← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فضل شهر رمضان الحمد لله الذي شرع لعباده المؤمنين ما يقربهم إلى مرضاته وجنانه، وحرم عليهم ما يبعدهم عن سخطه ونيرانه، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، اتقوا الله تعالى عملاً بأمره ووصيته للأولين والآخرين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. معاشر المؤمنين: جمعتكم هذه هي الجمعة اليتيمة في شهر رمضان، وبعد أيام قليلة تستقبلون شهراً كريماً وموسماً عظيماً، رحمة من الله بكم، يوم أن كان في سابق علمه أن أعمار هذه الأمة قصيرة، شرع لهم من العبادات ما ينافس فيه أهل هذه الأمة الأمم السابقة فيكونوا أكثر أعمالاً، فأمة محمد ﷺ هم الأولون الآخرون، هم الأولون في الدرجات والبركات الآخرون في الزمان. فيا عباد الله! لا أشك أن الواحد منكم لا يعلم فضل هذا الشهر وما فيه من الأجور العظيمة التي منَّ الله بها عليكم جميعاً. لا أظن أن أحداً منكم يجهل أن من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. ولا أظن أن واحداً منكم يجهل أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. ولا نظن أن مسلماً يجهل أن الصيام لله والله يجزي به، وأن الأعمال مضاعفة والحسنة بعشر أمثالها إلا الصوم فإنه لله والله يجزي به، وليس لجزاء الله وفضله عدد ولا حساب، فهو الذي يوفي أجره وفضله لعباده المؤمنين بغير حساب. ولا نظن أن مسلماً يجهل أن الريان باب من أبواب الجنة، باب عظيم أعده الله للصائمين. ولا نظن أن مسلماً يجهل أن هذا الشهر فيه ليلة خير من ألف شهر وهي ليلة القدر. ولا نظن أن مسلماً يجهل أن الجنة تتزين لعباد الله المؤمنين، والله جل وعلا يقول لجنته: (يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المئونة ويتحولوا إليك). ولا نظن أن مسلماً يجهل أنه إذا دخل شهر رمضان، أغلقت أبواب النيران، وفتحت أبواب الجنان، وصفدت مردة الشياطين، فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه من بني آدم فيما سلف من الزمان. فيا عباد الله: هذه أمور من الكتاب والسنة كلكم يعلمها، ولا نظن أن أحداً يجهلها، ولكن مع هذا كله لا نجد استجابة ولا نجد فرحاً أو نجد فرحاً يسيراً، والبعض قد يستقبل هذا الشهر وهو على كراهية وبغض لقدومه؛ لأنه يحرمه من ملذاته المحرمة وشهواته الباطلة. يا عباد الله: اعلموا أن المنة لله عليكم يوم أن شرع لكم في اليوم والأسبوع والسنة عبادات مختلفة تتقربوا بها إلى رضوانه؛ لكي تبلغوا أعلى الدرجات من جنانه، وإلا فإن الله غني عن العباد أجمعين، ما خلقكم ليستكثر بكم من قلة، وما خلقكم ليستعز بكم من ضعف: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [لقمان:٢٦].

стр. 457

وقفات مع استقبال الناس لشهر رمضان معاشر المسلمين: بعد هذا لنا وقفات مع أنفسنا ومع إخواننا وشبابنا ورجالنا؛ لكي ننظر حالنا في استقبال هذا الشهر الكريم، إن كنا نحب هذا الشهر ونصدق دعوى المحبة من غير خداع، فإن الذي يستقبل حبيبه يعد ما يناسبه ويقرب ما يليق به، ويجهز ما يناسبه من الأعمال والأقوال والأفعال، ومن كان يستقبل عدواً، أو يتربص ساخطاً أو شامتاً، فتراه لا يبالي على أي حال نزل، وعلى أي هيئة رحل.

стр. 458

وقفة مع الذين أعدوا الشاشات والأفلام لرمضان فمن الناس من زينوا أفلامهم وهيئوا أجهزتهم، وأعدوا موائدهم ليستقبلوا هذا الشهر بالسهر، ويستقبلوا نهاره بالنوم، هكذا أعدوا سلفاً مائدة استقباله. ومن الناس من حاسبوا أنفسهم قبل نزوله، وأعدوا أنفسهم تهيأً له، واستعدوا لاستقباله بكل ما يرضي الله جل وعلا، وكل عبادة تليق بهذا الشهر الكريم، فأول ذلك: الاحتساب في صيامه وقيامه. والاحتساب هو: فعل الشيء وقصد الأجر والثواب من عند الله جل وعلا فرحاً به وغبطة بنزوله، لا تبرماً أو إكراهاً أو في حال من الكراهية أثناء القيام بهذه العبادة، وهذا جلي من قوله ﷺ : (إيماناً واحتسابا) إيماناً أي: تصديقاً بفريضته، واحتساباً: أي: رغبة وطلباً وحباً واحتساباً للأجر والثواب من عند الله. لا كما يفعله بعض المسلمين في هذا الزمان، يؤدون كثيراً من العبادات أداء التخلص وليس أداء الاحتساب، فتجده يجعل نفسه أمام الأمر الواقع، فهو مضطر لا محالة لصيام هذا الشهر، ويتمنى لو لم ينزل به هذا الشهر، خلافاً لمن تراه يزيد في صدقاته وطاعاته؛ شكراً لله أن بلَّغه هذا الشهر، وأن جعله بنزول هذا الشهر من الأحياء الذين يدبون على وجه هذه الأرض؛ لكي يفوز مع الصائمين والقائمين بالأجر العظيم.

стр. 459

وقفة مع الذين يتعبدون بالصوم عبادة تخلص أيها الإخوة: عبادة التخلص ليست والله عبادة، بل هي ما يفعله بعض الناس إذ يجد ضغوطاً نفسية أو ضغوطاً اجتماعية فيضطر لأداء العبادة مع سائر الناس الذين يؤدونها، ويصعب عليه أن يخالفهم، وإن كان في حقيقة الأمر مؤمن بفريضته ووجوبه، لكنه يتمنى أن لو لم يبلغ هذا الشهر، ويتمنى أن لو لم يفرض هذا الشهر، ويتمنى أنه لم يحرم من الطعام أو الشراب، أو يتمنى أن لم يشرع القيام في هذا الشهر، فتراه يصوم وقد يقوم لأن الناس أمثاله يفعلون ذلك. فهذه عبادة تخلص وليست عبادة احتساب، ففرقوا في هذه المسألة فالفرق واضح، والبون شاسع، وشتان بين أجر هذا وأجر أو وزر ذاك، شتان بين من يصوم احتساباً وغبطة وفرحاً، وبين من يصوم كراهية، وإنما يصوم وقوفاً أمام الأمر الواقع، وإن كان التخلص أصبح السمة لبعض المسلمين في عباداتهم، فتراه يكبر في الصلاة ويركع ويرفع ويسجد ويسلم، لا يفقه ولا يدري، ولا يعي ولا يتدبر، ولا يخشع ولا يخضع في صلاته، فهذه عبادة تخلص، وليست عبادة لذة واجتهاد واحتساب إلى ما عند الله. كذلك الذين يصومون هذا الشهر في نوم طويل في النهار، مع ضياعٍ للمفروضات، وسهر عجيب بالليل مع جلوس أمام الأفلام والشاشات والمسلسلات وتتابع الحلقات، وهذا شأنهم، يعدون مائدة السحور ويتهيئون لمائدة الإفطار وما بينهما فهو نوم أو سهر على ما يسخط الله جل وعلا، والأعجب من ذلك -أيها الأحبة- أن بعضهم يمسك عما أباح الله ويفطر على ما حرمه الله جل وعلا. نعم. شرع الله أن نمسك عن المباحات كالنكاح والطعام والشراب وغير ذلك من سائر المفطرات، فالذين يصومون صوم التخلص يمسكون عن المباحات، لكنهم منذ أن يصبحون إلى أن يفطرون وهم على فطر ما انقطعت نفوسهم عن الإفطار على المحرمات خاصة بعد صلاة العصر، وليبلغ الشاهد الغائب ما نراه من خلو المساجد من الصائمين أين الصائمون؟ أين التالون لكتاب الله؟ أين المعتكفون؟ تجد كثيراً من المسلمين أمام الأفلام والمسلسلات والحلقات، أهذه عبادة؟ أهذه فرحة صائم ينتظر بعد لحظات أو سويعات أن يفرح فرحتين، فرحة فطره، وفرحة لقاء ربه؟ أهذه عبادة يا عباد الله من طلوع الشمس إلى زوالها أو إلى قرب العصر، والبعض تجده في نوم عميق وسبات وغطيط، فإذا صلى العصر في بيته أو مع الجماعة سحب أذيال الهزيمة بأقدام ثقيلة يعود إلى بيته لينظر هذه الأفلام والمسلسلات؟ ما هذا التناقض الذي يعيشه كثير من المسلمين في عبادتهم؟ أتصوم عما أباح الله من الطعام والشراب، وتفطر على ألوان صور النساء، وعلى مقاطع الموسيقى؟ أم تفطر على ما حرم الله جل وعلا؟ أي خداع نفسي نمارسه على نفوسنا؟ وأي غفلة نقع فيها؟ وأي استهتار؟ وأي تخلص من هذه العبادة نقضي به وقت الصيام على أي وجه كان، سواء على مرضاة الله أو على سخطه، على ما أحب أو ما شرع، على ما نهى أو ما زجر، لا والله بل إن الكثير منهم يقضون العبادة على ما زجر ونهى، ما الذي يبيح لك وأنت مفطر أو صائم أن تقلب عينيك في صورة امرأة؟ ما الذي يبيح لك وأنت مفطر أو صائم أن تتمتع جهلاً أو شيطنة بمقاطع الغناء واللهو؟ أتظن بعد هذا أن هذه عبادة ترفع؟ أم تظن أنك تنال بها أعلى الدرجات عند الله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ [الجاثية:٢١]؟ أيستوي أهل الطاعة وأهل المعصية، وإن كانوا مع أهل الطاعات في ظاهر شكلهم وألوانهم في وقت الإمساك ووقت الإفطار؟ حاسبوا أنفسكم -يا عباد الله- وقدموا أعمالاً ترجونها عند الله جل وعلا، فلو كنت مديراً عاماً، أو رئيساً لدائرة أو مسئولاً عن قسم، ثم تابعت موظفيك في عمل من الأعمال لتنظر تقارير إنجازهم وأعمالهم، ورأيت عملاً مختلطاً، وعملاً مرتجلاً، وعملاً مزيفاً، أو فيه زيادة ونقص، وفيه تقريب وإبعاد، وفيه ألوان مختلطة لرميت بتقريره في وجهه، وقلت: أهذا عمل يستحق الموظف عليه راتبه، أو يستحق أن يكون في شرف الخدمة المدنية، أو يستحق أن يكون من الذين يحسبون على الطاقات العاملة في المجتمع؟ فلله المثل الأعلى.

стр. 460

أمور لا تكون العبادة إلا بها عباد الله: انظروا ما تقدمون لربكم، انظروا ما ترفعون من أعمالكم بين يدي الله جل وعلا، أهي عبادة احتساب أم عبادة تخلص؟ والمؤسف أن التخلص أصبح سمة في كل أعمال كثير من المسلمين. أشاهد هذا بعيني في رمضان، وأشاهده في حج بيت الله الحرام، تجد الناس يطوفون كالمجانين، ويسعون ويرمون الجمرات كالمجانين، ويؤدون المناسك على حال عجيبة وغريبة، لا يستشعرون لذة النسك، ولا يستشعرون لذة المشاعر والمناسك، أين عبادة الرضا وعبادة الاحتساب والتقرب إلى الله جل وعلا؟ فتعبدوا إلى الله عبادة خالصة طيبة، واعلموا أن العبادة لا تكون عبادة إلا إذا تحقق فيها أمران: أولها: المحبة. وثانيها: الذلة. المحبة لله ولما شرع، والمحبة لعبادته، والمحبة له مع الذلة والانقياد. يقول ابن القيم في كافيته الشافية: وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان وعليهما فلك العبادة دائر ما دار حتى دارت الفلكان عباد الله: صوموا إلى الله صوم المحبين الخاضعين وتقربوا إلى الله تقرب المحبين الذليلين بين يديه؛ لكي تكون عبادة ترون أثرها في نفوسكم وسلوككم، قال ﷺ : (آمين آمين، قال الصحابة: من يا رسول الله؟ فذكر منها من دخل عليه شهر رمضان وخرج ولم يغفر له) فما أكثر من دخل عليه شهر رمضان وزادت معاصيهم؛ لأن المعصية تضاعف بشرف الزمان والمكان، فليس الذي يعصي الله في سائر الأيام كمن يعصي الله في رمضان، وليس الذي يعصي الله في سائر البقاع كمن يعصي الله في بيته الحرام: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 461

من يبني صومه على تربة هشة من المعاصي والذنوب الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً، الحمد لله ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء ربنا من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، الحمد لله الذي لا يحمد في كل حال سواه، الحمد لله الذي خلقنا من العدم، الحمد لله الذي هدانا للإسلام، الحمد لله الذي بلغنا هذا الشهر الكريم، الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مئوي، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة نرجو بها النجاة، شهادة الموحد له في ذاته وفي أسمائه وصفاته، شهادة الموحد له في ربوبيته وألوهيته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبة وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن وجوهكم الرقيقة وأبدانكم الضعيفة على وهج النار لا تقوى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار، عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة: ما تقولون في رجل أراد أن يبني بناية عظيمة فاختار أرضاً هشة، واختار تربة طينية، ثم بدأ في وضع بنائه، فلما استقام بناؤه، أخذ يجلب المواد اللازمة لإنشاء هذه البناية مواداً منتهية ومخلطة وسقيمة وضعيفة، أتظنون أن بناءً كهذا يثبت على الأرض؟ أم تظنون أن أعمدة لهذا البناء ترتفع شاهقة في السماء؟ لا والله، بل الذي نجزم به جمعياً أن بناءً كهذا ستسيخ قوائمه، وستغوص قواعده في الأرض، ثم يصبح مدفوناً، كذلك هذه الأعمدة الباسقة ستتحطم بعد أيام قليلة وستتهشم؛ لأن المواد التي أحضرت له مواد سيئة رديئة. فأسألكم الآن بالله ما تقولون فيمن أراد أن يبني عبادة الصوم على تربة هشة من المعاصي والسيئات، وسماع الغناء، وحلق اللحى، والإسبال وترك الأمور من غير غيرة لله ولرسوله، ومن ضياع لأسرته وقلة ذكرٍ لله وارتفاع لأصوات الشياطين في بيته، ثم يدخل رمضان ويظن أن واجبه أن يأتي بسيارة معبأة محملة بألوان الأطعمة ثم يفرغها في بيته يظن أن هذا واجبه؟ هكذا بدأ بناء الصيام والعبادة على تربة هشة من الأفلام والمسلسلات والحلقات المتتابعة، وألوان الغناء وأجهزة الطرب، وسفور وتبرج وإصرار على معصية الله جل وعلا حتى ولو في الصغائر. البعض يقول: ما هذا التشدد فيكم؟ ما هذا التعقيد فيكم؟! حديثكم عن حلق اللحى وحديثكم عن إسبال الثياب والغناء وكذا وكذا، نعم تكون هذا صغائر يوم أن يتوب الواحد منها، يوم ألا يصر عليها، لكن لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار، أليس من جرَّ ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة، وما أسفل من الكعبين ففي النار؟ أليس حلق اللحى من الأمور التي حرمها الله ورسوله ﷺ ؟ أليس سماع اللهو والملاهي وأصوات الشياطين من الأمور المحرمة ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان:٦] ليجعله مكان كلام الله جل وعلا؟ أليس هذا محرماً؟ ما تقولون فيمن اختار اللهو والغناء والطرب وفضله واشتاقه ومال إليه على كلام الله وكلام رسوله؟ أبعد هذا يكون الغناء محل خلاف؟ إن بعض الناس يقومون ببناء عبادة الصيام على هذه التربة الهشة والضعيفة من ألوان المعاصي والمحرمات والمنكرات في نفسه وسلوكه، وتجارته وأعماله وبيته، وفي زوجه وأولاده وبناته.

стр. 462

وقفات مع الأكل الحرام بعض الناس يأتي بألوان الأطعمة وألوان الأشربة لتكون زاداً في السحر والإفطار، من أين جاء بهذا المال؟ ومن أين استحق هذا المال؟ وما هو مصرف هذا المال؟

стр. 463

وقفة مع أصحاب الربا إن أقواماً وما أكثرهم في هذا الزمان! قد استحلوا الربا بأتفه الفتاوى، وبأتفه الآراء القبيحة السخيفة التي تبناها أقوام لا خلاق لهم في الدنيا ولا حظ لهم في الآخرة، فصاحوا أمام الناس وأخرجوا وسخهم وقذارة عقولهم ليقولوا: إن الربا الموجود الآن ليس هو الربا المحرم، فوقع في ذلك أقوام وأخذوا لا يتورعون عن الوقوع في الربا والأكل منه والاستثمار من خلاله. وإذا سئل أحدهم جعل وقايته من النار فلاناً أو علاناً، وما ينجيك فلان يوم أن تكب على وجهك في نار جهنم إن مت من غير توبة، وإن لم يرحمك الله بأوبة؟ عباد الله: إن أقواماً يعدون العدة لهذا الشهر بالسحر والإفطار والنفقة من الربا الذي درهمٌ منه أيسر عند الله من ستة وثلاثين زنيه يزنيها الرجل بأمة. الربا الذي توعد الله فاعله بحرب من الله ورسوله. الربا الذي لعن رسول الله ﷺ آكله وموكله وكاتبه وشاهديه، أبعد هذا يتجرأ مسلم على أن يطعم أولاده ويطعم زوجه وبنيه وبناته وينفق في هذا الشهر من الحرام.

стр. 464

وقفة مع صاحب الأفلام والتسجيلات الغنائية أما ماذا عن أصحاب الفيديو وأصحاب التسجيلات الغنائية؟ عجباً لأمرهم! والله تأملت حال عدد من أصحاب المحلات ورصدت أعمالهم فوجدت أمراً غريباً، إنهم لا يكسبون إلا الآثام والأوزار، تجد أحدهم واقف على طاولة الحساب عند بوابة المحل أو مقدمته، فإذا جمع غلة ذلك اليوم صرفها على فساق موظفيه من الوجوه الذين لا ترى واحداً منهم ساجداً لله أو راكعاً، وجوه قذرة ونتنه وباطلة، والله ما رأيت وجهاً يشرح الصدر في محلات الفيديو من الباعة أو من الموظفين، وأما المسكين صاحب المحل، ذلك المسكين الغرير فهو يجمع الغلة من هذه الغلة يسدد إيجاراً محرماً، ومن هذه الغلة يدفع راتباً على نشاط محرم، وهو العمل والتسجيل والتصوير لهذه الصور الخليعة المحرمة، وما بقي من الغلة التي يجنيها آخر النهار يسدد بها المراكز الكبيرة العظيمة أكبر مؤسسات إنتاج الأفلام والأشرطة، ثم يعود يسحب أذيال الخيبة والهزيمة ليعد بقية من دريهمات هي التي صفت له. مسكين ذلك الذي يتاجر بهذه الأفلام، تذهب غلته كلها جزء منها لموظفيه، وجزء في إيجاره، وجزء في مصارفه، وجزء للذين يمونونه بالأشرطة والأجهزة ويعود بقليل من الدريهمات ينفقها في حرام، ويلبس من حرام، ويصرف من حرام، ثم يرفع يديه مع المسلمين في رمضان يا رب! يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، وملبسه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له يا عباد الله! إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.

стр. 465

إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا عباد الله: ما شاعت فينا هذه الأمراض والمفاسد والمصائب، إلا يوم أن اختلطت اللقم بين الحلال والحرام، يوم أن نبتت الجسوم من الحلال والحرام، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فيا أيها الأحبة: أنبني عبادة على أرض هشة من المعاصي والسيئات، أم نتزود على عبادة بأموال محرمة؟ أدعوكم ونفسي إلى الأوبة الصادقة إلى الله جل وعلا، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩] والله جل وعلا يوم أن يذكر عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]. فباب التوبة مفتوح، ولا أقول لكم تقنيطاً أو لنيئس من رحمة الله ومن توبة الله علينا، لا والله، لكن إذا أردنا أن نضع الخطوة الأولى والقدم الأول في هذا الشهر الكريم، فلتكن بدايته التوبة، فلتكن انطلاقتها التوبة من كل ما حرم الله، ومن كل ما زجر عنه رسول الله، والبراءة من أموال الحرام، البراءة من أموال الفيديو المحرمة وأموال التسجيلات الخليعة المحرمة، وأموال الربا، والمكاسب المشبوهة. أسأل الله جل وعلا أن يجعل حظنا من صيامنا وقيامنا أوفر الدرجات من رضوانه، وأعلى الحظوظ في جنانه. اللهم اهد المسلمين أجمعين، اللهم تب علينا مع التائبين، اللهم اجعل هذا الشهر الكريم علينا توبة صادقة بين يديك يا رب العالمين. اللهم أنت ربنا لا إله إلا أنت ونحن عبيدك بنو عبيدك، نبوء لك بنعمك علينا، ونبوء بذنوبنا فاغفر لنا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، اللهم إنك كنت غفاراً فاغفر لنا يا رب العالمين. اللهم اغفر لنا إصرارنا وعلمنا وجهلنا وتفريطنا، وحوبنا، وتقصيرنا، وهزلنا وجدنا، وعمدنا وغفلتنا، وما أنت أعلم به منا. اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، اللهم حبب إلينا ما شرعت، وبارك لنا فيما أحللت، وكرهنا إلى ما حرمت يا رب العالمين. اللهم خذ بأيدينا واعصمنا عن الحرام ووفقنا إلى الحلال يا رب العالمين، اللهم لا تجعلنا من الذين لا حظ لهم من صومهم إلا الجوع والعطش، ولا حظ لهم من قيامهم إلا التعب والسهر، اللهم اجعل قبول وقدوم هذا الشهر علينا توبة صادقة منا إليك، وتوبة منة ورحمة منك علينا يا رب العالمين. اللهم اهد شبابنا ورجالنا وبناتنا وزوجاتنا، اللهم اهد أصحاب محلات الفيديو، اللهم امنن على قلوبهم بالتوبة، اللهم اهدهم يا رب العالمين. يا عباد الله: أمّنوا في هذه الساعة المباركة، والله ما قلنا ما قلناه فيهم إلا شفقة عليهم وعلينا من عذاب الله، وخوفاً علينا وعليهم من سخط الله، ومن دليل محبتنا وإشفاقنا عليهم أن ندعو الله لهم بالهداية، اللهم اهدهم، اللهم كرهم إلى هذه التجارة المحرمة، اللهم بغض هذه التجارة إلى قلوبهم وارزقهم البراءة منها وممن يعمل فيها يا رب العالمين، اللهم اهدهم وأبدلهم يا رب أرزاقاً مباركة وتجارة مشروعة، اللهم اهدهم. اللهم اهد أكلة الربا إلى الطريق المستقيم، اللهم كره إلينا وإليهم الربا، اللهم حبب إلى الجميع الإيمان وزينه في قلوبنا واجعلنا وإياهم من الراشدين، وكره إلينا وإليهم الكفر والفسوق والعصيان يا رب العالمين. اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على ما يرضيك يا رب العالمين، اللهم اهده وإخوانه وأعوانه، فبهدايتهم هدايتنا، اللهم أصلحه وأصلح إخوانه وأعوانه فبصلاحهم صلاحنا، اللهم فلا تفرح علينا ولا عليهم عدواً، ولا تشمت بنا ولا بهم حاسداً، وسخر اللهم لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، اللهم من أراد بهم سوءاً فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء. اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم وحد صفهم، اللهم اجمع شملهم، اللهم سدد رصاصهم، اللهم اجبر كسرهم، اللهم فك أسرهم، اللهم ارحم أيتامهم، اللهم تلطف بعجائزهم وشيوخهم، اللهم أبدل خوفهم أمناً، وفزعهم طمأنينة، وجوعهم شبعاً، وعطشهم رياً يا رب العالمين يا أرحم الراحمين. اللهم حرر المسجد الأقصى من اليهود، اللهم بارك في الانتفاضة المباركة في أرض فلسطين، اللهم اجعل أحجارهم قنابلاً في جماجم اليهود، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم انصرهم بنصرك فإن المسلمين لا يعلمون عنهم إلا القليل، اللهم انصر المجاهدين في مورو والفليبين، اللهم انصر المجاهدين في جميع أنحاء الأرض يا رب العالمين. اللهم صل على محمدٍ وآله وصحبه أجمعين.

стр. 466

العبادة الميسرة إن لكل مادة ما يحركها؛ فللسيارة وقودها المناسب، وللأبدان غذاؤها المناسب، وكذا للقلوب غذاؤها المناسب وهو الذكر. وقد تحدث الشيخ هنا عن فضل الذكر وأنه حياة القلوب وقد ذكر جملة من فوائد الذكر في الدنيا والآخرة، واستعرض مظاهر غفلة الناس عنه رغم أهميته لكل عبد، وهو رغم سهولته الأجر فيه عظيم والجزاء له جزيل، وقد تكلم أيضاً عن أنواع من الذكر وحثَّ السلف عليه

стр. 467

الذكر حياة القلوب إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه وعن الند وعن المثيل وعن النظير، ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: يا معاشر المؤمنين! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. معاشر المؤمنين: يقول الله جل وعلا: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥] ويقول جل شأنه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. أيها الأحبة في الله: لكل متحركٍ في هذا الزمان مادته ووقوده الذي يحركه، فمن رامَ تحريك الطائرات بالأحجار ما تحركت قيد أنملة، ومن رام تحريك السيارات بالرمال ما تحركت خطوة، ومن رامَ تحريك السفن بالأطعمة ما تحركت ميلاً، وكذلك الأبدان لو أراد رجلٌ أن يملأ البطون بالحجر أو بالرمل ما تحركت؛ لأن لها وقوداً ومادةً تحركها، فكذلك القلوب، لها مادةٌ لا تتحرك إلا بها؛ فإن وجدت تلك المادة تحركت هذه القلوب يقظةً وإنابةً وخوفاً وخشيةً ومراقبةً واستجابةً لأمر الله، وهي الملوك على الجوارح، فتكسب تلك الجوارح خضوعاً وطاعةً وامتثالاً لأوامر الله ورسوله ﷺ ، وإذا غذيت القلوب أو رامَ عبدٌ سقي قلبه بغير المادة التي يحيا بها القلب لم يفد ذلك الطعام، أو لم تزد تلك المادة القلب إلا خموداً ومرضاً وموتاً وهلاكاً. إن حياة القلوب ليست بالطعام، وليست بالشراب، وليست بالقيل والقال، وليست كما يظن بعض المنحرفين في هذا الزمان بالغناء والموسيقى بأنواعها الصاخبة والراقصة والهادئة، وإنما حياة القلوب ذكر الله جل وعلا، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:٢٨]. حياة القلوب، أن تذكر في ملأ الله الأعلى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] حياة القلوب أن تغشاها الملائكة، أن تحفها الملائكة، أن تغشاها السكينة، أن تتنزل عليها الرحمة (ما جلس قومٌ مجلساً يذكرون الله فيه، إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم السكينة، ونزلت عليهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده) حياة القلوب ذكر الله جل وعلا، أن يلهج اللسان بالذكر، وأن يستحضر القلب هذه المعاني، فلا تسل بعد ذلك عن إشراقة الوجه، وطمأنينة القلب، وهدوء البال، ولذة الحياة؛ لأن العبد بهذا يوافق مخلوقات الله في توجهها إلى الله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء:٤٤]. أيها الأحبة في الله: ربما وقفنا موقفاً رأينا رجلاً يسمى: (بلبل) -يعني يتحدث بلغاتٍ عديدة- يجيد لغة الألمان والإنجليز والروس وغيرهم، فنعجب به وننظر إليه، وتشتد غبطتنا له؛ فيما استطاع لسانه أن يجمع من ألوان مفردات هذه اللغة، ومعانيها وجملها وتراكيبها، لكن ما أقل ما غبطنا الذاكرين، إن الغبطة كل الغبطة أن تغبط ذاكراً لله في كل أحواله، أن تغبط عبداً يلهج لسانه بذكر الله جل وعلا، ولا يعني ذلك أن نحتقر من وجدناه يجيد لغاتٍ شتى، فذلك علم، وذلك فهم، وتلك منحة، ولكن غبطتنا بمن اشتغل لسانه بذكر الله، ينبغي أن تكون أضعاف أضعاف ما نحن عليه، يوم أن نغبط متحدثاً بمعلوماتٍ سياسيةٍ أو اقتصادية، أو مفرداتٍ لغوية، من لغاتِ شتى، فما هو الذكر يا عباد الله؟

стр. 468

المراد بالذكر الشرعي الذكر زاد المؤمنين وحياة الصالحين، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: والمراد بالذكر الإتيان بالألفاظ التي وردت ترغيباً في قولها والإكثار منها مثل الباقيات الصالحات، وهي: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والحسبلة، يعني: من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وبسم الله، وحسبنا الله، والاستغفار، -يعني وأستغفر الله- قال: ويطلق ذكر الله ويراد به المواظبة على العمل، بما أوجبه الله أو ندب إليه كتلاوة القرآن وقراءة الحديث ومدارسة العلم والتنفل بالصلاة. وقال معاذ بن جبل: [مذاكرة العلم تسبيح] وقال ابن مسعود ﵁: [ما دمت تذكر الله، فأنت في صلاةٍ وإن كنتَ في السوق] وقال سعيد بن جبير: [كل عاملٍ لله بطاعة، فهو ذاكرٌ لله] وقال عطاء ﵀: [مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح وتطلق، وتحج وأشباه هذا]. إذا تقرر هذا، أدركنا أن ذكر الله بألفاظٍ مخصوصة، ويدخل في ذكر الله الاشتغال بمعرفة الأحكام، والحلال والحرام، ومعرفة التفسير، ومعرفة السند والمتن والجرح والتعديل والرواية، فذلك داخلٌ في ذكر الله .

стр. 469

الذكر عند الصوفية أما الصوفية الذين ضلوا في هذا الباب ضلالاً بعيداً فلم يفقهوا أن الذكر داخلٌ في هذا، بل وعدوا الأذكار نوعين: ذكرٌ يفهمه العوام، وذكرٌ يختص بعلمه الخواص، فأما ذكر العوام فهو سائر الأذكار المشروعة، التي وردت في الكتاب والسنة، كقول: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، إلى غير ذلك يقولون: هذه أذكار العوام. أما أذكار الخواص فهي: إشراقاتٌ تتجلى على القلوب بنطق بعض عبارات الذكر يدرك الذاكر منها معانيَ لا يفهمه العوام، وهذا الكلام كله هرطقةٌ وخزعبلات، يظنون ويقولون ويجزمون بأن ذكر الخواص بدلاً من أن يقول الذاكر: لا إله إلا الله، أي يقول: وهو يهز برأسه يمنةً ويسرةً ويقدم ويؤخر برأسه أن يقول: الله الله الله، ويظن أن هذا من أعلى درجات الذكر!! عجباً لحثالةٍ في دبر هذا الزمان تظن أنها أدرى بالذكر ممن جاء به من ربه جل وعلا! عجباً لحثالةً في دبر القرون المتأخرة، تظن أنها أعلم بحقائق الذكر من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي! عجباً لحثالة الصوفية الذين اختصوا أنفسهم بما لم يختص به، أو بما لم يكن وليس في ذلك شرفٌ يخصون به، ولكنهم ادعوه بما لم يكن لأنبياء الله ورسله وأفضل خلقه من الصحابة والقرون المفضلة!! ذكر أن في أيام ولاية الأتراك على الحجاز أن الشريف عون كان في زمنه يجلس الصوفية في الحرم المكي الشريف، فيذكرون الله بهذه الأذكار، يذكرون ذكراً مبتدعاً وذكراً ممنوعاً لا مشروعاً، يقولون: الله الله الله هو هو هو فنهاهم شيخٌ من علماء نجد ﵀ رحمةً واسعة، فلما شق نهيه عليهم، وكثر إنكاره على فعلهم، شكوه إلى الشريف عون، فاستدعاه وطلبه، ولما مثل بين يديه قال: لماذا تنهى الناس أن يذكروا ربهم في بيت الله؟ فقال ذلك العالم الجليل: يا أيها الشريف! لو أن رجالاً جاءوا بين يديك واسمك عون، فقالوا: عو عو عو أترضى أن تنادى أو تذكر بهذا، قال: لا. قال: فكذلك الله، قد شرع لنا أن نذكره بأن نقول: لا إله إلا الله، فكيف نرضى أن يذكر ربنا بقولهم: هو هو ونحو ذلك؟!! فاقتنع الشريف بعد هذا، ومنع القوم من هذا النوع من الذكر، صدق الله العظيم: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠].

стр. 470

أكمل حالات الذكر الذكر أيها الأحبة: أكمل أحوال الذاكر فيه أن يكون العبد ذاكراً لله بلسانه، مستحضراً معنى الذكر بقلبه، فإذا انضاف إلى ذلك وقوع الذكر في عبادة، كصلاةٍ وجهادٍ وحجٍ وصيامٍ واعتكاف، كان الذكر في هذه الأحوال أكمل، ولو أن عامياً من العوام ذكر الله ذكراً لم يفقه معناه، فهو على أجرٍ عظيم، وخيرٍ عميم؛ لأن فضل الله واسع: ومن ذا يتحجر رحمة الله التي وسعت كل شيء. أيها الأحبة في الله: عجباً لنا كيف نحرم حظاً ورزقاً وفضلاً عظيماً من هذا الذكر وهو عبادةٌ أجرها عظيم، ومؤنتها يسيرة؟! الذاكر يذكر ربه باللسان، لو أردت أن تحرك يدك بعدد حركات لسانك في يومٍ وليلة لكلت وملت وسقطت يدك في نصف نهار أو نصف ليلة، أكثر أعضاء البدن حركةً هو اللسان، فلو أردت أن تذكر الله بيدك، أو تمشي بخطىً تمضي إليها، أو تفعل أفعالاً ببدنك لقصرت همتك وقوتك دون ذلك، أما حركات اللسان فكثيرةٌ كثيرةٌ جداً، فسبحان من يحصيها: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] وبإمكانك أن تذكر الله هذا الذكر العظيم، بأخف جارحة تحركها، وهي جارحة اللسان. كم يفوتنا من الأجر؟ -والله- لو عدت كلماتنا في القيل والقال، والمال والسؤال، والعيال والأحوال، لوجدناها ملايين الكلمات، ولو نسبنا مقدار ذكرنا لله إلى اشتغالنا بتلك الأحوال لما وجدنا الذكر بالنسبة لها إلا شيئاً يسيراً يسيراً، كم فاتنا من الأجر؟ كم فاتنا من الخير؟ كم فاتنا من الفضل؟ وسنقدم جميعاً حال نزع الروح ثم فراقها إلى دار جزاءٍ وليست بدار عمل، نتمنى لو ينشق القبر عنا لحظة، لنقول: لا إله إلا الله، لنقول: سبحان الله، أو نقول: الحمد لله. فالذكر من أيسر العبادات، وأجلها وأفضلها، وحركة اللسان أخف حركات الجوارح، ولو تحرك عضواً من أعضاء البدن في اليوم والليلة بقدر حركات اللسان لشق على البدن ذلك غاية المشقة، بل لا يستطيع ذلك ألبتة، فالذكر يسير، ومن دلائل يسره: أن كثيراً من العبادات لا تستطيع أداءها إلا على هيئة مخصوصةٍ وحالٍ مخصوصة، أما الذكر فلك أن تذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً وعلى جنبك وذاهباً وآيباً، وراكباً وغادياً، وراحلاً وحالاً، ومتنقلاً ومسافراًَ، الذكر عبادة، تستطيع أن تؤديها وأن تقوم بها في كل آنائك وفي كل أحوالك وذلك فضل الله، وذلك خيرٌ من الله لهذه الأمة وهو مشروعٌ لسائر الأمم قبلنا، ولكن كثيراً من الناس عن فضل الله غافلون.

стр. 471

دلائل فضل الذكر أيها الأحبة في الله: ومن دلائل فضل الله بهذا الذكر، وأن الله يعطي الثواب الجزيل على العمل القليل: عبادة الأذكار، فأنت تقول: الحمد لله، فتكتب لك ثلاثون حسنة، أي جهدٍ أي مشقة؟ أي كلمة؟ أي عناءٍ تعبت فيه وأنت تقول: الحمد لله؟ هذا فيه دلالة على أن الله جواد كريم مفضال، وأن الله ليس بحاجة إلى أعمال العباد، فلو كان الله بحاجة أعمالهم لكان أعلى العبادات أجراً أعلاها كلفة ومشقة ومئونة، فأنت ترى الذكر عبادةً يسيرة عليها فضلٌ عظيم. قال العز بن عبد السلام ﵀: وفي هذا أن الثواب لا يترتب على شكل العمل أو هيئته، قال ربنا جل وعلا: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥]. فمن هم الذاكرون؟ علنا أن نكون منهم! ومن هنّ الذاكرات؟ علّ بناتنا ونساءنا وأزواجنا يكنّ منهن، قال ابن عباس ﵄: [يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً وفي المضاجع، وكلما استيقظ من نومه وغدا أو راح من منزله ذكر الله] وقال مجاهد: [حتى يذكر الله قائماً وقاعداً] وقال ابن الصلاح: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساءً في الأوقات والأحوال المختلفة ليلاً ونهاراً، كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات. ولكن اعلم أنك تنال هذا الأجر بعبادةٍ يسيرةٍ أيضاً، ففي الحديث الذي يرويه أبو هريرة ﵁، قال ﷺ (إذا أيقظ الرجل أهله، فصليا من الليل جميعاً، كتبا في الذاكرين الله كثيراً والذاكرات) رواه أبو داود والنسائي والحديث صحيح. والذكر أيها الأحبة! فضله عظيمٌ عظيم جداً، ففي هذا الحديث تعلمون قيمة ما تذكرون بألسنتكم من فضل الله ونعم الله وآلاء الله، وقيمة ما تسألون به الله جل وعلا. عن معاذ بن جبل ﵁، قال: قال ﷺ : (ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند ملككم وأرفعها في درجاتكم، وخيرٌ لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخيرٌ لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله) رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة، والحديث صحيح. وفي هذا الذكر -كما مر معنا-: أن يكون العبد دائماً في ملأ الله الأعلى، يدل عليه حديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ على حلقةٍ من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنّ به علينا، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟! قالوا: -والله- ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمةً لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم ملائكته) رواه الإمام مسلم. وعن معاذ بن جبل ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (ما عمل ابن آدم عملاً أنجى له من عذاب الله، من ذكر الله جل وعلا) رواه الإمام أحمد والحديث صحيح.

стр. 472

عظم منزلة الذكر في الشرع أيها الأحبة: وحسبكم دلالةً وبياناً على أن الذكر عبادةٌ عظيمة: أن كل عبادةٍ مربوطةٌ بالذكر بعد الفراغ منها، فالصلاة ذكرٌ وعبادة ثم يشرع بعدها ذكر الله، والحج توحيدٌ وذكر، ثم بعده يشرع ذكر الله، والصيام عبادة، ويشرع بعده ذكر الله، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:٢٠٠] وقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٠٣] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال:٤٥] ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٨٥]. فمن دلائل أن هذا الذكر عظيم: أن العبادة ذات العبادة تختم بعد ذلك وتتوج بذكر الله جل وعلا، وحسبكم يا معاشر المؤمنين! في ذكر الله علواً وعبادةً جليلةً أن كل عبادةٍ تنقطع في الجنة إلا عبادة الذكر فهي باقية!! ليس في الجنة صيام، وليس في الجنة صلاة، وليس في الجنة جهاد، ولكن في الجنة ذكرٌ لله؛ فالتكاليف الشرعية في الدنيا تنقطع عن العباد في الآخرة، إلا ذكر الله فهي باقية، ولكنها باقيةٌ على وجه الكرامة والتشريف، وليست على وجه التكليف. قال العلامة ابن القيم ﵀ في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح: فصلٌ في ارتفاع العبادات في الجنة إلا عبادة الذكر فإنها دائمة: دل على ذلك حديث مسلم في صحيحه، من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (قال ﷺ : يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتمخطون، ولا يتغوطون، ولا يبولون، ويكون طعامهم ذلك جشاءً ورشحاً كرشح المسك، يلهمون التسبيح والحمد كما يلهمون النَّفس) وفي رواية: (يلهمون التسبيح والتكبير، كما تلهمون أنتم هذه الأنفاس) أي: يلهمون تسبيحهم وتحميدهم يجري مع الأنفاس. الله أكبر: كل عبادةٍ في الجنة ترتفع إلا عبادة ذكر الله، ما ذاك إلا لفضلها، وعظمها وشرفها وعلو منزلتها، فهنيئاً للذاكرين: عطايانا سحائب مرسلاتٍ ولكن ما وجدنا السائلينا وكل طريقنا نورٌ ونورٌ ولكن ما رأينا السالكينا

стр. 473

ما يتركه الذكر من أثر في قلب الذاكر وذكر الله أيها الأحبة! يكسبُ العبد خوفاً وإنابةً وخشيةً ورجوعاً إلى الله، فأنت حينما تقول لرجلٍ غافل: اتق الله، أخوفك بالله، أدعو عليك، أفعل بك، فإنه لا يأبه بك، ولكن يوم أن تقول لرجلٍ ذكّارٍ شكار ذاكرٍ شاكر: اتق الله يوم تلقى الله؛ يضطرب ويهتز ويراجع نفسه ألف مرة حتى وإن لم يظهر على لسانه علامات الرجوع أو التراجع. هذا كان جلياً واضحاً في سلف الأمة، وخلفائها الراشدين، والمقامُ يضيق بالأمثلة، وحسبكم مثالاً واحداً على أن الذكر يكسب أصحابه الخوف والخشية من الله. جاء أعرابيٌ إلى عمر بن الخطاب رضي الله، وكان ذلك الأعرابي فقيراً ذا متربة، مسكيناً لا يجد شيئاً، فلما قدم الأعرابي على عمر، قال: يا عمر الخير جزيت الجنه اكسو بنياتي وأمهنه وكن لنا في الزمان جنة أقسم بالله لتفعلنه فقال عمر ﵁: [وإن لم أفعل يا أعرابي يكون ماذا؟!] فقال الأعرابي: إذاً أبا حفص لأمضينه فقال عمر: وإن مضيت فماذا يكون؟ فالتفت الأعرابي إلى عمر رضي الله وقال: يا عمر: إذاً والله عنهنّ لتسألنه يوم تكون الأعطيات مِنه وموقف المسئول بينهنه إما إلى نارٍ وإما جنه فبكى عمر حتى بلَّ دمعه لحيته، واضطرب من هذا الكلام، خوف بالآخرة، فدخل داره يصول ويجول، يبحث عن طعام أو صدقةٍ يعطيها هذا الأعرابي فلم يجد، فعاد إليه ونزع رداءه وقميصه وقال يا إعرابي! خذ: هذا ليومٍ تكون الأعطيات فيه منة وموقف المسئول بينهنه إما إلى نارٍ وإما جنه لو قيل هذا الكلام لمن لا يذكر الله، أو ليس لله في قلبه وقار: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح:١٣] لقال: اذهب، ولو خوف بالسؤال لقال: أنا مستعدٌ للجواب، ولو قيل له ما قيل، لرد بكل إجابةً باردة، أما الذين يخافون الله جل وعلا، فإذا خوفوا بالله خافوا. كان عمر: إذا قيل له اتق الله، اضطرب وبكى وعرفت الخشية في وجهه رضوان الله عليه.

стр. 474

فوائد الذكر ذكر الله مرضاة لله جل وعلا، مطردةٌ للشيطان؛ لأن الشيطان خناسٌ عند ذكر الله، وذكر الله مزيلٌ للهموم والغموم، وذكر الله سببٌ للفرج: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤]. وذكر الله يحط من الخطايا وينجي من عذاب الله، وهو غراس الجنة، وذكر الله اشتغالٌ اللسان بالطاعة عن المعصية، وسببٌ لنزول السكينة وغشيان الرحمة، وأمانٌ للعبد من الحسرة يوم القيامة، قال ﷺ : (ما جلس قومٌ مجلساً لم يذكروا الله فيه؛ إلا كان عليهم ترة يوم القيامة). والذاكر يعطى باشتغاله بالذكر أكثر مما يعطاه السائل باشتغاله في المسألة، والذكر يعطي قوة بإذن الله، وفيه الاقتداء برسول الله ﷺ .

стр. 475

الذكر يعطي قوة في البدن أما أن الذكر يعطي قوة فيدل عليه هذا الحديث: فلقد علم علي بن أبي طالب وفاطمة ﵄: أن رسول الله ﷺ ، جيء إليه بأعبد -بسبي- فقال علي: يا فاطمة! قد تعب صدري من نزح الماء من البئر، قالت فاطمة: -والله- يا علي! وأنا مجلت يداي من الرحى، فقال علي: هلا ذهبتِ إلى أبيك فسألتيه لنا خادماً فإني سمعتُ أن أعبداً أو سبياً جيء به إليه ﷺ ، فذهبت فاطمة، فلما دخلت على أبيها وحبيبنا ﷺ خجلت واستحت -يعيش المرء ما استحيا بخيرٍ- ثم عادت أدراجها. فلما عادت إلى علي ﵁ قال علي: ما فعلتِ يا فاطمة؟ قالت هبتُ واستحيت أن أسأل أبي، فذكر لها مثل ما ذكر الأولى، فعادت إلى النبي ﷺ ، فلما جاءت بين يديه، قالت: يا رسول الله! علي يشكو ما به من نزح الماء من البئر -يسني على صدره- وأنا مجلت يداي من الرحى وقد سمعنا أن أعبداً جيء بهم إليك، فأخدمنا خادماً يا رسول الله! فالتفت ﷺ ، قال: يا فاطمة! والله لا أعطيكِ وفقراء الصفة جياع، ولكن أبيع هؤلاء الأعبد، فأنفق على جياع أهل الصفة، فإن فضل من المال شيء أعطيتكم وأعطيتُ غيركم. فعادت فاطمة مرةً أخرى أدراجها تمشي القهقري إلى بيتها، فلما قدمت إلى علي يظن أن الخادم يتبعها أو في إثرها، فلم يرَ شيئاً، فانضم الحبيبان إلى بعضهما وأويا إلى فراشهما، ولما جن الليل خرج ﷺ يمشي إليهما، وفي نفسه ﷺ من الأثر أبلغ مما في نفس فاطمة كيف لا وهي حبيبته وسيدة نساء أهل الجنة؟ فدخل عليهما فوجدهما ملتحفين في فراشٍ واحدٍ قد بدت رجلاهما من قصر الفراش، وقد غطيا رأسيهما وبدت رجلاهما. فجاء النبي ﷺ وجلس بينهما، قال علي: فوجدت برد يدي النبي ﷺ على بطني أو فخذي، فقال ﷺ : (أفلا أدلكما على ما هو خيرٌ لكما من خادمٍ وخادمة؟ تسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمدا الله ثلاثاً وثلاثين، وتكبرا الله أربعا وثلاثين، فذلك خيرٌ لكما من خادمٍ وخادمة). قال علي: [فكنت أجد فيها قوة وما تركتها أبداً]. قيل للإمام علي ﵁: حتى ليلة صفين؟ قال: [حتى ليلة صفين ما تركتها وما شغلت عنها].

стр. 476

حث السلف على الذكر كان السلف رضوان الله عليهم يعلمون أن الذكر سبب قوتهم، يعلمون أن الذكر سبب صمودهم بعد رحمة الله وتثبيته. قال ابن القيم: وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية: مرةً صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب انتصاف النهار، ثم التفت إليّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد هذا الغداء لسقطت قوتي. وقال عمر بن الخطاب ﵁: [عليكم بذكر الله، فإنه شفاء، ذكر الله دواء، ذكر الله قوة]. قال عمر: [وإياكم وذكر الناس فإن ذكر الناس داء]. وقال عبيد بن عمير: [إن أعظمكم هذا الليل -يعني إن عجزتم وقصِرتُم وقصَّرتم دون اغتنام هذا الليل وما فيه من البركات في الأسحار- إن أعظمكم هذا الليل أن تكابدوه، وبخلتم على المال أن تنفقوه وجبنتم عن العدو أن تقاتلوه، فأكثروا من ذكر الله ]. وقال الربيع بن أنس عن بعض أصحابه: [علامة حب الله كثرة ذكره، فإنك لم تحب شيئاً إلا أكثرت ذكره] وهذا مشاهدٌ في بشر هذا الزمان وفي كل زمان، فإن من أحب شيئاً أكثر ذكره. من أحب الأسهم والسندات أشغل الناس في المجالس بالحديث عنها، ومن أحب العملة أشغل الناس بالحديث عن الدولار والين، ومن أحب العقار أشغل الناس في المجالس بالحديث عن الأسعار والأمتار، ومن أحب المزارع أشغل الناس عن الأدوات الزراعية والسؤال عنها، ومن أحب ربه يقين المحبة لم يفتر لسانه وقلبه عن ذكر الله جل وعلا. أيها الأحبة في الله: ولا يقولنّ عبدٌ ليتذرع أو يترك الذكر في حالٍ ليظن أن الذكر لا يكون إلا على طهارة، فللعبد أن يذكر الله جل وعلا كما قال النووي ﵀: أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمحدث والجنب والحائض والنفساء. فإن بعض الناس إذا أجنب لم يذكر الله، وبعض النساء إذا كانت في حيضٍ لم تذكر الله، وذلك جهلٌ وخطأ، فللعبد أن يذكر الله سواء إن كان محدثاً وجنباً أو كانت المرأة حائضاً ونفساء، وذلك في التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ إلا قراءة القرآن، وقال ﵀: يجوز للجنب والحائض أن يقول عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون، لا يقصد بها القرآن، ويقول عند ركوب الدابة: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، أو يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة إذا لم يقصد القرآن، وإذا سلم على الذاكر استحب له الرد، وإذا عطس عنده أحدٌ شمته، ثم عاد إلى ذكره، وإذا سمع المؤذن قطع ذكره وعاد إلى إجابة المؤذن. أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الذاكرين الله كثيراً، وأن يجعل أهلينا من الذاكرات، نسأله سبحانه أن يهدي قلوبنا وألسنتنا إلى الاشتغال بذكره. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 477

ذكر طرف من أنواع الذكر الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلاله، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ؛ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.

стр. 478

قول العبد: (الحمد لله) أيها الأحبة: اسمعوا طرفاً وشيئاً من الأذكار السهلة الهينة اليسيرة على الألسنة، والتي رتب عليها الأجور العظيمة بإذن الله وفضله ومنَّه، فكلمة (الحمد لله) قال ﷺ : (الحمد لله تملأ الميزان) وقال ﷺ : (من قال: الحمد لله رب العالمين من قبل نفسه كتبت له ثلاثون حسنة، وحط عنه ثلاثون خطيئة) وكذلك كما قال ﷺ : (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها) رواه مسلم. وفي الحديث: (أفضل عباد الله يوم القيامة الحمادون) أي: الذين يكثرون حمد الله جل وعلا. وإن مما ينبغي أن نتوقف عنده قليلاً عند حديث: (إن الله ليرضى على العبد) أي يأكل الأكلة فيحمده عليها، في مناسبات الأفراح وفي قصور الأفراح إذا دُعي الزوار إلى صالة الطعام أول ما يضعون أيديهم على صحون الأطعمة يسمعون صوت الغناء من النساء بالمكبرات، فكيف يجتمع شكر الله على هذه النعم والموائد الطويلة، وكيف يليق بالقوم أن يتقلبوا في نعم الله بألوان المآكل والمشارب وهم أول ما يضعون أيديهم بعضهم يقول: باسم الله! وفي الصالة المجاورة بصوتٍ مسموع يسمع صوت الغناء، وبعض النساء يستخدمن مكبرات الصوت، ولا تكف الدفوف عن الضرب، ناهيك عما قد يدخل من أجهزةٍ ومسجلاتٍ وموسيقى وغير ذلك!! فهل يليق أن يكون المدعوون مشتغلين على هذه النعم يأكلون منها وواجبهم حالها أن يشكروا الله ويحمدوه في الوقت الذي يسمع فيه صوت النساء بالمكبرات؟! هل هذا من شكر الله؟! هل هذا من الثناء على الله بنعمه؟! هل هذا من القيام بشكر الله؟! لذا فإننا نوصي أنفسنا حال ما نكون مسئولين عن أي مناسبةٍ أو دعوة، أن نمنع النساء من ضرب الدفّ إلا بعد خروج الرجال من صالة الطعام! ونقول: الدف المشروع منه والمسموح منه بنص الشرع، أما ما يحصل في كثيرٍ من الصالات من سماعات ومكبرات وآلات أو موسيقى أو أغانٍ فيها غزل وفيها تشبيب، وفيها ما فيها من الكلام الذي يهيج النساء بعضهن على شهوة، وبعضهم على فاحشة، وبعضهن على فتنة، فهذا لا يجوز ألبتة، حتى لو لم يكن معه إلا الدف وحده هذا أولاًّّ!! الثاني: أن نتناصح: فإذا نزلنا مقاماً أن نتناصح فيه، ونقول لصاحب الوليمة: نحن على نعمةٍ من نعم الله، وموائدٍ لا يحدها البصر، فواجبك أن تمنع النساء من الدف ورفع الأصوات حتى ننتهي من نعمة الله، حتى نسمي الله، ونأكل ونحمد الله، ونقوم عن هذه المائدة، وقد شكرنا الله جل وعلا، ثم حينئذٍ يضربن ما شرع أو سمح لهن من الدف. الثالثة: نوجهها إلى هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي سلطةٌ قادرة أن تعمم على جميع قصور الأفراح ألا يبدأ بالدف حال وجود الرجال في صالة الطعام، وألا ترتفع أصوات النساء بالأهازيج أو بالدف أو النشيد إلا إذا خرج القوم وقد انتهوا من الأكل والشرب؛ حتى لا نتهاون بالنعم ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل:١١٢] تهاونت، وبطرت، وعبثت، لم ترع للنعمة حقها؛ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف وذكر الجوع والخوف بصيغة اللباس، فُصل الجوع كما تفصل الملابس، وفُصل الخوف كما تفصل الملابس، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، نحنُ على خطر إن لم نشكر هذه النعمة: إذا كنتَ في نعمةٍ فارعها فإن المعاصي تزيل النعم وداوم عليها بشكر الإله فإن الإله سريع النقم

стр. 479

قول العبد: (سبحان الله) وأما كلمة (سبحان الله) ففضلها عظيم، وأمر الله بها فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٤١] وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الأحزاب:٤٢] وقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِبْكَارِ﴾ [غافر:٥٥] وقال ﷺ : (من قال: سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرة، حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) متفقٌ عليه، وقال ﷺ : (أيعجز أحدكم أن يكسب كل يومٍ ألف حسنة، فقال سائلٌ من الجلساء كيف يكسب أحدنا ألف حسنة، قال: يسبح مائة تسبيحه فتكتب له ألف حسنة، أو يحطّ عنه ألف خطيئة) وقول النبي ﷺ : (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم). والله ربما جلسنا في الجدال والمراء والحوار والأخذ والرد والقصص والحكايات والروايات ساعاتٍ طوال، فإذا قيل لأحدنا نمكث نذكر الله بعد الصلاة ربع ساعة، أو عشر دقائق، قال: إني مشغول. لا تذكر الأشغال إلا دبر الصلاة، لا تذكر الأعمال إلا حال استحضار الذكر أو عند هم العبد به، أما يوم أن تغفل النفس فلكثيرٍ من الناس قدرة أن يملأ أشرطة مئات الساعات قيلاً وقالاً دون ذكر الله جل وعلا.

стр. 480

فضل الاستغفار وأما الاستغفار فمن ذكر الله وفضله عظيم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:١١٠]. ما أكثر ما نذنب، وما أكثر ما نزِل، وما أكثر ما نخطئ، فهل نلحق كل ذنبٍ استغفاراً، وهل نلحق كل سيئةٍ حسنة، وهل نتبع كل خطيئة صالحة، إذاً والله بمنٍ من الله، نقدم على الله من الذنوب على خفةٍ من غير ثقل. قال ﷺ : (إن الشيطان قال: يا رب! وعزتك لا أبرح أغوي عبادك، ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال ربنا جل وعلا، وعزتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني) وقال ﷺ : (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب) رواه أبو داود وابن ماجة.

стр. 481

الصلاة على النبي ﵊ والصلاة على النبي ﷺ من ذكر الله ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] قال ﷺ : (أتاني آتٍ من ربي فقال: من صلى عليك من أمتك صلاةً كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، ورد عليه مثلها) والحديث صحيح.

стр. 482

الباقيات الصالحات والأذكار أيها الأحبة كثيرةٌ، فمنها: الباقيات الصالحات: سبحان الله وبحمده، سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وهي ذكرٌ عظيمٌ قال فيه ﷺ : (إن الله اصطفى من الكلام أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فمن قال: سبحان الله، كتبت له عشرون حسنة، وحطت عنه عشرون سيئة، ومن قال: الله أكبر، كتب له مثل ذلك، ومن قال: لا إله إلا الله، كتب له مثل ذلك، ومن قال: الحمد لله رب العالمين، من قبل نفسه، كتب له ثلاثون حسنة، وحط عنه ثلاثون خطيئة) حديثٌ صحيح. وقال ﷺ : (خذوا جنتكم -خذوا دروعاً خذوا وقايةً خذوا حصانةً من النار- خذوا جنتكم من النار قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ فإنهن يأتين يوم القيامة مقدماتٍ ومعقباتٍ ومجنبات وهن الباقيات الصالحات) حديثٌ صحيح. وفضل التهليل والتكبير كثير، فقد قال ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيٍ قدير، في يومٍ مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب -يعني كأنما أعتق عشرة أعبد- وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت حرزاً من الشيطان يومه ذلك، حتى يمسي ولم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا رجلٌ عمل أكثر من ذلك) متفق عليه.

стр. 483

الذكر في كل وقت وحين قال سماحة الإمام العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله: ويشرع لكل مسلمٍ ومسلمة أن يقول هذا في صباح كل يوم؛ حتى يكون حرزاً له من الشيطان، فلنداوم على الأذكار، ولنحرص عليها ولا نعرضها بتهاونٍ أو بأعمالٍ أو أشغال. قال النووي ﵀: ينبغي لمن كان له وظيفةٌ من الذكر في وقتٍ من ليلٍ أو نهار، أو عقب صلاةٍ أو حالةٍ من الأحوال، ففاتته أين يتداركها، وأن يأتي بها إذا تمكن منها ولا يهملها، فإنه إذا اعتاد الملازمة عليها لم يعرضها للتفويت، وإذا تساهل في قضائها سهل عليه تضييعها في وقتها، والاقتصار على الوارد المأثور الثابت الصحيح عن النبي ﷺ فيه غنيةٌ وبركة. قال ابن سعدي ﵀: وكن ذاكراً لله في كل حالةٍ فليس لذكر الله وقتٌ مقيدٌ فقد أخبر المختار يوماً لصحبه بأن كثير الذكر في السبق مفردُ وأخبر أن الذكر غرسٌ لأهله بجناتٍ عدنٍ والمساكن تمهدُ وأخبر أن الذكر يبقى بجنةٍ وينقطع التكليف حين يخلدُ وينهى الفتى عن غيبةٍ ونميمةٍ وعن كل قولٍ للديانة مفسدُ ولكننا من جهلنا قل ذكرنا كما قلّ منا للإله التعبدُ أسأل الله جل وعلا أن يمنّ علينا بذكره، وأن يكرمنا بشكره، وأن يجعلنا من الذاكرين الله كثيراً، وأن يجعل أهلينا من الذاكرات. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء! اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمامنا، اللهم اهد إمامنا اللهم أصلح بطانته واجمع شمله وإخوانه وأعوانه على ما يرضيك يا رب العالمين! اللهم سدد أهل الشورى، وارزقهم مراقبتك في القول وفي السر وفي العلن، اللهم سدد أهل الشورى، وارزقهم مراقبتك وخشيتك، اللهم اهد ضالهم، وثبت صالحهم، وأعن عالمهم، ووفق مجتهدهم، وأخلص أقوالهم، وسدد رأيهم يا رب العالمين، اللهم اجعلهم عوناً للإسلام والمسلمين، اللهم اجعلهم عوناً على ما ينفع الأمة في دينها ودنياها، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم احفظ علماءنا ودعاتنا وحكامنا واجمع شملنا ولا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً يا رب العالمين! اللهم انصر المسلمين في البوسنة والهرسك، اللهم انصر المسلمين في أورومو والفليبين وفلسطين، اللهم رد المبعدين إلى فلسطين، اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم ارحم المستضعفين في كشمير، اللهم عليك بالصرب والهندوس واليهود ومن وافقهم وشايعهم، اللهم أحصهم عدداً واجعلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم أرسل عليهم طيراً أبابيل، وانتقم للأطفال الرضع والعجائز والشيوخ والأبرياء العزل، اللهم انتقم لهؤلاء منهم يا رب العالمين! اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته يا كريم الفضل! اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته يا قديم الإحسان! اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا حاجةً إلا قضيتها، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا متزوجاً إلا ذريةً صالحة وهبته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا ضالاً إلا هديته، اللهم اهد شبابنا، واستر بناتنا، وأصلح زوجاتنا، وثبتنا على طاعتك إلى أن نلقاك، اللهم نشكو إليك كثرة الذنوب والمعاصي وقسوة القلوب، وهوىً مطاعاً، وشحاً متبعاً، ودنياً مُؤْثرة، اللهم حبب إلينا طاعتك وبغض في نفوسنا معصيتك، واهدنا إلى ما يرضيك يا رب العالمين! اللهم صلِّ على محمدٍ وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 484

المرأة المظلومة تلبيس الحق بالباطل فتنة، واتباع الهوى فتنة، وما أكثر الفتن هذه الأيام! ومن أعجب الأشياء أن تدعى المرأة المسلمة إلى حرية زائفة، وهي في الإسلام تتبوأ مكانة لم تكن لها قبله ولن تكون بعده!! وكثيرة هي خطط الأعداء التي تستهدف المرأة ومجتمعها، وهنا تجلية لزورها، وكشف لمستورها، وردود على من يحاول إضفاء الشرعية عليها، وتحذيرات مهمة للمرأة المسلمة.

стр. 485

التزيين والتلبيس في قضية المرأة الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. معاشر المؤمنين! إن من أعظم الفتن التي يفتن بها الشيطان العباد فتنة التزيين ولبس الحق بالباطل واتباع الهوى، ولقد وقع في هذا الشرك الخطير كثير من الناس، وبخاصة في زماننا هذا، زمان الفتن التي تموج موج البحر، زمان الخداع والنفاق والدجل والرياء، التبس الحق بالباطل، والعلم بالجهل، وضلل كثير من الناس، وتمكن الشيطان منهم، وتعاون شياطين الجن والأنس ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام:١١٢]. تعاونوا في وضع هذا التلبيس في قوالب من الأقوال مزخرفة، وألفاظ خادعة، وتسميات للأشياء بغير مسمياتها، وتبرير للمواقف الخاطئة المخالفة للشريعة، وما ذلك إلا بسبب استيلاء الهوى على النفوس، وسيطرة الشهوات على القلوب، وإننا ونحن نرى ونسمع ونقرأ كثيراً من المغالطات والخداع، والحيل المحرمة المفتراة على شرع الله ، ليتوجب علينا أن نتواصى بالتناهي عن هذه الأساليب الماكرة، التي يستخدمها أهل الأهواء ليشككوا الناس في دينهم وشريعتهم، بتحريفهم الكلم عن مواضعه. نعم أيها المسلمون! ظهرت وسائل ماكرة ومضللة، لبست على الناس دينهم، وخلطت الحق بالباطل، بل وصل الأمر لدرجة قلب الحقائق، وإظهار الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وذلك في قضايا عديدة ومن بينها قضية المرأة، فكان لا بد من إزالة هذا اللبس، وكان لا بد من إحقاق الحق وإبطال الباطل بقدر الجهد المستطاع، والله المستعان على ما ترون وتسمعون.

стр. 486

مكانة المرأة في الإٍسلام أيها المسلمون! لقد حظيت المرأة بجانب عظيم في هذا الدين، حيث أعزها الله سبحانه بكرامة وعزة ما لها مثيل في سائر الأمم وفي سائر الحقب، لقد جاء الإسلام والمرأة مهضومة الحقوق، مهيضة الجناح، مسلوبة الكرامة، مهانة مزدراة، فرفع الإسلام مكانتها، وأعاد لها كرامتها وأنصفها، فمنحها حقوقها، وألغى كل ظلم وقع عليها، واعتبرها شقيقة للرجل، شريكة له في الحياة. كما ضمن لها الإسلام الكرامة الإنسانية والحرية الشرعية، والأعمال التي تتفق مع طبيعتها وأنوثتها، فيما لا يخالف نصاً من كتاب أو سنة، ولا يعارض قاعدة أو مقصداً من مقاصد الشريعة في محيط نسائي مصون، ولقد رتب الإسلام لها حقوقاً لم تبلغها قبله، ولن تنالها بعده، كان ذلك بغير نضال ولا صيحات ولا مطالبات ولا مؤتمرات ولا قرارات، لكنها شريعة الله التي تعطي كل ذي حق حقه، بغير نقص ولا هضم. هذه الحقوق تصون المرأة وتحميها، وترتفع بها إلى قمة التكريم، فتمنحها الشعور بالطمأنينة والرفعة: فهي أم، الجنة تحت أقدامها. وهي أخت، مصونة الكرامة. وهي بنت، درة مكنونة. وهي زوجة، تستحق الرعاية والتقدير. لكن أعداء الإسلام من اليهود وأذنابهم، والنصارى وأتباعهم، ساءهم وأقض مضاجعهم ما تتمتع به المرأة المسلمة من حصانة وكرامة، فسلطوا عليها الأضواء، ونصبوا لها الشباك، ورموها بنبلهم وسهامهم. ومن الغريب أن يحقق مقاصدهم، ويسير في ركابهم، ويسعى في نشر أفكارهم، أناس من بني جلدتنا، يتكلمون بلغتنا، فينادون زوراً أو جهلاً أو خديعة بتحرير المرأة، ويطالبونها بالانطلاق من قيود المنزل، ويهونون خلوتها بلا محرم، لتتسكع في الأسواق والفنادق كيف شاءت ومتى شاءت.

стр. 487

ماذا يريد الأعداء من المرأة أما يكفي زاجراً وواعظاً لأولئك ما وقعت فيه المرأة في المجتمعات المخالفة لتعاليم الإسلام من الانحطاط والذلة؟ أما يكفي زاجراً ما وقعت فيه تلك المجتمعات التي أطلقت للمرأة العنان، من هبوط في دركات المستنقعات والرذيلة، ومهاوى الشرور، وبؤر الفساد؟ هل يرضى من فيه أدنى غيرة أو رجولة، أن تصير امرأته أو ابنته مرتعاً لأنظار الفسقة، ومائدة مكشوفة، ولقمة سائغة، أمام عديمي المروءة وضعاف النفوس؟ بل إن بعض من تاه رأيهم، وفسد فكرهم، يطالبون باستحداث وظائف جديدة للمرأة، يهدفون إلى تحرر المرأة من أخلاقها وآدابها، وانسلاخها من مثلها وقيمها ومبادئها، وإيقاعها في الشر والفساد، يريدونها عارضة للأزياء، أو دعاية للسلع، يريدونها مختلطة مع الرجال، بغير حشمة أو وقار، تحت مسمى أي وظيفة تخطر على بال. ألا بعداً وسحقاً لعبيد المدنية الزائفة، الذين يدعون المرأة إلى العبث واللهو، بحجة المدنية والسياحة والمعرفة، يدعون إلى الخلوة بالرجال الأجانب، مدعين أن الظروف قد تغيرت، وأن ما اكتسبته المرأة من التعليم، وما أخذته من الحرية، يجعلها بمنأى عن الخطر، فما هذا والله إلا فكر خبيث دلف إلينا، ليفسد علينا حياتنا، وما هي والله إلا حجج واهية، ينطق بها الشيطان على ألسنة هؤلاء الذين انعدمت عندهم الغيرة والرجولة، وماتت الشهامة فضلاً عن وجود أدنى بقية من كرامة. إن مثل الذين يتهاونون بشأن المرأة، أو يدعونها إلى الاختلاط الآثم، بدعوى أنهم ربوها على الاستجابة لنداء الفضيلة ورعاية الخلق، مثل قوم وضعوا كمية من البارود شديد الانفجار، بجانب نار متوقدة، ثم ادعو أن الانفجار لا يمكن أن يقع أو يكون، لماذا؟ لأن على البارود تحذير مكتوب عليه إن هذه مادة سريعة الاشتعال والاحتراق، إن هذا خيال بعيد عن الواقع، ومغالطة للنفس، ومخالفة لطبيعة الحياة وأحداثها.

стр. 488

خطط الأعداء لإفساد المرأة عباد الله! إن للأعداء وأتباعهم خططاً عاتية في إفساد المرأة، وإخراجها عن وضعها المستقيم، قد تمكنوا من تنفيذها في بعض البلاد المسلمة ويسعون الآن جادين لتنفيذها أو بعضها ما استطاعوا في بلاد أخرى، فمن هذه الخطط والمكائد افتعال القضية، الناس لا يتحركون بغير قضية تزعجهم، أو تقض مضاجعهم، ومن هنا يحرص هؤلاء أن يوحوا أن للمرأة قضية تحتاج إلى نقاش، وتستدعي الانتصار لها أو الدفاع عنها. ولذلك يكثرون الطنطنة على هذا الوتر، بأن المرأة في مجتمعاتنا تعاني ما تعاني، وأنها مظلومة، وأنها شق معطل، ورئة مهملة، لا تنال حقوقها كاملة، وأن الرجل قد استأثر دونها بكل شيء وهكذا، حتى يشعروا الناس بوجود مرافعة وقضية وخصومة بينهم وبين المرأة، هي عند التأمل لا وجود لها، أو هي في الحقيقة معركة بلا أعداء. نحن لا ننكر وقوع بعض الظلم على المرأة، من قبل بعض الأولياء أو الأزواج، لكن هذه الأمور نتاج حقيقي لتخلف الأمة عن عقيدتها ودينها، ومن ثم فالقضية قضية المجتمع الإسلامي الذي دبت فيه الأمراض نتيجة ابتعاده عن أسباب العافية، وهذه المسألة مسألة المرأة واحدة من نتائج ابتعاد المسلمين عن دينهم، واستسلامهم وتبعيتهم لأعدائهم. ومن هنا فعلاج قضية المرأة، هو في إطار علاج الأمة بأكملها، وإعادة الأمور إلى نصابها، أما الصيحات والنعيق بأنه ليس من العدل أن نعاقب طالبة باعتبارها مخالفة، لمجرد أنها أحضرت نسخة من مجلة، أو علبة من مساحيق التجميل، أو صورة لشقيقتها، أو ما يقال بأن العباءة قد تحولت إلى فخ أو قيد، بل كلبشة شديدة الإتقان، فتلك خطة مدروسة يراد من ورائها تضخيم القضية، لتلفت أعناق الناس إليها، حتى يطرح هؤلاء حلولهم الغبية والمسمومة. فالحل إذاً في نظرهم، وكما يزعمون ويدعون ترك الفتيات يتحركن بحرية، وأن يعشن مرحلتهن العمرية بشكلها الصحيح، أو الحل في نظرهم ليس في هذه العباءة التي تقيها وتحجبها وتمنعها وتقيد خطوتها، الحل في لبس العباءة الفرنسية، ذات الأكمام الأكثر اتساعا، أو التي قد يمكن التخلص منها، عندما يتعلق الأمر بالحياة والموت. وليست القضية هي جنسية العباءة، لكن القضية هو التخلص من هذا الحجاب رويداً رويداً، ثم هم يقولون كما يزعمون: وبذلك ننقذ زهرات حياتنا من الموت، أو الحل في أنظارهم إعادة النظر في شكل العباءة، أو إعداد تصاميم تنسجم فيها شروط الحشمة مع شروط النجاح، حتى لا ندفع المزيد من الدم والضحايا مقابل ما لا يستحق، فوا خجلتاه من أقلام محسوبة على المسلمين لم تسخر للدفاع عن الإسلام وأهله. تبتلى الأمة بالرزايا، وتنحر رقابها، وتسفك دماؤها، وتتطاير أشلاء أبنائها فلا ترى أحداً يكتب عن هذه القضية، يموت آلاف الشباب بالمخدرات، وفي مصائب عديدة، فلا تجد قلماً يكتب، وحينما يتعلق الأمر بهجمة شرسة على الحجاب والفتاة والعفاف والحياء، يترصد الكتبة، وتتحرك الأقلام، فيكتب في ذلك ما يكتب، وأين هؤلاء عن مصائب المسلمين؟ أين هم عن جراحاتهم؟ أين هم عن نكباتهم؟ أين هم عن اغتيال قاداتهم؟ أين هم عن جوعهم وفقرهم ومرضهم وتشريدهم؟ أين هذه الأقلام عن هذا كله.

стр. 489

خطة إجهاض مناعة المجتمع عباد الله! إن من خطط الأعداء، ومكائدهم في إفساد المرأة، إجهاض مناعة المجتمع، أو تخفيف المناعة تجاه كل وافد غريب رويداً رويداً، فالمجتمع المسلم وإن كان له شيء من الضعف، فإنه ينفي الخبث عن نفسه، ويحارب العقائد المنحرفة، ويكره الأخلاق الفاسدة، وهو بذلك يملك مناعة تقيه الانحراف، ولذلك حرص الأعداء على إضعاف مناعة المجتمع المسلم، حتى يفقدوه الغيرة على دينه، والحمية لعقيدته، وحتى يوطنوه على قبول كل جسم وافد غريب. وعند ذلك يصبوا في المجتمع -وبلا مقاومة تذكر- ما شاءوا من ألوان الفساد، قد كان ذلك الإجهاض من خلال إبراز صور المخالفات هنا وهناك، فالنفوس تقشعر من المنكر أول مرة، وفي المرة الثانية تخف تلك القشعريرة، وفي الثالثة لا تبالي بالمنكر، وفي الرابعة تبحث عن مسوغ له، وفي الخامسة تفعله، وفي السادسة تفلسفه. ومن صور إضعاف المناعة في المجتمع المسلم، هذه الفضائحيات -وليست الفضائيات- هذه الفضائحيات وأشد ما ابتلينا به من هذه الفضائحيات تلك التي تكلمت بلغتنا، وخبرت مجتمعاتنا وبيئتنا، هذه الفضائحيات الفاضحة والمجلات الماجنة والصحف العارية، التي لا تبالي أن تظهر المرأة بكل صورة مخزية، ولا زالت كثير من البيوت تمتلئ بالبعث المستورد، ولا زالت تلك الفضائحيات الفضائية تمطرنا بوابل من الفساد، وكثير من الناس عن هذا غافلون، أو بهذا راضون. عباد الله! إن نشر الفكر المنحرف من خلال الحوارات الساخنة، أو المقابلات التي تنشرها تلك الفضائحيات، التي يجمع فيها بين الحق والباطل، والصحيح والضعيف، والغث والسمين أحيانا، والباطل والضعيف، والغث والجهل المركب في أحايين كثيرة، إن ذلك يعود الناس على سماع مثل هذا الكلام، إن ذلك يعود الناس على جعل قضايا مسلمة ليست محلاً للحوار أو الخلاف أو المناقشة أو الأخذ والرد، يجعل قضايا من أمور العقيدة محلاً للطرق والحوار والأخذ والرد والقبول والامتناع. إن كسر الحاجز النفسي بين المسلم وغيره من الكفار، مما تصوره تلك الفضائحيات، وتمرره بحجة مصطلحات عجيبة براقة، فتارة باسم التواصل الحضاري، وتارة تحت النوافذ المشرعة، وتارة تحت الحوار في الهواء الطلق، وغير ذلك من المصطلحات التي لم تنضبط بعناوينها، بل تحولت إلى فوضى فكرية تفسد عقائد الناس وأخلاقهم وآدابهم. ولسنا بهذا ندعو إلى الانزواء والتقوقع، أو أننا ننكر أن لدى الأمم الأخرى حسنات وتقدماً وعلماً، إذ الإسلام لا يمنعنا أبداً أن نأخذ عن غيرنا أحسن وأفضل وأطيب ما بلغوه من مكتشفات ومخترعات، إذ أن العلوم ليست ملك أمة بذاتها، ولا هي مقصورة على شعب بعينه، بل هي ملك جميع الشعوب بكل أممها وجميع أجيالها، وأمتنا لها في ذلك والحمد لله القدح المعلى والنصيب الأوفر، ولذلك فلا مانع في الإسلام من الاستفادة من كل تقدم صالح، أو علم نافع، إذ الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها. لكن الذي يمنعه الإسلام ويستنكره بل يحاربه، أن تضيع شخصية الأمة، وأن يذوب شبابها وبناتها، وأن نفقد الذاتية، وأن نتخلى عن الكيان، وأن ننتمي إلى غيرنا وأعدائنا، ونتجرد من صبغتنا ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة:١٣٨] ثم نذوب في الأمم الأخرى، فذاك وايم الله هو العار الذي لا يقبل. إن الإسلام يفرض على المسلم أن تكون له شخصية مستقلة متميزة، ولا تجيز له أن يقلد الآخرين، أو يتشبه بالكافرين في أمورهم الخاصة بهم أبدا؛ لأنه يريد منه أن يكون هو القدوة والأسوة والمرشد، لا أن يكون ذنباً وذيلاً وتابعاً ذليلا ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨].

стр. 490

زور دعوى حرية المرأة ثم إنك لتعجب من هذه الدعوة المزعومة، دعوى المطالبة بحرية المرأة، ولو صدقوا لقالوا: حرية الوصول إلى المرأة، من ذا الذي يكره الحرية ويحب الأغلال والقيود؟! لقد كثر استعمال مصطلح تحرير المرأة، وكأن ذلك يوحي بأن المرأة في مجتمعنا عبد يجب تحريره. واستعمال هذا المصطلح صوَّر الدعاة إلى إفساد المرأة منقذين رحماء، يريدون أن ينتشلوها من وهدتها، ويرفعوها من سقطتها، ونقول: هل توجد في الدنيا حرية مطلقة بدون قيود؟ لو لم يكن أمام الإنسان من القيود إلا قدراته وإمكاناته المحدودة؛ لكان ذلك كافياً في سقوط مصطلح الحرية المطلقة، وإن البشر جميعا لا يعيشون في مجتمعاتهم إلا بأنظمة وقوانين، فهل البشر كلهم مستعبدون؟ إذاً فليكن البحث في أي هذه القيود أحفظ لكرامة الإنسان، وأصون لعرضه، وأجلب للخير له في الدنيا والآخرة، أما إشاعة الفوضى، والدعوة إلى الإباحية والانفتاح، وسرعة وسهولة الوصول والاختلاط والحديث والخلوة بالمرأة بحجة الحرية، فإن تلك مكيدة يهودية، اليهود أول من جاءوا بها، ثم لا تعجب يوم أن ترى أولئك الذين يدعون إلى حرية الوصول إلى المرأة، كيف يصورون البيت، ومهمة الأمومة والحضانة، وقوامة الرجل بصورة تتقزز منها النفوس. فالبيت سجن مؤبد، والزوج سجان قاهر، والقوامة سيف مسلط، والأمومة تكاثر رعوي، حتى أوجد ذلك في نفوس طائفة من النساء أنفة واشمئزازاً من الإنجاب والبيوت والطاعة والخضوع للزوج، وأوجد في أنفسهن بحثاً عن الانطلاق بلا قيود. ونقول: إنه ليس هناك شيء يستطيع تحقيق ذات الأنثى، أكثر من بيتها وحرصها على أطفالها، لقد صرح عدد من النساء الشهيرات، في مجال التمثيل والسينما والمسرح، بأنهن لم يسعدن بشهرتهن كسعادتهن بطفل واحد! أما قوامة الرجل فالمرأة أحوج إليها من الرجل؛ لأن المرأة لا تشعر بالسعادة وهي في كنف رجل ترى أنها تستعلي عليه، لقد أسيء فهم القوامة، أو هكذا أريد أن تفهم. والحق أن قوامة الرجل على المرأة قاعدة شرعية تنظيمية، بها تستقر أوضاع المجتمعات، والنطاق الذي تشمله قوامة الرجل على المرأة لا يمس حرية كيان المرأة، ولا ينقص من كرامتها، فليس عليها أن تطيعه في معصية بحجة القوامة، وليس عليها أن تطيعه في غير معروف بحجة القوامة، وليس له بحجة القوامة أن يؤذيها بغير حق، بل إن من كمال إيمان الزوج حسن معاملته لزوجته، ومن ولاه الله أمره، قال ﷺ : (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا، وخياركم خياركم لنسائهم).

стр. 491

أضرار الاختلاط والتبرج أيها المسلمون! إن للاختلاط والتبرج من المضار الدينية والدنيوية الشيء الكثير، فهو معصية لله ورسوله ﷺ ، وهو مجلبة للعن والطرد من رحمة الله، وهو بريد إلى الزنا الذي به هلاك الأمة، وهو مساعدة في نشر الفاحشة في المجتمع، وهو تشبه باليهود ومن في حكمهم، الساعين في الأرض فساداً، ثم هو قرين ضعف الأمة وهوانها وتأخرها، وإنما انتشر في الأمة حينما استولى عليها العلمانيون، وتسلط عليها العملاء المتآمرون إلا من رحم الله وقليل ما هم. ألا وإن التبرج والاختلاط سبب لكثير من المضار الدنيوية، فهو سبب للجرائم الكثيرة، وتحطيم الروابط الأسرية، والإساءة للمرأة بالمتاجرة بها، وسبب لانتشار الأمراض المستعصية، وشيوع الشذوذ الجنسي وغيره من العلل، وإن الحجاب أعظم معين للمرأة للمحافظة على سترها وحيائها، وهو يصونها عن أعين السوء ونظرات الفحشاء، واسألوا إن شئتم الذين جربوا هذا الاختلاط بماذا عادوا؟ تقول عدوة للمسلمين صحفية أمريكية، والحق ما شهدت به الأعداء، بعد أن أمضت عدة أسابيع في دول عربية، ثم عادت إلى بلادها، قالت: إن المجتمع العربي كامل وسليم، ومن الخليق في هذا المجتمع أن يتمسك بتقاليده التي تقيد الفتاة والشاب في حدود المعقول، وهذا المجتمع يختلف عن المجتمع الأوربي والأمريكي، فعندكم أخلاق موروثة تحكم تقييد المرأة، وتحكم احترام الأب والأم، وتحكم أكثر من ذلك عدم الإباحية التي تهدم اليوم المجتمع والأسرة في أوروبا وأمريكا. امنعوا الاختلاط، قيدوا حرية الفتاة، بل ارجعوا إلى عصر الحجاب، فهذا خير لكم من إباحية وانطلاق ومجون أوروبا وأمريكا، لقد أصبح المجتمع الأمريكي مجتمعاً معقداً مليئاً بكل صور الإباحية والخلاعة، وإن ضحايا الاختلاط والحرية يملئون السجون والأرصفة والبارات والبيوت السرية، وإن الحرية التي أعطيناها لفتياتنا وأبنائنا الصغار، قد جعلت منهم عصابات أحداث، وعصابات للمخدرات والرقيق. هذا قول ومنطق امرأة كافرة، فيا عجباً من منطق أناس يتسمون بالإسلام، ويدعون هذه الفتاة والمرأة إلى الخروج والانفلات والحرية المزعومة. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 492

حقيقة التيسير في الشريعة الإسلامية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك. أيها المسلمون! لقد جعلنا الله خير الأمم، حيث قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] وجعلنا هداة للإنسانية إذا هي ضلت، ومنقذين للبشرية إذا هم على الهلاك أشرفوا، وموجهين الناس إلى الخير، ومرشدين لهم إذا تفرقت بهم سبل الضلال، أو وقعوا في الانحراف عن الصراط المستقيم، وكذلك يوم القيامة نحن شهود على الخلق، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣]. فعارٌ علينا أن نتخلى عن هذه المنزلة الرفيعة، التي شرفنا الله بها، أو أن نضيع هذه الوظيفة التي كلفنا بها، أو نهبط إلى مستوى المقلدين والسذج، أو الببغاوات والقرود، إن من رحمة الله بنا أن هدانا لهذا الدين الذي جاءت شريعته الكاملة لتحقق مصالح العباد، وتدرأ عنهم المفاسد وتحميهم منها، لقد قامت هذه الشريعة على رفع الحرج والمشقة، وعلى اليسر في الأمور كلها. لكن الاحتجاج بالتيسير والتسهيل، على التحلل من أحكام الشريعة، أو التحايل عليها واتباع الهوى في الأخذ بالرخص والغرائب الفقهية الشاذة التي لا تستند إلى دليل صحيح، كل ذلك باطل وتلبيس وتضليل يرفعه أهل الأهواء الذين يتبعون الشهوات ويلوحون به، لتمرير فسادهم وشهواتهم، يريدون بذلك تحلل المجتمع المسلم من أحكام الشريعة باسم التيسير وترك التشديد. نعم إن الله يريد بنا اليسر، لكن الأعداء كما قال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧] إن من رحمة الله أنه لم يكل مصالح العباد إلى أهواء البشر وشهواتهم، بل وضع شريعة كاملة مبرأة من الجهل والهوى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٧١].

стр. 493

ضوابط التعامل مع القواعد الشرعية إن الاحتجاج بدعوى التيسير والتسهيل، أو الاحتجاج بضغط الواقع وتغير الأحوال للتحلل من الأحكام الشرعية مرة بتأويل الأدلة وتحريفها، ومرة بحجة الضرورة، ومرة بالاستناد إلى قاعدة تغير الفتوى لتغير الحال والزمان والمكان والعوائد، كل ذلك من التلبيس والتضليل، للتفلت من الشرع المطهر خطوة خطوة، ولو أن كل الذين يطرحون قاعدة الضرورة، ويطرحون تغير الفتوى، لو أن كل من تكلم بهذا من العلماء الأتقياء المشهود لهم بالصلاح الذين يعرفون ويعرفون ضوابط الضرورة وحدودها، ويعرفون متى تتغير الفتوى بتغير الأحوال، لكان لهذا الطرح وجه واعتبار. ولكن يوم أن يطرح هذه المسائل أقوام قد خلطوا وملئوا عقولهم بأفكار من تلك الحضارات الوافدة، والهزائم المتتالية، ثم يستدلون بهذه القواعد، وليسوا أهلاً للفهم أو الاستدلال حتى ينصب هذه الأدلة لتسويغ ما يريدونه من منكر وباطل. إن قاعدة الضرورة وقاعدة تغير الفتوى بتغير الحال، قاعدتان معتبرتان شرعاً بضوابطهما الشرعية، وإن المتناول لهذه القواعد مع ما يستجد في الواقع، إذا كان من أهل العلم ومتجرداً لله وطالباً للحق، فإنه يوفق في الغالب للحق والصواب، ولو أخطأ فهو مأجور إن شاء الله على اجتهاده، أما أن يأتي ملبس مضلل لا يعرف معروفا ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه، بلا علم ولا تقوى من الله، ويريد أن يحتج بهذه القواعد للتحلل من الشرع ومسايرة الواقع، فهذا مما يرفضه الشرع ويأباه؛ لأن نهايته السير بأحكام الله حسب أهواء الناس وشهواتهم، وما ألفوه في واقعهم. ولنعلم يا عباد الله! أن إصلاح الناس يقتضي الارتفاع بالبشر إلى مكارم الشريعة، وليس الإصلاح أو التيسير أن ننحط بالدين إلى مستنقع الناس ورذائلهم، وإن هذا التقليد الأعمى الذي يكلف الناس العنت الشديد في حياتهم، لمن أساليب إفساد المرأة، ومن الأمور التي جلبتها هذه الفضائحيات التي لا تزال تنفث سماً زعافاً في بيوتنا وفي أبنائنا وبناتنا، أولئك الذين بهذا التقليد وبالدعوة إليه يكلفون الناس عنتاً شديداً، ثم لا يجد كثير من الناس لأنفسهم منه مفراً.

стр. 494

سلاح الأزياء اليهودي هذه الأزياء الخليعة التي تفرض نفسها على الناس فرضا، وتكلفهم ما لا يطيقون من النفقة، تأكل حياتهم، وتفسد أخلاقهم، ومع ذلك تراهم لا يملكون إلا الخضوع لها، أزياء الصباح، أزياء الظهيرة، أزياء المساء، أخرى قصيرة، أخرى ضيقة، أزياء مضحكة، أنواع الزينة والتجميل والتصفيف، إلى آخر هذا الاسترقاق المذل، من الذي يصنعه ويقف وراءه؟ من الذي يصفق له؟ تقف وراءه بيوت الأزياء، وتصنعه شركات الإنتاج، يصفق له المرابون في البنوك الربوية وبيوت المال، يقف وراءه اليهود الذين يعملون لتدمير البشرية كلها ليحكموها. ولكنهم لا يقفون بالدبابة والقنبلة، والسلاح المكشوف، إنما يقفون بالحرب الإعلامية، بالتصورات والقيم التي ينشئونها ويدعون إليها، ويؤصلونها بنظريات وثقافات، يطلقونها تضغط على الناس بحجة العرف الاجتماعي وضغط الواقع، يقف وراء هذا النصارى أصحاب الدين المحرف، والعلمانيون رسل التغريب، الذي إن كان له ما يسوغه في بلاد الغرب فليس له ما يسوغه في بلاد المسلمين، يقف وراءه النفعيون الذين يريدون زيادة دخلهم، وكثرة أرباحهم، وإن كان ذلك على حساب المرأة، أو هلاك الشعوب وتدميرها. يا أولياء النساء والزوجات والبنات! ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] تذكروا أنكم موقفون بين يدي الله تعالى غدا، ومسئولون عن هؤلاء النسوة، قال ﷺ : (الرجل راع على أهله، وهو مسئول عن رعيته) احذروا وحذروا من الخلوة والاختلاط والتبرج، فإنهما والزنى رفيقان لا يفترقان، صنوان لا ينفصمان، واعلموا أن الستر والصيانة هما أعظم عون على العفاف والحصانة. إن احترام الحدود التي شرعها الإسلام في علاقة الجنسين هو صمام الأمان من الفتنة والعار، احذروا أجهزة الفساد التي تغزوكم في عقر داركم، وهي تدعو نساءكم وأبناءكم إلى الفتنة والاقتتال، وتضعف فيهم الخشية والإيمان، صونوا بناتكم وزوجاتكم، ولا تتهاونوا فتعرضوهن لهذا كله. لا يلام الذئب في عدوانه إن يك الراعي عدو الغنم إن الأعراض إذا لم تصن بحصون الشريعة وقلاع المبادئ، ستسقط لا محالة أمام هذه الهجمة الشرسة ويقع المحظور، وعندها لا ينفع بكاءٌ ولا ندم، والتبعة كل التبعة، واللوم أولاً وآخراً على ولي المرأة والفتاة، الذي ألقى الحبل على غاربه، وأرخى لابنته العنان. أتبكي على لبنى وأنت قتلتها لقد ذهبت لبنى فما أنت صانع

стр. 495

تحذير للفتاة المسلمة وأنتِ أيتها الفتاة المسلمة! احذري وبالغي في الحذر، احذري أدعياء التقدم أن يجعلوا فضيلتك ثوباً يوسع ويضيق كيفما يشتهون، احذري فنَّهم الخبيث الذي يفرض على النساء في مجالس الرجال أن تؤدي أجسامهن ضريبة الفن، احذري وأنت النجم الذي أضاء منذ فجر النبوة أن تقلدي هذه الشمعة الآفلة، لا تكوني من المتبرجات أو السافرات بلباسك الضيق، أو بعباءتك المبتكرة، أو غطائك الرقيق، أو بلثامك، أو بإبراز عينك المكحلة وحواجبك، أو فتنة وجهك، أو بذارع مكشوفة أو قدم عارية. احذري أن تكوني سبباً لفتنة مسلم بمشية متكسرة، أو خطوات متكلفة، أو بنظرات مزعجة، أو صوت متغنج، أو ضحكة رنانة أو عطر فواح، احذري ذلك كله لكي لا تكوني سلعة، أو تكوني متبرجة كاسية عارية. أيتها الفتاة المسلمة! أنتِ الطهر والعفة، وأنتِ الوفاء والأنفة، وأنتِ الصبر والعزيمة، فتمسكي بأخلاق الإسلام، والسير على نهجه القويم، والاقتداء بأمهات المؤمنين، والصالحات السالفات. وأنتم يا معاشر الرجال! ربوا البنات على الفضيلة إنها في الشرق علة ذلك الإخفاق الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق الأم روض إن تعهده الحيا بالري أورق أيما إيراق اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم من أراد بالنساء في مجتمعنا هذا تبرجاً وإباحية وسفوراً وانحلالاً، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم اهتك ستره، وعجل فضيحته، واكفناه بما شئت إنك أنت السميع العليم، اللهم عليك بمن أرادوا بزوجاتنا وبناتنا ونسائنا سوءاً، اللهم اجعل الدائرة عليهم، اللهم اكفنا شرورهم، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحفظ اللهم هذه البلاد وولاة أمرها وعلماءها وجميع المسلمين؛ من كل تبرج وانحطاط وإباحية يا رب العالمين، اللهم احفظنا وبارك في جهودنا، وثبتنا على ما يرضيك، وتوفنا على أحسن حال يرضيك يا رب العالمين، اللهم صل على محمد وآله وصحبه.
следующие страницы →