو بلية من أصناف هذا الأمر إلا بلغوا بها وكان لهم ولهم بإذن الله سلطان على إزالتها، في أي بقعة وفي أي مكان.
وإني أردد وأقول: لعل من أعظم أسباب سلامة هذه البقعة سلامتها من الشرك سلامتها من الوثنية سلامتها من شرك القبور سلامتها من شرك الأضرحة سلامتها من شرك الأصنام، فإن تساهلنا في ذلك والله ثم والله لا فرق بيننا وبين سائر الأمم التي حل بها الخسف، وحل بها البلاء والعقوبة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 3139
نهي النبي ﷺ عن تعظيم قبره
معاشر المؤمنين! اعلموا أن النبي ﷺ توافرت وتواترت عنه النصوص في هذا الأمر تواتراً طيباً مباركاً صحيحاً وكل ذلك لأجل أهمية هذا الأمر، فتارة ترى النبي ﷺ لعن من رفع القبور ووضع القباب والمساجد والمشاهد عليها، لعن فاعله تارة، وتارة قال: (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) فدعا عليهم بشديد غضب الله بما فعلوا، وتارة نهى عن ذلك، وتارة بعث من يهدم هذه، وتارة جعل ذلك من فعل اليهود والنصارى، وتارة قال: (لا تتخذوا قبري وثناً)، وتارة قال: (لا تتخذوا قبري عيداً) أي: لا تجعلوه موسماً يجتمع فيه كما صار يفعله كثيراً من عباد القبور يجعلون لمن يعتقدون من الأموات أوقاتاً معلومة يجتمعون فيها عند قبورهم ينسكون لها المناسك ويعكفون عليها كما يعرف ذلك آحاد كثيرة من الناس، ويعرف ذلك من فعل هؤلاء المخذولين الذين تركوا عبادة الله، هذا الخذلان العظيم، وهذا الحرمان العظيم أن يترك الإنسان عبادة الرب الذي خلقه والذي رزقه والذي يميته والذي يحيه ترك هذا كله وعبد عبداً من عباد الله لعب الدود بأنفه وعينه، وبليت عظامه، وتحرق جسمه، واختلط التراب ببدنه، أتترك عبادة الله ويعبد هذا الأسير في لحده الرهين في قبره الذي لا يملك لنفسه دفعاً ولا نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ذلك الذي لا يستطيع أن يدفع عن نفسه القليل والكثير، بل إن المصطفى ﷺ قال عن نفسه: ﴿لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً﴾ [الأعراف:١٨٨] فانظر وهو سيد البشر، وهو خير من وطأت قدمه الأرض، يقول: إني ﴿لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً﴾ [الأعراف:١٨٨] فما حال من هو من العصاة؟ أو من هو من المشركين؟ أو من المقصرين الذين عرف عنهم الضلال أو الخبال؟ أو كان عبداً صالحاً من الصالحين، لكنه لا يملك لنفسه قليلاً ولا كثيراً.
بل إن النبي ﷺ لو كان يجد من نفسه بعد موته لأحد من البشر نفعاً أو ضراً لنفع بذلك حبيبته فاطمة ابنته ﵂، قال ﷺ : (يا فاطمة بنت محمد! لا أغني عنك من الله شيئاً) ولو كان يغني عنها من الله شيئاً لقال: يا فاطمة! إذا نزلت بك النازلة، أو حلت بك البلية، فاستغيثي بي أو توسلي بي أو اسأليني أو استشفعي بي أو تعلقي بي فإني أنفعك في قبري، وأنفعك بعد موتي، ولكن النبي ﷺ يتبرأ من نفعه لنفسه فيقول: (لا أملك لنفسي نفعاً) يقوله ﷺ ، يقول: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً﴾ [الأعراف:١٨٨] ويقول لابنته سيدة نساء أهل الجنة يقول لها: (لا أملك لك من الله شيئاً) فإذا كان هذا قوله ﷺ في نفسه وفي أخص قرابته فما ظنك بسائر الأموات الذين لم يكونوا أنبياء معصومين ولا رسلاً مرسلين، بل غاية ما عند أحدهم أنه فرد من أفراد هذه الأمة وواحد من أفراد هذه الملة الإسلامية فهو أعجز وأعجز من أن ينفع أو يدفع عن نفسه الضرر، وكيف لا يعجز عن شيء عجز عنه رسول الله ﷺ وأخبر أمته بذلك كما أخبر الله عنه، وأمره الله أن يقول لأمته: إني ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً﴾ [الأعراف:١٨٨] حتى تتعلق الأمة بالله، حتى يتحقق التوحيد لله، حتى يتجرد القصد لوجه الله، حتى لا تكون في النفس أدنى وشيجة أو أدنى صغيرة يتعلق فيها العبد بواسطة بشر من البشر في طريق توجهه إلى الله.
فيا عجباً كيف يصنع من له أدنى نصيب من علم أو أقل حظ من عرفان حتى ينفعه أو يضره فرد من أفراد أمة النبي ﷺ والنبي ﷺ يقول عن نفسه لا أنفع، ويقول لابنته: (لا أملك لك من الله شيئاً).
والحال -أيها الأحبة- إذا علمت هذا كله أدركت ضلال أولئك الذين وقعوا في ذلك، بل هل سمعت بضلال عقول أكبر من هذا الضلال؟! وهل سمعت بجهل أعظم من هذا الجهل؟!
стр. 3140
السبب الأعظم لنشأة الاعتقاد في الأموات
أيها الأحبة! إذا تقرر ذلك فلا شك ولا ريب أن السبب الأعظم الذي نشأ منه الاعتقاد في الأموات هو ما زينه الشيطان للناس رويداً رويداً تدريجياً، من رفع القبور، ثم وضع الستر عليها، ثم تجصيصها، ثم تزيينها بأبلغ زينة وتحسينها بأكمل جمال فإن الجاهل إذا دخل مقبرة ورأى قبراً فيه ألواح الرخام أو نقش عليها ما نقش، ثم جاء جيل ووضع عليها شيئاً من الستر أو زين القبر بطريقة معينة، ثم لو رأى الجاهل قبة جعلت على القبر، ثم نظر إلى السرج المتلألئة والمجامر الساطعة التي عبق وفاح منها الطيب وهو طيب النجاسة في مواقع الشرك أو ذرائع الشرك والله، ما ظنك بجاهل يرى هذا كله لا شك ولا ريب أن قلبه يمتلئ تعظيماً لهذا القبر، ويضيق ذهنه عن تصور ما لهذا الميت من منزلة، ويدخله من الروعة والمهابة ما يزرعه الشيطان في نفسه ويغرسه في قلبه من العطاء بالفاسدة التي هي أعظم وسيلة له، وأشد الوسائل إلى الضلال حتى يتزلزل عن الإسلام رويداً رويداً، ثم لا يلبث أن يطلب من صاحب القبر أموراً لا يقدر عليها إلا الله، ثم يكون في عداد المشركين وهو لا يعلم، وصدق الله العظيم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] وكما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣].
أيها الأحبة! إن أولئك الذين يترددون على القبور ويزورون هذه الأضرحة ويتبركون بها أو يعتقدون ببركة أصحابها يقع ويحصل الشرك لأحدهم لأول وهلة رأى فيها ذلك القبر على صورة من الجمال والتزيين، بل عند أول زيارة إذ أنه يخطر بباله أن صاحب هذا القبر ترجى منه فوائد دنيوية أو فوائد أخروية، ثم بعد ذلك يكمل هذا الأمر ويبهرج هذا الباطل ويزخرف هذا الخداع والشرك سدنة الأضرحة وخدام القبور الذين يأتون ويخدعون العامة فيقولون: إن صاحب القبر قد جرت له من الكرامة ما كان لفلان الذي كان أعمى أو كان كفيفاً لا يبصر، فجاء ثم نحر قربانه عند القبر ثم سأل مخلصاً صاحب القبر فما خرج من هذا الضريح إلا وقد رد عليه بصره، ويكذبون ويفترون الأكاذيب والأباطيل وما أكثر ما سمع هذا عند كثير من الجهلة بل وفي كثير من بلدان المسلمين، إنا لله وإنا إليه راجعون.
واعلموا -أيها الأحبة- أن هذه طريقة خبيثة بل حيل ومكر وتقليب من أجل تحقيق أمرين: الأمر الأول المكابرة والعناد والإمعان في تحقيق الكفر والشرك، الأمر الثاني: خداع العوام والجهلة.
стр. 3141
انحرافات البريلوية
البريلوية من طوائف القبوريين المشركين الذين نشأ باطلهم في منطقة بريلي في الهند ما الذي يحصل منهم؟ وهل سمعتم بهم؟ يعظمون القبور ويسمون زيارتها بالأعراس، ومن تخلف عن الأعراس فهذا ضال جاهل جهلاً عظيماً بل يكفرونه ويسمونه وهابياً ويعدونه من اتباع ابن تيمية ومن أتباع محمد عبد الوهاب ﵀، وما الذي جاء في معتقداتهم؟ بعيني قرأت شيئاً مما ينقل عنهم ومما يعتقدونه، يقولون: إذا تيسر لزائر القبر أن يحضر معه الحليب والأرز والطعام والفواكه وشيئاً من المأكولات التي تقدم للأطفال قالوا: إذا تيسر لزائر القبر أن يحضرها معه ثم يضعها فإن في هذا خيراً وفي هذا بركة ترجى، إن البريلوية وقادة هذه الملة المنحرفة لا شك في شركهم وجهلهم، ولكنهم ما دعوا الناس بإحضار الطعام الشهي والأصناف التي لا يجدها الإنسان في بيته أو في مجتمعه، ما دعوا الناس لإحضار هذه إلى المقابر إلا لأجل أن تصبح المقابر مطاعم فاخرة من الدرجة الأولى لا ينقطع زوارها، وبهذا إذا جاء زائر ضال أو مضلل فرأى الناس ذاهبين آيبين وغادين رائحين هؤلاء يمدون الموائد، وهؤلاء يقربون القرابين وهؤلاء يعطرون المكان اشتعل في نفس الزائر وتحقق في نفسه تعظيم هذه الأضرحة، ثم بعد ذلك ظنوا أن تستمر الزيارة وأن يستمر التواصل ولا يخلو الضريح من الزوار ليلاً أو نهاراً ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولأجل ذلك ترى في بعض البقاع يوم أن ترى موقعاً من مواقع الأضرحة مدخلاً بزخرفة وأشكال مهيبة وغريبة، ثم على اليمين من يستلم القرابين ويأخذها وعلى اليسار من يأخذ النذور والأوقاف والصدقات، وفي المقدمة مطوف يطوف بالزائر عند القبر وفي المؤخر من يحدثك بدموع التماسيح والبكاء للزائر، ثم يكلمك عن كرامات هذا القبر، فيخرج الزائر وقد أشرك وكفر بالله من حيث يدري أو لا يدري، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 3142
دليل على تعذيب أصحاب تلك القبور
بل إن بعضهم حصل له من الضلالة وحصل له من الجهل ما يحصل يوم أن رأى نوقاً وأبقاراً وخيلاً جيء بها وهي هزيلة إلى بعض مواقع هذه الأضرحة فكان منها أن سمع رغاءها أو خوارها أو صهيلها ثم قال له: انظر كانت خيلاً وإبلاً وأبقاراً هزيلة فلما دخلنا بها الضريح دبت فيها الحياة من جديد.
تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا فقال: إن أولئك الجهلة لا يعلمون أن أصحاب القبور فيهم من يعذب عذاباً لا يسمعه الثقلان الجن والأنس، ويسمعه غيرهم من الدواب والبهائم، فإذا جاءوا بالدواب إلى مقام يعذب صاحبه سمع لها الصهيل والرغاء والخوار فظنوا أن حركتها من بركة صاحب هذا القبر، والصحيح أنها سمعت من عذاب صاحب القبر ما خفي وما لم يدركه أولئك الجهلة.
فانظروا أنواع التضليل وأنواع الزيف والخداع، بل ومن المؤسف حقاً أن تجد من الأثرياء وأرباب الأموال الطائلة من يوقف الأوقاف العظيمة ويجعلها ريعاً على هذا القبر وعلى سدنته وعلى خدامه، ومع ذلك تجد أولئك يسمون أنفسهم ويعدون أنفسهم في عداد الدول الإسلامية ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] أقوام تمكنوا من رقاب العباد، ومن خيرات البلاد، ثم يقرون القبور والأضرحة، ويسكتون عليها ويرونها تعبد من دون الله، فأي ضلال أعظم من هذا، نعوذ بالله من الخذلان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 3143
محاربة العقيدة بين القبوريين والكتاب المعاصرين
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى وتمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
стр. 3144
إنكار بشرية الأنبياء والأولياء
يقول محقق رسالة شرح الصدور بتحريم رفع القبور الشيخ العلامة محمد بن حامد الفقي ﵀ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، يقول: وإن من أنواع الإفك وباطل أهل القبور الذي يخدعون بها الطغام يزعمون أن ذوات الأنبياء والأولياء ليست من جنس ذوات بقية البشر، إذ أنهم بهذا يدعون بهذا إفكاً عظيماً أن الأنبياء والأولياء هم النور الذي انبثق وفاض من الله ، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وعلى ذلك يقول أولئك الضلال: إن ذوات الأنبياء وذوات الأولياء اكتسبت خصائصها المضيئة وصفاتها من الحياة الدائمة التي لا يعتريها ما يعتري بقية الخلق من الفناء والبلاء، وهم يزعمون أن الأنبياء والأولياء ما ماتوا كموت البشر بل انتقلوا انتقالا، وأنهم أحياء يسمعون ويبصرون ويقدرون ويعطون كل ما يطلب منهم ويقضون حاجات السائلين ويستجيبون دعاء الراغبين وأنهم بذلك النور الذي فاض من الرب بزعمهم الفاجر وباكتساب هذه الخصائص والصفات الذاتية أصبحوا وسطاء بين الله وبين خلقه، أصبحوا واسطاً بين البشرية والربوبية، فمن ثم اتخذوهم وسطاء بينهم وبين ربهم، أو على زعمهم واعتقادهم الفاسد بينهم وبين أبيهم الذي انبثق نورهم منه، فهم بذلك يعتقدون أن الأنبياء والأولياء بعد موتهم يتصرفون أو في حياتهم يتصرفون في ملك الرب، ويتصرفون بما يشاء من خفض ورفع وقبض وبسط وإعطاء ومنع وإجابة أمور لا يقدر عليها إلا الله.
بل هناك أمور لا يسألها بعضهم من الله بل يسألها من صاحب القبر في ظنه أن مثل هذه لا يقدر عليها إلا صاحب القبر وربما أن الله لا يقدر عليها! تعالى الله عما يقول الظالمون! بل يقول الشعراني وهو من طواغيت الصوفية من طواغيت الحلولية من طواغيت الاتحاد، يقول الشعراني: إنهم يتحكمون في الرب ويقهرونه.
تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وهذه عقيدة الصوفية الوثنية في كل أوليائهم من الجاهلية الأولى والثانية يسميها لهم الشيطان في كل وقت بأسماء يخدعهم بها ويروجها عليهم لأنهم مقلدون تقليداً أعمى ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩].
стр. 3145
الاستهزاء بالذات الإلهية في أحد الكتب
أيها الأحبة في الله: إني أسوق هذا والفؤاد يقطر دماً أو ألماً يوم أن عثرت وقدمت لفضيلة الشيخ عبد المحسن بن ناصر العبيدان قدمت له في درسه في واحد من الأسابيع الماضية نسخة من كتاب عنوانه: السخرية السياسية العربية لمؤلف اسمه خالد القشطين وهذا الكاتب يكتب في جريدة الشرق الأوسط وما كنت أود أن أتحدث إلا بعد أن أطلع على الكتاب وأن أسمع وأقرأ وحاولت أن أتصل بالكاتب في لندن مراراً بدون جدوى، لا أدري أخوفاً من الجواب أم إدراكاً للباطل الذي فعله؟! مراراً حاولت الاتصال هناك لأتحقق من مقامه وموطنه، المهم أن هذا الكتاب كتاب السخرية السياسية العربية يقول في مقدمته: إني لا أستطيع أن أكتب أفكاري باللغة العربية؛ لأن يد الرقيب وعين الرقيب تلاحقني وتطاردني، لأجل ذلك فإني أكتب أفكاري باللغة الإنجليزية.
والمصيبة أنه يتحدث ليزعم أن في سياسات العرب وأن في رجالات العرب من النكتة ومن الطرافة ومن ومن، الأمر الذي جرأه على الله، فقال في واحدة من صفحات الكتاب، يروى ويسوق هذا استهزاء وسخرية بالله، ولو قيل له: أكتب حكاية ملك من الملوك، أو اكتب رواية عن رئيس من الرؤساء أو اكتب قصة ضاحكة طريفة فيها سخرية بوزير من الوزراء لمات في مكانه وارتعدت فرائصه ولكنه يروي نكتة عن من؟ عن الله جل وعلا، عن الله رب العالمين الذي خلقنا من العدم، أيليق هذا؟ أيطبع هذا؟ أيدخل هذا الكتاب؟ إني لا أفترض أن الرقيب شمس مشرقة تطلع على كل شيء ولكني أقول الآن تقوم الحجة وقد وقع الكتاب في أيدينا وعرفنا مؤلفه أن يصادر الكتاب من الأسواق وأن يمنع المؤلف من الكتابة في كافة الجرائد والصحف والمجلات، وأن يدفع أو يرد منه كل شيء يقدمه إلى هذه البلاد عبر أي وسيلة، والله إني أتردد في سياق هذا وذكره يقول الخبيث: إن جبريل ﵇ جاء مع رؤساء الدول العربية وأخذ يعرفهم على الله واحداً واحداً، أهذا يقال عن الله؟! هل تخفى على الله خافية؟! ربنا الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء يسخر هذا الكاتب ويقول: إن جبريل جاء بالرؤساء يعرفهم على الله واحداً واحداً، ثم يقول: إن الله يقوم عن عرشه ويصافح هؤلاء الرؤساء! تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً! يا رب! يا رب! إنا نبرأ إليك مما قالوا ونبرأ إليك مما فعلوا، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
يقول: ولما جاء دور الرئيس جمال عبد الناصر ليصافح الله قعد الله على عرشه ولم يصافحه، فهمس جبريل في أذن الله وقال: أما تعلم أن هذا زعيم الرؤساء فلماذا لم تقم له؟ فزعم أن الله قال: خشيت أن يأخذ عرشي مني.
والله إن الكتاب موجود، وإن هذا موجود يا عباد الله، سبحانك هذا بهتان عظيم، سبحانك هذا بهتان عظيم، سبحانك هذا بهتان عظيم.
أيها الأحبة! إن أمور العقيدة في خطر، إن التساهل في أمور العقيدة خطير جداً، فلا بد أن نكون على غيرة لذات الله ، أيسب خالقنا؟ أيهزأ بربنا؟ أيسخر بمولانا؟ أيقال هذا في بلادنا؟ أينشر هذا في كتاب يدخل عندنا؟! إنا لله وإنا إليه راجعون! إنا لله وإنا إليه راجعون! إنا لله وإنا إليه راجعون! وإني أيها الأحبة أسوق هذا وكلي أمل ولا عذر لمسئول يسمع هذا ثم يقصر عن إجراء أقصى عقوبة يستطيعها؛ لأن الكاتب عراقي الأصل وليس من أهل هذه البلاد، ويسكن في لندن.
فواجبنا أيها الأحبة أن نلتفت إلى أمر العقيدة وأن نهتم لأمر العقيدة، في الدعايات تقول دعاية من الدعايات: كما تغلف الطبيعة هذه الثمرة فإننا نغلف هذه المادة الغذائية الطبيعة تغلف الطبيعة تعطي الجماد يخلق عدماً!! هذا من التساهل، وهذا من التهاون، وإن كنا نقبل عذر مسئول الرقابة الإعلامية حيث يقول: إني لست ملكاً أو عيناً ظافرة على كل صغيرة وكبيرة.
أقول: إذا بلغك هذا فلا يسعك إلا أن تعتذر، وليس عيباً أن نعتذر عن الخطأ.
أيها الأحبة في الله! للحديث بقية، والمقام لا يسمح بذكرها ألا وهي التوسل والوسيلة، فأجعلها للجمعة القادمة.
أسأل الله جل وعلا ألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، أسأل الله ألا يهلكنا بذنوب غيرنا، أسأل الله ألا يسخط علينا، ولولا أن الله ذكر في كتابه مقالة اليهود: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤]، ولولا أن الله ذكر في الكتاب: ﴿قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] لو لم يرد هذا في القرآن من بيان عرض الباطل وجرأته على الله، وجرأتهم على ربهم لو لم يرد ذكر هذا في القرآن ما ذكرت هذه القصة التي وردت في كتاب السخرية السياسية العربية.
وقصة أخرى لا أود أن أفجعكم بها، ولكني أكتفي بالإشارة إلى ما سمعته وأختم هذا برسالة إلى كل مسلم لا أخص بالحديث من تعين في الرقابة على المواد الإعلامية، أو الرقابة على الصحف، أو الرقابة على المجلات، أو الرقابة على التلفاز، بل أخصكم بهذا يا معاشر المؤمنين! بأن تكونوا عيناً باصرة لكل صغير وكبير يكتب بهذه الجرائد وهذه المجلات أصبحنا نتعامل مع كثير من الذين يتكلمون بلغتنا ويعدون من بني جلدتنا ويلهجون بمثل ما تلهج به ألسنتنا من نوع اللغة، أصبحنا نحذرهم ونخشاهم، فإليك الملجأ اللهم وأنت المستعان.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين.
اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أن تهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين، وأن تصلح من في صلاحه صلاح الإسلام والمسلمين.
اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم لا تفرح علينا ولا على الدعاة أو العلماء أو الولاة عدواً، ولا تشمت بنا ولا بهم حاسداً، واجمع شملنا اللهم على مرضاتك، واجعل ذلك في طاعتك، وسخر لنا ملائكة السماء برحمتك وجنود الأرضين بقدرتك.
يا أمة الإسلام! أنتم المسئولون أن توجد الغيرة في قلوبكم وفي أنفسكم وتعلمونها أبناءكم حتى لا يمس الدين بسوء، والله إذا نزل بلاء من الله، وإذا حل سخط وعقوبة، والله لن تنفع الأمم جيوش، ولن تنفع الأمم رجال، ولن ينفع الأمم إلا الله جل وعلا، فمن كان مع الله في الرخاء كان معه الله في الشدة، واحفظ الله يحفظك في كل حال.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، اللهم ارحم المستضعفين في البوسنة والهرسك، اللهم أهلك الشيوعيين، اللهم أهلك البعثيين، اللهم أهلك العلمانيين، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم اخزهم، اللهم إن هذا الفاجر العلماني الذي كتب هذه الكتابة باللغة الإنجليزية ثم ترجم الكتاب إلى العربية وهذا باطله ظهر وهذا زيفه انكشف وهذا خداعه بات جلياً، اللهم إنا نسألك أن تهلكه وأن تهلك من وافقه ومن فعل فعله ومن أيده ومن ساعده ومن نشر له بقدرتك يا جبار السماوات والأرض.
اللهم ادفع عنا البلاء والربا، والزنا والزلازل والمحن، والفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم صلّ على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
стр. 3146
لماذا حد الحرابة ؟
شرع الله الشرع لمصلحة العباد، وضمن لهم الأمن على أنفسهم وأموالهم، وجعل للمفسدين في الأرض جزاء يوافق جريمتهم، ويحد من خطرهم، حيث إنهم يصيرون في المجتمع كالعضو المريض الذي لابد من بتره، حتى لا يسري المرض إلى غيره، حول هذا الموضوع يتحدث الشيخ في هذه المادة
стр. 3147
سبب تشريع الله للحدود
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا لله تعالى حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
معاشر المؤمنين: تعلمون أن جميع بني البشرية يرغبون العيش في مجتمعات تملؤها السعادة والطمأنينة، والأمن والطمأنينة اللتان تُحَقِّقا السعادة لا يمكن أن تتحقق إلا بتحكيم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ذلك المنهج الرباني الشامل الضامن لسعادة البشرية، الذي لا يطرأ عليه زيادة ولا نقص، ولا يمكن أن تتخلف حكمه في أي زمان أو مكان.
﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
أيها الأحبة في الله: وسعادة البشرية حينما ترتبط بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وتطبيقها في شتى مجالات الحياة، ومن بينها وأهمها: مجال الأمن والأمان والطمأنينة، مجال الحدود والقصاص والمعاملات، فإن الله جل وعلا يوم أن شرع ذلك لم يشرعه عبثاً، وإنما شرعه لعباد هو الذي خلقهم، وهو أدرى بما يزجرهم، وهو أدرى بما ينفعهم، وجعل هذا أمراً مشروعاً، بل جعله من أعظم المنن عليهم، وجعل قيامهم به سبباً لرفاهيتهم ونعيمهم، وتدفق النعم عليهم من سائر الأنحاء والبلدان.
أيها الأحبة في الله: إن مجتمعاً تملؤه العقيدة ويعلم أفراده أن الجزاء في الدنيا, وبعده الجزاء في الآخرة، لكافٍ في أن يرتدع أفراده عن أن يعتدي بعضُهم على بعض.
إن مجتمعاً تملؤه العقيدة يعلم أفراده أن الخير لا يضيع، وأن البر لا يُنسى، وأن الحسنة بعشر أمثالها، وأن من عمل صالحاً فلنفسه، ويبارك الله له فيما عمل من الصالحات، ليتنافس أفراد هذا المجتمع، في المسابقة إلى الطاعات والخيرات، وبر بعضهم لبعض، ونفع بعضهم بعضاً، هذا يكون في مجتمعات العقيدة.
أما المجتمعات التي تحكمها القوانين الوضعية والأنظمة البشرية فهي كما قال القائل:
كلما أنبت الزمانُ قناةً ركَّب المرء للقناة سناناً
لا يدع أفراد مجتمع تحكمه القوانين فرصة للاحتيال على الأنظمة أو التشريعات إلا وثبوا عليها، واستغلوها، وانتهزوها؛ لتحقيق مطامعهم ومآربهم، ولو كان في ذلك إزهاق الأرواح، وسفك الدماء، وإثارة القلق، وقلب الأمور إلى الفوضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
نختصر هذا الكلام -أيها الإخوة- لنقول: إن الله جل وعلا شرع القصاص والحدود والعقوبات على جرائم معينة محددة؛ لضمان سلامة أفراد المجتمع، ولضمان سعادتهم، ولبقاء علاقاتهم على حد من الثقة والأمانة، ولولا ذلك ما باع أحدٌ ولا اشترى، وما سافر ضاعن ولا ارتحل، وما تحرك مقيم ولا سكن؛ لكن يوم أن يعلم الناس أن الله رقيب على العباد، وأن العباد يخشون الله فيما يفعلون، وبعد هذا شرع الله عقوبات لتردع كل ظالم، ولتخوف كل من تسول له نفسه، عند ذلك يطمئن أفراد المجتمع إلى هذا.
يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨].
ويقول الله جل وعلا: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩].
الله أكبر -يا عباد الله- تأملوا هذه الآية، جعل الله حياة الأرواح في القتل ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩] وتقول العرب قبل ورود البعثة النبوية عليهم: القتل أنفى للقتل.
فكلام الله أبلغ وأسمى وأجل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩].
نعم -أيها الأحبة في الله- إذا قُتل القاتل، قُطع دابرُ القتل، وإذا عوقب المعتدي قُطع دابرُ الإفساد، أما إذا تُرك الأمرُ على علاته، وأُطلق الحبلُ على غاربه، عند ذلك هذا يقتل، وهذا ينتقم، ثم يسري القتل كما تسري النار في الهشيم اليابس، ولا يبقى على الأرض مطمئن، ولا متلذذ بأمن أو دعة، ولذلك شرع الله القصاص، وجعله عقوبة للقتل في ألوان من الجرائم والعقوبات.
يقول النبي ﷺ : (لا يحل دم امرئ إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة، والثيب الزاني).
ويقول ﷺ في جعل القتل عقوبة مشددة فوق العقوبة المشروعة في حد الزنا: (من وقع على ذات محرم فاقتلوه).
стр. 3148
جملة من مقاصد الشريعة في الحدود
والله جل وعلا قد شرع لولاة الأمر أن يجعلوا القتل من باب السياسة الشرعية لقطع دابر الفساد والمفسدين.
أيها الأحبة في الله: جاءت الشريعة لتحفظ المجتمع بضوابط معينة، وبعد ذلك وُجدت العقوبات لمن تعدى هذه الضوابط، جاءت الشريعة برجم الزاني المحصن، وبجلد الزاني البكر، بعد ماذا؟ بعد نهي النساء عن التبرج، وبعد أمر الناس بغض أبصارهم، وأمر النساء بغض أبصارهن، وبعد أمر البنات والنساء بالقرار في البيوت، فمن تعدى هذه الدائرة من القيم، ومن تعدى هذه الدائرة من التشريعات والمبادئ السامية، عند ذلك كانت العقوبات حداً واقفاً في نحره.
من هنا -أيها الأحبة- نعلم أن نعمة الله علينا في هذه البلاد عظيمة، يوم أن نرى السيف يجز رقبة القاتل، فيتدحرج رأسه أمام البشر، وتسيل الدماء من عروقه وبدنه، لكي يرتدع من تسول له نفسه القتل، ولكي يحمد الله من رأى ذلك على نعمة الأمن والطمأنينة.
إن من نعم الله أن نجد يد السارق معلقة مقطوعة ليراها الناس فيزدجروا، ويرتدعوا عن أخذ أموال الناس بالباطل، والاعتداء على حروز منازلهم وأموالهم، أو أخذها بالقتل، والنهب، والسرقة.
إنها لمن نعم الله أن نرى شارب الخمر يُجلد، لكي يرتدع عن التمادي فيها، حتى لا يجره ذلك إلى الوقوع في ألوان من الآثام والعقوبات.
إنها لمن نعم الله، أن يُرجم الزاني المحصن، وأن يُجلد الزاني البكر، فإنها لمن أعظم نعم الله التي نحمد الله عليها.
ووالله ثم والله ثم والله ما نعمتم بأمن في مجتمعكم إلا بتطبيق الشريعة، وعلى أهم جوانبها جانب الأمن والحدود والعقوبات، ولولا ذلك لعجز بعضكم أن يذهب بماله من المصرف إلى بيته، ولخشي بعضكم أن يخرج في هزيع الليل، ولخاف بعضكم أن يترك بابه مفتوحاً، ولو للحظة واحدة، ولكن يوم أن ثبت الله سلطان الشريعة، وهيبتها في القلوب على كثير من البشر، ارتدع كل ظالم عن ظلمه، أو من تسول له نفسه، وبقيت شرذمة فاجرة قليلة، لا تزال رجال الأمن تتعقبها بما حقق الله لهم من سلطان الكتاب والسنة، وبما أوجب عليهم من واجب حفظ الأمن في المجتمعات.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 3149
دليل حد الحرابة في كتاب الله
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراًَ إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، فإن أجسامكم على وهج النار لا تقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى.
اعلموا أن خيرَ الكلام كلامُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد ﷺ ، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة في الدين ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة في الله: قد يقول قائل: إن الله جل وعلا شرع ألواناً من الحدود ردعاً لكثير من الجرائم، وهيأ ألواناً من العقوبات دفعاً لكثير من المصائب.
فالقتل بالقتل في القصاص.
والرجم والجلد في الزنا.
والجلد في قذف المحصنات، وقذف المؤمنين.
والجلد في شرب الخمور.
وكذلك القتل بأبشع طريقة في جوانب اللواط، وجريمة الشذوذ.
ولكن هناك ألوان من الجرائم تشيطن فيها طائفة من البشر، وتفننوا في الوقوع فيها، حتى لا يقعوا في تطبيق أركان الحدود عليهم، ويلتمس بعضهم في ذلك أن يُفلتوا من الحد إلى العقوبات التي هي دون الحدود.
نقول: اعلموا -أيها الإخوة- أن الله يوم أن شرع القصاص في القتل، وشرع الرجم، والجلد وكثيراً من العقوبات، إن الله جل وعلا شرع باباً عظيماً وبوابة كبيرة في ردع الفساد والمفسدين، ألا هو حد الحرابة، وباب السياسة الشرعية.
أما حد الحرابة فهو الذي يدل عليه قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣].
فمن عُرف منه الفسادُ والإفساد في أي لون من ألوان التخريب والتدمير، أو إثارة القلق وزعزعة أمن المجتمع، فإن الله جل وعلا قد شرع لولاة الأمر أن يوقعوا عقوبة تبدأ بغرامة الدينار، ثم إلى الجلد بالسوط، وتنتهي إلى قطع الرقبة، حتى لا يقال: إن مجتمعاً من المجتمعات قتل نفساً لم يرد في القرآن دليل على قتلها، بل إن دليل قتلها وإزهاقها إذا كانت مُفسدة، لفي محكم آيات القرآن الكريم، وأي شيء أبلغ من هذه الآية؟! أن يجعل الله حد الحرابة والقتل وقطع الأيدي والأرجل من خلاف، لردع الفساد والمفسدين.
كذلك -أيها الأخوة- قد تقطع يد السارق في سرقةٍ من حرز، ولو كانت في مال يسير، فيقول قائل: وما بال من يسرق أموال المؤمنين؟! وما بال من يسرق أموال المسلمين؟! نقول: إن الله جل وعلا قد شرع باباً واسعاً في السياسة الشرعية، لا يقف عند قطع اليد من الكوع، بل قد ينتهي إلى قطع اليد عند الكتف، أو إلى قتل النفس وإزهاقها بالكلية، حفاظاً على المجتمع، وقد قرر الفقهاء فيما مضى أن لولاة الأمر إذا رأوا الفساد منتشراً في مجتمع من المجتمعات أن يقتلوا ثلثي المجتمع إذا ضمنوا صلاح الثلث الباقي.
فيا عباد الله: اعلموا أن المجتمع إذا طُبقت فيه الشريعة، وسادت فيه الحدود والعقوبات الشرعية، فإن الله جل وعلا يحفظ رجاله وأبناءه، وجميع أفراده، أما إذا تساهل الناس أو تساهل ولاة الأمور، أو تساهل الحكام في تطبيق الشريعة، فإن ذلك يفتح باباً من الفساد وزعزعة الأمن والقلق والتخريب بقدر ما تُرك من تطبيق الحدود والعقوبات.
وهذا واضح، والميزان متناسب عكسياً، فمتى قل نصيب الأخذ بتطبيق الشريعة، زاد نصيب المجتمع من الجرائم والاعتداء والإفساد.
فهذا أمر واضح جلي.
نسأل الله جل وعلا أن يديم نعمة تطبيق الحدود، وأن يتمم نعمة تحكيم الشريعة على هذا المجتمع في شتى مجالاته وألوان حياته.
стр. 3150
حرمة الشفاعات في الحدود
أيها الأحبة في الله: وإن هذه الشريعة الربانية التي قررت هذا لتحذر من أن تدخل الشفاعات أو الواسطات أو الواجهات أو المحسوبيات في تطبيق الحدود والشريعة، وجعل ذلك من باب الخيانة العظمى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧].
إذا جار الأمير وكاتباه وخانوا في الحكومة والقضاءِ
فويل ثم ويل ثم ويلٌ لقاضي الأرض من قاضي السماءِ
يوم أن تدخل المحسوبية، أو الواسطة، أو الوجاهة، أو الشفاعة في حدود الله جل وعلا فإن ذلك نذير شؤم، ومؤشر بلاء على المجتمع.
سرقت امرأة من بني مخزوم وهي شريفة من شريفات قومها على عهد النبي ﷺ ، ورُفع شأنها إلى النبي، فحكم ﷺ بما شرع له ربه، وبما أنزل عليه في كتابه، أن تُقطع يدُ المرأة المخزومية الشريفة، أن تُقطع يدُ هذه المرأة عالية النسب في مجتمعها، فأهم قريشاً أمرها، وخاضوا في شأنها، وقالوا: من يحدث رسول الله ﷺ في أمرها، فقالوا: لا نجد إلا حِب رسول الله وابن حِب رسول الله أسامة بن زيد بن حارثة، فجاء يكلم رسول الله ﷺ في شأنها، فتمعَّر وجه النبي، واحمرَّت وجناته، وانتفخت أوداجُه، ثم قال: (أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟! أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟! أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟! ثم قام النبي ﷺ وخطب الناس، وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه: أيها الناس! إنما أهلكَ من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإذا سرق فيهم القوي تركوه، وايم الله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعتُ يدها).
وحاشاها وهي الزهراء، وهي الحرم المصون، وحاشاها وهي الجانب الرفيع أن تسرق، ومع ذلك يعظم النبي ﷺ شأن الشفاعة في الحدود: (والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعتُ يدها).
ومثل هذا وارد في زجر المؤمنين بأبلغ الخطاب.
الله جل وعلا يقول لنبيه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥].
فهل يمكن أن يشرك الرسول؟! لكن لبيان خطر الشرك.
ويقول الله جل وعلا: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢].
وهل تخضع زوجات النبي بالقول؟! حاشا وكلا؛ ولكن من باب تشديد الأمر، والتغليظ والزجر في بابه وشأنه.
فكذلك -يا عباد الله- حذارِ حذارِ من أن تشفعوا أو تتوسطوا أو تتدخلوا فيمن وجب عليه حكم الله بكتاب الله، تطبيقاً لشريعة الله.
إن من أعظم المصائب أن ترى رجلاً يشفع في شاب قد هرَّب المخدرات، أو ترى رجلاً يشفع في أحد أسرته، أو قبيلته -والله- لو كان فيه من الخير ما يسعد به مجتمعه وأمته ما شفع في حد من حدود الله، ولا توسط في تخريب قد يُراد به أمن المجتمع والأمة.
فيا عباد الله: إياكم والشفاعة في الحدود، إياكم والوساطة، واعلموا أن من قدم رجلاً وفي المسلمين من هو خير منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، فإن في ذلك خطر أن يُرَجَّع أو يُرَدَّ من وجبت عليه العقوبة، سواءً كانت حداً أو تعزيراً، وبهذا تستقر الأمور، وتثبت المجتمعات، وفي المراوغة في تطبيق الأحكام، وتطبيق بعضها وترك بعضها يقع الفساد, والله جل وعلا قد عاتب بني إسرائيل يوم أن قال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:٨٥].
فمعاذ الله أن تكون خاتمة الأمة أو أن خاتمة المجتمع المسلم تنتهي إلى هذا! بل الرضا بالقضاء، بل الرضا بما شرع الله في كتابه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].
أسأل الله جل وعلا أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يديم الأمن والطمأنينة على هذا المجتمع.
اللهم لك الحمد أولاً وآخراً على ما شرعت من إلقاء القبض، وهيأت من أسبابه على الطُّغْمة المفسدة الحاقدة، من أبناء الشيعة الرافضة، الذين أرادوا التفجير في بيتك الحرام، اللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد حمداً لا يتناهى، ملء السماء وملء الأرض.
اللهم لك الحمد كما يرضيك، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطان.
وإن المسلمين جميعاً ليهنئون ولاة الأمر ورجال الأمن على هذه النعمة، ويدعون لهم بالسداد والثبات والتوفيق، ويطلبون مزيداً من الضرب بأيدٍ من النار والحديد على من زاغ عن طريق الأمن وصراط الله المستقيم، فبهذا تنعم المجتمعات بالطمأنينة.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً اللهم جازِه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، اللهم من كان منهم محسناً فزد له في حسناته، ومن كان منهم مسيئاً فتجاوز عن سيئاته، يا خير من تجاوز وعفا، ربنا عاملنا وعاملهم بعفوك، وما أنت أهله، ولا تعاملنا بما نحن أهله، إنك أنت أهل التقوى والمغفرة.
اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيِّماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، بمنك وكرمك، يا أرحم الراحمين! اللهم احفظ إمام المسلمين، اللهم أحسن بطانته، اللهم قرب منه من علمت فيه خيراً له ولأمته، وأبعد عنه من علمت فيه شراً له ولأمته، واجمع اللهم شمله وإخوانه وأعوانه على كتابك وما يرضيك يا رب العالمين! اللهم لا تشمت بنا ولا بهم حاسداً، ولا تفرِّح علينا ولا عليهم عدواً.
وسخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، يا رب العالمين! اللهم أحسن خاتمتنا، اللهم أحسن ختامنا، ويَمِّن كتابنا.
اللهم اجعل خير أيامنا يوم نلقاك، وخير أعمالنا خواتهما.
اللهم أحينا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء.
اللهم انصر المجاهدين، واهلك المنافقين بينهم، اللهم اهلك المرجفين في صفوفهم، اللهم اهلك الشامتين بهم.
اللهم انصر المجاهدين، وأقم دولتهم، وثبت أقدامهم، ووحد صفهم، واجمع كلمتهم، وسدد رصاصهم برحمتك يا رب العالمين! اللهم رد المسجد الأقصى إلى أيدي المسلمين، اللهم عليك باليهود، أبناء القردة والخنازير، اللهم اجعلهم غنيمة المسلمين، اللهم اجعل الدائرة على رءوسهم، اللهم إنهم عاثوا في رقاب إخواننا، وفي أعراض أخواتنا، وفي أموالهم وبيوتهم وأطفالهم فساداً واستباحة وانتهاكاً، اللهم عجل صاعقة الهلاك عليهم، وأوقد أبواب الشر في بيوتهم يا رب العالمين، يا أرحم الراحمين! ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر.
وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك، يا رب العالمين! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 3151
أحوال المسلمين في كوسوفا [٢]
جرح الأمة ينزف في كوسوفا دماً، لكن الأمة أغفلت عن جرحها، وألهيت عن قضيتها؛ حتى ضعف الولاء، وقلّ التناصر، فهذا بيان لحال المسلمين هناك، ودعوة للمسلمين في العالم لينظروا في قضيتهم؛ ليعلموا كيف يداوون مصيبتهم.
стр. 3152
قضية كوسوفا
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣].
معاشر المؤمنين! في الآونة الأخيرة لا يكاد يمر عامٌ أو عامان إلا وتُفتن أمة الإسلام بفتنةٍ جديدة في بقعةٍ جديدة، تُظهر حال الذل والهوان الذي يعيشه كثيرٌ من المسلمين اليوم، وتكشف مستوى الولاء بين المسلمين قوةً أو ضعفاً، وقضية المسلمين في كوسوفا واحدةٌ من سلسلة القضايا التي أغنت الصور فيها، عن كثيرٍ من مفردات قواميس البلاء والتشرد والقتل والإبادة والتصفية العرقية.
إنها قضية شغلت العالم بأسره شرقه وغربه، مسلمه وكافره، وحسبكم بحال المسلمين فيها أن يُعلن اليهود استعدادهم لإيواء بعض اللاجئين أو إرسال بعض المعونات إلى المسلمين، واليهود -كما تعلمون- لم تجف دماء إخواننا بسبب مذابحهم واغتيالاتهم في فلسطين على الأرض المباركة، في الأسابيع الماضية صار الموتُ قبل ورود العار أمنية، وصار التشرد والرحلة إلى المصير المجهول أغنية:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً وأن المنايا قد غدون أمانياً
أيها المسلمون! قلنا في الجمعة الماضية إن الحرب الدائرة الآن ينتصب الصرب الأرثوذكس في أحد طرفيها، وهم المعروفون بالحقد المقيت ليس على المسلمين وحدهم، بل حتى على إخوانهم الكاثوليك، والتاريخ شاهدٌ على ذلك، وليست هذه الإبادة هي الأولى من نوعها لإخواننا المسلمين على يد الصرب، بل سبقها حلقاتٌ في مسلسل الإبادة والتصفية العرقية.
لقد كان المسلمون في كوسوفا ٩٥% والخمسة الباقية من السكان بين الصرب الأرثوذكس والكاثوليك، ومع ذلك وباستمرار مسلسل التطهير والإبادة أصبح المسلمون قلةً بالنسبة لهؤلاء، ومع ذلك لم يشفع للمسلمين جهل كثيرٍ منهم بالإسلام، أو مشابهة كثيرٍ من المسلمين للنصارى في عاداتهم وتقاليدهم وأمور حياتهم، لأن المسلمين ارتكبوا ذنباً لا ينساه الصرب أبداً.
وهو أن أجداد هؤلاء المسلمين اعتنقوا الإسلام ودانوا به، يوم دخل السلطان مراد العثماني تلك البقعة ونشر الإسلام فيها قبل أكثر من (٦٠٠) سنة في معركةٍ حاسمة بين الإسلام والنصرانية في أوروبا، فكان لابد أن يدفع المسلمون ثمن إسلام الأجداد غاليةً كما دفعه أهل البوسنة قبل سنواتٍ قليلة: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩].
إننا لا ندري أين الطريق التي ستتحرك منها قوافل الفتح لفتح أوروبا، ولفتح روما، كما بشر النبي ﷺ بقوله: (لتفتحن القسطنطينية وروما فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش، فقال الصحابة: وأي المدينتين تفتح يا رسول الله؟ فقال ﷺ : مدينة هرقل أولاً) يعني بها: القسطنطينية، وقد فتحت من قبل وجثمت العلمانية عليها الآن، وبقيت روما لم تفتح، فلا ندري هل ما دار في البلقان على أرض البوسنة، أو يدور الآن على أرض كوسوفا إرهاصٌ لحربٍ تكون نهايةً لهذه الأمم الكافرة؟ أيها الأحبة! القضية التي يتحدث عنها كثيرٌ من الناس: هي الحرب بين الناتو من جهة والصرب والدوما من جهةٍ أخرى، وتلك وإن كانت مسألة كبيرة وخطيرة، إلا أنها كما قلنا: لا تساوي شيئاً أمام تهجير المسلمين وتشريدهم وتنصير أطفالهم، بعد أن تتقاسمهم الأديرة والكنائس ليتربوا هناك، في ملاجئ ومهاجر ومحاضن الكفار المنتشرة في أنحاء أوروبا، وهل يبقى بعد ذلك انتماء، أو تصمد هوية؟! هذا هو الوجه الأخطر للحرب القائمة، وأما الدمار للمنشآت الصربية، وأما الحرق للمباني الصربية، فهو وإن كان قرحاً يسرنا ما نراه فيهم، وما نراه من ضرباتٍ عسكرية متتابعةٍ من الناتو، وإن كان يسرنا أن يُسلط الله كافراً على كافر، لكن بيقين أن حفنةً من ملايين الدولارات تعيد البناء أحسن مما كان، فضلاً عن قلة المتضررين بشرياً من الصرب، لكن مصيبتنا العظمى هي جيل المهاجرين من كوسوفا إلى دولٍ أوروبية، في كل دولةٍ منهم جزءاً، وكل مدينةٍ تتقاسمهم في أحياء وكل حيٍ يذوبون فيه ويختلطون كما يذوب الملح في الماء، وما أهداف وأبعاد معركة الصرب هذه إلا من أجل أن يذوب المسلمون في المجتمعات الأوروبية، لأن تجمعاً وتكتلاً بشرياً على رقعة واحدة منذرٌ بخطر على هؤلاء، أن تقوم دولةٌ إسلاميةٌ هناك.
أيها الأحبة في الله! هذا الجيل المهاجر هذا الجيل المشرد هذا الجيل التائه الهائم على وجهه، من يعيده؟ ومن يبنيه؟ ومن يحفظ عليه دينه وهويته؟ اللهم إنك أنت المستعان، وأنت حسبنا وحسبهم ونعم الوكيل.
стр. 3153
مصير الشباب والشابات في كوسوفا
أيها المسلمون! شردت الكنيسة الأرثوذكسية، قرابة المليون نفس، جُلهم من الأطفال والشيوخ والنساء، أما الشباب فكانت المقابر جماعية تنتظرهم على موعد الدفن وهم أحياء، وآخرون في السجون والمعتقلات، ولعل المتأمل والمشاهد لهذه الصور التي تعرضها وسائل الإعلام لقوافل المهاجرين والمشردين لا يظهر فيها إلا الشيوخ والعجائز والأطفال والنساء، الحال في كوسوفا مشهدٌ يُترجم مفردات الألم والحسرة والذل والمعاناة التي يمر بها المسلمون هناك، والحال في كوسوفا مشهدٌ يترجم مفردات الحقد والبغض والعداوة الدينية التي بلغت حد القتل والاغتصاب والتشريد.
أسألكم أيها المسلمون! هل تأملتم الصور التي تعرضها الشاشات للمهاجرين؟ ألا ترون فيها أمراً عجباً! لا يظهر فيها صنفان من البشر إلا قليلاً ممن نجح في الهرب والفرار بنفسه، الشباب والشابات هؤلاء نفقدهم في مشاهد الهجرة وصور اللاجئين، والجواب تعرفونه، بل أخبرنا به من هم الآن يعيشون على فوهة الصراع هناك، الشابات الجميلات على وجه الخصوص، ينتزعن من القافلة عند أول الرحيل ليكن مرتعاً لتفنن جنود الصرب في ألوان اغتصابهن، في ثكنات جنود الصرب وملاهيهم.
وأما الشباب فالغالب منهم كما قلت: على موعدٍ مع مقابر جماعية حيث الجرافات الكبيرة تنتظرهم، مستعدةً لأن يهال التراب عازل الصوت والصراخ والأنين وعازل الهواء والأكسجين، واسأل من اكتشف مواقع دفنهم جماعياً؟! واسأل من سيكتشف مواقع دفنهم جماعياً؟!
стр. 3154
حال المسلمين في ألبانيا
أيها المسلمون! ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم؟! ألم يأن لكم أن تلين أفئدتكم؟! أفئدة من حجر! ألا يكلف المرء نفسه تحريك جفنيه وفتح عينيه، ليرى صرعى البؤس والتشريد وضحايا الظلم والعدوان والفاقة ماثلين أمامه في غير ما سبيل، ألا يرى ذلك فتأخذه بهم رحمة الإنسان؟ كيف يستطيع أن يهنأ صاحب الترف واللذات بطعامه وشرابه؟! بل كيف يُدلل صبيانه وبناته؟! وكيف يضاحك عياله؟! ويمازح أهله؟! وهو يرى في كوسوفا صبيةً مثل عياله أبرياء ما جنوا ذنباً، أطهارٌ ما كسبت أيديهم إثماً، أفيكون من العدل أو من الإخوة ألا تبالي بهم! وألا تذكر حالهم عند نومك أو يقظتك أو طعامك أو شرابك أو اجتماعك بأهلك وأولادك؟!! يبكون من الحيف ويتلمظون من الجوع! أفلا يهزنا ما نسمعه عن نساءٍ وصبايا في ألبانيا كاللآلئ المكنونة والدرر المصونة، ولغت فيها الكلاب الصربية الآثمة، وطالتها الأيادي المجرمة، أولا ينظر المرء إلى بلاد إخوانه في الديانة، تحت سيطرة الصرب والنصارى الحاقدين:
وطفلة ما رأتها الشمس إذ بزغت كأنما هي ياقوتُ ومرجانُ
يقودها العلج للمكروه مكرهةً والعين باكيةٌ والقلبُ حيرانُ
لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ إن كان في القلب إسلامٌ وإيمانُ
قالها الرندي لما سقطت الأندلس وأعيد قولها فيما فعله الشيوعيون في أفغانستان، وفيما فعله الروس في كثيرٍ من البلدان، وفيما فعله الصرب في البوسنة، ونرددها الآن فيما يفعله الصرب في أرض البلقان، وفي كوسوفا على وجه الخصوص، لقد سالت حممٌ من القنابل والشظايا، وامتلأت بلادهم جثثاً وغدت أباطح، وتهجر المسلمون من منازلهم وعيشهم إلى هجرةٍ نحو الحدود وسفوح الجبال.
أولا ينظر المسلمُ إلى كوسوفا ومن خرج منها من ساكنيها فراراً حيث لم تعد دوراً ولا منازل، وإنما صارت جيفاً وأشلاء، يقف المسلم الألباني أمامها مشدوداً، لسان حاله يقول:
سقوف بيوتي صرنَ أرضاً أدوسها وحيطان داري ركعٌ وسجودُ
تصور أخي المسلم! تخيل أنك مكان هذا الأب المفجوع بأهله، وأن زوجتك مكان هذه الألبانية في معسكرات الصرب والاعتقال، أو مع اللاجئين والمشردين، تخيل نفسك مكانهم، تخيل أولادك وذريتك المكسورة الجناح تنهشهم أفاعي البشر، وتفتك بهم ذئاب الكفر، هل تطيق أن تتخيل أن تدور عليهم رحى الأيام والأيام قُلّب! فيصبحون لا حول لهم ولا قوة، يطمع فيهم الطامع، وما من نصيرٍ لهم ولا مدافع إلا من رحم الله، فما بالك بمن يعيش هذا البلاء كله، الذي أنت لا تطيق أن تتخيله، وهم يعيشونه ويرونه عين اليقين وعلموا به علم اليقين، ويعيشونه حق اليقين!! أخي المسلم! وتأمل حال هؤلاء المهاجرين، امرأةٌ حُبلى تضع ولدها في طريق الفرار، وطفلٌ يئن لا يجدون له قطرة حليب، ورجلٌ عجوزٌ شيخٌ كبير لا تستطيع رجلاه أن تحمله فيبقى في جحيم المأساة، جحيم الهرب وجحيم الرصاص والنار، ثم إذا تجمعوا على أرضٍ هي الفراش، وتحت سماءٍ هي الغطاء، وأخذوا يتناهشون خبزةً أو لقمةً أو كساءً أو غطاءً.
البرد لا يزال قارساً هناك، والظروف في غاية الصعوبة، وأصبحوا لا ترى على عيونهم إلا دموعاً يسحونها من مآقيهم على خدودهم:
ضج الأنين من الأنين وطغت تباريح السنين
وازْوّر وجه الحق يخـ ـجل من نواح المسلمين
والأم تعصر ثديها ألماً على هذا الجنين
والزوجة الثكلى ترقرق دمعها دمعاً حزين
والشيخ ملَّ الانتظارَ على طوابير الطحين
جاء المنصر والمبشر لا يمل ولا يلين
ويباع أطفال العقيدة في المزاد بكل حين
ونظل نلهو لا نبالي أن نكون العابثين
ما الذي يحدث لإخواننا؟! وما الذي يجري الآن على تلك الحدود في تلك المنطقة؟! ما الذي أصابنا وما الذي حل بنا من موت الشعور وانعدام الإحساس؟! أيها الأحبة! إن الواجب الذي أمر الله به وشرعه رسوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] و (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) إن هذا الواجب يملي علينا وجوباً لا خيار فيه، وفرضاً لا تردد فيه، أن نُقدم كل ما نملكه من مساعدةٍ ومعونةٍ بالدعاء أولاً وبالمال والنقد والجهد والفكر والاقتراح والسعي وبكل ما استطعنا ثانياً.
إننا أيها الأحبة! على خطرٍ إن ظللنا نتفرج على مآسي المسلمين هكذا، إن الذين يتفرجون على كربات المسلمين وهم قادرون أن يغيثوهم والله سيدفعون الغرامة ضعفين، إما عاجلاً أو آجلاً، وإننا مأمورون أن نبذل حتى لا يحل البلاء بساحتنا أو قريباً منا، فتُكسر البيضة ويضيع الأمن والأمان فسنة الله الكونية ومطارقه الربانية لا تجامل أحداً.
أيها الأحبة في الله! كلنا شركاء في هذا الهم، وكلنا إخوة تجمعنا هذه العقيدة الواحدة، وعلينا أيها الأحبة! أن ننهض من هذه الغفلة وكثير من شبابنا اليوم لا زال في غفلته ولهوه، وكثيرٌ من النساء لا زلن في غفلاتهن، وإننا نقولها بصراحة: لا يكفي الحسبلة والحوقلة فقط، وهي وإن كانت دعاءً من أول الأدعية فإن الله قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] نريد أن يتعدى الأمر إلى أكبر من ذلك، إلى العمل والتحرك لعمل ما يمكن عمله، من الدعم والنصرة المادية.
فيا أيها الأحبة! يقول تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] والله وبالله وتالله! لو أنفق المسلمون على إخوانهم المهاجرين واللاجئين والمستضعفين في كوسوفا ربع ما سينفقونه في رحلات الصيف والسياحة في أوروبا، لحققوا كثيراً، واليوم يومٌ مبارك، فأروا الله من أنفسكم خيراً.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 3155
الحث على دعم المسلمين في كوسوفا
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ في الدين بدعة، وكل بدعةٍ في دين الله ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة! أنتم اليوم في يوم الجمعة، هو آخر يومٍ في الأسبوع وهو آخر يومٍ في عامنا هذا، نحن في اليوم الثلاثين من الشهر الثاني عشر لعام (١٤١٩هـ) نودع هذا العام، في ذكر هذه المصيبة، وفي ذكر هذه الكارثة، فهل نودعه بتوبة، وهل نودعه بصدقة، وهل نودعه بنجدة، وهل نودعه ببذلٍ وعطاء، ودعاءٍ بسخاء للمسلمين في كوسوفا؟! أيها الأحبة! تداركوا سويعات بقيت من يومكم هذا، وألحوا على الله في ساعة الإجابة في آخر هذا اليوم، أن ينصر الله إخوانكم في كوسوفا، وأن يجعل لهم من كربتهم وضيقهم فرجاً ومخرجاً، وأن يحيل شتاتهم دولة، وأن يجعل تفرقهم تجمعاً، وأن يجعل الدائرة على أعدائهم: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧] ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦].
ألحوا على الله يا عباد الله! ألحوا على الله يا عباد الله! ألحوا على الله يا عباد الله، فإنها قاصمةٌ ليس لها من دون الله كاشفة، إن هذه المصيبة ثقتنا بأن الدعاء يرفعها وما نبذله إنما هو سبب، إن أمماً ودولاً قد أنفقت لأجل هذه المصيبة، لأجل أن تحيق بالمسلمين هذه الدائرة، وإن فتات الجيوب وإن فتات القوت والموائد قد لا يرفع ذلك إلا بسببٍ مباركٍ يرفعه ويقبله، وهو العمل الصالح والدعاء والعبادة، فألحوا على الله يا عباد الله، واجتهدوا وألحوا على ربكم أن ينصر المسلمين في كل مكان، وأن ينصرهم في كوسوفا خاصة، وكما قلنا في الجمعة الماضية، ستجدون على الأبواب من يجمع اليوم ما تجود به أنفسكم، ومن جاء بتبرعٍ ولو في أي يومٍ من أيام الأسبوع فليسلمه إلى مؤذن وإمام هذا المسجد جزاه الله خيراً.
وليتحقق من أن ما يضعه هو في يد المؤذن ذاته، وهنا نداء نداءٌ إلى كل شاب، وإلى كل امرأة، وإلى كل فتىً وفتاة، وإلى كل ثريٍ وتاجر، وإلى كل غني أن يقدموا ما يستطيعونه، وألا يترددوا في أن يبذلوا ما يستطيعونه ويجدونه، من بذلٍ وعطاءٍ وفكرٍ ورأيٍ واقتراح، ومن أراد أن يتصل بمكتب رابطة العالم الإسلامي في الرياض، فليتصل بها، فإنها الهيئة المكلفة من قبل ولاة الأمر بأمرٍ سامٍ لتتولى الوقوف مع المسلمين في هذه الكارثة.
نسأل الله أن يجعل ما يبذله ولاة أمرنا لإخواننا هناك سبباً في دفع البلاء عنا وعنهم، وسبباً في استقرار الأمن في أرضنا، ونسأله سبحانه ألا يكلنا إلى أنفسنا، ونسأله سبحانه أن يرفع البلاء عنا وعنهم، وألا يجعل ما نحن فيه من نعمٍ استدراجاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أرادنا بسوءٍ فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء، اللهم إنا نسألك بمنك وأسمائك وصفاتك أن تُحسن خاتمتنا، وأن تجعل ميتتنا على أحسن حالٍ ترضيك، وأن تجعل خير أيامنا يوم لقاك، وأن تثبتنا على طاعتك وعلى مرضاتك يا حي يا قويم.
اللهم انصر من نصر إخواننا المسلمين يا رب العالمين، اللهم انصر المسلمين في كوسوفا، اللهم انصر المسلمين في كوسوفا، اللهم انصر المسلمين في كوسوفا، اللهم ارحم أيامامم وثكالاهم وأطفالهم وشيوخهم وعجائزهم، اللهم إنهم جياعٌ فأطعمهم، وظمأى فاسقهم، وعراةٌ فاكسهم، ومشردون فآوهم، اللهم تلطف بهم يا رب العالمين، واجعل الدائرة والبطش على أعدائهم، يا من لا يعجزه شيء، يا ودود، يا ودود، يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما تريد.
نسألك اللهم أن تنزل بهم شديد بأسك وعظيم سخطك، اللهم أنزل شديد بأسك، وعظيم سخطك على اليهود والصرب ومن أعانهم، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم إنا نشكو إليك، اللهم إنا نشكو إليك، ضعف المسلمين أمام هذا الأمر، اللهم فلا ناصر ولا معين إلا أنت، أنت حسبنا ونعم الوكيل: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤].
اللهم إنا نسألك بمنك وكرمك أن تنصرهم نصراً مؤزراً عاجلاً غير آجل، وأن تجعل ما أصابهم سبباً في عودةٍ صادقة إلى التمسك بالكتاب والسنة، وليعرفوا حقيقة دينهم الذي عاداهم لأجله، وتكالب عليهم لأجله دول الشرق والغرب من الروس ومن الصرب ومن أعانهم، اللهم عجل نصرهم، وأقم دولتهم وأرنا في اليهود وفي الصرب عاجل بطشك يا حي يا قيوم، يا جبار السماوات والأرض.
اللهم صلِّ وسلم على محمد، اللهم صلِّ وسلم على محمد، اللهم صلِّ وسلم على محمد، اللهم صلّ وسلم على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارضَ اللهم عن بقية العشرة وآل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك، يا أرحم الراحمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.