← Джавами‘

Джавами‘ · id 37429

دروس الشيخ سعد البريك

سعد البريك

Полный текст (3 155 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

التشبه بالغربيين في الملبس السؤال فضيلة الشيخ! يلاحظ على البعض من الشباب صغار السن لبسهم (أقباعاً) على رءوسهم وكذلك لبسهم قمصان رياضية تحمل كلها عبارات مخالفة لشريعتنا السمحة، حتى أنهم لا يعرفون معناها، حتى وصل بهم الأمر لارتداء هذه الألبسة في الصلاة، والله أمرنا بأخذ الزينة عند كل مسجد، أرجو التنبيه عن هذه الظاهرة، جزاكم الله خيراً! الجواب هذه الظاهرة ليست مشكلة وحدها، يعني: لو زالت هذه الظاهرة ستأتي ظاهرة جديدة، والسبب هو: أن هناك قبولاً لرياح التغريب، الغرب يدفع أعاصير ورياحاً شديدة إلى بلاد الشرق عبر القنوات الفضائية، والذي يعرض الليلة في القناة ستجده غداً يباع في بعض محلات الرياضة، والشبابُ يلبسونه ويرتدونه، وأصبح الآن المشهد مألوفاً، الشباب الذين رأيناهم في باريس وفي بروكسل وفي استكهولم، وفي أمستردام رأينا أمثالهم وأشكالهم في شوارعنا، والسبب: أن العالم كما قلتُ قرية واحدة، هذا لابسٌ قبعةً وهذا لابسٌ قبعةًَ، وهذا لابسٌ فانيلة الشِّيْنْهَابِيْز (٣٤) لوناً، أشكال وألوان، ولابسٌ له سروالاً بشكل مزعج، وحالة سيئة، وربما والعياذ بالله تجد بعضهم في بعض الأماكن فاتحاً السيارة وفاتحاً الزجاج، ومولِّعاً الموسيقى الغربية التي لا يفقه منها شيئاً، فقط لكي يرتاح، ولو أنها تلعنه وتسب أباه فإنه يرتاح معها وهو لا يدري، لا يفقه شيئاً أبداً، هذه مصيبة، ليست المشكلة قبعةً، أو قميصاً، أو سروالاً، أبداً. المشكلة أن هناك رياح تغريب وافدة تحتاج إلى تصدٍّ قوي جداً، نحتاج إلى أن نقنع هؤلاء الشباب من خلال الإذاعة والتليفزيون والمدارس والأندية والمساجد وخطب الجمعة لنقول: إن هذه هجمة تغريبية تمسخ وجه الأمة وجيل الأمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. يا أحبابي لو أن رجلاً ينتمي إلى قوم قتلوا أباك، أو قتلوا أمك، أو قتلوا جماعتك، أو آذوك وسبوك وشتموك وقذفوك، هل يسرك أن تتزيا بزيهم؟! أو تقلدهم في سمتهم؟! أو فيما هو من خصائصهم؟! الجواب لا، لا يسرك أن تقلد أعداءك، الذين يذبحونك ويؤذونك، فما بال أبنائنا يتشرفون، بل ويفتخرون أنهم يقلدون أعداءنا الذين ذبحوا المسلمين في البوسنة، وجوعوهم في الصومال، وآذوهم في بقاعٍ كثيرة من الأرض. هنا خلل في التفكير، والخلل في التفكير يجعل الجوارح تتحول باتجاهات معاكسة للإنسان، في بدن الإنسان عضو صغير اسمه الطحال، من وظائف الطحال في الجسم: تصنيف الفيروسات التي تهاجم الجسم، فإذا جاءت فيروسات تهاجم الجسم فوراً يعلن الطحال حالة النفير ويصدر مضادات داخلية هو الذي يحددها بمعادلات ومقادير، ومن ثم يتسلط عليها لقتلها، لكن إذا اختل الطحال، أصبح يرى أن كريات الدم البيضاء والصفائح ميكروبات فيتسلط عليها ويقتلها، ويكون هذا خللاً ولا يعالجه الأطباء إلا بمحاصرة شديدة لدور الطحال أو استئصاله تماماً، وكذلك إذا صار الخلل في عقلية الناشئة وأصبحوا يرون أعداءهم أصدقاء، ويرون الذين يؤذونهم قريبين لهم محبين لهم، ويرون الذين يسبونهم ويشتمونهم يرون السب والشتم مديحاً وثناءً تلك مشكلة تحتاج إلى معالجة عقلية، ليست القضية معالجة القميص والقبعة، القميص والقبعة شكل من الأشكال ومظهر من المظاهر، القضية هي المصدر الذي صدرت منه هذه التصرفات من القبعة ولبس القميص وغير ذلك. وأنا أقول وأقترح، ورددت هذا مراراً على منبر الجمعة وفي كثيرٍ المحاضرات: إنه كما يوجد عندنا أسبوع المرور وأسبوع الشجرة، وأسبوع مكافحة الإيدز، نحتاج إلى أسبوع وأسابيع لمكافحة التغريب وتعليم الناشئة كراهية الغرب، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨] نعلم الناشئة كيف يكرهون الصفات الذميمة القبيحة الخسيسة في الغرب، لكن أيضاً يتعلمون كيف يصنعون الصاروخ الذي صنعه الغرب، والآلة التي صنعها الغرب، والحاسوب الذي صنعه الغرب، بمعنى أن الأمور السيئة التي جاء بها الغرب نحتاج إلى أسابيع ودورات إرشادية عبر مختلف وسائل الإرشاد والتوجيه والتعليم؛ لزرع بغضائها وكراهيتها في نفوس أبنائنا وبناتنا، وإلا فإن الأمر ينذر بخطرٍ، وأسأل الله أن يدفعه عن الأمة أجمعين.

стр. 422

تربية المواشي وتربية الأولاد السؤال فضيلة الشيخ! أود في هذه المناسبة أن تلقي الضوء على بعضٍ من الآباء الذين يهتمون ببناء الاستراحات ووضع حظائر للمواشي، ويتركون تربية أولادهم فما تعليقكم على ذلك؟ الجواب هذه من المضحكات؛ أن الواحد يهتم بتربية البهائم ولا يهتم بتربية أولاده، فعلاً ربما بعضهم تجده ذاك اليوم متهللاً، لأن البقرة جاءت بعجل، والشاة الفلانية جاءت بسخلة، لكن ولده ماذا حفظ! المستوى الشهري للدراسة! هل يثني عليه المدرسون أو لا! ربما بعضهم يفتخر، يقول: عنده تيس ما دخل زريبة إلا يريح الذي فيها، هذه مصيبة، يفتخر بهذا التيس، ويفتخر بالعنز التي فعلت كذا، أما عندك أولاد تفتخر بهم وتعلمهم القرآن؟! أما عندك جيل تفتخر به وتعلمه ما ينفعه؟! مصيبة أن العقول تدنت إلى الاهتمام بالحديقة، شجرة أو شجرتين في البيت، وتلميع الألومونيوم، وتلميع الباب، وتمسيح السيارة؛ لكن الولد لا ما يُلَمَّع ولا يُعْتَنى به ولا يُلْتَفَت إليه، وكذلك تُرَبَّى المواشي، وما نقول: تربية المواشي حرام، بالعكس هذه تجارة ورزق وحلال، وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: (يا أم هانئ اتخذي غنماً فإن فيها بركة) والغنم فيها بركة، والدليل على ذلك أن الكلبة تأتي بتسعة، ومع ذلك الكلاب تكاد تنقرض، قليلة جداً، ولا أحد يُؤكِّلها، والغنم من آدم إلى يومنا هذا والناس تأكلها والغنمة ما تجيء إلا بواحد أو اثنين، ومع ذلك تتناسل وتتكاثر، هذا دليل على أن فيها بركة، وفيها رزق، وكثير من الناس فتح الله عليهم بعد الخسارة إلى ربح وتجارة بسبب الغنم والإبل، والمواشي والنعم فيها خير وبركة؛ لكن الأمر الذي ينتقد هو أن تجعل اهتمامك بالبهيمة أكثر وأعظم من اهتمامك بولدك، فهذا هو العيب، ليس العيب في أن تتاجر بالغنم، بل هذا مفخرة وكرامة.

стр. 423

كيف نتخلص من الرسيفر السؤال فضيلة الشيخ، امرؤٌ رجع إلى الله وتاب كيف يتخلص الإنسان من جهاز الرسيفر؟ هل يبيعه على من يريده سواءً كان مسلماً أو كافراً؟ أم يرجعه على المحل الذي اشتراه منه ويبيعه عليه مرة ثانية؟ أرجو الإفادة وجزاكم الله خيراً! الجواب الرسيفر الذي هو جهاز استقبال البث له واحد من حلين: إما أن يُرْسَل إلى جمعية إسلامية في الخارج تستقبل به البث من المملكة العربية السعودية؛ لأنه من خلال زياراتنا للخارج نلاحظ الجمعيات الإسلامية تفرح أن يكون عندها جهاز بث تستقبل به البث الفضائي السعودي، بث التراويح في رمضان والقيام، بث خطبة الجمعة من الحرم المكي، ومن الحرم المدني، بعض البرامج الدينية التي تُبَث، فإن استطعت أن ترسله إلى جمعيةٍ تستفيد منه فهذا خير. وإلا انظر إلى الوايتات التي تقف تبيع ماءً، فضعه تحت الإطار، هذا أحسن حل.

стр. 424

أسباب انتشار المخدارت وأضرارها السؤال فضيلة الشيخ، أرجو أن تذكر وترشد عن ضرر المخدرات التي انتشرت في المجتمع، والتي هي سبب الانحراف والهلاك! الجواب لا يوجد ولد بات بريئاً وأصبح مجرماً، بات صالحاً وأصبح مروجاً للمخدرات، نام ليلة طيباً وأصبح في الصباح الباكر مجرماً، المخدرات انتشرت بأسبابٍ عديدة منها: إهمالنا في التربية. ومن الأسباب: خيانة الأمانة، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧] وكون الرجل يعرف عن شخص يروج مخدرات ويبيعها ويسكت عليه والله إنه خائن خائن خائن لله ولرسوله وللمؤمنين، وسوف يخاصمه المسلمون أجمعون يوم القيامة على خيانته وصمته وسكوته، كل من يعلم عن شخص يبيع المخدرات، ويروجها ويسكت عنه سيلقى الله وهو الله عليه غاضب، سيكون خائناًَ خيانة لله وخيانة للرسول وخيانة للأمة أجمع، الإنسان لو خان صديقَه نبذه صديقُه ولا يقبله، فما بالك بمن خان كل المجتمع رجالاً ونساءً، ذكوراً وإناثاًَ. المخدرات شرها مستطير، والحديث عنها يطول، وكم من رجلٍ كان غنياً ثرياً في وظيفة وعزٍ وكرامة، وسعة ودعة ونعمة وسعادة مع زوجته وأولاده تحولت به الحال إلى أن يفصل من وظيفته لكثرة غيابه، وأن ينقطع عنه التكسب بسبب تصرِّعه وسقوطه ضحية هذا المخدر، ثم يتسلط عليه من حوله ويعبثون بماله، ثم يبدأ يبيع من أثاث بيته ويشتري منها المخدرات، ثم تهجره زوجته لأنها لم تعد تجد رجلاً كفؤاًَ، وربما بعضهم وقد وقع هذا كما أخبرني منذ قرابة شهر تقريباً قابلت الشيخ سعيد بن مسفر حفظه الله وإياكم في جدة فقص لي قصة رجل قال: كان رجلاً موظفاً في وظيفةٍ مناسبةٍ طيبةٍ، وكان عنده زوجة سعيدة جميلة طيبة وعنده بُنَيَّة، وكان سعيداً، تصوروا ما الذي حصل؟ جاء أحد هؤلاء المجرمين الخونة، وزين له هذا المخدر، لا بدعوى أنه مخدر بل بدعوى أنه مريح للأعصاب، ويعين على فك الإجهاد الذي يعاني منه بعض الناس في العمل، ولذلك إذا أعطاك أحدٌ حبوباً وقال: لاحظ أنها طيبة، إذا طلعت من العمل تعبان كلها وسترتاح، اعلم أن ذلك ربما أراد بك شراً، والمرة الأولى الذين يروجون المخدرات يعطونك مجانياً؛ لكن المرة الثالثة أو الثانية ربما يبدءون في تشغيل فاتورة الحساب. ولذلك الواحد إذا عُرض عليه دواء من أحد، يا أخي ما بينك وبين المستوصف أو الطبيب خطوات، تقول: والله فلان أعطاني الدواء هذا، هل آكله أم لا؟! لا تأكله، ولا تأخذ إلا من صديقك الذي تثق في دينه وأمانته ونشأته، وتعرفه، ولا يخالجك شك في إخلاصه لك، فلا بأس، لكن يأتيك واحد رأيتَه مرة أو مرتين في العمل، أو راجعك أو شيء، وقال: والله يا أخي تفضل، كأنك تعبان، ماذا في عينك؟ -قد لا يكون فيك شيء- ماذا في عينك، أكيد عليك علامات الإرهاق الشديدة، أنت والله حالتك صعبة جداً، يا أخي أنا أعرف واحداً كان مثلك، مديراً ومسئولاً ومشغولاً وكذا، فأعطاه أحدهم حبوباً مريحةً جداً، وسليمة، وأثبتت لجنة الطب الأولمبي أنها لا تؤثر على جهاز المناعة، ولا إجهاد البدن، ولا غير ذلك. فيقول له: خير أعطنا، ائت بها. ثم يأخذ له علبة أو علبتين. فيقول: يا أخي! الله يريحك في الجنة، ريَّحتني. وبعد ذلك ينقطع عنه، يبحث عنه، أين هذه الحبوب، ائتوا بها، ردوها، هاتوها. يقول له: حَسَنٌ أنا أدبرها لك، بل ويقول له: تعال ومرَّ عليَّ في البيت -لكي يعرف البيت-. ومرة ثالثة يقول: لاحظ الحقيقة هذه حبوب أصبحت ثمينة وغالية، ولكن هذا الشريط بمائة ريال، يأخذ الشريط بمائة، المرة الثانية الشريط بثمانمائة، بألف، ولا يزال يأخذ يأخذ، ولا يستطيع تركها أبداً، فيبدأ يسهر بها، تحمر عيونه، يخمل في عمله، يتأخر، يفصل من وظيفته. يقول الشيخ سعيد: فوقع لهذا الرجل بالضبط مثل هذه القصة، قصة طويلة وتفاصيلها خاتمتها أنه جاء إليه الرجل، قال: ما ترك شيئاً في البيت، حتى حلي زوجته باعه، باع الأثاث، والمواد الكهربائية في البيت باعها، قال: فجاءه الرجل، قال: يا أخي أينك؟ أرجوك أعطني حبوباً من هذه التي عندك، اجعلني أرتاح. قال: ما عندي شيء. قال: دعنا ندخل، ما أمر إلا وفيه حلاَّل. فلما دخل صاح الرجل على زوجته: يا فلانة أعطينا الشاي. أرسلت الطفلةَ الصغيرة بالشاي، دخلت الطفلة الصغيرة بالشاي وضعت الشاي وذهبت. وقال الرجل: ألا تريد أن تشتري؟ قال: ما عندي نقود، من أين أعطيك؟ قال: تعطيني هذه البُنَيَّة الآن وأعطيك الذي تريد. قال: فما كان منه أن دعاها وأغلق الباب، وأغلق باب المجلس، ومكنه منها، وأخذ مقابل ذلك حبوباً مخدرة. يا إخواني ماذا تتصورون من المخدرات التي تجعل الرجل يبيع عرضه وبنته ووجهه وأسرته وكرامته ودينه؟! لا شك أنها شرٌ مستطير، ولذلك أقول: لا بد أن نحذر الأبناء من شرها، كما قال الشاعر: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا وقع فيها الرجل وهو لا يعلم، ولذلك من الواجب على كل مدرسة وكلية ومعهد رجالاً ونساءً، ذكوراً وإناثاً، ودوائر صحية وعسكرية وأمنية ومدنية، وجميع القطاعات أن تكرر التحذير والعرض، وكشف الأساليب والخدع التي من خلالها يروج أهل المخدرات سمومهم حتى لا يقع الناس بها. أسأل الله أن يحفظنا وإياكم بحفظه من الشر وأسبابه.

стр. 425

المعصية في الخلوة السؤال فضيلة الشيخ، أنا ولله الحمد شابٌ ملتزم، وأدرس في حلقات للقرآن الكريم ومع خيرة الصحبة، ولكن ما ألبث أن أترك أصحابي الخيرين الذين يذكرونني بالآخرة، ما ألبث أن أعود إلى البيت فأنظر للتلفاز فتثور غرائز الشهوة والمنكرات وهكذا، فما نصيحتكم لي جزاكم الله خيراً؟ الجواب الذي أوصيك به وصية الله : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨]. الزم هؤلاء، صحبة الخير الذين يقودونك إلى مرضاة الله ، ولا تنفرد بنفسك ما دمت تعلم أنك إذا خلوت تسلطت إلى المنكرات والصور العارية، والأمور التي لا ترضي الله ، لا تخل بنفسك: (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)، (المرء قويٌ بإخوانه ضعيفٌ بنفسه). فالزم هؤلاء الأخيار، ولا تفارقهم، واجعل جل وقتك معهم. ولا تسمح لنفسك أن تخلو إلا لأمر لا بد لك منه، أو في قضاء حاجات أهلك قبل إخوانك، وهم مقدمون في ذلك. ثم بعد ذلك اجعل جل وقتك ما استطعت لمجالس الخير. والعاقل الذي يريد الخير والثواب والعلم والفضيلة لن يجد وقتاً حتى يملأ به كل هذه البرامج التي تتزاحم أمام وقته، لكن الفارغ فارغ، والإنسان بين خيارين: إما الحزم. وإما الضياع. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 426

دار المتقين لقد وعد الله جل وعلا المتقين بدار النعيم والخلود الأبدي، وبشرهم بالرضوان، وهو: دخول الجنة، ووصف الجنة وما فيها من نعيم وحبور دائم من المآكل والمشارب، والفاكهة والطعام، والحور العين، والقصور والغرف الفاخرة، وغير ذلك من الملك الذي هو أعظم من الدنيا وما فيها؛ وما ذلك الوصف إلا ليزداد المؤمنون تشوقاً لها، وتلهفاً لخيراتها، فاقرأ هذه المادة لترى ما أعد الله لعباده.

стр. 427

حقيقة الدنيا وحقارتها إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أسأل الله جل وعلا أن يجمعنا بكم في دار كرامته، أسأله أن يهيئ لنا ذاك المقام الكريم، الذي أخبر به النبي ﷺ عن أبواب الجنة، بقوله: (إن من أبواب الجنة باباً ما بين مصراعيه مسيرة ستمائة عام، وليأتين عليه يومٌ وهو كظيظٌ بالزحام) نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة. والحديث -أيها الأحبة- مرتبطٌ غاية الارتباط بهذه المقدمة المباركة الموفقة التي توفق بها الشيخ/ عبد الرحمن سدده الله، ذاك أن الجنة هي جزاء عباد الله المتقين، جزاء عباده المتمسكين المهتدين بكلام رب العالمين، وسنة سيد الأنبياء والمرسلين، وإن أي عمل مهما بلغ ضجيج صوته، وكثرة الزحام حوله، وكثرة أتباعه، ما لم يكن مقيداً بعلم الكتاب والسنة فعلى خطرٍ أن يكون أصحابه كما قال جل وعلا: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٣ - ٤] فلا أمان من الزلل، ولا نجاة من الهلكة إلا بتقييد وضبط هذا الحماس، وتوجيه هذه الصحوة بكلام الله ورسوله ﷺ . أيها الأحبة في الله! خلق الله الدنيا وجعلها وما عليها إلى الفناء والزوال، أما الدنيا فلن يخلد فيها أحد، ولن يبقى فيها أحدٌ أبداً ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] قال ﷺ : (جاءني جبريل وقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه الليل، وعزه استغناؤه عن الناس). أيها الأحبة! هذه الدنيا مهما تزخرفت! ومهما تزينت! ومهما تعطرت وتطيبت لأصحابها فإنهم يعلمون لا محالة أنهم يفارقونها من النور إلى القبور، ومن السعة إلى الضيق، ومن الاجتماع إلى الفرقة، ومن الأنس إلى الوحشة، ومن اللذة إلى الكدر. طبعت على كدرٍ وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأكدارِ ومكلفُ الأيام ضد طباعها متطلبٌ في الماء جذوة نارِ يقول القائل: أحب ليالي الهجر لا فرحاً بها عسى الله يأتي بعدها بوصالِ وأكره أيام الوصال لأنني أرى كل وصلٍ معقبٍ بزوالِ أيها الأحبة في الله! نحنُ في دنيا أشغلتنا وألهتنا، ولعبت بأهوائنا، وأخذت منا جهدنا، حتى أصبحنا نضع لديننا فاضل أوقاتنا، ونضع لدعوتنا آخر اهتماماتنا، ونجعل لعقيدتنا آخر ما يبقى من فكرنا وذهننا واشتغالنا يقول ابن القيم في نونيته التي سنسير هذه الليلة معها شوطاً طويلاً: لا يلهينك منزلٌ لعبت به أيدي البلى من سالف الأزمانِ فلقد ترحل عنه كل مسرة وتبدلت بالهم والأحزانِ سجنٌ يضيق بصاحب الإيمان لكن جنة المأوى لذي الكفرانِ وصدق، ومصداق قوله قول النبي ﷺ (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر). أيها الأحبة في الله! إننا ما عرفنا الدنيا حق المعرفة، وما عرفنا الآخرة حق المعرفة، وما عبدنا الله حق عبادته، وما قدرناه حق قدره، وما شكرناه حق شكره، ولو قمنا بذلك لادخرنا ساعة بل لحظة بل ثانية في طاعة الله وجهاد أعداء الله والدعوة إلى توحيد الله ، من أجل الحصول على مرضات الله جل وعلا، إن كلمة الله لعباده في الجنة يوم يتجلى الجبار جلَّ وعلا، ويتجلى لعباده في الجنة، ويكشف لهم الستر، ويقول: يا عبادي قد رضيت عنكم، قد رضيت عليكم، أي بشارة هذه: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩].

стр. 428

دار البقاء هي دار الجنة أيها الأحبة! والله إن الواحد منا لو كان مدرساً فقيل: إن مدير المدرسة غاضبٌ عليك غير راضٍ عنك، ولو قيل: إن أمير المنطقة غاضبٌ عليك غير راضٍ عنك، ولو كان في بلدٍ وقيل: إن رئيسها أو زعيمها أو حاكمها غاضبٌ عليك وليس براضٍ عنك؛ لأشغلك ذلك الغضب وتمنيت رضاه، فما بالك لو حصل لك رضا رب العالمين، رضا ملك الملوك، رضا الرب الذي بيده نواصي العباد، رضا الرب الذي يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويقبض ويبسط، رضا الرب الذي إذا رضي عنك فلا تسأل عن رضا أي مخلوقٍ بعده، وإن سخط عليك فلن ينفعك رضا الناس أبدا، هذا الرضا تعده في دنياك حصناً وعوناً، ولآخرتك عزاً وأمناً. لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بخيرٍ طاب مسكنه وإن بناها بشرٍ خاب بانيها اعمل لدار غداً رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها أرضٌ لها ذهبٌ والمسك طينتها والزعفران حشيشٌ نابتٌ فيها هذه الدار هي: الجنة نعمت جزاء المتقين الجنة دار الأماني والمنى والمنة هذه الجنة: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وباردٌ شرابها هذه الجنة، حي على طريقها، حي على سنة قائدها والهادي إليها: فحي على جنات عدنٍ فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم

стр. 429

الأدلة التي ورد فيها ذكر الجنة الجنة هي: الجزاء الذي أعده الله لعباده المتقين، إن الله وعد المتقين بالجنة وعد الصابرين بالجنة وعد الصادقين بالجنة وعد المجاهدين بالجنة وعد الدعاة إلى سبيله بالجنة وعد الهداة إلى توحيده بالجنة وما كان في القرآن وعدٌ بملك أو وعدٌ بمال، أو وعدٌ بعرضٍ من الدنيا، أو حطامها الفاني، أو شيء من الملذات إنما الوعد هو الجنة، قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان:١٢] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه:٧٥ - ٧٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود:١٠٨]، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً﴾ [مريم:٦٣]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً﴾ [العنكبوت:٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [النساء:١٢٤]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة:٧٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ [الكهف:١٠٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥]. ولما لقي الأنصار نبي الله ﷺ في البيعة المشهودة قالوا: بايعناك على ماذا؟ على أن نمنعك مما نمنع عنه أنفسنا ونساءنا فما لنا يا رسول الله؟ نحن بايعناك على أن نقتل دونك، وبايعناك على أن نمنعك مما نمنع عنه نساءنا، وأبناءنا، وأنفسنا، ومحارمنا فما الذي لنا، ماذا تعطينا؟ هل تعطينا ولاية؟ هل تعطينا حكماً؟ هل تعطينا منصباً؟ هل تعطينا وزارة؟ هل تعطينا رئاسة الوزراء؟ فقال: (لكم الجنة).

стр. 430

الجنة فضل ومنة من الله جل وعلا أيها الأحبة! الجنة هي الوعد، الجنة هي الجزاء، الجنة هي الثواب، الجنة هي المآل، الجنة هي الثمن، الجنة هي الصفقة، الجنة هي التجارة، الجنة هي الغاية، الجنة هي المنتهى بعد رحمة الله . أحبتنا في الله! إن الجنة التي أعدها الله جل وعلا وهي الآن موجودة، هي جنة فيها من عباد الله من ينعم، هذه الجنة ليست ثمناً لأعمالنا، ليست ثمناً لسعينا، ولا لكدنا، أو تعبنا أو صلاتنا أو قيامنا أو صيامنا؛ إنما هي فضلٌ ومنةٌ ورحمةٌ وكرامةٌ من الله جل وعلا. ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (إنه لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟) أنت -أيها النبي- الذي جاهدت في الله حق جهاده، الذي بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، البر الرءوف الرحيم بهذه الأمة! أنت -أيها النبي- الذي قمت حتى تفطرت قدماك! أنت -أيها النبي- الذي ربطت على بطنك حجرين من الجوع في سبيل الله! أنت -أيها النبي- الذي صبرت على ما جاءك وأصابك في سبيل الله وفي ذات الله! قالوا: (حتى أنت يا رسول الله؟ قال: حتى أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته).

стр. 431

الحديث عن الجنة وأوصافها ووصف أهلها أيها الأحبة! حديثنا اليوم عن دارٍ ليست بالخيال بل هي في الحقيقة، حديثنا اليوم عن دارٍ ليست في الأحلام بل هي في الواقع، حديثنا اليوم عن دارٍ قائمة موجودة، فيها من ينعم بنعيمٍ قد عجله الله له جل وعلا، قال ﷺ : (رأيت جعفر بن أبي طالب ملكاً يطير في الجنة بجناحين) وروى الطبراني وابن عدي والحاكم عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (دخلت الجنة البارحة فنظرت فيها فإذا جعفر يطير مع الملائكة، وإذا حمزة متكئٌ على سرير) حمزة شيد الشهداء؛ الشهداء قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] هذا حمزة سيد الشهداء إنه ما فنيت حياته، ما انقضت روحه، ما زهقت نفسه، فأصبح جثة لا حراك لها؛ بل هو عند رب العالمين في جنة النعيم، قال ﷺ : (وإذا حمزة متكئٌ على سريرٍ في الجنة) الله أكبر! وقال ﷺ : (دخلت الجنة فاستقبلتني جارية فقلت: لمن أنت أيتها الجارية؟ فقالت: أنا لـ زيد بن حارثة) صححه الألباني في صحيح الجامع. وروى الترمذي والحاكم عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان فذلكم البر! فذلكم البر!) وكل هذه صححها الألباني في صحيح الجامع الصغير، قال ابن القيم: يا خاطب الحور الحسان وطالباً لوصالهن بجنة الحيوانِ لو كنت تدري من خطبت ومن طلبت بذلت ما تحوي من الأثمانِ أو كنت تدري أين مسكنها جعلت السعي منك لها على الأجفانِ ولقد وصفتُ طريق مسكنها فإن رُمْت الوصال فلا تكن بالوان أسرع وحث السير جهدك إنما مسراك هذا ساعة لزمانِ فاعشق وحدث بالوصال النفس وابذل مهرها ما دمت ذا إمكانِ واجعل صيامك قبل لقياها ويوم الوصل يوم الفطر من رمضانِ واجعل نعوت جمالها الحادي وسر تلق المخاوف وهي ذات أمانِ

стр. 432

الشفاعة الكبرى والمقام المحمود لنبينا محمد ﷺ أيها الأحبة! عندما يساق أهل الجنة إلى الجنة معززين مكرمين، زمراً إلى جنات النعيم، إذا أقبلوا على أبوابها فتحت وشرعت لهم أبوابها، من المصاريع إلى المصاريع، تفتح هذه الأبواب، ثم تجد جموعاً من المستقبلين ومن المهنئين، وجموعاً من المضيفين، وجموعاً من المكرمين، الملائكة الكرام يهنئون أهل الجنة بسلامة الوصول عند هذا الباب، بعد ماذا؟ بعد معاناة طويلة، بعد النفخ في الصور بعد الخروج من الأجداث بعد الحشر بعد النشر بعد الهول بعد تطاير الصحف بعد رجحان الموازين إما بحسناتٍ أو بغيرها بعد أن تدنو الشمس من الخلائق فتكون على رءوسهم قدر ميل بعد أن يشتد الكرب بأهل الموقف حتى يقول أهل الموقف: من يشفع لنا؟ من يعيننا؟ من يخلصنا؟ من يدفعنا عن موقفنا هذا؟ فيلتفتون إلى آدم لا يريدونه أن يخلص بل يريدون منه شفاعة، فيقول: لست لها، فيذهبون بعد ذلك إلى إبراهيم فيقول: لا. لست لها، فيذهبون إلى نوح فيقول: لا. لست لها. ويمرون بعددٍ من أولي العزم من الرسل حتى يأتون نبينا وحبيبنا وشفيعنا وقائدنا وإمامنا، وهادينا، وقدوتنا رسولنا ﷺ فيقولون: يا محمد! اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه من شدة هولٍ وحال؟ فيقول: (أنا لها) يقول ﷺ : (فيفتح الله علي بمحامد لم أكن أعرفها قبل ذلك الحين، ثم أخر ساجداً لربي أسبحه وأدعوه، وأحمده وأدعوه، وأحمده وأناجيه؛ حتى يقول الجبار جل وعلا: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع) فيشفع ﷺ الشفاعة العظمى لأهل الموقف أي: يخفف عنهم ما هم فيه من الهول العظيم، ثم يشفع لأقوامٍ من المؤمنين فيدخلون الجنة بغير حساب، ويشفع لأقوامٍ قد استحقوا النار فيعافيهم الله ويسلمهم من النار، ويشفع لأقوامٍ تخفف درجاتهم في النار أو يخرجون من النار بعد أن يمكثوا منها قليلاً، ويشفع شفاعة خاصة لعمه أبي طالب ذاك الذي كان كثيراً ما يحنوا عليه، ويحدب عليه، ويصونه، ويحوطه، ويعيله، ويقف معه، ويجاهد قريشاً دونه، ولكن ما نفعه ذلك؛ لأنه ما قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أبو طالب الذي يقول: ولقد علمت بأن دين محمدٍ من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذارِ مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا أبو طالب الذي وقف وقفة الجبل مع النبي ﷺ ومع ذلك ما نفعه ذلك؛ لأن الجنة لا يدخلها إلا الموحدون؛ لأن الجنة لا يدخلها إلا من سلم من الشرك، من سلم من نواقض التوحيد، من سلم مما يشوب توحيده وإيمانه.

стр. 433

مجاوزة المؤمنين الصراط ودخولهم الجنة زمراً وجماعات تخيل أخي! في الدنيا أنك مع زمرة من الكرام والأكابر ذوي الحسب والنسب والمال والجاه والثروة تقدمون إلى قصرٍ من القصور، فإذا دنوتم فتحت أبواب القصور لكم، وخرج المهنئون، وضربت لكم التحايا، واصطفت الناس بين أيديكم، ألا تجدون عظمة في النفوس؟! ألا تجدون شيئاً يملأ القلوب؟! فما بالك إذا فتحت أبوابٌ ليست أبواب قصور الدنيا التي تفنى وتهرم وتبيد: ونبني القصور المشمخرات في السما وفي علمنا أنا نموت وتخربُ أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها أي قصرٍ! تفتح قصور الجنة، أبواب الجنة يوم أن تفتح والملائكة هم الذين يستقبلون ويهنئون ويقولون: سلامٌ عليكم طبتم حياكم الله! طبتم بياكم الله! طبتم أكرمكم الله! نجاكم الله! هداكم الله! وفقكم الله! التحايا من الملائكة في البشارة والتهنئة لهذه الأقدام التي جازت على الصراط، والصراط الذي نصب على جسر جهنم، والكلاليب تخطف الناس عن يمينه وشماله، أليس حرياً أن يهنأ عابرٌ بعد أن جاوز هذا الصراط؟! بلى والله، هذا المشهد العظيم، يقول فيه ربنا جل وعلا: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣] طابت أعمالكم، طابت أقوالكم، طابت عقيدتكم، أصبحت نفوسكم زكية، وقلوبكم طاهرة، فبرحمة الله ثم بهذا استحققتم أن تكونوا من أهل الجنة. ثم يأتي أقوامٌ من المؤمنين يدنون قبيل دخولهم من الجنة، لكن تهذب نفوسهم، وتنقى أبدانهم، روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعضٍ مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمدٍ بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا) أي كرامة! أي عزة! أي نعيم يوم أن تُصَفَّى يوم أن تُنَقَّى يوم أن تُطَهَّر ثم تدخل الجنة! أنت تعرف مكانك في الجنة كما تعرف بيتك لا تتعداه إلى بيت جارك ولا تقصر عنه إلى بيت جارٍ آخر، بل أنت أهدى لمنزلك في الجنة من هدايتك لمنزلك في الدنيا.

стр. 434

أول زمرة يدخلون الجنة بغير حساب ثم أيها الأحبة! هناك كوكبة، هناك زمرة وثلة يدخلون الجنة بغير حساب، روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : (أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، آنتيهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحدٍ منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب رجلٍ واحد يسبحون الله بكرةً وعشياً) واسمعوا قول الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] واسمعوا قول الله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة:١٠ - ٢٦]. أيها الأحبة! إن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، قال ابن القيم: هذا وأول زمرة فوجوههم كالبدر ليل الست بعد ثمانِ السابقون همُ وقد كانوا هنا أيضاً أُلِي سبقٍ إلى الإحسانِ وقال في الزمرة الأخرى: والزمرة الأخرى كأضوء كوكبٍ في الأفق تنظره به العينانِ أمشاطهم ذهبٌ ورشحهم فمسكٌ خالصٌ يا ذلة الحرمانِ أيها الأحبة! هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب، من هم؟ وكم عددهم؟ قال ﷺ : (أعطيت سبعين ألفاً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجلٍ واحد) انظروا إلى هذا النبي البر الرحيم الحبيب بالأمة ﷺ قال: (فاستزدت ربي) طلبت الزيادة، أريد أن يدخل أكثر من سبعين ألفاً من أمتي الجنة بلا حساب قال: (فاستزدت ربي فزادني مع كل واحدٍ سبعين ألفا) صححه الألباني في صحيح الجامع، وفي مسند أحمد وسنن الترمذي وصحيح ابن حبان عن أبي أمامة بإسنادٍ صحيح أن رسول الله ﷺ قال: (وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بلا حسابٍ عليهم ولا عذاب، مع كل ألفٍ سبعون وثلاث حثيات من حثيات ربي) صححه الألباني في صحيح الجامع وذكر في هذه الرواية زيادة (وثلاث حثياتٍ من حثيات ربي).

стр. 435

خروج الجهنميين من النار أيها الأحبة! نحن العصاة، نحن المفرطون، نحن المقصرون، متى ندخل الجنة؟ متى نرد إلى أبوابها؟ إن من معتقد أهل السنة والجماعة أن من كان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، ولم يأت بما ينقض التوحيد أو يوجب الشرك والكفر، فإنه لو دخل النار لا يخلد فيها بل يخرج منها ويدخل الجنة ولكن الله أعلم كم يمكث في هذه النار؟ روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناسٌ أصابتهم النار بذنوبهم أو قال: بخطاياهم فأماتتهم إماتة حتى إذا كانوا فحماً -حتى إذا كانوا بسبب لهيب النار وحرها ونارها وسمومها وعذابها- حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل: يا أهل الجنة! أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل) رواه مسلم، ولـ مسلم من حديث جابر بن عبد الله يرفعه إلى رسول الله ﷺ (إن قوماً يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم حتى يدخلون الجنة) رواه الإمام مسلم وهؤلاء الذين يخرجون من النار ويدخلون الجنة يسميهم أهل الجنة بالجهنميين، كما في صحيح البخاري عن عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ قال: (يخرج قومٌ من النار بشفاعة محمدٍ ﷺ فيدخلون الجنة يسمون الجهنميون) وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة الطويل في وصف الآخرة: (حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول: لا إله إلا الله) والشرط تذكروا (من لا يشرك بالله شيئاً) قال: (فيعرفونهم في النار بأثر السجود، تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكله، فيخرجون من النار وقد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة؛ فينبتون منه كما تنبت الحبة في حميل السيل).

стр. 436

آخر أهل النار خروجاً منها رجل يمشي مرة ويكبو مرة ولكن أيها الأحبة! هؤلاء الذين خرجوا من النار ودخلوا الجنة، ما بال آخرهم خروجاً من النار ودخولاً الجنة؟! ما بال آخرهم خروجاً من هذا العذاب ودخولاً في بداية النعيم؟! أتراه يظن أنه بقي له من النعيم شيء؟! انظروا إلى حال عبدٍ من عباد الله في هذا الحديث الصحيح الطويل عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (آخر من يدخل الجنة رجل يمشي مرة ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا ما جاوزها التفت إليها -ذلك العبد الذي خرج من النار يمشي ويكبو ويسقط ويقوم- يلتفت إلى النار بعد أن جاوزها ويقول: تبارك الذي نجاني منك لقد أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من الأولين والآخرين) يظن أن أنعم النعيم هو نجاته وسلامته من النار قال: (فترفع له شجرة فيقول الله : يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها؟ فيقول: لا يا رب ويعاهد العبد ربه ألا يسأل الله غير البلوغ إلى هذه الشجرة، قال: وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه الله من هذه الشجرة، فيستظل ذلك العبد بظلها، ويشرب من مائها. فإذا استقر فيها رفعت له شجرة هي أحسن من الأولى فيقول العبد: أي رب أدنني من هذه الشجرة لأشرب من مائها ولأستظل بظلها لا أسألك غيرها فيقول الله جل وعلا: يا ابن آدم! ألم تعاهدني ألا تسألني غيرها؟! فيقول الجبار جل وعلا: لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيقوم العبد يعاهد ربه ألا يسأله غيرها، وربه تعالى يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه الله منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها. ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة -كل هذه الأماني كل هذه الطيبات قبل وصول باب الجنة- وهي أحسن من الأوليين فيقول العبد: أي رب! أدنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها لا أسألك غيرها يا رب! فيقول الله: يا ابن آدم! ألم تعاهدني ألا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب لا أسألك غيرها وربنا يعذره؛ لأن ذلك العبد يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه الله منها؛ فإذا أدناه الله من هذه الشجرة سمع أصوات أهل الجنة فيقول العبد: يا رب! أدخلنيها، فيقول: يا ابن آدم! وما الذي يرضيك أو يقطع مسألتك يا عبد! أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال العبد: يا رب! أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟! فضحك ابن مسعود ﵁ فقال ابن مسعود: ألا تسألونني مم ضحكت؟ فقالوا: مم ضحكت؟ قال: هكذا ضحك رسول الله ﷺ ، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ فقال: من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟! فيقول: إني لا أستهزئ منك ولكني على ما أشاء قادر) أخرجه الإمام مسلم. أيها الأحبة! الجنة نعيمٌ وخلودٌ وبقاءٌ لا فناء بعده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ [الكهف:١٠٧ - ١٠٨]. وفي الحديث عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ولا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه) رواه الإمام مسلم في صحيحه.

стр. 437

وصف بناء الجنة أيها الأحبة! من هؤلاء الذين يبيعون الجنة بسفرٍ إلى الخارج في الإجازات يعاقر الشراب وصور العاريات، وفرش البغايا والزانيات؟! من هؤلاء الذين يبيعون الجنة بنعيم أعد الله فيه لأهل الجنة ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟! جلس الصحابة رضوان الله عليهم ذات يوم يسألون النبي ﷺ عن بناء الجنة؟ فقال ﷺ عليه وسلم في وصف الجنة قولاً لذيذاً جميلاً طيباً يقول ﷺ : (الجنة لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها المسك الإذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه) رواه أحمد والترمذي وهو صحيح، وصدق الله حيث يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ [الإنسان:٢٠] أما ما أخفاه الله عن أهل الجنة من نعيمها فشيءٌ عظيم لا تدركه العقول، ولا تصل إلى كنهه الأفكار، قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (قال الله : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]).

стр. 438

أهل الجنة في درجات مختلفة ومتفاوتة ثم إن أهل الجنة إذا دخلوها هم في درجاتٍ يتفاوتون: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] هل يستوي أولئك الذين تعرض عليهم الأفلام فيقولون: إنا نخاف الله ونستخدم البصر في طاعة الله مع الذين يسهرون البصر على معصية الله؟! هل يستوي أولئك الذين يصومون النهار ويقومون الليل مع أولئك الذين ضيعوا صيامهم وناموا عن صلاة الفجر؟! هل يستوي أولئك الذين يتعففون عن الحرام، وينتبهون كيف يدخلون الحلال مع الذين يجمعون المال بالرشوة وبكل سبيلٍ لا يبالون أمن حلال أم من حرام؟! لا. ولأجل ذلك فإن من دخل الجنة ولو بعد خروجه من النار فإنه في درجاتٍ متفاوتة بينه وبين أهل الجنة السابقين، روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : (من آمن بالله وبرسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها، قالوا: يا رسول الله! أفلا نبشر الناس؟ فقال ﷺ : إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة) الجنة درجات، الجنة منازل، الجنة غرفٌ من فوقها غرفٌ منبية، ثبت في الصحيح عن أنس أن أم حارثة أتت رسول الله ﷺ وقد قتل ولدها حارثة في معركة بدر أصابه سهمٌ طائش فقالت: (يا رسول الله! قد علمت موقع حارثة من قلبي، فإن كان حارثة في الجنة لم أبكِ عليه، وإلا سوف أريك ما أصنع إن لم يكن في الجنة فقال لها: أجنة واحدة هي يا أم حارثة؟ إنها جنانٌ كثيرة، وإن ولدك حارثة قد أصاب الفردوس الأعلى منها) الله أكبر! الجنة درجات، فهنيئاً لمن كان في أعلى درجاتها، هنيئاً لمن نالها برحمة الله، هنيئاً لمن شمر لها وأعد لها، وقد بين ﷺ هذا التفاوت الواضح في درجات ومنازل أهل الجنة ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو من المغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله! أتلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ فقال ﷺ : والذي نفسي بيده رجالٌ آمنوا بالله وصدقوا المرسلين) هذه الجنة كما يقول ابن القيم. غرفاتها في الجو ينظر بطنها من ظهرها والظهر من بطنان سكانها أهل القيام مع الصيام وطيب الكلمات والإحسانِ

стр. 439

وصف أنهار الجنة أيها الأحبة! وهذه الجنة ترابها المسك وفيها حبايل اللؤلؤ، وفيها من النعيم: عيونٌ من الكافور، عيونٌ من التسنيم، عيونٌ من السلسبيل: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر:٤٥]، ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ [الرحمن:٥٠]، ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن:٦٦] هذه العيون النابعة في الجنة ما هي ومن أي شراب؟ إن في الجنة عينان يشرب المقربون ماءهما صرفاً غير مخلوطٍ، ويشرب منها الأبرار الشراب مخلوطاً ممزوجاً بغيره، العين الأولى عين الكافور قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ [الإنسان:٥ - ٦]. والعين الثانية عين التسنيم قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢٢ - ٢٨]. ومن عيون الجنة عينٌ اسمها السلسبيل قال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً * عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً﴾ [الإنسان:١٧ - ١٨]. أيها الأحبة! ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] اسألوا أنفسكم، ولنسأل أنفسنا في ماذا تنافسنا؟ في الأسهم! في العقارات! في المسابقات الوظيفية! في السيارات الفارهة! في متاع الدنيا! في حطامها الفاني! أموالٌ نجمعها لورثتنا، ودورٌ نبنيها لخراب دهرنا، والله إننا نضيع حظنا من الآخرة بحطامٍ فانٍ في الدنيا. أما قصور الجنة، أما مساكن الجنة يقول تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [الصف:١٢] ويقول تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر:٢٠].

стр. 440

وصف غرف الجنة وقصورها لما قدم الرسول ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، وخرجوا يستقبلونه، يقول عبد الله بن سلام: فكنت فيمن انجفل فلما رأيت وجهه ﷺ علمت أنه ليس بوجه كذاب، قال: فكان أول ما قال: (أيها الناس! أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا جنة ربكم بسلام) وقد أخبرنا جل وعلا أن هذه القصور وهذه الغرف وهذه الخيام فيها أمرٌ عجيب قال تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] وهذه الخيام -أيها الأحبة- خيمة عجيبة من اللؤلؤ بل كل هذه الخيمة لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً، وفي بعض الروايات أن عرضها ستون ميلا، ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الخيمة درة مجوفة، طولها في السماء ثلاثون ميلاً، في كل زاوية منها للمؤمن أهلٌ لا يراهم الآخرون) أتريدون بيوتاً في الجنة؟ أتحبون أن تعمروا دوراً في الجنة؟ أتحبون أن تشيِّدوا قصوراً في الجنة؟ (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له به بيتاً في الجنة) بناؤك لمسجد ولو بقدر ما تقع فيه قطاة أو حمامة أو طير تجعله وقفاً لله يصلي فيه المسلمون سواءً في هذه البلاد أو في أي بلاد، تحرص أن يكون هذا المسجد يعبد الله فيه وحده ولا يشرك به شيئاً، أبشر بأن هذا من أسباب بناء الدور لك في الجنة. في مسند أحمد عن ابن عباس بإسنادٍ صحيح أن رسول الله ﷺ قال: (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة) وفي صحيح مسلم ومسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجة عن أم حبيبة أن رسول الله ﷺ قال: (من صلى في اليوم والليلة اثنتي عشرة ركعة تطوعاً بنى الله له بيتاً في الجنة) يعني: الفقير الذي ما عنده ريالات أو دنانير أو دولارات أو دراهم يبني بها مسجداً يداوم على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة تطوعاً مع محافظته على الفرائض والواجبات فإنه بذلك يبنى له بيتٌ في الجنة. قال ابن القيم: للعبد فيها خيمة من لؤلؤٍ قد جوفت هي صنعة الرحمن ستون ميلاً طولها في الجو في كل الزوايا أجمل النسوانِ يغشى الجميع فلا يشاهد بعضهم بعضاً وهذا لاتساع مكانِ فيها مقاصيرٌ بها الأبواب من ذهبٍ ودرٍ زين بالمرجان وخيامها منصوبة برياضها وشواطئ الأنهار بالجريانِ ما في الخيام سوى التي لو قابلت للنيرين لقلت منكسفانِ يعني: ما في الخيمة إلا حورية لو قابلت الشمس والقمر لسطع نورها أمام الشمس والقمر وقلت: إن الشمس والقمر منكسفان منخسفان: لله هاتيك الخيام فكم بها للقلب من عُلقٍ ومن أشجانِ فيهن حورٌ قاصرات الطرف خيراتٌ حسانٌ هن خير حسانِ خيرات أخلاقٍ حسانٌ أوجهاً فالحسن والإحسان متفقانِ

стр. 441

ليس في الجنة ليل ولا نهار أيها الأحبة! هل في الجنة ليل؟ هل في الجنة نهار؟ قال العلماء: ليس في الجنة ليلٌ ولا نهار، وإنما هم في نورٍ دائماً وأبداً، ويقول الله جل وعلا: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم:٦٢] فهل يدل ذلك على أن في الجنة ليلٌ ونهار؟ قال العلماء: إنما هو نورٌ دائم وإنما يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب، ذكره ابن الجوزي. ويقول ابن تيمية في هذه المسألة: الجنة ليس فيها شمسٌ ولا قمر، أين الشمس والقمر؟ يكونان ثورين يكوران في النار، الله أكبر هذه المخلوقات العجيبة أين تكون؟ هذه الجبال والشمس والقمر والسماء، الله أكبر! ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه:١٠٥] تنتهي قبل بلوغ هذه المرحلة: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨] ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات:١٠] هذه الجبال العظيمة الرواسي لو جمعت جيوش الأرض منذ أن قامت الساعة إلى يومنا هذا ليزيلوا جبال بقعة من بقاع الأرض ما أزالوها، لكن الله جل وعلا: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة:٥] ترى الجبال متطايرة كأنها الصوف المتطاير من شدة الهول: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار:١ - ٤]، ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير:١ - ٢]. كل هذه الكواكب وكل هذه الأفلاك، وكل هذه المخلوقات العظيمة التي هي أعظم من خلق الأرض ومن عليها وما فيها تتطاير وتنتهي وتزول حتى البحار تتفجر وتشتعل ناراً: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:٦] أي: تشتعل بالنار. أيها الأحبة! قلنا: إن الشمس والقمر غير موجودين في الجنة أو لا يوجد ليلٌ ولا نهار وإنما هو نورٌ -كما يقول ابن تيمية - والجنة ليس فيها شمسٌ ولا قمرٌ ولا ليلٌ ولا نهار، ولكن يعرف البكور والعشي بنورٍ يظهر من قبل العرش.

стр. 442

طعام أهل الجنة إخواننا! ما هو طعام أهل الجنة؟ طعامنا إذا لم نجده نموت من الجوع، وإذا شبعنا أمرضنا وأتخمنا، ثم نخرجه عذرة وغائطاً وبرازاً في الخلاء والمراحيض، مشقة في كل الأحوال، مشقة في طلبه، مشقة في أكله، مشقة في هضمه، مشقة في إخراجه، ولو بقي الطعام لرضي الواحد أن يجز بطنه وأن يشق جوفه من أجل إخراج لقمٍ أكلها وكان يشتهيها، والشراب الذي نشربه نشربه ثم لو انحصرنا فلم نستطع أن نخرجه لرضينا أن تشق منا الأجواف لإخراجه، طلب الماء مشقة ولو فقدناه لهلكنا، ولو أودعناه أجوافنا مللنا منه حتى نخرجه هذا مثال الدنيا، أيها الأحبة! لكن طعام أهل الجنة، يقول ابن القيم فيه بنظمه الجميل في النونية: الكافية الشافية: وطعامهم ما تشتهيه نفوسهم ولحوم طيرٍ ناعمٍ وسمانِ وفواكه شتى بحسبِ مناهم يا شبعة كملت لذي الإيمانِ لحمٌ وخمرٌ والنسا وفواكهٌ والطيب مع روحٍ ومع ريحان وصحافهم ذهبٌ تطوف عليهم بأكف خدامٍ من الولدانِ وانظر إلى جعل اللذاذة للعيون وشهوة للنفس في القرآن للعين منها لذة تدعو إلى شهواتها بالنفس والأمران سبب التناول وهو يوجب لذة أخرى سوى ما نالت العينانِ أيها الأحبة! قد يقول قائل: أليس أهل الجنة لا يجوعون فلماذا يأكلون؟! وقد يقول قائل: أليس أهل الجنة لا يظمئون فلماذا يشربون؟! قد أورد القرطبي هذا وأورده كثيرٌ من السلف رضوان الله عليهم فقالوا: إن طعام وأكل أهل الجنة ليس عن جوع، وإن شرابهم ليس عن ظمأ، ولكنها لذات الأكل ولذات الشراب، فإذا شبعوا وأكلوا كان الأكل لذة، وكان تصريف هذا الطعام والشراب لذة قال ابن القيم في هذا: هذا وتصريف المآكل منهم عرقٌ يفيض لهم من الأبدانِ كروائح المسك الذي ما فيه خلطٌ غيره من سائر الألوانِ فتعود هاتيك البطون ظوامراً تبغي الطعام على مدى الأزمانِ لا غائطٌ فيها ولا بولٌ ولا مخطٌ ولا بصقٌ من الإنسانِ ولهم جشاءٌ ريحه مسكٌ يكون به تمام الهضم بالإحسانِ هذا وهذا صح عنه فواحدٌ في مسلم ولـ أحمد الأثرانِ الله أكبر! أي هذا الخير! أي هذا النعيم! أي تلك النعم وتلك البركات وتلك الرحمات!!

стр. 443

وصف أشجار الجنة أيها الأحبة! إننا نستطيع أن ندرك نصيبنا بإذن الله وبرحمته مما نحن بصدده، ولكن ما الذي يقعد بنا عن هذه الجنة؟ قبل أن أجيب على ذلك نكمل شيئاً مما بقي من وصفها فأما أشجار الجنة الحدائق والنخيل ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ (إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها) هذه شجرة واحدة، وسدرة المنتهى في الصحيحين أيضاً قال ﷺ (ثم انطلق بي حتى انتهيت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة، تكاد الورقة تغطي هذه الأمة -يشير إلى أمة كانت عنده ﷺ فغشيها ألواناً لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبايل اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك) وأما شجرة طوبى فشجرة عظيمة كبيرة تخرج منها ثياب أهل الجنة، ففي مسند أحمد وتفسير ابن جرير وصحيح ابن حبان عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: (طوبى: شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها) وقد دل على أن ثياب أهل الجنة تشقق عنها ثمار الجنة حديثٌ رواه أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمر قال (جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أخبرنا عن ثياب أهل الجنة خلقاً تخلق أم نسجاً تنسج؟) صحابي يفكر في الثياب في الجنة فجاء يسأل رسول الله ﷺ فقال: هل هي خلقٌ يخلق أم نسجٌ ينسج؟ فضحك بعض القوم الجالسين فقال ﷺ : (ومم تضحكون من جاهلٍ سأل عالماً؟! ثم أكب رسول الله ﷺ وقال: أين السائل؟ فقال: هو ذا أنا يا رسول الله، فقال ﷺ : لا. بل تشقق عنها ثمرة الجنة).

стр. 444

في الجنة كل ما تشتهيه الأنفس والذين يحبون الأباعر ويعشقون الخيل والدواب في الجنة ما تتمناه أنفسهم، ولهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ففي مسلم وأخرجه أيضاً أبو نعيم في الحلية والحاكم في المستدرك عن ابن مسعود قال: (جاء رجلٌ بناقة مخطومة فقال: يا رسول الله! هذه الناقة في سبيل الله فقال ﷺ : لك بها سبعمائة ناقة مخطومة في الجنة) وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، أهل الجنة يتمنون أشياء، وقد تعجبون من الأماني، يتمنى بعض أهل الجنة أمنية، فهذا واحدٌ يستأذن ربه أن يزرع في الجنة، واحدٌ من أهل الجنة يستأذن الله أن يزرع في الجنة ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يتحدث وعنده رجلٌ من الأعراب من أهل البادية فقال ﷺ : (إن رجلاً من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع فقال له الله جل وعلا: يا عبد ألست فيما شئت؟) فلم الحاجة إلى الزرع؟ ماذا تريد من الزرع وأنت في زرعٍ وظلٍ ونعيم؟ (ألست فيما شئت؟ قال: بلى. ولكن أحب الزرع، فآتاه الله ما أراد فبذر -أخذ يبذر- فبادر الطرف نباته -يعني: ما يضع البذرة حتى يلاحق الثمار ببصره- فبذر فبادر الطرف نباته واستواءه وحصاده فكان أمثال الجبال فيقول الله تعالى: دونك يا ابن آدم! فإنك لا يشبعك شيء قال الأعرابي الذي كان جالساً عند الرسول ﷺ : يا رسول الله! والله لا تجد هذا السائل إلا قرشياً أو أنصارياً -هذا الذي يريد أن يزرع في الجنة- يقوله الأعرابي يا رسول الله! والله لا تجد هذا السائل إلا قرشياً أو أنصاريا فإنهم أصحابُ زرع وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع؛ فضحك رسول الله ﷺ . وهذا رجلٌ آخر من أهل الجنة يتمنى أمنية، يتمنى الولد فيحقق الله له أمنيته في ساعة واحدة، حيث يتم الحمل والوضع في ساعة، روى الترمذي في سننه وأحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه بإسنادٍ صحيح عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: (المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه في ساعة واحدة كما يشتهي).

стр. 445

غناء الحور العين في الجنة ثم نداءٌ إلى أهل الطرب الذين يحبون الطرب ويحبون أن يلذذوا الأسماع، ويحركوا الأشجان، لا تبيعوا طرباً في الجنة بطربٍ على أعوادٍ واجتماعٍ على المعصية، وصورٍ محرمة، ومقابلاتٍ خبيثة، ومجالس سيئة، وروائح نتنة، في الجنة غناء جميل أخبر ﷺ أن الحور العين في الجنان يغنين أغاني جميلة، أغاني حلوة بأصواتٍ جميلة عذبة ففي معجم الطبراني الأوسط بإسنادٍ صحيح عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصواتٍ ما سمعها أحدٌ قط وإن مما يغنينه: نحن الخيرات الحسان، أزواج قوم كرام، ينظرن بقرة أعيان) وإن مما يغنين به أيضاً: نحن الخالدات فلا يمتن، ونحن الآمنات فلا يخفن، ونحن المقيمات فلا يظعن قال ابن القيم في هذا المقام في الكافية الشافية: قال ابن عباسٍ ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصانِ فتثيرُ أصواتاً تلذ لمسمع الإنسان بالنغمات بالأوزان يا لذة الأسماع لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان أو ما سمعت سماعهم فيها غناء الحور بالأصوات والألحانِ واهً لذياك السماع فإنه ملئت به الأذنان بالإحسانِ واهً لذياك السماع وطيبه من مثل أقمارٍ على أغصانِ واهً لذياك السماع فكم به للقلب من طربٍ ومن أشجانِ واهً لذياك السماع ولم أقل ذياك تصغيراً له بلسانِ ما ظن سامعه بصوتٍ أطيب الأصوات من حور الجنان حسانِ نحن النواعم والخوالد خيرات كاملات الحسن والإحسانِ لسنا نموت ولا نخاف وما لنا سخطٌ ولا ظغنٌ من الأضغانِ طوبى لمن كنا له وكذاك طوبى للذي هو حظنا لفظانِ ثم يقول ابن القيم ينادي أولئك الذين أشغلوا أو ضيعوا وفوتوا نعمة ذلك السماع والغناء اللذيذ في الجنة بأغاني المطربين والتافهين والساقطين والمهرجين والممثلين الماجنين وغيرهم يقول: نزه سماعك إن أردت سماع ذياك الغنى عن هذه الألحانِ لا تؤثر الأدنى على الأعلى فتحرم ذا وذا يا ذلة الحرمانِ إن اختيارك للسماع النازل الأدنى على الأعلى من النقصانِ والله إن سماعهم في القلب والإ يمان مثل السم في الأبدانِ والله ما انفك الذي هو دأبه أبداًَ من الإشراك بالرحمنِ فالقلب بيتُ الرب ﷻ حباً وإخلاصاً مع الإحسانِ فإذا تعلق بالسماع أصاره عبداً لكل فلانة وفلانِ وهذا والله صحيح الذين يسمعون الأغاني وهي ذكرهم -والعياذ بالله- بكرة وعشياً بعضهم يسمع الكلام عن الجنة فلا تدمع عينه شوقاً، ويسمع الآيات عن النار فلا يضطرب قلبه وجلاً وخوفاً، ثم يسمع صوتاً كأنه صوت البوم كأنه صوت الغربان، كأنه صوت الشياطين ولو صدر من بشر، ثم تجده يطرق ويبكي ويتكسر من هذا الغناء الدنيوي الساقط ويبيع حظه من الأخروي قال: فإذا تعلق بالسماع أصاره عبداً لكل فلانة وفلانِ حب الكتاب وحب ألحان الغنا في قلب عبدٍ ليس يجتمعانِ ثقل الكتاب عليهم لما رأوا تقييده بشرائع الإيمانِ واللهو خف عليهم لما رأوا ما فيه من طربٍ ومن ألحانِ قوت النفوس وإنما القرآن قوت القلب أنى يستوي القوتانِ ولذا تراه يحظ في النقصان كالجهال والصبيان والنسوانِ يقول: هذه الأغاني التي يسمعها أهل الدنيا هي حظ أهل النقصان وألذهم فيه أقلهم من العقل الصحيح فسل أخا العرفانِ يا لذة الفساق لست كلذة الأبرار في عقلٍ ولا قرآنِ

стр. 446

وصف الحور العين في الجنة وأما الحور العين في الجنة وما أدراك ما الحور العين في الجنة! فإن الله يزوج عباده بهؤلاء الجميلات الكواعب الأتراب، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان:٥٤] والحور جمع حوراء وهي: التي يكون بياض عينها شديد، وسواد عينها شديد أيضاً، والعين جمع عيناء وهي: واسعة العين، وقد وصف القرآن الحور العين بأنهن كواعب أتراباً قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً * وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾ [النبأ:٣١ - ٣٣] والكاعب: المرأة الجميلة الصغيرة، والأتراب: المتقاربات بالسن، والحور العين من خلق الله في الجنة أنشأهن الله إنشاءً، فجعل هؤلاء الحور أبكاراً عرباً أتراباً يتحببن إلى أزواجهن: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً﴾ [الواقعة:٣٥ - ٣٧] لم يطمثن من قبل قال تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦] أما بياض هؤلاء الحور قال تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة:٢٢ - ٢٣] وشبههن في موضعٍ آخر بالياقوت والمرجان قال تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٥٦ - ٥٨] وانظر إلى هذا الجمال الذي ذكره الله جل وعلا يخبر عنه النبي ﷺ هل تجد له في جمال الدنيا نظيراً أو شبيهاً أو مثيلاً؟ لا والله، قال ﷺ : (ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها خيرٌ من الدنيا وما فيها) رواه البخاري، يصوغ هذه المعاني ابن القيم في نونيته: الكافية الشافية فيقول: فاسمع صفات عرائس الجنات ثم اختر لنفسك يا أخا الفرقان حورٌ حسانٌ قد كملن خلائقاً ومحاسناً من أجمل النسوانِ هذه لكل من آذته زوجه، لكل من أشغلته زوجه، لكل من أراد جمالاً، لكل من أراد لذة، لكل ولكل ولكل من أراد مهما جمعت من الجمال فإنها فترة ثم تزول، ولذة ثم تنقضي، وبرهة ثم تفنى، ولكن اجعل أملك في رضا الله ثم في هذا النعيم المقيم، اجعل أملك فيما عند الله من الحور: حورٌ حسانٌ قد كملن خلائقاً ومحاسناً من أجمل النسوانِ حتى يحار الطرف في الحسن الذي قد ألبست فالطرف كالحيرانِ ويقول: أي العبد الذي في الجنة: ويقول لما شاهد حسنها سبحان معطي الحسن والإحسانِ والطرف يشرب من كئوس جمالها فتراه مثل الشارب النشوانِ كملت خلائقها وأكمل حسنها كالبدر بعد الست ليل الست بعد ثمانِ والشمس تجري في محاسن وجهها والليل تحت ذوائب الأغصانِ فتراه يعجب وهو موضع ذاك من ليلٍ وشمسٍ كيف يجتمعانِ فيقول سبحان الذي ذا صنعه سبحان متقن صنعة الإنسانِ لا الليل يدرك شمسها فتغيب عند مجيئه حتى الصباح الثاني والشمس لا تأتي بطرد الليل بل يتصاحبان كلاهما أخوان وكلاهما أي: أنت وحوريتك في الجنة: وكلاهما مرآة صاحبه إذا ما شاء يبصر وجهه يرياني فيرى محاسن وجهه في وجهها وترى محاسنها به بعيانِ حمر الخدود ثغورهن لآلئ سود العيون فواتر الأجفانِ والبرق يبدوا حين يبسم ثغرها فيضيء سقف القصر بالجدرانِ ولقد روينا أن برقاً ساطعاً يبدو فيسأل عنه من بجنان فيقال هذا ضوء ثغرٍ ضاحكٍ في الجنة العليا كما تريانِ يسطع في الجنة نور فيعجب أهل الجنة ويقولون: ما هذا الذي سطع؟ فيقال: أهل المنازل العليا في الجنة، أحدٌ عنده حورية ابتسمت له فسطع نور ثغرها، الله أكبر! هذا ينبغي أن نعتقده عين اليقين، وحق اليقين، وعلم اليقين، ومن شك فيه أو تردد فيه ففي عقيدته خلل، في إيمانه شائبة، في إيمانه نقص، من الناس من تجده يتذبذب ويتردد حينما يأتي الكلام عن الأمور الغيبية، لا: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:١ - ٣]، كلما صح من الغيب فيجب وجوباً لا تعذر بتركه أن تؤمن به إيماناً كاملاً حقاً: ولقد روينا أن برقاً ساطعاً يبدو فيسأل عنه من بجنان فيقال هذا ضوء ثغرٍ ضاحكٍ في الجنة العليا كما تريانِ لله لاثم ذلك الثغر الذي في لثمه إدراك كل أماني ريانة الأعطاف من ماء الشباب فغصنها في الماء ذو جريانِ لما جرى ماء النعيم بغصنها حمل الثمار كثيرة الألوانِ أيها الأحبة! لا أستطيع أن أقرأ بقية ما وصفه ابن القيم في الحور العين، والله لقد وصف وصفاً عجيباً، ووصف وأنصحكم بشراء الكتاب ويباع بالمكتبات نونية ابن القيم المسماة: بـ الكافية الشافية، كلام عن الحور العين من أول رأسها إلى أخمص قدمها ولكن ابن القيم يستحي ﵀ رحمة واسعة إذ أنه لما بلغ بعض مواطن الجمال في النساء قال: وإذا انحدرت رأيت أمراً هائلاً ما للصفات عليه من سلطانِ ما تكلم ﵀ ابن القيم! ولولا أننا في مسجد والمسجد مكتظٌ بالشباب لقرأت وأسمعتكم بقية هذه الأوصاف الجميلة، ولكن -أيها الأحبة- ماذا أقول وماذا أقرأ وكلنا وإياكم ننظر شيئاً ولا نستطيع قراءته ولكن أختم بأبياته التي قال فيها: فاجمع قواك لما هناك وغمض العينين واصبر ساعة لزمانِ يعني: هذا النعيم الذي ذكرناه، أتريده؟ اجمع! شمر! اجتهد! اعمل! اصبر على طاعة الله، واصبر عن معصية الله، واصبر على أقدار الله: فاجمع قواك لما هناك وغمض العينين واصبر ساعة لزمانِ ما ها هنا والله ما يسوى قلامة ظفر واحدة ترى بجنانِ ما ها هنا إلا النقار وسيئ الأخلاق مع عيب ومع نقصانِ همٌ وغمٌ دائمٌ لا ينتهي حتى الطلاق أو الفراق الثاني طبعاً هذا ليس لكل النساء؛ بل لبعضهن أصلحهن وهداهن الله! والله قد جعل النساء عوانياً شرعاً فأضحى البعث وهو العاني لا تؤثر الأدنى على الأعلى فإن تفعل رجعت بذلة وهوانِ أيها الأحبة في الله! يا غافلاً عما خلقت له انتبه جَدَّ الرحيلُ فلست باليقظانِ سار الرفاق وخلفوك مع الألى قنعوا بذا الحظ الخسيس الفاني ورأيت أكثر من ترى متخلفاً فتبعتهم ورضيت بالحرمانِ لكن أتيت بخطتي عجزٍ وجهلٍ بعد ذا وصحبت كل أماني مَنَّتك نفسك باللحاق مع القعود عن المسير وراحة الأبدانِ ولسوف تعلم حين ينكشف الغطا ماذا صنعت وكنت ذا إمكان ستعلم يوم ينكشف الغطاء الحقيقي في الآخرة، ماذا فرطت وماذا تساهلت؟ وماذا جنيت وماذا خسرت؟

стр. 447

نظر أهل الجنة إلى ربهم جل وعلا وختاماً: أيها الأحبة! هل يعطى أهل الجنة أفضل من هذا؟ نعم. هناك فضلٌ أعظم من هذا كله اسمعوه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير كله بين يديك، فيقول الله جل وعلا: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب! وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟! فيقول جل وعلا: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب! وأي شيء أفضل من ذلك؟! فيقول تعالى: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً) متفقٌ عليه.

стр. 448

إحلال رضوان الله على أهل الجنة وأعظم النعيم: النظر إلى وجه الله الكريم في جنات النعيم يقول ابن الأثير: رؤية الله هي الغاية القصوى في نعيم الآخرة، والدرجة العليا من عطايا الله الفاخرة، بلغنا الله وإياكم منها ذلك، روى مسلم في صحيحه والترمذي في سننه عن صهيب الرومي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول ﵎: عبادي تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: يا ربنا! ألم تبيض وجوهنا؟! ألم تدخلنا الجنة؟! ألم تنجنا من النار؟! قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﵎، ثم تلا هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]). أيها الأحبة! نعيم الجنة باعه شبابٌ بالمعاكسات، نعيم الجنة باعه شبابٌ بالمباريات! نعيم الجنة باعه الطماعون بالربا! والأسهم الربوية! نعيم الجنة باعه الجشعون بالأموال الحرام! نعيم الجنة باعه الكذابون بالغيبة والنميمة والوشاية والنقل السيئ، نعيم الجنة باعه الذين لا شغل لهم إلا أعراض الخلق والوشاية بالخلق! نعيم الجنة قد باعه مجانين! باعه مساكين! باعه حمقى! باعه غافلون! وما علموا أنهم يبيعون نعيماً عظيماً بلذة عاجلة حقيرة! أرأيتم شاباً يضيع الجنة في لذة لحظة؟! جاء إلي في هذا الأسبوع شابٌ يقول: إني أريد أن أتوب إلى الله فقلت: ومم تتوب؟ قال يتسلط علي شيطاني ونفسي وهواي وجلساء السوء فلا يزالون بي حتى نسافر فنزني -والعياذ بالله- ولا زال هذا الأمر أتردد فيه إلى الساعة فهل لي من توبة؟ وهل إلى خروجٍ من سبيل؟ فقلت: أيها الشاب! إن نعم الله عليك عظيمة والله لو كنت مشلولاً لما وجدت آلة تزني بها! لو كنت مقعداً لما وجدت قوة وصحة تزني بها! لو أخذ سمعك أو بصرك أو طرفك أو كلاك أو عرقٌ من عروقك أو شريانٌ من شرايينك أو شيء من بدنك لتمنيت ثلث العافية! ربع العافية! خمس العافية! عشر العافية! لا أن تزني في هذا الصحة التي أنت تتقلب فيها، ثم إن نعمة الله عليك عظيمة فإن الله قادرٌ أن يرسل إليك ملك الموت فيقبض روحك وأنت على تلك الباغية الزانية، كما حصل لبعض الشباب الذين حملوا جنائز من أحضان الباغيات، حملوا وجيء بهم في التوابيت إلى صالات المطارات، من ذا الذي يبيع هذا النعيم يا إخوان؟! من ذا الذي يضيع حظه من الجنة؟! قال ﷺ : (والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع) أنت تجلس في شاطئ محيط من المحيطات ثم تدخل أصبعك فيه فانظر ماذا يعلق! لا يعلق في الأصبع إلا القطرة التي نزلت، قطرة واحدة، معناه: أن هذه الدنيا، والآخرة هي البحر، فمن ذا يبيع الآخرة بقطرة؟! من ذا يبيع النعيم بلذة لحظة؟! ثم لذة زالت وبقي وثبت وما يزال وزرها مكتوبٌ محسوبٌ وشؤمها ينتظرك في نفسك أو في مالك أو عند فراق روحك واللذة ذهبت: إن أهنى عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل فاتق الله فتقوى الله ما جاورت قلب امرئ إلا وصل ليس من يقطع طرقاً بطلا إنما من يتق الله البطل اعتزل ذكر الأغاني والغزل وقل الفصل وجانب من هزل ودع الذكر لأيام الصبا فلأيام الصبا نجمٌ أفل أما كفى ما مضى من العمر؟! أما كفى ما مضى من الغفلة؟! أما كفى ما مضى من الليالي الشخير والنخير من النوم ما قمنا نتهجد فيه لله لحظة؟ أما كفى من تلك الأيام بساعاتها وما فيها ضاعت ما أودعناها أعمالاً صالحة؟! والله إننا مغبونون غبناً عظيماً، فأسأل الله جل وعلا أن يوقظ قلوبنا من رقدة الغافلين، اللهم خذ بأيدينا إلى طاعتك، اللهم خذ بأيدينا إلى مرضاتك، اللهم حبب إلينا طاعتك، وبغض إلى نفوسنا معصيتك. إلهنا ربنا ومولانا وخالقنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى ألا تدع لهذه الوجوه الطيبة في هذا المقام رجالاً ونساءً ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاحٌ إلا قضيتها. اللهم لا تدع شاباً أيماً أو أنثى إلا زوجته، اللهم لا تدع أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا رزقته ذرية صالحة، بمنك وكرمك يا رب العالمين! اللهم ثبتنا واسترنا، واهدنا وكن لنا وأعنا، اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا، اللهم لا تكشف سترك عنا، اللهم لا تهتك أستارنا، اللهم آمن روعاتنا، واستر عوراتنا، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم انصر المسلمين في البوسنة والهرسك، وفي الجزائر وفي تونس، وفي أثيوبيا، وفي إريتريا، وفي أرومو وفي فلسطين، وفي الهند، وكشمير، والفلبين وبورما وفي سائر البقاع يا رب العالمين! اللهم اجعل لهم من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية. اللهم انصرهم على أعدائهم، اللهم احفظ ذرياتهم، وأقم على الحق والكتاب والسنة دولتهم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 449

التضحية لقد ضحى النبي ﷺ بالكثير في سبيل الله ونشر دينه بين الناس، وكذلك ضحى أصحابه رضوان الله عليهم، منهم صهيب ومصعب بن عمير، وهنا يحدثنا الشيخ عن جملة من صور التضحية التي حصلت في عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 450

سمات حزب الله الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تبارك ما عبدناه حق عبادته، وما شكرناه حق شكره، نحمده على حلمه بعد علمه، وعلى عفوه ومقدرته، الأرض جميعاً قبضته، والسماوات مطويات بيمينه، لا يعلم جنوده سبحانه إلا هو، وسع كرسيه السماوات والأرض، قلوبنا بيده، وبين إصبعين من أصابعه التي تليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، خيره إلينا نازل، ومعاصينا صاعدة تترى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وراقبوا الله في السر قبل العلن، تجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية. ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتق الله البطل. معاشر المؤمنين! أتدرون من هم حزب الله المفلحون؟ أتعلمون من هم حزب الله المفلحون؟ أهم أكثر الناس أموالاً؟ أهم أعلاهم في المراتب والمناصب؟ أهم أكثر الناس ذرية وزوجات ونفيراً؟ حزب الله المفلحون يقول الله فيهم: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢]. تلك أعظم سمة لحزب الله، الذين يبذلون الغالي والرخيص والدم والنفيس لوجه الله جل وعلا، ويضحون بالمصالح، وأواصر القربى والعلاقات والروابط، ولو كانت علاقات الآباء بالأبناء، أو الآباء بالإخوان والأخوات، أو الآباء والأهل بالعشائر والأقارب، في سبيل مرضاة الله جل وعلا، وفي سبيل إعلاء دينه، ورفعة كلمته. معاشر المؤمنين! يوم أن تبين اتجاه الصحابة والتابعين والسلف الصالح رضوان الله عليهم، وتحدد موقفهم، وتميز مكانهم في أمم الأرض والبشرية، فكانوا صفاً وعوناً، وعدداً وعتاداً لحزب الله، سَعُد الدين بهم، وانتشرت الدعوة، وسمت العقيدة، وحكمت الشريعة، ورفرفت للتوحيد راية. ولنعلم أيها الأحباب! أنه لن يصلح آخر هذه الأمة التي نحن فيها إلا بما صلح به أمر أولها، يقول ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله) فهو الحجة والمحجة، والنور والهداية، والمشعل والنبراس، والقوة والقدوة، والشريعة المحكمة.

стр. 451

تضحية صهيب ومصعب معاشر المؤمنين! أسوق هذه المقدمة لأمهد لسؤال أطرحه الآن بين أيديكم، وأقول: إن التضحية هي أساس عزة الأمة، ورفعة الهمة، وعلو الدين، وانتشار الدعوة والعقيدة، فما حضنا من هذه التضحية؟ وما دورنا في هذه التضحية؟ وما بذلنا وعطاؤنا في هذه التضحية التي رأينا أروع المثل، وأجل الصور، وأجمل المشاهد لها في سيرة المصطفى ﷺ ؟ تعلمون أن نبينا وجيهٌ في قومه، بل من أشرف العرب أرومة، ومع ذلك يوضع سلى الجزور على ظهره، ويوضع الشوك في طريقه، فيضحي بهذه ويقبل المتاعب في سبيل دعوته، تعلمون أنه ﷺ يحب مكة حباً شديداً، ومع ذلك خرج منها، وهو يقول: (والله إنك لأحب الديار إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك، ما خرجت). أنت إلى الخارج أخرجتني لولاك هذا العام لم أخرج يدع هذه البلاد والأطلال والعشائر والأقارب، والمال والأواصر مودعاً مكة مهاجراً، عليه من ربه نور وهداية، وعصمة وحافظ، حتى يبلغ المدينة ﷺ ، فيضرب المثل الأروع في التضحية، فيلحقه أصحابه، صهيب الرومي لحق بالنبي ﷺ مهاجراً، ومضحياً بالأهل والمال والموطن والبيت والمنزل، فتلحقه قريش، قالوا: يا صهيب! ألم تأتنا فقيراً فغنيت بنا؟ فالتفت إليهم ذلك الجهبذ ﵁، قال: يا معشر قريش! تعلمون أني أنبلكم بالقوس والسهم، ومن لحق بي لا يخطئ السهم قلبه، ولكن إن شئتم شيئاً فأخبروني؟ قالوا: نريد مالك، قال: وإن دللتكم على مالي تتركوني؟ قالوا: نعم. قال: هو خلف الحائط في ضيعة بني فلان، فذهبوا وأخذوا ماله وتركوه يهاجر لله وفي سبيل الله. فلما قدم صهيب على النبي ﷺ ، نظر إليه المصطفى بأبي هو وأمي ﷺ ، وقال: (ربح البيع أبا صهيب) باع المال والمسكن والموطن لله جل وعلا، قد بعتها لله والله اشترى. هكذا ضرب الصحابة رضوان الله عليهم أروع الأمثلة، تضحية لإقامة الدين، إن صهيباً يوم أن أراد الهجرة، فوقفت له قريش، لم يقل: ما ظننا أن الأمر فيه خسارة ومخاطرة، وأننا سنخرج فقراء عراة مساكين من أرضنا لأجل محمد ودولته ودعوته، بل قال: إن دللتكم على مالي تتركوني؟ لأنه يعلم أن همته أعلى، وهمتهم أخس وأدنى، فدلهم على ما يرغبون من حطام الدنيا ومتاعها الزائل. وكان مصعب بن عمير أجمل قريش، وأنداهم، وأعطرهم، وأطيبهم، وأترفهم دلالاً، فلما خالط الإيمان بشاشة قلبه، وآمن بالنبي ﷺ ، بقي مطرقاًَ، جاءت أمه وقالت: يا مصعب! أتريد زوجة حسناء أشغلت بالك؟ شتان بين هم أمه وهم ذلك البطل، لم تعلم أن همه أن يلحق بنبيه، وأن يكون جندياً من جنود دعوته، ولما علموا أن الأمر هكذا، كفر بالطواغيت، وإيمان بالربوبية، كفر بهذه المشاهد والمظاهر والأوثان، وإيمان بالسنة والعقيدة والدعوة. قالوا: تحرم من نعيمك ومن ترفك، وما أنت فيه؟ فقدمها وبذلها لله، فلبس أخشن اللباس، وبقي زاهداً في ذلك كله، حتى إنه ﵁ لما استشهد لم يجدوا ما يكفنونه به، فكفن بعباءة إذا غطي رأسه بدت رجلاه، وإذا غطيت رجلاه بدا رأسه، وكان من أعطر وأثرى وأجمل وأترف شباب قريش، لماذا ضحيت بهذا يا مصعب بن عمير؟ كي تكون أول سفير للنبي ﷺ إلى أهل المدينة، ومن أوائل المعلمين لهم، ضحى بذلك كله، طلباً لما هو خير منه أجمع، ألا وهو الجنة.

стр. 452

تضحية وبذل أبي بكر وعمر بن عبد العزيز في سبيل الله عباد الله! دعا النبي ﷺ الأمة، إلى البذل في سبيل الله، وإلى غزو أعداء الله، وكان الأمر يتطلب تضحية بالمال، وتجهيزاً للجيش، وبذلاً للسلاح، فجاء أبو بكر بماله كله، ونثره بين يدي رسول الله فقال ﷺ : يا أبا بكر! ماذا تركت لأهلك وولدك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله، نِعم المدخر، ونِعم الكنز الذي أبقيته لهم يا أبا بكر ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ ماذا يفعلون بهم؟ ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء:٩]. قيل لـ عمر بن عبد العزيز لما حضرته الوفاة: هلا تركت شيئاً للصبية والأولاد والذرية؟ فقال: إن كانوا صالحين فلن يضيعهم الله، وإن كانوا عصاة فلن أضع لهم مالاً يتقووا به على معصية الله، قال الراوي: فوالله لقد رأيت كل واحد منهم حمل على مائة بعير في سبيل الله بأحلاسها وأقتابها وسلاحها، لأن غناء الله عطاء لا ينقطع، ومدد لا ينتهي، وجود لا ساحل له. فيا معاشر المؤمنين! هذه صور من التضحيات التي بذل فيها الآباء والأجداد، والقدوة والأسوة المصطفى ﷺ ، والصحابة من بعده بذلوا فيها أروع الأمثلة وأجل المثل، لكي نتعلم نحن التضحية في هذا الزمان.

стр. 453

تضحية الغلام المؤمن بنفسه في سبيل الله تعرفون قصة أصحاب الأخدود، في خلاصتها أن ملكاً من الملوك السابقين ادعى الربوبية، وكان ساحره يسيطر ويوسوس ويزخرف للناس أفعالاً يعتقدون بها أن ذلك الملك إله لهم، فلما أوشك على فراق الدنيا وأحس بدنو الأجل، قال الساحر للملك: إني أشعر بدنو أجلي، فهلا طلبتم لي فتى ذكياً، نابهاً فطناً، أعلمه الصنعة حتى يبقى الأمر لك من بعدي. فماذا حصل له؟ اختاروا فتى، وكان ذلك الفتى يتردد على الساحر ليتعلم منه السحر الذي يزخرف به على أعين البشر، فيعتقد ألوهية ذلك الملك، وكان في الطريق راهب يعترض لهذا الفتى، فيعلمه الدين الحق والوحدانية السليمة، فأصبح الفتى بين أمرين وتيارين وطرفين يتجاذبانه، فقال: الآن أختبر هذين الأمرين يوم أن مر والناس قد حشروا لسبع قد عاقهم في المضي في طريقهم، فأخذ حجراً، قال: اللهم إن كان ما يعلمني هذا الراهب حقاً، فأمت هذا السبع بهذا الحجر، ثم قال: بسم الله رب هذا الراهب، فرمى السبع بها، فمات، ومر الناس وكبروا. ثم أعجب الناس والتفوا حوله، وجاءوا إليه، فأصبح يداويهم باسم رب الراهب وهو الله جل وعلا، فلما علم الملك أن سحره بطل. إذا جاء موسى وألقى العصا فقد بطل السحر والساحر لما علم أن سحره بطل وانتهى، وأن كيده كشف واضمحل، أمر طواغيته ورجاله أن يأخذوا الفتى فيصعدوا به أعلى شاهق الجبال، فيرموه ليتردى إلى قعرها وقاعها، فلما هووا به، قال: اللهم اكفنيهم بما شئت، وإنك أنت السميع العليم، فنزل على الأرض كأن سحابة حفظته وحملته، وكأن مضلة أو حافظاً قام به حتى وقف على قدميه، فعادوا وقبضوا عليه أخرى، وأخبروا الملك بشأنه، فقال: اذهبوا به إلى لجة البحر، وارموه بها، فلما ذهبوا ليرموه، قال: اللهم اكفنيهم بما شئت، وإنك أنت السميع العليم، فاضطرب البحر بأمر خالق البحر، بأمر رب الأمواج، بأمر رب الأرضين والسماوات، فتقلب الموج بهم، فسقطوا في لجته، وبقي هو على القارب فعاد ناجياً وحده. فلما أعيت الملك الحيلة في شأن هذا الفتى، قال: أخبرنا كيف الخلاص منك، وكيف القضاء عليك، وكيف فناؤك؟ قال: أتريد أن تتخلص مني؟ أنا أدلك، اجمع الناس في صعيد واحد، ثم خذ سهماً من كنانتي، فإذا وضعته في كبد القوس، فارفع صوتك، وقل: بسم الله رب الغلام، وعند ذلك لن يخطئ السهم فؤادي، وسأخر صريعاً أمامك وأمام الناس. فظن ذلك المخدوع أنها هزيمة للفتى ونصرة للوثنية والطاغوتية، فجمع الناس جميعاً في صعيد واحد، وصلب الفتى على جذع شجرة، ثم جر الوتر حتى اشتد أنينه، ثم انطلق السهم في كبد الفتى وفؤاده، بعد أن قال الملك بصوت مرتفع: بسم الله رب الغلام، فلما سقط الفتى، صاح الناس كلهم آمنا بالله رب الغلام. إنها تضحية بالفؤاد وبالدم، وبالروح والنفس، حتى تعيش الأمة، فلابد أن تراق الدماء، وأن تنثر الأشلاء، وأن تذهب الملذات في سبيل رفعة الأمم، ويقظة الشعوب، ونهضة الأمة، ووعي الشباب الذي خدر كثيراً. فيا عباد الله! هذه كلها أمثال دلت على أن الدين لا ينتشر إلا بتضحية، ودلت على أن العقيدة لا تسمو إلا ببذل، ولا تثبت إلا بإيثار وتفان، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 454

تضحية الصحابة والتابعين الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة أولي أجنحة مثنى وثلاث، الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، الحمد لله الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، الحمد لله على مننه وآلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة! لو سردنا الأمثلة على تضحيات الصحابة والتابعين وعلماء الأمة المخلصين، لما وسع ذلك أياماً وليالي، ولكن حسبنا أن نشير إلى ما يحرك الهمة، ويرفع الأمة من الضعف والخمود والهوان الذي أصاب كثيراً من أبنائها. معاشر المؤمنين! إن النبي ﷺ لما فاوضه سهيل بن عمرو على صلح الحديبية، قال سهيل: يا محمد! إنا نفاوضك على ما يلي، وذكر بنود الصلح والاتفاقية، وكان منها: أن من مفر من مكة إلى محمد من أصحاب محمد يرده محمد إلى قريش، ومن ذهب من المدينة إلى قريش فإن النبي لا يسترده، فرضي بها النبي ﷺ ؛ لأنه يعلم أن الله جاعل له ولأصحابه من هذا فرجاً ومخرجاً، فلما وقعت هذه الاتفاقية، جاء أبو جندل بن سهيل يرسف في أغلاله، فاراً من سجون قريش، فما بلغ، فقال الرسول ﷺ : عد إلى قومك. قال: يا رسول الله! أتتركني لهم يفتنوني في ديني، فقال ﷺ ، وهو الذي يعلم أن الفرج من الله له ولأصحابه: (سيجعل الله لك فرجا) ووقعت هذه الاتفاقية، التي ظاهرها هزيمة للمسلمين، ثم عاد ﷺ إلى المدينة، فهرب أبو بصير ﵁ إلى النبي من مكة إلى المدينة، فأرسلت قريش رجلين ليحضرا أبا بصير هذا الذي هرب، فلما جاءوا إلى الرسول عليه الصاة والسلام، قالوا: إنا نطلب أبا بصير أن ترده معنا، فدعاه النبي ﷺ ، فقال: (اذهب مع القوم، قال: يا رسول الله! يفتنونني، قال: سيجعل الله لك فرجاً ومخرجاً، وإنا قد أعطينا القوم عهداً وميثاقاً) فلما عاد أبو بصير معهم، والأسى يتبع الأسى، والدمع يتبع الدمع، ليس خوفاً ولا هلعاً ولا جزعاً، بل على فراق النبي ﷺ ، والنبي ﷺ يعلم أن أبا بصير من أذكى رجاله، وكان يقول: (ويل أمه مسعر حرب لو كان معه جيش) ذهب السفيران بـ أبي بصير يعودان به إلى قريش، ولما كان في الطريق، إذ بواحد من هذين السفيرين، يهز سيفاً في يده، يقول: والله لأجعلن هذا السيف يشبع من دمائهم طوال الليل واليوم، ينتظر موقعة يقابل فيها النبي وأصحابه. فالتفت أبو بصير، قال: إن سيفك هذا لجيد، أفلا تريني، فصدق ذلك الرجل، وأراه السيف فاختطفه أبو بصير بخفة قوة المؤمن، وقطع به رأسه، وهرب الآخر، فعاد أبو بصير إلى النبي ﷺ ، قال النبي: (يا أبا بصير! اذهب حيث شئت) فذهب على ساحل البحر، وجلس على طريق قريش، فما مرت قافلة إلا ونال منها غنيمة وحظاً عظيماً، حتى أرسلت قريش مبعوثاً يناشد النبي ويرجوه أن يلغي هذا الأمر من اتفاقية الحديبية. ضحى ذلك الصحابي، واستجاب لأمر رسوله ﷺ ، ولم يقل: هاأنا أهاجر إليك فتردني، أو هاأنا أترك القوم مؤمناً فتطردني، بل ضحى لعلمه أن الله مع نبيه، وأن الوحي حق، وأن الإله لن يضيع أمته وجنود دعوته. كذلك الإمام أحمد بن حنبل نازعوه على مسألة والله لو فتنا فيها هذا الزمان، لأفتى الكثير ولا أقول الكل، بمئات أمثالها، كيف وقد فتنوا بما هو صريح الدلالة في القرآن والسنة، فأفتوا بما يرضي القوم ويتبع أهواءهم، وفتن الإمام أحمد بالقول بخلق القرآن، هل هو منزل أم مخلوق؟ فقال: منزل، وقال ابن أبي دؤاد: إنه لمخلوق، وثبت الإمام أحمد على الفتنة، وضحى بلذته ونعيمه، وما كان يعيش لذة نعتقدها نحن في المراكب والمفارش والطعام والشراب، بل لذة الأنس والخلوة، ومع ذلك ما زادته إلا أنساً وخلوة بالله. وعلقوا رجله بالسقف ورأسه يتدلى، تحتقن الدماء في وجهه، وكانوا يقولون له: يا أبا عبد الله! يا أحمد بن حنبل! ما تقول في القرآن؟ فيقول: كلام الله منزل غير مخلوق، فقال الأمير: ألقوه أرضاً واجلدوه بالسياط، يا أبا عبد الله! ماذا تقول في القرآن؟ فيقول: منزل وليس بمخلوق، ولما بلغ الأمر منه مبلغاً، مد يده وقد ألقي على وجهه في الأرض يجلد، فقال الخليفة: أبا عبد الله! أتدعو عليَّ؟ لأنه يعلم أن الإمام أحمد لا يدعو على السلاطين، بل يدعو لهم بالهداية، قال: أبا عبد الله أتدعو عليّ؟ قال: لا. وإنما أدعو ربي ألا تنكشف عورتي وأنتم تجلدوني. وصبر على ذلك، إنها تضحية لكي تثبت العقيدة نقية واضحة سليمة من أن تدنسها أفكار المعتزلة، أو أن يدخل بها ما لا يليق أو ينبغي لها. بعد هذا كله أسألكم أنتم الآن بماذا ضحيتم؟ أي أضحية قدمتم لدين الله جل وعلا؟ هل سمعتم بواحد قدم ذات يوم راتبه كله، وقال: هذا للمجاهدين في سبيل الله، ولو مرة في العمر، هل فعلناها يا إخوان؟ هل سمعنا أن شاباً من طلبة العلم أو من أمثالنا الضعفاء الفقراء، الذين يظن الناس بهم خيراً وهم أضعف الناس إلى الله جل وعلا، جعل شهراً يجوب البلاد يدعو إلى الله جل وعلا في كل سنة؟ جزء من التضحية لا نجده ولا نراه، هل سمعتم أن امرأة تصدقت بمهرها للمجاهدين في سبيل الله، أو لإعلاء كلمة الله، أو لنصرة دين الله، أين التضحيات؟ جاء رجل إلى النبي ﷺ ، قال: أبايعك على الإسلام بشرط ألا أجاهد ولا أتصدق، فقال ﷺ : (لا جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة؟!) الجهاد والصدقة يا عباد الله! والدعوة والبذل، والتضحية والإيثار في سبيل الدين. إننا نعيش أمناً وثراءً ونعماً لا يحصيها إلا الله، ثمرة تضحيات سلفت، ولأجل دوامها لا بد أن نضحي، وإن كان حجم التضحيات في هذا الزمان لن يبلغ ما بلغه الأوائل إلا ما شاء الله، ولكن أين من يضحي منا؟ أين من يبذل؟ أين من يجعل بذل الجهاد والدعوة هماً يومياً كالطعام والغداء والفطور والعشاء؟ لا والله يا عباد الله! إني أدعوكم بدعوة الله لكم أن تتعلموا التضحية والإيثار بساعة من أربع وعشرين ساعة، اجعلوها لله جل وعلا، بيوم من شهر واحد، اجعلوها لله جل وعلا، بأسبوع من سنة كاملة، فرغوها للدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، واجعلوا صنيديقاً، ولا أقول خزينة، اجعلوه في مجالس بيوتكم، وكلما زل الإنسان بزلة، فليتصدق كفارة عن الزلة، وليتصدق نماءً للمال، وليبذل نشراً للدعوة، وبقاء وعوناً على حفظ العقيدة، وفي نهاية كل شهر كل يقدم خزينة صندوقه لوجه الله. لو كان المسلمون على هذا المستوى من البذل لدينهم، والله لاستطاعوا أن يغرقوا الأعداء وأن يهلكوهم، ولكن لله في ذلك حكمة ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام:١١٢] فما أنتم فاعلون يا عباد الله؟! الدين يحتاج إلى تضحية، والعقيدة تحتاج إلى بذل، وهما خياران إما موت وإما حياة، هما أمران إما حياة بعقيدة، وإما جبن وشح وهوى وبعد عن التضحية، وبقاء على الذلة والهوان، نحن في نعمة نريد أن نحفظها بالتضحيات. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله بنفسه، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء.

стр. 455

عبادة وليست عادة إن المنة لله علينا يوم أن شرع لنا عبادات مختلفة تقربنا إلى رضوانه؛ لنبلغ أعلى الدرجات في جناته، وفي هذه المادة تقفون مع عبادة من هذه العبادات وهي صوم رمضان، وبيان فضله، وأحوال الناس في رمضان

стр. 456

فضل شهر رمضان الحمد لله الذي شرع لعباده المؤمنين ما يقربهم إلى مرضاته وجنانه، وحرم عليهم ما يبعدهم عن سخطه ونيرانه، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، اتقوا الله تعالى عملاً بأمره ووصيته للأولين والآخرين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. معاشر المؤمنين: جمعتكم هذه هي الجمعة اليتيمة في شهر رمضان، وبعد أيام قليلة تستقبلون شهراً كريماً وموسماً عظيماً، رحمة من الله بكم، يوم أن كان في سابق علمه أن أعمار هذه الأمة قصيرة، شرع لهم من العبادات ما ينافس فيه أهل هذه الأمة الأمم السابقة فيكونوا أكثر أعمالاً، فأمة محمد ﷺ هم الأولون الآخرون، هم الأولون في الدرجات والبركات الآخرون في الزمان. فيا عباد الله! لا أشك أن الواحد منكم لا يعلم فضل هذا الشهر وما فيه من الأجور العظيمة التي منَّ الله بها عليكم جميعاً. لا أظن أن أحداً منكم يجهل أن من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. ولا أظن أن واحداً منكم يجهل أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. ولا نظن أن مسلماً يجهل أن الصيام لله والله يجزي به، وأن الأعمال مضاعفة والحسنة بعشر أمثالها إلا الصوم فإنه لله والله يجزي به، وليس لجزاء الله وفضله عدد ولا حساب، فهو الذي يوفي أجره وفضله لعباده المؤمنين بغير حساب. ولا نظن أن مسلماً يجهل أن الريان باب من أبواب الجنة، باب عظيم أعده الله للصائمين. ولا نظن أن مسلماً يجهل أن هذا الشهر فيه ليلة خير من ألف شهر وهي ليلة القدر. ولا نظن أن مسلماً يجهل أن الجنة تتزين لعباد الله المؤمنين، والله جل وعلا يقول لجنته: (يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المئونة ويتحولوا إليك). ولا نظن أن مسلماً يجهل أنه إذا دخل شهر رمضان، أغلقت أبواب النيران، وفتحت أبواب الجنان، وصفدت مردة الشياطين، فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه من بني آدم فيما سلف من الزمان. فيا عباد الله: هذه أمور من الكتاب والسنة كلكم يعلمها، ولا نظن أن أحداً يجهلها، ولكن مع هذا كله لا نجد استجابة ولا نجد فرحاً أو نجد فرحاً يسيراً، والبعض قد يستقبل هذا الشهر وهو على كراهية وبغض لقدومه؛ لأنه يحرمه من ملذاته المحرمة وشهواته الباطلة. يا عباد الله: اعلموا أن المنة لله عليكم يوم أن شرع لكم في اليوم والأسبوع والسنة عبادات مختلفة تتقربوا بها إلى رضوانه؛ لكي تبلغوا أعلى الدرجات من جنانه، وإلا فإن الله غني عن العباد أجمعين، ما خلقكم ليستكثر بكم من قلة، وما خلقكم ليستعز بكم من ضعف: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [لقمان:٢٦].

стр. 457

وقفات مع استقبال الناس لشهر رمضان معاشر المسلمين: بعد هذا لنا وقفات مع أنفسنا ومع إخواننا وشبابنا ورجالنا؛ لكي ننظر حالنا في استقبال هذا الشهر الكريم، إن كنا نحب هذا الشهر ونصدق دعوى المحبة من غير خداع، فإن الذي يستقبل حبيبه يعد ما يناسبه ويقرب ما يليق به، ويجهز ما يناسبه من الأعمال والأقوال والأفعال، ومن كان يستقبل عدواً، أو يتربص ساخطاً أو شامتاً، فتراه لا يبالي على أي حال نزل، وعلى أي هيئة رحل.

стр. 458

وقفة مع الذين أعدوا الشاشات والأفلام لرمضان فمن الناس من زينوا أفلامهم وهيئوا أجهزتهم، وأعدوا موائدهم ليستقبلوا هذا الشهر بالسهر، ويستقبلوا نهاره بالنوم، هكذا أعدوا سلفاً مائدة استقباله. ومن الناس من حاسبوا أنفسهم قبل نزوله، وأعدوا أنفسهم تهيأً له، واستعدوا لاستقباله بكل ما يرضي الله جل وعلا، وكل عبادة تليق بهذا الشهر الكريم، فأول ذلك: الاحتساب في صيامه وقيامه. والاحتساب هو: فعل الشيء وقصد الأجر والثواب من عند الله جل وعلا فرحاً به وغبطة بنزوله، لا تبرماً أو إكراهاً أو في حال من الكراهية أثناء القيام بهذه العبادة، وهذا جلي من قوله ﷺ : (إيماناً واحتسابا) إيماناً أي: تصديقاً بفريضته، واحتساباً: أي: رغبة وطلباً وحباً واحتساباً للأجر والثواب من عند الله. لا كما يفعله بعض المسلمين في هذا الزمان، يؤدون كثيراً من العبادات أداء التخلص وليس أداء الاحتساب، فتجده يجعل نفسه أمام الأمر الواقع، فهو مضطر لا محالة لصيام هذا الشهر، ويتمنى لو لم ينزل به هذا الشهر، خلافاً لمن تراه يزيد في صدقاته وطاعاته؛ شكراً لله أن بلَّغه هذا الشهر، وأن جعله بنزول هذا الشهر من الأحياء الذين يدبون على وجه هذه الأرض؛ لكي يفوز مع الصائمين والقائمين بالأجر العظيم.

стр. 459

وقفة مع الذين يتعبدون بالصوم عبادة تخلص أيها الإخوة: عبادة التخلص ليست والله عبادة، بل هي ما يفعله بعض الناس إذ يجد ضغوطاً نفسية أو ضغوطاً اجتماعية فيضطر لأداء العبادة مع سائر الناس الذين يؤدونها، ويصعب عليه أن يخالفهم، وإن كان في حقيقة الأمر مؤمن بفريضته ووجوبه، لكنه يتمنى أن لو لم يبلغ هذا الشهر، ويتمنى أن لو لم يفرض هذا الشهر، ويتمنى أنه لم يحرم من الطعام أو الشراب، أو يتمنى أن لم يشرع القيام في هذا الشهر، فتراه يصوم وقد يقوم لأن الناس أمثاله يفعلون ذلك. فهذه عبادة تخلص وليست عبادة احتساب، ففرقوا في هذه المسألة فالفرق واضح، والبون شاسع، وشتان بين أجر هذا وأجر أو وزر ذاك، شتان بين من يصوم احتساباً وغبطة وفرحاً، وبين من يصوم كراهية، وإنما يصوم وقوفاً أمام الأمر الواقع، وإن كان التخلص أصبح السمة لبعض المسلمين في عباداتهم، فتراه يكبر في الصلاة ويركع ويرفع ويسجد ويسلم، لا يفقه ولا يدري، ولا يعي ولا يتدبر، ولا يخشع ولا يخضع في صلاته، فهذه عبادة تخلص، وليست عبادة لذة واجتهاد واحتساب إلى ما عند الله. كذلك الذين يصومون هذا الشهر في نوم طويل في النهار، مع ضياعٍ للمفروضات، وسهر عجيب بالليل مع جلوس أمام الأفلام والشاشات والمسلسلات وتتابع الحلقات، وهذا شأنهم، يعدون مائدة السحور ويتهيئون لمائدة الإفطار وما بينهما فهو نوم أو سهر على ما يسخط الله جل وعلا، والأعجب من ذلك -أيها الأحبة- أن بعضهم يمسك عما أباح الله ويفطر على ما حرمه الله جل وعلا. نعم. شرع الله أن نمسك عن المباحات كالنكاح والطعام والشراب وغير ذلك من سائر المفطرات، فالذين يصومون صوم التخلص يمسكون عن المباحات، لكنهم منذ أن يصبحون إلى أن يفطرون وهم على فطر ما انقطعت نفوسهم عن الإفطار على المحرمات خاصة بعد صلاة العصر، وليبلغ الشاهد الغائب ما نراه من خلو المساجد من الصائمين أين الصائمون؟ أين التالون لكتاب الله؟ أين المعتكفون؟ تجد كثيراً من المسلمين أمام الأفلام والمسلسلات والحلقات، أهذه عبادة؟ أهذه فرحة صائم ينتظر بعد لحظات أو سويعات أن يفرح فرحتين، فرحة فطره، وفرحة لقاء ربه؟ أهذه عبادة يا عباد الله من طلوع الشمس إلى زوالها أو إلى قرب العصر، والبعض تجده في نوم عميق وسبات وغطيط، فإذا صلى العصر في بيته أو مع الجماعة سحب أذيال الهزيمة بأقدام ثقيلة يعود إلى بيته لينظر هذه الأفلام والمسلسلات؟ ما هذا التناقض الذي يعيشه كثير من المسلمين في عبادتهم؟ أتصوم عما أباح الله من الطعام والشراب، وتفطر على ألوان صور النساء، وعلى مقاطع الموسيقى؟ أم تفطر على ما حرم الله جل وعلا؟ أي خداع نفسي نمارسه على نفوسنا؟ وأي غفلة نقع فيها؟ وأي استهتار؟ وأي تخلص من هذه العبادة نقضي به وقت الصيام على أي وجه كان، سواء على مرضاة الله أو على سخطه، على ما أحب أو ما شرع، على ما نهى أو ما زجر، لا والله بل إن الكثير منهم يقضون العبادة على ما زجر ونهى، ما الذي يبيح لك وأنت مفطر أو صائم أن تقلب عينيك في صورة امرأة؟ ما الذي يبيح لك وأنت مفطر أو صائم أن تتمتع جهلاً أو شيطنة بمقاطع الغناء واللهو؟ أتظن بعد هذا أن هذه عبادة ترفع؟ أم تظن أنك تنال بها أعلى الدرجات عند الله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ [الجاثية:٢١]؟ أيستوي أهل الطاعة وأهل المعصية، وإن كانوا مع أهل الطاعات في ظاهر شكلهم وألوانهم في وقت الإمساك ووقت الإفطار؟ حاسبوا أنفسكم -يا عباد الله- وقدموا أعمالاً ترجونها عند الله جل وعلا، فلو كنت مديراً عاماً، أو رئيساً لدائرة أو مسئولاً عن قسم، ثم تابعت موظفيك في عمل من الأعمال لتنظر تقارير إنجازهم وأعمالهم، ورأيت عملاً مختلطاً، وعملاً مرتجلاً، وعملاً مزيفاً، أو فيه زيادة ونقص، وفيه تقريب وإبعاد، وفيه ألوان مختلطة لرميت بتقريره في وجهه، وقلت: أهذا عمل يستحق الموظف عليه راتبه، أو يستحق أن يكون في شرف الخدمة المدنية، أو يستحق أن يكون من الذين يحسبون على الطاقات العاملة في المجتمع؟ فلله المثل الأعلى.

стр. 460

أمور لا تكون العبادة إلا بها عباد الله: انظروا ما تقدمون لربكم، انظروا ما ترفعون من أعمالكم بين يدي الله جل وعلا، أهي عبادة احتساب أم عبادة تخلص؟ والمؤسف أن التخلص أصبح سمة في كل أعمال كثير من المسلمين. أشاهد هذا بعيني في رمضان، وأشاهده في حج بيت الله الحرام، تجد الناس يطوفون كالمجانين، ويسعون ويرمون الجمرات كالمجانين، ويؤدون المناسك على حال عجيبة وغريبة، لا يستشعرون لذة النسك، ولا يستشعرون لذة المشاعر والمناسك، أين عبادة الرضا وعبادة الاحتساب والتقرب إلى الله جل وعلا؟ فتعبدوا إلى الله عبادة خالصة طيبة، واعلموا أن العبادة لا تكون عبادة إلا إذا تحقق فيها أمران: أولها: المحبة. وثانيها: الذلة. المحبة لله ولما شرع، والمحبة لعبادته، والمحبة له مع الذلة والانقياد. يقول ابن القيم في كافيته الشافية: وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان وعليهما فلك العبادة دائر ما دار حتى دارت الفلكان عباد الله: صوموا إلى الله صوم المحبين الخاضعين وتقربوا إلى الله تقرب المحبين الذليلين بين يديه؛ لكي تكون عبادة ترون أثرها في نفوسكم وسلوككم، قال ﷺ : (آمين آمين، قال الصحابة: من يا رسول الله؟ فذكر منها من دخل عليه شهر رمضان وخرج ولم يغفر له) فما أكثر من دخل عليه شهر رمضان وزادت معاصيهم؛ لأن المعصية تضاعف بشرف الزمان والمكان، فليس الذي يعصي الله في سائر الأيام كمن يعصي الله في رمضان، وليس الذي يعصي الله في سائر البقاع كمن يعصي الله في بيته الحرام: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
следующие страницы →