Полный текст (3 155 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
الغرباء الحقيقيون
الحمد لله الذي لم يزل بعباده خبيراٌ بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أرد أن يذكر أو أراد شكوراً، نحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه على نعمه التي لا تحصى، وعلى آلائه التي لا تنسى، ونشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له جل في علاه، تبارك اسمه وتقدست أسماؤه، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله إلى جميع الثقلين الإنس والجن بشيراً ونذيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
معاشر المؤمنين! يقول النبي ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء) في روايات أنهم: (الذين يصلحون ما أفسد الناس، أو يصلحون إذا فسد الناس) معاشر المؤمنين! معاشر الأحبة في الله! لو تأملتم هذا الحديث لوجدتم مصداقه من الواقع دليلاً من دلائل معجزات نبوة المصطفى ﷺ ، فالغرباء في هذا الزمان هم المؤمنون حقاً، وغربة المؤمنين من بين سائر الناس واضحة جلية فالمسلمون غرباء من بين سائر أمم العالم وشعوبه، المسلمون الذي هم على دينٍ صحيح وعلى ملة نقية، وعلى عقيدة واضحة، وعلى محجة صالحة، وهم غرباء من بين سائر الأمم والشعوب في هذا الزمان، ولا يغركم كثرة الإحصائيات؛ لقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣] ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] تعداد الملايين من المسلمين ولو نقبت ودققت وكشفت أحوال الكثير منهم لوجدت عجباً عجاباً، ستجد طوائف تدعي الإسلام وهي تعبد الله بغير ما شرع، ستجد طوائف تدعي الإسلام وهي تظن أن القبور والأضرحة تنفع وتضر من دون الله، ستجد طوائف تدعي الإسلام وهي تظن أن الأولياء والأقطاب والأوتاد والأبدال منازل لا يدركها الملائكة ولا المرسلون، أين حقيقة الدين من تلك الأمم؟ أين حقيقة الإسلام في تلك الشعوب؟ إذاً: فالإسلام النقي الصافي غريبٌ بين شعوب الأرض، وهذا أمرٌ واضح، وإذا تأملت تعداد المسلمين وجدت الذين يحافظون على الأركان والفرائض غرباء من بين سائر المسلمين، فما أكثر أن تلقى أناساً ينتسبون إلى الإسلام بجوازاتهم أو بحفائظ نفوسهم أو بهوياتهم ولكن انتسابهم إلى الإسلام انتساب الصورة لا الحقيقة، انتساب الشكل لا المضمون، انتساب القالب دون القلب.
فيا عباد الله! كم رأينا من المسلمين يدعون الإسلام وهم يتعاطون الربا، وكم رأينا من المسلمين الذين يدعون الإسلام وهم يفعلون الزنا، كم رأينا من المسلمين ينسبون إلى الإسلام وهم يشربون الخمور، كم رأينا من بعض شباب المسلمين ينتسبون إلى الإسلام والصلوات لا يعرفونها إلا قليلاً، كم رأينا من المسلمين من ينتسب إلى الإسلام وهو لا يراعي الحلال والحرام في بيعه وشرائه، في إنفاقه واكتسابه.
إذاً يا عباد الله: المسلمون المطبقون لأحكام دينهم ولأركان ملتهم هم غرباء من بين سائر المسلمين على وجه البسيطة، وإذا تأملت هؤلاء الغرباء وجدت فئة هم أخص منهم بالغربة، أولئك الذين يعملون بهذه الأركان وهذه الفرائض على وحي من سنة المصطفى ﷺ وعلى نهج وهدى من شريعة المصطفى ﷺ ، فالمتمسكون بالسنة العاملون لها المقدرون لجلالها هم غرباء من بين سائر المسلمين على وجه هذه البسيطة، وإذا تأملت أولئك وجدت الذين يدعون إلى الله بما عملوا وعلموا غرباء من بين سائر المسلمين.
وإذا تأملت أولئك وجدت طلبة العلم والعلماء غرباء من بين سائر المسلمين، ثم إذا دققت وفحصت وجدت الدعاة إلى الله بما يعلمون هم غرباء من بين سائر أولئك العلماء، وإذا تأملت أكثر وجدت الذين يصدعون بالحق ولا يخافون في الله لومة لائم غرباء من بين سائر الدعاة، وإذا تأملت أحوال الأمم والدول وجدت الأمم التي تحكم شريعة الله أو وجدت الأمة التي تحتكم إلى كتاب الله غريبة من بين سائر الأمم، تنتقد إذا قطعت رقبة القاتل، وينالها من الكلام إذا قطعت يد السارق، وينالها من التعليق والتشويه إذا قتلت المفسدين المخربين، إذاً فالأمة التي تحكم كتاب الله غريبة من بين سائر الأمم في هذا الزمان، وصدق الحسن البصري ﵀ حين قال: [الناس هلكى إلا العالمون فهم غرباء بينهم، والعالمون هلكى إلا العاملون فهم غرباء بينهم، والعاملون هلكى إلا المخلصون فهم غرباء من بين سائر الذين يعلمون، والمخلصون على خطرٍ عظيم].
نسأل الله لنا ولكم الثبات على دينه وتوحيده إلى أن نلقاه.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 562
أجر المتمسك بالسنة في آخر الزمان
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! إن كانت غربة المؤمنين العالمين العاملين المخلصين الصادقين في هذا الزمان واضحة، إلا أن بقاءهم حقيقة نبوية ومعجزة من الله لنبيه، حيث قال ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم إلى يوم القيامة) أو كما قال ﷺ .
فأبشروا يا عباد الله! أبشروا يا إخوة الإسلام! أبشري يا أمة محمد! مهما ادلهم ظلام الباطل، ومهما تلاطمت أمواج الضلالة، ومهما اكلولح الظلام في هذه الدنيا المتخبطة بالفتن والشهوات، إلا أن وردة عطرة وريحانة فواحة تظهر في هذه الأرض، تلكم طائفة من الدعاة، طائفة على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يلقون الله جل وعلا.
أيها الأحبة في الله: إن الدعاة إلى الله بعد علمٍ وعمل وصدق وحق في هذا الزمان غرباء، ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢] كل الإنسانية (أل) في كلمة الإنسان هي (أل) الاستغراق، وقد استغرقت جنس الإنسانية: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢] كل الإنسانية في خسارة وفي تباب وفي هلاك ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] أولئك والله هم الغرباء في هذا الزمان، وحسبكم بغربة الدعاة إلى الله وغربة المتمسكين بشريعة الله المطبقين لسنة رسول الله، أن ترى ألواناً من التعليق أو الشماتة أو الاستهتار أو الاستهزاء تنال بعضهم في بعض الأماكن والمجالس.
نعم يا عباد الله! (القابض على دينه كالقابض على الجمر) وإن كان قل في هذا الزمان المستهزئون في المجالس إلا أن المؤمن لا يزال يقبض على الجمر؛ مما يراه من فتنٍ في الأسواق والطرقات وكثيرٍ من الأماكن، ولكن الله يثبته بالاستغفار والذكر والدعاء وغض البصر، والبعد عن الباطل ومجافاة أهله.
يقول ابن القيم ﵀ في نونيته الشافية الكافية:
فروى أبو داود في سننٍ له ورواه أيضاً أحمد الشيباني
أثراً تضمن أجر خمسين امرئ للعاملين بسنة العدنان
(المتمسكون بالسنة عند فساد الأمة لهم أجر خمسين، قال الصحابة: يا رسول الله منا أم منهم؟ قال: بل منكم، ما ذاك إلا لأنكم تجدون على الحق أعواناً وهم لا يجدون على الحق أعواناً).
فروى أبو داود في سننٍ له ورواه أيضاً أحمد الشيباني
أثراً تضمن أجر خمسين امرئ للعاملين بسنة العدنان
ما ذاك إلا أن تابعهم هم الـ غرباء ليست غربة الأوطان
فسل الكليم المستهان عن الذي يلقاه من جمرٍ بلا نيران
القابض على دينه -يا عباد الله- كالقابض على الجمر، المتمسك بالسنة، المتمسك بالشريعة، يجد نفسه في غربة بين كثيرٍ من الأمم، وقد يجد الإنسان نفسه في غربة حتى بين أهله وذويه، فيستغربون السنة في ثوبه، ويستغربون السنة في وجهه، ويستغربون السنة في صلاته، ويستغربون السنة بحركاته وتصرفاته.
فيا عباد الله! عودة إلى السنة وتمسكٌ بالشريعة، فذلكم والله هو سبيل العزة، وهو سبيل المنعة، وهو سبيل الرفعة، وهو سبيل السيادة، وهو سبيل الرضا والطمأنينة.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أرادنا بسوء فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء.
اللهم من أراد ولاة أمرنا بفتنة، وأراد علماءنا بمكيدة، وأراد شبابنا بضلالة، وأراد نساءنا وبناتنا بتبرجٍ وسفورٍ واختلاط، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم افضحه على رأس الخلائق، اللهم أرنا فيه يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف، اللهم اخزهم على رءوس الأشهاد، حسبنا الله ونعم الوكيل! حسبنا الله ونعم الوكيل! حسبنا الله ونعم الوكيل! اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا كسيراً إلا جبرته، ولا مريضاً إلا شفيته وعافيته.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً اللهم جازه بالحسنات إحساناً وبالسيئات عفواً وغفراناً، اللهم وسع لحده، اللهم افسح في قبره، اللهم افتح له أبواباً إلى الجنان، اللهم افتح له سبيلاً من روحها وريحانها ونعيمها يا رب العالمين، يا من لا يعجزه شيء، آمنا بك وبقدرتك التي لا يردها شيء وأنت على كل شيء قدير.
اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم انصر وارفع وأكرم وأعز من ساعدهم وعاونهم وبذل ما عنده لهم برحمتك يا رب العالمين، اللهم أعز من أعزهم، اللهم ارفع من رفعهم، اللهم أكرم من بذل ما يستطيعه معهم، برحمتك يا رب العالمين.
اللهم وحد صفوفهم، واجمع شملهم، وثبت أقدامهم وانصرهم على أعدائهم، اللهم وفقهم للصالحات وجنبهم السيئات برحمتك يا أرحم الراحمين.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 563
حق الله على العباد
دين الله ماض إلى قيام الساعة، وذلك مربوط بالجهاد في سبيل الله، وبغيره لن يكون للأمة الإسلامية عزة وسلطان وكرامة.
في هذا الدرس يتحدث الشيخ عن أهمية الجهاد في حياة الأمة ويتطرق إلى أحوال المجاهدين في أفغانستان بالإضافة إلى الوضع في فلسطين الحبيبة.
стр. 564
دين الله ماض إلى قيام الساعة
الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه وعن الند وعن المثيل وعن النظير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
معاشر المؤمنين! في هذه الأيام وكل مسلم غيور، وكل مسلم يهمه أمر إخوانه المجاهدين، يترقب ويتصنت بلهف وشوق إلى أخبار النصر والفوز والسؤدد بالنسبة لإخوانه المجاهدين في أفغانستان، وقبل أن نخوض فيما يبشركم أود أن نبين أمراً لابد لكل مسلم أن يعيه تمام الوعي، وأن يعرفه حق المعرفة، ذلكم أيها الإخوة أن دين الله وحده ماض لا يرده ظلم ظالم، أو طغيان طاغوت، أو جبروت متجبر، أو فسق فاسق أو تدبير مدبر.
إن دين الله ماضٍ إلى يوم القيامة، وإن شريعة الإسلام باقية إلى يوم القيامة، وليس الجهاد بحاجة لنا، بل نحن بحاجة إلى الجهاد، كلنا بحاجة إلى العزة والرفعة والسؤدد والسيادة، وذلكم يا عباد الله لا يكون إلا بالجهاد في سبيل الله، وبغير الجهاد فلن يكون لأمة المسلمين عز ولا سلطان ولا كرامة، يقول ﷺ : (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا) ويقول ﷺ : (إذا تبايعتم بالعينة وتبعتم أذناب البقر -أي: اشتغلتم بالزراعة وغفلتم عن الجهاد- وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم إلى يوم القيامة).
يقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] قال بعض الصحابة من الأنصار: إنا ذوي حرث وزرع وقد أعز الله رسوله ودينه، فلو اشتغلنا بشيء في زروعنا وحرثنا فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] أي: لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بترككم الجهاد، وترككم الإنفاق في سبيل الله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥].
стр. 565
سنة الاستبدال عند التولي والتقاعس
معاشر المؤمنين: لا تظنوا أننا لو تخلينا عن الجهاد، أو تركناه أو وقفنا منه موقف الضعيف أو المنهزم، أو موقف المثبط أن هذا الجهاد سيفتر، سواءً في أفغانستان أو في غيرها؛ لأن سنة الله لا تتغير ولا تتبدل: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً * وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء:٧٦ - ٧٧] فسنة الله ماضية باقية، أن تكون الأمة المنصورة موجودة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤] إن الله غني عنا، وإن شريعة الله في غنىً عنا، وإن الجهاد في غنىً عنا، وإنا لفي حاجة ماسة إلى الجهاد في سبيل الله وإلى شريعة الله.
فمن تولى أو تولت أمة من الأمم: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] وهي شهادة لهم بالولاية والمحبة: ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] باتباعهم أمره واجتنابهم نهيه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤] جناحهم مخفوض لإخوانهم المؤمنين، ولا يشعرون بالمنة في العطاء أو بالعزة وشعور مزيد من الدرجة والمكانة على إخوانهم المؤمنين، بل أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، ويجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، ويقول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].
معاشر المؤمنين! عياذاً بالله أن نتولى أو نتقاعس أو أن نثبط، أو أن نقف موقف المهزومين الجبناء الضعفاء أمام إخواننا المجاهدين، فإن الله جل وعلا قد توعد الذين يتولون عن دينه، أن يستبدلهم بغيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم، بل يكونون على شجاعة وجرأة وقوة وفداء وتضحية، وأولئكم والله بهم ترتفع الأمم وتعود الكرامة وترفرف رايات الأمن والاطمئنان في ربوع البلدان بمن الله وفضله وكرمه.
стр. 566
قيام الطائفة المنصورة بواجبها
معاشر الإخوة! يقول ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرها من خذلها إلى يوم القيامة) والطائفة المنصورة كما قرر العلماء، ليست في نجد وحدها، أو في أفغانستان وحدها، أو في الشرق أو في الغرب، بل قد تكون هذه الطائفة مجتمعة في كل مكان، وما يدريكم أن هذه البلاد بأسرها بأولها وآخرها إن شاء الله من جنود ومن أفراد هذه الطائفة المنصورة التي يأمل من فيها أن تكون داعية قائدة إلى رفعة المسلمين وسؤددهم وليس ذلك على الله بعزيز، وما ذاك على بلادكم وأمتكم بغريب، أليست مهبط الوحي؟ أليس فيها مسجد رسول الله؟ أليس فيها كعبة الله؟ ألم تظهر منها دعوة تجديد العقيدة دعوة الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب نسأل الله أن يشرفنا بهذه الكرامة، وأن يجعل أمتنا ممن ينالون هذه الشرف والسؤدد.
стр. 567
مواقف المملكة مع الجهاد الأفغاني
معاشر المؤمنين! كلمة حق نقولها، ويقولها كل منصف: إن هذه المملكة لها مواقف طيبة مع الجهاد الأفغاني، مواقفها طيبة حكاماً وشعوباً وأفراداً، مواقفها مشرفة بحمد الله ، فالدعم مستمر منذ إحدى عشرة سنة، منذ أن قام الجهاد، التبرعات جارية ونهرها جارٍ متدفق إلى أفغانستان سواءً تبرعات عينية أو نقدية، والجهات الحكومية الكبيرة وفق الله القائمين عليها، قد سخروا عدداً من الطائرات والإمكانيات والأطباء وغير ذلك لخدمة المجاهدين وإيصال التبرعات.
وها أنتم معاشر المؤمنين شكر الله لكم جهودكم وبذلكم وتضرعكم وقنوتكم في هذه الصلوات هذه الأيام، في هذه المحنة الشديدة تقفون مع إخوانكم موقف الداعين لهم، الداعين على أعدائهم، الراجين ربكم أن يكسر كيد أعدائهم وأن يرد كيد الأعداء في نحورهم.
стр. 568
أخبار المجاهدين في أفغانستان
معاشر الإخوة! أما عن أخبار إخوانكم المجاهدين؛ فإنهم الآن على أتم حالات الأهبة والاستعداد والتعبئة العامة لدخول معركة حاسمة على جميع الأصعدة والثكنات والمناطق، إنها المعركة الحاسمة وستكون قريباً بإذن الله ، يعدون ويستعدون لها على جميع الأصعدة والمناطق والأماكن، فأكثروا من الدعاء لهم، خاصة في الصلوات، وأمنوا أثناء القنوت في صلاة الفجر وغيرها، أمنوا وأنتم تتذكرون حالهم في شدة البرد وقلة العدد والعتاد، وضعف أحوالهم إلا ما أعانهم الله به من قوة النفس والعزيمة وثبتهم به بكلمته وحده لا شريك له، وحسبكم بهذا عوناً ونصراً.
أيها الإخوة! التقيت بالأمس بأحد الذين جاءوا من أفغانستان، ومن الذين جاءوا من المنطقة الواقعة على خط النار سألته عن أحوال المجاهدين فقال: والله يا أخي لقد رأيت شباباً أحقر نفسي عندهم، ورأيت همماً ونفوساً تهد الجبال الراسيات، ورأيت رجالاً يتمنون الموت ويبكون على الشهادة ويسألون الله ألا يعودوا إلى أرضهم، بل يريدون أن يموتوا في ساحات الجهاد في حال جهادهم مع الشيوعيين والكفار.
قلت: ثم ماذا وحدثني عما رأيت؟ قال: دخلت معسكراً فيه ما يقارب أربعة آلاف من المجاهدين، وإذا بشيخ قد وقف فيهم خطيباً يتلو عليهم قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] فأخذوا يبكون وضج ذلك المعسكر بالبكاء، كل يسأل ربه الجنة، ثم ثنى عليهم بقول الله جل وعلا: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [التوبة:٣٩] فزاد بكاؤهم ونشيجهم وأخذ يتلو عليهم من سياط القلوب وأعظم المواعظ ما يحرك الهمم والقلوب الميتة.
ثم بعد ذلك يقول: خرجنا من هذا المعسكر فإذا بقافلة خيالة، منهم سبعون فارساً على الخيل عليهم عمائم بيضاء وثياب بيضاء، فقلت لمن معي: من هؤلاء؟ قال: هذه كتيبة الأكفان، لا يخرجون إلى المعركة إلا وقد لبسوا الكفن وتغسلوا وتحنطوا واستعدوا للقاء الله جل وعلا، خرجوا يريدون الموت لا يريدون غير ذلك.
قلت: ثم ماذا؟ قال: وفيهم رجل يقول: من يبايعني على الموت لا يبايعني على العود أو الغنيمة؟ فيصيحون ويبكون يقولون: بايعناك وعيونهم تذرف دمعاً شوقاً إلى جنات الله ورضوانه، كلهم يشتاق أن تُغفر ذنوبه عند أول قطرة تراق من دمه، وكلهم يشتاق أن يُشفع في أمه وأبيه وسبعين من أهل بيته، كلهم يشتاق أن يرى منزله من الجنة حين قتله، كلهم يشتاق أن يرى الحور العين تتهافت وتتوافد عليه؛ لتطير بروحه إلى أعلى عليين.
قلت: ثم ماذا؟ وحدثني ولن أمل حديثك؟ قال: وفي هذا المعسكر شيخ قد جيء به على عربية مقعد معوق قد بترت واحدة من رجليه في إحدى المعارك، وحينما تكلم وحثهم على الجهاد والنفرة، كان أول من رفع يده ذلك الشيخ، فقال: أما أنت فقد أعذرت أمام الله، قد أعذرك الله جل وعلا يقول الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ [الفتح:١٧] فصاح ذلك الشيخ: أتحتقرني؟ فقال: لا والله لا أحتقرك، ولكنك معذور أمام الله.
فقال: والله لأدخلن برجلي هذه الباقية في أرض المعركة.
قال: إنك لن تستطيع أن تُقدم شيئاً.
قال: اجعلني خبازاً لهم إذا عادوا يأكلون من صنع يدي! انظروا إلى هذه المعنويات العالية، والنفوس الشجاعة والأرواح الباسلة، والله لو دخل فلسطين يوماً واحداً أو عشرة أيام كتائب من هذه الكتائب؛ لطردوا اليهود الجبناء الذين قال الله في شأنهم: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤] فنسأل الله جل وعلا أن يثبتهم، وأن يجمع كلمتهم، وأن يوحد صفهم، وأن يسدد رصاصهم، وأن يعينهم بعونه إنه أرحم الراحمين.
أيها الإخوة! ومن الأحداث العجيبة القريبة أن نجيب الشيطان حاكم كابول، عميل الروس طلب من جلال الدين حقاني أحد زعماء المجاهدين أن يقابله وذلك بمكاتبات ورسائل بينهم، فأرسل نجيب الشيطان رسالة يقول فيها: إننا نريد الهدنة معكم معاشر المقاتلين، ومقابل ذلك سنخرج جميع سجناء منطقة بكتيا، وسوف أصدر أمراً بالعفو عنك يا جلال الدين، وسوف أسلمك مائة رهينة من الروس أو من الأفغان مقابل ضمان صدق هذه المفاوضات.
فأرسل له جلال الدين رسالة قال فيها: إن الشهادة في سبيل الله أحب إليّ من هذا العفو الذليل الذي تعفو به عني حكم الإعدام، ثم اعلم أن الموت والحياة بيد الله، وليست بيدك يا نجيب الشيطان، واعلم أنني إن قبلت أن أفاوضك؛ فلن أرضى إلا بإطلاق جميع السجناء في بكتيا وفي جميع محاور القتال وجبهات الجهاد.
أما الجلوس والتفاوض معك فلا بأس بذلك بشرط -وليس ذلك بتفاوض الضعفاء أو تفاوض المهزومين، لا- أن نختار مائة رهينة نحن معاشر المجاهدين وبعد خروج الروس وطردهم من البلاد، وألا يمثل هذه المفاوضات واحد منهم، ثم بعد ذلك ننظر ما تطلبون منا.
انظروا عزة المسلمين في المواقف، انظروا عزة المجاهدين؛ لأنه لا حلول دبلوماسية، لا مفاوضات دبلوماسية؛ هما أمران: إما أن تُخرجوا الروس الأجانب من البلاد، وتذعنوا لراية التوحيد وحكم الإسلام، وإما أن نقاتلكم حتى آخر طفل رضيع منا، وآخر كهل مقعد فينا، وآخر أرملة جريحة من نسائنا.
تلكم أيها الإخوة مشاعر المجاهدين أبشركم بها، وأخبركم أن إخوانكم بحمد الله جل وعلا من يوم أن رأوا تبرعاتكم متدفقة إليهم وجهودكم بالدعاء لهم، فياضة المشاعر في كل حين ولحظة، إن ذلك مما زاد ثباتهم بعون الله وتوفيقه.
стр. 569
واقع الجهاد في فلسطين
وأنظر أيها الإخوة! نظرة أقارن بها واقع إخواننا في فلسطين، إن طائفة من اليهود وشراذمة المجرمين الخونة الذين ساموا إخواننا الفلسطينين في أرض فلسطين ألواناً من الطرد والإبعاد والإيذاء والقتل: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:١١٨].
نحن نسأل ونقول: منذ متى دخل اليهود في أرض فلسطين؟ حتى الآن ستون عاماً واليهود بعد وعد بلفور -عليه لعنة الله- وهم في أرض فلسطين لم نظفر بمعركة واحدة نخرجهم منها، أتُرى ما هو السبب؟ هل في ذلك لغز؟ هل في ذلك معجزة؟ كلا والله، أقولها صريحة وفي كل مكان: إن راية التوحيد لم تدخل المعركة حتى الآن، أيلول الأزرق، أيلول الأسود، حزيران، غُصن الزيتون، الأرض السليبة، الشعارات العقيمة لا ترد شيئاً أبداً من أرض دخلها اليهود وقتلوا رجالها وأبناءها واستباحوا نساءها، إن الشعارات لا ترد حقاً أبداً، لا يرد الحق إلا حق يقوم به وجهاد.
إن اليهود دخلوا فلسطين بالدماء، فلابد أن تراق دماؤهم في فلسطين حتى يخرج الجبناء وأذنابهم منها، وبغير ذلك لن يخرجوا، وبغير هذا الحل لا تنفع معهم المفاوضات، صوتت أمريكا منذ يومين ضد القرار الذي اتخذه اليهود، ما تظنون في هذا القرار؟ تصويت ضد طرد ستة أو سبعة من الفلسطينيين، هل صوتت يوم أن دخلوا في فلسطين؟ هل صوتت يوم أن استباحوا الجولان؟ هل صوتت يوم مذبحة دير ياسين؟ يوم أن قاد " مناحن بيجن " ذلك الفاجر مذبحة جمع فيها جميع الفتيات وكل واحدة منهن حبلى جنينها في بطنها، ثم أخذ المدية وأخذ يشق بطن الفتاة حتى يسقط جنينها وهي ترى، ثم تموت متشحطة بدمها، والله لن يرد فلسطين إلا جهاد وتوحيد وراية حقة، وما سوى ذلك فإننا نكون عاجزين، ونعترف بكل هذه الصراحة أن نرد فلسطين من أيدي اليهود.
إذا كنا نقاتل بالعُدد والعَدد والعتاد؛ فإن الله يكلنا إلى هذه القوى المادية، أعداؤنا يملكون ونحن نملك، عندهم دبابات والذين يقاتلون عندهم دبابات، عندهم أسلحة وأولئك عندهم أسلحة، تساوت الأمور لكن حينما نقاتل في سبيل الله ونحمل راية التوحيد والله لو دخلنا كلنا عزلاً من كل سلاح؛ فإن الله يضربهم بالرعب لقوله ﷺ : (نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 570
التربية على الجهاد وبذل المال في سبيل الله
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وتفكروا في عواقب الذين نبذوا كتاب الله وراءهم ظهرياً، تفكروا في عواقبهم وكيف تجرأ الأعداء عليهم وكيف دخلوا ديارهم وبلادهم، وكيف غيروا أمنهم خوفاً، وعزهم ذلاً، وغناهم فقراً، تمسكوا بشريعة الإسلام فهي سبب أمنكم وعزكم واطمئنانكم، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى.
اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار.
أيها الإخوة! لستم بحاجة إلى مزيد الحث والحض على أن تتبرعوا، وأن تشاركوا إخوانكم بالدعاء لهم، والتبرعات لهم، لا يكفي من واحد منكم أن يُخرج ريالاً أو عشرة، ولا نستقل قليلاً، إن الريال مع الريال قد يجلبان رصاصة في نحر كافر يموت، فلا تحقروا شيئاً من الأموال، لكني أقول: ليس يكفي من كل واحد أن يخرج شيئاً قليلاً ثم يرمي به، بل لابد أن تسأل الله أن يتقبله منك، وأن ينفع به، وأن تكون أنت بنفسك داعية نشيطاً لجمع التبرعات لإخوانك المجاهدين.
إن هذه الحرب لا يخوضها المجاهدون وحدهم، إننا نخوضها معهم بتضرعنا إلى الله، بسؤالنا ربنا، بدعمنا، وليس ذلك بحولنا أو طولنا أو قوتنا، بل بفضل الله ومنه وكرمه الذي وفقنا وهدانا وأعاننا على أنفسنا، وشرفنا أن نقوم ولو بعملٍ يسير لصالح المجاهدين، وهذه العبارة ليست للخطباء أو المهتمين وحدهم، بل هي لكل مسلم فيكم.
عودوا نساءكم وأولادكم الاهتمام بروح الجهاد، أعط ولدك مائة ريال أو خمسين ريالاً ثم قل: يا ولدي كم تعطي إخوانك المجاهدين هناك؟ أشعل فتيل الجهاد في قلب هذا الفتى، يشب نشطاً قوياً مقداماً شجاعاً، قل لامرأة أو أختٍ كم تبيعين من هذا الحلي الذي ادخرتيه سنين، لكي نقدمه لأخواتك المجاهدات ولنساء المجاهدين وزوجاتهم عوناً وكرامةً وزيادة؟ ينبغي أن نشعر بالجهاد في بيوتنا وفي أنفسنا وفي كل دائرة من دوائرنا، ينبغي أن نشعر أن المعركة حاسمة، وأن الدقائق فاصلة، وما هي إلا أيام قليلة نسأل الله جل وعلا أن يُعجل بشائر النصر، وأن يرفع رايات التوحيد خفاقة على جماجم الروس الفجرة، والملاحدة وعملائهم من الذين قعدوا وقبعوا ونابذوا الجهاد في كابول.
نسأل الله جل وعلا أن يُعجل بشائر النصر، واعلموا أيها الإخوة! أنه حينما تنطلق صيحات التكبير فإن القوى العالمية الكبرى تخاف من ذلك.
صرحت دار الإذاعة اليهودية البريطانية منذ يومين أو ثلاثة قائلة: صرح جورباتشوف زعيم الاتحاد السوفيتي قائلاً: إن هذه الحرب وإن كانت لا تحظى بقناعة شعبية لدى الشعب الروسي؛ فإننا لا نرضى بقيام حكم ديمقراطي في أفغانستان.
هل يقصد بقوله: حكم ديمقراطي حكومة أمريكية؟ لا، إنما يخشى من قيام حكم إسلامي في أفغانستان، ثم ينقلب خطراً على الولايات الإسلامية السبع: بخارى وسمرقند وأذربيجان وطاشقند وغيرها من الولايات الإسلامية، إنهم ينتفضون ويخافون؛ لأن صيحات الجهاد صادقة، ولأن رايات الجهاد مرفوعة كلها تحت راية لا إله إلا الله.
من للجهاد في فلسطين؟ اللهم أخرج من أرض فلسطين شباباً يحررونها وينصفون أهلها ويخرجون المستعمرين منها.
أيها الإخوة! يوم أن دخل الفجار في أرض فلسطين: اللورد اللمبي الذي قاد الحملة الصليبية، وكانوا لا يعرفون اسم الصليبية لكنه في ذلك الوقت وأثناء مقابلات الصحف والمجلات قال وبكل وقاحة: إنها الحملة الصليبية الثامنة بعد حملة الملك لويس التاسع، إنها الحملة الصليبية.
ثم دخل أرض فلسطين، ولما دخل الفجرة؛ ذهبوا إلى أرض الجولان، وتوجهوا إلى مكان يُوجد فيه قبر صلاح الدين أظنه جبل سيحون أو قريب من هذا الاسم، ثم وقف ذلك الفاجر فوق قبر صلاح الدين وركله برجله وقال: ها قد عدنا يا صلاح الدين! ها قد عدنا يا صلاح الدين! ها قد عدنا يا صلاح الدين! وهو يركل القبر الشريف بهذه القدم الخبيثة.
انظروا إلى الحقد المبيت، لما دخلوا أرض بيت المقدس قتلوا فيها مقتلة عظيمة، كما ذكره المؤرخون وأصحاب السير، سالت الخيل فيها في الدماء إلى الركب، دخل موشي ديان وأخذ يصيح: يا لثارات خيبر، يا لثارات خيبر، يا لثارات خيبر.
ثم أخذوا يقولون: محمد مات وخلف بنات، نعم والله إن الذين لم يستردوا فلسطين حتى الآن ليسوا والله بأهل للرجولة، لماذا لا يجاهدون ويرفعون راية التوحيد، ويقاتلون تحت هذه الراية، ويتبايعون على الموت تحتها؟ والله لن يبقى لليهود أمامهم قائمة، نسأل الله أن يُخرج من تلك الأرض شباباً مجاهدين صادقين مخلصين، ونسأل الله أن يعجل بنصرهم، وأن يرفع الكربة والمحنة عن إخواننا في فلسطين، وأن يرفع المحنة والكربة عن إخواننا في أفغانستان، وفي سائر بلاد المسلمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم احفظ بلدنا هذا خاصة وسائر بلاد المسلمين عامة، اللهم احفظ إمامنا، اللهم احفظ ولي أمرنا، اللهم احفظ إمام المسلمين، اللهم اجمع شمله وإخوانه وأعوانه على الحق وعلى العمل بكتابك وسنة نبيك يا رب العالمين.
اللهم سخر له ولنا ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرض بقدرتك، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيراناً إلا دللته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته بمنك ورحمتك يا رب العالمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً سحاً غدقاً طبقاً نافعاً مجللاً غير ضار، اللهم اسق العباد والبهائم والبلاد، اللهم اجعل ما أنزلته خيراً لنا وبلاغاً ومتاعاً إلى حين، اللهم اسقنا واسق المجدبين، اللهم لك الحمد على ما أغثتنا به، سبحانك وحدك لا شريك لك، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكون من الخاسرين.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا ولجميع موتى المسلمين الذي شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الحليم العظيم، لا إله إلا أنت رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم، اللهم يا فرج المكروبين! ويا نصير المستضعفين! ويا إله الأولين والآخرين، اللهم انصر إخواننا المجاهدين، اللهم انصر إخواننا المجاهدين، اللهم انصر إخواننا المجاهدين، اللهم تلطف بهم وبأحوالهم، اللهم وفقهم، اللهم سدد رأيهم، اللهم سدد رصاصهم في نحور أعدائهم، اللهم وحد صفوفهم، واجمع شملهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 571
التوبة إلى الله
إن من رحمة الله بنا أن جعل باب التوبة مفتوحاً إلى أن تطلع الشمس من مغربها ولم يغلقه أمام أحد من عباده، حتى لو عظم ذنبه وكبر إلا أن يكون شركاً، فـ ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)).
وقد حث الشيخ حفظه الله على التوبة، وحذر من مغبة المجاهرة بالمعاصي.
стр. 572
سعة رحمة الله
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
معاشر المؤمنين: يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:١١٠]، ويقول جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
معاشر المؤمنين: هذه آيات من فصل الخطاب، ومحكم الكتاب، ونداء ممن خلق الأرضين والسماوات رب الأرباب، لا إله إلا هو عليه التكلان وإليه المآب، رب غفور جبار قاهر قادر غني قوي ينادي عباده الضعفاء الفقراء الأذلاء المساكين بتودد الخطاب أن يدنوا إليه جل وعلا، لذا فلا غرابة أن يستعجب العبد ويتلذذ بترداده كل يوم وليلة سبع عشرة مرة ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] يقرؤها في الفاتحة ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] أبلغ وأقصى وأوسع معاني الرحمة بأصنافها وألوانها وأحوالها، رحمان بعباده، حتى العصاة يستر عليهم من رحمته، يسدل عليهم ستره، يعصونه بنعمه، ويعصونه بآلائه، فيمهلهم ولا يأخذهم ساعة المعصية، ثم يمن عليهم بتوبة فيعودون إليه أوابين منه برحمة، ثم يغفر ذنوبهم ويبدلها حسنات، رحمان رحيم.
عباد الله: إن هذه المعاني قد اجتهد الشيطان وأعوان الشيطان وشياطين الإنس والجن ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام:١١٢] لإبعادها عن كل عبدٍ زل زلة أو أذنب ذنباً أو أسرف على نفسه أو ارتكب ما ارتكب، يحرص الشيطان وأعوانه أن يبعدوا عن العبد هذه المعاني حتى تنقلب الخطيئة على شؤم مقاييس النصارى ضربة لازم لا يزيلها توبة ولا يمحوها استغفار ولا تدفعها حسنة، ذلكم معتقد الضالين، النصارى الذين يرون أن خطيئة الأب آدم اندرجت على ذريته من بعده فلا يخلصهم منها إلا صلب المسيح ودم المسيح ولقمة المسيح، وما إلى ذلك من خزعبلات القول وهرطقات المنطق التي ليست في وحي ولا علم ولا حكمة ولا هدى مبين.
стр. 573
سبب نزول قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ)
معاشر المؤمنين: جاءت امرأة في المدينة إلى أحد الصحابة وكان رجلاً تماراً يبيع التمر، فلما نظر إليها أشغله جمالها، وملأت عليه فؤاده، وشغف بها حباً، فقالت: أعندك تمر أجود مما أرى؟ فقال: بلى، وقادها إلى مكان تظن أنه يذهب بها إلى موقع آخر ترى فيه أصنافاً أو أنواعاً من التمر، فما كان منه ﵁ إلا أن قادها إلى بيته، ولم تكن تعلم فأغلق دونها الباب فدنا منها، ولم يصب منها ما يوجب الحد وإقامته، وإنما كما يقول الشنقيطي ﵀ في تفسيره: لعله كان بينه وبينها ما لا ينبغي أن يكون إلا بين رجل وامرأته من مس أو ضم وقبلة، ولكن سرعان ما ندم ولسعته سياط الموعظة وأنبته نفسه اللوامة واستيقظ ضمير فكره، فما كان منه إلا أن كف عن فعله، وفتح الباب وخرج هائماً في الطرقات يبحث عن رسول الله ﷺ ، فلما وجد الحبيب ووجد البر الرءوف الرحيم- بآبائنا هو وأمهاتنا ﷺ جاء إليه وأناخ بقدميه -اللتين تمطتا إلى تلك المعصية- في حماه الطاهر ﷺ ، وقال: يا رسول الله! إني أذنبت ذنباً، فالتفت إليه ﷺ ، وما كهره وما زجره وما ضربه أو أغلق في وجهه آمال التوبة أو بشائر الرحمة أو بواكير الإنابة، وإنما سمع منه حيث قال: فعلت كيت وكيت وكيت، فأطرق النبي ﷺ ملياً، فما لبث أن تغشاه الوحي، ولما سُرِّي عنه ﷺ ، قال: (أين الرجل؟ قال: هو أنا ذا يا رسول الله! فقال ﷺ وهو يتلو قول الله جل وعلا -تلك الآية المدنية في السورة المكية في سورة هود- ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] فقال الرجل: يا رسول الله! ألي هذا خاصة؟ -) هل هذا الجواب وهذا الخطاب ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] (فقال ﷺ : لا، بل لأمتي عامة) ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] اللهم صلِّ على محمد، اللهم صلِّ على محمد وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله: إننا نسوق هذه الآية وسبب نزولها ومقدماتها لنوجه الخطاب إلى أنفسنا وإلى فريق آخر، أما الخطاب لنا ولكم فهو يوم أن نرى عبداً مذنباً، فإن حاجة المريض أن تصف له العلاج لا أن تعاتبه وتشتمه وتقول له: لماذا أنت مريض؟ والله إن الذين في زنازين السجون يتمنون أن يكونوا من المهتدين المزاحمين بركبهم في حلق العلم بين يدي العلماء، والله إن مدمني المخدرات يتمنى الكثير منهم أن يكونوا من المهتدين السابقين إلى الصف الأول ورياض المساجد، ووالله إن كثيراً من العصاة ليلومون أنفسهم لوماً عظيماً، ولكن من ذا يأخذ بأيديهم إلى طريق الهداية؟ إذاً: ففي هذا دعوة أن نفتح صدورنا لإخواننا ولو كانوا مذنبين، شتان بين مذنب ذنبه على نفسه قاصر، وبين مذنب يتعدى بذنوبه لينشر الجريمة في أنحاء المجتمع.
المذنبون صنفان: صنف يذنب ذنباً ويخاف خوفاً ويندم ندماً ويخشى فضيحةً ويخاف هتك ستر الله عليه، ثم هذا تراه أقرب ما يكون يوم أن تدعوه إلى حسنة تمحو خطيئته، وإلى صدقة تمحو زلته، وإلى عودة تفتح باب توبته.
ومذنب آخر محترف للذنوب، تاجر ينشر ويوزع وكيل معتمد، إليه تفد ألوان الذنوب ومنه تصدر، يوزعها لينشرها في أنحاء المجتمع وجنبات الأمة، فشتان بين هذا وهذا.
стр. 574
توبة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً
الأمر الآخر: يوم أن يجيء عبد من المذنبين طائعاً مختاراً مقبلاً راضياً غير مكره، فمن ذا يحول بينه وبين التوبة؟ أولسنا نعلم أن رجلاً قتل تسعة وتسعين نفساً كما في الحديث الصحيح؟! فلما جاء إلى راهب وشكا إليه ما قال له، قال: لا نرى ولا نجد ولا نعرف لك توبة بعد فعلك هذا، فما كان منه إلا أن أخرج تلك الشفرة وذلك الخنجر الذي حزه على تسعة وتسعين نفساً فأكمل به على رقبة الراهب تمام المائة، وخرج هائماً على وجهه، ثم قصد عالماً من العلماء -وفي القصة فرق بين الرهبان والعلماء- فلما جاء إليه وأخبره، قال: إني قتلت مائة نفس فهل لي من توبة؟ وكأنما هو يلوح بالتهديد ليضيف رقم الواحد بعد المائة، فقال ذلك العالم: ومن ذا يغلق باب التوبة دونك؟ إن باب التوبة مفتوح على مصراعيه، لا يغلق إلا يوم أن تطلع الشمس من مغربها، ولكن إن كنت تائباً مقبلاً، فالحق بأرض بني فلان فإن فيها قوماً يعبدون الله، فقبل الرجل النصيحة ووسعته الموعظة وعمته الهداية، وذهب إلى أرض بني فلان تائباً عائداً نادماً، فأدركته المنية قرب منتصف الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، قالت ملائكة العذاب: عبد مذنب أسرف في القتل والذنوب، وقالت ملائكة الرحمة: عبد جاء طائعاً تائباً مختاراً، فكان بينهم ومِن أمرهم أن يقيسوا أي المسافتين إلى خطوه أقرب، فأوحى الله إلى أرض الرحمة أن تقاربي، وأوحى الله إلى أرض المعصية أن تباعدي، فكان من الذين أدركتهم رحمة الله.
لما جاء طائعاً مقبلاً مختاراً تائباً إلى الله، أوحى الله إلى الأرض بأن تزحف وتتزعزع، أوحى الله للأرض أن تجر أذيالها، تدنو من أجل عبد جاء تائباً مقبلاً مختاراً قاصداً وجه الله جل وعلا ورحمته التي وسعت كل شيء.
أفنظن يا معاشر العباد أن من أذنب ذنباً تضيق به رحمة الله؟ لا والله، إذاً فلا يترددن عبد في التوبة ولا يترددن عاصٍ بالإنابة، ولا يترددن خاطئ في الرجوع، فإن رحمة الله وسعت كل شيء، وإن رحمة الله سبقت غضبه، وإن رحمة الله قريب من المحسنين.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 575
معركة حنين وقوله ﷺ (لله أرحم بعبده من هذه بولدها)
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من النار.
معاشر المؤمنين: لما خرجت هوازن بقيادة زعيمها عوف بن مالك وقد حزب الأحزاب وجمع الجموع لقتال رسول الله ﷺ ، وكان من ضلال أمره وسفاهة رأيه أن قال: يا معاشر العرب! ليخرج كل منكم بماله وأهله وولده حتى يثبت القوم، ويقاتل الرجل دون عرضه وإزاره، فما كان من القوم إلا أن استجابوا له، وخرجوا بنسائهم وأطفالهم وأموالهم، وسمع دريد بن الصمة بهذا، وكان كهلاً عجوزاً كبيراً لا يثبت على ظهر الخيل، قال: ما لي أسمع بكاء الصغير ورغاء البعير وثغاء الشاة؟ قالوا: هذا عوف بن مالك زعيم هوازن أقسم أن يضع ذبابة السيف على صدره ويتكئ عليها حتى يخرج السيف من ظهره إن لم تسمع العرب رأيه فيما رأى، قال: بئس الرأي ما رأى! إن المهزوم لا يرده شيء.
فما كان من القوم بعد أن كان ما كان من أمر تلك المعركة- معركة حنين - في بدايتها أصاب بعض المسلمين عجب، وقالوا: لن نغلب اليوم من قلة، ليس علينا خطر أو هزيمة نخشاها لأننا كثير ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥] كانت كثرة تعلق القوم فيها بنوع سبب بشري فكانت من أسباب الهزيمة، لأن النصر لا يتنزل إلا على أمة تقطع الآمال بأسباب البشر وتعلق الآمال والرجاء بالله وحده لا شريك له.
فما كان من القوم بعد أن كمن المشركون لهم في وادي أوطاس، ثم فاجئوهم بمطر بالنبال إلا أن فروا ولم يبق منهم إلا قليل، ولم يثبت إلا الشجاع القائد المجاهد الإمام النبي ﷺ ، وثبت على بغلة وليست فرساً أو خيلاً تحسن الكر والفر في المعارك، ثبت على بغلة ولم يخف القائد موقعه، بل صاح بأعلى صوته: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، واشتد الكرب، وادلهم القوم، والتفوا يريدون إزهاق روح رسول الله، ويريدون قتله ﷺ ، فثبت وخيار الصحابة حوله، ثم التفت ﷺ وهو يقدم على القوم ويفل صفوفهم ويكسر جمعهم ويبيد خضراءهم، فلما التفت إلى العباس، وقال: يا عباس! الحق بالقوم وصح بهم: يا أصحاب السمرة! يا أصحاب سورة البقرة! إن النبي ﷺ يدعوكم أن تعودوا، وكان العباس جهوري الصوت فنادى فيهم فسمعوه، ومن شدة فرار بعض القوم أن بعضهم لم يستطع أن يثني رأس راحلته أو خيله أو بعيره ليعود إلى موقع المعركة، فرمى بنفسه من ظهرها وعاد راجلاً؛ استجابة لأمر النبي ﷺ .
ثم نصرهم الله بنصره وثبتهم بثباته ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم:٢٧] ثم كسروا جموع القوم، وكان كل ما جمعه عوف بن مالك من الخيل والشاة والإبل والنساء والأطفال غنيمة وسبياً للمسلمين، فاجتمع للمسلمين ذاك اليوم شيء عظيم من الفيء والغنائم والسبي، فجاء القوم يريدون بعض المال من رسول الله، وكيف يمن عليهم ﷺ بمال وهو الذي خير أن تذوب جبال الدنيا ذهباً تحت قدميه فلم يرض بهذا واختار أن يشبع يوماً ويجوع يوماً؟! كيف يمن أو يبخل بمال من هذه همته في الآخرة وهذا زهده في الدنيا؟ فجاء الأقرع بن حابس، وأعطاه مائة من الإبل، وجاء عيينة بن حصن، فأعطاه مائة من الإبل، وجاء حكيم بن حزام، فأعطاه مائة، ثم سأل ثانية، فأعطاه مائة، ثم سأل ثالثة، فأعطاه مائة، ثم جاء أعرابي وقال: يا رسول الله! ما أطيب هذا الوادي وما فيه من النعم والشاة! قال: خذه فهو لك، ثم جاء من جاء والنبي يعطي ويعطي ويعطي؛ لأن همته أعظم من ذلك، همته وفكره وقلبه ولبه وفؤاده نصر المسلمين، ونشر التوحيد وتعبيد العباد لله، بعبادة الله وحده لا شريك له، لأن الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة.
وكان كبار الصحابة حول رسول الله ﷺ يحيطون به إحاطة النجوم بالقمر ليلة البدر، فرأوا بين السبي امرأة كأنها مجنونة، كأنها قد أصابها مس أو جنون، تفتش يمنة ويسرة وتقبل وتدبر وتركض وتجيء وتعود حتى شقت الطريق بين القوم، ثم لقيت طفلاً فأخذته واحتضنته وضمته وقبلته، ثم كشفت ثديها، لم تشعر بحالها بين القوم، وألقمته في فم الرضيع وهي تبكي، والنبي ﷺ ينظر والصحابة ينظرون، فقال ﷺ : (أترون أن هذه المرأة تقذف بولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : لله أرحم بعبده من هذه بولدها).
стр. 576
إن الله ستير يحب الستر
إن إلهنا وخالقنا ومولانا عظيم في ذاته، وكذلك عظيم في صفاته، ومن صفاته الرحمة، فهو عظيم في رحمته جل وعلا.
ولسنا نسوق هذا الكلام لكي تجترئ النفوس على المعصية، فكما أنه عظيم في رحمته غيور على نعمه، وغيرته أن يأتي عبده أو أمته ما حرم عليه ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨] فإنه كذلك شديد في عقابه.
إن الصادقين في طلب الرحمة براهين صدقهم في أعمالهم: التوبة بعد الذنب والحسنة بعد السيئة، والندم بعد الخطيئة، وملاحقة السيئات بالحسنات التي تمحوها بإذن الله.
لسنا نسوق هذا حتى يفهم السامع قول القائل:
وكثر ما استطعت من المعاصي إذا كان القدوم على كريم
بل نسوق هذا لكي نعلنها منذ اللحظة، ومن الساعة نهجرها ونطلقها ونودعها وليس وداعاً بل نفارقها فراقاً، وإن صرم فصرم كالطلاق، كل معصية أسرفنا بها وزللنا وأخطأنا، فالحمد لله الذي لم يزل بعد يمتعنا بأبصارنا وأسماعنا وألسنتنا وأيدينا وأقدامنا، وقد عصيناه بها جميعاً، فالحمد لله على ما ستر، والحمد لله على ما أنعم من هذه الحواس والجوارح ومن غيرها ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:١٨] الحمد لله على كل حال.
ومن موجبات حمده أن نقلع عن معصيته وألا نصر عليها، وألا نستخدم نعمه في معصيته جل وعلا.
стр. 577
ستر الله على مذنب بني إسرائيل
أيها الأحبة: إن الله جل وعلا عفو غفور كريم ستير يحب الستر.
ذكر ابن قدامة في التوابين قصة في بني إسرائيل أن موسى ﵇ خرج يوماً يستسقي، فلم ير في السماء قزعة- أي: سحابة- واشتد الحر، فقال موسى: يا رب! اللهم إنا نسألك الغيث فاسقنا، فقال الله جل وعلا: يا موسى! إن فيكم عبدي يبارزني بالذنوب أربعين عاماً، صح في القوم وناد إلى العباد: الذي بارز ربه بالذنوب والمعاصي أربعين عاماً أن اخرج، فقال موسى: يا رب! القوم كثير والصوت ضعيف فكيف يبلغهم النداء؟! فقال الله: يا موسى! قل أنت وعلينا البلاغ، فنادى موسى بما استطاع، وبلغ الصوت جميع السامعين الحاضرين، فما كان من ذلك العبد العاصي -الذي علم أنه المقصود بالخطاب، المرقوم في الكتاب أنه ينادى بعينه بين الخلائق، فلو خرج من بين الجموع، عُرف وهتك ستره وانفضحت سريرته وكشفت خبيئته- فما كان منه إلا أن أطرق برأسه وأدخل رأسه في جيب درعه أو قميصه، وقال: يا رب! اللهم إني أتوب إليك فاسترني، اللهم إني أتوب إليك فاسترني، اللهم إني أتوب إليك فاسترني.
فما لبث موسى ومن معه إلا أن أظلهم الغيم وانفتحت السماء بمطر كأفواه القرب، فقال موسى: يا رب! سقيتنا وأغثتنا ولم يخرج منا أحد! فقال الله: يا موسى! إن من منعتكم السقيا به تاب وسألني وأعطيته وسقيتكم بعده، فقال موسى: يا رب! أرني ذلك الرجل، فقال الله جل وعلا: يا موسى! سترته أربعين عاماً وهو يعصيني أفأفضحه وقد تاب إلي وبين يدي؟ الله أكبر! ما أعظم ستر الله! إن الله ستير يحب الستر.
стр. 578
خطورة المجاهرة بالمعاصي
لقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، قالوا: ومن المجاهرون يا رسول الله؟ قال: الذين يذنبون أو يعصون الله فيمسون يسترهم الله فيصبحون يكشفون ستر الله عليهم، يقولون: فعلنا وفعلنا) وما أكثرهم في هذا الزمان! يسافرون في الإجازات ونهاية عطلة الأسبوع وغيرها من المواسم والمناسبات، فإذا عادوا: هذه صورتنا يوم كنا كذا، وهذا صورتها يوم كانت كذا، وهذا مقامنا في مكان كذا، يسترهم الله وهم يفضحون أنفسهم! إن الله ستير يحب الستر.
ونسوق هذا ونكرر أن الكلام هذا ليس بدعوة إلى الجرأة على المعصية، وإنما هي دعوة لمن أذنب أن يتوب، ولمن أسرف أن يئوب، ولمن أخطأ أن يستغفر، ولمن وقع في الذنب أن يعلم أن له رباً يغفر الذنب ويقبل التوبة ويعفو عن السيئات.
فيا عباد الله: توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم.
يا عباد الله: توبوا إلى الله من صغير الذنوب وكبيرها
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
يا عباد الله: توبوا إلى الله من كثير من الذنوب التي درجت على الألسنة، وكثير من الخطايا والآثام، فلنتب إلى الله من الغيبة، ولنتب إلى الله من النميمة، ولنتب إلى الله من الحسد والحقد، ولنتب إلى الله من ازدراء الناس واحتقار الخلق والتهاون بشأن الخلق، إن من الناس من لا يرى في نفسه ذنباً ولا عيباً وقد جمع ألواناً من الذنوب لم يجمعها من ظهر فسقه في بعض الأمور؛ وذلك بغيبة لا تكل، ونميمة لا تمل، وازدراء لا حد له، إن احتقار الخلق أمر عظيم (بحسب امرئ من الشر- يكفيه شراً- أن يحقر أخاه المسلم) وهذه من الذنوب الشائعة العامة بين العباد.
ومن الذنوب أيضاً: ما تساهل به كثير من الناس تحت دعوى الأخبار والمسلسلات أو التحقيقات، فجثم بإرادته طبق يستقبل السموم على سطح بيته، ويعد أنه يستقبل بهذا أخباراً غاديةً ورائحةً، والله لن تسأل عنهم ولا عن أخبارهم، ولو حفظ أخبارهم عن ظهر قلب ما نورت لحدك، وما وسعت قبرك، وما أخرت أجلك، وما بسطت في رزقك، وإنما جررت ذنباً على نفسك وذنباً على أبنائك، فتب إلى الله وأزل هذا، نقول هذا نصيحة لكل من وضع الطبق على سطح داره أن يزيله حتى لا يبارز ربه بالمعصية، والذنوب نوعان: ذنب خفي وذنب جلي، فالذنب الخفي أهون بكثير من الذنوب الجلية.
فيا عباد الله: توبوا إلى الله، يا عباد الله! ناصحوا إخوانكم وناصحوا جيرانكم، ونادوهم برقيق العبارة ولطيف القول ولين الخطاب، وليعلموا أن الباعث ليس الأمر والنهي وإنما هو الخشية والوجل والخوف والمحبة، حينئذٍ لعل قلباً أن يستمع، ولعل نفساً أن تنزجر أو ترعوي.
أسأل الله جل وعلا أن يتوب علينا من ذنوب خفيت وظهرت، وأسأله أن يسترنا بستره، وألا يكشف سرائرنا، وألا يهتك أستارنا، وألا يفضح عوراتنا، أسأله أن يصلح لنا السيرة والسريرة، والظاهر والباطن والسر والعلانية.
اللهم اغفر لنا، اللهم اغفر لنا، اللهم أنت ربنا لا إله إلا أنت خلقتنا ونحن عبيدك، ونحن على عهدك ووعدك ما استطعنا، نعوذ بك من شر ما صنعنا، نبوء لك بذنوبنا فاغفر لنا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
اللهم صل على محمد وآله وصحبه، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، اللهم ارحم المستضعفين في البوسنة، اللهم ارحم المستضعفين في كشمير، اللهم أقم التوحيد في بلاد المسلمين، اللهم انصر المسلمين في فلسطين، ورد المبعدين إلى بلادهم، وأصلح شأنهم يا حي يا قيوم.
اللهم أهلك اليهود، اللهم اجعلهم شذر مذر، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين يا حي يا قيوم، اللهم ارحم المستضعفين من المسلمين في السجون والزنازين، اللهم اجعل لهم مما هم فيه فرجاً، وعجل لهم في أمرهم مخرجاً، اللهم احفظ عوراتهم، وآمن روعاتهم، واستر ذرياتهم، وتكفل بأبنائهم وآبائهم وأمهاتهم يا رب العالمين.
стр. 579
وصايا للأمة في ظل الأزمة
حرب الخليج الثانية، ودخول صدام الكويت، وتهديد السعودية من الأزمات العصيبة التي مرت بأمة الإسلام، وكشفت كثيراً من الأمور وتباين الآراء تجاهها شعوباً وأنظمة، وفي هذا الدرس وصايا عامة للأمة بخصوص الأزمة وكيفية التعامل معها.
стр. 580
دور الأمة عند الأزمات
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي بأمره تنسف الجبال نسفاً، فتكون قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، الحمد لله الذي بأمره تنكدر النجوم، وتنفطر السماء وتنشق الأرض، وتسجر البحار وتتفجر نيراناً، الحمد لله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أيها الأحبة في الله! أذكركم بحديث النبي ﷺ : (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه، إلا نزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده) اللهم إنا نشهدك ونشهد ملائكتك والناس أجمعين، أنه ما جاء بنا إلى هذا المسجد وهذا المجلس إلا ابتغاء رحمتك، وابتغاء الذكر في الملأ الأعلى عندك.
اللهم حرم وجوهنا على النار، اللهم آتِ هذه الوجوه الطيبة، اللهم آتها من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلوى عافية، ومن كل فاحشة أمنا، ومن كل فتنة عصمة، اللهم صل على محمد أولاً وآخراً.
أحبتنا في الله: حديثنا اليوم عن هذه الأزمة التي قرأتم وسمعتم وتابعتم الكثير من أحداثها، ولكن من واجبنا ألا ننقطع عن مجالس الذكر والعبادة والدعوة، أياً كان حجم الأزمات، وأياً كان مستوى المصائب، والله إن من الأمور التي قد ينزعج الواحد منا أن يرى شيئاً من الفتور في مجالس الوعظ، والذكر، والندوات، والمحاضرات، بحلول هذه الأزمة، وكان من واجب الأمة ألا تزيدها هذه الأزمات إلا مزيداً من البذل والعطاء.
كان مقرراً أن يكون عنوان المحاضرة " العلمانية وأثرها السيئ على الأمة" ولما جاءني أحد الإخوة بالإعلان المطبوع عن المحاضرة، قلت: هذا الموضوع لا يناسب الآن، ولا يصلح أبداً؛ لأننا في مواجهة عدوٍ من الخارج، قد أحاط بحدودنا، وجيَّش جيوشه على سواحلنا، فمن واجبنا ألا ننشغل بالقضايا الجزئية أو القضايا الفرعية، ونحن نواجه أخطر الأعداء وأكبر الفتن بالنسبة لتاريخٍ نشأنا وترعرعنا فيه، ألا وهي هذه الأزمة الشديدة، نسأل الله جل وعلا أن يفرجها بمنه ورحمته عن الأمة أجمع.
أيها الإخوة! واختار الإخوة أن يكون موضوعنا: "وصايا للأمة في ظل هذه الأزمة".
وحقيقة نحن بأمس الحاجة إلى الوصية والنصيحة؛ لأنها بإذن الله جل وعلا من باب التواصي على الحق، والتواصي على الصبر، ومعرفة ما ينبغي فعله، لا نشك أن جميع المسلمين وجميع هذه الوجوه الطيبة، كل واحد يقول: لو علمت أن لي دوراً في هذه الأزمة ما ترددت عن القيام به، والبعض يظن أنه ليس له دور على الإطلاق، أو أن فعله أو قوله لا يقدم ولا يؤخر في ظل هذه الأزمة.
والله يا عباد الله! إن للبهيمة لدوراً في هذه الأزمة، فضلاً عنكم أنتم يا من أسجد الملائكة لأبيكم آدم، ويا من كرمكم وفضلكم على كثير ممن خلق تفضيلاً، وآتاكم الأسماع والأبصار والأفئدة، أتدرون ما دور البهائم في هذه الأمة؟ إن الله قد يرحم الأمة بها، إنما تنصرون وترحمون بضعفائكم، قد يرحم الله الأمة بالأطفال الرضع، والشيوخ والعجائز الركع، الذين لا يعرفون من السياسة قليلاً ولا كثيراً، وبهذه البهائم الرتع التي تجأر إلى الله جل وعلا.
وإنا لما أخبرنا أحد الإخوة في أول ليلة سقط فيها عدد من الصواريخ، قال: سمعت مكاناً فيه عدد من القطط تموء مواءً لا يعلمه إلا الله جل وعلا، فقلت: والله لعلها تجأر إلى الله مما يحصل، وكما يقول أبو الدرداء: [إن الحبارى لتموت هزالاً في أوكارها من شؤم معصية بني آدم] ولعلها تدعو على بني آدم.
стр. 581
الإيمان بالقدر والرضا به
أيها الأحبة! أود أن أسألكم سؤالاً، هذه المصيبة التي ما تركت بهيمة ولا طفلاً ولا صغيراً ولا رضيعاً ولا كبيراً ولا فقيراً، ولا تاجراً ولا غنياً ولا ملكاً ولا وزيراً، ولا ذكراً ولا أنثى ولا مسافراً أو حالَّاً أو مرتحلاً، إلا أشغلته ونالت من همه وذهنه نصيباً، هذه المصيبة التي أشغلت الأمة، بل أشغلت العالم بأكمله، أتظنونها جاءت فلتة؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً؛ لأننا نعلم أن الأمور بقضاء وقدر ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢].
ونعلم أن القضا واقع وأن الأمور بأسبابها
والبلايا بقضاء وقدر والدنا عبر أي عبر
اقرأ التاريخ إذ فيه العبر ضل قوم ليس يدرون الخبر
أود أن أقول أيها الأحبة: إن هذه المصيبة إنما هي بقضاء وقدر، وهذا من تمام الإيمان، ومن شك في أن هذه المصيبة بقضاء وقدر، ففي إيمانه شك بقدر شكه في هذه القضية.
الأمر الآخر: مادامت هذه بقضاء وقدر، فأسألكم سؤالاً: هل يقدر الله عبثاً؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، إذاً: فهذه المحنة والأزمة والرزية والمصيبة، ما قدرها الله عبثاً، وإنما قدرها لحكمة بالغة يراها الله جل وعلا، حتى نطمئن ونهدأ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام:١٣٧] الأمور بيد الله جل وعلا، ونحن عبيده، بنو عبيده، بنو إمائه، نواصينا بيده، ماضٍ فينا حكمه، عدل فينا قضاؤه وقدره.
ما الذي يزعجنا؟ ما الذي يجعل كثيراً من الناس لا يعرفون بالليل نوماً، ولا بالنهار هدوءاً وطمأنينة؟ أيحدث أمر قدره غير ربكم؟ كلا والله.
فعلام الفزع الذي جاوز حده! والأولى أن يفزع الناس، وأن يشتغل الناس فيما يستعدون به لأمر الآخرة، لأمر الرحلة، لأمر النقلة إلى دار فيها أعظم من هذه الأهوال.
إذاً: فهذه الأزمة بقضاء وقدر، وهذا القدر كما يقول ابن تيمية ﵀ في معنى كلامه: إنه ما من قدرٍ لله جل وعلا إلا وهو مشتمل على تمام الحكمة؛ لأن الله لا يقدر عبثاً، ومشتمل على تمام العدل؛ لأن الله لا يقدر ظلماً، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس:٤٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٠] وفي الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا).
إذاً: فهذا القدر، قدر هذه الأزمة تمام العدل؛ لأن الله لا يقدر ظلماً، وأيضاً تمام الرحمة؛ لأن رحمة الله سبقت غضبه، ولأن رحمة الله وسعت كل شيء.
стр. 582
الصبر والاحتساب على المصائب
أيها الأحبة: شأن المؤمنين الذين إذا أصابتهم مصيبة أن يقولوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، فينبغي أن نكثر من هذا الذكر وهذا الدعاء.
شأن المؤمنين حينما يخوفون بأعدائهم؛ أن يتذكروا قول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ [آل عمران:١٧٣] هربوا من مدنهم، ماذا فعلوا؟ قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٥].
من أين يأتي هذا الخوف؟ من أين يأتي الفزع؟ من أين يأتي هذا الارتباك وعدم الانضباط والتوازن في تصرفات عجيبة من كثير من الناس، تجده يخرج من بيته المطمئن الآمن المضاء المكيف المعد بكافة المرافق، لكي يضرب خيمة يأكله فيها الناموس، ويتأذى بالظلام، ويتأذى من البرد، ولا يجد ماءً ولا يجد كافة ما يحتاج إليه، هروباً من هذه الفتن.
أهرب من قدر الله إلى قدر الله، نهرب من الموت: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] أنا لا أقول: إن كل من سافر ففي إيمانه دخن، أو ليس عنده توكل على الله، حتى لا يقول أحد: هؤلاء المطاوعة من رأوا جمسه متوجهة على ديراب، قالوا: هذا ليس عنده توكل، لا.
إنما أريد أن أقول: إن من خرج فراراً وظناً أن فراره هذا يدفع عنه قدر الله، فهذا مسكين جاهل.
نعم قد يوجد إنسان بيته قرب المواقع الاستراتيجية، التي لاحظ مراراً أنها مواقع مستهدفة، نقول: هذا الشيء معقول، لكن الذي هو بعيد يهرب إلى أين؟ أحدهم يستأجر بيت طين كلما كنس أرضه تهلهل سقفه، لا يقف عن هذا التنظيف أبداً، وكلما ارتج فيه بابٌ جاوبه الباب الآخر في آخر الدار، ما الذي أحوجك إلى هذا؟ سبحان الله العلي العظيم! فنقول أيها الأحبة: إنما ذلكم الشيطان؛ لأن الشيطان يأتي ويدخل الرعب والخوف والفزع في قلب ابن آدم، فيصيبه ما تراه من هذه التصرفات المرتبكة أو الغير منضبطة، وتذكروا قول الله جل وعلا: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٨] فحسن التوكل على الله، وحسن اللجوء إلى الله جل وعلا فيه خير عظيم ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥].
إذاً أيها الأحبة: هذا شأن المؤمنين أن يكثروا من ذكر الله، وأن يكثروا من اللجوء والتضرع والانكسار بين يدي الله ، وفي مسند الإمام أحمد: (كان ﷺ يأمرنا بالجماعة، والصبر والسكينة عند الفزع) الذي يحصل من بعض الناس يخرج من الجماعة إلى الوحدة والخلاء والخوف، إلى البرية لوحده، أو إلى مكان بعيد، يظن أنه بمأمن.
والسنة في الفزع، إذا كان الذي أخرجه فزعه، أن يحرص على الجماعة، (كان ﷺ يأمرنا بالجماعة والصبر) احتساب ما يصيب الإنسان؛ لأنه ما من هم حتى الليلة التي تسمع فيها صوت صفارة الإنذار، فتضع يدك على خدك أو على رأسك وأنت مهموم أو مغموم، أو تنظر إلى هؤلاء الأطفال، ولا ألوم من كان له صبيه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء:٩].
قد تتألم ويتقطع قلبك وأنت ترى هؤلاء الأطفال، أحدهم يجر رداءه، والآخر يجر ثوبه خوفاً وفزعاً، يلحق أمه وأباه، لا يدري ما يفعل عند سماع هذه الصفارة مثلاً، ويتألم قلبك أن ترى هذا مهموماً أقول: أبشر بخير، فإن هذا الهم فيه خير لك، قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله! يقول ربنا جل وعلا: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] هذا أبو بكر المبشر بالجنة يتلو هذه الآية، يقول: نخاف مادام كل سوء نعمله نجزى به ما بقي لنا عمل، وهو أبو بكر، المبشر بالجنة ﵁، فيقول له ﷺ : (يا أبا بكر! ألست تهتم؟ قال: بلى يا رسول الله! قال: فذلك مما تجزون به).
أي: هذا الهم الذي يجعل أحدنا يبيت ساهراً أو متألماً، هذا يا إخوان كفارة للذنوب والمعاصي: (ما من هم ولا غم ولا نصب ولا وصب، حتى الشوكة يشاكها المسلم إلا كفر الله بها من خطاياه) فلماذا نفقد ونبعد عامل وعنصر الاحتساب في هذه المسألة؟ إذا أصبحت أو أمسيت مهموماً أو مغموماً يدك على رأسك، فأكثر من ذكر الله، والاستغفار، واحتساب الصبر فيما ينالك، فذلك خير لك بإذن الله جل وعلا.
стр. 583
وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم
أيها الأحبة: والله إن في هذا الأمر الذي يدور خيرٌ عظيم للإسلام والمسلمين، ولله الحكمة البالغة، ما ماتت نفس قبل يومها، وما أصيب أحد مصيبة إلا بقدر، من كسر هناك قدر له أن يكسر في حادث سيارة أو في الجبهة، من قتل هناك قدر له أن يقتل في طلقة رصاص وإلا على فراشه، لا أحد يتجاوز أجله بأي حال من الأحوال، إذاً فلنطمئن ولنهدأ، فلنعد البشر والابتسامة، ولين الجانب، وطلاقة المحيَّا فيما بيننا، بدلاً من أن يعين بعضنا بعضاً على الهم والغم، أنت تخرج من بيتك فتلقى مهموماً فتهتم معه، فتدخلون على العمل فيهتم بقية الزملاء، يأتي المراجع فيهتم معكم، ويعود إلى بيته مهموماً فيهتم البيت، ثم تجتمع الأمة على غم وهمّ.
لكن حينما أخرج وأنا مبتسم، ذاكر شاكر صابر محتسب، بإذن الله جل وعلا هذا مما يعين النفوس على الطلاقة والبشر والحماس والعمل، كثير من الناس تركوا شيئاً من أعمالهم أو حرفهم أو مهنهم، لماذا هذا الخوف، ولماذا هذا الجزع؟ بالعكس الواجب على الأمة في حال الأزمة والفتن أن تبذل مزيداً من العمل والإنتاج، لكي تغطي ما تستهلكه الحرب من النفقات، هذا هو واجب الأمة، ليس واجب الأمة أن يخزن بعضهم ما استطاع من طعام، أو يهرب البعض إلى آخر مكان ينأى به أو يصل إليه.
وتذكروا قول الله جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦] ويقول تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩].
стр. 584
حال النبي ﷺ والصحابة ﵃
النبي ﷺ لما أخبر الصحابة عن عير قريش قبل موقعة بدر، تمنى الصحابة أن يظفروا بالعير وألا يقاتلوا قريشاً، قال تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧].
ولكن الله جل وعلا قدر برحمته وحكمته وعدله، أن تكون الشوكة والقتل والقتال وسل السيوف وصهيل الخيول، وكان في هذا خير عظيم بإذن الله جل وعلا، ليحيا من حيَّ عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة، كان فيها خير عظيم بإذن الله جل وعلا، فلا تكرهوا الحرب، الحرب التي نواجهها الآن هي قدرنا، وعلى كل أمة أن تواجه قدرها، هل فر النبي عن قدر الحرب في أحد التي قال قبلها: (رأيت بقراً تنحر) أي: رأى في المنام أنه سيكون ذبح وقتل في صحابته، ومع ذلك خرج لملاقاة عدوه، وما جزع، وتقبل قدره، وواجه هذا القدر بقدر الله المشروع وهو الجهاد.
دخلت حلقتين من حلق المغفر في رأسه ﷺ ، كسرت ثنيته، شج وجهه الكريم، كسرت رباعيته، ومع ذلك واجه النبي قدره، واجهوا قدرهم في الخندق والأحزاب، وبني قريظة، وبني المصطلق، وبني النضير، وتبوك، ومن بعدهم المسلمين في بلاط الشهداء والقادسية واليرموك والزلَّاقة، إلى آخر عصور المسلمين، والأمة تواجه أقدارها وهي سعيدة.
لما كان عصر الفتوحات في الدولة الإسلامية في عهد أبي بكر وعمر، ماذا كان شأن الناس في المدينة؟ أكانوا يجتمعون في المساجد ويصيحون وينيحون ويبكون؟ كان الناس يتبايعون ويشترون، ويتزوجون ويتناسلون، ويأتي البشير من قائد أمير المؤمنين، فتحت مدينة كذا فيكبر المؤمنون، استشهد زوج فلانة، فتحتسبه شهيداً عند الله، وترجو اللحاق به في الجنة، قتل فلان بن فلان فيحمدون الله جل وعلا.
стр. 585
وضوح زيف السلام العالمي
كانت الأمة تعيش قدرها الطبيعي للغاية، وليس كما أصاب كثيراً من المسلمين في هذا الزمان، وقد لا يلام بعضهم؛ لأنهم تعودوا حياة السلام، وأنغام السلام، وموسيقى السلام، وأخبار السلام، وعدم الانحياز، والعدالة في القضايا الدولية، وظنوا أن المجتمع لا يقتل فيه طير، ولا تغتال فيه بهيمة، ولا يراق فيه دم، ولا يقطع فيه شلو، لا.
أغنية السلام التي نمنا على أنغامها زمناً طويلاً هي التي جعلتنا نفزع ونخاف.
اسألوا إخوانكم الشباب الذين ذهبوا للجهاد في أفغانستان، كيف كانت أنفسهم أمام الوضع؟ قالوا: الأمر طبيعي، هل هناك من رغبة في الجهاد؟ مستعدون في أي لحظة؛ لأن من تعود قدر الأمة الطبيعي، وسنة الله في أمة الإسلام في الجهاد في سبيل الله، ركنها السادس وذروة سنامها، لا يعجب من هذا أبداً، لكن مر بنا زمن طويل وفيه استقرار السلام، استتباب الأمن في منطقة الشرق الأوسط، والسلام والسلام، وأي سلام هذا؟! سلام ومليون وستمائة ألف قتيل في أفغانستان نحسبهم من الشهداء، ما هو السلام الذي نمنا على أنغامه؟ سلام والمسلمون في سنقار في كشمير دماء تسيل، يأتون الأسرة المسلمة وهي متحلقة على طعام الإفطار في رمضان، فيهجمون عليها، ويجعلون دماءهم على إفطارهم، في بورما، في الفلبين، في مندناو، في أثيوبيا وإرتيريا، أي أغنية سلام نمنا عليها هذه، التي جعلتنا نفزع لما رأينا الحرب، والحرب ممن؟ من عدوٍ ما كانت عداوته غريبة أبداً، الذي يقول لك:
سلام على كفر يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم
أي يقول: سأوحدكم، سأجعل دولتي ودولتك والكويت والعراق وقطر والإمارات، سأجعلها دولة واحدة ولو بالكفر، ومرحباً بجهنم بعد ذلك، أتظنون أن أمر الحرب وعداوة المسلمين تعتبر قدراً غريباً، أو شيئاً عجيباً حينما يبدو منه، أبداً والله، كنا في غفلة، وكان الأعداء يعملون، وكان عامَّة الناس فينا يجهلون ماذا يراد بالأمة، وماذا يخطط لها.
стр. 586
الإعداد لمواجهة الأعداء
وهذا الزمان يا إخوان! زمن العقائد التي تتقاتل وليست هذه أول المصائب، الآن العقائد تعيد تجنيد أحزابها، وتعيد تجنيد الخلايا والفروع والأفراد المنتمين إليها، وتعيد تدريبهم تدريباً عسكرياً لا يخطر لكم على بال، فإما أن نكون أمة ونستعد لمواجهة هذا الأمر، ونكون أمة قتال، أمة سلاح، ولا نعجب منذ الآن فصاعداً من أمر القتل والقتال والجهاد، بل نجعله أمراً طبيعياً، وإلا فإننا سنبقى ضعفاء أمام هؤلاء الأقوياء الذين أخذوا بأسباب العدة المادية، ونحن تركنا قول الله جل وعلا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠].
ما تدربنا وما أعددنا حتى نرهبهم، ينبغي أن ندرك أن الواجب الآن أن يعرف الناس، أنه يحمل السلاح ولن يوضع، لمعرفة ما يدور وماذا سيدور، وإلا فاعلموا كما قلت آنفاً: أيها الأحبة! جماعة حزب الله في لبنان يعيدون ترتيب شبابهم ترتيباً عسكرياً، والأفلام الوثائقية صورت، والتقارير نقلت، أمل يعيدون ترتيب شبابهم، حركات أخرى تعيد ترتيب شبابها ترتيباً عسكرياً مسلحاً، ابتداءً بحمل الرشاش، وانتهاءً بحرب المدن، مروراً بالراجمات والقنابل والصواريخ، والرشاشات الثقيلة والخفيفة.
فأنتم يا شباب الأمة! يا شباب الجزيرة! ما هو مشروعكم؟ هل تقولون: بدأت الأزمة فتطوعنا، ثم ننام بعد نهايتها؟ لا.
أن يبقى هاجس الجهاد والحرص على هذه الأمة والبلاد والحدود، ليست عصبية للمملكة، وإنما لأننا نرى إسلاماً يطبق فيها، وحينما تتجاوز حددوها تجد القوانين والأنظمة الوضعية، هذا على ما فينا من النقص والكمال لله جل وعلا.
نقول: لا نكره هذه المصائب.
ربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سبباً ما بعده سبب
والناس إن ظلموا البرهان واعتسفوا فالحرب أجدى على الدنيا من السلم
والشر إن تلقه بالخير ضقت به ذرعاً وإن تلقه بالشر ينحسم
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم
لا يمكن أن تسلم الأمة بعزتها وكرامتها، حتى نقدم قرابين العزة، قرابين الجهاد، قرابين الشهادة لله جل وعلا، ما لم ترتو هذه الحدود بالدماء فلا أمن لكم أيها الأحبة، أقول هذا الكلام لا تخويفاً، بل تشجيعاً وحثاً على الجهاد في سبيل الله جل وعلا.
стр. 587
صور من اللطف الإلهي
واعلموا أيها الأحبة! مع هذه الأزمة وما فيها من المصائب، أن الله جل وعلا قد أظهر لطفه وهو اللطيف الخبير، دائماً حينما تصلون في تلاوة القرآن الكريم إلى نهاية مقطع الآية، ارعِ سمعك لها، وتأملها تأملاً جيداً، تجد حكمة عظيمة في مناسبة المقطع الأخير لموضوع الآية.
стр. 588
قلة المتضررين
لطف الله جل وعلا أيها الأحبة بكم شأنه عجيب جداً، وليس على الله بعزيز، فكما أن الله عظيم، فكذلك لطفه عظيم ، يسقط صاروخ أسكود على بناية، من أين يدخل؟ من النافذة، وينفجر في وسط البناية، حتى تحتوي البناية الأنقاض في داخله، فلا تسقط البناية يميناً فتهلك العمائر المجاورة، ولا تسقط شمالاً فتهلك العمائر المجاورة، وإنما يدخل الصاروخ مع النافذة.
وهذه الأنقاض يحتوي بعضها بعضاً، وكل يموت بأجله، وكل يجرح بقدره، أناس سمعوا الصفارة وقفوا في أتوبيس النقل الجماعي، عند البناية التي بنيت، وإذا بالصاروخ ينزل مع النافذة ويصيبهم ما يصيبهم من قدر الله عليهم، المسألة يا إخوان بمنتهى القضاء والقدر.
أقول أيها الأحبة: هذه من صور اللطف الإلهي من عند الله جل وعلا بهذه الأمة، وأمة تخوض حرباً كهذه الضحايا فيها بالآلاف، القتلى فيها بعشرات الآلاف، وحتى الآن لا نزال على مستوى لا أقول المئات، بل بالعشرات حتى الآن فيما قدمنا في هذه المعركة، فالحمد لله حمداً كثيراً أولاً وأخرى.
стр. 589
فشل صواريخ الباتريوت
كذلك من صور اللطف الإلهي، صواريخ الباتريوت هذه أيها الأحبة، صنعت منذ مدة طويلة، أو بداية التصنيع لها، ثم جربت فلم تظهر فعالية أبداً، إلا شيئاً قليلاً جداً، حتى فكرت الشركة المصنعة لهذه الصواريخ، وهذه تقارير دقيقة بإلغاء هذا الأمر، قالوا: هذا إنتاج يكلف الكثير، والجدوى الاقتصادية والمردود الفعلي من هذا الإنتاج ليس على مستوى البذل الذي يبذل فيه، ثم قدمت دراسة لهدف تطوير هذه الصواريخ، فطورت، وجرب منها أحد عشر صاروخاً على أهداف مختلفة، فلم يصب منها واحداً أبداً.
ثم تطورت وكان نسبة توقعات الذين أعدوها، ليست دقيقة أو عندهم التفاؤل الكبير فيها، وإذ بها تجرب هنا، فتعطي النتائج العجيبة الرهيبة، أليست هذه كرامة من كرامات الله لهؤلاء الموحدين؟ أليست كرامة مثل كرامات أفغانستان؟ والله إنها كرامة، وحري بالشباب أن يسجلوا كرامات الله لهم في هذه المعركة، هذه مسألة مهمة، وليست غريبة أو عجيبة، وفضل الله ورحمته ومنه وكرمه قد شمل هذه الأمة، لكن أقول: هي أمة ينالها الله برحمته، والله ليس في هذه البلاد أضرحة تعبد، ولا قبور يطاف عليها، ولا مزارات أو مشاهد يضحّى لها، أو يطوف الناس بها، يسألونها دفع الكربات وجلب الحاجات.
إذاً: فلا غرابة، ولا أقول: إن هذا حق على الله، أو المسألة معادلة، نحن لا نطوف بالقبور، إذاً لا بد أن ينصرنا، لا.
نقول: هذا برحمة الله، بمن الله، وبفضله وكرمه، وما يدعا لكم وأنتم نيام في هجيع الليل الأخير، من كبار السن من العجائز والشيوخ، الذين لا تعرفهم الكاميرات، ولا أجهزة الإعلام، وليس لهم اسم ذائع، ولا صيت بين، ولا شهرة معلومة، يرحمكم الله بهؤلاء، بعد منه وفضله ورحمته، وبما نقوم به من العناية بشريعة الله جل وعلا.
كل هذه من الأمور التي نتوسل إلى الله بها، أن تكون سبباً في حفظنا، والتوسل إلى الله بالأعمال الصالحة من أنواع التوسل المشروع.
أقول: طورت هذه الصواريخ حتى قاربت الإصابة فيها (٩٠%)، وكانت فيما قبل فاشلة، وقبل استخدامها في المملكة العربية السعودية كانت أسهم الشركة المصنعة لصواريخ الباتريوت منخفضة في أسواق البورصة الدولية وأسعار الأسهم العالمية، وبعد بداية الحرب، ورؤية البراهين القوية الناجحة في فعالية هذه الصواريخ، ارتفعت أسهم هذه الصواريخ إلى نسبة ومعدلات عظيمة جداً جداً، فهذه من نعم الله جل وعلا.
كذلك من لطف الله ينزل صاروخ في منطقة سكنية، فيسقط الصاروخ على الشارع، لا يسقط يمنياً على بيت، قد يكون فيه الآمنون، ولا يسقط شمالاً على بيت، قد يكون فيه الوادعون والمطمئنون، وإنما يسقط في الشارع، ملائكة تحمل جرم هذا الصاروخ الذي سقط رأسه، فتضعه في هذا الشارع، فلا يسقط يميناً ولا يساراً، أليس هذا من لطف الله بكم؟ العمارة التي سقطت، ما ظنكم لو أن الصاروخ سقط في عمارة، كارتفاع هذه العمارة سبعة أدوار أو ستة أدوار أو غيرها، مليئة بالسكان والنساء والأطفال والشباب والشيوخ، ما مستوى المصيبة؟ مئات القتلى والجرحى سيكون، لكن سقط على عمارة فيها أفراد لا يتجاوزن العشرات، بمختلف الإصابة الموجودة فيهم، وكانت خالية إلا من قليل من البشر، أليست هذه من كرامات الله؟ أليست من المبشرات التي تجعلنا نطمئن لما يدور في هذه الأيام، نسأل الله ألا يكلنا إلى أنفسنا بأي حال من الأحوال.
стр. 590
بما كسبت أيدي الناس
أيضاً مسألة أخرى أيها الأحبة: إن لله جل وعلا حكمة في أن يشمل هذا الانزعاج كافة الناس؛ لأن الغالبية من الأمة اليوم في غفلة، فمستقل ومستكثر، ولما بدأ ذلك المجرم الطاغية صدام حسين في ضخ البترول على مياه الخليج، والكتلة النفطية تضررت منها الحياة المائية، وسقطت الطيور أمواتاً هلكى على شطئان وخلجان وصخور الشواطئ، وظهرت الحيتان أيضاً مريضة وميتة، وتسممت الأسماك وتضررت؛ ذكرت قول الله جل وعلا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١].
أيدي تكسب يومياً الذنوب والمعاصي، وتجترح السيئات، والله إن من لطف الله بها أن يكون هذا نوع من أنواع الابتلاء والامتحان والتذكير والبأس الذي يدعوها إلى التضرع: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٣] هذه من نعم الله جل وعلا بالأمة، أن يكون إلى هذا الحد هو مستوى البلاء الذي يصيبها، وإلا يا أخوان مر بالناس زمان فيه غفلة عظيمة، تدخل على صاحب الفيديو، يا أخي الكريم! يا أخي الحبيب! لا تكن سبباً في هلاك الأمة، لا تبع للناس الفجور والفساد والدعارة، يا أخانا! يمكن أن ترى لنفسك، بدلاً من أن تجعل المصيبة والمعصية قاصرة على نفسك، تجعلها معصية متعدية فتنشرها على الناس جميعاً! مثل الذي معه سلاح، ليس ينتحر لنفسه، وإنما يقتل الناس معه ويقتل نفسه أيضاً.
تأتي إلى الآخر: يا فلان اتق الله، عد إلى الله، صلْ رحمك، بر والديك، صلاة الجماعة في المسجد، اترك الأمور المحرمة، دع الربا، دع المعاصي، وغفلة عظيمة لا يعلمها إلا الله جل وعلا ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١] ليذيقهم كل الذي عملوا؟ لا: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم:٤١] فأسأل الله جل وعلا أن يلطف بنا.
تقول عائشة: (يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟) الصالحون فينا يصومون ويصلون ويتهجدون ويزكون ويتصدقون، قال: (نعم، إذا كثر الخبث) إذا كثرت وانتشرت وظهرت الذنوب والمعاصي وفشت، والخبث هو الزنا، فنسأل الله جل وعلا أن يلطف بنا، وأن يتداركنا بمنه ولطفه.
أيها الأحبة! ومن العجائب والعجائب جمة، أن رجلاً أهله في لبنان يتصلون له، يقولون: تعال نحن في لبنان خائفين عليك.
كفا بك داءً أن ترى الموت شافيا وأن المنايا قد غدون أمانيا
كنا نظن أن الذي في لبنان، هو في أشقى الجحيم، فأصبح أهل لبنان يتصلون على أولادهم، يقولون لهم: تعالوا، رجل أهله يعيشون في لبنان يرسلون إليه رسالة، يقولون: تعال عندنا؛ خوفاً عليه، فزعاً عليه، فهذه من العجائب ونوادر هذا الأمر.
وعلى كل حال:
فالليالي من الزمان حبالى مثقلات يلدن كل عجيبه
يا نائم الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
стр. 591
أزمة الخليج ليست أول الأزمات والمصائب
أحبتي في الله: هل هذه أول مصيبة تقع على الأمة الإسلامية؟ لا، قبلها مصائب عظيمة، وهل هذه آخر مصيبة ستنالها الأمة؟ الله أعلم، إذاً لماذا ينزعج الناس هذا الانزعاج، وكأنها المصيبة التي ليس بعدها إلا قيام الساعة، ما الذي أصاب الناس؟ ألم يصب المؤمنين شدة بأس، دخل التتر والمغول بغداد حتى قال بعض المؤرخين: قتل من المسلمين ثمانمائة ألف، وفي بعض الروايات ألف ألف، أي: مليون من أهل السنة.
وفي الحروب الصليبية نزل النصارى على المسلمين في بيت المقدس، وخاضوا في دماء المسلمين، حتى خاضت الخيل إلى الركب في الدماء، أين أنتم من تاريخكم؟ وأين أنتم من ماضيكم؟ وأين أنتم من أسلافكم؟ هل هذه أعظم المصائب؟ وا خجلاه على أمة أفزعها الصاروخ يمر بسمائها.
إذاً ماذا يفعل الأفغان يا إخوان؟ يسقط صاروخ أسكود طوله ثلاثة عشر متراً بجوار خيامهم، ليس بجوار الفلل المسلحة (ثمانية عشر ملي حديد) (واثنين وعشرين ملي حديد) والسقف المزدوج وغيره، يسقط الصاروخ بجوار الخيام، وتطلق الغازات الكيماوية على المجاهدين، ويقول: خدا خدا، أي: يا ألله يا ألله بالفارسية أو بالبشتونية، وما عنده إلا أن يجأر ويتضرع إلى الله جل وعلا، وإذا رأى الغاز ينتشر ذهب إلى مواقع الطين، ويبلل ما يسمى بالبت، ثم يجعل اللثام على وجه، ثم يأخذ يدعو واللثام على وجهه.
هذا غاية ما يملكون، هل ضيعهم الله؟ هل نسيهم الله؟ إذاً أنتم لن ينساكم، فلماذا الفزع والهلع والخوف؟ الحمد لله رب العالمين على كل حال، الأمر الذي نريده يا إخوان، ألا نظن أن هذه آخر الفتن، أو أن نظن أن هذه أول الفتن، فقد سبق في تاريخ الأمة فتن أعظم من هذه، واحتوتها الأمة، ومرت بها، وجعلتها خيراً، واستفادت من الدروس والعبر فيها.
стр. 592
أخذ الدروس والعبر من الأزمات
كذلك أيها الأحبة! من الأمور التي ينبغي أن ننتبه لها، أن نأخذ الدرس والفائدة مما يدور، الآن كثير من الناس يقول: أنا أفزع من صوت الصافرة، وفعلاً صوت الصافرة مزعج؛ لأنه أمر غريب على الأسماع، تجد الصوت لا يزعج أذنك من شدة صوته، ولا يشوش ذهنك، ولكن يجعل في قلبك شيئاً من الانزعاج تقريباً، وهذا أمر ملحوظ، تقول امرأة من النساء: والله إني إذا سمعت الصافرة أهتم وأحزن، قلت لها: لماذا؟ قالت: لأني أتذكر النفخ في الصور.
الأولى أن نجعل من القضايا التي تحصل الآن عبراً ودروساً، وفعلاً: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾ [النبأ:١٨] ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ الآية﴾ [النمل:٨٧] ليس بالفزع الذي الواحد يقوم من نومه، والذي يسحب رداءه، والذي يسحب بطانيته، النفخ الحقيقي في الصور هو أحرى وأولى أن يهتم وأن ينشغل الناس بالإعداد والاستعداد له، أن نجعل في هذه الأمور عبراً وأي عبر، ولو أننا اعتبرنا فيما نرى وفيما يحدث من الحوادث، لكان لنا معها شأن عظيم.
والشيء بالشيء يذكر في باب العبر، في حج العام الماضي لما تدافع الناس في نفق المعيصم، وحصل ما حصل فيه من الجرائم، وحدث أن خرج الناس عراة، لا إزار ولا رداء، يخرج المرء وعورته (قبله دبره) مكشوف للناس أجمع، فيأتيه الحاج الآخر، يقول: يا فلان استر عورتك! وهو يمشي كالمجنون لا يدري أن عورته بادية، فأتذكر قول النبي ﷺ : (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا، قالت عائشة: يا رسول الله! النساء والرجال؟ قال: يا عائشة الأمر أكبر من ذلك).
إذا كان نفق اسمه نفق المعيصم، تدافع الناس فيه فخرج الناس عراة، شغلوا وذهلوا عن أنفسهم، تدافع بسيط في شأن من شئون الدنيا، يخرج الواحد يذهل عن نفسه فيخرج عريان فلا يدري، فما بالك إذا كنت في يوم القيامة، الأمر أعظم من ذلك، فينبغي أن ننتبه، وأن نستفيد من هذه الأمور التي تحصل.
كذلك أيها الإخوة! حينما نرى لهب هذه الصواريخ، حينما نرى صوت هذه الرجفة أو الوجفة في سقوط الصاروخ أن نعتبر بها؛ لأن هناك من أحداث الآخرة ما هو أشد وأدهى وأعظم من ذلك، فهي أولى بالتدبر وأولى بالتفكر والاعتبار.
стр. 593
قتال العراقيين جهاد
هنا مسألة أيها الأحبة! حصلت فتنة في نفوس بعض الناس، قال بعضهم: هذه مصالح أمريكية بحتة، وقال بعضهم: هذا جهاد في سبيل الله بحت، واختلف الناس، وأحجم بعض الصالحين، وأصاب الناس نوع من الفتنة، يسألك الجندي: لو قتلت على حدودنا، هل أقتل مجاهداً؟ هل أموت شهيداً في سبيل الله؟ الناس في شك وريبة، وحينما تحصل الفتنة ينقذ الله جل وعلا أمة الإسلام بالقول السديد من صالح العلماء.
لقد مرت الأمة بفتنة عظيمة بعد موت النبي ﷺ ، كما يقول أحد السلف: فأنقذها الله بقول أبي بكر في الفتنة، في قتال المرتدين ومانعي الزكاة، وكانت نصرة للإسلام والمسلمين، وأيضاً أنقذ الله الأمة في عهد المأمون بالإمام أحمد بن حنبل، في الفتنة بخلق القرآن، فتن الناس فتنة عظيمة وثبت الإمام أحمد، حتى انجلت هذه الغمة، ومرت بعدها فتن، وأنقذ الله الأمة بصالح العلماء.
ومرت الآن بنا هذا الفتنة، فأنقذنا الله جل وعلا بقول الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، شرح الله صدره للحق في هذه المسألة، وتبعه عدد كبير غفير من العلماء ووافقوه، قالوا: قتال هذا الطاغية في العراق جهاد في سبيل الله جل علا، ومن قتل في هذا نسأل الله أن يكون من الشهداء إذا أحسن نيته، وراجعوا هذا الكلام في مجلة الدعوة في العدد الماضي في هذه المسألة.
فيا إخوان! لماذا تختلف الآراء؟ لماذا نختلف وبعضنا يصيبه نوع لا أدري ماذا أسميه في الحقيقة، الأجلاء من علماء الأمة أفتوا في هذه المسألة، وإن قتال هذا الطاغية في العراق جهاد واجب، يقول الشيخ عبد العزيز بن باز في قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩].
قال: إذا كان القتال مشروعاً في حق الفئة المؤمنة التي بغت، فمن باب أولى أن يشرع القتال في حق الأمة الكافرة، وهل يشك أحد في كفر طغيان البعث والحرس الجمهوري وطواغيت العراق؟ لا أحد يشك في هذا، إذاً فلماذا التردد! نحن الآن نعيش مرحلة جهاد في سبيل الله، كما يعيش المجاهدون في أفغانستان جهاداً في سبيل الله، واعلم أنك إن تكفل أسرة جندي من جنودنا على الحدود، فأنت تعمل بقول النبي ﷺ : (من خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا، ومن جهز غازياً فقد غزا) أم لا يصلح الجهاد إلا هناك وعندنا لا يوجد جهاد؟ لا.
ينبغي أن ندرك هذه المسألة إدراكاً دقيقاً، والمصيبة أن البعض يقول: لا.
لعل بعض العلماء لا يدركون حقيقة الوضع، أصبحنا نتعلل بهذه المسألة إلى درجة أننا جعلنا علماءنا أغبياء، هل تفوت على كبار العلماء، وعلى رأسهم سماحة الشيخ والأجلاء من علماء الأمة أن هذه المسألة فيها تضليل أو شيء من هذا؟ هم يدركون حجم المصيبة.
لماذا جاءت القوات الأمريكية؟ لماذا اشتركت؟ هل جاءت حباً فينا؟ هل جاءت جهاداً في سبيل الله؟ ماذا وراءها؟ ما موقفنا؟ ما هي واجباتنا؟ أعطوا كل أمر قدره، وأخرجوا هذه القضية قضية قتالنا نحن جيشنا، السعوديون ومن قاتل معهم، ممن يحتسب قتال هذا الطاغية لكفره ولبعثه ولردته، ولدفع عدوانه عن بلاد المسلمين، من يحتسب هذا لوجه الله فهو جهاد في سبيل الله، وأفتى بهذا العلماء.
ثم بعد ذلك يأتينا من يقول: لا.
ربما بعض المشايخ لا يعرفون، سابقاً كنا إذا قلنا: يقول الشيخ الفلاني هذه المسألة، يقول: خالفكم الشيخ ابن باز في هذه المسألة، والقول ما قاله الشيخ، أي: على العين والرأس أن نجعل قول سماحة الشيخ هو المعتمد، والآن لما جاءت الفتنة والشوكة، وجاء الحرب والقتل والقتال، جئنا نقول: الشيخ مضلل عليه، هذه مسألة خطيرة، وتدل على عدم الأدب والثقة حسب المطلوب الكامل مع العلماء.
ينبغي أن نعطي علماءنا قدرهم، وأن نعرف لهم وزنهم، وأن نعرف أن الذين كنا نرجع لهم في مسائل الطلاق، والبيع والشراء، والحوالة والضمان، والصلاة والصيام والزكاة، أيضاً نعود لهم في الجهاد، لا أن نجعل السؤال عن الطهارة، وعن الصلاة والزكاة والصوم، ولما جاء القتال؛ أتينا نبحث يميناً ويساراً، هذا التسلل هذا إما أن يكون جبناً وخوفاً، والجبان الخائف يتتبع الرخص من أقوال المخالفين، وإما أن يكون عدم ثقة بالعلماء، وهذه أدهى وأعظم من الأولى ولا حول ولا قوة إلا بالله! هناك من تناقشهم في هذه المسائل، يقول لك: كلام ابن باز على العين والرأس، لكن يبقى هناك مشايخ آخرون خالفوه في هذه المسألة، الآن علماء ابن باز، ومن وافق من أجلاء علماء المملكة، والعلماء الآخرون، كلهم قالوا: إن هذا جهاد في سبيل الله جل وعلا، أو هذه القضية على وجه الدقة والتحديد مربع أو مثلث، الضلع الذي يخصنا نحن، يخص جيشنا وقواتنا، هو الجهاد في سبيل الله، حتى لا نتردد في هذه المسألة.
وإني أسأل إخواني يوم أن خرجت ثلاث عشرة سيارة تقودها البنات والنساء، ولا ألومكم وأنا معكم، كلنا وقفنا وقفة رجل واحد ضد هذه القضية التي عرفنا ما وراءها ومن دبر لها، ومن يبعثها ومن يخطط لها، اتفقت آراؤنا وأقوالنا في قضية قيادة المرأة للسيارة، وخطورتها وأبعادها؛ ولما جاءت قضية الجيوش البعثية المحتشدة على حدودنا أخذنا نقلب الأقوال والآراء، اتفقنا على قضية قيادة المرأة، وعجزنا أن نتفق على قضية أمة يوشك أن تداس وتدنس وتغتصب وتنتهك، كما حصل لإخواننا الكويتيين، أي ورع إن كان هذا ورعاً؟! ينبغي أن ننتبه لهذه القضية الخطيرة يا إخوان، ثم مع هذا كله، وفوق هذا كله، كلٌ يبعث على نيته، النبي ﷺ قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد، من قتل دون عرضه فهو شهيد) جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إن جاء رجلٌ يريد مالي؟ قال: خوفه، قال: فإن لم يخف؟ قال: قاتله، قال: فإن قتلني؟ قال: أنت في الجنة، قال: فإن قتلته؟ قال: هو في النار).
هل بعد هذه النصوص ما يجعل أحدنا يتردد في الحكم على هذه القضية الدائرة الآن؟ هذا فيما يتعلق بنا نحن، أما فيما يتعلق بالقوات الأمريكية، فلا شك أنها جاءت حفاظاً على النفط، حفاظاً على المصالح الاستراتيجية التي تتعلق بهم، النفط شريان الحياة بالنسبة للعالم الغربي، هذه مسألة مهمة، وينبغي أن ندركها جيداً، وإلا لو جاءت هذه الدول وجاء الحلفاء لإنصاف المظلوم، فلماذا لم ينصفوا المجاهدين في أفغانستان؟ لماذا لم ينصفوا الناس في الحبشة وفي أثيوبيا؟ لكن الحمد لله الذي جعل مصالحهم عندنا، حتى يسخرهم الله لنا في الوقوف أمام هذا الطاغية، وإلا والله يا إخوان لا أقول هذا إرجافاً ولا تثبيطاً: هذا الطاغية بقول المحللين والعسكريين الكبار الذين يرصدون ويرقبون هذا الأمر، عنده مخزون من الأسلحة طوال الحرب العراقية الإيرانية لا يخطر لكم على بال، وحسبكم أن الطلعات بلغت الآلاف وهي لا تزال تدك في قوته العسكرية، والله لو ملك أن يغرقكم في حمام من الدماء لما ترك إلى ذلك سبيلاً.
حتى لا يقول أحد: إنه دخلتنا العواطف، أو دخلتنا هذه المسائل، كيف وقد رأينا ما فعل بالإخوة الكويتيين، البنات يغتصبن، الأعراض تنتهك، الأموال تسرق، الصبايا يقتلن، الأطفال يموتون جوعاً وعطشاً، الثكالى والشيوخ والعجائز يشردون، ماتوا على الطرق حراً وعطشاً وجوعاً، أتظنون أن هذا سوف يعامل أهل الكويت بمكيال، ويعاملكم أنتم بمكيال؟ لكن يا عباد الله! احمدوا الله جل وعلا أن جعل مصالح هذه الدول في أرضكم، فسخرهم الله للحفاظ على هذه المصالح، وأيضاً لهم هدف آخر، حتى لا تكون هذه القوة يوماً ما ضربة في إسرائيل، وهذا أمراً ندركه جيداً، ولكن يا إخوان:
البعث بعث في العراق وغيره تتواصل الأسباب بالأسباب
هل تظنون أن البديل في العراق، حتى لا تضرب القوة العسكرية بديل إسلامي يمكن أن يسخر لخدمة القضية الفلسطينية، أو لإنصاف المظلومين في فلسطين؟ حتى نقول: لا.
ادفعوا هذا الطاغية، واتركوا قوته العسكرية، ليستفيد العرب في المواجهة القادمة، لا والله، البديل الآن، إما بديل اشتراكي شيوعي أو شيعي، يتنافس على المنطقة الآن، وكل يعد أوراقه، ونسأل الله جل وعلا أن يأتي بأمر من عنده ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة:٥٢] أن يأتي بديل لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، على الأقل أن يأمن الأبرياء على أعراضهم ودمائهم وحدود حرياتهم التعبدية في شعائرهم.
ينبغي أن ندرك هذه المسألة جيداً يا إخوان.
لما حصلت هذه الفتنة، شاب آخر يقول: للأسف أن هناك مشايخ يسمون الآن قتال الجيش السعودي جهاد في سبيل الله، إذاً ما هو الجهاد؟ ماذا تسمي الجهاد إن لم يكن صد هذا العدوان؟ أسألكم بالله لو أن القوات العراقية استولت على الحفجي استيلاءً كاملاً وبقيت فيه، هل سيأتي الشيخ عائض القرني أو سلمان العودة ليلقي محاضراته كالمعتاد في الخفجي؟ على أبسط مثال يفقه الصغير والكبير.
إذا سرق سارق في الخفجي هل ستقطع يده، أو يحال للقانون العراقي؟ إذا قتل قاتل هل يقتل؟ إذا أقيم ضريح ومزار يعبد من دون الله، وينذر، ويتوسل به وإليه في دفع الكربات وجلب الحاجات، هل سيجد المنكرون سبيلاً إلى إزالته وهدمه؟ لا والله، إذاً ما هو الجهاد إن لم يكن هذا الجهاد؟ ما هو الجهاد أيها الإخوة؟ ثم أيضاً إن المجاهد في سبيل الله قد يكون فاسقاً، المجاهد قد يكون عاصياً، يسألني أحد الرجال في الحرس الوطني من الجنود، كأنه يذكر على نفسه بعض الذنوب والمعاصي، إذا قتل في هذه المعر
стр. 594
مسألة المظاهرات في الشارع الإسلامي
وأما ما يسمى بالشارع الإسلامي، مظاهرة في الجزائر تندد بالقوات الأجنبية، وتدعو إلى التضامن مع المجاهد الأكبر صدام حسين عبد الله المؤمن.
أنا لا أدري من أين دخل الجهاد في هذا الرجل؟ دخل الجهاد من أربعة وستين ألف حانة من حانات الخمور في أنحاء العراق! دخل الجهاد من قتل الشيخ عبد العزيز البدري بعد أن أفتى بقوله في الاشتراكية، وقطع إرباً، ووضع في كيس، وسلم لأهله، فقام أخوه أمام الناس وأخرج أشلاء أخيه يقول: انظروا ماذا فعل؟ خرج الجهاد من قتل الشباب عندما جمعوا تبرعات لـ أفغانستان في العراق! خرج الجهاد من الأضرحة التي تعبد من دون الله جل وعلا، ومن تحكيم القوانين الوضعية.
خرج الجهاد من الجهل بالدين والبدع المنتشرة، من أين يخرج الجهاد؟ يخرج الجهاد من عقول السذج والغوغاء والبسطاء، الذين تنطلي عليهم هذه الحيل، ولذلك يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ:٤٦].
لأن الجماهير والجموع تردد، الآن أربعة منكم لو أخذناهم يمشون في مسيرة، وأخذت المسيرة تردد شعار، ستجد نفسك بعد لحظات تسخن ثم تصبح مثل أسكود، تنطلق معهم وتردد ما لا تشعر، وكما يقول خبراء علم النفس، قالوا: المظاهرات تبدأ أولاً بمطالبة، أي: مظاهرات العمال مثلاً في أي دولة من الدول الغربية تبدأ بزيادة الأجور، نريد زياد أجور عمال المناجم ومحطات البنزين، مارك أو دولار أو جنيه كل شهر، ثم تسخن المظاهرة بعد قليل، نريد رفع الظلم والاستبداد ضد الطبقة الكادحة، يبدأ الشعار يسخن، نريد إسقاط الحكومة، ويبدءون يرددون، نريد أن نتوجه إلى مقر الرئاسة، ثم يقتحمون هذا المقر ويحصل الشغب.
يا إخوان! حينما يعود بعضهم إلى بيته، يقول: عجيب نحن خرجنا بتنظيم من نقابة العمال، على أننا نطالب بزيادة مارك شهرياً، ما هو الذي جعلنا نطالب بإسقاط الحكومة؟ دل ذلك على أن أسلوب الغوغاء والتجمعات والبسطاء هؤلاء، يجعل الإنسان يدخل في نظام دون أن يشعر، ويردد ما لا يفقه ولا يدري، وهذا أمر ملاحظ ومجرب، وعلى حد قول ابن الجوزي: مر أحدهم برجل واقف مع أناس يضربون رجلاً، فقال له: لماذا تضربونه؟ قال: والله لا أدري وجدتهم يضربون، فخلعت نعلي أضربه حسبة لله، فالعمل مع الجماهير بهذه الطريقة الغوغائية يجعل الإنسان يفعل ما لا يفقه، ويردد ما لا يدري.
فنقول أيها الأحبة: إن ما يسمى بمظاهرات الشارع الإسلامي في هذه القضية، ليست عبرة أو حجة، ومن المؤسف أن بعض الدول حتى من فيها ممن ينتسبون إلى العمل الإسلامي والجماعات الإسلامية، ولا نقول هذا الكلام عداوة للجماعات الإسلامية، ولكن لبيان خطورة ما تمر به الأمة من الأزمة المعاصرة، أنهم دعوا إلى المناظرة العلنية على الملأ ورفضوا.
بعض قيادات الجماعات الإسلامية قيل لهم: تعالوا، أنتم تؤيدون صدام حسين، أم تقولون: لماذا يضرب العراق؟
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجم
لا شك سيكون فيها ضحايا، ولكن من أجل ألا يجرح من في العراق، ترضى الأمة بتشريد الكويتيين ونرضى نحن بحشد الحدود علينا والدخول إلى أراضينا، لا والله.
والناس إن ظلموا البرهان واعتسفوا فالحرب أجدى على الدنيا من السلام
هذه مسألة، إذاً الذين يطنطنون وراء هذه المسألة، قد دعوا إلى المناظرة الشرعية أمام الجماهير في وسائل الإعلام، وعدد ممن يتبنون القول بالوقوف مع طاغية العراق صدام حسين رفضوا المناظرة الشرعية، إذاً ماذا تريدون؟ عدد من العلماء ذهبوا إلى بغداد، ولما وصلوا إذا بالمهيب الركن يخرج على التلفاز، ويؤكد أن الكويت الولاية رقم تسع عشرة من ولايات العراق، ولما جاء العلماء لمقابلته، قال: أهلاً وسهلاً بكم في كل ما تريدون إلا الكويت، فهي ولاية من ولايات العراق لا يمكن التفاوض عليها.
وهل بعد هذا بلاء؟ وهل بعد هذه مصيبة؟ هذه أيضاً من أخطر المسائل التي فتنت بها الأمة في هذه الأزمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كذلك الذين يقولون ويطنطنون خاصة في إذاعة عمَّان.
стр. 595
الأنظمة لا تعني عداوة الشعوب
وبالمناسبة فحينما نتكلم عن دولة معينة، فإننا لا نعادي الشعوب، أخوك المسلم العراقي، وأخوك المسلم اليمني، وأخوك المسلم الأردني، وأخوك المسلم المصري، وأخوك المسلم السوداني: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣].
لا مجال للإقليمية في العمل الإسلامي، والدعوة إلى الله جميعاً، نبيكم لكم جميعاً، للأبيض والأحمر والأسود، للعرب والعجم، لا نكون عصبية إقليمية سعودية فحسب، لكن نقول: بالنسبة للأنظمة، بالنسبة للأبواق المأجورة، بالنسبة للأيدي والأقلام المستأجرة، هذه لا محل ولا مكان لها عندنا.
الذين يطنطنون بقضية فلسطين، ويقولون: جعلوا القضية الكبرى قضية الوجود الأمريكي وما يتعلق به، وهذه أيضاً من المصائب، نحن أولاً أيها الإخوة، لا نقول: إن وجود القوات عندنا خير محض، بل فيهما إثم كبير ومنافع للناس، هذه مسألة اعرفوها جيداً، هذا الوجود ليس خيراً محضاً، وإنما ظهر الآن أن خيره أكثر من شره، وإلا فيه شر، هذه مسألة.
المسألة الثانية: النبي ﷺ إذا خطب الناس يقول: ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، أي: النفس فيها شر، وفي السنة أن الرجل إذا بنى بزوجة أن يضع يده على ناصيتها ويقول: وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه، أي: الزوجة قد يكون فيها شر، فلا يمكن أن تكون قوات الحلفاء كلها خير، بل فيها شر، لكن فيما يظهر ويحصل الآن نرى خيراً يغلب على الشر، ونسأل الله أن يكون نهاية هذا الشر، بزوالهم ورحيلهم بعد نهاية هذه الأزمة، ودحر هذا الطاغية الباغي في عدوانه.
ينبغي أن يكون -يا إخوان- عندنا موازين نعقل بها الأمور، وألا نأخذ كل فكرة بتسليم بحت، أو أن نعتبر أن هناك خيراً لا شر فيه، أو شراً لا خير فيه، لا.
ينبغي أن نعطي الأمور مقاييسها وموازينها: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨].
فواجبنا أن ننظر بعدل، والنبي ﷺ ، جاءه عتاب من الله جل وعلا؛ لما سرق أحد المسلمين، واتهم بها أحد اليهود، نزلت الآيات تعاتب النبي ﷺ : ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً﴾ [النساء:١٠٥] فهذه أمة عدل وعدالة، لا بد أن نعطي الأمور مقاييسها الدقيقة بكل حال من الأحوال.
ثم بعد ذلك أيها الإخوة! الذين -كما قلت- يبكون على دماء فلسطين، والله لن يكونوا أصدق منا في حبنا لـ فلسطين، ولن يكونوا أتقى منا في الرأفة والرحمة بالفلسطينيين، إذاعة عمان: الفلسطينيون، فلسطين فلسطين، يا حكام الأردن! ماذا فعلتم بالفلسطينيين في مذبحة أيلول الأسود، أكثر من خمسين ألف فلسطيني ما بين طفل وامرأة وبنت وفتى وفتاة، ذبحوا لما حسوا أن هناك ريحة خطر على الحكم الأردني، قتل خمسين ألفاً أو أكثر من ذلك، والله إن ما قتل في مذبحة أيلول الأسود يفوق ويزداد عن عدد القتلى في مذبحة تل الزعتر وصبرا وشاتيلا ودير ياسين.
إذاً: من الذي يبكي على دماء الفلسطينيين؟ يبكي عليها الذي يذبحهم في أيلول الأسود، أم تبكي عليهم المنظمات التي ترتب للاغتيال ترتيباً دقيقاً، من الذين يبكي على الفلسطينيين؟ نسأل الله جل وعلا أن يأتي بذلك اليوم الذي يكبر فيه المسلمون من جميع أنحاء العالم في فلسطين، فاتحين مكبرين مهللين مقاتلين لليهود، الصدق في القضية الفلسطينية ليس الدعاوى الكاذبة الرنانة.
ما قتل من الفلسطينيين في مذبحة أيلول الأسود أكثر مما قتله اليهود، وهذه كلمة حق، ولا نبرِّئ فيها اليهود، بل أن قطرة دم طفل فلسطيني أعظم عند جميع المسلمين من أي شيء آخر، وقطرة دم بريء عراقي أيضاً ليست هينة علينا، لكن هناك أمور تحتاج إلى الحزم والحسم والبتر، وتحتاج إلى النهاية، وألا تبقى المصيبة تمثيليات ومسرحيات، ويعيش الناس في فزع لا يعلم حدوده ومنتهاه إلا الله جل وعلا.
إذاً: أيها الأحبة! ينبغي أن ندرك جيداً، أن عداوة الأنظمة لا تعني عداوة الشعوب، فإن كان هناك نظام وقف موقفاً سيئاً وسلبياً ضد المسلمين في المملكة، وضد علماء وحكام المملكة، فإن ذلك لا يعني أن نعادي الشعوب أبداً، كنت في بداية الأزمة في محل (بوفية) ووقفت أشتري حاجة لأحد الصغار، فقلت لرجل يمني في البوفية: لماذا موقف حكام اليمن هكذا؟ قال: يا أخي! أنا ليس لي دخل وكاد أن يبكي، قلت: يا أخي! أنت أخي وحبيبي، وأنت ليس بيني وبينك أي شيء، عداوات الأنظمة لا تعني أني أعاديك، ما ذنبك أنت حتى أعاديك وأتسلط عليك؟ فانبلج وجهه بالأسارير والبشر، وانطلق مرة أخرى.
فينبغي أن ندرك أننا كوننا نحارب العراق لا يعني أن نكره كل عراقي، لا والله، أو نكره كل أردني، وكل فلسطيني، لا.
لكن أن نعطي الأمور مقاييسها وموازينها، وإلا لو نفذنا ما أرادته السياسة اليهودية العالمية، في أن تحدث العداوات، الشعب السعودي كله يكره الشعب الأردني كله، يكره الشعب العراقي كله، يكره الشعب اليمني كله، عند ذلك يصبح الإنسان عدواً لجميع من حوله من المسلمين، وحينما تأتي حرب فاصلة بين الإسلام والكفر، يأتي اليمني يستنجد: يا سعودي، أقول له: لا.
أنت يمني، سبق أن تعادينا، يأتي السعودي يا عراقي، أقول له: لا.
أنت عراقي.
ويأتي كل منا يعير الآخر بجنسيته وإقليميته، فنقف هكذا أحزاباً وجماعات، فيقتلنا أعداء الإسلام بهذه الطريقة، لكن ينبغي أن ندرك أن الوضع القائم وضع مشروع، خاصة وقد رأينا كيف دخل هؤلاء في الخفجي، واستماتوا استماتة عجيبة وغريبة، قدم جند حزب البعث دماءهم على أرض الخفجي لله؟! في سبيل الله؟! لينصفوا مظلوماً؟! ينقذوا امرأة؟! وهذا الحماس للباطل، فأين حماسكم أنتم في الحق؟ وأين بسالتكم وتضحياتكم وجهادكم؟ ينبغي أن ندرك هذه المسائل حتى لا يحدث الشرخ في ولاء المسلمين بعضهم لبعض.
стр. 596
العداء للإسلام من ثوابت السياسات اليهودية والنصرانية
أخيراً أيها الأحبة! ينبغي أن ندرك أن العداء للإسلام من ثوابت السياسات اليهودية والنصرانية، حتى وإن وقفوا معنا موقفاً يساعدنا ويساندنا، والحمد لله الذي سخرهم لنا فيه، لا يعني ذلك أن تبقى أمريكا حبيبة القلب والروح، أو تبقى دول الحلفاء حبيبة القلب، لا والله.
نحن نشكر الله أن سخرهم لنا في هذا المضمار ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣].
كلمات الشكر يمكن أن نزجيها لهم في صد هذا العدوان بمشاركتنا فيه، لكن أن نحبهم، أن نشعر في القلب بطمأنينة وارتياح وولاء وخضوع لهم، لا.
هذه مسألة من أخطر المسائل التي نحتاج إلى فهمها، والتفريق فيها في كل حال.
مسألة فاتت عليّ بالمناسبة فيما يتعلق بالشارع الإسلامي، في إحدى الدول قامت مظاهرات تريد المشاركة مع المجاهد الأكبر صدام حسين، لطرد القوات ومقاتلة الحلفاء، أحد المسئولين السياسيين في تلك البلد، أحضر سيارات وقال للذي سيذهب يقاتل مع صدام هذه سيارة يركبها، لم يقف إلا أربعة، فوجدوا أن السفارة العراقية قد أعطت هؤلاء المتظاهرين أجوراً على هذه المظاهرة، خذ استلم واذهب ظاهر مع الناس لا أقل ولا أكثر، فينبغي ألا ننزعج من هذه المسألة أبداً.
стр. 597
إيجابيات أزمة الخليج
стр. 598
اقتناء السلاح والتدرب عليه
وينبغي ألا نكره هذه المصيبة، فلعل أقل ما فيها أن الناس أصبحوا يحبون أن يقتنوا السلاح، أن يتدربوا على السلاح، أن يحدثوا النفس على الجهاد: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو؛ مات على شعبة من النفاق) أصبح الإنسان يشعر أن الدولة ليست هي كل شيء، نعم الدول من واجبها إعداد الجيش، القوة العسكرية اللازمة لصد العدوان، لكن لا يعني ذلك أن يبقى الإنسان امرأة.
كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول
أن يبقى الإنسان امرأة لا يعرف كيف يقاتل أو يدافع، أو يتدرب ويتطوع، أو يتمرن، لا.
(ارموا واركبوا، ولأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا) (ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميا) (من تعلم الرمي ثم تركه، فتلك نعمة جحدها أو كفرها).
أمة جهاد: الرمي وصية أحد الصحابة: [علموا أبناءكم السباحة والرماية وركوب الخيل] أن تتعلم الرجولة، لعل هذه من الأمور التي بينت لنا حاجتنا إلى أن نتعلم حمل السلاح، وأن نتعامل معه جيداً.
стр. 599
كشف الصداقات العربية الزائفة
كذلك من الإيجابيات في هذه المحنة، كشف الصداقات العربية الزائفة، كنا نظن دول المواجهة والصمود والتصدي، وجبهة كذا وجبهة كذا، والقوة العربية والوحدة العربية، ومؤتمر القمة، والذي عنده تسجيل وثائقي بالفيديو لآخر مؤتمر قمة عربي عقد في بغداد، يقارن به الوضع الحالي في واقع الدول العربية، تضحك وتملأ فاك بالضحك، من الشعارات والكلام والعبارات الجوفاء، وفي نفس الوقت تجد الواقع الذين نعيشه:
وإخواناً جعلتهم سهاماً فكانوها ولكن في فؤادي
وإخواناً حسبتهم دروعاً فصاروها ولكن للأعادي
فمن نعمة الله أن الأمة عرفت أعداءها، وعرفت كيف تواجه وكيف تقف، وكيف تعطي وكيف تمنع وكيف تمول، كل هذه لعلها من الدروس التي نفيدها ونستفيدها من هذه القضية الخطيرة.
стр. 600
زيف الشعارات الجوفاء
كذلك من الدروس أيها الإخوة! لا حياة لنا، ولا عزة لنا، لا بقاء لنا بالشعارات الجوفاء، التراب العربي، والأرض العربية، والدم العربي، والكلام الفارغ كله أثبت فشله للمرة الخامسة والستين، ليس للمرة الثانية، العروبة في حرب سبعة وستين أتت بالمصائب في حرب الأيام الستة، في حرب ثلاثة وسبعين، لم تأتِ هذه العروبة على الأمة بخير أبداً؟ لأن التجمع على أساس العصبية والإقليمية تجمع فاشل أبداً.
لكن التجمع على الكفر يختلف، ألمانيا الشرقية لما هدم سور برلين ودخل الألمان الشرقيون إلى ألماني الغربية، فتح الألمان الغربيون لهم صدورهم، وفتحوا الكنائس لهم، وأخذوا يمدونهم ويعطونهم، وتذكروا قول الله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣] ولاية حقيقة بين الكفار فيما يعتقدونه، أو على الأقل في عداوتهم للإسلام ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣] إن لم نكن نحن على مستوى الولاء الكامل للعقيدة والدين؛ تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.
فلا بد أن ندرك أن دعاوى العروبة دعاوى فاشلة، وأنه لا يمكن أن نتحد إلا بالإسلام، لا يمكن أن نجتمع إلا على الإسلام، دعوى العروبة ودماء العروبة والكلام الفارغ، وجميع الشعراء الذين شاركوا في مهرجانات المربد الثقافية في العراق، وما يتعلق بها، وطالما تغنوا بأغصان الشجر العربي، والطير العربي، والعروبة وما أدراك ما العروبة، وكما يقول الشيخ عبد الرحمن الدوسري أسكنه الله فسيح جناته، وجمعنا به في مستقر رحمته وإياكم، يقول: كانوا يدرسون الطلاب أنا عربي عربي أحب كل عربي، العروبة جروبة، ﵀ رحمة واسعة، كان يفقه هذه القضايا السياسية من سنين طويلة مضت، والآن يرى العرب هذه الشعارات التي كانوا يتغنون بها.
هذا ما جرته العروبة ولا حول ولا قوة إلا بالله، فلا بد إذا كان هناك ولاء وتجمع وتكتل، فليكن على سبيل الحق، وفي سبيل الدين وشعار الإسلام والعقيدة: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣] ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢] أن نجتمع على دين، وأن نحمله بقوة عظيمة بإذن الله جل وعلا.
следующие страницы →