Полный текст (3 155 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
السمع والطاعة في غير معصية الله
أيها الأحبة! مسألة الطاعة ليست من مسائل الفروع، بل هي من أصول الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، يقول الإمام الطحاوي في العقيدة الطحاوية: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، وتأملوا كلمة "ولا ندعو عليهم" فما أكثر الجهلة والأغبياء الذين يدعون على السلاطين اليوم.
ومعلوم أن الطاعة إنما تكون لسلطان له شوكة ومنعة، فمن لم تكن له شوكة ولا منعة فهذا لا سمع له ولا طاعة، إن السمع والطاعة لولاة الأمر من المسلمين في غير معصية مجمع على وجوبها عند أهل السنة والجماعة، وهي كما قلت من أصولهم التي تميزوا بها عن أهل البدع والأهواء، وقل أن ترى في مؤلفاتهم وفي عقائدهم إلا وتجد النصوص المتواترة الكثيرة على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر وإن جاروا، وإن ظلموا، وإن فسقوا، وإن فجروا وهذا الإجماع ليس اجتهاداً بل هو مبني على الأدلة من كلام رسول الله ﷺ حيث تواترت الأدلة في ذلك.
أخرج البخاري في صحيحه في باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، ورواه مسلم أيضاً كذلك عن عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) وقوله "فيما أحب وكره" أي: فيما وافق غرضه وهواه أو خالف ما يشتهيه أو يهواه.
يقول بعض أهل العلم: إن طاعة الحاكم واجبة على كل مسلم بما يوافق طبعه أم لم يوافق بشرط ألا يأمره بمعصية، فإن أمره بمعصية؛ فلا تجوز طاعته، ولا يجوز له محاربة الإمام أبداً.
стр. 37
السمع والطاعة وإن منعوا الحقوق
ومن الأحاديث الدالة على وجوب طاعة الإمام ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك) وقوله "في منشطك" يعني حالة نشاطك، وقوله "في مكرهك" أي حالة ما تكرهه من الأمور، ومعنى الأثرة الواردة في الحديث: أي الاختصاص بأمور الدنيا، أي: حتى لو أن الحكام استأثروا بالأموال واستأثروا بالدنيا واختصوا بها عن سائر الناس، فإن النبي ﷺ يقول: اسمعوا وأطيعوا ولو رأيتم أثرة في هذا الأمر، والمعنى: اسمعوا وأطيعوا ولو اختص ولاة الأمور بالدنيا، ولو لم يصلكم حقكم مما عندهم فهذا هو معنى الحديث.
ومما أخرجه مسلم في صحيحه وبوب عليه النووي فقال: باب في طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق، عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله ﷺ فقال سلمة: (يا نبي الله! أرأيت إن قام علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا، فماذا تأمرنا؟ فأعرض عنه ﷺ ، فسأل سلمة ثانية، فأعرض عنه، فلما كانت الثالثة جذبه الأشعث بن قيس فالتفت ﷺ وقال: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم) وفي رواية لـ مسلم أيضاً (فجذبه الأشعث بن قيس فقال رسول الله ﷺ : اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم) والمعنى: أن الله تعالى حمل الولاة وأوجب عليهم العدل بين الناس، فإذا لم يقيموا العدل أثموا، والله حمل الرعية السمع والطاعة للولاة، فإن قاموا بذلك أثيبوا عليه، وإن لم يقوموا بذلك أثموا.
والمعنى: أن الله أمر الولاة بالعدل وأمر الرعية بالطاعة، فإذا خرج الولاة عن العدل؛ فليس هذا بمبرر أن تخرج الرعية عن الطاعة.
стр. 38
السمع والطاعة مع الصبر على الأذى
ومن الأدلة ما أخرجه مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! إنا كنا في شر فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل وراء هذا الخير شر؟ قال: نعم.
قلت: وهل وراء ذلك الشر خير؟ قال: نعم.
قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: نعم.
قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس.
قال: قلت: يا رسول الله! كيف أصنع إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع).
أنا أعلم أن هذه الأحاديث قد لا تعجب كثيراً من الذين لا يشتهون الكلام عن هذه القضية، لكن هذه مسألة دين، وهذه مسألة عقيدة، فكما أن الله شرع أن صلاة الظهر أربع ركعات والعصر أربع ركعات والفجر ركعتان، فكذلك شرع لنا بكلام رسول الله ﷺ أن نسمع وأن نطيع ولو جلد ظهر مظلوم، ولو أخذ مال مظلوم، فإن النبي ﷺ قد أمر بذلك، وهنا تكون الاستجابة لله ورسوله، أن تستجيب لله ورسوله فيما تشتهيه وما لا تشتهيه، فيما تحبه وما لا تحبه، نعم لا يوجد أحد يشتهي أن يضرب ظهره، وأن يؤخذ ماله ثم يقول: أنا أريد أن أسمع وأطيع، لكن إذا ورد الدليل وفقهنا؛ فحينئذ يكون التزامنا وإقدامنا وقبولنا بهذا الأمر طاعة لله وطاعة لرسوله وليس حباً في ظلم وليس حباً في مظلمة تكون على مسلم.
وتأملوا هذا الحديث أيها الأحبة فهو من الأحاديث التي جاءت في هذا الباب، فالنبي ﷺ قال: إنه سيأتي أئمة لا يهتدون بهديه ولا يستنون بسنته، وذلك أمر عظيم في الضلال والفساد والزيغ والعناد، ومع ذلك أمر النبي ﷺ بطاعتهم، أي أنه حتى لو كان حال الحكام وحال الأمراء على هذه الصفة؛ فإن المسلم مأمور بالطاعة في غير معصية الله، كما جاء ذلك مقيداً في أحاديث أخر حتى ولو بلغ الأمر ما علمتم من ضرب الظهور وأخذ الأموال؛ فإن هذا لا يحمل على ترك الطاعة أو عدم سماع الأمر، ولا يحمل على شق الجماعة والخروج على ذلك، فإن هذا الجرم عليهم سيحاسبون ويجازون به يوم القيامة، فإن قادك الهوى إلى مخالفة هذا الأمر الحكيم والشرع المستقيم، فلم تسمع ولم تطع لأميرك؛ فقد لحقك الإثم ووقعت في المحذور.
وهذا الأمر النبوي هو من تمام العدل الذي جاء به الإسلام، فإن هذا المضرور إذا لم يسمع ويطع وذاك المضرور إذا لم يسمع ويطع، والآخر الذي أخذ ماله لم يسمع ويطع؛ ماذا تكون النتيجة؟ يفضي هذا إلى تعطيل المصالح الدينية والدنيوية، فيقع الظلم على جميع الرعية أو على أكثر الرعية، وبذلك يرتفع العدل عن العباد والبلاد، فتتحقق المفسدة وتلحق بالجميع ولا تكون مقصورة على واحد أو اثنين أو عشرة أو مائة أو مائتين، بينما لو ظلم هذا فصبر واحتسب، وسأل الله الفرج وسمع وأطاع، وكذلك الآخر إذا أخذ ماله فصبر واحتسب، وسأل الله الفرج وسمع وأطاع؛ لقامت المصالح ولم تتعطل ولم يضع حقه عند الله ، بل ربما عوضه الله خيراً منه وربما ادخره الله له في الآخرة، وهذا من محاسن الشريعة؛ فإنها لم ترتب السمع والطاعة على عدل الأئمة، ولو كان الأمر في ذلك لكانت الدنيا كلها هرجاً ومرجاً.
ومن الأدلة أيضاً ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عوف بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم -فسماهم أئمة- الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم.
قيل: يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يداً من طاعة) وفي لفظ آخر لـ مسلم أيضاً: (ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة).
ومن النصوص أيضاً ما أخرج البخاري في صحيحه عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة).
ومن النصوص الواردة في لزوم السمع والطاعة والصبر على جور الأئمة وعدم الخروج عليهم وعدم النزاع حتى لو كان منهم ما كان، ما رواه عبادة بن الصامت ﵁ قال: (دعانا رسول الله ﷺ -وهذا الحديث في الصحيحين - فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان) هذا لفظ الإمام مسلم ﵀.
стр. 39
كلام الشيخ ابن باز في وجوب طاعة ولاة الأمر
يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز متع الله به على طاعته: الواجب على جميع المسلمين في هذه المملكة السمع والطاعة.
وهنا مسألة: سماحة الشيخ يقول: الواجب على المسلمين في هذه المملكة؛ حتى لا يقول قائل: إن الكلام في السمع والطاعة عن ولاة الأمور، لكن نحن ما حددنا ولاة الأمور أو أننا نضمر في أنفسنا ولاة أمور آخرين غير ولاة الأمور الموجودين، فهذا أمر مهم: أننا حينما نتكلم عن السمع والطاعة لولاة الأمور، فنقصد بذلك السمع والطاعة لحكامنا هؤلاء الذين يحكمون البلاد المسئولين الحكام الأمراء، فالمقصود بولي الأمر هؤلاء الحكام، وليس كما يقوله آخرون: نحن نقول: ولاة الأمور، لكن نقصد ولاة أمورنا الذين في لندن! أو نقصد ولاة أمورنا الذين في مكان آخر لا، الصلاة على الميت الحاضر، حينما نتكلم عن ولاة الأمور فالكلام عن ولاة أمورنا في هذه البلاد كما يصرح بذلك سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز.
يقول: فالواجب على جميع المسلمين في هذه المملكة السمع والطاعة لولاة الأمور بالمعروف كما دلت على ذلك الأحاديث -والسمع والطاعة بالمعروف- الصحيحة والثابتة عن النبي ﷺ ، فلا يجوز لأحد أن ينزع يداً من طاعة بل يجب على الجميع السمع والطاعة لولاة الأمور بالمعروف، يقول النبي ﷺ : (من خرج على الطاعة، وخرج على الجماعة ومات؛ مات ميتة جاهلية) فالواجب على المؤمن السمع والطاعة بالمعروف، وألا يخرج عن السمع والطاعة بل يجب عليه الإذعان والتسليم لما قال رسول الله ﷺ ، ثم يقول سماحته: وهذه الدولة السعودية دولة إسلامية والحمد الله، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتأمر بتحكيم الشرع، وتحكمه بين المسلمين، فالواجب على جميع الرعية السمع والطاعة لها بالمعروف، والحذر من الخروج عليها، والحذر من معصيتها في المعروف، أما من أمر بمعصية فالمعصية لا يطاع أحد فيها لا من الملوك ولا غير الملوك لقول النبي ﷺ : (إنما الطاعة بالمعروف، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) فإذا أمر ملك أو رئيس جمهورية أو وزير أو والد أو والدة أو غيرهم بمعصية كشرب خمر أو أكل الربا لم يجز الطاعة في ذلك، بل يجب ترك المعصية، وألا يسمع لأحد فيها، فطاعة الله مقدمة (إنما الطاعة في المعروف) هكذا جاءت السنة الصحيحة.
اللهم إنا نشهدك على ما في أنفسنا أننا ندين ونعتقد بما سمعتموه وبما قلناه من كلام سماحة الإمام الشيخ/ عبد العزيز بن باز.
ويقول سماحته -متع الله به على طاعته-: ننصح الجميع بلزوم السمع والطاعة كما تقدم، والحذر الحذر من شق العصا، والخروج على ولاة الأمور فهذا من المنكرات العظيمة، بل هذا دين الخوارج والمعتزلة -الخروج على ولاة الأمور وعدم السمع والطاعة لهم إذا وجدت معصية- وهذا غلط خلاف ما أمر به النبي ﷺ ، فإن النبي ﷺ أمر بالسمع والطاعة بالمعروف وقال: (من رأى من أميره شيئاً من معصية الله؛ فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة) وقال ﷺ : (من أتاكم وأمركم جميع، يريد أن يشق عصاكم، ويفرق جماعتكم؛ فاضربوا عنقه) أي أنه إذا أتى أحد يريد أن يشق العصا ويفرق الجماعة؛ فاضربوا عنقه، فلا يجوز لأحد أن يشق العصا أو يخرج عن بيعة ولاة الأمور أو يدعو إلى ذلك؛ فإن هذا من أعظم المنكرات ومن أعظم أسباب الفتنة والشحناء، والذي يدعو إلى ذلك يقتل.
يقول سماحة الشيخ: الذي يدعو إلى الخروج يقتل؛ لأنه يفرق الجماعة ويشق العصا، فالواجب الحذر من هذا غاية الحذر، والواجب على ولاة الأمور إذا عرفوا من يدعو إلى هذا؛ أن يأخذوا على يديه بالقوة حتى لا تقع بين المسلمين فتنة.
وسئل سماحته عمن يقول: أنا لم أبايع الوالي، ولهذا لا تلزمني بيعة، وليس في عنقي بيعة.
فأجاب سماحته: إذا اجتمع المسلمون على أمير وجبت الطاعة على الجميع ولو لم يبايع بنفسه، فالصحابة والمسلمون ما بايعوا أبا بكر كلهم، إنما بايعهم من بـ المدينة، بايع بعضهم ولزمت البيعة على الجميع، إذا بايع أهل الحل والعقد ولي الأمر وجبت الطاعة على الجميع وإن لم يباشر البيعة كل واحد من الرعية بل تلزمه البيعة وإن لم يصافح وإن لم يتول البيعة بنفسه.
هذه -أيها الأحبة- من النصوص المهمة العظيمة في شأن لزوم السمع والطاعة.
стр. 40
النصيحة لولاة الأمور وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر
الثاني من حقوق ولاة الأمور: النصيحة لهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والأصل في ذلك قول النبي ﷺ : (الدين النصيحة؟ قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ورسوله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم) ويدخل في هذه النصيحة: تنبيه الولاة والحكام على ما يقع في البلاد من مخالفات شرعية أو كبائر ومعاصٍ تكون سبباً لحلول النقم والبأس بالعباد والبلاد، والله يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] وليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقط لعامة الناس، بل حتى الحكام يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فإن من ترك ذلك؛ فقد تشبه ببني إسرائيل الذين تركوا هذا الأمر، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩].
وحديث أبي سعيد ﵁ أيضاً أن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكراً؛ فليغيره بيده، فإن لم يستطع؛ فبلسانه، فإن لم يستطع؛ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) إذاً مناصحة الحكام وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، أمرهم بالمعروف بالمعروف، ونهيهم عن المنكر بغير منكر؛ من الحقوق التي تجب علينا تجاههم، وما أحسن ما قاله العلامة ابن رجب ﵀: والنصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحق وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق، وحث الأغيار على ذلك.
وأخرج الإمام أحمد في المسند أن النبي ﷺ قال: (ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم أبداً: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من وراءهم).
لكن هذه المناصحة وهذا الحق الذي يجب علينا تجاه ولاة أمورنا وهو نصيحتهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر لابد لها من ضوابط شرعية، لما يترتب عليها من قبول أو رد يفضي إلى فتنة أو إصلاح.
إن السكوت عن مناصحة الحكام خيانة للحكام، إن السكوت عن أمر الحكام بالمعروف ونهيهم عن المنكر، إن السكوت عن بيان الأخطار التي تحل في العباد والبلاد خيانة للحكام هؤلاء الذين نحن نقول: يجب السمع والطاعة لهم.
стр. 41
حسن الأسلوب في مناصحة الحكام
وإن من تمام الولاء لهم ومن تمام البيعة ومن تمام الإخلاص والنصيحة لهم، أن تبين لهم الأخطار وأن يرفع إليهم بشأن المنكرات، وأن يتابع معهم في هذا الأمر، روى الإمام أحمد والحاكم في مستدركه وهذا الحديث نص في ضرورة مراعاة الكيفية التي يناصح بها الحاكم.
يا أحبابي! لو أن واحداً من الآباء جاءه واحد من أولاده فقال: يا أبت أنت فاسق، في بيتنا دش.
يا أبت أنت ديوث، أنت تفعل كذا وأنت تفعل كذا وأنت تفعل كذا، ما ظنك بالأب وهو يسمع من ولده هذه النصائح التي يقول فيها بعلم وبجهل وبحق وبباطل؟ والله يوشك أن يتخلص من حياته، إذا كانت نصيحة الولد للوالد تحتاج إلى مراعاة وأسلوب وكيفية؛ فكذلك مناصحة الحاكم لابد لها من كيفية تناسب المقصود وهو إيصال الخطر والمنكر وبيانه لهم وتحذيرهم من مغبته، وإيصال ما نقص من المعروف لهم حتى يأمروا بتمامه وإكماله.
روى الإمام أحمد والحاكم في مستدركه عن عياض بن غنم قال: قال ﷺ : (من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبذله علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه) وهذا حديث عظيم وحجة قوية في مناصحة الحاكم، ما تأتي تناصح الحاكم أمام الناس فربما جعلته يستشيط غضباً ويتحداك عناداً وإصراراً، لكن كما في الحديث: (من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبذله علانية -أي: لا تنصحه أمام خلق الله- ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه).
وأخرج مسلم في صحيحه عن أسامة بن زيد ﵁ أنه قيل له: ألا تدخل على عثمان بن عفان لتكلمه؟ أي: يقولون: يا أسامة لماذا لا تنكر بعض الأمور على عثمان بن عفان الخليفة الثالث الراشد؟ فقال أسامة: أترون أني لا أكلم عثمان إلا أن أسمعكم؟! أي: أتريدونني أن أنصحه وأنتم تسمعون؟ تريدون أن أكلمه وأنتم تنظرون؟! والله لقد كلمته فيما بيني وبينه دون أن أفتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه.
أي: لا أريد أن أسن سنة في الجرأة على السلاطين والكلام عليهم في مجامع الناس العامة.
يقول سماحة الشيخ ابن باز: ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة بالمعروف، ويفضي إلى الخوف الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير، وإنكار المنكر يكون من دون ذكر من فعله، ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من غير ذكر أن فلاناً يفعلها لا حاكم ولا غيره، ولما وقعت الفتنة في عهد عثمان ﵁ -كل هذا من كلام الشيخ ابن باز- قال بعض الناس لـ أسامة بن زيد: ألا تنكر على عثمان.
قال: أنكر عليه عند الناس؟ لا، لكن أنكر عليه بيني وبينه، لا أفتح باب شر على الناس، ولما فتح باب الشر في زمن عثمان، وأصبحوا ينكرون على عثمان جهرة، ويتكلمون في عرض الوالي والخليفة الراشد في المجالس؛ تمت الفتنة والقتال والفساد الذي لا يزال آثاره إلى اليوم حتى حصلت الفتنة بين علي ومعاوية، وقتل عثمان وعلي بسبب ذلك، وقتل جمع كثير من الصحابة وغيرهم بأسباب الإنكار العلني وذكر العيوب علناً حتى أبغض الناس ولي أمرهم، وحتى قتلوه نسأل الله السلامة والعافية.
نعم أيها الأحبة! هذه أجوبة مسددة من إمام عالم مسدد قد شابت لحيته في الإسلام، وشهد له القاصي والداني بالحب، نحسبه من أولياء الله ولا نزكي على الله أحداً.
قال ابن مفلح ﵀: وقال ابن الجوزي: الجائز من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع السلاطين التعريف والوعظ، فأما تخشين القول نحو: يا ظالم يا من لا يخاف الله؛ فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شررها أو ضررها إلى الغير؛ لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه؛ فهو جائز عند جمهور العلماء، قال: والذي أراه المنع من ذلك انتهى كلامه ﵀.
نعم هنا حديث صريح صحيح وهو قول النبي ﷺ : (سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره فنهاه، فقتله) لكن هذا رجل دخل على السلطان وقام إليه وقال له كيت وكيت وكيت، اتق الله، يوجد كذا، لا يوجد كذا، يحصل كذا، وقع كذا، فحينئذ إن سمع منه وخرج فالحمد الله، وإن دحرج رأسه على الأرض فهذا المناصح شهيد بإذن الله ، وهذا أمر ينبغي أن نفقهه؛ لأن بعض الناس يقول: هؤلاء الذين يتكلمون عن حقوق ولاة الأمر لا يحبون أن يأتي أحد لينصح ولاة الأمور لا والله، بل نحن نحرص ونعلم أن هذا من صميم حقوق ولاة أمرنا علينا، أن ينتخب لمناصحة ولاة الأمور العقلاء، العلماء، أهل التجربة، أهل الكلام الحسن، أهل المداخل الطيبة، الذين يحسنون الحديث ويعرفون الحسنات ويقدرونها، ويعرفون الأخطاء والسيئات ويقدرونها قدرها، ثم يأتون ليناصحون (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) (سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره فنهاه فقتله) نعم انظروا إلى كلمة (إمام) وكلمة (عند سلطان) من كان شجاعاً أو قوياً أو على درجة من العلم ويريد أن ينصح؛ فجزاه الله خيراً بالضوابط الشرعية والآداب المرعية.
وإننا نرى ولله الحمد والمنة أن هذا لن يحصل، أعني: لو قام أحد في بلادنا ودخل على الحاكم أو على أمير وقال له: اتق الله يوجد كذا أو لا يوجد كذا يسلم رأسه من الآن بإذن الله ، لن يقطع رأسه، يطمئن من ذلك، لكن الشاهد من الحديث أنه يكون هذا النصح مشروعاً إذا كنت في وجه الحاكم وجهاً لوجه، إلى إمام أو عند سلطان أما أن تجلس في أربعة جدران أو في جلسة خلوية وتجلس وتقول: الحاكم فيه والحاكم فيه والحاكم قال والحاكم فعل والحاكم صلح والحاكم زين ماذا ينفع الكلام مع الناس؟ بعض الناس لو ينقطع عليه الماء لا يستطيع أن يوصل ماء؟ بعض الناس لو انقطعت عليه الكهرباء لا يستطيع أن يصلح الكهرباء، تأتي وتكلم مساكين فقراء ضعفاء ليس لديهم خبرة ولا سالفة ولا حيلة وتكلمهم عن أخطاء الحكام؟! لا، هذا ليس من العقل وليس من المنطق بأي حال من الأحوال.
يقول ابن النحاس: ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رءوس الأشهاد بل لو كلمه سراً ونصحه خفية من غير ثالث لهما.
أي: كلما كانت النصيحة ما بينه وبين الحاكم سراً كلما كان هذا أفضل، والنصيحة يراد بها إبراء الذمة، ويراد بها إصلاح الأحوال، فأما إبراء الذمة فيقع بإبلاغ النصيحة، أي أنك تقول: والله أنا أريد أن أبرئ ذمتي، لا، لا تبرئ ذمتك أمام العامة أو أمام الناس، تريد أن تبرئ ذمتك ترفع برقية تذهب وتبلغ هذه الرسالة إلى من يصل إلى السلطان أو يدخل على السلطان، فتبرأ ذمتك بإذن الله .
وأما الأمر الثاني من النصيحة فهو التحويل من حال إلى حال، أي إصلاح الأوضاع وإصلاح الأحوال من حال رديئة إلى حال جيدة، فأنت في هذا ما عليك إلا إبلاغ النصيحة وأما تغير الأحوال فبيد الله : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٢٠] ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧].
стр. 42
التفريق في النصيحة بين حال الأمن وحال الخوف والحرب
وهنا أيضاً في النصيحة يجب التفريق بين حالين: بين حال الأمن والرخاء والاستتباب، وبين حال الخوف والحرب والفتن التي تقع في البلاد، فلنضرب مثلاً أن بلادنا في حالة حرب وفي حالة معركة فهل من المنطق أن نأتي ونتكلم: أصلحوا زينوا بدلوا عدلوا غيروا لا، ليس هذا وقته، وليس هذا من الحكمة أبداً، بل ننتظر حتى تنتهي الحرب وينصرنا الله على من عادانا، ويبتعد العدو عن بلادنا، ويبتعدون عن حدود أرضنا، فإذا استقرت أوضاعنا؛ عدنا إلى حكامنا وقلنا: اتقوا الله، غيروا وبدلوا وعدلوا وأصلحوا، أما في هذه اللحظة الخطيرة، في لحظة الدبابات على حدودنا والطائرات تقصف والصواريخ ترمي ثم تأتي وتقول: الآن هي الفرصة المناسبة حتى يجتمع الناس على الحاكم فأضغط عليه ضغط إجبار يغير الأوضاع هذا ليس من الحكمة وليس من الدين بأي حال من الأحوال، إنما يجب أن يتحين لهذه النصيحة وقت الرخاء ووقت الطمأنينة، أما في حالة الخوف والحرب والخطر والفتن فحينئذ الخطر علينا جميعاً، يمكن أن يأتي العدو ويستبيح أرضنا من جهة شمالية وجنوبية وشرقية وغربية، ويطأ الأعداء هذه البلاد، فيقتلون الحاكم والعالم والداعي والآمر والناهي والغيور والفاسق والفاجر يقتلون جميعاً.
فليس من الحكمة أن يغيب عن ذهن المغير أو الناصح أن يعرف أو أن يقدر للزمن وللظرف والمناسبة قدرها ومكانها.
стр. 43
التفريق بين الإصلاح وبين تكوين معارضة أو إثارة فتنة
وكذلك أيها الأحبة هنا مسألة مهمة لا يميزها كثير من الناس أو كثير من الشباب خاصة: تكوين معارضة شيء وإصلاح الأحوال شيء آخر، مثلاً يوجد بلاد أو في أي مجال في أي جانب يوجد فساد أو يوجد خلل أو يوجد انحراف فتغيير هذه الأمور وإصلاح هذه الأحوال شيء، أما تأليب الناس وتهييج الناس شيء آخر، ولذلك في حديث أو حوار ساخن حول ذلك المارق الماجن الذي يسمى " محمد المسعري " صاحب لجنة الحقوق في لندن، أتحدث مع أحد الإخوة وكان يتحدث عن الفاكسات التي أصبحت الآن أثراً بعد عين، ولا يوجد من يسمع بها، ولا من يقرأها ولا من يلتفت لها، بل أصبح الناس إذا ابتلوا بها يأخذها فوراً دون أن يقرأها ويرميها في الزبالة، وربما يجر عليها السيفون، هذا يكون معارضة ويريد أن يثير فتنة، يريد أن يؤلب فريقاً من الناس في هذا المجتمع، فتأليب الناس، تكوين معارضة، إثارة فريق من الناس هذا عمل، لكن الإصلاح عمل آخر، لا علاقة لهذا بهذا أبداً، ولا يمكن وباستقراء التاريخ ما عرف أن التأليب والفتن والخروج وهذه الأمور كونت إصلاحاً، بل الإصلاح شأن آخر، لكن بعض الأغيار وبعض الأبرار وبعض المساكين انطلت عليه الحيلة حتى أصبح أحدهم ينافح عن هذا المارق بكل ما أوتي.
أذكر مرة بعد صلاة التراويح وقف لي شاب وقال: لماذا أنت تعرضت لما قاله المسعري في الفاكس الفلاني.
قلت: أولاً: يا أخي الحبيب هذا الرجل نعم هو كذب علي مراراً، ودينه الكذب، يكذب كذبات كالشمس في رابعة النهار، وأنا ممن كذب علي، لكن يا أخي الحبيب ما حاجتك في هذا الكلام وما حاجتك في هذه القضايا التي يطرحها؟ قال: لا، هو سبق أن عرفته وسبق أن وثقت فيه.
قلت: أردت أن تضعه إماماً يقتدى، هذا بينك وبينه، الله يصلحك، لكن يا أخي الحبيب اعلم أن ما يفعله هذا المسكين هو تكوين معارضة، وقد حصل من قبله ما حصل، الذين يعرفون التاريخ السياسي للمملكة العربية السعودية وجد من حاول أن يفعل مثل ما فعله المسعري، بل وملك من قبله أموراً ما ملكها المسعري، وأوتي قوة ما أوتيها المسعري، وأوتي أساليب ما أوتيها المسعري، ومع ذلك أخمده الله وقتله في فتنته، وشتت شمله، ووأد حركته وفتنته في مهدها، فمن باب أولى هذا المسكين.
لذا أقول أيها الأحبة: فرق، وهذا الكلام قاس وجاف وصعب، وبعض النفوس لا تتحمله، لكن الحق لا بد أن نتحمله وإلا كنا أصحاب هوى، إذا جاء ما يعجبنا نشطنا له، وإذا جاءت النصوص عن رسول الله في أمر لا نحبه؛ نعرض عنها ونتجافى ولا نقبلها، حينئذ يكون هذا هو الهوى، فأقول: شتان بين تكوين المعارضة وبين إصلاح الأحوال.
يقول حنبل: اجتمع فقهاء بغداد بولاية الواثق إلى الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل فقالوا: إن الأمر تفاقم وفشا -يعنون إظهار القول بخلق القرآن- يقولون: ولا نرضى إمارته ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك وقال: عليكم بالإنكار بقلوبكم، ولا تخلعوا يداً من طاعة ولا تشقوا عصاً من طاعة، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، انظروا في عاقبة أمركم واصبروا حتى يستريح بر ويستراح من فاجر، وقال: ليس هذا صواباً، هذا خلاف الآثار.
المأمون والواثق حملوا الناس وامتحنوهم وجروهم إلى القول بخلق القرآن، يمسكون الواحد تلو الواحد يقولون: ماذا تقول؟ القرآن كلام الله منزل أم مخلوق؟ إن قلت منزل؛ جلدوك وضربوك وآذوك، وإن قلت مخلوق؛ تركوك، مع أن القول بخلق القرآن فرية شنيعة وأمر خطير، كفر أو يفضي إلى الكفر ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومع ذلك يقول الإمام أحمد: لا.
يحاور فيه الفقهاء ويقول: لا، أنكروا في قلوبكم، ولا تنزعوا يداً من طاعة ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم.
стр. 44
من الحقوق: توقير الأمراء والنهي عن سبهم
أيها الأحبة! ومن حقوق ولاة الأمر توقير الأمراء والنهي عن سبهم، فذلك أمر عظيم يقول عبد الله بن المبارك: من استهان بالعامة ضيع مروءته، ومن استهان بالعلماء ضيع دينه، ومن استهان بالحكام ضيع دنياه.
وروى الترمذي وأحمد عن زياد العدوي قال: كنت مع أبي بكرة عند منبر ابن عامر وهو يخطب وعليه ثياب رقاق، فقال أبو بلال: انظروا إلى أميرنا يلبس لباس الفساق.
فقال أبو بكرة ﵁: اسكت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله).
ثم أنا أسألكم يا أحبابي! لو أن الواحد أغلق لسانه، وأغلق فمه، وما تكلم في السلطان بخير ولا شر، هل سيحاسبه الله يوم القيامة؟ لا، ولو دعا للسلطان دعوة صالحة فهذا هو الأوفق والأقرب والموافق لمنهج أهل السنة والجماعة، لكن الذين يتكلمون في السلاطين بالشر ويسبون ويتهكمون ويستهزئون ويسخرون هؤلاء والله يهدون أعمالهم إلى هؤلاء الحكام والسلاطين، لا تظن أنك حينما تستهزئ بملك أو أمير أو مسئول أو سلطان أنك بهذا تزداد رفعة وإن أعجب بك بعض من حولك من أصدقائك وزملائك، لكن ثق أنهم يعجبون بك ولكنك أنت تتصدق بحسنات أعمالك على هذا الحاكم الذي تسخر به أو تستهزئ به أو تتكلم عنه.
وأخرج ابن عبد البر في التمهيد وغيره عن أنس بن مالك ﵁ قال: [كان الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ينهون عن سب الأمراء -وفي لفظ- نهانا أمراؤنا من أصحاب رسول الله ﷺ : ألا تسبوا أمراءكم ولا تغشوهم ولا تعصوهم، واصبروا واتقوا لله ، فإن فرج الله قريب].
وأخرج ابن سعد في الطبقات عن هلال بن أبي حميد قال: سمعت عبد الله بن عكيم يقول: لا أعين على دم خليفة أبداً بعد عثمان.
فقالوا: يا أبا معبد أو أعنت على دم عثمان؟ هل أنت ممن أعان على دم عثمان؟ فقال: إني أعد ذكر مساوئه عوناً على دمه.
أي: كأن عبد الله بن عكيم قد عدد أو تكلم في عثمان وذكر أن من مساوئ عثمان كذا وكذا وكذا، ثم بعد ذلك ابن عكيم ﵁ يستغفر ويقول: لا أعين على دم خليفة أبداً بعد عثمان.
قالوا: هل أعنت على عثمان؟ قال: إني أعد ذكر مساوئه إعانة على دمه.
ومعلوم -أيها الأحبة- أن هذا هو الحق والصواب، ومعلوم أن منهج أهل السنة في هذه القضية لا يصلح للطائشين ولا أصحاب الأهواء والمطامع؛ لما ينطوي عليه من اعتقاد الصبر والعمل به، لأننا أمرنا بالصبر مهما رأينا من أثرة أو رأينا من أحد أخذ ماله أو ضرب ظهره، أو رأى مسلم ما يكرهه، فإن الأمر مطلوب من المسلم أن يصبر على هذا الأمر، ومطلوب منا أن نناصح ولاة أمورنا بالحسنى.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة، ولا يرون قتالهم بالسيف، وإن كان فيهم ظلم كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي ﷺ ؛ لأن الفساد من القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فلا يدفع أدنى الفسادين بالتزام أعظمهما، ولعله لا تكاد تعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أيضاً: وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير، كالذين خرجوا على يزيد في المدينة، وكـ ابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك في العراق إلى أن قال: وغاية هؤلاء إما أن يغلِبوا وإما أن يغلَبوا ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبة، فإن عبد الله بن علي وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلقاً كثيراً، وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور، وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم فهزموا وهزم أصحابهم فلا أبقوا ديناً ولا أبقوا دنيا، والله لا يأمر بأمر لا يحصل فيه صلاح الدين ولا صلاح الدنيا.
وإن كان فاعل ذلك من عباد الله المتقين ومن أهل الجنة فليسوا أفضل من علي وطلحة والزبير وعائشة وغيرهم، ومع ذلك لم يحمدوا ما فعلوه من القتال، وهم أعظم قدراً عند الله وأحسن نية من غيرهم.
يقول ابن تيمية أيضاً: وكذلك أهل الحرة كان فيهم خلق من أهل العلم والدين، وكذلك أصحاب ابن الأشعث كان فيهم خلق من أهل العلم، والله يقدر لهم كلهم، وقد قيل للشعبي في فتنة ابن الأشعث: أين كنت يا عامر؟ قال: كنت حيث يقول الشاعر:
عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى وصوَّت إنسان فكدت أطير
أصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء.
وكان الحسن البصري يقول: [إن الحجاج عذاب الله فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون:٧٦]].
نكتفي بهذا القدر أيها الأحبة من حقوق الولاة وضوابط أهل السنة والجماعة في هذه الحقوق، أسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه إنه ولي ذلك والقادر عليه، ونسأل الله أن يصلح أحوالنا، وأن يجمع شملنا، وحكامنا وعلماءنا ودعاتنا، وألا يفرح علينا عدواً، وألا يشمت بنا حاسداً، ونسأله أن يكون كلامنا وطرحنا لهذا الموضوع خالصاً لوجهه الكريم، لا نريد به غير وجهه ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 45
الأسئلة
стр. 46
الدعاء على الإمام الظالم
السؤال
بالنسبة لذكركم قول الطحاوي ﵀ ومما جاء فيه أنه لا يشرع الدعاء على الإمام الظالم، والرسول ﷺ يقول: (إن دعوة المظلوم مستجابة وأنه ليس بينها وبين الله حجاب) نرجو من فضيلتكم توضيح ما أشكل.
الجواب
معلوم أن الله يقول: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨] والكلام هو في سياق عموم مواقف أهل السنة تجاه الأئمة حينما يرون من الأئمة خللاً أو نقصاً أو رضاً بالكبائر أو عدم إنكار لها، فهل يشرع لهم ذلك؟ فالواجب: أنه لا يشرع الدعاء عليهم بل يدعى لهم، ومعلوم الكلام عن أهل العلم كالإمام أحمد والفضيل قوله: لو علمت لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان.
стр. 47
كيفية المبايعة للإمام
السؤال
كلنا يعلم أن الناس في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم كانوا يقومون بالبيعة للخليفة كلهم أو غالبيتهم، ولصعوبة هذا الأمر في هذه الأيام فمن ينوب عن المسلمين في مسألة بيعة الإمام؟ أرجو التوضيح.
الجواب
أولاً: ليس بصحيح أنه في زمن الخلفاء الراشدين أن جميع الناس أو أغلبهم يبايعون لا، بل يبايع عدد من الأشياخ والأكابر وأهل الحل والعقد، وكذلك في هذا الزمن إذا مات الحاكم، قام الحاكم الذي بعده، وقد استقر له الحكم أصلاً، أي أنه انتقل إليه مباشرة بالنص عليه بولاية العهد؛ فتنتقل عليه ويبايعه كبار العلماء كبار القضاة وجهاء الناس رؤساء العشائر أهل الحل والعقد، ولا يلزم أن يأتي كل فرد وكل نفر أن يصفق بيده على يد الحاكم ليقول: بايعتك على كتاب الله وسنة رسوله.
ومعلوم أن البيعة تستقر إما بأن ينتخبه أهل الحل والعقد، أي قوم أو أناس وإن شئت أن تطبق على بلدنا هذا في المملكة: الحاكم إذا بايعه أهل الحل والعقد انعقدت له البيعة، أو أن يكون الحاكم الذي قبله حاكماً مقطوعاً بشرعية بيعته، فأوصى الحاكم السابق بولاية العهد لحاكم لاحق، فلما زال السابق انتقلت الإمامة إلى هذا الذي نص عليه بالولاية فصار إماماً ثم بايعه أهل الحل والعقد وانتهى الأمر.
وقد تتحقق شرعية الحاكم إذا استطاع أن يقهرهم بسيفه، وأن يجمعهم تحت سلطان واحد، فمثلاً لو كان الناس قبائل وفوضى ومشتتين ومشردين وهؤلاء يغيرون على هؤلاء، ويسلبون هؤلاء، ويغزون هؤلاء، ويسرقون من هؤلاء المهم حياة فوضى، كل قبيلة تعدو على القبيلة الأخرى فجاء حاكم وأخضع جميع القبائل بسيفه، وأخضعهم بسلطانه، وقال لهم: إنه يحكم فيهم كتاب الله وسنة نبيه؛ فهذا بيعة شرعية يجب فيها السمع والطاعة.
أما ما يسمونها الديمقراطية والله لا تصير عندنا ديمقراطية، الديمقراطية تعطي الممثل صوتاً، وتعطي الفنان صوتاً، وتعطي المهرج صوتاً، وتعطي الساحر صوتاً، وتعطي للماجن صوتاً، وتعطي للداعرة صوتاً، وكل إنسان له صوت سواءً كان عاقلاً أو فاسقاً أو كبيراً أو صغيراً أو جاهلاً أو متعلماً أو خبيثاً أو طيباً أو صالحاً أو طالحاً كلهم يعطى صوتاً بالانتخاب والترشيح، وهذا ليس بصحيح، إنما الذي يرشح ويعطي صوتاً هم أهل الحل والعقد من العلماء الأبرار ومن وجهاء الناس وسادات القبائل وكبار العشائر هؤلاء هم أهل الحل والعقد، فإذا اجتمعوا على إمام عقدت له البيعة، أما قضية ما عندنا ديمقراطية حسناً انظر إلى الديمقراطية الآن ماذا تفعل في الجزائر، ماذا تفعل الديمقراطية الآن في كثير من البلدان، مذابح طاحنة، والذين يكرهون مجتمعنا اليوم، والذين يكرهون واقعنا اليوم، والذين يتمنون تغير أحوالنا اليوم؛ هم كأناس يعيشون في بيت يتمنون أن يهدم حتى يعيشوا في العراء فيفترشون الأرض ويلتحفون السماء.
إذا كان بيتك ينقصه باب، تنقصه نافذة، بعض الإضاءات غير صالحة، الماء أحياناً ينقطع، الكهرباء أحياناً تنقطع هذا ليس بمبرر أنك تأتي بجرافة وتهد البيت، إذا كنت تلاحظ في مجتمعك أو في بلادك بعض النواقص هذا ليس بمبرر لأن تدعو أو تتمنى أو تتسلط أو تروج أو تحب أو تشيع الفكر الذي يدعو إلى إسقاط هذا النظام بالكامل لا، بل تحرص أن تحافظ على هذا النظام، وينبغي أن نفهم هذه القضية فهماً دعوياً علمياً شرعياً أننا لا نستطيع أن ندعو إلا مادام هذا النظام قائماً، لو اختل هذا النظام -لا قدر الله- لا تستطيع أن تقوم بأي عمل خيري، لا تستطيع أن تقوم بدعوة أو طباعة كتب أو كفالة دعاة أو كفالة أيتام أو أعمال خيرية أو محاضرات كل هذه الأعمال في ظل النظام القائم، فلو اختل النظام تريد أن يسقط النظام ثم تأتي تدعو بمحاضراتك وأفلامك وكتبك وخطبك وأشرطتك هذا من الحماقة وقلة العقل، وهذا من السفه ونقص العلم، ولكن أصحاب العقول كما يقول القائل:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة بالشقاوة ينعم
الجاهل مرتاح، أكلف ما عليه أن يصدق إشاعة، يتبع صيحة، يتبع ناعقاً، لكن العاقل من الصعوبة أن يقبل، ومن الصعوبة أن يصيح إذا صاح الناس، ومن الصعوبة أن يتابع الناس فيما يقولون؛ لأنه ينظر في أمور لا ينظر إليها الصغار أو لا ينظر إليها الطغام والعوام والجهلة.
стр. 48
كيفية نصرة المظلوم إذا كان خصمه الوالي
السؤال
يقول الرسول ﷺ : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) فكيف أقف مع آخر إذا كان على حق وخصمه الوالي وهو على باطل؟
الجواب
والله يا أخي الحبيب نحن مر بنا أن الولاة ليسوا معصومين من الأخطاء أو الكبائر أو الصغائر هذا أولاً، الأمر الثاني: تستطيع أن تنصره إذا استطعت أن تصل إلى الوالي وتبلغه هذه النصيحة إما بلسانك أو ببرقيتك أو برسالتك، وإن لم تستطع اذهب إلى أحد العلماء الأجلاء الذين يسمع لهم وبلغ له هذه المظلمة.
وافرض أن هذا لم يستطع أحد أن ينصفه من هذه المظلمة، لا استطعت أنت لا ببرقية ولا برسالة ولا دخلت على الوالي ولا استطاع العالم أن يغير شيئاً، وبقي أخوك المسلم هذا مظلوماً صبراً على قدر الله، إنا لله وإنا إليه راجعون نصبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، إلى أن تنجلي الغمة وتصلح الأحوال.
إذا لم تتعدل الأحوال فلابد أن نطلق النار من الزناد! ونرفع السيف! ونرى الخروج ونعلن التكفير؟! هذا هو بيت القصيد، بيت القصيد هو أنك إذا أتيت للوالي أو الحاكم وقلت: هذا ظلم هذا مسكين هذا مظلوم، وهذا لا يجوز، فرضاً قال الوالي: لا، ليس عندي استعداد، ولن أقبل قولك ولن أقبل كلامك.
تقول: نعم، لست بقابل كلامي بالحسنى أو بالرشاشات! هذا ليس منطقاً، قيمة المحاضرة كلها أنه حينما يصيبك هذا تقول: سمعاً وطاعة لكم في طاعة الله، وإنا لله وإنا إليه راجعون في هذه المظلمة التي ما أنصفتم صاحبها، وعملاً بمقتضى معتقد أهل السنة والجماعة المؤيد بالأدلة من الكتاب والسنة من كلام الله وكلام رسوله أننا نصبر على جور الحكام، ونصبر على جور الأئمة، إلى أن تنجلي الغمة هذا معنى التفصيل في مسألة حقوق ولاة الأمر.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وجزاكم الله خيراً.
стр. 49
أسباب هلاك الأمم
لا يزال الله يبسط نعمته على خلقه مالم يأشروا ويبطروا، ويفسقوا ويفجروا، ولا يزال عذاب الله مدفوعاً وانتقامه مرفوعاً عن الناس حتى يجاهروا بالفواحش، ويتفاخروا بالزنا وشرب الخمر ومعصية الله، وليس بعيداً عنا ما نزل بالكويت من تسليط غيرهم عليهم، وإذا بهم قد تبدلت أحوالهم بين عشية وضحاها، والمقصود الذكرى والاعتبار!!
стр. 50
سبب الهلاك وماهيته
الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله ملء السماوات وملء الأرض، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً، اللهم لك الحمد حتى ترضى، اللهم لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، سبحانك اللهم ربنا ما عبدناك حق عبادتك، وما شكرناك حق شكرك، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، واحدٌ في ربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله: أعود مثنياً بالسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله جل وعلا أن يجعل هذا الاجتماع شاهداً لنا، به تقوم الحجة لنا لا علينا بإذن الله جل وعلا.
معاشر الأحبة: والأمر كما ذكر فضيلة الشيخ المقدم: عنوان هذه الكلمة "أسباب هلاك الأمم" وتعلمون، ويعلم كل من نظر في مسرح التاريخ أن هناك أمماً سادت وملكت وشيدت، ثم أهلكت وبادت، وكأنها لم تكن.
ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام
أين الملوك ذووا التيجان من إرم وأين ما ساسه في الفرس ساسان
أتى على الكل أمرٌ لا مرد له حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
والهلاك -يا عباد الله! - من سنن الله الكونية لكل أمة أعرضت عن الأخذ بكتابه، وأعرضت عن التمسك بوحيه الذي أنزله صراطاً هادياً للبشر أجمعين: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] إن من أعرض عن ذكر الله جل وعلا، فإن سنة الله فيه أن يهلكه، وأن يعذبه حياً وميتاً، وإن من تمسك بكتاب الله، فإن سنة الله فيه أن يحفظه، وأن ينصره حياً وميتاً، والأمر معروضٌ للبشر، فما سلكوا من أمور الخير، وجدوا ثمرته، وما سلكوا من طريق الشر، جنوا عقوبته الوخيمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والهلاك -أيها الأحبة! - تغيرٌ يصيب أمة من الأمم بسبب ما غيرته وأحدثته، لقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] لا يأتي الهلاك ابتداءً، ولا يعذب الله أمةً حتى يقيم الحجة عليها: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٥]، فتقوم الحجة على الأمم بالرسل، أو بالوحي، أو بالشرائع، أو بالهدي المبين، ثم بعد ذلك إن هي أخذت وتمسكت بكتاب الله نجت وأفلحت وفازت، وإن هي أعرضت حقت عليها سنة الله في الأولين والآخرين ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الفتح:٢٣] ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ [فاطر:٤٣] سنة لا تحابي أمةً من الأمم، سواء كانت أمةً كردية، أو أمةً عربية، أو أمةً فارسية، أو أمةً أعجمية، فإن سنن الله في هذا الكون لا تتغير ولا تتبدل أبداً.
واعلموا أيها الأحبة! أن أي هلاك يحل بأي أمة من الأمم إنما هو بسبب إحداث وتغيير كما قلنا، فما نزل بلاءٌ إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة، فإذا كنت في نعمة من دين الله، ونعم الله وفضل الله، فارع هذه النعمة بالمحافظة والتمسك.
إذا كنت في نعمةٍ فارعها فإن المعاصي تزيل النعم
وحافظ عليها بشكر الإله فإن الإله سريع النقم
стр. 51
من أسباب هلاك الأمم
أيها الأحبة: وندخل في موضوعنا مباشرة ألا وهو: ذكر شيء من أسباب الهلاك التي بها تهلك الأمم.
стр. 52
الظلم
من أوائل الأمور التي يحق عليها أمر الله على أمة من الأمم بالهلاك: الظلم؛ والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وأظلم الظلم الشرك بالله جل وعلا، وهو: وضع العبادة وصرفها عمن يستحقها إلى من لا يستحقها، ولذلك قال الرجل الصالح لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الظلم درجات، فأعظم الظلم وأشده وأخبثه، وبه يكون هلاك الأعمال، وبه يكون إحباط العمل ألا وهو الشرك بالله، والكفر به جل وعلا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] ﴿مَثلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبراهيم:١٨] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ [النور:٣٩]، فإن من وقع في أعظم الظلم وهو الكفر، أو الشرك، فإن الله لا يقبل منه عدلاً ولا صرفاً، كما في الحديث: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)؛ لأن الله جل وعلا لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه ، يقول : ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:١٣ - ١٤]، ويقول تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الحج:٤٥] وقال : ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف:٣٥].
الظلم -يا عباد الله! - بمراتبه المختلفة التي قال عنها شيخ الإسلام: إن أعظمها صرف العبادة لغير الله، ويليها درجة ظلم العباد بالتسلط على حقوقهم، وعلى دمائهم، وأعراضهم.
ثم يلي ذلك الظلم درجةً ظلم العبد نفسه بالذنوب والمعاصي.
فأما الظلم الأول: فكما قلنا: لا يقبل الله معه صرفاً ولا عدلاً، ولا يقبل من صاحبه قليلاً ولا كثيراً.
وأما الظلم الثاني: فلا بد لمن وقع فيه أن يتوب إلى الله، فمن وقع في الظلم الثاني ألا وهو أخذ حقوق العباد، والتسلط على حرياتهم وأعراضهم، ودمائهم وأموالهم، فلا يمكن أن يسلم من عاقبة وخيمة لهذا النوع من الظلم إلا من تاب إلى الله توبةً صادقةً نصوحاً، ورد إلى العباد ما ظلمهم وغصبهم، ونال من حقوقهم ومقدراتهم.
والظلم الثالث: وهو ظلم النفوس بالمعاصي والذنوب، فإن كانت ذنوباً تقع من غير إصرار فتلك مكفرة بآيتي النجم والنساء -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ألا وهي قول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:٣٢] والآية الأخرى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١] فمن وقع في صغائر الذنوب من غير إصرار ومن غير استمرار؛ فذلك بإذن الله يكفره ما ورد في هاتين الآيتين، وتكفره أعماله الصالحة؛ من الخطى إلى المساجد، والوضوء، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، والصلاة مع الجماعة، والاستغفار، والحسنات الماحية للسيئات، ومن أصرَّ على الذنوب إصراراً فلا بد أن يقلع؛ لأن من أصرَّ على صغيرة كانت في حقه كبيرة، ومن فعل كبيرةً ثم تاب عنها محيت عنه بفضل الله ومنه وكرمه.
فعلى أية حال: لنعلم أيها الأحبة! أن تسلط العباد على أنفسهم سببٌ لهلاكهم في الجملة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ولنعلم أن من أخبث الظلم: ظلم العباد، وأخذ أموالهم وأراضيهم، ومقدراتهم وحقوقهم، هذا الظلم الذي شاع في عصرنا وفي زماننا هذا، وأصبح الناس لا يهمهم إلا ترتيب حيلة تنطلي على الحكام الذين يقضون بين الناس حتى ينالوا بها أموال غيرهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وهذا من أخبث أنواع الظلم بعد الشرك:
تنام عينك والمظلوم منتبهٌ يدعو عليك وعين الله لم تنم
النبي ﷺ قال ل معاذ: (واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨]، فالظلم شأنه خطير حتى ولو ظلمت كافراً من الكفار، والله! لو ظلمت كافراً من الكفار فلينتقمن الله له إن هو دعا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤]، لا يعزب عن علمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء.
إذاً: فالتسلط على حقوق العباد لضعف، أو لمسكنةٍ هم فيها، أو لأنهم لا جاه لهم، لا سلطان ولا منزلة، هذا أمرٌ واقعٌ في هذا الزمان، واقعٌ في كثير من أمم الأرض، التسلط على الضعفاء، التسلط على المساكين، الوشاية بالأبرياء، من أخبث أنواع الظلم أن تشي، وأن تقول: في فلان بن فلان كذا وكذا، وهو خليٌ مما رميته وبهته به، فهذا من أعظم الظلم لعرضه، والله جل وعلا منتقم، والله جل وعلا بالمرصاد، والظلم مكيال؛ بقدر ما تظلم فإن الله يستوفي لك استيفاءً وافياً كاملاً، ويزاد على ذلك عقوبة من الله بسبب جرأة عبده على ظلم غيره.
الظلم يا عباد الله! أمرٌ خطيرٌ جداً، وبه يحصل هلاك الأمم، ضرب البرامكة ونكبوا نكبةً عظيمةً خطيرةً حتى أصبحوا من سوقة الناس وعامتهم، وبالأمس كانوا في قصور الملوك والخلفاء، فجاءت واحدة من بنياتهم تحدث أمها، تقول: يا أماه! ما الذي حول بنا الأحوال، وغير بنا الأمور حتى صرنا إلى ما نحن فيه؟ فقالت: يا بنية! دعوة مظلوم سرت بليل، ونحن عنها غافلون، ثم أنشدت:
رب قومٍ أمنوا في نعمةٍ زمناً والدهر ريان غدق
سكت الدهر زماناً عنهمُ ثم أبكاهم دماً حين نطق
ولا حول ولا قوة إلا بالله! فإني أحذر كل مسلم من أن يظلم واحداً من إخوانه في عرضٍ أو مالٍ، أو في قليلٍ أو كثير، ومن أخبث هذا أن يشي، أو ينقل المسلم عن أخيه شيئاً ليس فيه، أو أن يزور ويعظم في شأنه أمراً ليس فيه، فإن هذا من أخبث أنواع الظلم، ولقد رأينا مصارع الظالمين في هذا الزمان، والله لقد عرفنا ممن تسلطوا على أهل الخير، ممن تسلطوا على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فكان همهم وجل اهتمامهم أن يتتبعوا زلاتهم، وأن يتربصوا بهم الدوائر، فما كانت العاقبة إلا أن يحيق المكر السيء بأهله، وعلى الباغي تدور الدوائر، ولا نقول هذا شامتين، نعوذ بالله من الشماتة، لا يشمتن مسلمٌ بأخيه فيبتلى، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
إذا ما الدهر جرَّ على أناسٍ حوادثه أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا
والله لا نشمت، لكنا رأينا مصارع الظالمين، وأقولها وعن تجربة: والله! إن من ظُلم في باب الوشاية والنقل السيء عنه، فعليه بآخر الليل، وعليه بالوتر، وعليه بالدعاء في السجود، والقنوت، والله لينتقمن الله لك ممن ظلمك حتى يفضحه بين رءوس الخلائق؛ لأن الظلم معصية متعدية، رب نوع من الذنوب والمعاصي تكون قاصرة، فالذي يفعل معصية من المعاصي القاصرة على نفسه، لاشك أن وزرها وإثمها عليه، وعاقبتها وخيمة، لكن من اقترف مظلمة تتعدى إلى واحد من المسلمين، سواء في عرضه، أو في ماله، أو بالوشاية عنه، أو في دمه، أو في التسلط عليه، فوالله لينتقمن الله منه، وأخبث الظلم ظلم الضعفاء، هذا أسلوب يمارسه الجبناء، أهل الخسة والدناءة الذين يظلمون الضعفاء، الذين يجدون أقواماً.
أو بعض أقوامٍ ليس لهم سلطان، ولا نصير إلا الله جل وعلا، ونعم المولى ونعم النصير، فأولئك يوم أن يظلموا هؤلاء الضعفاء، والله! إن لهم من الله عقوبة عاجلة في الدنيا، وبلاء وعذاباً مستطيراً في الآخرة، ولذلك فإن الله في أول سورة النساء لما بين شأن أولئك الذين يُوَلَّون أمور الأيتام والوصاية عليهم، قال: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:٩] اتق الله في الآخرين يحفظ الله ذريتك من بعدك، إذا أردت أن تسلم ذريتك، أن يسلم أطفالك، أن يسلم أهلك وأولادك من بعدك، فاتق الله في الآخرين تحفظ ذريتك من بعدك: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ [الكهف:٨٢] صلاح أبيهما، وهذا الصلاح يعني: السلامة من الظلم، سَخَّر الله له نبياً من الأنبياء يبني جداراً ليحفظ مال هذين اليتيمين: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء:٩ - ١٠] والله ما من إنسان يَقْدُمُ على الظلم إلا وهي بداية الهلاك، والفلس، والنهاية، والخراب، له ولماله ولبيته.
فيا عباد الله! لننتبه إلى هذه المسألة، ولنحذر منها، وإذا رأينا ظالماً متسلطاً على مسلم فقير لا حول له ولا قوة، فلنجتهد في أن نذهب له، وأن نخوفه بالله.
أعرف قصةً حصلت: رجل في قرية من القرى اشترى بئراً، ولها حريمها بحق التملك، فلما اشتراها أخذ يبسط نفوذه يمنةً ويسرةً على أراضٍ للفقراء والمساكين من حولها، فما كان لهم نصيرٌ إلا الله، فما تركو
стр. 53
ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
السبب الآخر -أيها الأحبة! - من أسباب هلاك الأمم: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أصبح في زمن المتمدنين، وزمن الحضارة تدخلاً في شئون الآخرين.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أصبح في هذا الزمن تسلطاً وفضولية.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أصبح في زماننا هذا مثلبة لا منقبة عند كثير ممن لا حظ لهم من الفهم في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولكن اعلموا -يا عباد الله! - أن سنن الله -كما قلنا- لا تتغير ولا تتبدل، إذا خلت الأمة أي أمة من الأمم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فذلك مؤشر هلاكها وزوالها، كم تبقى بعد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من السنين؟ عشرين سنة، مائة سنة -الله أعلم- المهم أن أية أمة تترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو تحاربه وتقف في طريقه، فاعلموا أنها منتهية زائلة هالكة لا محالة، وإن هي تمسكت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنها أمة محفوظة؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل وسبب من أسباب التمكين: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] حينما يحصل التمكين، فمقومات بقاء التمكين: إقامة الصلاة والعناية بها، وإيتاء الزكاة وعدم التهاون في جبايتها وصرفها لمستحقيها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نعم، يوجد في بعض الأمم أمرٌ بالمعروف، ولا يوجد نهيٌ عن المنكر، فلابد أن يوجد الأمران كلاهما، لا بد أن نوجد الأمر بالمعروف، وأن نوجد النهي عن المنكر، ليس كما يقول بعضهم: دعها ديمقراطية، الذي يريد أن يعمل خيراً يعمل خيراً، والذي يريد أن يعمل شراً يعمل شراً، تباً وسحقاً وبعداً لهذه الديمقراطية!! بل لابد أن يؤمر بالمعروف، وأن يوطأ أنف صاحب المنكر إذا لم ينقد إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وإلا فإن سنة الله ماضية فيه وفي غيره.
انتبهوا إلى هذه المسألة، بعضهم يقول: يا أخي! لماذا التدخل في حريات الآخرين؟ عندك مشاريع خيرية تفضل، عندك أعمال خيرية تفضل، عندك أمور نافعة تفضل، لكن اترك الناس في ما هم فيه، ونقول: لا يمكن أن تتنازل، أو أن تتساهل أمة من الأمم تريد البقاء والتمكين، تريد العز والرخاء والنعيم بشيء من هذا، لابد أن يؤمر بالمعروف، وأن ينهى عن المنكر، ولذلك لا يذكر الإيمان بالله إلا ويقرن غالباً بالكفر بالطواغيت: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر:١٧]، ما يذكر شيء إلا بنفي وإزالة ضده بتاتاً، وإلا فما هي فائدة الأمر بالمعروف وترك المنكر يمضي على ما كان عليه؟ فلابد من تتبع المنكر والقضاء عليه حتى تسلم الأمة من شؤم ذنوب الآخرين والعياذ بالله، يقول الله جل وعلا: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٦ - ١١٧] لا تهلك أمة وأهلها أهل صلاح يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أبداً.
ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] بعض الناس يقول: لا يضرنا من ضل إذا اهتدينا، نحن الآن مهتدون إن شاء الله بمنَّ الله وتوفيقه، ما هي الحاجة إلى أننا نتسلط على الآخرين؟ لا.
إن هذه الآية كما في الحديث: (يأخذها الناس مأخذاً غير ما نزلت فيه) كما قال ذلك الصحابي: (إنكم تقرءون هذه الآية، وتضعونها في غير موضعها، وإنا سمعنا رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده) حتى لا يقول أحد: ذنبه على جنبه ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] هذه الآية حجة، والدليل لنا وليس لهم؛ لأن تمام الهداية إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم التساهل في هذه المسألة بأي حال من الأحوال.
في الآية الأولى التي ذكرناها: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود:١١٦] فما بالك إذا أصبح في الأمة من يخطط للفساد ويحميه؛ ومن يذب ويذود عن الفساد، حينئذٍ يكون الهلاك مضاعفاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 54
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسئولية الجميع
يقول النبي ﷺ : (لتأمرن بالمعروف) لام الأمر المؤكدة بنون التوكيد الثقيلة: (لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن-يعني: أطاع، أو لم يطع، أعجبه أو لم يعجبه ما علينا- ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه عل الحق أطراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم بعضاً، ثم ليلعننكم كما لعنهم) تضرب القلوب بعضها ببعض، وتحدث الأحقاد والفتن والكراهية، ثم تعم اللعنة حينما يسكت الناس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن عقولاً استقر فيها أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسئولية الدوريات والجيوب التابعة للهيئة: صلوا صلوا، أغلق الدكان جزاك الله خيراً، توجه إلى المسجد جزاك الله خيراً، هذا لا يعفي الأمة من مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أقال النبي ﷺ : إذا كان أحد من أهل الهيئة رأى منكراً؟ لا.
بل قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) لماذا لا ننكر المنكرات ونحن نراها صباح مساء؟ قد يقول بعضكم: والله إذا كنت يا فلان! تريد أن تلزمنا بهذا الشيء، وكل منكر ضروري أن نغيره، الظاهر أن الواحد لم يعد يقدر، وأقول: لا.
من واجبك أن تغير كل منكر قدرت على تغييره، ولكن لكل شيء ظروفه وأحواله المناسبة في إطار لا يخرج عن الحكمة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩] والحكمة هي: فعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي، المهم ألا يظن أحد أنه معفي من مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى من عنده منكر في نفسه مطالب أن يغير المنكر الذي يراه في غيره، بعض الناس يقول: إذا كان الإنسان صاحب معاصٍ فلا يستطيع أن يغير منكراً؟ لا.
أتجمع بين سوءتين حشفٌ وسوء كيلة، أن تكون صاحب منكر في نفسك، أو في سلوكك، وترى منكراً وتسكت عليه؟ بل من واجبك أن تغير المنكر لعلك أن ترفع بذلك الحجة على نفسك، هذا أولاً، وأن تقر بالذنب على نفسك، هذا ثانياً، وألا تقع في الإثم برؤية المنكر والسكوت عليه، هذا ثالثاً.
ومن باب أولى حينما ترى في أحد منكراً أعظم، مثلاً: رجل حليق -منَّ الله علينا وعليه بالهداية- يعرف جاراً له لا يصلي، أيهما أعظم: كونه حليقاً أم كونه لا يصلي؟ إن ترك الصلاة مع الجماعة مصيبة، إذاً نقول لهذا الحليق: من واجبك، ويتعين عليك أن تطرق الباب على جارك، أو تمسك به في أي فرصة مناسبة، وتقول: فقدناك في المسجد، نصيحة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيضاً في حدود النصيحة، وإطار النصيحة والمقدرة والأسلوب الذي تستطيعه، لا أن تطرق الباب وتمسكه من تلابيبه: اخرج وصلِّ، لا.
ليس هذا من الحكمة في الدعوة، ولا في الأمر بالمعروف، ولا في النهي عن المنكر، لكن من الحكمة في أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر إما أن تطرق عليه الباب ومعك طعام، وهدية اطمئنان: فقدناك، ما رأيناك، ما الذي أصابك؟ فتتناقش معه، لربما أكرمك الله بثواب أمرك بالمعروف ونهيك عن هذا المنكر، فَمَنَّ عليك بالهداية والاستقامة في اتباع سنة نبيك فيما كنت فيه مقصراً، لا يظن أحد أن مسئوليةً في هذا الدين تخص طائفة دون طائفة، وبعض الناس يقول: والله أنا من (الزكرت) لا أستطيع أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، لا.
وإن كنت من هذه الطائفة، أو تسمي نفسك، وليس عندنا هذه الطائفة، لكن باللهجة العامية كما يقال، فأنت مسئول مكلف أن تأمر بالمعروف، وأن تنهى عن المنكر، وإن كان فيك ما فيك من الذنوب والمعاصي، لعلها أن تكون سبباً في إقامة الحجة على نفسك، يقول الله جلا وعلا: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩] لعنوا لعناً بسبب أنهم كان الواحد منهم يلقى صاحبه -كما ورد في بعض الروايات- فيقول: يا فلان! اتق الله، أو لا تفعل هذا، فإذا جاء من الغد لا يمنعه أن يكون أكيله وقعيده وشريبه، ويرضى بما هو فيه من المنكرات.
стр. 55
عدم المداهنة والحياء في الأمر بالمعروف
والله يا إخوان! كم فينا من المداهنة!! كم فينا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!! ندخل مجلساً وفيه ممن يهاب من القوم، فنسمع الموسيقى، وتجد طالب العلم، أو الشاب الصالح، أو غيره يكسر في يديه، ويكسر أصابعه يريد أن ينكر المنكر، ويهاب هؤلاء أن يقول: إن هذا منكر، لا يجوز، فغيروه، أو أغلقوه، أو اشتغلوا بحديث غيره، بل إن بعضهم من ضعف شخصيته لربما وافق القوم في حديثهم، بل وربما شاركهم فيه، ولربما سكت مطرقاً، أقل الأحوال: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠] أقل الأحوال إذا ما استطعت أن تغير، أو عجزت نفسك عن التغيير فقل: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، واخرج، لماذا؟ لأن الفساق يحتقرون من يوافقهم في الفسق، ويزدرون من يراهم على المعاصي ويسكت عنهم حتى وإن قالوا: ما شاء الله هذا شيخ متطور هذا شيخ عصري هذا شيخ الشباب الممتاز، فهؤلاء يلعبون بالبلوت، وهؤلاء يتفرجون على الفيديو، وهؤلاء قاعدون على كذا، وهؤلاء قاعدون على كذا، والسجائر طفاية ذاهبة وطفاية آيبة، وانظر هذا الشيخ ممتاز يا أخي، والله شيخ ما مثله، آخر موديل من المشايخ، إنهم وإن مدحوه بألسنتهم لكنهم احتقروه بقلوبهم، يقول ابن حزم في معنى كلامه: إن الفساق أول ما يحقرون من وافقهم، أو شاركهم في فسقهم، لكن إذا خالفت القوم فلأنهم خالفوا الله جل وعلا، وقام في قلبك حب وغيرة، وتعظيم لله، كيف هؤلاء يخالفون ربك الذي خلقك وخلقهم، وقلت: اتقوا الله، أو بالأسلوب الذي رأيته مناسباً: هذا لا يجوز، هذا لا ينبغي، اذكروا نعمة الله عليكم، تعصون الله بأعين خلقها، بآذان خلقها، بأيد خلقها، وتقوم وتؤدي ما عليك، ولا يلزم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تتيقن أنهم سينتهون، يعني: أناس مثلاً يلعبون الكرة أثناء الصلاة، وأنت تمر تريد أن تأمرهم، يأتيك الشيطان، يقول: انظر سواء تكلمت أو لم تتكلم، هؤلاء لن يغيروا ما هم فيه، تكلمت أو لم تتكلم، هؤلاء سيكلمون من هذه المباراة، لا يلزم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يغلب على ظنك أنهم يستجيبون لك فيما طلبت: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧] ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٢٠] ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، بعض الناس يستدل بهذه الآية على ترك الأمر، لا.
أنت عليك الأمر، والهداية بيد الله ، فلننتبه لهذه المسألة، فما مررنا بمنكرٍ وما رأينا قوماً في منكر إلا ووجب علينا أن ننكر عليهم بقدر وبدرجات المنكر الواردة في الحديث، سواء تيقنا أنهم سيستجيبون أم لا، وعلى أية حال: وطنوا أنفسكم، فإنكم ستجدون من يستهزئ، ستجدون من يسخر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٠]، لكن هل يسكت المسلم؟ لا: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود:٣٨] ولكن عادت الدائرة عليهم، وكانت الجولة لنبي الله نوح ﵇، فينبغي ألا نتردد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أنا أعرف أن كثيراً من الناس يود أن يأمر بالمعروف، يود أن ينهى عن المنكر، لكن يقول: يا أخي! والله إحراج، والله أستحي، يقولون: ما شأن هذا الفضولي؟ سيضعون عني تصوراً أني أتدخل في شئونهم، وهؤلاء إذا تصوروا عنك تصوراً خاطئاً فلا يدخلونك النار، وإذا تصوروا عنك تصوراً -مثل ما قلت- تصوراً عصرياً، فلن يدخلوك الجنة لماذا؟ لأن أكثر الناس ليسوا على الحق، يقول الله جل وعلا: (يا آدم! قم فأخرج بعث النار، فيقول آدم: يا رب! وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في النار، وواحد في الجنة).
يا سلعة الرحمة ليس ينالها في الألف إلا واحدٌ لا اثنان
أكثر الناس ليسوا بعبرة: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣] ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف:١٠٢] فمسألة الكثرة ليست عبرة، والجماعة كما يقول ابن مسعود: [الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك] ينبغي أن نأخذ ديننا بقوة: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣] ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢].
إن مصيبة الأمة في هذا الزمن من أناس أخذوا الدين ضعفاً، أخذوا الدين على استحياء، أخذوا الدين وهم إذا قام أحدهم يصلي انسل حتى لا يشعر أنه قام يصلي، أخذوا الدين وهم يدافعون عن الإسلام، لا يحاربون، أو يقاتلون أو يهاجمون به، والدين قوة، أنت تملك سلاحاً أقوى من أولئك جميعاً، ما الذي يمنعك أن تكون قوي الشخصية، لا أن تكون مسلماً منهزماً، الهزيمة النفسية التي حصلت في كثيرٍ من المسلمين، فتجده يسكت ويستحي، ويجامل في كثير من أمور الدين والشريعة، وهو يضيف وهناً على الأمة بهذا السكوت وهذه المداهنة، تصوروا أن الذين عرفوا الإسلام على حقيقته، ولعلنا وإياكم ممن يوفقون إلى هذا بإذن الله جل وعلا: شابٌ أمريكي أسلم بعد أن تأمل وقرأ واطلع، وماذا كان من شأنه؟ غير اسمه فوراً، وما قال: إن الشعب الأمريكي سيحتقرني، لا.
لأنه يعرف أن اسماً فيه فضل، وفيه أجر وثواب، أحوج إليه من اسم لا ثواب ولا أجر ولا فضل فيه، الأمر الثاني: صار يلبس مثل ثيابكم ما قال: إن الأمريكان يقولون لابد من بنطلون، هو لم يحرم البنطلون، لكن رأى أنه يرتاح لهذا الشيء، بعض الناس تجده يفعل أموراً لا يحبها، لكن حتى يوافق القوم فيما يشتهون، أين الحرية؟ أنت حر في نفسك، أَوَ أصابتك الذلة في نفسك إلى درجة أنك وافقت القوم فيما يريدون وأنت تكره، هذه ذلة أصابت كثيراً من المسلمين.
فهذا الشاب الأمريكي كان يبحث عن وظيفة بمؤهلات كانت عنده، فنزل في الجريدة إعلان عن وظيفة في ولاية من الولايات، ما الذي حصل؟ سافر إلى تلك الولاية، وقدم طلب الوظيفة، وكتب في الطلب: ليكن لدى اللجنة التي تحدد من يشغل هذه الوظيفة علماً أنني مسلم واسمي فلان، وإذا وافقتم عليَّ بهذه الوظيفة، فإني أشترط أن أقطع من وقت وظيفتكم جزءاً للصلاة.
انظروا عزة المسلم!! الآن الذي يبحث لابنه عن وظيفة، لو قال له: إن العمل ثمان ساعات؛ من الساعة التاسعة وحتى الساعة الخامسة، قال: ليس مهم العصر والمغرب نجمعها فيما بعد، بعض المسلمين ضعيف، وَوُجِدَتْ في مختلف الأماكن، تسأل: الأخ مسلم؟ يقول لك: نعم، صليت العصر؟ يقول: والله نجمعها مع المغرب، كيف تجمع؟ قال: يا أخي! معي وظيفة ولا أستطيع.
أهو لأجل العمل؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] وليس أصحاب الوظائف، أو أصحاب الشركات، أو أصحاب الأعمال.
فيا أحبتنا في الله! يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من كان يشعر بعزة وهو يحمل الدين، من كان يشعر بعظمة، ما يشعر بأنه يستحي لأنه متدين، أنا أذكر زمناً -والله- مرَّ بنا، كان المتدين في المجلس ترمقه الأبصار، وتسلقه الألسنة، وينظر إليه شزراً، ولكن بحمد الله جل وعلا، فقد منَّ الله علينا بهذه الصحوة المباركة، فأصبح الذي لا يوافق الدين، ولا يلتزم بالسنة هو الذي يستحي ويخجل إلا من كان مجاهراً معانداً مخالفاً، فذلك حقه وحظه من العناد ما يصيبه، لكن المشكلة في هذه المسألة التي هي من أسباب هلاك الأمم: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا نقول: إن الأمة اجتمعت على ترك الأمر ونبذه.
لا، وإنما بعضهم يستحي، وليس هذا بحياء؛ لأن الحياء خلق حميد يبعث على طلب مرضاة الله، وترك ما نهى عنه، ليس الحياء مجاملة الناس والسكوت عن المنكرات-والعياذ بالله- ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 56
ما يجب توفيره لدعم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أيها الإخوة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا الزمان تعرفون ما ينبغي أن يكون له من الدور والمكانة، خاصة في وقت كثرت فيه المنكرات في البيوت وفي الأسواق، وفي مختلف مجمعات البشر، ومن هنا يلزم الأمة على المستوى الإداري أن تجند الوظائف الطيبة المناسبة لرجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يلزم الأمة أن تبوئ الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أطيب الوظائف، وأن تكفل لهم ما يكفيهم، لا أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ضعيفاً، أو مسكيناً، أو فقيراً، أو قليل ذات اليد.
كذلك يلزم الأمة إعداد فريق من المتطوعين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى ما يقال: حدي العمود، أو حدي السكة، لا.
حتى يكون حب الأمر بالمعروف والغيرة على دين الله، وحب إنكار المنكر في كل مسلم.
الآن يا إخوان: نعمة في جانب، ولكنها مصيبة في جانب: كثرة الأسواق، انتشار السلع، تيسر حاجات الناس في كل مكان، ولعله جانب من جوانب النعم، نسأل الله ألا تكون استدراجاً، وإن كانت كثرة الأسواق من علامات قرب نهاية الزمان، ولكن ما يحصل ويدور في هذه الأسواق من المعاصي والمنكرات؛ خاصةً التبرج والمعاكسات يحتاج من كل واحد منكم أن يشارك ولو مرة واحدة في الأسبوع أو الشهر، لكي يشارك بجولة ميدانية عملية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا علمنا أن شيخنا شيخ الجميع الشيخ/ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين قد خرج جزاه الله خيراً لكي يضرب القدوة للعلماء وطلبة العلم محتسباً وهو عضو الإفتاء في الرئاسة العلمية، في رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، خرج ذلك الشيخ الكبير، وليس ذلك من سعةٍ في وقته، مشاغله كثيرة، الناس يحتاجونه، يتشفعون إليه في بعض الحوائج حتى يشفع لهم؛ فتاوى، أسئلة، ومع ذلك يخرج مع بعض طلبة العلم ليدور في الأسواق، وما رأى من متبرجة إلا ويتجه إليها: يا بنية! استري نفسك ستر الله عليك، ويدعوها بالحكمة والموعظة.
شيخ جليل يخرج بنفسه، ليقول لنا: أنتم يا طلبة العلم! أنتم يا جيل الصحوة! أنتم يا معاشر الشباب! مسئولون أن تدخلوا الأسواق ولو لغير حاجة، خمسة أو ستة أو سبعة من الشباب يلبسون شيئاً يلقي عليهم هيبة، أو هيبتهم في قوة إيمانهم، المهم أن يرى أهل السوق أن أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الساحة، وحينما يريد شاب أن يدخل للمعاكسة ويرمي أرقاماً وكلاماً فارغاً، يعرف أنه إن وقع فلا تسأل عن أمره، حينما يقوم بهذا العمل جملة من الشباب أسواق ريمان، أسواق الدولية، أسواق العويس، أسواق طيبة، أسواق الديرة، جميع الأسواق، ماذا يضر سبعة أو ثمانية من الشباب إن فعلوا ذلك؟ هؤلاء يدخلون العصر، وهؤلاء يدخلون المغرب، وهؤلاء يدخلون العشاء، ليس معهم رشاشات: استسلم، لا.
يدخلون أولاً: والله يقذف الهيبة في قلوب الناس منهم.
ثانياً: ما رآهم صاحب منكر إلا وخرج؛ لأن صاحب المنكر يسوقه الشيطان، والشيطان إذا رأى الحق ولى مدبراً ولم يعقب.
المسألة الثالثة: تكون فيه النصيحة، ربما امرأة جاهلة مسكينة، ربما شاب جاهل مسكين، تجد رجلاً يمشي هو وزوجته في منتهى البساطة، ويسير بزوجة متبرجة، ما الذي يمنع الشباب أن تقولوا: السلام عليكم يا فلان! لو سمحت كلمتين جزاك الله خيراً، هذه الزوجة، أو البنت، أو الأخت نسأل الله أن يستر عليك وعليها، حجبها يا أخي! استرها حتى لا تكون سبباً في نوالي ونوالك إثماً ووزراً بفعل أحد الناس الفاحشة، أو حتى لا تكون سبباً ومدرجاً إلى المنكر، أو حتى لا تكون أنت مقراً لمنكر من المنكرات، أفي هذا شيء أيها الإخوة؟ أفي هذا خطورة؟ المصيبة الآن أن الناس أصبحوا حينما يرون رجلاً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لا أقول الناس كلهم؛ لكن جزء منهم يتجهمون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، يا أخي! ما دخلك؟ هل أنت من الهيئة؟ أعندك تصريح؟ نعم عندي تصريح.
ممن؟ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] التصريح من عند الله ، أحتى أقول لصاحب المنكر: هذا لا يجوز أحتاج لتصريح مختوم؟! لا يمكن هذا الكلام، نعم، إذا وردت صفة معينة ينظم بها النشاط، أو جهود المتعاونين مع الهيئات والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فأهلاً وسهلاً بالصدر والأحضان، نكون أول من يتعاون مع هذه الجهات المنظمة لجهود المتعاونين مع الهيئات الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، لكن هل عدم وجود هذا الشيء يمنعني، أو يمنع أن أنهى عن المنكر، وأن آمر بالمعروف؟ والله، ما أظن أن هذا موجود في زماننا، ولا يقول بهذا أحد، ولله الحمد والمنة.
إذاً: الناس قذف الشيطان في قلوبهم وهماً ووسواساً وخوفاً، فظنوا أن هذا من الأمور الممنوعة، وليس من الأمور الممنوعة أبداً، هل يوماً من الأيام واحد منكم أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقيل له: تعال، لماذا تأمر؟؟ بفضل الله ما حصل هذا، ونحن في دولة يختلف شأنها عن سائر الدول، نحن في بلد تتعلق آمال المسلمين فيها بعد الله جل وعلا، شأننا يختلف عن شأن أي دولة، وأي بلد آخر.
إذاً: فالمصيبة وسواسٌ قذفه الشيطان في قلوب الكثيرين منا، فظننا أن الأمر بالمعروف لا يمكن إلا لمن عنده جيب، أو تصريح، وبالمناسبة -أيها الإخوة! - وعلى أية حال: سأتطرق إلى هذا في لقاء قادم إن شاء الله في الملز بعنوان "مجالات جديدة للدعوة إلى الله " الشباب الطيب الآن كثر، أصبحوا عشرات الآلاف، لكن الكثير منهم ليس له عمل في الدعوة، وليس له عمل إسلامي، وليس له عمل ينفع الأمة، سنذكر من هذه المجالات: أن يتعاون عدد من الشباب، فيتكفلون، ويقولون: نحن فريق مسئول عن الحسبة في الأسواق، نتعاون مع الهيئات، الأسواق التي لا تستطيع الهيئة أن تصلها، أو كانت الهيئات أقل من أن تحيط بها، فنحن مجموعة نمر بكل حكمة، معنا كتيبات مسموح بتوزيعها من قبل الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والإرشاد، مصرحة من وزارة الإعلام، امرأة متبرجة: تفضلي يا أختي! هذه رسالة: (من أمرك بالحجاب) (وجوب الحجاب) شريط من الأشرطة المسموحة، المهم نستطيع أن نصلح المجتمع، فعندنا مئات المجالات لإصلاح المجتمع، ودفع أسباب الهلاك، لكن المشكلة: من ينظم جهودنا؟ من يرتب هذه الطاقات؟ من يوظف هذه الطاقات؟ هذه المشكلة التي يواجهها الكثير من شباب الصحوة، لذلك سوف أتطرق بإذن الله جل وعلا للقاء قادم بهذا العنوان "مجالات جديدة للدعوة إلى الله " وإن شاء الله أخبركم بمكانها.
كذلك أيها الأحبة: عندما نقول إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب نجاة الأمة؛ لأن النبي ﷺ قد بين هذا ومثَّله بمثال واضح، قال ﷺ : (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فكان لبعضهم أعلاها، ولبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفل السفينة إذا أرادوا الماء، مروا بالذين من فوقهم) الذين في الدور السفلي لابد أن يمروا على الذي في الدور العلوي من أجل أن يطلِّوا على البحر ويأخذوا الماء، قال الذين في أسفلها: هذا عمل طويل (فلو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن أخذوا على أيديهم، نجوا ونجوا جميعاً، وإن هم تركوهم هلكوا وهلكوا جميعاً) فنحن الآن في سفينة المجتمع فريقان: فريق من العصاة المستهترين الواقعين في المعاصي المجاهرين بها، الذين لا يخافون من الله، ولا يستحون من الخلق، وفريق من الدعاة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، الغيورين على نعم الله، الغيورين على أمن بلادهم، الغيورين على نعم هم فيها مع علمائهم وولاة أمرهم.
الفريق العاصي لو ترك لخرق سفينة المجتمع من أجل تحصيل الماء بسهولة كما ظن وتصور، فهلك الصالحون والطالحون، وهل المسألة على مزاجك؟ تؤمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، بل يقال: هذا لا يجوز، هذا لا ينبغي، هذا حرام، لكن إذا ما استجابوا أخذوا، وفيه الإشارة بالقوة، والإشارة بالتعزير وبالعقوبة، إذا انقاد وانصاع لأمر الله، واستجاب للمعروف وانتهى عن المنكر، وإلا أخذ على يده، والدليل صريح من قوله ﷺ : (ولتأطرنه على الحق أطراً)، وفي بعضها: (ولتقسرنه قسراً) أي أن المسألة ليست بالشورى، نأمرك بالمعروف وننهاك عن المنكر، ثم لك أن تطبق أو لا تطبق، لا.
ليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سلعة إن أعجبتك أو فارجعها، لا.
بل وجوباً أن تلتزم، نعم من حقك علينا أن نأمرك باللين، بالحكمة، بالهدوء، بالموعظة، بالهدية، باللطف، نعطيك فرصة فرصتين، لكن أن يستمر هذا ديدنك وطبعك فلا، الجزء الفاسد في البدن (جزء صار فيه سرطان) يقطع، ويبتر وينتهي، فلابد أن يكتم نفس الفاجر، وأن يفرك، ويمرغ أنفه في التراب، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ليس عندنا فيه أدنى شك، ما أخذناه من قول فلان ولا علان، بل من كتاب الله جل وعلا الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢].
ولنعلم أننا إن تساهلنا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإننا -أيها الأحبة! - نسلم أنفسنا، ونجر هذه الرقاب لكي يقع فيها البلاء والهلاك، والفتنة والعقوبة، يقول الله جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] يا ليت الفتن تصيب الظالمين وحدهم، ولكنها تعم الصالح والطالح.
إن المعاصي والمنكرات إذا ظهرت فهي فتنة ليس شؤمها وإهلاكها يخص العاصي وحده، وإنما يتناول العاصي والصالح معه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥].
стр. 57
انتشار الزنا
كذلك أيها الأحبة: تقول عائشة ﵂ (يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث) وهو الزنا وما يدعو إلى الزنا والعياذ بالله، ومن المؤسف أن بلاد المسلمين إلا ما رحم الله قد انتشر فيها هذا الأمر، حتى أصبحت مواخير الدعارة، وحانات الفجور، وأماكن الرذيلة، والعلب المغلفة موجودة في كثير من بلدان المسلمين، ولنعلم أن قوله ﷺ : (إذا كثر الخبث) فيه إشارة إلى الزنا، والزنا لا يكون إلا باستهتار المرأة بحيائها وحجابها وقرارها في بيتها -خروجها إلى الشارع- فإذا رأيتم المرأة زاحمت الرجال في الطرقات والأسواق، وفي الوظائف والتعليم، فاعرفوا أن هذا طريق إلى كثرة الخبث وهو الزنا: (ما خلى رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) ومن هنا تبقى صيحات الغيورين الأغيار من هذه الأمة؛ من علمائها ودعاتها، من الناصحين لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، تبقى صيحاتهم: حذارِ حذارِ من الاختلاط في الوظائف والتعليم، حذارِ حذارِ من الاختلاط في الوظائف والتعليم، لماذا؟ لأن الاختلاط خطوة إلى كسر جدران الحياء والفضيلة، وبدايةٌ في اللقاءات الجانبية والجلسات المستقلة التي تفضي إلى الزنا والعياذ بالله، فحينما ترى رجلين مع امرأة في مكتب، أو رجلاً مع امرأة في مكتب قاعدين أيخرجان صفراً، أم أن نظرات بعضهم في بعض يتفكرون في خلق السماوات والأرض سبحانك ما خلقت هذا باطلاً؟! لا.
إنما يفكر بعضهم فيما يفكر فيه الآخر من الرذيلة والفساد، والسخفاء السذج، البسطاء الأغبياء، يقولون: لماذا أنتم يا مطاوعة دائماً تفكيركم سيء؟ لماذا أنتم يا مطاوعة! تفكرون بالأمور الشينة؟ لا يا حبيبي! نحن ما قلنا هذا من ذوات أنفسنا، نقوله بقول من لا يقول إلا من وحي ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] كلام النبي: ﴿مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) [النجم:٣] يقول: (ما خلى رجلٌ بامرأةٍ إلا كان الشيطان ثالثهما) ثم الشواهد في دول الغرب ودول الشرق كثيرة، ولكن ما أجمل كلمة واحد من المفكرين المسلمين الذي قال: إن ما نراه من دعوة في الإعلام والمجلات والصحف في كثير من دول المسلمين، التي تدعو إلى حرية المرأة، وخروج المرأة، وتحريك النصف المعطل من المجتمع، ليست والله دعوة صادقة لتحرير المرأة، وإنما هي دعوة لحرية الوصول إلى المرأة.
هناك فرق بين كونك تحررها ,وبين كونك تجد الحرية في الوصول إليها، نعم، في المجتمع المسلم لا يمكن أن واحداً من الباب إلى النافذة يكلم امرأة، أو يأخذ معها ويعطي (خير يا طير) هو يقيس أمعها محرم أم لا؟ ما علاقتك بها؟ تجد الإنسان لا يستطيع أن يدخل على بيت إلا وله علاقة، علاقة نسب، علاقة سبب، علاقة مصاهرة، أمر معين وبضوابط شرعية، لكن الذين ضاقت نفوسهم، وكبتت أنفاسهم من هذه الرياحين والعطور الطيبة من أخلاق الإسلام، لأنهم جعلان، والجعلان تهلكها الروائح الطيبة وتؤذيها، أرادوا أن يتنفسوا في الصهاريج، وأن يتنفسوا في أماكن النجاسات والقذارات، ولا نفس لهم إلا بأن يكسروا الحواجز بينهم وبين النساء من خلال مجالات جديدة، اختلاط في الوظائف، في التعليم، في أماكن معينة، ثم بعد ذلك تصبح الفاحشة أمراً عادياً ولا حول ولا قوة إلا بالله، وما دامت المعصية خفية فلا تزال الأمة بخير؛ لأنه لا يوجد مجتمع -أيها الإخوة! - لم تحصل فيه المعصية، حتى في زمن النبي ﷺ وجدت جريمة الزنا، والسرقة، وحصل ما حصل، لكن هل كان هذا أمراً شائعاً؟ هل كان هذا طابعاً عاماً للمجتمع؟ لا.
كانت حالة شاذة ونادرة، فحينما تكون المعصية حالة شاذة ونادرة، والصلاح والطهر والعفاف والخير صفة عامة في المجتمع، مع قيام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعند ذلك يحصل الخير للمسلمين بإذن الله، وحينما يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتفتح الأبواب على مصاريعها للاختلاط بين الشباب والشابات، والرجال والنساء، فذلك نذير الهلاك: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢].
стр. 58
تسلط المترفين
كذلك أيها الإخوة: تسلط المترفين من أسباب هلاك الأمم، يقول جل وعلا: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم:٢٨ - ٢٩].
فيا أيها الأحبة: حينما يصبح المترفون المدللون الذين (يفحطون) عند العزيزية، والذين يفحطون في شارع الثلاثين، وشارع الموت، ويصبح أبناء المترفين والمدللين يعبثون بالنعم، سيارات تسَعَّر بمائة ألف، وثمانين ألفاً تلعب في الشوارع يميناً ويساراً، هذه علامات هلاك، هذه بوادر خطيرة ومؤشرات للأمة، أممٌ لا تجد ما تلبس، وأممٌ تموت جوعاً، وأممٌ تموت عطشاً، وأممٌ تستباح ديارها وتغتصب أعراضها، وأمةٌ تلعب بالمائة ألف، والمائتي ألف بالتفحيط واللف والدوران يميناً ويساراً، أين من يأخذ على أيدي هؤلاء السفهاء؟ أليس من الواجب أن تصادر سيارته، وأن تباع بالمزاد العلني، وأن يدخل مالها في بيت مال المسلمين؟ نعم، هذا الواجب؛ لأن من لا يعرف قدر النعمة، فإنه يُعَرَّف بقدرها بالحرمان والتعزير، أما أن يترك ليعبث ويفحط يميناً ويساراً إلى آخر ذلك، فهذا لا يرضي الله جل وعلا، وهؤلاء الذين يعبثون ترفاً وإسرافاً بالأموال، لا تظنوا أن جريمتهم يكون شؤمها عليهم، بل هي والله عليكم، ولندفعن الثمن من أنفسنا، ومن أعراضنا، ومن أموالنا، ومن طمأنينتنا، ومن هدوئنا واطمئنانا إذا لم نأخذ على أيديهم، ونأطرهم على الحق أطراً، لكن نسأل الله جل وعلا أن يبرم لأمتنا أمر رشد يخسأ فيه فعل أولئك المفسدين المسرفين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 59
انتشار الربا وعموم الذنوب
كذلك أيها الإخوة: من أسباب هلاك الأمم: عموم الذنوب جميعاً، يقول الله جل وعلا: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ [الأنعام:٦]، ويقول تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾ [الكهف:٥٩] ومن أعظم الذنوب التي هي سبب للهلاك العام، والمصائب العامة: جريمة الربا، كبيرة الربا، مصيبة الربا التي في هذا الزمان جاء من خفافيش المسلمين الذين درسوا في الغرب يحاولون أن يقنعوا الناس بأن الربا الموجود في البنوك ليس هو الربا المحرم، أن نبدأ بغسيل أدمغة البشر في أن نغير الجريمة التي جَرَّمها الله، والمنكر التي عده الله منكراً، والحرام الذي جعله الله حراماً، أن نغسل عقول البشر، ونقول: لا، إن الربا الموجود في البنوك ليس هو الربا المحرم، وذلك مثل: أن يأتي واحد يشرب خمراً، يقول: انظر هذا ليس هو الخمر المحرم، الخمر الحرام شيء آخر، ويأتي آخر يزني، يقول: هذا ليس هو الزنا الحرام، الزنا الحرام شيء آخر، هذه مسألة لا تنتهي، إذا أصبح الفجار المفسدون الخبثاء، الذين يتكلمون بألسنتنا، وهم من بني جلدتنا، ويلبسون كثيابنا يغسلون أدمغتنا، كونه والله يتعامل بالربا مصيبة تخصه، لكن أن يقول للناس: إن الربا الموجود ليس هو الربا المحرم.
أجل ليس هو الربا المحرم يا سماحتك؟! طاغوت من طواغيت الأرض يسمي نفسه دكتوراً وينشر بحثاً، ويقول: إن الربا الموجود ليس هو الربا المحرم، هذه المصيبة مصيبة مركبة، أن يرتكب الإنسان الفاحشة الكبيرة والجريمة، وأن يقول: ليست هذه هي الجريمة المحرمة، انتبهوا لهذه المسألة حتى لا تغسل أدمغة الشعوب في آخر الزمان، ولذلك صح في الحديث: (يأتي على الناس زمان يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها) وعلى ذلك فقس، سيأكلون الربا ويسمونه القروض الإنتاجية التي لا يدخلها الربا، ويأكلون الربا ويسمونه سندات الخزينة، ويأكلون الربا ويسمونه خصم الأوراق المالية.
كونك تفعل منكراً؛ هذا منكر، لكن كونك تقول: الذي أفعل ليس بمنكر، قف عند هذا الحد، وما عرفنا يوماً واحداً رجلاً يريد أن يميز عِقْداً له من أي الذهب هو، فذهب به إلى سوق الغنم، واحد عنده ذهب، يريد أن يعرف هل هو ذهب عيار واحد وعشرين، أو سبعة عشر، يذهب به إلى سوق الغنم، يقول: لو سمحتم أعطوني جواباً، هل هذا ذهب عيار واحد وعشرين أو سبعة عشر؟ هذا مجنون، كذلك إذا أصبح الذين يتكلمون في أمور الشريعة، ويحددون الربا المحرم من الربا غير المحرم غير أهل علم، أصبحنا كمن يصدق تمييز الذهب من أهل الغنم ليس هذا صحيح، ولا بمعقول أبداً، وإنما يعرف الذهب أهلُه، وإنما يعرف الجواهر أهلها، وهم العلماء، ولذلك فإن سماحة الشيخ/ ابن باز رد رداً جميلاً، أسأل الله أن يمتع به على طاعته، وأن يبقيه، وأن يمد في عمره، وأن يبارك في حياته، يجعله ظلاً على هذه البلاد، وعلى الإسلام والمسلمين، رجل والله ما عرفت الأمة قدره حتى الآن، نعم نحن نحبه، ولكن:
سيذكرني قومي إذا جد جدهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
الناس ما عرفوا قدر الشيخ/ محمد بن إبراهيم إلا لما ولى وانتهى، وأفضى إلى ربه، أسكنه الله فسيح جناته، وجمعنا به في الجنة، وكذلك -أيها الأحبة- يبقى عدد من العلماء الذين ننصحكم بالتعلق بهم، دعوكم من فتاوى المرتزقة، وأذناب المادة الذين باعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل، وأصبحوا يحللون ويحرمون بما يمليه عليهم أصحاب الأهواء والشهوات حتى يقولون: هذا رباً حرام، وهذا رباً ليس بحرام، وغيره، لا.
الزموا هؤلاء، والزموا غرزهم، وخذوا الدين والعلم منهم، فهم أتقى وأخوف وأخشى لله جل وعلا، فمن هؤلاء يؤخذ الدين، وإلا إذا أردنا أن نسمع لقول كل ناعق، فآخر مصيبة أتتنا: الشيخ الغزالي رده الله إلى الحق رداً جميلاً يقول: الغناء ليس بحرام؛ مصيبة المصائب، كذلك إذا أراد الإنسان أن يأخذ دينه بالفتاوى الهامشية، ويترك الثقات الذين عرفوا بالتمسك بالدين والزهد، والصلاح والورع وقيام الليل، والتعفف عن أموال الناس، وعن الدنيا، إذا ترك أخذ الدين من هؤلاء الصالحين، وأخذ من هؤلاء وهؤلاء، هذه مصيبة الأمة.
كذلك خذوا مثالاً آخر: وجد شيخ يقول: لا بأس لمن أردن أن يسبحن على الشاطئ أن يجمعن بين الظهر والعصر؛ لأن الشريعة جاءت برفع الحرج، والمشقة تجلب التيسير، لا حرج أن تجمع الظهر والعصر على الشاطئ، نعم -يا أيها الإخوة! - حينما نريد أن نسمع الرخص والفتاوى، التي تخرج بفلوس وبغير فلوس، أو للأهواء والشهوات، ولا تخرج توقيعاً عن رب العالمين، في أشياء كثيرة، ولذلك يقول السلف: من تتبع الرخص تزندق، أقول: إن الربا من أسباب هلاك الأمة، يقول ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٧٨ - ٢٧٩].
الحرب من الله ما نوعها؟ ما شكلها؟ حرب ليست بالكيماوي المزدوج، وإنما بجنود الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٣١] خسف، مسخ، زلزال، براكين، اجتياح، تسلط.
أيها الإخوة: اعلموا أن من أسباب الهلاك، لما تسلط هولاكو التتري على أمة الإسلام، كم تتصورون مات من المسلمين في ذلك الزمن؟ أقل الروايات تقول: مات ثمانمائة ألف مسلم من أهل السنة، لكي نعلم أن الذنوب من أسباب هلاك الأمة، نحن لا نزال نظن أنه ربما تهلك دولة وراءنا، تهلك دولة جنبنا، تهلك دولة عن يميننا، لكن ما خطر في بالنا أنه يُحتمل أن نهلك نحن، لماذا؟ هل بيننا وبين الله عهد أو ميثاق؟ هل أخذنا صكوك الجنة؟ هل أخذنا الميثاق بأن لا يصيبنا ما أصاب الأمم السابقة؟ لا.
فقد أهلكت أمة بذنب وبذنبين وبثلاثة، فما بال أمة اجتمع فيها كثير من الذنوب -ولا حول ولا قوة إلا بالله- ولا نقول شؤماً هلكتم، أو هلكنا: (من قال هلك الناس فهو أهلكُهم)، وفي رواية: (أهلكَهم) لكن نقول: احذروا وهذه الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله جل وعلا يغار على نعمه حينما يرى العباد يجمعون ويتفقون، ويسكتون ويداهنون وينافقون، ويرتكبون المعاصي بنعم خلقها، وخيرات رزقها، وأمور سخرها، يرى عباده يعصونه بها، والله إن أخذه أليم شديد، ثمانمائة ألف في أقل الروايات، وفي بعض الروايات: هلك مليون، وفي بعضها مليون وزيادة، بعض الناس يقول: لا يمكن أن يموت خمسمائة ألف جميعاً؟ نقول: لماذا لا يموتون؟ أليس الذي خلقهم قادراً على إبادتهم؟ ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧] لا تظنوا أنكم أكبر شيء في هذا الوجود، هناك من هو أعظم منكم، وخلقه الله جل وعلا بأمره، بقوله: كن فيكون، أفيعجزه أن يهلك أمةً بلغت الملايين، أو بلغت أكثر من ذلك، أو أقل؟ كذلك أيها الأحبة: يرد الظلم في القرآن ويشمل معنى الذنوب التي بها تهلك الأمم، ولا حول ولا قوة إلا بالله جل وعلا، يقول تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء:١١ - ١٥].
أيضاً: لا تظنوا أنه يدفع عنا الهلاك أن نقول: الله يعفو ويتسامح، إنا والله مذنبون! إنا والله ظالمون! اسمع قول الله جل وعلا: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأنبياء:١٥] يعني: يقولون ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:١٤] مازالت هذه الكلمة دعواهم، لكن هل دفعت عنهم البلاء: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٥]، ويقول الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:١١٠ - ١٠١].
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ [الأعراف:١٠٠] أمة محمد جاءت بعد هذه الأمم السابقة: ((أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ)) [الأعراف:١٠٠] أهلكناهم بذنوبهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 60
الإسراف والبطر
كذلك أيها الإخوة: من أسباب هلاك الأمة: الإسراف والبطر، يقول الله جل وعلا: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص:٥٨]، ويقول : ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء:٩].
стр. 61
تكذيب ما جاء به الأنبياء
كذلك: تكذيب ما جاء به الأنبياء، فإنه من أسباب هلاك الأمم، يقول : ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الشعراء:١٣٩]، والله إن الذين يأتون لكي يغسلوا عقول البشر، ويقولون: الربا الموجود ليس هو الربا المحرم، والخمر الموجود ليس هو الخمر المحرم، والفاحشة الموجودة ليست هي بالفاحشة المحرمة، هؤلاء إنما هم يُكذِّبون الأنبياء فيما جاءوا به، والله! أنهم يُكذِّبون الأنبياء فيما جاءوا به، والله جل وعلا يقول: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الشعراء:١٣٩]، ويقول : ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ * كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [المرسلات:١٦ - ١٨] بالمجرمين: الذين كذبوا رسل الله جل وعلا، والله سنته في العباد ماضية.
يقول تعالى أيضاً: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨] لما آمنوا، ورجعوا، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وأنكروا الذنوب، وتعاهدوا تعاونوا على التجهم للمنكرات، والنصيحة، لما حصل هذا؛ كشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا، ومتعهم الله متاعاً حسناً.
стр. 62
صماما الأمان
ولنعلم أيها الأحبة: أنه لا سبيل لنا إلى النجاة والاستمتاع بهذه الخيرات التي تنعم بها بلادنا؛ طرق، جسور، كباري، مستشفيات، حدائق؛ نعم، خيرات، ثروات؛ أسواق مليئة بالخضار واللحوم والفواكه والأرزاق، خيرات متتابعة، والله لا سبيل إلى حفظها وبقائها إلا بشكر الله جل وعلا، والتعاهد عهداً مع الله أن ننكر ونغير المنكرات، ما ظنكم لو أن كل واحد مر على صاحب فيديو فاختصر به كلمتين: الله يجزيك خيراً، والله إن ما تفعله من نشر الرذيلة بين الناس، وإن هذه الأفلام الذي فيها الرقص، والمصارعة النسائية، والحفلات الماجنة، والأفلام التي فيها القبلات والضم، والأفخاذ والصدور العارية، هذه والله إنها سبب للهلاك، هذه تصد الشباب عن المساجد، وتجعل النفوس تشتهي الزنا، تبحث عن الفاحشة، وتخطط للجريمة، يا أخي! نحن في نعم، نحن في خيرات، أما ترى هذه النعم، أما ترى هذه الجسور، هذه الكباري، هذه الخيرات، هذه المساجد، الأسواق.
ذكِّره بنعم الله، أنت والله تقول له: إذا لم تقلع عن هذا الشيء، فإنه سيكون سبباً في زوال هذا، تكون شؤماً علينا، يا أخي! اتق الله، وابحث لك عن بضاعة غير هذه، ابحث لك عن تجارة غير هذه، ثم تذهب ويأتي الآخر ينصحه، ثم الثالث وهكذا، والله ليستحين على وجهه، ثم يغير تجارته ونشر الفساد والرذيلة.
لكن إذا كان الواحد إذا مر قال: نسأل الله العافية، يبيعون الأفلام الخليعة، لا حول ولا قوة إلا بالله، ويهز رأسه، وما دخل على صاحب فيديو ينصحه، لماذا المسلم جبان؟ لماذا المسلم ضعيف الشخصية؟ هل أنت سوف تنصحه من الكتاب الأخضر، أو من نظرية إنجلز، أو ماركس، أو لينين؟! تنصحه من كتاب الله جل وعلا، فما عليك خطر، تعرفون أن أكثر صاحب تسجيلات أغانٍ يكون حول تسجيلاته تسجيلات إسلامية، فبفضل الله، ثم بفضل شابين مروا عليه وكلمتين طيبتين، بعد أن كان حيران ضنكاً، تتعاقب السجائر يده يشعلها تباعاً، ففتح الله قلبه واستقام وتاب، وبدلاً من أن يبيع الغناء واللهو، والمجون والطرب، أصبح ينشر بين الناس كلام الله وكلام رسوله، والخطب والندوات والمحاضرات: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].
стр. 63
مثال واقعي لهلاك أمة
ختاماً: أيها الأحبة! هذا جزءٌ مما يسر الله في بيان بعض أسباب الهلاك التي وقعت فيها من الأمم، فاستحقت سنة الله بإهلاكها: ﴿وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨] تهلك وتنتهي، فهل من معتبر؟ هل من مدكر؟ والله إننا نرى الأمثلة صارخةً واقعةً: الكويت أمسوا -ولا نقول شماتة، ولكن لكي نعتبر ونتعظ، لأننا نعلم أن مصيبتنا مصيبتهم، فمآسينا مآسيهم- لكن غابت عليهم الشمس وهم أغنى خلق الله، من الأثرياء من خلق الله، من أهل النعيم من خلق الله، وأشرقت عليهم الشمس وهم لا يملكون إلا ثيابهم التي يلبسونها: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [الأعراف:٩٧].
أحد الأساتذة كان في أمريكا يتصل بأهله في الكويت: ما الذي صار؟ يقولون: والله لا نعرف ماذا حدث؟ هو في أمريكا عبر الأقمار الصناعية الـ ( cnn ) ينظر الذي حصل، يتصل بأهله: يا جماعة! نحن ننظر دبابات داخلة عليكم!! ننظر الإطلاق!! هناك ضرب للقصر!! والله ما نعرف شيئاً، والله ما أدري: مناورة: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف:٩٧ - ٩٨] ولقد حصلت: بعض الأمم هلكت، كان الناس يبيعون ويشترون في الأسواق، وفجأة ما وجدوا إلا والأعداء قد دخلوا وحلوا بهم: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] وهذا كما في سورة يس: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس:٤٩] يتخاصمون ويتبايعون ويشترون في الأسواق، ويأخذون ويعطون ويردون.
فيا عباد الله: فوالله إن النذير والعبرة ماثلة لنا، هلكت لبنان وما اتعظ كثير من الناس، وهذه الكويت هلكت، ونسأل الله أن يردها؛ لكي يحكم فيها كتاب الله وسنة نبيه، ويؤمر فيها بالمعروف، وينهى فيها عن المنكر، وتكون عبرةً لأهلها وأصحابها وقومها، فالعبرة ينبغي أن تؤخذ، وإلا: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١] أي: ننتظر حتى يأتي الأعداء ويجثمون على رقابنا وصدورنا، وبعد ذلك نقول: مذنبون!! نحن ظالمون!! لا.
ينبغي أن يغير الناس، لكن في الحقيقة التغيير ليس على المستوى المطلوب، بعد هذه الفاجعة والله كنا نظن المساجد سوف تمتلئ، والناس سيرجعون إلى الله، أصحاب المحلات الفيديو سيتوبون إلى الله ويغلقونها، أصحاب محلات الأغاني، التبرج، السفور، المعاكسات، المخدرات، أشياء كثيرة، ولكن نسأل الله السلامة والعافية.
مصيبة أن العدو يتسلط على الأمة، ويكون لك فيه عبرة ولا تعتبر أبداً، العدو يريك الله في بأسه عبرة وآية، ولا تتذكر أبداً، فمتى نتذكر؟ مثل إنسان جاءه السرطان في رجله، قال: هون عليك يا رجل! ما زال لم يصل إلى قلبي، ورقى السرطان إلى ركبته، قال: إن شاء الله أُرَكِّب طرف صناعي، ووصل السرطان إلى فخذه، إلى جوفه، حتى أهلكه، فالذي لا يبادر بعلاج نفسه، ولا يبادر بتصحيح أوضاعه، متى يبادر؟ إذا دب السرطان في قلبه، واختلط بدمه وأهلكه، ولا ينفع فيه عندئذٍ حبيب ولا طبيب.
فنسأل الله لنا ولأمتنا وولاة أمرنا، وعلمائنا وشبابنا أن نعود إليه عوداً حميداً، ونسأله المرد إليه رداً جميلاً، اللهم إنا نسألك بأسمائك وصفاتك، واسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت أن تحمي حوزة الدين، وأن تحفظ أعراض المؤمنين، وأن تعز الإسلام والمسلمين.
اللهم أهلك البعثيين، اللهم أهلك البعثيين في أنحاء الأرض جميعاً، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أحصهم عدداً، واجعلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم اجعل كيدهم في نحورهم، واجعل سلاحهم في صدورهم، اللهم اخسف الأرض بهم، وأرسل طيراً أبابيل من فوقهم، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم افضحهم بين الخلائق، اللهم من أَسَرَّ في نفسه سوءاً ومكراً وخديعةً لنا ولولاة أمورنا وعلمائنا، اللهم اخزه وافضحه على رءوس الخلائق.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢].
стр. 64
دور الشباب في حمل رسالة الإسلام
الشباب نعمة من الله يجب علينا أن نؤدي شكرها بأنواع الطاعات المختلفة، ولكن الشاب قد تستهويه الشهوات، وتزين له نفسه المخالفات، وفي هذه المادة بيان للشباب يحملهم مسئولية الدِّين وتبليغه إلى العالمين، وما ينبغي أن يكونوا عليه من قدوة.
стр. 65
فضل مجالس الذكر
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:١ - ٢] الحمد لله على نعمه التي لا تحصى وعلى آلائه التي لا تنسى، نحمده أن هدانا إلى الإسلام، ووفقنا إلى التوحيد، وأطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، ومن كل خيرٍ سألناه أعطانا.
ثم الصلاة والسلام على رسوله وصفيه من خلقه محمد بن عبد الله، وعلى آله وأزواجه ومن اتبع هداه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أحبتي في الله: أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا واسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب، أن يجعل هذا الاجتماع للجميع خالصاً لوجهه، وأن يجعله في موازيننا: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
أحبتي في الله: لستم بحاجة إلى أن أذكركم؛ لأن استحضار النية والاحتساب أمرٌ لا شك موجود لدى الجميع، ولكن ما جلس قومٌ يتلون كتاب الله ويتدارسونه إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، وفي الحديث: (إن لله ملائكة سيارين يبتغون حلق الذكر ورياض الجنة، فإذا رأوا ذلك نادى بعضهم بعضاً أن هلموا -والحديث طويل- وفيه: أن الله جل وعلا يسأل ملائكته: علام اجتمع عبادي هؤلاء؟ فتقول الملائكة: يسألونك، ويقول الله جل وعلا: وما الذي يسألون؟ فتقول الملائكة: يسألون الجنة).
ووالله ما جاء بنا وما جاء بكم، وما أقض مضاجع العارفين إلا طلب الجنة، وطلب الرحمة النجاة من النار، ولما جاء ذلك الأعرابي إلى النبي ﷺ سأله قال: (يا أعرابي! ما تقول في صلاتك؟ قال: أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، ولكني أتشهد ثم أسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار، فقال ﷺ : حولها ندندن) كلنا نريد الجنة ونعوذ بالله من النار.
وتمام الحديث: (أن الله جل وعلا يسأل ملائكته وهو أعلم: ومم يستجير عبادي هؤلاء؟ فتقول الملائكة: من النار، فيقول الله جل وعلا: وهل رأوها؟ فتقول الملائكة: لا يا ربنا! فيقول جل وعلا: كيف لو رأوها؟ فتقول الملائكة: يكونون أشد منها خوفاً وبُعداً، فيقول الله جل وعلا: يا ملائكتي أشهدكم أني غفرت لهم) الله أكبر! والله -أيها الإخوة- إن مجاهدة النفس لحضور مثل هذه المجالس الطيبة العطرة لَعبادة جليلة لا يغني عنها بديل، فلو أن آخر قال: أنا أستمع الشريط -مثلاً- ولا أريد الحضور، لا شك أن في استماعه الشريط خيراً وبركة ولكن لا ينال أجراً كأجر الذي جلس في هذه الروضة، واستمع وذكر، وسبح وصلى على نبيه ﷺ .
فبادئ ذي بدء: وددت أن أذكركم بهذا ولا أظن أنه يخفاكم.
стр. 66
عظمة الله تعالى
أحبتي في الله: أما موضوعنا فكما تعلمون وكما تفضل فضيلة الشيخ أنه مرتبطٌ أو متعلقٌ بواجب الشباب المسلم تجاه نفسه وحمل دينه، والحديث في هذا شيقٌ جداً.
وأول ما نبدأ به هذا الأمر -أيها الإخوة- نقول: ما هو هذا الدين الذي نحمله؟ وهذا الدين الذي نتحدث به ونتكلم عنه؟ ندين به لمن؟ إننا ندين به لله جل وعلا.
فحمل هذا الدين، والحرقة له، والاشتياق والولع والاشتغال بنشره فرعٌ عن معرفة الله جل وعلا الذي شرعه لنا، وإذا عرفتَ ربك حق المعرفة، كنت قائماً له حق القيام، ومن كان بالله أعرف كان منه أخوف، ومن علم خشي: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
أيها الأحبة: والله لو تفكرنا وتأملنا عظمة هذا الرب الجليل الذي شرع لنا هذا الدين لأدركنا أننا في كرامة ولأدركنا حقيقة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء:٧٠] والله إن الله كرمنا كرامة ما تفكرنا في حقيقتها، بل إن من الناس من ضلت به مذاهبه وأغوته شياطينه حتى رضي الخسة والدناءة والحضيض والهوان لنفسه، واشتراها بديلاً عن تكريم الله له ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أيها الإخوة: أسألكم سؤالاً واحداً: أنتم الآن في هذه القاعة وفي هذه الصالة، كل واحد منكم ماذا يشغل من حيز هذه الصالة؟ هذه الصالة قرابة (٢٠) متراً، أو (٣٠×٢٠) متراً.
هل تملأ متراً واحداً منها؟! أنت تنظر إلى هذه الصالة معجباً مندهشاً لهذا الارتفاع والسعة وحسن البناء، هذه الصالة موجودة في مدينة الزلفي وهذه المدينة، أنت لا تشغل شيئاً منها بالنسبة للصالة.
ما الذي تشغله بالنسبة لمدينة الزلفي؟ لا تشغل شيئاً يذكر، أقل من متر! وماذا تشغله بالنسبة للمملكة العربية السعودية بأكملها؟ أنت كذلك لا تشغل شيئاً يذكر.
والمملكة العربية بأكملها ما الذي تشغله بالنسبة لقارة آسيا؟ شيء بسيط بالنسبة للقارة.
وقارة آسيا ما الذي تشغله بالنسبة للكرة الأرضية بجميع القارات؟ -أيضاً- هذه القارة جزءٌ يسيرٌ من الكرة الأرضية.
والكرة الأرضية أي حيز تشغله، أي مكان تشغله بالنسبة للمجرة المليئة بالكواكب الأخرى والتي تقاس المسافات بيننا وبينها بالسنين الضوئية لبُعد المسافة؟ أيضاً الكرة الأرضية لا تشغل شيئاً بالنسبة للمجرة.
والمجرة لا تشغل شيئاً بالنسبة لمجموع المجرات السابحة في السماوات.
يقول تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] الله أكبر! هذه الأرضين والسماوات هي قبضة الله ومطوية بيمينه جل وعلا.
إذاً من أنت بالنسبة لعظمة الله؟! من أنت بالنسبة لقوة الله؟! من أنت بالنسبة لملكوت الله؟! ما حجمك بالنسبة لجبروت الله جل وعلا؟! ثم بعد ذلك تجهل أن الله يوم أن شرفك وأمرك ونهاك، تجهل أنها كرامة لك! والله لو وقف أمامنا على هذه المنصة أربعة قلنا: هذا وهذا يعملان عند الأمير أو عند الملك أو عند الخليفة، وهذا وهذا يبيعان في السوق، لتبادر إلى أذهاننا أن الذي يعمل عند الأمير بحكم قربه من ذوي المناصب من خلافة أو ملك أو إمارة، أعظم في نظرنا، ولأن الخليفة أو الرئيس أو الملك أو الوزير يكلفه ويأمره وينهاه، ولا يأمر هذا ولا ينهاه لأن هذا له شرف ومقدرة ومكانة، ولذلك يُشَرَّف ويكلف بأن يفعل وبأن يُطلِق وبأن يتصرف فيما وُكِل إليه، نعرف أنها كرامة.
فأنت ألا تشعر بكرامة الله جل وعلا لك الذي أمرك؟! أليس هذا تكريماً؟! الذي نهاك! أليس هذا تكريماً؟! الذي فضلك! أليس هذا تفضيلاً؟! لو وقف ذو منصبٍ عظيم وأخرج واحداً من بينكم وقال: أنت، قلت: نعم.
لم يختر هذا من بيننا إلا لأن له شأناً.
فالله جل وعلا قد جعل لكل مسلمٍ شأناً وقدراً عظيماً إن هو عرف حقيقة الكرامة والفضل، وحقيقة العزة التي حباه بها، ولكن أكثر الناس لا يفقهون ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧].
بل إن من الناس من يريد أن يتقمص أو يطلب ويستحث ما يسميه كرامة من البشر، وما هي إلا ذلة والله قد كرمه فوق هذا كله.
فيا أحبتي في الله: ينبغي أن نشعر ونتفكر في عظم هذه المخلوقات، وفي عظم هذا الكون، وما فيه من مجراتٍ وسماواتٍ وجبالٍ وأرضينَ وظواهرَ كونية، وأمورٍ يعجز اللسان عن وصفها والقلم عن حصرها وذكرها، ثم ندرك أنها كلها في كنف الله جل وعلا وتحت أمر الله.
إذاً هذا الدين الذي شرعه الله ورضيه لنا وأمرنا أن نلتزم به دينٌ عظيمٌ؛ لأن الذي شرعه وأراده عظيم وهو الله جل وعلا.
стр. 67
أهمية القدوة الحسنة في نشر الدين
أحبتي في الله: لنعلم أن كل أمرٍ وكل تكليف إنما هو مزيدٌ في الرفعة والكرامة، وإذا أردنا أن ننهض بديننا وأن نرفع بهذا الدين رأساً وأن نعتز به، وأن نتشرف في أن نبذل له الأوقات، ونضحي لأجله بالنفس والنفيس والغالي والرخيص؛ فلنعلم أن التزامنا بأحكامه وآدابه هو خير ما يجعلنا نرتفع بأنفسنا ونرتفع بديننا نحو انتشار أوسع وأفضل، فالقدوة المسلمة التي تطبق أحكام هذا الدين لا شك أنها تمارس دوراً عظيماً وبارزاً وفعالاً في السمو بهذا الدين وإدراك أهمية نشره ودعوة الناس إليه، أنت يوم أن تكون داعية مطبقاً لأحكام دينك في كل مكان هذا ارتفاعٌ بنفسك إلى درجة وسمو هذا الدين، وبذلٌ منك في نشر دينك بالقدوة الحسنة.
وكم عجبت لحادثة أخبرني بها أحد الأطباء، عن طبيبٍ في أحد المستشفيات في هذه البلاد سافر إلى أمريكا ليشهد مؤتمراً مدته ثلاثة أيام، وكان موضوع هذا المؤتمر يدور حول الكالسيوم ودوره في جسم الإنسان، لكن يخبرنا هذا الأخ الفاضل عن الطبيب الذي ذهب ليمثل بلاده ويقدم بحثه أو أطروحته في هذا المؤتمر قال: لما ركب الطائرة وحان الوقت قام فيها مؤذناً فعجب مَن حوله، فلما رأوا هذا التصرف العجيب أخبرهم قال: أنا في ميعاد محدد لا أتقدمه ولا أتأخر عنه أصلي لله جل وعلا، وهذه الصلاة يسبقها الأذان فلما عرفوا ما الذي يريد -يعني: كانوا يخافون أن يكون هذا إعلاناً لاختطاف الطائرة أو هبوط اضطراري، فتركوه وشأنه في الأذان- فعجب مَن حوله مِن فعله هذا وأخذوا يسألونه ويناقشونه وانتهى النقاش في هذه الطائرة إلى رغبة ملحة من أحد الركاب في أن يتعرف على هذا الدين وأن يقرأ عنه، وعلى أية حال لو كل مسلمٍ مارس وطبق واجتهد في أن يتأدب بآداب الإسلام وأن يلتزم بأحكامه لكان لذلك أثر عظيم، فلو أنني طرحت مسألة ثم ذهبت، وجاء آخر في رحلة أخرى ووافق هذا الذي تعجب واستغرب وأكمل الدور، وجاء رجل ثالث ورابع حتى يتواتر في أذهان الذين لا يعرفون عن هذا الدين شيئاً أن أمة ورجال هذا الدين أمة عزة وافتخار وشرفٍ بدينهم الذي ينتسبون إليه، لأصبح مجموع المسلمين يمثلون سلسلة متكاملة في الدعوة ولو لم يقدم أحدهم إلا موقفاً واحداً، إذ ليس من شرط المقابلة أن يسلم في أول لحظة، لكنك أثرت في ذهنه السؤال والبحث عن هذا الدين.
المهم: هذا الرجل -يعني: ليس هذا الشاهد من الحديث- الشاهد: أن هذا الطبيب لما حل ونزل بأرض المؤتمر وسمع الأبحاث التي طرحت أراد مقرر أو أمين ذلك المؤتمر أن يسند إليه الكلام في آخر يوم من أيام المؤتمر، قال: معنا ضيف من بلاد المملكة العربية السعودية، ونريد أن نسمع كلمته في هذا المقام، فقام ذلك الرجل حامداً ربه مصلياً ومسلماً على رسوله ﷺ -وكم يؤسفنا أن هذه خصلة تُفْقَد في بعض المجامع والمنتديات، من واجب المسلم في أي مكان كان، وفي أي دولة كانت، وفي أي جهة كانت، أن يبدأ بحمد الله والصلاة على رسوله ﷺ ثم قال: أشكر للسادة المؤتمِرين الأطباء هذه البحوث التي قدموها، ولكن أعرف أن هذا المؤتمر كان يدور حول دور الكالسيوم في جسم الإنسان، وسؤالي: ما هو دور الإنسان في الحياة؟ أريد أن أسأل ما هو دور الإنسان في هذه الحياة؟ هل هو: الأكل، والشرب، والنكاح، والنسل؟ فأثار استفساراً عجيباً في أذهانهم، ثم أخذ يحدثهم بما فتح الله عليه من كلامه ومما يفهمه ويعتقده من كلام ربه وسنة نبيه ﷺ حتى شرح الله صدور بعض المؤتمِرين، وكانت نهاية آخر يوم في المؤتمر أن أسلم على يده ستة من الأطباء وطبيبتان من النساء.
فهكذا المسلم دائماً إذا كان دينُه أمراً مهماً بالنسبة له في كل مكان، وحديث نفسه في أي موقفٍ يقفه؛ هل هذا يرضي الله؟ هل هذا لا يرضي الله؟ هل هذا يقربني من الله؟ هل هذا يبعدني من الله؟ هل يسرني أن ألقاه بين يدي الله؟ هل هذا يؤسفني ويخجلني أن ألقاه بين يدي الله؟ إذا كان هذا شأنك وموقفك والله تكون دائماً في رفعة بنفسك واعتزاز بدينك، وتقوم بدورٍ إيجابيٍ فعال في نشر هذا الدين الذي أنت تنتسب إليه.
стр. 68
أهمية الالتزام بهذا الدين وتطبيقه
المسألة الأخرى -أيها الأحبة- بعد القدوة الالتزام: لنعلم أن هذا الدين يحتاج إلى تطبيق وأنه دين عمل وليس دين كلام، لو كان هذا الدين دين كلام لاكتسح القارة كلها، لأنه لا يوجد أكثر من العرب -ولله الحمد- في الفصاحة والبيان، ولا أقول أكثر منهم في الكلام.
كما يقول شاهد القوم:
إذا خسرنا الحرب لا غرابة
لأننا ندخلها
بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابة
بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة
الكلام كثير؛ لكن أين التطبيق وأين الالتزام؟ وأين البذل والتضحية؟ إذاً: فحتى نعرف واجبنا تجاه هذا الدين، وواجبنا للرقي بهذه الرسالة العظيمة ينبغي أن نطبق لأن التطبيق هو غاية العلم ومن علم ولم يعمل كان علمه بلا فائدة، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ [النساء:٦٦] فالإنسان إذا عمل بما علمه كان خيراً له، والخير جاء نكرة خيراً مطلقاً عظيماً فيفتح الله عليه فتحاً لا حدود له، بل ويزيده الله تثبيتاً لهذا الدين، وإذا أردت أن تتفقه في مسألة من المسائل فقهاً طيباً جيداً فطبقها فإن تطبيق العلم يجعله أكثر رسوخاً ويفتح عليك أبواباً أخرى.
من عمل بما يعلم شرح الله صدره وهيأه، ويسر له علم ما لم يعلم.
فهذه مسألة مهمة، واجبنا -أيها الأحبة- تجاه هذا الدين الذي كلنا نعلم عنه الكثير أن نعمل به وأن نطبقه.
الصحابة رضوان الله عليهم، وهم ثلة طاهرة نقية قليلة جداً بسيوفٍ نحيلة وبِخَيْلٍ هزيلة، مع الفقر والجوع كسروا أمماً وحضارات جعلوها تتهاوى في الحضيض تحت صيحات التكبير والالتزام العملي بهذا الدين، والاستعداد والقدرة على التضحية، حينما يشعر أعداء الإسلام أن أبناء المسلمين بلغ بهم الأمر حرقة وحباً وتفانياًَ في دينهم إلى درجة أنهم يبايعون على الموت، ويساومون على الأرواح من أجل نشر دينهم؛ عند ذلك تنتهي مخططاتهم، لأن المخطط الماسوني والصهيوني الذي نراه يسري درجة درجة، ومرحلة مرحلة في شعوب المسلمين وأبنائهم سرى أمام عنصرٍ واحدٍ وضع في الحسبان وهو أن أبناء المسلمين قد أخلدوا إلى الأرض واتبعوا أهواءهم، ولكن يوم أن تحرك الجهاد في بقعة من بقاع المسلمين اختلفت الحسابات وانهارت المخططات، وأصبحت تظهر عليهم صور ما كانت في حسبانهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢].
كان أعداء الإسلام يظنون أن مخططاتهم وأن انتشارهم ورقعتهم وقواهم الضاربة في كثيرٍ من بلدان المسلمين تمنعهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] متى؟ يوم أن تحرك الجهاد في سبيل الله.
فحينما يوجد من المسلمين أمة تبرهن وتبرز وتحقق للعالم أننا على استعداد أن ننشر هذا الدين وأن نرفع به رأساً، وأن ندعو إليه، أياً كان الثمن، كما قال رستم القائد لأميره أو لرئيسه: هل المسلمون أكثر منكم؟ قال: لا.
نحن أكثر منهم.
ولكن رستم لما جاءه أحد قادة المسلمين قال: [مال الذي تريدون؟ قال: ندعوكم بدعوة الإسلام، أن تدخلوا في هذا الدين ولكم ما لنا وعليكم ما علينا.
قال: فإن أبينا؟ قال ذلك المسلم الذي كان فقيراً ضعيفاً هزيلاً يفاوض أكبر القواد قال: تعطون الجزية عن يدٍ وأنتم صاغرون.
قال: وإن لم نعطكم؟ قال: إن لم تقبل بهذه ولا هذه فقد جئتك بقومٍ يحبون الموت كما تحبون الحياة.
فلما أخبر رستم أميره أو رئيسه بهذا قال: بهذا غلبوكم].
قومٌ يُربطون بالسلاسل حتى يثبتوا في أرض المعركة والقتال، وقومٌ يشترون ويشتهون الموت شهوةً ويتسابقون إليه.
فحينما نكون على درجة من الالتزام والحرقة والتطبيق والعمل لهذا الدين والله -يا أيها الأحبة- سينتشر، وكما يقول أحد مفكري الإسلام: إن البشرية لا تستجيب لمنهجٍ مقروء -الإسلام لو طبعنا منه ملايين الكتب- أو منهجٍ مسموع -أرسلنا منه آلاف الأشرطة إلى دول أوروبا وأمريكا وغيرها- وإنما تستجيب لمنهجٍ قد تمثل في صورة جماعة من البشر.
فإذا رأى الأعداء أن المسلمين قد طبقوا دينهم وإذا جاء أعداء الإسلام إلى أرض المسلمين فوجدوا المسلم لا يمكن أن يوجد فيه ثغرة من رشوة أو خيانة أو ضعف أو فساد أو فسق أو اختلاس أو أي جانبٍ من جوانب النقص والخزي والمحرمات والمخالفات، عند ذلك يعلمون أن هذه أمة قد أحاطت سوارها، وأحكمت إغلاقه، فلا يستطيع أحدٌ أن يدخل إليه، أما إذا وجدوا أمة قد فتحت أبوابها على مصارعها وقد رُسِّيت نوافذها مشرعة، استطاعوا أن يدخلوا مع النوافذ ومع الأبواب ويتفكهون حتى بتسلق الأسوار.
فإذا وجدت الأمة التي تكون نعم القدوة ونعم الالتزام لدينها؛ عند ذلك ترتفع بنفسها إلى كرامة أكرمها الله جل وعلا بها.
وفي المقابل فإن أي فردٍ أو أي مجتمعٍ أو أي أمة تخالف أمر الله وتسلك طريقاً معاكسة فيما شرع، والله إنها تختار لنفسها درجة مغرقة في الحضيض والهوان.
وكما يقول الحسن البصري ﵀: [إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، إلا أن ذل المعصية لا يفارق وجوههم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه].
ويقول جل وعلا، وقول الله أبلغ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
فمن نُسِّي ونَسِيَه الله فهذا هوان وهذا انحطاط، وأنت تلاحظ يوم أن ينساك أحد أحبابك أو ينساك من هو حولك ولا يلتفت إليك ولا يعبر أو يلتفت لوجودك، فإنك تتضايق من هذا الشيء وتعرف أن هذا هوان واستهتار ونقص، فكذلك من نسيه الله جل وعلا -ولله المثل الأعلى- فهو في غاية الهوان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فغاية الأمر -أيها الأحبة- أننا حينما نريد أن نرتفع بأنفسنا لا بد أن نتمسك بهذا الدين جيداً.
هذه الحياة قافلة، من الناس من يمشي حافياً، ومن الناس من يمشي منتعلاً، ومنهم من يركب دراجة، ومنهم من يركب سيارة، ومنهم من يركب طائرة، فالناس بقدر تمسكهم بهذا الدين يحددون الدرجة والفئة التي هم فيها، فمن كان متهاوناً ضعيفاً، فهو كمن يمشي حافياً لا تسأل عما يجرحه من الشوك ويعترضه من القاذورات ونحوها، ومن التزم بدين الله جل وعلا فقد اختار لنفسه درجة عالية، وبقدر ما تسمو بنفسك في دين الله جل وعلا، فأنت تختار لها مكانة أسمى وأعلى، وكلٌ يضع نفسه حيث ما شاء؛ ولكن:
وإذا كانت النفوس كباراً تعبتْ في مرادها الأجسامُ
من الناس من يقنعه حفنة من التراب، ودريهماتٍ معدودة، ودويرة صغيرة.
ومن الناس من أبت همته وشمخت عزته، فلا يريد غير النجوم مطلباً، فلا يريد غير أسمى الأماكن والدرجات العلا عند الله جل وعلا، وهي الجنة وثمنها؛ تعرفون أنه السير الحثيث: (من سار أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).
المسلم الذي ترتفع به الأمم وتعز به الدول، المسلم الذي نريده في هذا الزمان: ليس ذلك الظبي الجهول، ليس ذلك المسكين الذي إذا رأى منكراً قال: اللهم حوالينا ولا علينا، كأنه امرأة رأت رجالاً، إذا رأى أمراً مخالفاً لدين الله مر وكأن الأمر لا يعنيه، أو كأن محارم الله لم تنتهك، انظروا إلى أحدهم يقطع إشارة مرورية فيسلقه القوم بألسنة حداد، ويحرقونه ويزلقونه بأبصارهم، ما هذا التخلف، ما هذه الرجعية، إشارة مرورية عنوان التقدم، عنوان الحضارة، إشارة تُفُوهِم عليها دولياً، هذا الأبله المسكين المعتوه، لا يفهم التعامل معها؟! فما بالك بمن خالف أمر الله وشرع الله؟! من الناس من لا يلتفت، وغاية الأمر كما يقول العامة: (ذنبه على جنبه) لا.
أراد أعداؤنا منا المسلمين أن يكون هكذا، السجادة ما هناك مانع، تريد أن تسبح سبح، خذ لك سبحة، اقرأ أورادك كلها، امش من البيت إلى المسجد ليس هناك مانع، لكن تريد أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر! تريد ألا يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً! تريد أن تكون كلمة الله هي العليا! هذا هو الذي لا يريده أعداء الإسلام، ولذلك في بعض الدول التي تحارب الإسلام عداوة وصراحة توجد بعض الجماعات التي تنتسب للإسلام، أو تدعي أنها تعمل للإسلام وما هو نوع التزامهم؟ إما على عقائد محرفة، أو على نوع التزام أو حصر مفهوم الدين في المحاريب والطقوس والعبادات المحددة، أكثر من ذلك لا يُسمح لهم بشيء.
فيا أحبتنا في الله: حينما نريد أن نسمو بهذه النفوس وأن نسمو بهذا الدين، لا بد أن نبذل ولا بد أن نضحي، ولا بد أن نقدم.
стр. 69
محبة الصالحين والدعاء لهم بظهر الغيب
كذلك -أيها الأحبة- بعد التفكر في مخلوقات الله التي تنتهي بنا إلى عظمة الله جل وعلا، ثم عظمة هذا الدين الذي شرعه الله لنا، وقدر الكرامة التي كرمنا بها، بعد ذلك القدوة، وبعد القدوة التلقي للتنفيذ، العمل، الاجتهاد، الالتزام، بعد ذلك المحبة، جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ قال: (يا رسول الله متى الساعة؟ -وكان من عادته ﷺ أن يجيب السائل بما ينفعه؛ لأنه لو قال له: الساعة بعد ألف أو مليون سنة أو أقل، أو أكثر، يعني: ليس هذا الأعرابي موكَّلاً بالنفخ في الصور أو بفتح أبواب الجنان، أو بإيقاد النيران، ليس له شأن بذلك- متى الساعة؟ فقال ﷺ : وماذا أعددت لها؟ فقال: والله ما أعددت كثير عملٍ ولكني أحب الله ورسوله، فقال ﷺ : المرء مع من أحب) وجاء آخر وقال: (يا رسول الله! المرء يحب القوم لَمَّا يلحق بهم) ولَمَّا تفيد قرب حدوث الشيء إلا أنه لم يحصل، كما يقول الشاعر:
أزف الترحل غير أن ركابنا لَمَّا تزل برحالنا وكأنْ قَدِ
فقال ﷺ : (أنت مع من أحببت يوم القيامة).
فمن هذا أيها الأحبة: إذا قصرت بنا الهمم عن أن نكون في مصاف الرجال والقادة والدعاة، والأساتذة والمربين في هذا الدين فلا أقل من أن نكون في عداد المحبين، والموالاة هي الحب والبذل، وأن نكون مع المحبوبين ظاهراً وباطناً، فلا أقل أن نكون معهم.
لا خيل عندك تهديها ولا مالُ فليُسْعِفِ النطقُ إن لم تسعف الحالُ
إذا لم تستطع أن تكون من المجاهدين، أو من الدعاة إلى الله، أو من المربين، أو من الوعاظ، أو من الذين لهم دورٌ نافع؛ فلا أقل من أن تكون من الذين يدعون لهم بظهر الغيب، وينافحون عن أعراضهم، ويذبون عنهم قالَةَ السوء وأقوال الناس.
أيها الأحبة: يؤسفنا ويجرح قلوبنا أن نجد من أحبابنا وإخواننا من بني جلدتنا ويلبسون كملابسنا، ويتكلمون بمثل ألسنتنا، أن إذا ضمتهم المجالس كان حديثهم انتقاد الصالحين الطيبين، أو الحديث في أعراضهم، أو انتقاد الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والنيل من جانبهم، هذا والله مما يزيد حظ الشيطان من نفوسهم ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإلا فإلم يكونوا قادة ومربين وعلماء وأساتذة، فلا أقل من أن يكونوا محبين، أن يكونوا داعين، لا تقل: عجائز المسلمين ونساؤهم فيما مضى خيرٌ من كثير من الناس في هذا الزمان، امرأة أرادت أن تشارك في الجهاد، ولم يكن لها سبيل، فأخذت المقص وقصت ضفيرتها وجاءت بها إلى قائد المجاهدين وقالت: [اجعل منه لجاماً لفرسك] تريد أن تشارك، تريد أن تقدم شيئاً.
جاءت سليمان يوم العرض قُنْبُرَة قد أقبلت بجرادٍ كان في فيها
وأنشدت بلسان الحال قائلةً إن الهدايا على مقدار مهديها
لو كان يُهدى إلى الإنسان قيمتُه لكان قيمتك الدنيا وما فيها
أرادت أن تشارك بما استطاعت، ولقد تجددت ولله الحمد والمنة هذه الصورة في هذا الزمان يوم أن يأتي الكلام عن الجهاد أو عن البذل في سبيل الله؛ تفاجأ بفتياتٍ يرسلن أساورهن وأقراطهن وحليهن.
موقف جميل جداً: جاء شاب عليه سيما ضيق الحال مثلما نقول: (مبروكة هذه المحدودة) قال: أنا أريد أن أتبرع بفروتي هذه للمجاهدين.
قلت: الله يكثر خيرك، هذه يلبسها مجاهد إن شاء الله ويستشهد فيها، ويُدْعى لك.
طبعاً التبرعات النقدية أيسر بكثير من التبرعات العينية؛ لكن هذا الرجل جاء وما عنده إلا فروته نقول: توكل على الله ما نقبل منك شيئاً؟! على الأقل نشكر هذا الشعور الذي بلغ به أن يخلع معطفه أو فروته أو قميصه ثم يقول: خذوه للمجاهدين، فنريد -أقل الأحوال- أن يحدث هذا الشيء، أن تحدث الموالاة المحبة النصرة التأييد الذكر العاطر الدعوة بظهر الغيب، هذه من الأمور التي تجعلنا نرتفع بأنفسنا ونرتفع بديننا إلى ما يرضي الله جل وعلا، وديننا رفيع والحاجة لنا.
стр. 70
القوة في الإعداد
هذا الإسلام عزيز قد أعزه الله جل وعلا وحفظ هذه الشريعة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
(ليبلغن هذا الدين مبلغاً حتى لا يدع بيت شجرٍ ولا حجر ولا مدر إلا أدخله الله هذا الدين، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الشرك وأهله) هذا الدين منتصر: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرها من خذلها) إن نحن نمن على إسلامنا وعلى ديننا، من نحن؟! يقول الله جل وعلا: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] يتواضعون لإخوانهم المؤمنين، أعزة أقوياء في وجوه الكافرين، فنحن بحاجة إلى هذا الدين أن نرفع أنفسنا به.
стр. 71
قوة الإعداد العلمي
إن مما يعيننا على أن ننهض بأنفسنا لكي نكون على مستوى هذا الدين: الإعداد، والإعداد يكون بالعلم، والتفقه، والجهاد في سبيل الله.
فحينما نكون على مستوى قوي واضح من العلم فلا تنتشر بيننا البدع ولا الخرافات، ولا تسري بيننا الأقوال الشاذة والأباطيل والخرافات، ولا يمكن أن يكون اضطراب أقوال الذي هم على هامش الإسلام أو يُنسبون إلى الإسلام لا يمكن أن تكون مصدر خلافٍ أو زعزعة بيننا، ولا يكون ذلك إلا بالقوة والإعداد، بقوة العلم وبقوة الفقه في دين الله، وهذا لا بد له من وسائل، يحتاج إلى طلب العلم، ويحتاج إلى حلق العلم، وإلى المزاحمة بالركب على المشايخ في حلق الذكر في المساجد، أو في بيوتهم، أو في مجامع الخير، ويحتاج إلى القراءة، وإلى البحث، والاستماع، ويحتاج إلى التنقيح والتحليل والتفكير.
كثيرٌ منا قد حفظ نظام التقاعد كالفاتحة، لأنه يعرف متى ينتهي، ومتى تنتهي الخدمة، وكم خُصِم من راتبه أيام كان يأخذ راتباً؛ لأنه فكر وقدر كثيراًَ في هذا الأمر حتى استوعبه وفهمه؛ لكن الكثير ما فكر كيف ينشر خُلُقاً حميداً أو فكرة نافعة في بيته أو في حارته أو في حيه أو مجتمعه، ولو أهمه الأمر لاشتغل به، لكن للأسف مجرد انتسابٍ، لا توجد عنده حرقة أو لهفٌ وشوقٌ إلى نشر هذا الدين.
فلا بد -أيها الأحبة- من أن نُعِد، لا بد من أن نُعِد، بقوة العلم بقوة التفقه بالحجة الظاهرة، والله إن العلم -أيها الأحبة- خير سلاح بعد رحمة الله جل وعلا يحفظ صاحبه من الانزلاق في المعصية، وكم زل وهلك وضاع من العُبَّاد! ولكن ما أندر -يعني: قلة- مِن الذين يحصل منهم الزلل والهلكة من العلماء! لأن العابد يُغْوَى أو يفتن بشبهة فلا يعرف كيف يتصرف، ثم ينساق في معصية لا يعرف أنه منذ بدايتها قد جنح وذهب مسلكاً بعيداً عما يرضي الله جل وعلا؛ لكن طالب العلم، المتفقه يعرف الأمور من بداياتها، فإن كانت بداية حسنة اتخذ سبيلاً مباركاً إليها، وإن كانت بداية مشبوهة، عرف أن الحق أبلج، والحق نظيفٌ عطرٌ طاهر لا يمكن أن تكدره شوائب.
وكم عجبت ذات يومٍ من شاب وقف بعد صلاة العشاء في يومٍ من الأيام يريد الحديث معي، فلما التفتُّ إليه أكلمه، أخذ يبكي وانهمرت دموعه غزيرة وانساق في بكائه، فقلت: أكيد في نفسه عبرات يريد أن يخرجها، لا نستعجل بالحديث معه دعه حتى يخرج بقية عبراته، فلما انتهى من بكائه التفتُّ إليه وقلت: ما الذي بك؟ قال: والله أنا مستقيم وكنت أشهد الصلاة في هذا المسجد وصلاة التراويح وو إلى آخره؛ إلا أني سافرت مع صديقٍ أراد مني أن أرافقه في السفر إلى مدينة ما، وسافرت معه وحصل مني الزنا -والعياذ بالله-! قلت: سبحان الله العلي العظيم! صدق الإمام الشافعي: لا تنظرن إلى بكائهم في السجود، ولكن انظرهم عند الحلال والحرام.
كثرة الصياح والنواح والبكاء ليس بعلامة فارقة مميزة، لا شك أنها دليل على حضور القلب والإخبات والخشوع لمن خرج منه من غير تكلفٍ؛ لكن المقياس الحقيقي: أين هو عند الحلال والحرام؟ المقياس الحقيقي قول النبي ﷺ في حديث النعمان بن بشير: (ألا وإن لكل ملكٍ حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة) إلى آخر الحديث.
فالإنسان تعرفه جيداً عند الحلال والحرام، فهذه من الأمور المهمة أيها الأحبة.
فشاهد الكلام: هذا الشاب لما بحثتُ معه عرفتُ أنه يحب الخير ويحب الطيبين، يُشكر على هذه المحبة وهذه الموالاة؛ لكنه ما زود نفسه بالعلم، ولو زود نفسه بالعلم ما زَلَّ هذا الزلل، ولكان العلم بإذن الله وبمشيئة الله ورحمته عاصماً يعصمه من الوقوع في الخنا والرذيلة والفاحشة.
فالعواطف -أيها الأحبة- لا تقوم عليها أمم، ولا تنتشر بها دعوات، ولا ينتشر هذا الدين ويتأثر الناس به إلا إذا رفعه علماء لديهم من العاطفة والحرقة ما يؤثر على الآخرين، لكن العلم العلم ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] الله جل وعلا في شأن توحيده وألوهيته لم يرضَ بالمعرفة، أو تفكرْ أو تأملْ أو تثقفْ أو تعرفْ، ولكن، ﴿فَاعْلَمْ﴾ [محمد:١٩] فلا بد من العلم والعلم بالله أولاً ثم العلم بنبيه والعلم بأحكام الله جل وعلا، هذا مما يعصم الإنسان ويرفع منزلته ومكانته إلى خير حالة أو خير درجة تُرجى أن تكون للمسلم الذي يرجو ما عند الله جل وعلا.
стр. 72
قوة الوعي والفهم والاطلاع
كذلك -أيها الإخوة- من القوة في الإعداد: الوعي والفهم والاطلاع، ومن الناس من يعتبر دار الإذاعة البريطانية بالنسبة له متفقٌ عليه، يعني: ما تقوله هو الصحيح، لا يعرف أن الذي يدير هذه الإذاعة رجلٌ يهوديٌّ حاقدٌ مارقٌ فاجر، من الناس من تجد عنده اطلاع لكن من غير وعي، ما تقوله الجرائد والمجلات هو الحجة، وما يقوله أصحاب الكلمات الزائفة والعبارات الجوفاء هو الحجة، لا.
لا بد أن يكون لديك وعي، لا بد أن يكون للمسلم فهم، والمسلم الذكي هو الذي إذا قرأ سطراً قرأ ما وراء السطر، وما تحت السطر، وما خلف الأحرف، هو ذلك الواعي الذي يعرف أبعاد الكلمة وأهدافها ومقاصدها، ليس ذلك المسكين الذي تقال له العبارة ولا يفهم ما فيها، ومن جميل ما يذكر في ذلك أن الحطيئة لما رأى الزبرقان بن بدر قال:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فالرجل شك هل هي مديحة أم ذمة؟ ثم شكا إلى عمر بن الخطاب، فسأل عمر حسان بن ثابت قال: [أتظنه هجاه؟ قال: بل سلح عليه].
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
يعني: فهم الإنسان للعبارة لابد أن يكون فهماً ذا أبعاد، هذا أمر مهم بالنسبة لشباب المسلمين، وأنا أعلم أن الذين يكرمهم الله بالوعي هم ثلة وقلة، لكن لا يمنع أن تكون هذه الوجوه الطيبة وإخواننا في هذه القاعة ممن يكرمهم الله جل وعلا بالوعي والفهم ودقة التأمل فيما يكتب ويدور حول هذا الدين.
стр. 73
ترتيب الجهود وتوحيد الصف من الأشياء التي تعين على حمل رسالة الدين
كذلك -أيها الإخوة- مما يعيننا على حمل رسالة هذا الدين وواجبنا نحوه: أن نرتب جهودنا، وأن نوحد صفوفنا، لو أن رجلاً عنده أرض زراعية مساحتها: (كيلو×كيلو)، وأحضر مائة عامل لكي يحرثوها، فعامل أخذ يحرث في الزاوية الشمالية، وعشرون يحرثون في الجنوبية، وواحد في الوسط، لأصبحت مقابر وليس أرضاً زراعية، كل يحفر في طريق وفي مكان لم تنسق ولم تنظم ولم ترتب هذه الجهود في الأرض، ولو ترتبت جهود هؤلاء العمال لاستطاعوا أن يمشطوا هذه الأرض وأن ينظفوها من الأحجار والأشواك، وأن يعدوها وأن يبذروها بأيسر جهدٍ وأقل وقت.
فأقول: ومما يؤسف له أن جهود المسلمين في هذا الزمان جزءٌ منها مبعثر وغير مرتب يجعلهم كالذي نثر عمالاً من غير ترتيب ولا إعداد ولا كيفية منظمة، هذا يحفر وادياًَ، وهذا يحفر خندقاً، وهذا يحفر بركة، وهذا يحرث، وهذا يمشط، ربما تمضي سنة وتفوت مواسم الزراعة ولم يزرعوا شيئاً، والأرض قد خُرِّبَت، لكن لو كان هناك ترتيب في هذه الجهود، لكانت في وقتٍ قليل وجهدٍ أقل قد أصبحت خضراء مصانة مورقة، وجنى الناس ثمار زراعتها، لكن نتيجة لخبطة الجهود التي تحصل في كثيرٍ من أبناء المسلمين هي التي تجعلهما -وللأسف- جهوداً ضائعة وأشد من هذا: التنافر أو البغضاء ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 74
معرفة أن أعداء الإسلام لا يملون في حربهم على الإسلام وأهله
أخيراً أيها الأحبة: ينبغي أن نعلم أن أعداء هذا الدين لا يفترون، ومع علمهم أنهم على الباطل، وعلى ما يسخط الله جل وعلا، وأنهم على الضلال المبين، يحترقون لعقائدهم الباطلة، ومذاهبهم الهدامة، وهذه والله مصيبة، كم منظمة تنصيرية تعمل بين المهاجرين في أفغانستان؟! قرابة خمس وسبعين منظمة، تملك سيارات الإسعاف، وتملك الوسائل، والمطبوعات، والغذاء، واللباس وأشياء كثيرة كثيرة، المنصرون يدخلون في أدغال أفريقيا، وأحدنا نقول له: يا أخي! ادعُ إلى الله جل وعلا بما يسر لك.
قال: أتريد أن يضحك الناس علي؟! ما قالها ذلك المنصر، ولم يحتقر جهده في الضلالة والباطل، بل أخذ يدعو بما استطاع.
آخر تقول له: ادعُ إلى الله.
فيقول: من يستقبلني؟! ومن يقف بالمدخنة؟! ومن يعطيني كرامة؟! ومن يصرف لي انتداباً؟! لا يا إخوان! هذا الدين يريد احتساباً، ولا يريد انتداباً.
فجهود أعداء الإسلام عجيبة جداً، وكما يقول عمر: [اللهم أشكو إليك جلد الفاسق وضعف الثقة]، (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف).
فحينما ننظر إلى جهود هؤلاء الأعداء، سواءً في ترتيب جهودهم، أو تنظيمها أو تخطيطها نتعجب، نحن نفكر كيف نواجه الخطر الداهم الموجود الآن، وأولئك يفكرون فيما بعد عشرين وثلاثين سنة قادمة، أين المسلم الذي يفكر لهذا الدين والدعوة إلى الله والعمل للإسلام بعد عشرين سنة؟! كيف سيكون حال الدعوة إلى الله جل وعلا؟! الناس كانوا فيما مضى لا يعرفون إلا واعظاً يقوم فيتكلم بعد الصلاة في المسجد وتنتهي، هذا أسلوب الدعوة المنتشر عند كثير من الناس، لما بدأ الناس يستخدمون التسجيل أنكر طائفة: مَن هذا المجنون الذي يأتي بمسجل في المسجد، صار هناك نوع من الإنكار، استخدمت وسائل جديدة في الدعوة، (ومن جهل شيئاً عاداه).
وقدر كل امرئٍ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداءُ
فطائفة جهلوا بعض الوسائل وعادوها في حين أن أعداء الإسلام سبقوا هذه الوسائل بمئات المرات لكن صدق الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
والله ما دار بخلدهم أن هذه المكبرات ستكون في مساجدنا، ما دار بخلدهم أن أجهزة التسجيل ستكون وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله في البيوت والأماكن التي قد لا يصلها حتى الكهرباء، ما دار في خلدهم أن كثيراً من منتجاتهم ستستخدم، لكن لما وعى المسلمون وفهموا واستخدموا مثل هذه الوسائل، احتاجوا إلى مزيد منها، نعم.
نحن لا ننتظر الغرب أن ينتجوا شيئاً ثم نحن نبرمجه ونحوله لكي يخدمنا، نحن بحاجة -أيضاًَ- إلى أن نطرح وسائل تخدمنا نحن، الذين صنعوا التليفون أول ما بدءوا في صناعته كان مبرقة، وبعد ذلك طاحونة يفرها حتى تَصِلَ شُحنةٌ ويكون من خلالها إرسال، وبعد ذلك توصلوا إلى هاتف يدور بالقرص -يعني: أهمهم أمر دنياهم فاشتغلوا- بعد ذلك توصلوا إلى هاتف بالأزرار، ثم بعده هاتف يحفظ الأرقام، ثم بعده هاتف بإمكانيات أكثر، وتوصلوا إلى هاتف يعطيك رقم المتصل أو يخرج صورة المتصل، وما زالوا في سباق متطور؛ لأن أمر دنياهم أهمهم.
فنحن معاشر المسلمين هل أهمنا أمر ديننا، هل رفعنا من قدراتنا، ومن ثقافاتنا، ومن وعينا، ومن معلوماتنا، والإمكانيات الموجودة بين أيدينا، من إخواننا وأحبابنا؟! قبل عشر سنوات من تاريخ الآن وهو كما كان لم يتغير، المسلم دائماً في نمو وفي تقدم وفي تطور، فلماذا لا ترفع نفسك؟ لماذا لا تثقف نفسك؟ لماذا لا تزيد حظك من القرآن، ومن السنة ومن الوعي ومن الدعوة ومن الهداية؟ هل يحول أحد بينك وبين هذا؟! أبداً والله؛ لكن المصيبة -أيها الإخوة- أننا لا يهمنا، يعني: الكثير لا يهمه أمر هذا الدين.
أحد السلف يقول: وددت أن هذا الخلق أطاعوا الله وأن جسمي قرض بالمقاريض.
يعني: فلتذهب روحي فداءً ولو قُطِّع لحمي قطعة قطعة في سبيل أن الناس يهتدون إلى أمر الله ودين الله جل وعلا.
فمن منا قدَّم؟! القليل القليل هو الذي يقدم، ومن الناس من يقف موقف المرجف المثبط أو ناشر المقالة السيئة عن إخوانه الطيبين ولا حول ولا قوة إلا بالله! ومن المواقف التي تدل على أن المسلم يحتاج إلى الصبر ويحتاج إلى استعداد للمعاناة التي يمكن أن تمر به من خلال ما يدعو إليه.
الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة، لما اتخذ الفساد منحىً دخل في العقيدة، القول بخلق القرآن، مسألة ليست مسألة فروع، فوقف وقفة قوية، من العلماء من تأول، ومنهم من تغير، ومنهم من انصرف، لكن الإمام أحمد ثبت، فسُجن وعُذب وأُوذي، ذكر أهل السير أنه رُبِط وعلِّق وانقطع به الحبل، والقيود الثقيلة ترسف في قدميه ﵁، ذكر ابن الجوزي في مناقبه: أنه جلد ثلاثة آلاف سوط.
ذلك الإمام الجليل.
وقال: والله لستُ أخشى الموت، ولكن أخشى سياطهم -حرارة السوط على الظهر، إذا كُشِف الظهر ثم جاء جلد السوط- فقال أحد تلامذته: يا أبا عبد الله! إنما هما سوطان، ثم لا تدري ماذا يُفعل بك.
يعني: يُغمى عليك ثم لا تعرف ما الذي يُفعل بك.
يقول الإمام أحمد: ما عزاني أحدٌ مثل رجلٍ سماه قال: كان من العيارين -من اللصوص- قال: يا أبا عبد الله! إني جُلِدْتُ ستة عشر ألف سوط منذ أن بدأت في هذا السبيل، -يعني: في طريق السرقة، وقطع الطرق والعبث والاعتداء على الناس وغير ذلك- وصبرت وأنا على الباطل، أفلا تصبر وأنت على الحق، قال: فما عزاني أحدٌ مثله.
فيا إخوان: لنعلم أن سبيل الدعوة إلى الله جل وعلا وحمل هذا الدين لا نقول: إنه مفروش بالورود والرياحين، لا؛ ستجد من يسخر، وستجد من يستهزئ، وستجد من يشكك فيك، وستجد من يرميك بما ليس فيك، ولكن: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود:٣٨] سيعلمون يوماً من الأيام أنك من الصالحين، أنك من المحبين ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر:٤٤] عقول مَن تخاطبهم قد تكون يوماً ما قاصرةً عن إدراك الحق الذي تبينه لهم، لكن في يومٍ ما يعرفون أنك على الحق.
فينبغي لنا أن نكون على مستوىً في رفعة أنفسنا بهذا الدين.
ولم أرَ في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمامِ
والله يا إخوة! من تأمل حال هذا الكون أمواتٌ يدفنون، ومرضى في المستشفيات، وأناسٌ يشردون، وقومٌ يعانون من الجوع والعري، وقومٌ يموتون من العطش، وأقوامٌ في فيضانات، وهذه الدنيا تطوي أناساً ليس لهم ذكر أبداً، أيسرك أن تكون مع الغثاء؟! أم تريد أن يكون لك وجود ومكانة، وأن يكون لك شرف ومنزلة، وأن تبقى لَبِنَتُك باقية؟! كم شهد التاريخ من الأثرياء؛ ومن الملوك والعظماء! هل يُذْكَرون في كل مجلس؟! لا.
ما ذكر إلا العلماء فقط، أما الأثرياء وأصحاب الدنيا وما يتعلق بها، لم يذكروا، ذُكِر عالم فقير رباني جليل زاهدٌ ورع، ذُكِر هؤلاء الذين رفعوا أنفسهم بدين الله جل وعلا، وسمت نفوسهم إلى أن ثبت بناؤهم على الأرض، فما مر جيلٌ من الأجيال إلا قال: هذا بناءٌ كان لفلان عليه رحمة الله.
يقول إبراهيم بن أدهم في شأن هذا الكون، وشأن هؤلاء الناس الذين تراهم، وهذه أبيات أحب أن أكررها دائماً، أحبها وأحب أن أُسْمِع إخواني بها:
إذا ما مات ذو علمٍ وتقوى فقد ثُلِمَت من الإسلام ثُلْمَهْ
وموت الحاكم العدل المولى بحكم الأرض منقصة ونقمهْ
وموت فتىً كثير الجود محلٌ فإن بقاءه خصبٌ ونعمهْ
وموت الفارس الضرغام هدمٌ فكم شهدت له بالنصر عزمهْ
وموت العابد القوَّام ليلاً يناجي ربه في كل ظلمهْ
فحسبك خمسةٌ يُبكى عليهم وباقي الناس تخفيفٌ ورحمهْ
الخمسة الذين ذكرهم في الأبيات: العالم، المجاهد، العابد، الشجاع، الكريم.
فحسبك خمسةٌ يُبكى عليهم وباقي الناس تخفيفٌ ورحمهْ
وباقي الخلق همجٌ رعاعٌ وفي إيجادهم لله حكمهْ
فيا إخواني الشباب! أيها الإخوة جميعاً: هل نحن من الرعاع، مثل البهائم؛ ثغت ورغت، وأكلت وشربت ثم ثلطت، وأخرجت ونُحرت أو ماتت! أم يكون لنا شأن! كم هدى الله على يدك من ضال؟! كم أسلم على يدك من كافر؟! وكم فرج الله على يديك من كربة؟! أين العمل؟! أين الجهد؟! أين البذل؟! وأقول في المقابل -أيها الإخوة- هناك أقوامٌ رءوسهم لامست السحب عزة وكرامة، وأناسٌ يقولون: نتوب أو لا نتوب! نترك أغاني، أو لا نترك، نترك المعاكسات أو لا؟! نسحب الثوب أو نرفع فوق الكعب لكي نطبق السنة! ننظر للنساء في التلفاز أو لا ننظر! لاحظ! الإنسان يريد أن يشتري الموت شراءً.
من مدة كنت في أحد مكاتب الخطوط، جاء إليَّ شاب في وظيفة محترمة ممتازة قال: والله أنا أريد أن أذهب إلى أفغانستان، ولا أريد أن أعود أبداً.
قلت: وما معنى هذا؟ قال: قبري هناك.
سبحان الله العلي العظيم! بين شابٍ هذا شأنه، وآخر لا يزال في مفاوضات وعقد اجتماعات وقمم مع الشيطان: نترك نصف الأغاني أو ربعها؟ نسحب نصف الثوب أو بعضه؟ نشاهد المسلسلات أو لا نشاهدها؟ نترك الأفلام الماجنة أو لا نتركها؟ نترك الورق والعبث والبلوت والأشياء التي لا تليق أم لا؟ فسبحان الله! هذا المجتمع فيه طبقات متباينة، فانظروا أنتم مع مَن؟ ضعوا أنفسكم في المكان الذي يسركم ويشرفكم أمام الله أن تلقوه به.
وختاماً أيها الأحبة: أشكر لله جل وعلا وحده ثم لكم على هذه الفرصة الطيبة المناسبة، وأعتذر أن تحدثت بين يدي أساتذتي، أو ممن هم في مقام الأساتذة والمربين، وما ذاك إلا لتفض
стр. 75
الأسئلة
следующие страницы →