Полный текст (3 155 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
السلف ومراقبة الله
أين الناس من مراقبة الله في هذا الزمان؟! أين الناس من زمان مر فيه عمر بن الخطاب ﵁ ذات ليلة، فسمع أمَّاً تقول لبنتها: [يا بُنَيَّة! قومي فامذُقي اللبن بالماء، قالت البنت: يا أماه! إن هذا لا يجوز، ,إن أمير المؤمنين قد نهى عن هذا! فقالت الأم: إن عمر لا يرانا الآن، فالتفتت البُنَيَّة إلى أمها صائحة، وقالت: يا أماه! إن كان عمر لا يرانا، فإن رب عمر يرانا].
وكان ابن عمر ذات يوم في برية، فوجد راعياً، وأراد أن يمتحنه، فقال: [اذبح لنا شاة من هذه الشياة، قال: لا.
إنها ليست لي، وإن شئتَ حلبت لك شاة منها، فتشرب لبناً قال: لا.
أعطنيها وخذ قيمتها من الدنانير، وإذا جاء صاحبها قل: إن الذئب افترسها وماتت، فالتفت الراعي إلى ابن عمر، وقال: فأين الله؟! فأين الله؟! فأين الله؟! -صاح ثلاثاً، وهو يقول: فأين الله- إن غاب الراعي، فإن ربي ورب الراعي موجود، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض].
فما بال الناس في هذا الزمان يعتدون تحت سمع السلطة وبصرها بعضهم على بعض، ويعلمون أن الله رقيب حسيب؟ لكن
إذا الإيمان ضاع فلا أمانٌ ولا دُنْيا لمن لم يحي دينا
والله لا لذة ولا هناءة ولا سعادة ولا استقرار إلا بالإيمان ومراقبة الله جل وعلا.
فاتقوا لله يا عباد الله.
جاءت امرأة إلى الإمام أحمد، وقد كان محبوساً في زمن المحنة، فقالت: يا أبا عبد الله! إن السلاطين يخرجون بالمشاعل على سطوح قصر الخليفة، أفيجوز أن أنسج الصوف في ظل نور قصر السلطان؟ قال: رحمكم الله! إنكم من آل بيت تقىً وزُهد، أنتم من آل فلان؟! قالت: نعم.
قال: فذاك أمر لا يخرج إلا من عندكم.
تسأل أبا عبد الله أحمد بن حنبل، تقول: أيجوز أن أنسج الغزل تحت أنوار قصر الخليفة؟ فيعجب أحمد بن حنبل: هذا كلام ليس من سائر الناس، هذا لا يكون إلا في بيت بني فلان، بيتٌ عُرف بالورع، وعُرف بالزهد، وعُرف بالتقى والمحاسبة.
عباد الله: لن نكون متشائمين إذا قلنا: إن لقمة الحلال في هذا الزمان نادرة! والله ثم والله ما أصاب الناس من الأمراض ومن المحن والمصائب وقلة الغيث وقلة الإجابة والبلاء والفتن، ما أصابهم إلا من لقم الحرام، من طعام الحرام، من شراب الحرام، كلهم لا يبالي إلا ما قل وندر في هذا الزمان، وصدق رسول الله ﷺ : (يمضي على الناس زمان، لا يسلم فيه أحدٌ من الربا، من لم يأكله صراحة أصابه من غباره) والله إنه لهذا الزمان، إن لقمة الحلال أندر من النادر في هذا الزمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فلنراقب أنفسنا يا عباد الله، ولنحاسب أنفسنا فيما نركب، فيما نصْيَف، فيما نعمل في دوائرنا.
ثم انظروا عِظَم التساهل! كم يوجد عندنا في هذه المملكة من موظف؟ مليونا موظف -مثلاً- على وجه التقريب؟ لو كل موظف أتلف ورقة واحدة في يوم من الأيام لكان حصيلة التلف والإسراف وإهدار مال الأمة: مليوني ورقة في يوم واحد، فما بالك إذا غصب دفتراً، وهذا أخذ قلماً، وهذا أخذ سيارةً، وهذا صرف وقوداً، وهذا فعل، وهذا ترك، إن الناس لا يحاسِبون فيما يفعلون في هذا الزمان.
فراقبوا الله يا عباد الله، راقبوا الله في أنفسكم، وفيما ولاكم الله عليه.
يقول أحدهم لي: أنا مسئول دائرة من الدوائر، فيأتي موظف يقول: لو تسمح! تصوِّر لي هذا المخطط في هذه الآلة، فأقول: هذا ليس لك، وليس لي، وليس من حقنا؟ فيتهمني بالتعقيد والتشديد والتضييق.
نعم.
فليقل لك ما يقول، ما دامت ذمتك بريئة.
إذا أذن لك المسئول المفوض بالأمر والنهي في هذا، فعند ذلك برئت ذمتك، أما إذا كنتَ مسئولاً فلا تصرف قلماً، ولا تصرف ورقةً، ولا تصور قرطاساً، ولا تؤدِّ لتراً، إلا إذا كان مأذوناً لك فيه، وما سوى ذلك، فحسبك وذنوبك ونفسك أن تتحملها، فضلاً عن أن تحمل ذنوب الآخرين يوم القيامة.
стр. 527
أعظم الغلول
فيا عباد الله: فلنتق الله جل وعلا.
روى الإمام أحمد عن أبي مالك الأشجعي عن النبي ﷺ أنه قال: (أعظم الغلول عند الله: ذراع في الأرض، تجدون الرجلين جارين في الأرض أو في الدار، فيقطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعاً، فإذا قطعه طُوِّقَه من سبع أرضين يوم القيامة) ولا حول ولا قوة إلا بالله! وليعلم أولئك الذين يظنون أن من الشجاعة ومن الذكاء ومن الحنكة، الذين إذا تنازعوا على أرض من الأراضي، ولَّجوها لرجل أقوى منهم.
تجد إنساناً يملك قطعة يسيرة، فيمتد عن يمينها وشمالها ومن قدامها وخلفها، فإذا بلغ حداً ما، فتنازع مع جيرانه ذهب إلى رجل أقوى منه، وقال: أبيعك هذه الأرض بما فيها من المشاكل والقضايا والدعاوى، فيتولاها ذاك القوي، فيعجز الضعفاء أن ينالوا حقهم عند ذلك.
ألا فليعلم أولئك أن الله جل وعلا قد نهى عنه بقوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٨].
لا تظنن أن بيعك لهذه الأرض، وما حولها وما جاورها من المشاكل والمصائب والخصومات منجيك من التبعية في الدنيا والآخرة، بل أنت موقوف ومسئول بين يدي الله جل وعلا.
أيها الأحبة: لا تظنوا أن هذا الكلام بعيد عن واقعنا، في كل صقع وأرض وشبر من أرضكم يوجد نزاع وخصومات بين الناس، بنو فلان يعتدون على بني فلان، وفلان يعتدي على أرض فلان، وهَلُمَّ جَرا، وكأن المسألة قوة وغلبة وسيطرة واستعلاء.
أفلا يحاسبون أنفسهم أمام الله؟! أفلا يراقبون أنفسهم أمام الله؟! أفلا يتقون الله؟! ثم هذا الذي يغصب أرضاً كبيرة عريضة والله ليس لك من هذه الأرض إلا قبراً توضع فيه.
فاتق الله يا عبد الله، واتق الله فيما أنت فيه، واقطع باب الخصومة، واقطع دابر النزاع، إن كان حق الناس عندك؛ فاردده، وإن كنت مغتصباً فعد إلى حدك.
أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم إلى الحلال طعاماً وشراباً وكسباً ونفقة.
اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مُبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا باغياً إلا قطعته، ولا تائباً إلا قبلته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر.
وارضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وارضَ اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 528
إحباط الأعمال
لقد حذرنا الله على لسان رسوله من كل ما يكون سبباً في إحباط أعمالنا الصالحة، وأخبرنا أن من هذه الأعمال ما يكون مخرجاً من الدين كالشرك بالله، ومنها ما يكون محبطاً للأعمال كالرياء والسمعة، وعقوق الوالدين، وهجر المسلم، ونشوز المرأة من زوجها، ولكن المخرج من هذه كلها التوبة والرجوع إلى الله ، والتزام كتابه وسنة نبيه ﷺ .
стр. 529
الصحابة وخوفهم من محبطات الأعمال
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: عباد الله! اتقوا لله تعالى حق التقوى، واسمعوا قول الله جل وعلا في محكم كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣].
معاشر المؤمنين! إن كثيراً من الناس في هذا الزمان قد يعملون أعمالاً شتى، وإن كانوا يريدون بها وجه الله جل وعلا، إلا أنهم يحدث منهم ما يكون سبباً لبطلان أعمالهم، وإحباط ثواب ما اكتسبته أيديهم من الخيرات، وذلك لأسباب عظيمة؛ وذلك لأمور كثيرة متعددة؛ ولكن أكثر الناس عن هذا غافلون.
تجد رجلاًَ صواماً قواماً، أو عابداً، أو مصلياً، أو صائماً؛ ولكن يحدث منه أعمال يجهل أنها قد تكون سبباً لبطلان عمله، وإحباط ثواب عمله، ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم على أكبر درجات الخوف والوجل من الله جل وعلا من هذه المسألة الخطرة جداً.
لما سمعت عائشة قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٥٩] إلى قوله جل وعلا ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] قالت عائشة ﵂: (يا رسول الله! أهم الذين يزنون؟ أهم الذين يسرقون؟ أهم الذين يشربون الخمر؟ قال: لا، يا ابنة الصديق، أولئك أقوام يصلون ويصومون ويقومون ويتصدقون؛ لكن قلوبهم وجلة، يخشون ألا يتقبل الله منهم).
فانظروا إلى عظم عناية الصحابة رضوان الله عليهم بالإخلاص والمتابعة، ومع ذلك كل واحد منهم يده على قلبه، يرجو ثواب ربه، ويخشى حبوط عمله.
فما بال الكثير منا في هذا الزمان، عند أدنى حسنة، أو عند أدنى صالحة من الصالحات يظن أنها قد شقت عنان السماوات، وبلغت أعلى الدرجات، وكُتبت لا شك ولا محالة في سجل الحسنات، ولم يتفقد حسنته تلك، ولم يدقق ويتأمل فيما قدم.
إن كثيراً من الناس يرفعون أعمالاً تسقط عند أقدامهم، وما السبب؟ السبب هو عدم الإخلاص، أو وقوع سبب محبط.
كان عمر بن الخطاب ﵁ ذلك الشهيد الذي بشره الرسول ﷺ بالجنة، كان يسأل أمين سر رسول الله ﷺ حذيفة بن اليمان، ويقول له: [سألتُك بالله، هل عدَّني رسول الله ﷺ من المنافقين؟].
إذا كان الفاروق إذا كان ابن الخطاب إذا كان عملاق الإسلام يخشى على نفسه من النفاق، فما بالنا نحن؟! وما موقعنا؟! وفي أي درجة نكون يا عباد الله؟! إن الكثير ليركع ويسجد ويخرج وكأنه قد ضمن الجنة، وكأن صلاته قد قُبلت، بلا تضرع وبلا خشوع وبلا سؤال ملحٍّ على الله أن يتقبل عمله، بل الكثير منهم يعمل العمل، وكله إدلال وعُجب، وكله بطر وإدلال بأن عمله لا شك قد وُضع في عداد أعمال الشهداء! من ذا الذي يمن على الله بعمله؟! ومن ذا الذي يستكثر على ربه حسنة من الحسنات، أو صالحة من الصالحات؟! معاشر المؤمنين! قال عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة: [أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ ، كلهم يخاف النفاق] وهم صحابة النبي ﷺ الذين شهد لهم الله جل وعلا في كتابه الكريم بالفضل وعلو الدرجة، واختارهم ثلة طيبة لصُحبة نبيه، أولئك الذين لو أنفق أحدنا مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه.
وكان الصديق ﵁ لما حضرته الوفاة يقول: [يا ليتني طائراً يطير من فَنَن إلى فَنَن، وألقى الله جل وعلا كفافاً، لا لي ولا علي].
ذلك العملاق، ذلك الجبل الشامخ، ذلك القمة السامقة في تاريخ الإسلام، وفي صدر الدعوة، الذي صدق النبي يوم كذبه الناس، وآزر النبي يوم خذله الناس، يبكي خوفاً وجزعاً بين يدي الله جل وعلا، ويقول: [يا ليتني أقدم على الله يوم العرض الأكبر كفافاً، لا لي ولا علي].
وبعضُنا في هذا الزمان إذا ساءل نفسه، أو ناقش نفسه، أو حاسبها، قال: أنا فلان بن فلان، قدَّمتُ، وفعلتُ، وجاهدتُ، ورأيتُ، وقرأتُ، وحاضرتُ، وخطبتُ، وأتيتُ، ودعوتُ، وكل تاء الفاعل ينسبها إلى نفسه من الأعمال! فيا عجباً يا عباد الله! أين هذه النسبة من صحابة رسول الله ﷺ ؟! ومن التابعين؟! إياكم ونفسي من الغرور بالأعمال! إياكم والعُجب بالعمل! فإنه محبطة مهلكة، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 530
الأسباب المحبطة للأعمال
стр. 531
الشرك بالله تعالى
معاشر المؤمنين! لا شك أن الشرك بالله جل وعلا من أعظم الأسباب المحبطة للأعمال جميعاً، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ [البقرة:٢١٧] ويقول الله جل وعلا في بيان أن الكفر محبط مهلك متلف للأعمال وثوابها جميعاً، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥].
بل وأعظم وأجل من هذا: أن الله جل وعلا يحذِّر نبيه من الشرك، والله يعلم أن الأنبياء لا يشركون؛ لكن لبيان خطورة هذه المسألة.
إن من الناس قد يشرك وهو لا يدري، وقد يقع في الكفر من حيث لا يشعر، فالحذر الحذر من أسباب الكفر، ومن وسائله ومقدماته، يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].
ويقول الله جل وعلا في شأن الرسل جميعاً: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨].
إذاً: فيا عباد الله! إن الله لا يقبل عملاً فيه شرك، مهما كان الإنسان صوَّاماً قواماً متصدقاً منفقاً، ما دام يفعل عملاً أو أمراً من أمور الشرك، فإن هذا كافٍ في إحباط العمل مهما بلغت درجتُه، ومهما علت منزلتُه، ومهما ظن به الناس الظنون, ومهما توقع لنفسه أعلى الدرجات؛ لأن الله جل وعلا يقول في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري، تركتُه وشركه).
وأنتم تعلمون -يا عباد الله- أن الله خلقنا لعبادته: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
ولم يقبل عبادةً مطلقة، بل قبل عبادة خالصة لوجهه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] ولا تكفي العبادة مع الإخلاص، بل لابد من المتابعة، لقول النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية لـ مسلم ﵀: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) فالعمل لا بد أن يكون خالصاً، ولا بد أن يكون صواباً صحيحاً سليماً على سنة المصطفى ﷺ .
أيها الأحبة في الله! مهما بلغ ما تسمعون عنهم من الطوائف المنحرفة، والملل الضالة، مهما تظاهروا بالإسلام، ومهما طبقوا أحكام الإسلام في ظاهر معاملاتهم، وفي محافلهم ومؤتمراتهم، وفي أماكن اجتماعاتهم، أعني بذلك: الرافضة الاثني عشرية؛ فإنهم في حقيقة الأمر يصدق عليهم قول الله جل وعلا: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٣ - ٤].
إن كثيراً من شباب الإسلام يوم يرون سفيراً من سفرائهم، أو رجلاً من رجالهم، أو تاجراً من تجارهم يطبق أحكام الإسلام، ويطبق القواعد التفصيلية الفرعية في ظواهر أمره وفي ذهابه وإيابه، يرون واحداً منهم يتقدم الناس يصلي بهم، ويرون الآخر يخطبهم، ويرون الثالث يدعوهم، يقولون: هذا هو الإسلام لا غير، وقد جهلوا أن أولئك ضيعوا أموراً كثيرة أوقعتهم في الشرك، وأوقعتهم في الكفر والعياذ بالله فكانت سبباً لإحباط أعمالهم.
إن الله جل وعلا لا يقبل إلا عملاً خالصاً صواباً، لا يقبل إلا إيماناً كاملاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨].
لا تؤمنوا ببعض وتكفروا ببعض، لا تطبقوا شيئاً وتتركوا شيئاً.
إن الله أمرنا أن ندخل في دينه جُملة وكافة.
стр. 532
الرياء والسمعة
معاشر المؤمنين! ومن الأمور المحبطة للأعمال، ولا حول ولا قوة إلا بالله: الرياء، والسمعة، والمراءاة، والنفاق، يقول الله جل وعلا: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٧].
توعد الله أولئك بويل، وهو وادٍ في جهنم، والله بريء من الرياء والشرك صغيره وكبيره، دقيقه وجليله، يقول الله جل وعلا في شأن المرائين: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٦٤].
ومن الأمور المحبطة لثواب الأعمال: المن والأذى، يقول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٢٦٢].
ويقول الله جل وعلا محذراً من المنة، ومحذراً من الإدلال، ومحذراً من تكرار ذكر المعروف على الذين يُسدى إليهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤] فهذه الآية دلت على أن المن والأذية سبب لبطلان ثواب الصدقة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ورحم الله القائل:
أفسدتَ بالمن ما أسديتَ من حَسَنٍ ليس الكريم إذا أسدى بمنانِ
ويقول الآخر:
أحسن من كل حَسَن في كل وقت وزمن
صنيعة مربوبة خالية من المنن
عباد الله! إن الأمور التي هي سبب لإحباط ثواب الأعمال كثيرة وكثيرة جداً، وحسبنا في هذا المقام المناسب أن نذكر شيئاً منها، أو من أهمها، فمنها أيضاً:
стр. 533
التألِّي على الله
والتألي على الله أيها الإخوة: هو أن يتألَّى الإنسان، وأن يستكثر، وأن يستدرك أن يكون فلاناً بن فلان الذي بلغ من المعصية شأواً، ومن الفجور حداً، ومن الذنوب مقداراً، يظن أن الله لا يهديه، وأن هذا لا يدخل الجنة، وأن هذا لا يضل أبداً، هذا مستقيم لا يضل أبداً، وهذا ضال لا يستقيم أبداً.
كلا والله، إن التألِّي سببٌ لإحباط الأعمال، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فما رأيتَ من ضال فادعُ له بالهداية، وما رأيتَ من مستقيم فاسأل الله له الثبات.
روى مسلم ﵀ بسنده إلى جندب ﵁، أن رسول الله ﷺ حدَّث أن رجلاً قال: (والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله: من ذا الذي يتألَّى عليَّ ألا أغفر لفلان، قد غفرتُ لفلان، وأحبطت عملك).
هذا بسبب التألِّي قد غفر الله لذلك الذي ظن أنه لا يُغفر له، وأحبط عمل ذلك المتألِّي، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وإنني أحذر نفسي وكثيراً من المسلمين الذين يقعون في هذا، ظناً منهم أن فاسقاً من الفساق، أو فاجراً من الفجار لا يمكن أن يهتدي (إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) فلا تظنن مستقيماً يموت على استقامته؛ إلا إذا عصمه الله ومن عليه بذلك، ولا تظنن مذنباً وفاجراً يموت على فجوره، إن الله قد يتداركه برحمته: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦] ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦].
﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] من ذا الذي يستكثر على الله أن يهدي فاجراً أو فاسقاً أو مجرماً؟! فإذا رأيت مبتلىً فاحمد الله، ولا تتألَّى على الله، ولا تسخر به، فلا تهزأ بأخيك، فيعافيه الله جل وعلا ويبتليك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
стр. 534
البدع والخرافات
أيها الأحبة! ومن الأمور التي قد تكون سبباً، بل هي سبب والله في إحباط العمل: ذلك عمل البدعة، البدعة التي إذا فعلها فاعل لم يشهد لها الشرع باعتبار، لم يكن لها سند وعمل من كتاب الله وسنة نبيه فيما يتعلق بأمر العبادة؛ فإنه عمل مردود مردود مردود، كما يفعله الذين يحتفلون بالموالد النبوية، والمدائح النبوية، والأشعار التي قد يصل الأمر فيها إلى حد الشرك، في المبالغة والإطراء في المديح، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فتلك بدع وأعمال مردودة على أصحابها، يضرب بها وجوه أصحابها، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فمن ابتدع في أمر الدين شيئاً، فهو يظن أن الدين لم يكمل، وأن النعمة لم تتم، فكان لا بد أن يضيف بدعتَه إلى رصيد العبادات في الدين، وهذا عين التألي، وهذا عين الاستدراك على الله.
فمن ذا الذي يستدرك على ربه؟! ومن ذا الذي يلاحظ على خالقه؟! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وسمعتم حديث النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود على صاحبه.
أيها الأحبة في الله! أسأل الله جل وعلا أن يمن علينا وعليكم بالثبات والاستقامة، والعبادة والقبول، وأن يوفقنا إلى قبول أعمالنا، وأن يهدينا للصالحات، إنه لا يهدي لأحسنها إلا هو جل وعلا.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 535
انتهاك حرمات الله في الخلوة
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، فهو الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكمْ مِمَّن لا كافي له ولا مئوي؟! ومن كل خير سألناه أعطانا، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراًَ.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، عضوا بالنواجذ على العروة الوثقى.
اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتُها، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة في الله! شنفوا آذانكم، وأطربوا أسماعكم بحديث النبي ﷺ في أمر من الأمور التي هي من أعظم الأسباب المحبطة للأعمال، المتلفة للأجور والحسنات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
عن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لأعْلَمَنَّ أقواماً من أمتي، يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله هباءً منثوراً، قال ثوبان: يا رسول الله! صِفْهُم لنا، جَلِّهِم لنا، ألا نكون منهم ونحن لا نعلم) اسمعوا إلى كلام الصحابة: صِفْهُم لنا، جَلِّهِم لنا، يخشون أن يكونوا منهم وهم لا يعلمون، وهم في زمن النبوة، وهم في صحبة النبوة، وهم في جنبات الوحي، وهم في القرون المفضلة، يقولون: صِفْهُم وجَلِّهِم، يخشون أن يكونوا منهم وهم لا يشعرون! فيا عجباً لغيرهم من هذه النفوس المريضة، وهذا القلوب السقيمة التي تمن على الله بأعمالها، والتي تدل على الله بأعمالها! عجباً والله من هذه النفوس! قال ثوبان: (يا رسول الله! صِفْهُم لنا، جَلِّهِم لنا، ألا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون؛ ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
стр. 536
التكذيب بالقدر
معاشر المؤمنين! ومن الأمور التي هي سبب لإحباط الأعمال، وإتلاف الثواب: التكذيب بالقدر، فإن من الناس قد يستهزئ ويستهتر، وقد يكذب بالقدر وهو لا يدري، يقول النبي ﷺ : (ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً: عاق لوالديه، ومنَّان، ومكذب بالقدر).
وعن زيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: (لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه، عذبهم وهو غير ظالم لهم.
ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله، ما قبله الله منك، حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن لصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار).
فليسمع هذا الحديث أولئك الذين يعترضون ويتسخطون ويدعون بالويل والثبور من أقدار الله جل وعلا.
إذا أصيب أحدهم ببلية، أو نزلت به نازلة، قال: لماذا فُعِل بي هذا؟! وما الذي فعلتُ؟! أين المجرمون؟! أين الفجرة؟! أين الفساق؟! لماذا يتنعمون وأنا الذي أُبتلى؟! لماذا يصِحُّون وأنا المريض؟! لماذا هم أغنياء وأنا فقير؟! لماذا هم أحرار وأنا أسير؟! لماذا لماذا لماذا يكرر التسخط والتشكي، ولا يلبث المخلوق إلا أن يشكي الخالق إلى المخلوق، مسكين من فعل هذا! إن الشيطان يدعوه إلى أن يضيِّع عليه أجر المصيبة.
إن الله جل وعلا ما أصاب عبداً من عباده إلا وجعل له في المصيبة أموراً كثيرة: الحمد لله أن لم تكن المصيبة في دينك، الحمد لله أن لم تكن أعظم، الحمد لله الذي جعل لك بها طهوراً وتكفيراً ورفعة في الدرجات والحسنات، كما يقول النبي ﷺ : (ما من هَمٍّ ولا نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، حتى الشوكة يُشاكها الرجل إلا كفَّر الله بها عن سيئاته).
فما أصابك من أمر من أمور الدنيا في نفسك أو مالك أو ذريتك أو أحبابك فاحمد الله الذي لا يُحمد على مكروه سواه، واحمد الله الذي يُحمد على كل حال، ولا تكن ساخطاً، لا تكن جزعاً، لا تكن متشكياً، فتلبث أن يضيع أجر المصيبة عليك، والشيطان كثيراً ما يجعل الإنسان يُوَلْوِل ويصيح ويهرول ويدعو بالويل والثبور، ظناً أن هذا تعبير عن المصيبة؛ لذلك نهى النبي ﷺ عن النياحة، وعن شق الجيوب، ولطم الخدود، وعن الاعتراض والتسخط عند المصيبة، وبين ﷺ بقوله: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى).
فاصبر لكل قدر من أقدار الله، وارضَ بما قسم الله: (واعلم أن ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، أو قد قسمه الله لك، جفت الأقلام وطويت الصحف).
стр. 537
هجر الأخ المسلم
أيها الأحبة في الله! إن الأعمال التي تكون سبباً لإتلاف الصالحات، وإتلاف ثواب الدرجات كثيرة جداً، ونختصرها في هذا المقام، فمنها: هجر المسلم: إن هجر المسلم عند الله عظيم، ما بال إخوان يقابل بعضُهم بعضاً فلا يسلم أحدهم على الآخر؟! ما بال جيران إذا خرج هذا صدَّ وانصرف بوجهه عن وجه جاره؟! ما بال أقارب يتقاطعون في أرحامهم؟! ما بال أبناء يعقون والديهم؟! إن الهجر خطير جداً.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تُفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس، فيُغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين؛ حتى يصطلحا، أنظروا هذين؛ حتى يصطلحا، أنظروا هذين؛ حتى يصطلحا ثلاث مرات) رواه الإمام مسلم.
стр. 538
نشوز المرأة عن زوجها
ومن الأمور الخطرة التي هي سبب لإحباط الأعمال، ولا حول ولا قوة إلا بالله: نشوز المرأة عن زوجها؛ فإن المرأة إذا خرجت ونشزت واستعلت وتكبرت عن طاعة زوجها؛ فإن الله لا يقبل عملاً حتى تعود إلى طاعته، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ففي الحديث: (اثنان لا تجاوز صلاتُهما رءوسهما: العبد الآبق؛ حتى يرجع إلى سيده، وامرأة عصت زوجها؛ حتى ترجع) ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 539
عقوق الوالدين
ومن الأمور المحبطة أيضاً: عقوق الوالدين يا عباد الله! عقوق الوالدين الذي بلغ في هذا الزمان حداً كنا نقرؤه كالأساطير والخرافات، أما الآن فقد أصبح عقوق الوالدين عند بعض المسلمين أمراً ملموساً، وواقعاً حسياً، وأمراً مشهوداً.
ألا فليعلم العاقُّون، القاطعون لوالدِيهم، الهاجرون لأمهاتهم وآبائهم، فليعلموا أن العقوق من أعظم الأسباب التي تحبط الأعمال، وأن الله لا يقبل من العاق عملاً، ويقول النبي ﷺ : (ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً: عاق، ومنَّان، ومكذب بالقدر).
فانظروا كيف قدم العقوق على هذه جميعاً، ولما سئل النبي ﷺ عن أفضل الأعمال قال: (الإيمان بالله، قيل: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قيل: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله) فقدم بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله.
أيها الأحبة! لستُ بهذا المقام مفصلاً في شأن أحوال الناس عن العقوق؛ ولعلنا أن نفردهم في مناسبة قادمة؛ لكن أنقل لكم قصة ممن أدركها وأحسها، ومن لسانه إلى أذني هذه، قال: إن شاباً تزوج فتاة، وكان أبوه عنده، وكان كبيراً مسناً طاعناً في السن، فأنِفَت زوجة الشاب هذا أن تخدم أباه، وقالت: لا أقعد عندك حتى تخرج هذا العجوز من البيت، فأطاعها وعقَّ أباه، فقبل منها وعقَّ بوالده، فما كان منه إلا أن قال: سنخرج يا أبتي إلى مكان ما، فطيب أباه وغسله، وكأنه يكفنه ويحنطه، ثم ألبسه، وذهب به إلى دار العجزة، وألقاه عندهم، وقد كان أبوه في تلك الحالة في حالة مرض لا يفيق ولا يدري ما يُفعل به، فلما أفاق في تلك الدار، قال: أين أنا؟ وفي أي مكان؟ وأين ولدي؟ قالوا: جيء بك إلى هنا، أنت في عِداد أولئك العجزة الذين لا مأوى ولا راعي لهم، قال: حسناً، اذهبوا بي إلى مكان كذا وكذا، فذهب إلى محكمة عدل، ووكَّل صديقاً له، وباع بيته الذي يسكنه الولد والزوجة، فلما جاء المشتري قال للولد: اخرج، ليس هذا بيتك، قال: كيف؟! قال: هذا بيت أبيك، وقد وكلني على بيعه، وقد بِيع البيتُ وشُري، ولا مكان لك في هذا البيت.
فانظروا يا عباد الله لو حدثكم أحدٌ بهذا لقلتم: من الأساطير والخرافات؛ لكنها وقعت في هذا الزمان؛ لكنها حصلت في هذا الدهر المعاصر.
فيا عباد الله! كيف بلغ العقوق بأبناء المسلمين لآبائهم وأمهاتهم؟! من ذا الذي يتهاون بشأن أمه وأبيه؟! الجنة تحت أقدام الأمهات، الآباء والأمهات بابان من أبواب الجنة، فمن شاء فليلزم، ومن شاء فليترك.
وفي الأثر: [إذا ماتت أم العبد نادى منادٍِ من السماء: ماتت التي كنا نكرمك لأجلها، فاعمل صالحاً تُكرم به].
فانظروا -يا عباد الله- شأن الناس في هذا الزمان مع العقوق والقطيعة، وليس هذا مقام التفصيل.
стр. 540
المجاملات والمداهنات في العلاقات
أيها الأحبة في الله! إننا نفوت أجر كثير من الأعمال على أنفسنا بالمجاملات، وبالمقابلات، وبأمور تضيع، ليست دنيوية محضة، وليست أخروية محضة، تجد أحداً من الناس يُدعى إلى وليمة أو إلى مناسبة يقول: أزور فلان بن فلان؛ لكي أسلم من لسانه؛ لكي لا يقول فيَّ كذا وكذا، لا يقول: أزوره؛ لكي أحتسب على الله عملاً؛ لقول النبي ﷺ : (وإذا دعاك فأجبه) لا يقول: أزوره صلة لرحمه، لا يقول: أزوره في الله، فيضيع عليه الشيطان ثواب الحسنة وثواب العمل، حيث يقول ويدور في خلده: أنه ذاهب؛ لكي يسلم من لسانه، وهذا شأن كثير من الناس، دققوا ولاحظوا كثيراً من الذين تعاملونهم.
إن المجاملات والمداهانات والمراءات قد عمت وطمت كثيراً من العلاقات البشرية في هذا الزمان، فلا تجد العبد قدم عملاً خالصاً يرجو به ما عند الله، واحتسبه لله؛ ولا تجده قدم تجارة نافعة، قدم بضاعة وتلقى نقداً، فضاعت أمور الناس لا هي في دنيا، ولا هي في دين، ورحم الله القائل:
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقعُ
ولا حول ولا قوة إلا بالله! اللهم أعز الإسلام والمسلمين.
اللهم دمر أعداء الدين.
اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين.
اللهم من أرادنا بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره، يا سميع الدعاء! اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا.
اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على الحق، يا رب العالمين! اللهم مسكهم بكتابك، اللهم سخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، بمنك وكرمك، يا أرحم الراحمين! اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا.
اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مُبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا أيِّماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم لا تكلنا إلى أعمالنا.
اللهم إنا نبرأ من التوكل إلا عليك، ومن الفقر إلا بين يديك، ومن الحاجة إلا لك، ومن العز إلا بك، ومن القوة إلى بقوتك، يا رب العالمين! اللهم إنا نبرأ إليك من أن نتكل على غيرك، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا، ولا إلى مخلوق عز أو ذل، اللهم لا تكلنا إلى ذلك طرفة عين، ولا أقل منها يا رب العالمين! اللهم عاملنا بعفوك، اللهم عاملنا بمنك، اللهم عاملنا بكرمك؛ ربنا إن من نوقش الحساب عُذب، اللهم رحمتك التي سبقت غضبك، اللهم رحمتك التي وسعت كل شيء، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 541
اختلاف الأماني بين الناس
لو نظرنا في سيرة الرعيل الأول من الصحابة رضوان الله عليهم؛ لوجدنا فرقاً كبيراً، وبوناً شاسعاً بين همة السلف وهمة الخلف، فقد جاوزوا النجوم علواً في الهمة، وإننا إن لم نتبعهم فلن نكون معهم يوم القيامة، ولكي نكون على شاكلتهم فعلينا مراجعة ديننا والاستعانة بالنظر في سيرة السلف الصالحين وقد ذكر الشيخ صوراً مشرقة ومُثُلاً عالية رفيعة في علو الهمة
стр. 542
الصحابة وعلو همتهم ورفعة أمنياتهم
الحمد لله وحده لا شريك له، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وهو على كل شيء قدير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
معاشر المؤمنين! لا شك أن لكل مخلوق في هذا الوجود أمنية يرجو نوالها، ويخطط لتحقيقها، ويعد ويرتب للحصول عليها، ومن المعلوم أن الآمال والأماني تختلف بين شخص وآخر، تختلف بين الناس بحسب علو هممهم، ورفعة مقاصدهم، فمن كانت همته عالية وجدت أمانيه غالية عزيزة رفيعة، ومن كانت همته هابطة وجدت أمانيه لا تبعد كثيراً عن هبوط همته، ورحم الله القائل:
وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام
أيها الأحبة في الله! لو سألت كثيراً من الناس عامة، أو سألت بعض الشباب خاصة، عن همته وغايته في هذه الحياة، وما يؤمل فيها، لهالك الأمر مما ترى، من دنو الهمة، والقناعة بالنزر اليسير، والقدر القليل من حظوظ الكرامة والفلاح في الدنيا والآخرة، فمن الناس من ترى همته انحصرت في أرض صغيرة، أو دويرة عامرة، أو زوجة حسناء، أو دريهمات في الحساب الجاري في البنك، أو سيارة فارهة، وليس طلب الإنسان أو سعيه لتحصيل شيء من هذه الأمور معيباً، ما لم يرتكب في سبيل ذلك إثماً أو حراما.
لكنما المعيب والعجيب أن ترى الهمة والأمنية محصورة عند هذا الحد من حطام الدنيا وحظوظها الفانية، لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يمنحون الفرص الكثيرة، ليسأل أحدهم النبي ﷺ ما شاء، وإذا دعا النبي ﷺ لأحد أجيبت دعوته، وإذا وعد النبي ﷺ أحداً بموعد تحقق وعده، وحينئذ كان بوسع أحد الصحابة أن يسأل النبي ﷺ آلاف الجمال والأباعر والنوق، أو قطعان الغنم، أو المال العظيم من الذهب والفضة، ومع هذا كله ما سأل أحد منهم النبي ﷺ هذا الحطام إلا عدد قليل من الأعراب، وما جعلوه فرصة للإثراء.
إذاً حينما تتاح الفرصة للصحابة رضوان الله عليهم، ماذا كانوا يسألون؟ وماذا كانوا يتمنون؟ وماذا كانوا يطلبون؟ اسمعوا الجواب من خلال هذه القصة وغيرها.
стр. 543
ربيعة بن كعب وسؤاله مرافقة النبي ﷺ في الجنة
عن ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: (كنت أبيت مع النبي ﷺ ، فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال: سل، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة؟ فقال ﷺ : أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك يا رسول الله! قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود) تفرد به مسلم.
فانظروا إلى سؤال ربيعة، وأمنيته وغايته، ما قال: أسألك نوقاً أو إبلاً أو جمالاً أو ذهباً أو فضة، وهي فرصة يجاب فيها أي سؤال، حينما يقول النبي ﷺ : سل، فقال: أسألك مرافقتك في الجنة.
стр. 544
أعرابي يطلب راحلة وعجوز بني إسرائيل تطلب الجنة !!
وعن علي ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا سئل عن شيء، فأراد أن يفعله، قال: نعم، وإذا أراد ألا يفعله سكت، وكان لا يقول لشيء: لا، فأتاه أعرابي فسأله، فسكت، ثم سأله فسكت، ثم سأله فقال النبي ﷺ : سل -كهيئة المنتهر؟ - سل ما شئت يا إعرابي -كأنه يريد منه أن يسأل شيئاً عظيم الهمة والغاية- فقال الصحابة رضوان الله عليهم: لقد غبطناه، وقلنا: الآن يسأل الأعرابي رسول الله الجنة، فقال: أسألك راحلة؟ فقال النبي ﷺ : لك ذلك.
ثم قال للأعرابي: سل، فقال الأعرابي: ورحلها؟ قال النبي ﷺ : لك ذاك.
ثم قال: سل، قال: أسألك زاداً؟ قال: وذاك لك، فعجبنا من ذلك! فقال النبي ﷺ : أعطوا الأعرابي ما سأل، قال: فأعطي، ثم قال ﷺ : كم بين مسألة الأعرابي وعجوز بني إسرائيل).
وملخص هذا، أن العجوز سألت موسى ﵇ أن تكون معه في الدرجة التي يكون فيها في الجنة، فقال موسى: سلي الجنة، فقالت العجوز: لا أرضى إلا أن أكون معك في الدرجة التي تكون فيها في الجنة، فأوحى الله إلى موسى أن أعطها ذلك، فإنه لا ينقصك شيئا.
رواه الترمذي في الأوسط عن علي.
стр. 545
حارثة وأمنيته في الشهادة
ومن الأماني الغالية والهمم العالية، ما رواه أنس بن مالك ﵁، قال: (بينا رسول الله ﷺ يمشي، إذ استقبله شاب من الأنصار، واسمه حارثة، فقال النبي ﷺ : كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمناً، قال: انظر ما تقول فإن لكل قول حقيقة، قال حارثة: يا رسول الله! عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها، قال: أبصرت فالزم) -عبد نور الله الإيمان في قلبه- (فقال حارثة: يا رسول الله! ادع الله لي بالشهادة؟ فدعا له رسول الله ﷺ ، فنودي يوماً في الخيل، فكان أول فارس ركب، وأول فارس استشهد، فبلغ ذلك أمه، فجاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إن يكن حارثة في الجنة لم أبك ولم أحزن، وإن يكن في النار بكيت ما عشت في الدنيا، فقال ﷺ : يا أم حارثة! إنها ليست بجنة، ولكنها جنان، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى، فرجعت وهي تضحك وتقول: بخ بخ يا حارثة).
стр. 546
خيثمة يسأل رسول الله بأن يدعو له بالشهادة
فأين أمانينا في هذا الزمان من أماني أولئك الرعيل الأول والركب الأول والصحب الأجل، عليهم من الله كل رضوان ورحمة، قال خيثمة الصحابي ﵁، وكان ابنه قد استشهد وهو يغزو مع رسول الله ﷺ يوم بدر: (لقد أخطأتني وقعة بدر، وكنت والله حريصاً عليها، حتى ساهمت ابني في الخروج، فخرج سهمه، فرزق الشهادة، وقد رأيت البارحة ابني في النوم في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها، يقول: يا أبت! الحق بنا ترافقنا في الجنة، فقد وجدت ما وعد ربي حقا، وقد والله يا رسول الله أصبحت مشتاقاً إلى مرافقة ولدي في الجنة، وقد كبرت سني، ورق عظمي، وأحببت لقاء ربي، فادع الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة، ومرافقة سعد في الجنة، فدعا له رسول الله ﷺ بذلك، فقتل بـ أحد شهيداً).
стр. 547
عمرو بن الجموح يريد أن يطأ بعرجته الجنة
وهذا عمرو بن الجموح الأنصاري كان أعرج شديد العرج، وكان له أربعة بنين شباب يغزون مع رسول الله ﷺ إذا غزا، فلما توجه إلى أحد أراد أن يتوجه معه، فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة، فلو قعدت ونحن نكفيك، وقد وضع الله عنك الجهاد، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله ﷺ ، فقال: (يا رسول الله! إن بني هؤلاء يمنعونني أن أخرج معك، والله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه الجنة، فقال له رسول الله ﷺ : أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد، وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة، فخرج مع رسول الله ﷺ فقتل يوم أحد شهيداً).
فيا شباب الإسلام! ويا عباد الله! انظروا إلى الهمم العالية، والمطالب الغالية التي تمنوها فأدركوها، تمنوها خالصة لوجه الله جل وعلا، فاجعلوا همتكم رضا الله، واجعلوا سعيكم في مرضاة الله جل وعلا، عند ذلك يحقق الله لكم الدنيا والآخرة (من أصبح والدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وشتت عليه ضيعته، ووكله إلى نفسه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قسم له، ومن أصبح وهمه الآخرة، تكفل الله برزقه، وأتته الدنيا راغمة، وجمع الله له ضيعته).
فارفعوا الهمم يا عباد الله! واصدقوا ربكم الوعد، وارفعوا الهمة والأمنية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 548
السلف وهمتهم العالية
الحمد لله منشئ السحاب، ومنزل الكتاب، وهازم الأحزاب، وخالق خلقه من تراب، لا إله إلا الله عليه توكلنا وإليه مآب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضو بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها؛ وكل محدثة بدعة؛ وكل بدعة ضلالة؛ وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
معاشر المؤمنين! إن مما يكدر البال، ويسوء الخاطر، أن ترى فئاماً من شباب المسلمين قد دنت همتهم، وانحصرت مطالبهم في حظوظ قليلة، وأمتعة رخيصة زائلة، من حطام هذه الدنيا الفانية، بل وإن منهم من حصر همه في ذلك على سبيل محرمة، وجاوز بها كل سبيل مباح، ولا حول ولا قوة إلا بالله! إن من الشباب من عرفناه، وقال بعظم لسانه: أتمنى أن أفتح محلاً للفيديو؛ لأبيع ألواناً وأشكالاً وأصنافاً من الأفلام، عجباً لهذه الأمنية، أمنية رخيصة، وهمة دنيئة، ومع ذلك أسلوبها وسبيلها حرام من كتاب الله وسنة نبيه، فيه أذى وإفساد.
стр. 549
أحد السلف يتمنى أن يطيع الخلق ربهم ولو مُزِّقَ لحمه إرباً
فيا عباد الله! تأملوا أحوالكم، وقلبوا أعمالكم، وانظروا هل هممكم عالية؟ وهل هي مرتبطة بالله؟ هل هي مرتبطة بالدعوة إلى الله، وإلى سنة رسول الله ﷺ ؟ يقول أحد السلف: وددت أن الخلق هذا أطاع الله ولو مزق لحمي إرباً، انظروا إلى هذه الهمة العالية، التي بلغت حد أمنية أن يهدي الله العباد، حتى وإن كان تحقيق هذه الأمنية على سبيل بدنه وتمزيق جسمه، شهادة في سبيل الله جل وعلا.
فارفعوا هممكم، وقلبوا أحوالكم، واجعلوا الهمة عند الله جل وعلا عالية، وإذا سألتم فاسألوا الله الذي بيده الخلائق، وبيده الأرزاق، فإن من الناس رغم دنو همته لا يجعل السبيل إليها إلا عن طريق البشر، فتراه ملحاً لحوحاً في سؤال عباد الله!، في سؤال الفقراء والضعفاء، وينسى أن يسأل ربه خالق الضعفاء والفقراء، ينسى أن يسأل ربه خالق الأغنياء والأثرياء.
стр. 550
تابعي يرفض أن يطلب شيئاً من هشام بن عبد الملك
فيا عجباً لنا يا عباد الله! كيف تنحصر الهمم في مطالب رخيصة، ومع ذلك نسألها أناساً لا يملكونها، دخل هشام بن عبد الملك الكعبة فوجد رجلاً من التابعين جالساً فيها، فقال: سلني حاجتك؟ فقال: أما إني أستحي أن أسأل غير الله وأنا في بيته، فلما خرج من الكعبة، قال: سلني حاجتك؟ قال: من الدنيا أم من الآخرة؟ قال: بل من الدنيا، فقال: إني ما سألت الدنيا من يملكها، فكيف أسألها ممن لا يملكها! انظروا يا عباد الله! عظم هذه الهمة التي جاوزت سؤال هذا الحد، وانظروا يا عباد الله! كيف يرتبط السلف في سؤالهم ودعائهم بالله جل وعلا، إن من الناس من لو بلغت به جائحة أو مصيبة تلفت إلى الضعفاء والفقراء، وإلى المساكين الذين لا يدفعون ولا يملكون نفعاً ولا ضراً، يسألهم حاجته أو تفريج كربته، ولو قلت له: أسألك بالله، هل قمت ليلة في حالة نزول ربك جل وعلا في الثلث الأخير من الليل يوم ينزل الجبار جل وعلا يسأل العباد حاجاتهم، وهو أعلم بها منهم (هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأجيبه؟) هل سألت ربك حاجتك؟ يقول: لا والله ما حصل، إنما ذهبت إلى فلان واسطة إلى فلان، وذهبت إلى فلان شفاعة لفلان، وذهبت إلى علان شفاعة عند المسئول أو الجهة أو المكانة الفلانية، وقد نسي المسكين أن يسأل ربه الذي بيده نواصي الخلق أجمعين.
من يسأل الناس يحرموه وسائل الله لا يخيب
وإذا بليت ببذل وجهك سائلاً فابذله للمتفرد المفضال
لا تسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
عباد الله: اسألوا الله الجنة، اسألوا الله الفردوس، اسألوا الله الشهادة في سبيله، اسألوا الله أن يفرج عن المكروبين، اسألوا الله واجعلوا من هممكم أن يخرج السجناء تائبين من سجونهم، اسألوا الله أن يهدي شباب المسلمين، اجعلوا هممكم عامة وعالية، انظروا إلى الكون بآفاقه الشاسعة، ولا تنظروا نظرة الأنانية أو نظرة الذاتية والفردية، تلك النظرة التي لا يجاوز فيها صاحبها حد نفسه ومصالحه القاصرة.
ويا للأسف! ما أكثر الذين لا ينظرون إلا إلى أنفسهم، وإلى أرصدتهم، وحظوظهم ونصيبهم فقط، وقد يرى الناس من حوله يجوعون أو يتضورون ويتضوغون جوعاً، ومع ذلك لا يفرج كربة وهو قادر عليها، من كرب العباد التي يستطيع العباد تفريجها، لا يشفع بوجه وهو قادر على الشفاعة، لا يبذل جاهاً وهو قادر على بذله، لا يقدم معروفاً وهو قادر على تقديمه.
أحسن إذا كان إمكان ومقدرة فلا يدوم على الإحسان إمكان
مادام الإنسان قادراً ومستطيعاً، ومادام الإنسان مطيقاً، فليبادر وليقدم وليجعل الهمة عالية، وليرفع نفسه بهمة تنفعه عند الله، وتنفع الخلائق أجمعين، إن الخلق عيال الله، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله.
فانفعوا عباد الله! واجعلوا همتكم لهم جميعاً، لا تجعلوا همتكم فردية لا تجعلوها أنانية، ولا تجعلوها ذاتية.
أسأل الله جل وعلا أن يهدي شباب المسلمين، وأن يفرج كربات المكروبين، وأن يمن على المذنبين بالتوبة.
يا شباب الإسلام! إن من أهم الأمور التي تستطيعونها، وتقدرون عليها، هي أمر الدعوة إلى الله جل وعلا، ومن كانت أمنيته أن يكون داعيةً إلى الله فليبذل أسباب وسائلها بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى يهتدي الخلق على يديه، فيقفون يوم القيامة يشهدون ويشفعون له، وتوضع مثل أعمالهم في موازين أعماله، تلكم هي الهمم العالية.
اجعلوا همتكم تربية الأبناء وتربية الأجيال، ونفع المسلمين، اجعلوا همتكم حفظ الأمن والأمة والمجتمع والبلاد، اجعلوا همتكم كل خير شمل وعم أبناءكم وإخوانكم وعامة المسلمين، واسألوا الله جل وعلا، واجعلوا ذلك فوق الهمم جميعاً، أن يختم الله لكم بالشهادة والسعادة، وأن يثبتكم الله على دينه، وأن يأخذ بنواصيكم إلى مرضاته، وأن يحيل بينكم وبين أسباب سخطه، هذه هي الهمم.
стр. 551
عروة بن الزبير وهمته في سؤال الله وطلبه
إن كثيراً من الناس يدخل المسجد، ثم يخرج منه ما سأل ربه همة عالية، يركع ويسجد ويكرر كلمات بعضهم لا يتأمل معناها، فقد ذكر أن رجلاً صلى وراءه عروة بن الزبير، فقال له: [يا ابن أخي! أما لك حاجة عند ربك؟ فالتفت ذلك الرجل إلى عروة، فقال: أما لك حاجة عند ربك؟ إني أسأل ربي كل شيء، حتى الملح لطعامي] فاسألوا الله الدقيق والجليل، واجعلوا الهمة العالية، والدعاء والحظ الأوفر والنصيب، والقدح المعلى من الدعاء، اجعلوه لسؤال الله الجنة، اسألوا الله جل وعلا النجاة من عذاب النار، والنجاة من فتان القبر، اسألوا الله الأمان يوم فزع الخلائق، اسألوا الله الطمأنينة يوم هول المحشر، اسألوا الله العبور على الصراط.
ينبغي أن يتذكر الإنسان هذه الأحوال، وأن يسألها ربه، وأن يجعلها من أعلى هممه، لا أن يجعل همته محل بيع أغاني، أو محل بيع أشرطة فيديو، أو سيارة من بلد كذا، أو فلة على شارعين، أو رصيداً قدره كذا وكذا، لا بأس لو سأل ربه مباحاً من المباحات، لكن ليست هذه هي الأمنية، وليست هذه هي الغاية، ولا تقف همة مسلم عند هذا الحد.
стр. 552
الرسول ﷺ وهمته في نشر دين الله
إن أمة ذللت الأكاسرة، وكسرت القياصرة، ما كانت همتها عند الدنيا، إن نبينا ﷺ لما جاءه أبو طالب، فقال: يا ابن أخي! إن القوم قد أشغلهم أمرك، فإن كنت تريد جاهاً سودوك، وإن كنت تريد مالاً أعطوك، وإن كنت تريد جمالاً زوجوك أحسن نسائهم، وإن كان الذي بك رئي من الجن عالجوك، فلما انتهى، قال: (انتهيت يا عم؟! قال: نعم، فقال: أما والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، والله ما تركت هذا الأمر حتى أهلك دونه، وتندق هذه السالفة).
تلكم هي الهمة العالية، أن ينشر دين الله، وأن يبلغ أمر الله وكلام الله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، فبلغوا دعوة الله يا شباب الإسلام! والله يعصمكم ويحفظكم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨] ولا تهابوا قليلاً ولا كثيراً، ولا تخافوا صغيراً ولا كبيراً، إن الله جل وعلا يحفظ عباده المتقين.
اللهم اجعلنا من عبادك المحسنين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، اللهم اجعلنا على حوض نبينا واردين، ولكأسه من الشاربين، وعلى الصراط من العابرين، وآتنا صحفنا باليمين، وبيض وجوهنا يوم تسود وجوه الكفرة والمجرمين.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً اللهم جازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، وافسح اللهم له في قبره مد بصره، ونور عليه ظلمة لحده، وافتح له اللهم باباً إلى الجنان يا رب العالمين! اللهم اهد شبابنا، وارفع هممهم إلى ما يرضيك يا رب العالمين! اللهم جنبهم الفساد، اللهم جنبهم الزيغ والعناد، اللهم افتح على البصيرة قلوبهم، اللهم اجعل نفعهم وحظهم لأمتهم، ولا تجعل فعلهم وجهدهم للشيطان وللأعداء، يا رب العالمين! يا أرحم الراحمين! اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم أصلح مضغة قلبه، اللهم قرب له بطانة الخير، وجنبه بطانة الشر يا رب العالمين! اللهم اجعل جليسه من خافك وأرضاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على كتابك وسنة نبيك، وسخر اللهم لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، ربنا لا تشمت بنا ولا بهم حاسداً، ولا تفرح علينا ولا عليهم عدواً، وخذ بنواصينا أجمعين إلى ما يرضيك يا رب العالمين! ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم أغثنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً، سحاً نافعاً طبقاً مجلياً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم اسقنا ولا تجعلنا من القانطين، ربنا اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل رحمة من رحماتك، وبركة من بركاتك، ترحم اللهم بها العباد، وتنفع بها البهائم والبلاد بمنك يا أرحم الراحمين، اللهم اسق المسبحات الركع، والبهائم الرتع، والأطفال الرضع، والشيوخ الركع، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم إن عظمت ذنوبنا، فإن عفوك أعظم، وإن كبرت معاصينا، فإن فضلك أكبر، وإن تعددت ذنوبنا، فإن فضلك أعظم يا رب العالمين! لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 553
طرق الدعوة والدعاة
إن الدعوة إلى الله تعالى شرف عظيم، لكن بقدر شرفها هي تحتاج إلى من يحملها وهو كفء لذلك، على أنها واجب كل مسلم بقدر علمه وقدرته، وكل ميسر لما خلق الله، وهذه المادة تبين كثيراً من المسائل التي تهم المسلم وتتعلق بدعوته إلى ربه.
стр. 554
أهمية الدعوة إلى الله وعظم أجرها
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يرضى ربنا ويشاء، الحمد لله ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء ربنا من شيءٍ بعد، الحمد لله الذي خلقنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، ووفقنا إلى التوحيد، وأطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا، ومن كل خيرٍ سألناه أعطانا، نحمده سبحانه وحده لا شريك له على نعمه التي لا تحصى، وعلى آلائه التي لا تنسى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والندِّ والمثيل والنظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ربنا واحدٌ في ربوبيته، واحدٌ في ذاته، واحدٌ في ألوهيته، واحدٌ في أسمائه وصفاته: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، كان بأمته رءوفاً رحيماً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، واجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، في يومٍ لا ينفع ولدٌ والده شيئاً، ولا يجزي والد عن ولده شيئاً: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
معاشر المؤمنين! كلكم قد قرأ في كتاب الله جل وعلا قوله الحكيم: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥] ويقول جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] ويقول جل وعلا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤].
أيها الأحبة في الله! الأمر بالدعوة إلى دين الله، والنداء بالدعوة إلى صراط الله المستقيم، أمرٌ عامٌ لجميع المسلمين أجمعين، وكلكم يعلم ما فيه من الأجر والثواب العظيم، ولو لم يكن فيه إلا أن يموت الداعية ويبقى أجره بعد موته ماضياً لكفى، وإن الدعوة إلى الله لمن أجل الأعمال وأفضلها: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم) ويقول ﷺ : (من دعا إلى هدى فله أجره، وأجر من تبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص من أجورهم شيئاً) وأمام هذه الآيات القرآنية، والنصوص النبوية، يقف جملةٌ من الشباب، يتحرقون ويتعطشون، يريدون أن يدعوا إلى الله، يرغبون في الدعوة إلى الله جل وعلا، فيأتي الشيطان لكي يحصر عملاً إسلامياً، أو دعوةً خالصة، لكي يحصرها في سبيلٍ ضيق، فيقول: لست من أهل الشهادات! ولست من أهل المؤهلات! ولست من ذوي المراتب والمناصب والهيئات! ويظن بعض الشباب أن الدعوة إلى الله منحصرةٌ في المنابر والمحاضرات والندوات، وأنما سوى ذلك فليس بعملٍ للإسلام، أو أن الإسلام ليس في حاجةٍ له.
стр. 555
مميزات الدين الإسلامي
стр. 556
شموليته للحياة
اعلموا معاشر المؤمنين أجمعين، واعلموا يا معاشر الشباب خاصة، أن دينكم هذا عامٌ شامل، دينٌ عظيم يتناول أدنى أمور الخير ويبلغ أقصى درجاتها، يبدأ من إماطة الأذى والابتسامة في وجه الصديق، وينتهي إلى الجهاد والشهادة في سبيل الله، بل لا ينتهي ويمضي إلى ما هو أعظم من ذلك في ابتغاء مرضات الله ورحمة الله، كثيرٌ من الناس ترى عليه سمات الخير، ومن سلوكه حرقةً وتعطشاً ورغبةً في الدعوة إلى دين الله جل وعلا، ولكن يقف مكتوف الأيدي يظن أنه ليس من الذين يقدرون أن يعملوا شيئاً، لا والله يا أخي المسلم! إنك لقادر على أن تعمل الكثير الكثير! ولكن الشيطان يوم أن يغرس في ذهنك، أن الدعوة محصورةٌ بالكلمات في المساجد، أو بالخطب، أو بالمحاضرات، وأن ما سوى ذلك ليس من الدعوة، فهذا من باب ضيق الأفق، وقلة الفهم لهذا الدين الواسع الشامل.
стр. 557
أن الدين الإسلامي متعدد الجوانب والمجالات
أحبتنا في الله! اعلموا أن هذا الدين متعدد الجوانب والمجالات، في شتى مناحي الحياة، وعلى ذلك سيكون العلم لهذا الدين في شتى المجالات، وفي شتى نواحي الحياة، ومن الظلم أن يطلب من الناس كلهم أن يكونوا خطباء، أو أن يكونوا محاضرين، أو أن يكونوا علماء، أو أن يكونوا مجاهدين، لكن الله جل وعلا قد يسر العباد كلٌ لما خلق له، فمن فتح له باب الجهاد فليجاهد في سبيل الله، وليبتغي بذلك وجه الله، وجنةً عرضها السماوات والأرض، وليس من العدل أو العقل أن نقول لمن نراه مشتاقاً إلى الجهاد، أن نقول: إن عملك هذا ليس بدعوة، إنما الدعوة أن تحضر إلى حلقات العلم، فقد فتح له باب الجهاد فليمضِ إلى فوزٍ من الله ونصرٍ ورحمةٍ وشهادة، ومن الناس من فتح له مزاحمة العلماء بالركب في مجالس العلم، فمن الظلم أن نقول له: إن العمل الإسلامي هو الجهاد.
وهذا قد يسر لطلب العلم، وقد فتح له باب البحث والقراءة والرواية والدراية، فمن الظلم أن نقيمه من حلقة علمه، لنقول له: اذهب وجاهد في أفغانستان، أو في أي مكانٍ من الأماكن، قد فتح له باب العلم والبحث والاستنباط والتنظير، فهذا ينبغي أن يدعى له، وأن يؤيد في هذا المجال، فلنعلم ذلك جيداً -أيها الأحبة في الله- ومن الخطأ أن يثرب أو أن نسمع الملامة من بعضنا على بعض، يوم أن نرى مجاهداً فنقول: هذا لا يعمل عملاً كاملاً، إنما العمل في الحلقات، أو أن نرى طالب علمٍ في مسجده وحلقته وحلقة شيخه، فنقول: هذا لا يعمل شيئاً، إنما العمل في الجهاد تحت الرصاص والنار، والبعض قد ينال من حظ أو من مكانة أخيه فيقول: شتان شتان ما بيني وبينه، أنا مجاهدٌ هناك عند الدبابات والطائرات، وهذا تحت مكيفه عند الورقات والكتب ونحوها، هذا من وسوسة الشيطان، ومن باب العجب الذي هو محبطة العمل، ولا حول ولا قوة إلا بالله! بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تستمعون وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 558
بيان أن الدين شامل وأن العمل فيه واسع ومتعدد
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، عضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.
أيها الأحبة في الله! إن تضييق مجالات العمل لدين الله جل وعلا لهو إما نتيجةٌ لوسوسةٍ شيطانية، ليصد الشيطان بعض العاملين إلى الله عن مزيدٍ من مجالات العمل لدين الله، أو هو قلة فهمٍ لأبعادٍ وشمولية وسعة نطاق هذا الدين، وكل ذلك مرفوضٌ مردود، فإذا علمتم ذلك -يا معاشر الشباب- فاعلموا أن العمل لهذا الدين بعد التوبة والاستقامة والالتزام، وبذل الحسنات والصالحات، اعلموا أن العمل لهذا الدين متعدد المجالات، فما الذي يمنع أن يكون من بين الشباب من يهتم بأحوال المعوقين في مستشفيات النقاهة، ومتابعة أحوالهم، وحوائج أسرهم، وتأمين احتياجاتهم، هذا والله بابٌ من أعظم أبواب الدعوة! وما الذي يمنع أن يكون من بين شباب الإسلام الصادقين الملتزمين من يهتم بأحوال السجناء والمعسرين، فيجمعون لهم التبرعات، ويفاوضون غرماءهم، لكي ينقص من الديون التي في ذممهم؛ حتى يعتقوا رقاباً من السجن؛ لتعود إلى زوجاتها وأطفالها وآبائها وأمهاتها، هذا أيضاً من باب الدعوة إلى الله! وما الذي يمنع طائفةً من الشباب أن يجتهدوا في العناية بالمساجد وجمع التبرعات لها، وإصلاح شئونها، ومرافقها ودورات المياه فيها، ومكبرات الصوت التي لها، هذا أيضاً من العمل لدين الله جل وعلا؟! إن العمل للإسلام بابٌ واسعٌ شامل، ما الذي يرد بعض الشباب أن يزوروا مستشفيات الأمل لكي ينظروا ويتعرفوا ويتلطفوا بأحوال إخوانهم الشباب، الذين وقعوا ضحية المخدرات والأفيون والمسكرات! ما الذي يمنع بعض الشباب أن يزوروهم وأن يجعلوا جزءاً عظيماً من أوقاتهم متخصصاً لهؤلاء الشباب في زياراتهم ودعوتهم والتعرف بهم؟ حتى إذا جاء يومٌ من الأيام وخرج ذلك المتعاطي للمخدرات، وقد تماثل للشفاء سليماً معافى من ضربة هذا الأفيون والمخدر، يجد صحبةً صالحة تتلقاه بعد خروجه من السجن؛ لأنه من المعلوم أن الذين يقعون ضحية المخدرات ويذهبون إلى السجون أو إلى مستشفيات الأمل، أول من يتجهمهم، وأول من يتبرأ منهم، وأول من يقاطعهم جلساء السوء الذين أكلوا وشربوا وقعدوا وباعوا واشتروا منهم، فلا بد أن يكون من الشباب من يزور أولئك في المستشفيات وفي السجون، ويتعرف عليهم، ويحبب إليهم التوبة، والإقبال على الله، فإذا خرجوا من السجن إذا لهم رصيدٌ من الأخوة الصالحة، والعلاقة الطيبة، والمتابعة والرعاية اللاحقة، التي تمنعهم من الوقوع مرةً أخرى في المخدرات والمسكرات.
ما الذي يمنع البعض أن يزوروا مدارس الجنح والأحداث؛ لكي ينظروا أحوال الشباب، خاصةً من الصغار فيهم الذين حصل لهم جنوحٌ مبكرٌ في سلوكهم أو تصرفاتهم، فيربط بهم علاقةً طيبة، فإذا خرجوا من السجن ربطوهم واتصلوا بهم، ربطوهم بكتاب الله وسنة رسول الله، وحلق الذكر في المساجد، والندوات والمحاضرات! أبواب العمل لهذا الدين كثيرة ما الذي يمنع بعض الشباب أن يجمع من كثيرٍ من الناس أشرطة الغناء، فيمسحها ويمحو ما فيها، ثم يردها إليه مليئةً بكلام الله، والخطب والندوات والمحاضرات؟! ما الذي يمنع بعض الشباب أن يزوروا أصحاب محلات الفيديو في محلاتهم، ومعهم الهدية، وعليهم الابتسامة، وملؤهم الرحمة والمحبة، فيدعونهم إلى الله، ويحذرونهم مغبة ما وقعوا فيه، هذا أيضاً من أبواب العمل لدين الله جل وعلا؟! ما الذي يمنع البعض أن يتطوع لكي يسافر إلى أطراف هذه المملكة، ولو مرتين أو ثلاث مرات، أو على الأقل مرةً واحدةً في السنة، لكي يزور بعض المناطق والقرى والهجر التي فيهم من لا يعرف الفاتحة، ولا يعرف شروط الصلاة، ولا يعرف شروط الطهارة وأركان العبادة؟! هذا أيضاً من أبواب الدعوة إلى الله.
إذاً أيها الأحبة! لا يأتي الشيطان إلى بعضنا حينما يرى من أحدنا حماساً وشوقاً ورغبةً للعمل في دين الله، لكي يقول: من أنت؟ وهل بلغت مرتبةً فلانية؟ وهل حملت شهادةً فلانية؟ لا والله إن العمل لدين الله لا يحتاج إلى شهادةٍ عالية، بل يحتاج شرطاً واحداً: (نضر الله امرأً سمع منا مقالةً فوعاها، فبلغها، فرب مبلغٍ أوعى من سامع) إذاً شرط الدعوة أن تكون عالماً واعياً بما تدعو إليه، ثم بعد ذلك انطلق في كل مجالات ومناحي الحياة.
ما الذي يمنع الكثير أن يتعاونوا مع إخوانهم في مدارسهم وفي جامعاتهم لكي يعينوهم على الإقبال على دين الله جل وعلا، ولكي يحذروهم من مغبة الأفكار الهدامة، والتيارات الوافدة المهاجمة؟! ما الذي يمنع البعض أن يفتح له باباً في فضح خطط الأعداء والمبشرين والمنصرين، والغزاة المفسدين بأفكارهم وأقلامهم، لكي يتابعوا ذلك؟! هذا أيضاً من أبواب العمل.
ما الذي يمنع بعض الشباب أن يتتبعوا الجرائد والمجلات فينظروا ما فيها من الأخطاء العقدية والمخالفات الشرعية! سيما هذه الجرائد والمجلات التي تفد إلينا من الخارج، فينبه على ما فيها من الخطأ، ويتصل بالمسئولين ويقول: ورد في العدد الفلاني الصادر من الدولة الفلانية، أو من الجهة الفلانية، خطأ وخطرٌ وخلل في العقيدة أو في الأخلاق والسلوك!
стр. 559
فكل ميسر لما خلق له
اعملوا يا شباب الإسلام! فكل ميسر لما خلق له، إن الشيطان ليرد البعض ويقول: ما بلغت شهرة فلان، أو ما بلغت منزلة فلان، أو ما بلغت مكانة فلان، فيحقره ويثبطه، ويجعلك قاعداً ضعيفاً، وأنت تستطيع أن تفعل شيئاً كثيراً، والله لو لم يجد الإنسان سبيلاً، ولو لم يكن يحفظ إلا جزء عمَّ من القرآن فيقعد في المسجد ليعلم أطفال الحي هذا الجزء من القرآن، لكان هذا عملاً وخيراً عظيماً، فلا تحرموا أنفسكم سبل الدعوة، ولا تضيقوا على أنفسكم أبواب الخير، واخدموا لله في كل حالٍ بما يناسب وظيفةً ترضي الله جل وعلا، قال ابن القيم ﵀، في إعلام الموقعين: واختلف أناسٌ أي العبادة أفضل، فمنهم من ذهب إلى أنها الصلاة، ومنهم من ذهب إلى أنها الجهاد، ومنهم من ذهب إلى أنها كذا ثم قرر ﵀ كلاماً جميلاً كالشمس في نقائه ووضوحه، قال: إن خير العمل أن تقوم لله في كل حالٍ بما يناسب مرضات الله جل وعلا، وقد يكون العمل الفاضل مفضولاً في بعض الأحيان، أليس قراءة القرآن هو أفضل الذكر على كل حال؟ ولكن إذا قدمت الجنازة فيكون القيام لها والصلاة عليها أفضل من قراءة القرآن في هذه الحالة، فكذلك العمل لدين الله جل وعلا، أن نعتني به في كل حالٍ بما يناسب وظيفةً مرضيةًَ لله جل وعلا، في ذلك الوقت، أو في كل وقت.
فاعلموا يا شباب الإسلام، واعلموا يا معاشر المسلمين أجمعين أن العمل ليس محصوراً أو مقصوراً على الشباب، ووالله لو فقه كل مسلمٍ دينه، وفقه كيف يعمل لدينه، لكان من أيسر الأمور أن ينتشر الصلاح في المجتمع، وأن تنعدم الجريمة، وأن يظهر الخير، وأن تفتح بركات السماء والأرض من الله جل وعلا، لكن المصيبة أن يكتفي بعضنا بمعرفة بعضٍ أو بالإشارة إلى بعض، والبقية يبقون لا يعملون، فالعمل واجبٌ على الصغير والكبير، وكل من علم في دين الله شيئاً.
جاءت امرأةٌ إلى سعد بن أبي وقاص تريد أن تشارك في الجهاد، وليس على النساء جهاد، فقطعت ضفيرة شعرها، وقالت: يا أمير الجيش! لا أستطيع أن أشهد معكم هذا الغزو في سبيل الله، فخذ هذه ضفيرة شعري، اجعلها عناناً لفرسك في سبيل الله!! الله أكبر يا عباد الله! ينبغي أن نفهم الدين والعمل والجهاد فهماً نستطيع من خلاله أن نقبله من الحداد ومن النجار ومن الضابط ومن المهندس ومن المعلم والقاضي والعالم وطالب العلم، ينبغي أن نفهم هذا الدين فهماً يجعلنا نقبل كل عملٍ متيسرٍ من كل شخصٍ أياً كانت مرتبته، أو أياً كان وظيفته، فنيةً في الصناعة والعمل، أو مهنيةً أو علميةً أو ميدانيةً أو نحو ذلك، إذا فهمنا ديننا هذا الفهم الواسع الشامل استطعنا أن نعمل لدين الله، فما عليك يا أخي المسلم إلا أن تستعين بالله، ثم بإخوانك، وتقرر عملاً يرضي الله جل وعلا، سواءً كان مع السجناء أو مع الذين في مستشفيات الأمل، أو مع الفقراء، أو كفالة الأيتام، أو رعاية الأيامى والمقطوعين ممن لا قريب لهم ينفعهم أو يقوم بحوائجهم، المهم أن تقرر عملاً في مرضات الله جل وعلا، ولا تظنن أن العمل لدين الله، إنما هو في حالةٍ واحدة.
لقد سرني ما عرفته من شبابٍ، علمتُ أنهم اجتمعوا جزاهم الله خير الجزاء، وسدد خطاهم، فاهتموا واعتنوا بمرضى مستشفى النقاهة الذي في طريق الخرج، يجمعون التبرعات لهم، ويأخذون عناوين بيوتهم، ويذهبون إلى أسرهم، ويحضرون لهم الأرز، والسمن والدقيق في نهاية كل شهرٍ وما يحتاجونه من الطعام، فإذا أقبل الشتاء بذلوا لهم مئونة الشتاء، وما يحتاجون من لحافٍ وكساء، فإذا أخذوا فترةً قدموا لهم مالاً حتى لا ينفتح على أسر أولئك المعوقين أو أسر أولئك المرضى الذين أخذوا سنين طويلة في المستشفى بابٌ من الفساد، لأن بعضاً من ضعفاء الإيمان من المجرمين الشرسين، يتسلطون على أسر المرضى، فيساومونهم في أعراضهم، وفي بناتهم، وفي بيوتهم، أتريدون مالاً افتحوا لنا الباب، احضروا من يقعد معنا، اجلسوا وافعلوا هكذا، فإذا قام أولئك الشباب برعاية أولئك المرضى، الذين يمكثون سنين طويلة في المستشفى ولا دخل ولا عائل لهم، فإنهم يدفعون ويسدون باباً من الفساد عظيماً.
أسأل الله أن يوفقنا وإياكم بأن نعمل لدين الله في شتى المجالات التي ترضي الله، ونسأل الله أن يرزقنا فهماً شاملاً واسعاً عريضاً لهذا الدين والعمل لجميع جوانبه.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بناء سوءاً فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء! اللهم انصر المجاهدين، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم أقبل الشتاء بجليده وثلجه وبرده القارس، اللهم إنهم جياعٌ إن لم تطعمهم، اللهم إنهم عطشى إن لم تسقهم، اللهم إنهم عراةٌ إن لم تكسهم، اللهم أنزل عليهم سكينةً وثبتهم بمنك ورحمتك، وسدد رصاصهم في نحور أعدائهم، اللهم انصرهم على عدوك، اللهم عجل نصرهم، اللهم قد ملّ كثيرٌ من الناس من المجاهدين وسئموا التبرع لهم وضاقوا ذرعاً بما يطلب منهم، اللهم فإن انقطعت أسباب الأرض فافتح اللهم عليهم أبواب السماء، اللهم إن ضاق الخلق بهم ذرعاً اللهم يا خالق الخلق أجمعين فافتح لهم أبواب مددك وعونك، ومنك وتأييدك، يا رب العالمين!
стр. 560
طوبى للغرباء
لقد بدأ الإسلام غريباً، وكان أتباعه يعدون بالأصابع لقلتهم، فهم غرباء في مجتمع الشرك بالله والجاهلية، ولم يكن لهؤلاء الغرباء من ينصرهم أو يعينهم إلا الله ، وكذلك حال الغرباء الذين في آخر الزمان، وفي هذه المادة تسلية للغرباء، وتوجيهات نافعة تزودهم حال غربتهم.
стр. 561
الغرباء الحقيقيون
الحمد لله الذي لم يزل بعباده خبيراٌ بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أرد أن يذكر أو أراد شكوراً، نحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه على نعمه التي لا تحصى، وعلى آلائه التي لا تنسى، ونشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له جل في علاه، تبارك اسمه وتقدست أسماؤه، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله إلى جميع الثقلين الإنس والجن بشيراً ونذيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
معاشر المؤمنين! يقول النبي ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء) في روايات أنهم: (الذين يصلحون ما أفسد الناس، أو يصلحون إذا فسد الناس) معاشر المؤمنين! معاشر الأحبة في الله! لو تأملتم هذا الحديث لوجدتم مصداقه من الواقع دليلاً من دلائل معجزات نبوة المصطفى ﷺ ، فالغرباء في هذا الزمان هم المؤمنون حقاً، وغربة المؤمنين من بين سائر الناس واضحة جلية فالمسلمون غرباء من بين سائر أمم العالم وشعوبه، المسلمون الذي هم على دينٍ صحيح وعلى ملة نقية، وعلى عقيدة واضحة، وعلى محجة صالحة، وهم غرباء من بين سائر الأمم والشعوب في هذا الزمان، ولا يغركم كثرة الإحصائيات؛ لقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣] ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] تعداد الملايين من المسلمين ولو نقبت ودققت وكشفت أحوال الكثير منهم لوجدت عجباً عجاباً، ستجد طوائف تدعي الإسلام وهي تعبد الله بغير ما شرع، ستجد طوائف تدعي الإسلام وهي تظن أن القبور والأضرحة تنفع وتضر من دون الله، ستجد طوائف تدعي الإسلام وهي تظن أن الأولياء والأقطاب والأوتاد والأبدال منازل لا يدركها الملائكة ولا المرسلون، أين حقيقة الدين من تلك الأمم؟ أين حقيقة الإسلام في تلك الشعوب؟ إذاً: فالإسلام النقي الصافي غريبٌ بين شعوب الأرض، وهذا أمرٌ واضح، وإذا تأملت تعداد المسلمين وجدت الذين يحافظون على الأركان والفرائض غرباء من بين سائر المسلمين، فما أكثر أن تلقى أناساً ينتسبون إلى الإسلام بجوازاتهم أو بحفائظ نفوسهم أو بهوياتهم ولكن انتسابهم إلى الإسلام انتساب الصورة لا الحقيقة، انتساب الشكل لا المضمون، انتساب القالب دون القلب.
فيا عباد الله! كم رأينا من المسلمين يدعون الإسلام وهم يتعاطون الربا، وكم رأينا من المسلمين الذين يدعون الإسلام وهم يفعلون الزنا، كم رأينا من المسلمين ينسبون إلى الإسلام وهم يشربون الخمور، كم رأينا من بعض شباب المسلمين ينتسبون إلى الإسلام والصلوات لا يعرفونها إلا قليلاً، كم رأينا من المسلمين من ينتسب إلى الإسلام وهو لا يراعي الحلال والحرام في بيعه وشرائه، في إنفاقه واكتسابه.
إذاً يا عباد الله: المسلمون المطبقون لأحكام دينهم ولأركان ملتهم هم غرباء من بين سائر المسلمين على وجه البسيطة، وإذا تأملت هؤلاء الغرباء وجدت فئة هم أخص منهم بالغربة، أولئك الذين يعملون بهذه الأركان وهذه الفرائض على وحي من سنة المصطفى ﷺ وعلى نهج وهدى من شريعة المصطفى ﷺ ، فالمتمسكون بالسنة العاملون لها المقدرون لجلالها هم غرباء من بين سائر المسلمين على وجه هذه البسيطة، وإذا تأملت أولئك وجدت الذين يدعون إلى الله بما عملوا وعلموا غرباء من بين سائر المسلمين.
وإذا تأملت أولئك وجدت طلبة العلم والعلماء غرباء من بين سائر المسلمين، ثم إذا دققت وفحصت وجدت الدعاة إلى الله بما يعلمون هم غرباء من بين سائر أولئك العلماء، وإذا تأملت أكثر وجدت الذين يصدعون بالحق ولا يخافون في الله لومة لائم غرباء من بين سائر الدعاة، وإذا تأملت أحوال الأمم والدول وجدت الأمم التي تحكم شريعة الله أو وجدت الأمة التي تحتكم إلى كتاب الله غريبة من بين سائر الأمم، تنتقد إذا قطعت رقبة القاتل، وينالها من الكلام إذا قطعت يد السارق، وينالها من التعليق والتشويه إذا قتلت المفسدين المخربين، إذاً فالأمة التي تحكم كتاب الله غريبة من بين سائر الأمم في هذا الزمان، وصدق الحسن البصري ﵀ حين قال: [الناس هلكى إلا العالمون فهم غرباء بينهم، والعالمون هلكى إلا العاملون فهم غرباء بينهم، والعاملون هلكى إلا المخلصون فهم غرباء من بين سائر الذين يعلمون، والمخلصون على خطرٍ عظيم].
نسأل الله لنا ولكم الثبات على دينه وتوحيده إلى أن نلقاه.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 562
أجر المتمسك بالسنة في آخر الزمان
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! إن كانت غربة المؤمنين العالمين العاملين المخلصين الصادقين في هذا الزمان واضحة، إلا أن بقاءهم حقيقة نبوية ومعجزة من الله لنبيه، حيث قال ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم إلى يوم القيامة) أو كما قال ﷺ .
فأبشروا يا عباد الله! أبشروا يا إخوة الإسلام! أبشري يا أمة محمد! مهما ادلهم ظلام الباطل، ومهما تلاطمت أمواج الضلالة، ومهما اكلولح الظلام في هذه الدنيا المتخبطة بالفتن والشهوات، إلا أن وردة عطرة وريحانة فواحة تظهر في هذه الأرض، تلكم طائفة من الدعاة، طائفة على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يلقون الله جل وعلا.
أيها الأحبة في الله: إن الدعاة إلى الله بعد علمٍ وعمل وصدق وحق في هذا الزمان غرباء، ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢] كل الإنسانية (أل) في كلمة الإنسان هي (أل) الاستغراق، وقد استغرقت جنس الإنسانية: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢] كل الإنسانية في خسارة وفي تباب وفي هلاك ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] أولئك والله هم الغرباء في هذا الزمان، وحسبكم بغربة الدعاة إلى الله وغربة المتمسكين بشريعة الله المطبقين لسنة رسول الله، أن ترى ألواناً من التعليق أو الشماتة أو الاستهتار أو الاستهزاء تنال بعضهم في بعض الأماكن والمجالس.
نعم يا عباد الله! (القابض على دينه كالقابض على الجمر) وإن كان قل في هذا الزمان المستهزئون في المجالس إلا أن المؤمن لا يزال يقبض على الجمر؛ مما يراه من فتنٍ في الأسواق والطرقات وكثيرٍ من الأماكن، ولكن الله يثبته بالاستغفار والذكر والدعاء وغض البصر، والبعد عن الباطل ومجافاة أهله.
يقول ابن القيم ﵀ في نونيته الشافية الكافية:
فروى أبو داود في سننٍ له ورواه أيضاً أحمد الشيباني
أثراً تضمن أجر خمسين امرئ للعاملين بسنة العدنان
(المتمسكون بالسنة عند فساد الأمة لهم أجر خمسين، قال الصحابة: يا رسول الله منا أم منهم؟ قال: بل منكم، ما ذاك إلا لأنكم تجدون على الحق أعواناً وهم لا يجدون على الحق أعواناً).
فروى أبو داود في سننٍ له ورواه أيضاً أحمد الشيباني
أثراً تضمن أجر خمسين امرئ للعاملين بسنة العدنان
ما ذاك إلا أن تابعهم هم الـ غرباء ليست غربة الأوطان
فسل الكليم المستهان عن الذي يلقاه من جمرٍ بلا نيران
القابض على دينه -يا عباد الله- كالقابض على الجمر، المتمسك بالسنة، المتمسك بالشريعة، يجد نفسه في غربة بين كثيرٍ من الأمم، وقد يجد الإنسان نفسه في غربة حتى بين أهله وذويه، فيستغربون السنة في ثوبه، ويستغربون السنة في وجهه، ويستغربون السنة في صلاته، ويستغربون السنة بحركاته وتصرفاته.
فيا عباد الله! عودة إلى السنة وتمسكٌ بالشريعة، فذلكم والله هو سبيل العزة، وهو سبيل المنعة، وهو سبيل الرفعة، وهو سبيل السيادة، وهو سبيل الرضا والطمأنينة.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أرادنا بسوء فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء.
اللهم من أراد ولاة أمرنا بفتنة، وأراد علماءنا بمكيدة، وأراد شبابنا بضلالة، وأراد نساءنا وبناتنا بتبرجٍ وسفورٍ واختلاط، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم افضحه على رأس الخلائق، اللهم أرنا فيه يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف، اللهم اخزهم على رءوس الأشهاد، حسبنا الله ونعم الوكيل! حسبنا الله ونعم الوكيل! حسبنا الله ونعم الوكيل! اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا كسيراً إلا جبرته، ولا مريضاً إلا شفيته وعافيته.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً اللهم جازه بالحسنات إحساناً وبالسيئات عفواً وغفراناً، اللهم وسع لحده، اللهم افسح في قبره، اللهم افتح له أبواباً إلى الجنان، اللهم افتح له سبيلاً من روحها وريحانها ونعيمها يا رب العالمين، يا من لا يعجزه شيء، آمنا بك وبقدرتك التي لا يردها شيء وأنت على كل شيء قدير.
اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم انصر وارفع وأكرم وأعز من ساعدهم وعاونهم وبذل ما عنده لهم برحمتك يا رب العالمين، اللهم أعز من أعزهم، اللهم ارفع من رفعهم، اللهم أكرم من بذل ما يستطيعه معهم، برحمتك يا رب العالمين.
اللهم وحد صفوفهم، واجمع شملهم، وثبت أقدامهم وانصرهم على أعدائهم، اللهم وفقهم للصالحات وجنبهم السيئات برحمتك يا أرحم الراحمين.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 563
حق الله على العباد
دين الله ماض إلى قيام الساعة، وذلك مربوط بالجهاد في سبيل الله، وبغيره لن يكون للأمة الإسلامية عزة وسلطان وكرامة.
في هذا الدرس يتحدث الشيخ عن أهمية الجهاد في حياة الأمة ويتطرق إلى أحوال المجاهدين في أفغانستان بالإضافة إلى الوضع في فلسطين الحبيبة.
стр. 564
دين الله ماض إلى قيام الساعة
الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه وعن الند وعن المثيل وعن النظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
معاشر المؤمنين! في هذه الأيام وكل مسلم غيور، وكل مسلم يهمه أمر إخوانه المجاهدين، يترقب ويتصنت بلهف وشوق إلى أخبار النصر والفوز والسؤدد بالنسبة لإخوانه المجاهدين في أفغانستان، وقبل أن نخوض فيما يبشركم أود أن نبين أمراً لابد لكل مسلم أن يعيه تمام الوعي، وأن يعرفه حق المعرفة، ذلكم أيها الإخوة أن دين الله وحده ماض لا يرده ظلم ظالم، أو طغيان طاغوت، أو جبروت متجبر، أو فسق فاسق أو تدبير مدبر.
إن دين الله ماضٍ إلى يوم القيامة، وإن شريعة الإسلام باقية إلى يوم القيامة، وليس الجهاد بحاجة لنا، بل نحن بحاجة إلى الجهاد، كلنا بحاجة إلى العزة والرفعة والسؤدد والسيادة، وذلكم يا عباد الله لا يكون إلا بالجهاد في سبيل الله، وبغير الجهاد فلن يكون لأمة المسلمين عز ولا سلطان ولا كرامة، يقول ﷺ : (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا) ويقول ﷺ : (إذا تبايعتم بالعينة وتبعتم أذناب البقر -أي: اشتغلتم بالزراعة وغفلتم عن الجهاد- وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم إلى يوم القيامة).
يقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] قال بعض الصحابة من الأنصار: إنا ذوي حرث وزرع وقد أعز الله رسوله ودينه، فلو اشتغلنا بشيء في زروعنا وحرثنا فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] أي: لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بترككم الجهاد، وترككم الإنفاق في سبيل الله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥].
стр. 565
سنة الاستبدال عند التولي والتقاعس
معاشر المؤمنين: لا تظنوا أننا لو تخلينا عن الجهاد، أو تركناه أو وقفنا منه موقف الضعيف أو المنهزم، أو موقف المثبط أن هذا الجهاد سيفتر، سواءً في أفغانستان أو في غيرها؛ لأن سنة الله لا تتغير ولا تتبدل: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً * وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء:٧٦ - ٧٧] فسنة الله ماضية باقية، أن تكون الأمة المنصورة موجودة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤] إن الله غني عنا، وإن شريعة الله في غنىً عنا، وإن الجهاد في غنىً عنا، وإنا لفي حاجة ماسة إلى الجهاد في سبيل الله وإلى شريعة الله.
فمن تولى أو تولت أمة من الأمم: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] وهي شهادة لهم بالولاية والمحبة: ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] باتباعهم أمره واجتنابهم نهيه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤] جناحهم مخفوض لإخوانهم المؤمنين، ولا يشعرون بالمنة في العطاء أو بالعزة وشعور مزيد من الدرجة والمكانة على إخوانهم المؤمنين، بل أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، ويجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، ويقول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].
معاشر المؤمنين! عياذاً بالله أن نتولى أو نتقاعس أو أن نثبط، أو أن نقف موقف المهزومين الجبناء الضعفاء أمام إخواننا المجاهدين، فإن الله جل وعلا قد توعد الذين يتولون عن دينه، أن يستبدلهم بغيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم، بل يكونون على شجاعة وجرأة وقوة وفداء وتضحية، وأولئكم والله بهم ترتفع الأمم وتعود الكرامة وترفرف رايات الأمن والاطمئنان في ربوع البلدان بمن الله وفضله وكرمه.
следующие страницы →