Полный текст (3 155 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله
إن الله قد بين فضل الجهاد في كتابه سبحانه، ورتب عليه أعظم صفقة وتجارة، وهي: بيع النفس لله ، وقد وردت الأحاديث المستفيضة التي تبين فضل الجهاد والشهادة والرباط في سبيل الله ، ولكن الناظر في حالنا اليوم يجد خلاف ما كان عليه الصحابة من بيع نفوسهم رخيصة في سبيل الله، وإقدامهم على الموت، وفي هذه المادة بيان لفضل الموت في سبيل الله في الدنيا والآخرة.
стр. 2
المرء مع من أحب
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبادئ ذي بدء! أتوجه إلى الله جل وعلا متوسلاً إليه بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، واسمه الأعظم، أن يجعل لي ولكم من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كلٍ بلوىً عافية، ومن كل فاحشةٍ أمناً، ومن كل فتنةٍ عصمة، كما نسأله سبحانه أن يجعل مجلسنا هذا روضة من رياض الجنة، وحلقةً من حِلق الذكر التي تكتب لنا في موازين أعمالنا، تغشاها السكينة، وتحفها الملائكة، وتتنزل عليها الرحمة، ويذكر الله هذه الوجوه فيمن عنده.
أحبتي في الله! شأن الجهاد والرباط والشهادة في سبيل الله عظيم، وإن من المصائب -وأقولها- أن يحدثكم في هذا الأمر واحدٌ من القاعدين، وسامح الله الإخوة حيث اختاروني للحديث في هذا الموضوع، وكان الأولى أن يختاروا واحداً من المجاهدين الذين عرف النقع لهم أثراً، وعرفت الميادين لهم بلاءً، ولكن:
أعيذها نظراتٍ منك صادقةً أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
الحاصل أنهم ما أحسنوا الاختيار، وكان الأولى أن يتحدث في هذا الموضوع ممن عرفوا بالبسالة والبذل والجهاد في سبيل الله جل وعلا، ولكن: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! متى الساعة؟ فقال ﷺ : وما أعددت لها؟ فقال الأعرابي: ما أعددت لها كثير عمل، ولكني أحب الله ورسوله، فقال ﷺ : أنت مع من أحببت يوم القيامة).
وجاء آخر وقال: (يا رسول الله! الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ فقال ﷺ : المرء مع من أحب) وحسبنا أن نكون ممن أحبوا الجهاد، ونسأل الله أن يكون حبنا للجهاد في سبيله خالصاً لوجهه، وأن يكون حديثاً للنفس، وأن يكون بذلاً صادقاً، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة:٤٦].
ونسأل الله ألا نكون ممن قال فيهم في بقية الآية: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦] نسأل الله جل وعلا أن يجعل حبنا للمجاهدين والجهاد في سبيل الله في موازين أعمالنا، والهوى نوعٌ من المحبة، والمحبة في الموازين: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) ومن أبغض دين الله، أو أبغض شيئاً من دين الله ولو عمل به فإنها من الأمور التي تخل بعقيدته، بل قد تجعله من المارقين من الدين، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب نوّر الله ضريحه، وجمعنا به وإياكم في الجنة: ومن نواقض التوحيد: من كره شيئاً مما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ ولو عمل به، واستدل بقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩].
стр. 3
التجارة العظيمة والصفقة الرابحة
أيها الأحبة: شأن الجهاد عظيم، وفضله جليل:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها
والحاصل أيها الأحبة! أن لذة الجهاد لا يحصرها قلم، ولا يصفها لسان، ولا يحيط بها بيان، ولكن أن نتعرف إلى الشيء بملامحه وسماته، ففي هذا خيرٌ عظيم من عند الله جل وعلا، يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] إن الله أصدق قيلاً، وأصدق حديثاً، وأوفى بالعهود والمواثيق: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١] تأملوا هذه الآية العظيمة التي فيها شراء، وفيها صفقةٌ عظيمة، ولـ ابن القيم كلامٌ أجمل مما نقول ويُقال في هذا الباب: المشتري هو الله، والمتفضل هو الله، والمنعم هو الله؛ خلق هذه النفس من العدم وأطعمها وسقاها وكفاها وآواها، ودفع عنها النقم، وأسبل عليها وابل النعم، ثم هو جل وعلا يشتريها من صاحبها ويبذل له عوضاً وثمناً ألا وهو الجنة؛ فيها مالا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
ولو أن القلوب سليمة، كما قال ابن القيم في نونيته:
والله لو أن القلوب سليمةٌ لتقطعت ألماً من الحرمان
يا سلعة الرحمن لست رخيصةً بل أنت غاليةٌ على الكسلان
يا سلعة الرحمن سوقك كاسدٌ فلقد عرضت بأيسر الأثمان
يا سلعة الرحمن كيف تصبّر الخطاب عنك وهم ذوو إيمان
يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحدٌ لا اثنان
إذا كان الثمن هو الجنة، فإنه لا يجتهد في هذه الصفقة أو أن يكون ممن يبتاعها إلا واحدٌ ممن عرف الثمن وعرف القيمة والعوض والمعوض.
أيها الأحبة في الله! هذا فضلٌ من الله، والله دعانا أن نستبشر بقوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ﴾ [التوبة:١١١] أي: اضمنوا أنها صفقةٌ رابحةٌ لا تَندُّم بعدها، لو أن أحداً اشترى بضاعةً أو عقاراً أو داراً، ثم عاد وخلا بنفسه وأخذ يقلب الحال، هل غُبن في هذه الصفقة؟ وهل اشتراها بأكثر من قيمتها؟ أما هذه فهي صفقةٌ مربحةٌ رابحة: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١].
واعلموا أن هذه السعلة العظيمة الجليلة الكريمة قد عُرضت والناس قد اختلفوا في التوجه إليها، ولكن لا يستوي من طار على خيله، أو انطلق والشوق يدفعه والهوى يجعله محباً لما عند الله وفي سبيل مرضاته، لا يستوي مع من قعد عنها.
خودٌ تزف إلى ضريرٍ مقعدٍ يا محنة الحسناء بالعميان
شمسٌ لعنِّينٍ تزف إليه ما حيلةُ العنِّين في الغشيان
حينما تصف أروع الجمال لرجلٍ لا يبصر هذا الجمال، فما حيلة هذا الوصف، انطلق أقوامٌ إلى هذه السلعة، وأرادوا هذه السلعة العظيمة: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) انطلق لها أقوامٌ وقعد آخرون: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦] ونسأل الله ألا نكون ممن قال الله فيهم: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧] فإن القعود عن الجهاد مظنة أن يشك الإنسان في نفسه، ما الذي أقعده عن الجهاد؟! أهو نفاق في قلبه؟! أهو تقصيرٌ في صدق تحقيقه وإيمانه واعتقاده بأمر الله وأمر رسوله، ووعد الله ووعد رسوله ﷺ ؟! يقول جل وعلا: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٥] وإن الله جل وعلا قد أعد مائة درجةٍ في الجنة للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، فما ظنكم بالبون الشاسع والفرق الواسع بين درجات المجاهدين ودرجات القاعدين؟ إنها تجارة فمن دُل عليها ونالها فقد هدي إلى خيرٍ عظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف:١٠ - ١٢] إلى آخر ما بين الله من فضله العظيم وخيره العميم، فيما أعده لعباده المؤمنين.
стр. 4
حقيقة الدنيا وحقارتها
أحبتنا في الله! هذه الدنيا ما الذي يجعلنا نقعد عن الجهاد بألسنتنا وبأنفسنا قبل ألسنتنا، وبأموالنا أيضاً؟! ما الذي يجعلنا نتعلق بها أهي دنيا قد سلمت من المنغصات؟! لا والله.
ما أضيق العيش ما دامت منغضةً لذاته بادكار الموت والهرم
هذه الدنيا:
طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها متطلبٌ في الماء جذوة نار
فاقضوا مآربكم عجالاً إنما وأعماركم سفرٌ من الأسفار
إننا في هذه الدنيا على سفرٍ وعلى رحيلٍ، فنسأل الله جل وعلا أن يعيننا بالزاد النافع، وأن يثبتنا بفضله ودينه.
فما دامت هذه الدنيا لذاتها مُنَغصة، ما رأينا صحيحاً إلا وأعقب المرض صحته، وما رأينا رجلاً سعيداً باجتماع أحبته إلا وفرق الموت أحبابه وشتت شملهم، وما رأينا قوماً في عزٍ إلا ونالهم من طوارق الزمان، ومآسي الحدثان ما أصابهم:
لكل شيءٍ إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الحياة كما شاهدتها دولٌ من سره زمنٌ ساءته أزمان
وهذه الدار لا تُبقي على أحدٍ ولا يدوم على حالٍ لها شان
أين الملوك ذوي التيجان من أرمٍ وأين ما ساسه في الفرس ساسان
أين أولئك جميعاً؟
أتى على الكل أمرٌ لا مرد له حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
هذه الدنيا التي نتعلق بها ونقعد فيها بخلاً بالنفوس أن تنال منازل المجاهدين وفضل الشهداء، نتعلق بأي شيءٍ في هذه الدنيا؟! هل نتعلق باجتماعها الذي يعقبه الفراق؟ أم بعزتها التي يكدرها الذل؟ أم بمالها الذي يعقبه الفقر؟ أحوالٌ لا يعلمها إلا الله:
يا نائم الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحاراً
والذين تعلقوا بالدنيا، لأنهم في حالٍ من اللذة والنعيم، لا يعرفون ما يحوي هذا الزمان في جوانبه وأحشائه
والليالي من الزمان حبالى مثقلات يلدن كل عجيبه
فيا أيها الأحبة! اعلموا أن هذه الدنيا التي نخاف عليها، ونتعلق بها، وتشدنا بالطين إلى أوحال الأرض، وتجذب النفوس من أن تُحلق في ملكوت الله، وتدنو من رحمة الله جل وعلا، إنها دنيا لا يؤسف عليها، هذه الدنيا: (لو كانت تعدل عند الله جناح بعوضةٍ، ما سقى منها كافراً شربة ماء) ولكن: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود:٧].
أيها الأحبة! ثم هذه الدنيا وقد تأملنا وإياكم في ملذاتها وما فيها، ليس فيها والله أمرٌ يدعوك إلى أن تتعلق بها غاية التعلق، الطعام الذي تأكله: في أي بلادٍ زُرع؟ وبأي أيدٍ حصد؟ وعلى أي سفينة نُقل؟ وعلى أي شاطئ نزل؟ وبأي أيدٍ وصل؟ حتى وصل إليك، فجمعت أخلاطه وأنواعه؛ من طعامٍ وشراب وألوانٍ، حتى إذا تهيأ وأصبح لقمةً تزخرفت لآكلها، وسال لعاب مشتهيها إليها وعليها، لم يجد لذتها إلا وقت وضعها على لسانه، ثم لما دخلت في جوفه أصبحت حبيسة الجوف، يعذب بها عذاباً شديداً، لولا أن الله فرج عنه بأن جعل له منها مخرجاً، وهذا أمرٌ عجيب!! غاية اللذة التي تريدها سرعان ما ترجو الله أن تتخلص منها! وغاية الشراب الذي تبذل كل شيءٍ من أجله سرعان ما تسأل الله أن يُفرج لك لو احتبس شأنه! قيل: إن أحد الخلفاء كان في فلاة، فجاءه من الصالحين رجلٌ فقال: أيها الأمير! أرأيت لو عُدمت الماء أكنت تشتري شربةً بنصف ملكك؟ قال: إي والله أشتري هذه الشربة بنصف ملكي، قال: فإذا شربت فاستقرت الشربة في جوفك واحتبست ولم تجد سبيلاً لإخراجها إلا بنصف ملكك الآخر، أكنت تبذل نصف ملكك في إخراجها؟ قال: إي والله لأخرجنها ولو بنصف ملكي، قال: فتباً لملكٍ لا يساوي شربة ماء! من أجل هذا نعلق النفوس بالله، وما عند الله، وبنعيم فضل الله.
أيها الأحبة! وهذه الدنيا التي نتعلق بها، ما رأينا أحداً فيها إلا وفيه من الهموم والمصائب ما الله به عليم، ولا يخلو أحدٌ فيها من عداوة:
ليس يخلو المرء من ضدٍ ولو حاول العزلة في رأس جبل
إن نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام هذا إن عدل
كيف تجد إنساناً في هذه الدنيا يريد أن يسلم من عداوة أهلها، لا والله لا يستطيع أحدٌ أن يسلم من عداوة الناس في هذا الزمان، أو أن يناله الناس من منتقدٍ أو مجرحٍ أو حاقدٍ أو حاسدٍ، أو ممن ينال من عرضه، أقل من ذلك أو أكثر، وما دامت هذه أحوال الناس فلا تغبطوا أحداً على دنيا مهما تنافسوا في التطاول بالقصور أو تفاخروا بسعة الدور، أو تشاحوا على المراكب والمفارش وغيرها، هذه الدنيا شأنها عجيب:
يلقى الغني لحفظه ما قد حوى أضعاف ما يلقى الفقير لفقره
وأبو العيال أبو الهموم وحسرة الرجل العقيم كمينةٌ في صدره
أو ما ترى الملك الكبير بجنده رهن الهموم على جلالة قدره
فتراه يمضي مشغلاً في باله همٌ تضيق به جوانب قصره
ولقد حسدت الطير في أوكارها فرأيت منها ما يُصاد بوكره
ولرب طالب راحةٍ في نومه جاءته أحلامٌ فهام بأمره
والحوت يأتي حتفه في بحره والوحش يأتي موته في بره
كيف التخلص يا أخي مما ترى صبراً على حلو القضاء ومُرِّه
إذاً: هذه الدنيا كما قال الله تعالى فيها: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] وأقول هذه المقدمة وأسوقها لكي نعلم أن الذين يتعلقون بالدنيا قعوداً بها، ولأجلها ولشأنها ولملذاتها عن الجهاد في سبيل الله، والبذل لدين الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله؛ إنما يدعون هذه اليواقيت والدرر العظيمة من أجل دنيا لا يؤسف على فراقها.
وكما قال أحد الصحابة -ولعله معاذ بن جبل - لما حضرته الوفاة وكأنه أجهش، فقالوا: وأنت صاحب رسول الله تبكي، قال: [والله ما على فراق دنياكم هذه أبكي، وإنما أبكي على فراق ليالي الشتاء -طول القيام والتهجد- وظمأ الهواجر -أطول النهار في هاجرة الصيف- ومجالسة أقوامٍ ينتقون أطايب الكلام كما ينتقي أطايب التمر آكله].
نعم.
لا يحزن على الدنيا إلا لأجل هذه الثلاث، أما ملذاتها وغير ذلك فهو لا يحزن على فراقها بأي حالٍ من الأحوال.
стр. 5
نهاية الرحلة وبداية النهاية
أيها الأحبة في الله! وبعد رحلة طويلة في هذه الدنيا من الصغر والنمو والترعرع والشباب ومصائب الزمن وما يلقى الإنسان في ذلك، تأتي نهاية الرحلة، وخاتمة المطاف، إن لكل بداية نهاية؛ ولكل نهاية غاية.
من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، تأتي الآتية، وتأتي القيامة الصغرى ألا وهي: الموت؛ وهذه القيامة أول ما تبدؤك في أنامل رجليك، تأتي ملائكة الموت فتجذب هذه الروح جذباً بعد أن أقفلت الأرصدة، وأعلن الحساب الختامي، ما بقي ريالٌ إلا كسبته، ولا درهمٌ إلا أنفقته، ولا شربة إلا شربتها، ولا أكلة إلا أكلتها، ثم يأتي الوداع والختام: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد:٣٨] ولكل بداية نهاية، وهذه بداية النهاية، تأتي الملائكة فتجذب الروح من أنامل قدميك، ثم تأتي إلى ساقيك فتبرد الرجلان، ثم ترتفع إلى فخذيك وتبرد الساقان، ثم تنزع من جوفك نزعاً فتحشرج في صدرك حشرجةً عظيمة.
ثم بعد ذلك تصل إلى مخارجها، ثم تخرج مع أنفك ويقال: فلانٌ مات حتف أنفه؛ لأن الروح تخرج مع الأنف، رحلةٌ شاقةٌ طويلة في بداية النهاية، في نزع الروح وآلام السكرات، تعوذ منها النبي ﷺ بقوله: (إن للموت لسكرات، اللهم أعني على سكرات الموت).
فما دامت هذه بداية النهاية، وفيها ما فيها من الآلام والمصائب والمشاق إلا أن الله جل وعلا قد جعل لطائفةٍ من عباده اختصاراً سهلاً، وإيجازاً لذيذاً يختصر رحلة الحياة كلها، ويختصر عملية الموت بأكملها ألا وهو الجهاد في سبيل الله في حال الشهادة التي تختصر عملية الموت، وخروج الروح من أطراف القدمين إلى أطراف الأنف بقرصةٍ، لا يجد الشهيد من آلام الموت إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة، لأنه مات شهيداً في سبيل الله فأعانه الله وثبته ويسر ميتته.
стр. 6
الحديث عن الجهاد والرباط
стр. 7
سبب الحديث عن الجهاد
أيها الأحبة! لماذا نتحدث عن الجهاد؟ ولماذا نتحدث عن الرباط؟ ولماذا نتحدث عن الشهادة؟ لأن أمة الإسلام في هذه الزمان ذاقت ألواناً من الذل والهوان لا يعلمها إلا الله، بعد أن كانت حاكمةً أصبحت محكومة، وبعد أن كانت مسيطرةً أصبحت مسيطراً عليها، وبعد أن كانت آمرةً ناهية أصبحت مأمورةً منهية، وما ذاك إلا لترك الجهاد، ما ترك قومٌ الجهاد إلا ذلوا، وبينه ﷺ : (إذا تبعتم أذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم) فإن الذلة قد كتبت على أمة المؤمنين ما لم يعودوا إلى الجهاد في سبيل الله، وما لم يكن كل واحدٍ منكم يُحدث نفسه أن يقدم واحداً من أبنائه، يراق دمه، وتُقطع أشلاؤه قرباناً لدين الله.
حق على الأيام ألا تهزموا النصر ينبت حيث يرويه الدم
стр. 8
مؤهلات الشهيد عند ربه
والدماء شأنها في قضايا المسلمين عجيبة!! ما رأينا قضية للمسلمين نضجت وأثمرت وأينعت، وقطف المجتنون ثمارها إلا يوم سقيت بالدماء، ورحم الله سيد قطب يوم أن قال: إن كلماتنا وعباراتنا تبقى جوفاء هامدةً لا حراك لها حتى نسقيها من دمائنا.
ووالله إننا لنتمنى أن يبسط الله لنا في الذرية والولد، ونسأل الله ألا يحرمنا هذا الأجر أيضاً لكي نبذل من أولادنا مجاهدين يموتون في سبيل الله، ولعل الله بمنه وكرمه أن يختارنا من الشهداء في سبيله، لماذا نخشى الموت في سبيل الله والموت ساعةٌ لا تتقدم أو تتأخر؟ لو قلنا لأحدنا: سيموت فلان بن فلان غداً الساعة العاشرة صباحاً، فما الفرق بين أن يموت على السرير الأبيض تحت أجهزة الإنعاش، ومساعدة التنفس، وضربات القلب، وأن يموت في لحظة غبار المعركة فيها طائر، وصليل السيوف فيها ملتهب، وأصوات القنابل والمدافع فيها يتأجج؟ تلك الميتة التي على السرير الأبيض ميتة طويلة، وأحوال ضعفٍ وهوان.
وأما ميتة الشهادة في سبيل الله في المعركة فتطير الروح إلى باريها، تبقى معلقةً في أجواف طير خُضرٍ في قناديل الجنة تأوي من غُصنٍ إلى غصن، ومن فننٍ إلى فنن، فمن ذا يا عباد الله يحرم نفسه هذه الميتة؟!
إذا غامرت في شرفٍ مرومٍ فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍ كطعم الموت في أمرٍ عظيم
يقول قطري بن الفجاءة وهو من شعراء الخوارج وهم على باطلٍ عجيب يقول يخاطب نفسه:
أقول لها وقد طارت شعاعاً من الأبطال ويحك لن تراعي
فإنك لو سألت بقاء يومٍ على الأجل الذي لك لم تُطاعي
فصبراً في مجال الموت صبراً فما نيل الخلود بمستطاع
ويقول عبد الله بن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرةً وطعنةً ذات فرغٍ تقذف الزبدا
وضربة بيدي حران مجهزةٍ بحربةٍ تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي يا أرشد الله من غازٍ وقد رشدا
يسأل ربه أن تكون ميتةً يتفنن فيها، يتفنن في نوع الميتة، قال:
لكنني أسأل الرحمن مغفرةً وطعنةً ذات فرغٍ تقذف الزبدا
أي: يقول: أريد الدم أن يفور من بدني فوراناً عجيباً.
وضربة بيدي حران؛ برجلٍ مجهز، برجلٍ يريد أن يشفي غليله، بيدي حران مجهزةٍ؛ بحربةٍ حادةٍ، مسنونةٍ نافذةٍ من أجل أن تُخرج الأحشاء والكبدا، حتى يقول: يا رب! هذه شهادتي، إذا أراد الناس منصباً أو منزلاً أو وظيفة فماذا يقولون؟ يقولون: مؤهلاتنا ماجستير، مؤهلاتنا دكتوراه، فيقال: ادخل، أنت عندك دكتوراه تفضل، أنت عندك ماجستير تفضل، أنت عندك بكالوريوس أو ثانوية عامة تفضل، بحسب مؤهلك تدخل، لكن مؤهلات المجاهدين لدخول الجنة يقول: يا رب! هذه مؤهلاتي، يأتي يوم القيامة بمؤهله الدم والجرح، اللون لون دم والريح ريح مسك، هذه مؤهلات المجاهدين التي بها يُؤمّنون من فتان القبر، ويلبسون حلل الوقار والمنزلة العظيمة، ويُشفعون في سبعين من أهل بيتهم.
стр. 9
مؤهلات تنتصر بها الأمة على أعدائها
أيها الأحبة! إن أمة الإسلام يوم أن أصبحت تخاف الموت أصابها ما أصابها من الذُل، وقد كنا فيما مضى يقول قائلنا:
لنا فرسٌ لم تنجب الخيل مثلها فتحنا بها الدنيا يقال لها الردى
هذه مؤهلات الأمة التي جعلت الأعداء والحضارات التي سادت مئات السنين وقروناً متوالية تتهاوى أمام سيوفهم القصيرة المثلمة، وخيلهم الهزيلة، وثيابهم البالية المرقعة، لما أرسل قائد المسلمين رسوله يفاوض رستم، قال: ماذا تريدون منا؟ قال: ندعوكم إلى دين الله جل وعلا، وترك عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
قال: فإن لم نجبكم؟ قال: تعطون الجزية عن يدٍ وأنتم صاغرون.
قال: فإن لم نفعل؟ قال: فقد جئناكم بقومٍ يحبون الموت كما تحبون الحياة، هذا الأمر الذي كان يروع أعداء المسلمين من الكافرين، هذا الأمر الذي روع الكفار جميعاً عربهم وعجمهم، بعض الناس يتوقع أننا حينما نتكلم عن الكفر نتكلم عن العجم.
الكفر ملة واحدة، واللغة لا تغير في الكفر شيئاً، فإن كان كُفراً بعثياً أو غيره فكله كفر، والكفر ملةٌ واحدة عربه وعجمه.
فيا أيها الأحبة! لما ضاعت من نفوس المسلمين هذه المعاني العظيمة أصبح الأعداء يفاوضون عليهم بحبهم بالدنيا، بملذات الدنيا ونعيمها، ومن أجل هذا أصاب الأمة ما أصابها من الذلة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! كان الصحابة يعدون الكلام في الموت مسألة انتهى أوانها، يقول علي بن أبي طالب:
أي يومي من الموت أفر يوم لا قُدِّر أم يوم قُدِر
يوم لا قُدِّر لا أرهبه ومن المقدور لا يغني الحذر
فما الذي يجعل الأمة بهذه الذلة أو هذا الخوف؟! نخاف من الموت في يومٍ ما قُدر فيه!! لن يأتي، ونخاف من الموت في يومٍ قدر فيه!! قدر الله نافذ: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩].
стр. 10
صور إيمانية عظيمة
стр. 11
أبو زيد القمري وكرامته في أرض أفغانستان
أبشركم بحمد الله جل وعلا أن طائفةً من شبابنا قد أثبتوا في هذه الأحداث وأثبتوا في أفغانستان قبل هذا صوراً إيمانيةً عظيمة، منّ الله عليهم فيها بالعز والسؤدد والكرامة، كثيرٌ منهم عرفناهم، منهم رجلٌ من شباب المسلمين يقال له: أبو زيد القمري من جزر القمر لكن الإسلام لا يعرف الاختلافات العصبية والعرقية والقبلية.
يقول إخوانه: كان في قندهار وهي أرضٌ مبسوطة، وكان لا يجد شيئاً يجعله ترساً يتترس به أو يقف وراءه، فماذا كان يصنع؟ كان يحفر خندقاً برميلياً!! يعني: الأرض المنبسطة يحفر فيها خندقاً أشبه ما يكون بالبرميل ويجلس فيه، قال: ويجلس يُسبح ويهلل ويقرأ القرآن الكريم، ويسأل الله الفرج والنصر والرزق والغنيمة والشهادة في سبيل الله، فإذا سمع صوت الحنين والطنين أخرج رأسه فإذ بدبابة جاءت تشق الطريق، فيقوم ومعه سلاح (الآر بي جي) فيأخذ القذيفة ويركبها ثم يرمي باسم الله الرحمن الرحيم: ((وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] وهو لا يضربها وهو في خندقه بل يخرج، ثم ينتظر حتى يصوب هدفاً قاتلاً في الدبابة فيضربها في برجها فيشطرها شطرين، ويجعل سائقها يتشحط في دمه والدبابة تحترق، وذات يومٍ كان في خندقه البرميلي ثم خرج وإذ بدبابتين تشقان الطريق، فقام وضرب الأولى وأخذ وقتاً لكي يجهز القذيفة، لكي يضرب الثانية، وإذ بالدبابة الثانية قد وجهت فوهه مدفعها نحوه لكي تضربه وتقتله شر قتله، أتظنونه عاد إلى خندقه وإخوانه يقولون: يا فلان! ارجع، يا فلان! تراجع، قال: والله لا أريد من ربي أكثر من أمرٍ واحد، ألا يتقدم أجلي لحظة ولا يتأخر لحظة، فقام والدبابة توجه نحوه وهو يوجه نحوها، باسم الله الرحمن الرحيم: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] ثم أطلقت-الدبابة- قبله، وإذا بالقذيفة تمر بجواره وهو ما تحرك من مكانه: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَأُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء:٤٢] ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار:١٠] ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام:٦١] ثم سمى الله ووجه قذيفته، فإذ به يشطر هذه الدبابة بعد أن صوب في برجها.
стр. 12
كرامة طيار من قاعدة الظهران
أحد إخوانكم من الشباب في قاعدة الظهران الجوية في هذه المعركة القائمة مع أعداء المسلمين البعثيين الكافرين، قابلته في القاعدة الجوية وكنت في حديثٍ مع بعض الإخوة الطيارين فقال لي: والله يا أخ سعد! إن الكلام عن الموت مثل الذي يحدثنا عن مادةٍ درسناها في الابتدائية ونحن في الجامعة، ما عدنا نفكر بالموت، لكنني أسألك إذا ركبت الطائرة وأنا بنية الجهاد في سبيل الله جل وعلا وأصبحت أتصل بجهاز الاتصال مع القيادة، ثم صار هناك نوع من الكلام أو الابتسامة أو الضحك في هذا الكلام هل هذا يقطع نية الجهاد؟ قلت: أبشر بالخير هذا لا يقطع نيتك، ولكن صوب واستعن بالله، وتذكر قول الله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
وبحمد الله جل وعلا قد أكرم الله إخوانكم، بعد أن بلغوا هذه المرحلة الطيبة باحتسابهم فعلهم خاصةً في هذه المعارك الحالية التي تدور الآن على حدود المملكة مع العراق البعثي حكومة لا شعباً؛ لأننا حينما نتكلم؛ نتكلم عن الأنظمة الكافرة، أما الشعوب البريئة المسلمة فمن وافق القوم في كفرهم فعليه من الوزر ما وافق به، ومن برئ من فعلهم فإنهم براء بإذن الله جل وعلا.
أحد الطيارين يُقلع بطيارته وهذا الكلام قلته بخطبة الجمعة، وطائرة (الترنيدو) مزودة بجهاز (رادار) حينما تنطلق صواريخ سام ستة أو غيرها من أنواع الصواريخ المضادة للطائرات، فإنها بإذن الله جل وعلا حينما يرى قائد الطائرة في (الرادار) توجه الصواريخ نحوه، وحينما يرى أيضاً إذا كان طيرانه في الليل أو في وقتٍ يتضح منه لهب الصواريخ المتجه إلى طائرته، فإنه يخبر الرامي الذي يقعد في المقعد الخلفي وراءه في نفس الطائرة ويقول له: أطلق أشعة؛ هذه الأشعة هي البالونات الحرارية، يخرج من جهاز الرادار بالون حراري يتبعه الصاروخ، فالصاروخ حين ينطلق للطائرة يترك الطائرة متجهاً إلى البالون الحراري، فيقول رأينا حمماً من الصواريخ متجهةً إلى الطائرة وأنا أقول للرامي الذي خلفي: أطلق بالوناً حرارياً أطلق أشعة معدنية، ونطلق والصواريخ تذهب يميناً ويساراً، فلما انتهينا من المهمة وعدنا إلى القاعدة، وجدنا أن (الرادار) ما أطلق ولا بالوناً واحداً وأنه ما عمل أصلاً، فسبحان الله العلي العظيم! لعله بنيته بل إنه بنيته بفضلٍ من الله جل وعلا ومنّ ورحمة، وإلا ما الذي يجعل الصاروخ يصل إلى الطائرة ثم ينفصل عنها.
وهذا الكلام ما فيه حدثنا فلان عن فلان، والسند فيه مجاهيل وضعفاء ومساكين، لا، الرجل نفسه يخبرني والحديث بيني وبينه بحضور قائد السرب، فالحمد لله رب العالمين، الذي منّ على أحبابنا وإخواننا بهذه الكرامة لأن المسائل تتعلق بالنية.
القضية أن الجهاد في سبيل الله لا يتعلق بمسألة وجود كافرٍ معك في المعركة، أو يتعلق بوجود قوات مشتركة، الجهاد في سبيل الله يتعلق بنيتك أنت، فإذا كانت النية في سبيل الله كما قال ﷺ عندما قيل له: (يا رسول الله! الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل حمية، أي ذلك في سبيل الله؟ -النبي ما أنكر على من يدخل المعركة يريد الغنيمة، ولم ينكر على من يدخل المعركة يريد العصبية والجاهلية والحمية- وإنما قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).
стр. 13
الأحاديث الواردة في فضل الجهاد في سبيل الله
أيها الأحبة! وأما الكلام في الجهاد والرباط والشهادة فشأنه عجيب، حينما تريد أن تستقصي الأحاديث الواردة في الجهاد والرباط والشهادة، وما يتعلق بأحكام الجهاد، تجد أن هذه الأبواب والمواضيع قد نالت حظاً عظيماً وافراً من سنة المصطفى ﷺ بعد النصوص القرآنية، والكلام أيضاً في الجهاد ليس كلاماً بدلالات الاستنباط، أو بدلالات مفاهيم المخالفة أو الموافقة وإنما بأصرح الدلالات ألا وهي دلالة النص.
أي: النص الذي يأتي من عند الله جل وعلا في كتابه ومن عند رسوله ﷺ في سنته فإنك ترى في هذا دلالةً واضحةً لا تحتاج إلى تفسيرٍ أو تأويل إلا شيئاً من ذلك يفهمه أهل العلم.
ونشرع الآن يقول النبي ﷺ في فضائل الجهاد: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) ويقول ﷺ : (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة -أي: قدر ما بين حلبتي الناقة من الوقت- فقد وجبت له الجنة).
وهذا من عظيم الفضائل بإذن الله جل وعلا، ومن تأمل حال الجهاد وجد أنه أعظم أنواع العبادة ولأجل ذلك فإن ابن المبارك ﵀ أرسل إلى الفضيل بن عياض وكان منقطعاً للعبادة في البيت الحرام، قال له: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا، أي: في المعارك والقتال، وصهيل الخيل، وصليل السيوف.
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تعلب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يُتعب خيله في باطلٍ فخيولنا يوم الكريهة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب
لا يستوي وغبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نارٍ تلهب
ولقد أتانا من مقال نبينا قولٌ صحيحٌ صادقٌ لا يكذب
في الحديث عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: (جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ بناقةٍ مخطومة، فقال: يا رسول الله! هذه الناقة في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة) رواه الإمام مسلم.
وعن أبي سعيدٍ الخدري أن رسول الله ﷺ : (بعث إلى بني لحيان، ليخرج من كل رجلين رجل، ثم قال للقاعدين: أيكم خلف الخارج في أهله فله مثل أجره) رواه الإمام مسلم.
وعن زيد بن ثابتٍ ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (من جهز غازياً في سبيل الله فله مثل أجره، ومن خلف غازياً في أهله بخيرٍ وأنفق على أهله فله مثل أجره) رواه الطبراني بإسنادٍ صحيح.
وحسبكم أن الغدوة إلى الجهاد في سبيل الله جل وعلا، أن للإنسان به أجراً عظيماً بإذن الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:١٢١].
عن سهل بن سعدٍ ﵁: أن رسول الله ﷺ قال (رباطُ يومٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خيرٌ من الدنيا وما عليها) رواه البخاري ومسلم.
وعن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (لغدوةٌ في سبيل الله أو روحة خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم من الجنة أو موضع قيده -يعني: موضع سوطه- خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من أهل الجنة طلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحاً، وإن نصيفها على رأسها خيرٌ من الدنيا وما فيها) رواه البخاري ومسلم.
فهذه الدنيا خيرٌ منها غدوةٌ في سبيل الله، وخيرٌ منها موضع سوط أحدنا في الجنة، وخيرٌ منها روحةٌ في سبيل الله جل وعلا، فلماذا نقدم الدنيا على الآخرة وهذه الدنيا ما متاعها في الآخرة إلا قليل؟! عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تضمن الله لمن خرج في سبيل الله لا يخرجه إلا جهادٌ في سبيلي، وإيمانٌ وتصديقٌ برسلي، أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى منزله الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجرٍ أو غنيمة) رواه البخاري ومسلم.
واعجبوا أيها الأحبة! لشأن المجاهدين الذين ودعوا الدنيا وطلقوها، وتفرغوا لأمر الآخرة بحالٍ عجيبة، أتعلمون أول زمرةٍ تدخل الجنة؟ يقول النبي ﷺ : (أول زمرةٍ تدخل الجنة من أمتي أتعلمونها؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: المهاجرون يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة، فيستفتحون -أي: يطلبون فتح باب الجنة- فيقول لهم الخزنة: أو حوسبتم؟ فيقولون: بأي شيءٍ نحاسب وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟! قال: فيفتح لهم، فيقيلون في الجنة أربعين عاماً قبل أن يدخلها الناس) أخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين.
وجاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ : فقال: (دلني على عملٍ يعدل الجهاد؛ فقال ﷺ : لا أجده، ثم قال ﷺ : هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تُفطر؟ قال: من يستطيع ذلك؟!) -ومعنى ذلك: أن الجهاد لا يعدله شيء- رواه البخاري.
عن البراء قال: (جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، ثم تقدم فقاتل حتى قُتل؛ فقال النبي ﷺ : عمل يسيراً وأجر كثيراً) رواه الإمام مسلم.
فحسبنا أن فضائل الشهادة عظيمة إلى درجة أن من لم تكن له حسنة أبداً، وسيرته فيما مضى كلها كفرٌ وعدوانٌ وإنكارٌ وشركٌ، أن أول عملٍ عمله بعد أن نطق الشهادتين أنه جاهد في سبيل الله؛ فاعتُبِر عَمَلُه هذا خيراً كثيراً بنص كلام رسول الله ﷺ .
وفي الحديث عن أبي بردة بن عبد الله بن قيس قال: (سمعت أبي وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله ﷺ : إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف، فقام رجلٌ رث الهيئة، قال: يا أبا موسى! أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قال: فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قُتل ﵁ رواه الإمام مسلم.
وحسبكم أن الله جل وعلا يقول في محكم كتابه: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٩] وجاء في سبب نزول هذه الآية ما حدث به النعمان بن بشيرٍ قال: (كنت عند منبر رسول الله ﷺ فقال رجلٌ: ما أبالي ألا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: ما أبالي ألا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ ، وهو في يوم جمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته ﷺ فيما اختلفتم فيه، فلما استفتاه أنزل الله قوله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٩]) رواه الإمام مسلم.
هذه أيها الأحبة! فضائل الجهاد في سبيل الله، وهذه كرامات المجاهدين في سبيل الله، فهل حدثنا النفوس بالجهاد؟ هل حدثنا النفوس بصدق بالجهاد في سبيل الله جل وعلا؟ حتى الجهاد بالمال؛ أن نخلف الغزاة والمجاهدين في ذويهم وأهلهم بخير، الكثير من المسلمين قد فرط وتساهل وبخل بهذا، حتى كفالة أيتام المجاهدين الكثير من المسلمين قد فرط في هذا وبخل به.
ووالله إن من أقل القليل وأدنى الواجب، إذا كان لك أربعة أولاد أن يكون خامسهم من أيتام المجاهدين، وإذا كان لك سبعة أولاد أن يكون ثامنهم من أيتام المجاهدين، حتى تنال أقل المراتب، أن تخلف مجاهداً في أهله بخيرٍ وفي ذريته بخيرٍ.
والجراح في الجهاد هو أيضاً من فضائل آثار الجهاد، لأن الجهاد لا يمكن أن يكون وروداً ورياحين وكرامات كما يظن البعض منذ أن ينزل الجبهة وساحة القتال الكرامات تتناثر، لا، حتى لو لم تر كرامةً واحدة، يكفيك كرامةً أن الله أعانك وثبتك وأيدك حتى انطلقت لقتال أعداء المسلمين، والدفاع عن أعراض المؤمنين، والذود عن حرمات المسلمين وأملاكهم ومقدراتهم، فإن في هذا جهاداً عظيماً بإذن الله جل وعلا.
روى الإمام مسلم والإمام أحمد في مسنده: أن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لا يُكلم أحدٌ في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم، اللون لون الدم والريح ريح المسك) وروى الشيخان: أن النبي ﷺ قال: (ما من عبدٍ يموت له عند الله خيرٌ فيسره أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد في سبيل الله؛ لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرةً أخرى).
وهذا يذكرنا بقصة عبد الله بن حذافة السهمي في عهد عمر بن الخطاب ﵁، عندما أسره الروم ففاو
стр. 14
خصال الشيهد عند الله
стр. 15
مغفرة الله للشهيد
وخصال الشهيد معلومة، كما صح في الحديث: (إن الله يغفر للشهيد عند أول دفعة تخرج من دمه) وهذه مسألة مهمة؛ لأن بعض الجنود قد يقول: أنا حليق، أو أنا أدخن، أو أنا أسمع الغناء، أو أنا عندي بعض الذنوب والمعاصي، فتجده يتردد ويأتيه الشيطان ويقول: كيف تريد أجر الشهداء حتى وإن أخلصت نيتك وجعلتها في سبيل الله، وخوفاً على أعراض المؤمنين، وعلى أرض المسلمين أن تقام عليها الفجور والدعارة والوثنية والأضرحة، حتى لو أخلصت نيتك بهذا القدر فإن ذنوبك لا تجعلك من الشهداء، نقول: لا، لأن الشهيد يُغفر له عند أول دفعةٍ من دمه، يغفر له كل شيءٍ إلا الدين بإذن الله جل وعلا.
стр. 16
زواج الشهيد من الحور العين وشفاعته
هذه من خصال الشهداء أن الله يغفر لأحدهم أو للشهيد عند أول دفعةٍ من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويُلبس حلة الإيمان، ويُزوج بالحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويُوضع على رأسه تاج الوقار؛ الياقوتة منه خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويزوج باثنتين وسبعين من الحور، ويشفع في سبعين من أهل بيته، وإني والله لأهنئ من مات ولده أو أخوه أو أبوه في سبيل الله أو قتيل المعركة في سبيل الله، هنيئاً له، سواء مات على حدودنا هذه أو مات في أفغانستان؛ لأنه يأمل بإذن الله وفضلٍ من عند الله جل وعلا أن يُشفع فيه فيكون معه في الجنة، وهذا حديثٌ صحيح رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان.
стр. 17
الشهيد يجد من ألم الموت كما يجد من ألم القرصة
والشهيد كما قلنا آنفاً يختصر مراحل آلام الموت كلها، فلا يجد من آلام الموت إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة، وهي أن يُشد على الجلد بشيء قليل، قد ينال شيئاً من الأذى أو الألم لكنه يسيرٌ جداً لا يمكن أن يُقارن بآلام الموت وسكراته، يقول الشيخ عبد الله عزام أسأل الله أن يجمعنا به في الجنة، وهذا رجل ٌ ظُلم حياً وظُلم ميتاً.
أما الذين ظلموه حياً فقد تكلموا في عرضه وأسرفوا، وأما الذين ظلموه ميتاً فقد نالوا منه بعد أن وارى التراب جدثه وجسده وأقول: أسأل الله أن يغفر لنا وله ولهم، هذا المجاهد الهمام لما تكلم في إحدى رسائله حول حديث: (الشهيد لا يجد مس القتل إلا كما يجد أحدكم من ألم القرصة) قال: وهذا رأيناه مع شابٍ من أهل المدينة المنورة يقال له: خالد الكردي؛ يقول: خالد هذا كان يمشي ثم انفجر به لغم طارت منه قدمه، وانبقرت بطنه، واندلقت أقتابه -أمعاؤه خرجت- وجرح جروحاً بسيطةً في يده، فجاءه الدكتور: صالح الليبي، وهذا قتل نسأل الله أن يجعله من الشهداء، وجعل الدكتور صالح يلمم أمعاءه ويعيدها إلى بطنه، والدكتور صالح يبكي ﵀، فقال خالد الكردي لماذا تبكي يا دكتور صالح؟!! ما في إلا جروح ويشير إلى يده ولا يعرف أن رجله كسورة وأن بطنه مفتوحة، وهذا دليل على مصداقية هذا الحديث، والحديث صدقٌ بهذا وبغيره أن الشهيد لا يجد من آلام الموت إلا كما يجد أحدنا ألم القرصة.
فيقول خالد الكردي ﵀: يا دكتور صالح! هي جروحٌ بسيطةٌ في ظهر يدي، وأخذ خالد الكردي يحدث الذين حوله ساعتين كاملتين وهو يسبح ويهلل، حتى فاضت روحه ولم يعلم أن رجله مكسورة، وأن بطنه مبقورة.
وفضائل الشهداء عند الله عظيمةٌ جداً؛ شهداء غزوة أحد رضوان الله عليهم، قال النبي ﷺ للصحابة: (لما أصيب إخوانكم بـ أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طيرٍ خضرٍ، ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، فقال الله: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله جل وعلا: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]) فهذه من فضائل الشهداء، أن الله تكفل بإجابة ما تمنوا أن ينقله إلى إخوانهم في الدنيا قال الشهداء: يا ليتنا نخبر إخواننا بما نحن فيه لئلا يضعفوا عن الجهاد في سبيل الله، فقال الله جل وعلا: أنا أبلغ إخوانكم عنكم، ربٌ عظيم، جليلٌ كريم.
стр. 18
فضل الشهادة والرباط في سبيل الله
واعلموا أيها الأحبة! أن فضل الشهادة عظيم جداً بما سمعتم وبما تسمعون، فالنبي ﷺ يقول: (والذي نفسي بيده لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه؛ ما تخلفت عن سريةٍ تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل).
النبي ﷺ يتمنى أن يقتل أربع مرات في سبيل الله جل وعلا! من فضائل الشهادة: أن منهم من ينال الفضل العظيم وإن لم يركع لله ركعةً واحدة، أحد الصحابة عمرو بن أقيش كان له رِباً في الجاهلية فمات، فلما مات جاء سعد بن معاذ قال لأخته: سليه أقاتل حميةً أم عصبية؟ فقال: بل لله جل وعلا، وقصة أخ لـ سلمة بن الأكوع في خيبر قاتل بشدة فارتد عليه سيفه، فتكلم الصحابة فيه؛ لأن سيفه ارتد عليه هل يعتبر شهيداً؟ هل مات شهيداً في سبيل الله؟ فلما أخبر النبي ﷺ قال: (كذبوا، مات جاهداً مجاهداً فله أجره مرتين) متفق عليه.
وختام الحديث نجعله في فضائل الرباط في سبيل الله جل وعلا.
والرباط: هو لزوم الثغر في مواجهة الكفار للدفاع عن المسلمين.
عن أبي أمامة في الحديث: (أن أربعةً تجري عليهم أجورهم بعد موتهم، ومنهم من مات مرابطاً في سبيل الله) حديثٌ صحيحٌ رواه الإمام أحمد.
ورباط شهرٍ كما في الحديث خيرٌ من صيام الدهر، ومن مات مرابطاً في سبيل الله أمن من الفزع الأكبر، وغُذي عليه برزقه، ورِيحاً من الجنة، ويجري عليه أجر المرابط حتى يلقى الله جل وعلا، أي: أن كل واحدٍ منا إذا مات يختم عمله إلا من ذكرهم النبي ﷺ في قوله: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلى من ثلاث) المعروفة في الحديث (ورباط يومٍ في سبيل الله -كما في الحديث- أفضل من صيام شهرٍ وقيامه، ومن مات فيه أمن أو وقي من فتنة القبر ونمي له عمله إلى يوم القيامة) رواه الترمذي وهو حديث صحيح.
ومن الفوائد المهمة أن من مواطن الدعاء بإذن الله جل وعلا الجهاد، كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقام الصلاة، ونزول الغيث) حديثٌ صحيح.
стр. 19
كل له دور وعليه مسئولية
يقول النبي ﷺ : (طوبى لعبدٍ آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه، مغبرةٌ قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يُؤذن له، وإن شفع لم يشفع) رواه البخاري عن أبي هريرة.
وهذا الحديث -أيها الإخوة- شأنه عظيم وعجيب، ونتأمله في كل وقتٍ وفي كل زمن، شبابنا وإخواننا ورجالنا بفضل الله جل وعلا في عددٍ من القواعد الجوية منهم: فرق طيران مكلفة بالأمن والسلامة والإنقاذ، هذه مسئوليتها حينما تسقط طائرة ويهبط الطيار منها مظلياً، أن تتحرك فرقة أو من يُكلف من فرقة البحث والإنقاذ والسلامة إلى هذا، قابلت عدداً منهم في قاعدةٍ من إحدى قواعد الجوية، وإذ بأكثرهم بفضل الله جل وعلا، إن لم أقل كلهم يقولون: لماذا يجعلوننا فقط للبحث والإنقاذ نريد أن ندخل ونجاهد كما يجاهد غيرنا؟ قلنا لهم: يا إخوان! حديث النبي ﷺ : (طوبى لعبدٍ) وأنت آخذ بعنان طائرتك هذه العمودية أو غيرها، إن كنت في الساقة كنت في الساقة، وإن كنت في الحراسة كنت في الحراسة، فالنبي ﷺ دعا بطوبى أي: الجنة لمن كان في هذا المقام مستجيباً لما ينفع المجاهدين في سبيل الله جل وعلا، فليس الأجر مقصوراً على الذين يهجمون للقتال، فإن من يكون في خطوط الإمداد والتموين لا شك أنه مجاهد.
هذه الطائرة مراحل إعدادها متعددة، الذين يقومون بالعناية بوقودها، لو لم يعتنوا بوقودها لما قامت بدورها ولما قام هذا المجاهد به، الذين يقومون بتسليحها ووضع الصواريخ فيها، لو لم يقم أولئك بدورهم ما نفعت، الذين يقومون بصيانتها وتفقد أجهزة الاتصالات فيها، لو لم يقوموا بدورهم ما نفعت.
إذاً فكلٌ له دورٌ وعليه مسئولية، والله إن الكثير منهم ما اقتنع إلا بعد أن كررنا عليه هذا الحديث: (إن كان في الساقة كان في الساقة، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة) فيطمئنون بفضل الله جل وعلا، ويقولون: نسأل الله أن يكون أجرنا كأجر إخواننا من المجاهدين في سبيل الله جل وعلا.
وحسبكم أن فضل الله واسع، فإن من سأل الله الشهادة بصدقٍ بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه، والذين يسألون الله الشهادة بصدق يتضح هذا من أعمالهم، أما أن تجد رجلاً بخيلاً في الإنفاق في سبيل الله، جباناً خواراً خوافاً ضعيفاً جزوعاً وهو يقول: اللهم إني أسألك الشهادة في سبيلك، ويتمنى ألا تُقبل، هذا كيف يريد أن ينال منازل الشهداء وإن مات على فراشه: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة:٤٦].
فينبغي لنا أن نتمنى وأن نُحدث النفس وأن نُعدها إعداداً طيباً للجهاد في سبيل الله جل وعلا، وبعض الإخوة سألوني آنفاً أن أحدثكم عن بعض كرامات الله جل وعلا لإخوانكم المجاهدين خاصة الذين قُتلوا في مدينة الخفجي، لا أقول: يقولون، وإنما أنا بنفسي سألت الأخ: محمد بن مهدي، برتبة رائد في كتيبة المشاة الآلية في الحرس الوطني، قابلته في تلك الكتيبة وسألته قلت: يقولون فما صحة هذا؟ قال: أنا بنفسي أخرجت عدداً من القتلى من الكمين الذي يكمنون فيه، وكنت قبل ذلك دفنت عدداً كبيراً من القتلى وكثيراً من الموتى في جماعتنا وفي قبيلتنا وباديتنا يقول: في الغالب يكون لبعض الموتى رائحة تنزعج منها النفس، وبعضهم تكون له رائحة بحكم ما يخرج من جوفه، يقول: وهؤلاء تجد الرصاص قد تخطف بطنه وتخرج أمعاءه، واختلفت أجزاء جهازه الهضمي والباطني يقول: والله تخرج الواحد منهم من الكمين ما تجد رائحةً تكرهها، قال: وأما بعضهم فو الله لقد شممت منه رائحةً زكيةً فائحة ليست من روائح الدنيا أبداً.
стр. 20
الرد على من اعترض على مشاركة التحالف مع السعودية ضد العراق
فهذا أيها الأحبة! من فضل الله جل وعلا على الأمة، وهذا أيها الأحبة! من دلائل صدق أولئك؛ لأن كثيراً من الناس أشكل عليهم وجود قوات التحالف في هذا القتال، نحن ما قلنا بريطانيا جاءت تجاهد في سبيل الله، وما قلنا أمريكا جاءت تجاهد في سبيل الله، لكن هذه القضية المعقدة المتعددة الأضلاع واحدٌ من أضلاعها يتعلق بنا وبجنودنا وقواتنا وهو الجهاد في سبيل الله جل وعلا، فمن اعتقد منهم أنه يُقاتل في سبيل الله لدفع عدوان البعث العراقي الكافر الذي تُقام القبور والأضرحة في بلادهم، وتعبد من دون الله، ويذبح وينذر لها، ويصلى عندها، وتسأل دفع الكربات، وجلب الحاجات، وكلها شرك أكبر.
من قاتل وهو يعلم أنه يدفع هؤلاء حتى لا يدخلوا بالشرك إلى بلاد المسلمين، ويقاتل وهو يعلم أن النظام الكافر في العراق قد جعل الدعارة والزنا مقنناً يحميه القانون والنظام، وجعل تصنيع الخمور محلياً يحميه القانون، من قاتل وهو يعلم أنه يدفع هذا الكفر وهذا الضلال وهذا الانحراف، من قاتل وهو يعلم أن في داخل حدود بلاده من المتحجبات خلافاً للمتبرجات في أرض غيره، من القانتات خلافاً للفاجرات في أرض غيره، من أطفال المؤمنين أبناء الفطرة، من الدعاة إلى الله، من المساجد التي تمتلئ بالندوات والمحاضرات، يقاتل وهو يعلم أنه إن تقدم الأعداء على بلاد المسلمين ما سمحوا بشيءٍ من هذا، بل ستحكم القوانين الوضعية ويُعطل ما بقي مما يُعمل به من الشريعة، من قاتل فهذا جهاد في سبيل الله، والجهاد أنواع: أوله: جهاد الطلب وهو: أن يتوجه المسلمون إلى الكفار فيفتحوا بلادهم ويخضعوهم للإسلام، أو للجزية أو القتال، هذا جهاد الطلب.
والنوع الآخر: جهاد الدفاع؛ وهو أن يحشد الأعداء على بلاد المسلمين، فمتى يكون الجهاد في سبيل الله؟! يكون جهاداً إذا دخل البعثيون مدينة الخفجي قلنا: لا، نصبر نتأكد حتى يصلون الجبيل، وإذا دخلوا الجبيل قلنا: نتأكد حتى يصلون الظهران، ويبدأ الناس في ضعفٍ وجبنٍ وخور حتى يطرق البعثيون الأبواب ويأخذون نساءهم، ويفعلون الفواحش بأعراضهم وبناتهم، متى يكون جهاداً إذاً؟! تجد بعضهم يقول: يا أخي! لا تبالغوا، اتقوا الله لا تنافقوا على الأمة.
يا أخي الكريم! نحن ما قلنا: أمريكا جاءت تقاتل في سبيل الله، ما قلنا: بريطانيا جاءت تقاتل في سبيل الله، أكلمك عن جنودنا، أحدثك عن أبنائنا، أحدثك عن رجالنا ونقول: من كان يعتقد هذه الأمور التي ذكرناها، فإن الله لا يضيع عمله، وإن الله لا يضيع جهاده، وهذه بوادر كرامات التي ظهرت صواريخ تضل يميناً ويساراً، ودماءٌ زكيةٌ تفوح مسكاً، وعدد منهم بفضل الله جل وعلا ممن ثبتهم الله قبل موتهم بالذكر والتهليل والتكبير، فكيف لا نسمي هذا جهاداً؟ ماذا نسميه؟! نسميه وطنية؟! ماذا نسمي قتال هؤلاء الذين فاحت دماؤهم بالمسك؟ نسميه وطنية؟! حتى الذين يتحدثون عن الوطنية، الحديث ينبغي أن يُبين ويوضح إن كان الكلام عن الوطن لأجل التراب، فالتراب موجود في كل مكان، وإن كان الحديث عن الوطن متعلق بالبحار فالبحار في كل الدنيا، وإن كان الكلام عن الوطن متعلق بالمنشآت والطرق والكباري فالطرق والمنشآت موجودة في دول العالم كلها.
وإن كان الكلام عن الوطن فينبغي أن يُبين، مرتبطٌ بوطنٍ فيه الجباه الساجدة، والأنوف التي تتمرغ ذلة بين يدي الله، الكلام عن الوطن الذي فيه شريعة تُحكم بإذن الله ونسأل الله الكمال والثبات، الكلام عن الوطن الذي فيه الدعوة والدعاة إلى الله جل وعلا، هاأنتم تجتمعون وتلتقون وإخوانكم يحاضرون ولهم دورٌ بارز في الدعوة إلى الله جل وعلا، وإن حصل ما حصل، فالمرد والعود أحمد بإذن الله جل وعلا.
لا يمكن يا إخوان أن نكون جفاةً في الأحكام، أو أن نكون بهذه الدرجة من الجهل أو البلاهة حتى نؤيد أعداءنا على ما يفعلون، يقول لي أحد الطيارين: المصيبة أن العراق الكافر -النظام العراقي الكافر- الذي يقول في البث الإنجليزي في إذاعة بغداد -نداء موجه إلى الجنود الأمريكان- لماذا تقاتلوننا ونحن عندنا مئات الكنائس تُتاح لكم فيها حرية تعبدكم الدينية؟ لماذا تقاتلوننا والجندي السعودي لو تلمست زوجته يقاتلك، ونحن أبناؤنا ينتظرونكم بالترحاب؟ لماذا تقاتلوننا ونحن نبيح لكم حرياتكم الشخصية من المشروبات وغيرها وهناك أنتم تمنعون؟ وفي المقابل في إذاعة أم المعارف تسمع آيات الجهاد وأحاديث الجهاد.
стр. 21
الرد على شبهة التزام وإيمان صدام حسين
النفاق الواضح في هذه القضايا الخطرة، ومع ذلك من بلهاء المسلمين يحدثني اليوم دكتور بعد صلاة الظهر يقول: أجلس مع جماعة أتحدث معهم ويقولون: -وهم ليسوا من أهل هذه البلاد- يقول: لا يا أخي! إن صدام آمن والتزم.
سبحان الله العلي العظيم! بالأمس مذابح الأكراد في حلبجة والدعاة وأطفال المسلمين يقتلون، وشباب المسلمين لما جمعوا التبرعات لصالح أفغانستان يقتلون لأنهم جمعوا التبرعات، وفي النهاية يأتي أغبى الأغبياء يقول لي: صدام التزم وآمن!! ما هذا الكلام الفارغ؟! مصائب ولكن حقيقة أمة الإسلام لا تزال غوغاء ساذجة، في ليبيا خدعت الأمة بالإسلام، وانقادت وطبلت، والآن تكتوي بنار المحنة الاشتراكية.
في تونس خُدعت بالإسلام والآن تكتوي بنار الفتنة والمحنة، في مصر خدعت باسم الإسلام والآن تكتوي بنار المحنة، ما من قائدٍ تسلط على رقاب المسلمين إلا بدعوى الإسلام، فلما تمكن أخذ يذبحهم، رفع شعار الحرية وقتلهم لأجل حريته، ورفع شعار المساواة وقتلهم لأجل الاستبداد بسلطته، ورفع شعار الاشتراكية وقتلهم لأجل إغناء زمرته، فمصيبة الأمة المسلمة اليوم أن تختلط الأوراق عليها، ما أصبحوا يعرفون ماذا الذي يتعلق بهم.
ولأجل ذلك تجد البعض مسكيناً؛ لا يفقه كيف يكون دور الشاب المسلم في ظل الأحداث الراهنة؟ هذه المعركة القائمة لكل شابٍ دور، ليس دورنا في قيادة المرأة فقط لكي نواجه، نعم.
قيادة المرأة خطرٌ على المجتمع وقام الجميع لينفضوا أيديهم أمامه، ويبرءوا إلى الله من هذا الفعل، الذي هو خطوة للإباحية وخطوة للاختلاط الخطير في المجتمع، لكن لما تأتي قضية اجتياح دولة نقف هكذا أو لا نعرف ما هو دورنا؟ ينبغي أن نعرف الدور جيداً؛ دورنا أن نسعى بتثبيت إخواننا، دورنا أن نتصل بمن نعرف من أبنائنا وجنودنا لكي نشد على أيديهم ونذكرهم بالاحتساب في سبيل الله، وأنهم لا يقاتلون عن وطن الكفار، ولا عن البيع، ولا عن الكنائس، ولا عن حانات الخمور، ولا بيوت الدعارة.
وإنما قتالهم عن أعراض المؤمنين، عن المحجبات المتسترات، عن الدعاة وعن كل هذه الأمور، ما قلنا: والله هذا زمن عمر بن عبد العزيز أو عمر بن الخطاب حتى نقول: ما شاء الله اكتملت الآيات، لا، في كل زمنٍ حسنات وسيئات، لكن نحسب وندين لله جل وعلا أن مجتمعنا أفضل مجتمعات المسلمين في هذا الزمان، وما من مجتمعٍ إلا وفيه ما فيه من المعاصي، ولكن نسأل الله أن يعيننا على إصلاح ما في أنفسنا.
стр. 22
واجبات على القاعدين لابد من القيام بها
أما أن يقف البعض موقف المتفرج على هذه الأحداث، تجد الشاب المسلم عنده وعي في القضايا الجزئية، والقضايا الكلية الخطيرة تجد الشاب المسلم متخلفاً أقول: هذا واحدٌ من أمرين: إما أن العقلية الإسلامية للشاب المسلم أو شباب الصحوة ما بلغت النضج الفكري الذي يتعامل مع القضايا السياسية الخطيرة كقضية دولة تجتاح دولة.
وإما: أنهم بأمرٍ أو بآخر خُطط لهم أن يبعدوا عن الساحة حتى لا يشاركوا، لكن الذي نراه أن من أراد أن يُشارك فالباب مفتوحٌ له، فلماذا نقعد هكذا ونضعف ونجبن عن المشاركة بحجة التخوف أو التردد؟ ينبغي أن نعرف دورنا وأن ندرك مهمتنا وأن نبدأ بمسئوليتنا.
أحد الذين يقاتلون على الحدود تعرَّف على أهله وبيته من أقاربك أو من جماعتك أو من جماعة جماعتك تتصل بهم، تكفل حاجاتهم، لهم مراجعات في المستشفى تذهب بهم، وما معنى: (من خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا)؟ تكتب لوحةً وتقول: لقد خلفتكم بخيرٍ في رجلكم، وتضعها عند الباب، لا، تخلف الرجل المجاهد الغازي على الحدود بخير، أنك تتولى أسرته، أطفاله يمرضون تراجع بهم المستشفى، تجد خطراً على البيت تنتبه له، تذود عن عرضه كما تذود عن عرضك، تنتبه لبيته.
الباب مثلاً تجده مفتوحاً، باب أخيك المجاهد الذي الآن على الجبهة في الحدود، تنتبه: لماذا الباب مفتوح؟ أغلقوا بابكم، الصباح تأتي بالخبز لأولادك، تأتي لهم بالخبز، أي: أن تشعر أن بجوارك أسرة كأسرتك، فتخلفها بخير، تزورون الشرط؛ مراكز الشرطة، الأمن الداخلي، الأمن السري، الأمن العلني، في كل مكان تتصلون برجال أمن وتبينون ما هو الدور الخطير في هذه المرحلة، وتبينون أيضاً أن شباب الصحوة وأن جيل الصحوة جيلٌ ينتبه إذا كان يوجد لص يدور في الحارة في الليل، يوجد رجلٌ مشكوكٌ فيه مع بداية الأزمة كثُر الدخول والخروج عند الشخصيات الغريبة، تتتبع وتبلغ وتبحث، هذه من واجباتنا في هذه المرحلة.
стр. 23
واجب طلاب العلم نحو الجنود
من واجبات طلبة العلم أن يذهبوا إلى الحدود، إلى القواعد الجوية والقوات البرية، وأن يثبتوا الجيوش ويقولوا لهم: إن ما تعملون جهاداً إن خلصت نياتكم لله، واعتقدتم ما تعملونه لوجه الله جل وعلا، حتى لا تختلط الأمور علينا، ونحن في أمس الحاجة إلى أن نشرح لأبنائنا وجنودنا كيف يكون العمل جهاداً؟ لسنا بحاجة إلى سرد الأحاديث والآيات عن الجهاد، بقدر ما نحن بأمس الحاجة إلى تكييف وشرح كيفية موقفنا في هذه الفتنة.
وهذه الفتنة -يا إخوان- فيها مصالح متعددة، ولا تكرهوا قدر الله فيها، إن الله ما قضى قضاء إلا بقدر، ما كان من أمرٍ إلا بقدر وما من قدرٍ إلا لحكمة، لأن الله لا يقدر عبثاً، وما كان قَدَرُ الحرب إلا لعدل؛ لأن الله لا يقدر ظلماً، وهذا القَدَرُ فيه تمام العدل.
البارحة الناس على أجهزة الراديو ينتظرون؛ تبدأ الحرب البرية أو لا تبدأ؛ لكن لماذا؟ لعله ينسحب! والله يا إخوان أسأل الله: اللهم إن كان في الحرب البرية خير للإسلام والمسلمين اللهم فأشعل فتيلها، يا إخوان! ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩] ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦].
وربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سبباً ما بعده سبب
أتظنون لو انسحب هذا الفاجر -في نظري القاصر- لو انسحب وعنده قرابة ستين قاعدة جوية، رابع قوة في العالم قضية ليست سهلة، ولكن بفضل الله ضربت ودكت دكاً عجيباً، لكن إذا قيل: بقي قبل نشوب الحرب البرية قرابة ٤٠% من القوة العسكرية العراقية، فإن الأربعين في المائة قد لا تساوي بقية قوة دول الخليج أو بعض دول الخليج، خاصةً الدول الصغيرة منها، فضرب مثل هذه القوة فيه خير للإسلام والمسلمين.
стр. 24
الرد على شبهة: إذا دمرت قوات العراق لم يبق لإسرائيل ضد
وقد يقول قائل: ولماذا تُضرب القوة العسكرية العراقية ونحن بأمس الحاجة إلى إبقائها لكي نقاتل بها إسرائيل؟ من يقاتل إسرائيل؟ الذي يقول:
آمنت بـ البعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ماله ثاني
من يقاتل إسرائيل؟ من يرضى بشعار البعث:
سلامٌ على كفرٍ يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم؟!
أين عقول الأمة؟ إذا كان لنا في هذه المنطقة عدوان: إسرائيل والعراق، فإن ضرب العراق عسكرياً يجعل العدو واحداً، إذا كان أعداؤك اثنين فاجعلهم واحداً ففي هذا مصلحة، إذا كانت دول التحالف جاءت للحفاظ على النفط، فإنك أنت أيضاً مستفيد من المحافظة على النفط، وإلا ماذا سنفعل به؟! نشرب النفط إذا ما جاءوا من أجل حراسته والعناية به؟! وقد أثبت الواقع أننا بحاجة إلى قوات أجنبية.
هل كان جيشنا على المستوى العسكري المؤهل عدداً وتعداداً في مواجهة قوى العراق؟! قولوها صريحة وجدت شاباً في مجلس قال لي: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] قلت: والله يا أخي! قول الرسول أبلغ بعد قول الله جل وعلا: (خير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة) لكن اثنا عشر ألفاً لا أنا ولا أنت منهم، من الذين يقاتلون إذا كان الله جل وعلا لا يحابي صحابة نبيه في ترك السنن والأخذ بالأسباب، في أحد يقتل سبعون من الصحابة بترك سنة من السنن، تدخل حلقتان من حلق المغفر في رأس النبي ﷺ ؛ يشج رأسه؛ تُكسر ثنيته ﷺ ، ما هناك محاباة في السنن، نأتي بعد غفلة طويلة لكي نقاتل العراق، ونظن أننا والله ستتنزل علينا الكرامات من ابتداء ما ندخل حتى ننتهي، لا.
إن جاء شيءٌ من التثبيت فهذا بحمد الله وفضله ومنّه، لكن الواقع يشهد أن الأمة ليست على مستوى مقابلة الجيش العراقي الذي جاوز المليون، لا في الإعداد الفردي الإيماني، ولا حتى في الإعداد العسكري، فكانت الحاجة ماسة إلى قوة أجنبية وللأسف إن الذين خالفوا فتوى العلماء في هذه المسألة الآن يعظون أنامل الندم في هذا، ولست أقصد أحداً بعينه.
ومن قال في هذه المسألة قولاً فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، حتى لا يظن البعض أنني أعرض بالدعاة أو بعض من تكلم في هذه المسألة، أحبابنا ومشايخنا ودعاتنا من الفضلاء الذين تكلموا في هذه القضية أقول: غاية ما هنالك إن أخطئوا فلهم أجرٌ واحد بدلاً من أن يكون لهم أجران:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحدٍ جاءت محاسنه بألف شفيع
أنسينا ما لهم في الدعوة إلى الله؟! أنسينا ثباتهم؟! أنسينا مواقفهم؟ كم هدى الله بهم من الضلالة؟! كم أنار الله بهم من عقول الغافلين؟! كم هدى الله بهم من الضلال من المسلمين؟! لكن الحقيقة يا إخوان هناك مسائل ينبغي أن نتعود على أخذها بالهدوء واللين والحكمة.
стр. 25
واجبنا نحو العلماء
الحُباب بن المنذر في معركة بدر، جاء إلى النبي ﷺ ، ولما أراد النبي ﷺ أن ينزل قال: (يا رسول الله! أهو منزلٌ أنزلكه الله أم هو الحرب والرأي والمشورة؟ فقال: بل هو الحرب والرأي والمشورة، قال: إذاً يا رسول الله فامض حتى نصل أدنى ماءٍ بـ بدر ثم نشرب ولا يشربون) أي: الحباب اقترح على النبي ﷺ ، فخذوها قاعدة يا إخواني، والله إن علماءكم الذين شابوا في الإسلام، وأخص منهم بالذكر سماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز، وثلةً طيبةً من أمثاله الأبرار الأطهار الذين ما أفتوا والله خوفاً من السلاطين.
وما أفتوا مجبرين أو مكرهين، وما أفتوا لأجل مصلحةٍ من مصالح الدنيا، وإنما لعين الحكمة التي يرونها للأمة، يأتي شاب ما عرف الاستقامة إلا قبل ثلاث سنوات يتكلم في وجود القوات الأجنبية، وفتوى العلماء، والعلماء قالوا وقالوا، متى التزمت حتى تتكلم في فتوى العلماء؟! ينبغي أن نعرف قدرنا وقدر علمائنا وشبابنا حتى نعرف حقيقة المواقف التي بها نستفيد، وكيف نستثمرها أيضاً.
أقول: إن ما يدور فيه خيرٌ عظيم، ولست بهذا أقول: إن وجود القوات الأجنبية كله شهدٌ مصفى، لا والله، أليس الله يقول: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤] أي: المال والولد فيه عداوة، يقول النبي ﷺ : (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا) أي: النفس فيها شر، الزوجة حينما تبني بها تضع يدك على ناصيتها وتقول: (وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه) أي: أن فيها شراً، أتريدوننا أن نقول: إن القوات الأجنبية خيرٌ محض، فيها خيرٌ وشر، إذا كان النفس فيها شر، المال والولد فيه عداوة، الزوجة فيها شر، أفلا يكون شر في القوات الأجنبية؟ فيها شر، ولكن قل: فيهما إثم كبير ومنافع للناس، فيها خيرٌ وشر، فنسأل الله أن يزيد سُخرتهم لنا فيما ينفعنا بخيرنا، وأن يكفينا شرهم لأن كل نفسٍ فيها شر.
هذا هو منطق العدل -يا إخوان- ومنطق الوعي والفهم الذي يجعل الأمة في أفضل حالٍ وأهنأ حال، ودائماً خذوها قاعدة إذا أفتى العلماء بأمرٍ فإياك أن تتعجل بمخالفة فتوى العلماء، حتى ولو رأيت أن ما تراه قد يكون أحوط أو أكثر دقة وصواباً من فتوى علمائك.
لماذا؟ على الأقل حتى تبقى وحدة الأمة مع علمائها، إذا أنكرنا أمراً نقول: العلماء قالوا هذا، على العين والسمع، ولما قال العلماء هذا الأمر قلنا: العلماء ما أصابوا في هذا، هذا خطر عظيم، بل ينبغي أن نذعن لعلمائنا، وأن نسمع لهم، وأن نحسن الارتباط بهم، وألا نتجرأ على الكلام فيما يتعلق بفتواهم خاصةً فيما يتعلق بمصالح المؤمنين، أقول: هذا في غاية النصح لنفسي ولإخواني وأحبابي، وحباً ودعاءً بظهر الغيب لعلماء المسلمين.
اللهم إنا نسألك بأسمائك وصفاتك واسمك الأعظم أن تهلك شقي بغداد، اللهم أهلك طاغية العراق، اللهم أهلك البعثيين أجمعين، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم اكفناهم بما شئت إنك أنت السميع العليم، حسبنا الله ونعم الوكيل.
اللهم اجعل اللطف والخير فيما قدرت للمؤمنين، واجعل البأس والشدة فيما قدرت على الكافرين والبعثيين، اللهم اجعل اللطف والخير فيما قدرت للمؤمنين، واجعل البأس والشدة على البعثيين أجمعين يا أرحم الراحمين! يا من لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء!! أقول قولي هذا، فإن كان صواباً فمن عند الله وحده لا شريك له، وإن كان خطأً فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 26
حقوق ولاة الأمر
في هذا الدرس تحدث الشيخ عن مسألة التبعية وشرعية الحاكم والنظام في المملكة، مبيناً بعض الحقوق الخاصة بولاة الأمور الذين لم يحدثوا كفراً بواحاً وإنما جاروا وظلموا، وموقف أهل السنة من الخروج على الحكام الظلمة الفجرة.
стр. 27
ضرورة الكلام عن حقوق ولاة الأمر
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أحمد الله وأشكره، وأثني عليه الخير كله؛ على نعمه التي لا تحصى، وعلى آلائه التي لا تنسى، ومن بين هذه النعم العظيمة اجتماعنا في بيت من بيوت الله، نتلو كلام الله، ونتدارس سنة رسول الله ﷺ ، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
أحبابنا! موضوعنا اليوم يحتاج إلى العلم أكثر من العاطفة، ويحتاج إلى النقل أكثر من الاجتهاد، ويحتاج إلى الفهم والوعي أكثر من غير ذلك، والكلام عن حقوق ولاة الأمر فرع عن أصل اعتقاد لزوم البيعة وشرعية الحاكم والنظام، وليست هذه المسألة محل شك أو نزاع حتى نطرح تفصيلها، أي أن مسألة استقرار البيعة وشرعية الحاكم والنظام في هذه البلاد مسألة لا تحتاج إلى نصب كثير من الأدلة أو إقامة عدد من الحجج والبراهين، فأراها جلية واضحة لمن سلمه الله من الهوى ونفعه بعلمه وعقله.
لكننا حينما نقول: إن هذه المسألة فرع عن اعتقاد لزوم البيعة؛ لأنه لا قيمة للحديث عن حقوق ولاة الأمر إلا إذا كنا نرى ونعتقد أن هؤلاء الولاة لهم في أعناقنا بيعة، وحكمهم ونظامهم شرعي يجب الإذعان والسمع والانقياد له ويحرم الخروج عليه، ومن كان يرى غير ذلك؛ فإنا نبرأ إلى الله من قوله، بل نبرأ إلى الله من كل قول ينص أو يفضي إلى عدم القول بشرعية هذا النظام ولزوم طاعته.
أيها الأحبة! لا أعرف أن من منهج أهل السنة والجماعة أن يمتحن الناس في مسألة البيعة، بمعنى: أن نفترض الشك في آحاد الناس أو أعيانهم أو أفرادهم ثم نأتي لنمتحن كل واحد فنقول له: ما رأيك في هذه القضية وما قولك في هذه المسألة؟ لا أعلم ولا أعرف أن من منهج أهل السنة والجماعة أن يمتحن الناس في مسألة البيعة، خاصة وقد تواطأت مقاصد الشريعة وقول أهل الحل والعقد ومصالح الناس، واستقرت الأحوال على هذه البيعة، بل الذي أرى أن النزاع حول هذه القضية وأن امتحان الناس فيها هو كالتشكيك في نسب الأبناء إلى الآباء؛ لأنها قضية واضحة المعالم في لزومها وثبوتها فلا تحتاج إلى امتحان، وكما قال الشاعر:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
أيها الأحبة! ومع ذلك فلا بأس أن يتكلم في هذا الأمر إذا اتهم أحد بالقول بضده دفعاً للريبة، ولا بأس أن يتكلم فيه من يخشى أن يتهمه الناس بضده، والدليل على ذلك قول الرسول ﷺ : (على رسلكما، إنها صفية) إذ فيه مشروعية القول والفعل إذا وقعت الريبة في شخص بأمر هو منه بريء، أو خشي أن تحوم حوله ريبة لقول الرسول ﷺ : (خشيت أن يقذف الشيطان في قلبيكما أمراً) فحينئذ لا بأس بطرح هذا الأمر لتندفع هذه الريبة.
وقد يطرح هذا الأمر أيضاً لا من باب دفع الريب القائمة أو المتوقعة وإنما من باب تقرير هذا الأمر والتحذير من الشبهات الواردة حوله، وهو أصل مهم قبل حلولها أو تفاقمها وتناقلها بين الطغام والجهلة والعوام، وليس هذا بغريب، فقد ورد تقرير توحيد الله ، وورد التحذير من الشرك ودفع الذرائع الموصلة إليه، وأمر التوحيد أهم من هذه القضية، لكن الأمر إذا كان مهماً احتاج أيضاً أن يكرر وأن يقرر وأن يؤكد وأن يبدأ فيه ويعاد، فدل على أن الأصول المهمة حتى مع القول بالتسليم بها وعدم قبول النزاع فيها إلا أن ورود التأكيد عليها والتحذير مما يعارضها أمر مشروع، ولأجل ذلك نطرح هذه القضية ولهذا السبب: وهو أهمية هذه القضية وضرورة التأكيد عليها.
стр. 28
أسباب الهروب من الكلام عن حقوق ولاة الأمر
ليس من الصواب أن نطرح القضايا والأمور الصغيرة بكل وضوح وحماس وجرأة، ثم نغفل أو ننسى الحديث عن هذه القضية الكبيرة والمهمة والخطيرة، فهذا الموضوع نادر ما يطرح، والسبب في نظري: لا يعود إلى نزاع فيه أو تشكيك، فهو مسألة محسومة بل هي من أصول الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، وإنما السبب هو الهيبة من طرح هذا الأمر، والنظر إلى كبار العلماء أن يطرحوه وحدهم دون غيرهم؛ ليؤكدوا على أهميته حتى لا تصبح هذه القضية على لسان كل مرشد أو واعظ قد لا يحسن عرضها أو دفع الشبهات الواردة حولها، ولكن لما انتقلت عدوى مناهج التكفير والخوارج بات لزاماً على كل داعية يأنس في نفسه القدرة والبيان أن يطرح هذا الأمر حسبة وقربة وعبادة لله، مع عدم اتهام الآخرين بالسوء لأنهم لم يطرحوه؛ لأن العبرة في طرحه بالقدرة عليه؛ ولأنه ليس من الأصل أن يمتحن الناس فيه كما قلت آنفاً.
أما الذين يتهمون إخوانهم ممن يطرحون هذا الأمر بالرجعية أو المداهنة أو النفاق والتزلف، فنقول لهؤلاء: إن كنتم تجهلون هذا الأمر ومنزلته من الدين فتعلّموا، وإن كنتم ترون ضد ذلك؛ فإلى الله نبرأ مما تقولون، وإن كنتم ترون هذا الأمر لكن لا تحبون الحديث فيه؛ فهذا هو الهوى ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠] وإلا فبمَ نفسر كراهية الحديث عن هذا الأمر مع الإيمان والإقرار به؟ لا نفسر كراهية الحديث حول هذا الموضوع إلا بالهوى، وصاحب الهوى في مثل هذه الحال لا يرد النصوص الثابتة في هذا الأمر حتى نقول: إنه من المكفرين الذين لا يرون هذه المسألة، لكنه لا يستجيب لمقتضى هذه النصوص ولا يحب الحديث حولها، فهو كمن لا يشك في نسبته إلى والده لكن لا يريد أن يلتزم بحقوق والده عليه، فلم يبق لهذا تفسير إلا الهوى الذي حذر الله منه.
стр. 29
أثر الهوى في الموقف من ولاة الأمر
والهوى -أيها الأحبة- مستحكم في هذا الزمان، وأضرب لذلك أمثلة رأيتها رأي العيان وناظرت وحاورت وجادلت وناقشت فيها كثيراً من أهل الهوى، وسأضرب مثالاً أو اثنين على ثبوت الهوى والأعراض عن العقل والدليل حينما ترد بعض المسائل الخطيرة والكبيرة.
стр. 30
أثر الهوى في إطراء الجماعات الإسلامية
فأول ذلك خذ على سبيل المثال: ماذا يقول أهل الهوى عن الجماعات الإسلامية المباركة الصالحة الموفقة التي عندها خير كثير؟ فلا نلغي جهودها ولا ندعي لها العصمة والصواب في كل أفعالها، ماذا يقول أهل الهوى عن الجماعات الإسلامية في الخارج؟ لو استطاعوا أن يحكموا بلدانهم ليحولوا أوضاعها إلى ما نحن فيه وعليه اليوم في هذه البلاد، ماذا سيقول أهل الأهواء عن إنجاز الجماعات الإسلامية هذه؟ يوشكوا أن يقولوا: إنها خلافة راشدة عادت من جديد، ولن يقبلوا من أحد صرفاً ولا عدلاً إلا بالقول بشرعية نظامهم وكيانهم هذا، لكن أهل الأهواء لا يرون هذا الإنجاز في هذه البلاد خيراً كثيراً ينبغي المحافظة عليه، وحكماً شرعياً ينبغي الطاعة له في طاعة الله ورسوله، بل ترى أهل الأهواء تارة يكرهون الحديث عن هذه القضية وتارة يعدونه نظاماً لا ينتسب إلى الإسلام، وبعضهم يكفر ولاته مع أنه يعده خلافة لو كان الذي يحكمه واحد أو آحاد ممن ينتمي إليهم.
بعبارة أخرى: لو استطاعت بعض الجماعات الإسلامية في بعض الدول المجاورة أن تصل إلى الحكم -وأسأل الله أن يمكن لهم في بلدانهم- فقلبوا وغيروا أوضاع بلدانهم مما هي عليه إلى ما نحن عليه اليوم فهل ترون ذلك أمراً يسيراً؟ وهل تظنون أنهم سيعدون هذا الإنجاز قليلاً؟ لا والله، لقد طبل وزمر وصفق وعظم وضخم إنجاز هو أقل من هذا بكثير ولا ينسب إلى هذا إطلاقاً، وقال بعض أهل الهوى: تجب الهجرة إلى تلك البلاد على رغم مما فيها من الخلل والنقائص الخطيرة والكبيرة في مسائل العقيدة، فأولئك إذا أنجزوا خيراً قريباً مما نحن فيه قالوا: هذا انتصار وفتح، وبعضهم يقول: خلافة، وبعضهم يقول: تجب الهجرة، أما الخير الذي نحن فيه فيرون أننا في مداهنة، وأننا في ولاء للكفار، وأننا في ضلال، وأننا أبعد ما نكون عن الإسلام، وهذه القضية أيها الأحبة دلائل الهوى فيها أن بعض الذين يسمعونها لا يطيقون الحديث أو لا يطيقون تمام الحديث عنها.
بعض الذين يستمعون إلى هذه القضايا أو يناقشون فيها لا يستطيعون استمرار الحديث فيها إطلاقاً، والسبب أنك تحجه بالدليل، وتحجه بالواقع، وتحجه بالمنطق، فلا يستطيع أن يرفض الأدلة، وليس عنده من الاستجابة ما يذعن لها فلا يبقى إلا الهوى الذي يصرفه عن الاستجابة لها، وإن شئتم مثالاً فسأعطيكم مثالاً آخر.
стр. 31
أثر الهوى في التماس الأعذار لأربكان
ماذا قال أصحاب الهوى عن نجم الدين أربكان؟ هذا زعيم حزب الرفاة الإسلامي، وأنا واحد ممن فرحوا فرحاً عظيماً كبيراً لما استطاع هذا الرجل الوصول إلى سدة الحكم في تركيا، ولكن حصلت له مواقف منها: أنه وقف عند قبر أتاتورك، وأقسم أنه لن يحيد ولن يخرج بـ تركيا عن العلمانية، وماذا قال أهل الهوى؟ قالوا: إنه مضطر لهذا أمام الغرب، ولم يطعنوا في دينه، ولم يطعنوا في اعتقاده، ولم يطعنوا في نسبته إلى الإسلام، وأنا كما قلت فرحت بوصوله إلى سدة الحكم، ولست بصدد التصريح عن موقفي أو رأيي بالتفصيل تجاهه، لكن لو وأقول لو ولو مراراً: لو فعل أدنى من ذلك بكثير في بلادنا تحت ظروف حرجة مما لا يصل إلى درجة ما فعله أربكان -هداه الله إلى الحق- لعده أهل الهوى نصاً صريحاً في التكفير وإسقاط الشرعية ونقض البيعة، وما أزمة الخليج عنا ببعيد، ماذا قيل عنا وعن بلادنا وحكامنا وعلمائنا لما استدعينا قوات أجنبية لضرورة نحن أدرى بها، لكن أحكام الضرورة حلال لغيرنا حرام علينا، لكن أحكام الضرورة حلال عند أهل الأهواء ولغيرنا ولكنها حرام علينا! والأمثلة على تعامل كثير ممن ينتسبون اليوم إلى الإسلام بالهوى كثيرة، ولست بهذا أقف خصماً لجماعات أو دعاة أو أحباب، بل أسأل الله أن يسدد الجميع وأن يوفقهم لكننا نقول مع حبنا لهم نحن أدرى بما يصلح لنا وفق كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والحق أحب إلينا منهم.
стр. 32
الرد على مواقف الاستهزاء والسخرية بالعلماء وطلبة العلم
أما الذين موقفهم الاستهزاء والسخرية بالعلماء وطلبة العلم الذين يطرحون هذه القضية بنصوصها وضوابطها الشرعية فإنني أذكرهم بقول النبي ﷺ فيما رواه أبو داود بسند صحيح عن ابن عمر: (من قال في مؤمن ما ليس فيه؛ أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال وليس بخارج) فإن تذكر وانزجر وارعوى بهذا الحديث، وخاف الله واتقاه في أعراض العلماء والدعاة الذين يطرحون هذه القضية نصيحة للأمة وبراءة للذمة؛ وإلا فله قول القائل:
إذا الكلب لم يؤذيك إلا بنبحه فدعه إلى يوم القيامة ينبح
ويا سبحان الله! كيف ينظر طائفة إلى آراء المكفرين وأذناب المعتزلة والخوارج بأنها اجتهاد أقل ما فيه أن يعد وجهة نظر لابد من احترامها وسماعها، فإذا ورد قول الذين وفقهم الله في هذا الأمر إلى الصواب وموافقة السنة والكتاب وجمهور العلماء وأولوا العقول والألباب؛ عد قولهم هذا نفاقاً وتزلفاً ومداهنة، وهذه المسألة المهمة وهي أن كثيراً ممن لا يرون تكفير الولاة والحكام لكن لا يرغبون في طرح هذه القضية ولا الحديث عنها، بل وربما انتقدوا واغتابوا من يطرحها ويتناولها فإلى هؤلاء نقول: إن القول بوضوح المبادئ والمواقف في الدعوة من أسباب استمرار الدعوة ونجاحها بإذن الله، فإذا كنت تؤمن بحقوق ولاة الأمر المتفرعة عن أصل الشرعية ولزوم البيعة؛ فبادر بقبول الحق بدليله، ثم إن هذا لا يمنعك أن تنكر المنكر الذي تراه بالسبل الشرعية، سواءً كان المرتكب للخطأ سلطاناً أو حاكماً أو وزيراً أو أميراً أو محكوماً، ولكن سبيل الإنكار عليه وطريقه ليس من العقل فيه أن يسوى فيه بين المختلفات، بل أنزلوا الناس منازلهم تحقيقاً للمصالح ودرءاً للمفاسد.
وهنا مسألة مهمة وهي أن كثيراً ممن يجدون في صدورهم حرجاً من طرح هذا الأمر أو لا يحبون سماع الحديث فيه يظنون أن الكلام عن حقوق ولاة الأمر يعني بالضرورة عدم الكلام عن حقوق الرعية لا، فكما أنه ينبغي أن تفصل وأن تشرح وأن يفهم وأن يوضح حقوق ولاة الأمر؛ فكذلك لابد أن تبين حقوق الرعية على ولاة الأمر، ولابد أن يبين عظم الأمانة التي سيسأل الله عنها الحكام يوم القيامة تجاه شعوبهم ومن ولاهم الله أمرهم.
стр. 33
من حقوق ولاة الأمر: السمع والطاعة
أيها الأحبة! إن هذه القضية حينما نتكلم عنها فلا تعني أننا لا نتكلم عن غيرها، فإن هذا من الفهم القاصر الذي أتي من جهته كثير من الناس، ولا أريد أن أطيل بهذه المقدمة، لكن أقول هذا أوان الشروع بالمقصود فالقول بعون الله: إن أهل السنة وسط عدول بين طوائف الرافضة وطوائف المعتزلة والخوارج.
فـ الرافضة يقدسون الأئمة والولاة إلى درجة الغلو والعصمة، فلا يرون في فعل الأئمة منكراً فضلاً عن الإنكار عليه، وأما الخوارج والمعتزلة فإنهم يرون الأمر والنهي مع الولاة بالسيف، والخروج عليهم بالشوكة وكسر البيضة مع القول بتكفيرهم وتخليدهم في النار، ويرون ذلك من صميم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طرف يغلو ويقدس الولاة، وطرف يسل السيف على الولاة، فجاء أهل السنة وسطاً عدولاً في هذا الأمر، لا يعتقدون للولاة عصمة من الخطايا والكبائر والصغائر، ولا يغلون فيهم، بل يتصورون وقوع الأخطاء والكبائر والصغائر منهم، ويرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجاههم، لكن يحفظون حقهم ومنزلتهم في تحقيق الحكمة حال الأمر والنهي وهي: فعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي دون الخروج والتأليب أو التحريش بهم.
ويمكن أن نجمل حقوق ولاة الأمر في العناصر الآتية: أولها: السمع والطاعة في المعروف.
ثانيها: النصح ومنه الدعاء والإعانة على الحق.
ثالثها: توقيرهم في النفوس وعدم الاستهانة بشأنهم لما في ذلك من المفاسد العظيمة.
رابعها: تأليف الشاردين عنهم إليهم لما في ذلك من درء الفتنة وجمع الكلمة.
وهذا هو موجز الحقوق وإليكم الإيضاح بالتفصيل ما أسعف الوقت بذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] قال ابن كثير رحمه الله تعالى: والظاهر والله أعلم أن هذه الآية عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء.
وأخرج البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: (دعانا النبي ﷺ فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان) وهذا الحديث: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان) لذلك الذين يريدون الانقلاب ويريدون الخروج على الأئمة، ويريدون القيل والقال في علمائنا وفي ولاة أمرنا حينما يريدون أن يحدثوا الفتنة في هذا المجتمع الذي نعيشه لا يبدءون بمسألة قبل مسألة، إقامة أدلة، بل لوي أعناق نصوص، وتكلف أدلة، وتمحل أدلة حتى يقولوا بأن هذه البلاد التي نحن فيها كافرة، فإذا كانت بلادنا كافرة؛ إذاً لا قيمة للحكام ولا قيمة للولاة ولا قيمة لهؤلاء العلماء الكبار ولا مكانة ولا منزلة لهم؛ ولأجل ذلك رأينا أن الذين شقوا العصا وخرجوا وكفروا، بدءوا بالاستهانة بالعلماء وبالتقليل من شأن كبار العلماء، تكلموا في شأن الشيخ/ ابن باز وقالوا: هذا الإنسان لا يفقه ولا يفهم، وتكلموا في الشيخ/ ابن عثيمين وقالوا: هذا إنسان ليس له رأي بين، وتكلموا في كبار العلماء وقالوا فيهم ما قالوا؛ هل بينهم وبين ابن باز عداوة؟ لا، هل بينهم وبين ابن عثيمين عداوة؟ لا، إنما أرادوا أن يكسروا السفينة حتى يغرق من فيها، أردوا أن يكسروا هيبة العلماء حتى إذا انتهت مكانة العلماء تلفت الناس يميناً ويساراً يريدون أحداً يقتدى بقوله ويتأسى بفعله، فلا يجدون إلا هؤلاء الخوارج ولا يجدون إلا هؤلاء المكفرين الذين يستهينون بالعلماء، ويسقطون قدرهم ومنزلتهم، فإلى الله المشتكى، وهو المستعان على ما يصفون ويقولون.
ومن أدلة لزوم الطاعة والجماعة ما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم) وفي مسند الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال: (إن الله أمرني بالجماعة، وإنه من خرج من الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) ومن ذلك ما أخرجه الإمام أبو داود وأحمد عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من فارق الجماعة شبراً خلع ربقة الإسلام من عنقه) ولله در عبد الله بن المبارك المجاهد التاجر الغني الثري العالم المحدث الفقيه قال:
إن الجماعة حبل الله فاعتصموا منه بعروته الوثقى لمن دانا
كم يرفع الله بالسلطان مظلمة في ديننا رحمة منه ودنيانا
لولا الخلافة لم تأمن لنا سبل وكان أضعفنا نهباً لأقوانا
стр. 34
حادثة الحرة في عهد يزيد بن معاوية
جاء في صحيح مسلم: أن عبد الله بن عمر جاء إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان، زمن يزيد بن معاوية، يزيد بن معاوية لما تولى كان والياً فاسقاً، كان يشرب الخمر ويترك الصلاة، ويفعل محرمات عظيمة وكبيرة، حتى أنكر عليه علماء وأنكر عليه أئمة كبار هذه الأفعال، وكان من بين من أنكر عليه عبد الله بن مطيع.
لما كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد جاء عبد الله بن عمر زائراً لـ عبد الله بن مطيع، فقال عبد الله بن مطيع: اطرحوا لـ أبي عبد الرحمن وسادة.
فقال ابن عمر ﵁: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثاً سمعت رسول الله ﷺ يقوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من خلع يداً من طاعة؛ لقي الله لا حجة له، ومن مات ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية).
عبد الله بن مطيع بن حارثة أحد كبار التابعين، وقيل له صحبة، نزع بيعة يزيد بن معاوية من عنقه لما كان من يزيد من المعاصي والكبائر، وكان عبد الله بن مطيع وعبد الله بن حنظلة هما المتزعمان لفكرة الانقلاب أو الخروج على يزيد بن معاوية في المدينة، وكان سبب الخروج عليه كما قلت: إسرافه في المعاصي، بل قال عبد الله بن حنظلة: والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، إنه رجل ينكح أمهات الأولاد والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة.
فلما كان منهم الخروج جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع، وأخبره بهذا الحديث؛ ليكون رادعاً له عن الاستمرار في معصية الخروج، فلم يستجب عبد الله بن مطيع، وظن أن ما هو عليه سوف يزيل المنكرات، حتى أرسل يزيد بن معاوية سنة ٦٣ للهجرة جيشاً لحرب عبد الله بن مطيع بقيادة مسلم بن عقبة المري، ويسميه أهل السنة مسرف بن عقبة فكانت وقعة الحرة المشهورة التي جرت فيها الدماء كأنها في يوم عيد الأضحى، وهرب عبد الله بن مطيع فكانت النتيجة أن قتل العشرات من القراء والحفظة والتابعين والعلماء بسبب هذه الفتنة وهي الخروج على هذا الحاكم الغاشم الظالم يزيد بن معاوية.
ولذا كان من مواقف عبد الله بن عمر في هذه الفتنة -فتنة الحرة- كما جاء في الصحيحين وغيرها عن نافع أنه قال: لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع عبد الله بن عمر أولاده وأهله ثم تشهد وقال: أما بعد فإنا بايعنا هذا الرجل -يقول: نحن بايعنا يزيد - بايعناه على بيعة الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، يقال: هذا غدرة فلان وإن من أعظم الغدر -إلا أن يكون الإشراك بالله- أن يبايع الرجل رجلاً على بيعة الله ورسوله ثم ينكث بيعته، فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر فيكون الفيصل بيني وبينه).
стр. 35
طاعة الإمام المتغلب على الناس بسيفه
يقول الإمام أحمد ﵀ في شأن لزوم الطاعة حتى ولو للإمام الذي قهر الناس بسيفه، ولو للإمام المتغلب، يقول: ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً براً، كان أو فاجراً.
وقد جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن دينار قال: شهدت ابن عمر حين اجتمع الناس على عبد الملك -والمراد: اجتماع الكلمة عليه- وكانت الكلمة قبل ذلك متفرقة بين عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان كل ينادى بأمير المؤمنين، يقول عبد الله بن دينار: شهدت عبد الله بن عمر حين اجتمع الناس على عبد الملك فكتب ابن عمر -بعد الاجتماع-: [إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت، وإن بني قد أقروا بمثل ذلك].
يقول ابن حجر العسقلاني ﵀ معلقاً على هذا الأثر في الفتح: وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب، والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء وهذا الكلام كما تلاحظون هو في الإمام المتغلب، وهو الذي تسمى بيعته بيعة الإجبار، وفي ذلك يقول الشوكاني ﵀ أيضاً: لا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أو تنفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر، فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبتت فيه ولايته وبايعه أهله كان الحكم فيه أن يقتل ذلك المنازع إذا لم يتب، ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته ولا الدخول تحت ولايته.
ويقول الإمام الشاطبي ﵀ ما معناه: إن الحاكم والسلطان المتغلب إذا لم يستجمع شروط الإمامة لكن تم له التمكين واستتب له الأمر؛ وجبت طاعته وحرمت معصيته، حتى لو جاء إمام آخر مستجمع للشروط، فلا يطاع ولا يستجاب للإمام الأخير، ويسمع للإمام المتغلب الأول الذي انعقد له الأمر واجتمع الناس إليه.
стр. 36
السمع والطاعة في غير معصية الله
أيها الأحبة! مسألة الطاعة ليست من مسائل الفروع، بل هي من أصول الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، يقول الإمام الطحاوي في العقيدة الطحاوية: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، وتأملوا كلمة "ولا ندعو عليهم" فما أكثر الجهلة والأغبياء الذين يدعون على السلاطين اليوم.
ومعلوم أن الطاعة إنما تكون لسلطان له شوكة ومنعة، فمن لم تكن له شوكة ولا منعة فهذا لا سمع له ولا طاعة، إن السمع والطاعة لولاة الأمر من المسلمين في غير معصية مجمع على وجوبها عند أهل السنة والجماعة، وهي كما قلت من أصولهم التي تميزوا بها عن أهل البدع والأهواء، وقل أن ترى في مؤلفاتهم وفي عقائدهم إلا وتجد النصوص المتواترة الكثيرة على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر وإن جاروا، وإن ظلموا، وإن فسقوا، وإن فجروا وهذا الإجماع ليس اجتهاداً بل هو مبني على الأدلة من كلام رسول الله ﷺ حيث تواترت الأدلة في ذلك.
أخرج البخاري في صحيحه في باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، ورواه مسلم أيضاً كذلك عن عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) وقوله "فيما أحب وكره" أي: فيما وافق غرضه وهواه أو خالف ما يشتهيه أو يهواه.
يقول بعض أهل العلم: إن طاعة الحاكم واجبة على كل مسلم بما يوافق طبعه أم لم يوافق بشرط ألا يأمره بمعصية، فإن أمره بمعصية؛ فلا تجوز طاعته، ولا يجوز له محاربة الإمام أبداً.
стр. 37
السمع والطاعة وإن منعوا الحقوق
ومن الأحاديث الدالة على وجوب طاعة الإمام ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك) وقوله "في منشطك" يعني حالة نشاطك، وقوله "في مكرهك" أي حالة ما تكرهه من الأمور، ومعنى الأثرة الواردة في الحديث: أي الاختصاص بأمور الدنيا، أي: حتى لو أن الحكام استأثروا بالأموال واستأثروا بالدنيا واختصوا بها عن سائر الناس، فإن النبي ﷺ يقول: اسمعوا وأطيعوا ولو رأيتم أثرة في هذا الأمر، والمعنى: اسمعوا وأطيعوا ولو اختص ولاة الأمور بالدنيا، ولو لم يصلكم حقكم مما عندهم فهذا هو معنى الحديث.
ومما أخرجه مسلم في صحيحه وبوب عليه النووي فقال: باب في طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق، عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله ﷺ فقال سلمة: (يا نبي الله! أرأيت إن قام علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا، فماذا تأمرنا؟ فأعرض عنه ﷺ ، فسأل سلمة ثانية، فأعرض عنه، فلما كانت الثالثة جذبه الأشعث بن قيس فالتفت ﷺ وقال: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم) وفي رواية لـ مسلم أيضاً (فجذبه الأشعث بن قيس فقال رسول الله ﷺ : اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم) والمعنى: أن الله تعالى حمل الولاة وأوجب عليهم العدل بين الناس، فإذا لم يقيموا العدل أثموا، والله حمل الرعية السمع والطاعة للولاة، فإن قاموا بذلك أثيبوا عليه، وإن لم يقوموا بذلك أثموا.
والمعنى: أن الله أمر الولاة بالعدل وأمر الرعية بالطاعة، فإذا خرج الولاة عن العدل؛ فليس هذا بمبرر أن تخرج الرعية عن الطاعة.
стр. 38
السمع والطاعة مع الصبر على الأذى
ومن الأدلة ما أخرجه مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! إنا كنا في شر فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل وراء هذا الخير شر؟ قال: نعم.
قلت: وهل وراء ذلك الشر خير؟ قال: نعم.
قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: نعم.
قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس.
قال: قلت: يا رسول الله! كيف أصنع إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع).
أنا أعلم أن هذه الأحاديث قد لا تعجب كثيراً من الذين لا يشتهون الكلام عن هذه القضية، لكن هذه مسألة دين، وهذه مسألة عقيدة، فكما أن الله شرع أن صلاة الظهر أربع ركعات والعصر أربع ركعات والفجر ركعتان، فكذلك شرع لنا بكلام رسول الله ﷺ أن نسمع وأن نطيع ولو جلد ظهر مظلوم، ولو أخذ مال مظلوم، فإن النبي ﷺ قد أمر بذلك، وهنا تكون الاستجابة لله ورسوله، أن تستجيب لله ورسوله فيما تشتهيه وما لا تشتهيه، فيما تحبه وما لا تحبه، نعم لا يوجد أحد يشتهي أن يضرب ظهره، وأن يؤخذ ماله ثم يقول: أنا أريد أن أسمع وأطيع، لكن إذا ورد الدليل وفقهنا؛ فحينئذ يكون التزامنا وإقدامنا وقبولنا بهذا الأمر طاعة لله وطاعة لرسوله وليس حباً في ظلم وليس حباً في مظلمة تكون على مسلم.
وتأملوا هذا الحديث أيها الأحبة فهو من الأحاديث التي جاءت في هذا الباب، فالنبي ﷺ قال: إنه سيأتي أئمة لا يهتدون بهديه ولا يستنون بسنته، وذلك أمر عظيم في الضلال والفساد والزيغ والعناد، ومع ذلك أمر النبي ﷺ بطاعتهم، أي أنه حتى لو كان حال الحكام وحال الأمراء على هذه الصفة؛ فإن المسلم مأمور بالطاعة في غير معصية الله، كما جاء ذلك مقيداً في أحاديث أخر حتى ولو بلغ الأمر ما علمتم من ضرب الظهور وأخذ الأموال؛ فإن هذا لا يحمل على ترك الطاعة أو عدم سماع الأمر، ولا يحمل على شق الجماعة والخروج على ذلك، فإن هذا الجرم عليهم سيحاسبون ويجازون به يوم القيامة، فإن قادك الهوى إلى مخالفة هذا الأمر الحكيم والشرع المستقيم، فلم تسمع ولم تطع لأميرك؛ فقد لحقك الإثم ووقعت في المحذور.
وهذا الأمر النبوي هو من تمام العدل الذي جاء به الإسلام، فإن هذا المضرور إذا لم يسمع ويطع وذاك المضرور إذا لم يسمع ويطع، والآخر الذي أخذ ماله لم يسمع ويطع؛ ماذا تكون النتيجة؟ يفضي هذا إلى تعطيل المصالح الدينية والدنيوية، فيقع الظلم على جميع الرعية أو على أكثر الرعية، وبذلك يرتفع العدل عن العباد والبلاد، فتتحقق المفسدة وتلحق بالجميع ولا تكون مقصورة على واحد أو اثنين أو عشرة أو مائة أو مائتين، بينما لو ظلم هذا فصبر واحتسب، وسأل الله الفرج وسمع وأطاع، وكذلك الآخر إذا أخذ ماله فصبر واحتسب، وسأل الله الفرج وسمع وأطاع؛ لقامت المصالح ولم تتعطل ولم يضع حقه عند الله ، بل ربما عوضه الله خيراً منه وربما ادخره الله له في الآخرة، وهذا من محاسن الشريعة؛ فإنها لم ترتب السمع والطاعة على عدل الأئمة، ولو كان الأمر في ذلك لكانت الدنيا كلها هرجاً ومرجاً.
ومن الأدلة أيضاً ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عوف بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم -فسماهم أئمة- الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم.
قيل: يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يداً من طاعة) وفي لفظ آخر لـ مسلم أيضاً: (ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة).
ومن النصوص أيضاً ما أخرج البخاري في صحيحه عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة).
ومن النصوص الواردة في لزوم السمع والطاعة والصبر على جور الأئمة وعدم الخروج عليهم وعدم النزاع حتى لو كان منهم ما كان، ما رواه عبادة بن الصامت ﵁ قال: (دعانا رسول الله ﷺ -وهذا الحديث في الصحيحين - فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان) هذا لفظ الإمام مسلم ﵀.
стр. 39
كلام الشيخ ابن باز في وجوب طاعة ولاة الأمر
يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز متع الله به على طاعته: الواجب على جميع المسلمين في هذه المملكة السمع والطاعة.
وهنا مسألة: سماحة الشيخ يقول: الواجب على المسلمين في هذه المملكة؛ حتى لا يقول قائل: إن الكلام في السمع والطاعة عن ولاة الأمور، لكن نحن ما حددنا ولاة الأمور أو أننا نضمر في أنفسنا ولاة أمور آخرين غير ولاة الأمور الموجودين، فهذا أمر مهم: أننا حينما نتكلم عن السمع والطاعة لولاة الأمور، فنقصد بذلك السمع والطاعة لحكامنا هؤلاء الذين يحكمون البلاد المسئولين الحكام الأمراء، فالمقصود بولي الأمر هؤلاء الحكام، وليس كما يقوله آخرون: نحن نقول: ولاة الأمور، لكن نقصد ولاة أمورنا الذين في لندن! أو نقصد ولاة أمورنا الذين في مكان آخر لا، الصلاة على الميت الحاضر، حينما نتكلم عن ولاة الأمور فالكلام عن ولاة أمورنا في هذه البلاد كما يصرح بذلك سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز.
يقول: فالواجب على جميع المسلمين في هذه المملكة السمع والطاعة لولاة الأمور بالمعروف كما دلت على ذلك الأحاديث -والسمع والطاعة بالمعروف- الصحيحة والثابتة عن النبي ﷺ ، فلا يجوز لأحد أن ينزع يداً من طاعة بل يجب على الجميع السمع والطاعة لولاة الأمور بالمعروف، يقول النبي ﷺ : (من خرج على الطاعة، وخرج على الجماعة ومات؛ مات ميتة جاهلية) فالواجب على المؤمن السمع والطاعة بالمعروف، وألا يخرج عن السمع والطاعة بل يجب عليه الإذعان والتسليم لما قال رسول الله ﷺ ، ثم يقول سماحته: وهذه الدولة السعودية دولة إسلامية والحمد الله، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتأمر بتحكيم الشرع، وتحكمه بين المسلمين، فالواجب على جميع الرعية السمع والطاعة لها بالمعروف، والحذر من الخروج عليها، والحذر من معصيتها في المعروف، أما من أمر بمعصية فالمعصية لا يطاع أحد فيها لا من الملوك ولا غير الملوك لقول النبي ﷺ : (إنما الطاعة بالمعروف، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) فإذا أمر ملك أو رئيس جمهورية أو وزير أو والد أو والدة أو غيرهم بمعصية كشرب خمر أو أكل الربا لم يجز الطاعة في ذلك، بل يجب ترك المعصية، وألا يسمع لأحد فيها، فطاعة الله مقدمة (إنما الطاعة في المعروف) هكذا جاءت السنة الصحيحة.
اللهم إنا نشهدك على ما في أنفسنا أننا ندين ونعتقد بما سمعتموه وبما قلناه من كلام سماحة الإمام الشيخ/ عبد العزيز بن باز.
ويقول سماحته -متع الله به على طاعته-: ننصح الجميع بلزوم السمع والطاعة كما تقدم، والحذر الحذر من شق العصا، والخروج على ولاة الأمور فهذا من المنكرات العظيمة، بل هذا دين الخوارج والمعتزلة -الخروج على ولاة الأمور وعدم السمع والطاعة لهم إذا وجدت معصية- وهذا غلط خلاف ما أمر به النبي ﷺ ، فإن النبي ﷺ أمر بالسمع والطاعة بالمعروف وقال: (من رأى من أميره شيئاً من معصية الله؛ فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة) وقال ﷺ : (من أتاكم وأمركم جميع، يريد أن يشق عصاكم، ويفرق جماعتكم؛ فاضربوا عنقه) أي أنه إذا أتى أحد يريد أن يشق العصا ويفرق الجماعة؛ فاضربوا عنقه، فلا يجوز لأحد أن يشق العصا أو يخرج عن بيعة ولاة الأمور أو يدعو إلى ذلك؛ فإن هذا من أعظم المنكرات ومن أعظم أسباب الفتنة والشحناء، والذي يدعو إلى ذلك يقتل.
يقول سماحة الشيخ: الذي يدعو إلى الخروج يقتل؛ لأنه يفرق الجماعة ويشق العصا، فالواجب الحذر من هذا غاية الحذر، والواجب على ولاة الأمور إذا عرفوا من يدعو إلى هذا؛ أن يأخذوا على يديه بالقوة حتى لا تقع بين المسلمين فتنة.
وسئل سماحته عمن يقول: أنا لم أبايع الوالي، ولهذا لا تلزمني بيعة، وليس في عنقي بيعة.
فأجاب سماحته: إذا اجتمع المسلمون على أمير وجبت الطاعة على الجميع ولو لم يبايع بنفسه، فالصحابة والمسلمون ما بايعوا أبا بكر كلهم، إنما بايعهم من بـ المدينة، بايع بعضهم ولزمت البيعة على الجميع، إذا بايع أهل الحل والعقد ولي الأمر وجبت الطاعة على الجميع وإن لم يباشر البيعة كل واحد من الرعية بل تلزمه البيعة وإن لم يصافح وإن لم يتول البيعة بنفسه.
هذه -أيها الأحبة- من النصوص المهمة العظيمة في شأن لزوم السمع والطاعة.
стр. 40
النصيحة لولاة الأمور وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر
الثاني من حقوق ولاة الأمور: النصيحة لهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والأصل في ذلك قول النبي ﷺ : (الدين النصيحة؟ قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ورسوله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم) ويدخل في هذه النصيحة: تنبيه الولاة والحكام على ما يقع في البلاد من مخالفات شرعية أو كبائر ومعاصٍ تكون سبباً لحلول النقم والبأس بالعباد والبلاد، والله يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] وليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقط لعامة الناس، بل حتى الحكام يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فإن من ترك ذلك؛ فقد تشبه ببني إسرائيل الذين تركوا هذا الأمر، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩].
وحديث أبي سعيد ﵁ أيضاً أن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكراً؛ فليغيره بيده، فإن لم يستطع؛ فبلسانه، فإن لم يستطع؛ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) إذاً مناصحة الحكام وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، أمرهم بالمعروف بالمعروف، ونهيهم عن المنكر بغير منكر؛ من الحقوق التي تجب علينا تجاههم، وما أحسن ما قاله العلامة ابن رجب ﵀: والنصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحق وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق، وحث الأغيار على ذلك.
وأخرج الإمام أحمد في المسند أن النبي ﷺ قال: (ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم أبداً: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من وراءهم).
لكن هذه المناصحة وهذا الحق الذي يجب علينا تجاه ولاة أمورنا وهو نصيحتهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر لابد لها من ضوابط شرعية، لما يترتب عليها من قبول أو رد يفضي إلى فتنة أو إصلاح.
إن السكوت عن مناصحة الحكام خيانة للحكام، إن السكوت عن أمر الحكام بالمعروف ونهيهم عن المنكر، إن السكوت عن بيان الأخطار التي تحل في العباد والبلاد خيانة للحكام هؤلاء الذين نحن نقول: يجب السمع والطاعة لهم.
следующие страницы →