Полный текст (797 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
صور من إيذاء المشركين لرسول الله ﷺ
أخذ ﷺ يقوم بواجب الدعوة شيئاً فشيئاً وهو ما عرف تاريخياً: بالدعوة في مرحلتها السرية، تغير وجه قريش لها، ونالوا منه صلوات الله وسلامه عليه وساموه وأصحابه سوء العذاب وهو ﵊ صابر محتسب يدعو إلى ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، يدعو الناس إلى التوحيد، فكان أبو جهل يحمل راية السوء ضده حتى إنه بلغ من إيذاء أبي جهل لرسولنا ﷺ كما أورد البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود: (أن جزوراً نحرت بالأمس فلما كان في الغد جاء ﷺ عند الكعبة وصلى فقال أبو جهل وقريش في أوديتها: أيكم يقوم إلى جزور بني فلان فيضع سلى الجزور على كتفي محمد ﷺ ، فانبعث أشقى القوم عقبة بن أبي معيط فحمل الجزور فجاء إلى النبي ﷺ وهو ساجد فوضع سلى الجزور بين كتفيه الطاهرين ﷺ ، قال ابن مسعود: فلو كانت لي منعة لرفعته عن رسول الله ﷺ ، ثم إنه ذهب إنسان إلى فاطمة ﵂ وأخبرها الخبر فجاءت وهي جويرية يومئذ فرفعت سلى الجزور عن كتفي نبينا ﷺ ، فلما أتم صلاته دعا ثلاثاً، وكان إذا دعا دعا ثلاثاً وسأل الله ثلاثاً ثم قال: اللهم عليك بـ أبي جهل، وعتبة بن أبي ربيعة، وشيبة بن أبي ربيعة، والوليد بن عتبة، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف وسمى سبعة صلوات الله وسلامه عليه، قال ابن مسعود: فوالله لقد رأيت من سمى رسول الله ﷺ صرعى في القليب قليب بدر).
نقف عند هذا الحدث: فهناك -يا أخي- أعراف وتقاليد تتغير من مجتمع إلى آخر والعاقل من يستزيد من تلك التقاليد والأعراف ولا يصادمها، فـ ابن مسعود كان يعلم أن الأعراف الجاهلية لا تسمح للضعفاء ولا عديمي الظهر من أن يكون لهم حظ في الناس، فكان يعلم أنه لا يمكنه أن يصل إلى النبي ﷺ إلا وهو ميت فأبقى على نفسه ولم يأت ليرفع سلى الجزور عن رسولنا ﷺ وهو من الإيمان والتقوى بمكان لا يعلمها إلا الله، وكانت الأعراف الجاهلية تنص على حفظ المرأة وعدم التعرض لها ولو بدأت بالأذى، فكان موقفاً لـ فاطمة أنها تقدمت بين صفوف الرجال وحملت سلى الجزور عن رسولنا ﷺ دون أن يصيبها أذى، فالعاقل من الدعاة والحكيم من أهل الاستقامة من يتعامل مع الأعراف والتقاليد الاجتماعية بما يتوافق معها، وهذه التقاليد والأعراف لا تبقى في كل زمان على هيئة واحدة وإنما تتغير الأعراف والتقاليد من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان، والشاهد والمقصود: أن يوظفها الإنسان لصالح الدعوة، ولصالح هداية الناس إلى طريق الله المستقيم.
стр. 317
حصار المشركين لبني هاشم في شعب أبي طالب
عجزت قريش عن الإيذاء الجسدي الفردي فعمدوا إلى الحصار العام فقدموا على أبي طالب وطلبوا منه أن يسلم إليهم ابن أخيه صلوات الله وسلامه عليه فأبى، فقرر القرشيون مقاطعة بني هاشم لا يمازحونه ولا يبتاعون منهم، فآوى أبو طالب ببني هاشم وبني المطلب في شعب لهم يقال له: شعب بني هاشم، ومكث الحصار ثلاث سنين ورسول الله ﷺ وآله مؤمنهم وكافرهم ينالهم من الأذى ما الله جل وعلا به عليم، وكان خلال مدة الحصار أبو طالب على كفره إذا هجع الناس وناموا يعمد إلى رسول الله ﷺ فيأخذه لينام عنده ويأمر أحد بنيه أن ينام في مكان رسول الله ﷺ حتى لو هم أحد بقتله يقتل ابنه بدلاً من رسول الله ﷺ .
ومع ذلك كله -ولله الحكمة البالغة- لم يرزق أبو طالب الإيمان بالله جل وعلا فمات على الكفر؛ ولذلك حكمة لا يعلمها إلا الله جل وعلا، وبعد أن انتهى الحصار أو قبل أن ينتهي لا يخلو صراع بين الحق والباطل بنشوء أقوام كما يسمى في عرف السياسيين اليوم: دول عدم الانحياز، كانت في عصرنا هذا على هيئة دول لكنها في العصر السابق على هيئة أفراد فينشأ في المجتمع قوم حياديون ليسوا مع قريش وليسوا بمؤمنين مع النبي ﷺ ، هؤلاء القوم تشاوروا فيما بينهم وعرفوا بطلان ما دعا إليه رؤساء قريش وزعماؤهم فتعاونوا على نقض المعاهدة.
وهنا ينبغي للعاقل من الدعاة وغيرهم عندما يرى أهل المروءات الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان أن يستفيد منهم في عالم الصحوة وعالم الدعوة، ويبذل طاقاتهم وقدراتهم في سبيل الدعوة إلى الله جل وعلا، ولا يصادمهم حتى لا تخسر الدعوة سنداً وقوة لها، فهؤلاء القوم لم يكونوا من أهل الإيمان، لكن كانت في قلوبهم رحمة، وفي أنفسهم شهامة، ومن خصالهم المروءة وظفوها لنقض المعاهدة، وتم لهم ما أرادوا، ونقضت الصحيفة وخرج بنو هاشم من الحصار، وبعد خروجهم من الشعب من شعب بني هاشم مات أبو طالب وماتت خديجة في عام واحد، وقيل: بين موتهما ثلاثة أيام، فبدا له ﷺ أن يغير المكان، فخرج إلى الطائف وكانت أقرب الأماكن إلى مكة، خرج إلى الطائف فبدأ بسادات ثقيف يدعوهم إلى دين الله جل وعلا، فلم يكونوا بأحسن حظاً من كفار قريش فسخروا منه وأمروا صبيانهم أن يرجموه فرموه بالحجارة حتى أدميت عقباه ﷺ .
стр. 318
خروجه ﷺ إلى الطائف لدعوتهم وموقفهم منه
ولجأ إلى حائط في الطائف، فلما لجأ إليه صلوات الله وسلامه عليه رق له بعض الكبراء فأرسلوا له غلاماً نصرانياً يقال له: عواس فجمع بعض العنب، فلما وضع العنب بين يديه قال ﷺ : باسم الله، فقال الغلام: هذا شيء لا يقوله أهل هذه البلدة، فقال ﷺ : (من أنت وممن؟ قال: أنا نصراني من أهل نينوى، فقال صلوات الله وسلامه عليه: من بلدة النبي الصالح يونس بن متى، قال الغلام: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال: هو نبي وأنا نبي فأكب الغلام على رسولنا ﷺ يقبله حتى لامه سادة ثقيف يومئذ).
ثم نزل ﷺ وحيداً ليس معه إلا غلامه زيد بن حارثة فإذا انقطعت أسباب الأرض لجأ ﷺ إلى ربه، فورد عنه أنه ﷺ بث إلى الله شكواه، ورفع إلى الله نجواه، وهو يعلم أنه نبي مرسل، لكن البلاء فيمن يستمع إليه، فناجى ربه قائلاً: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت أرحمن الراحمين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي سخط فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بوجهك الذي أشرقت منه الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل بي غضبك، أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)، فتحت لهذه الدعوات أبواب السماء فما كاد ﷺ ينزل من الطائف من وادي نخلة حتى بعث الله إليه نفراً من الجن يؤمنون به حتى تطمئن نفسه ويسكن قلبه ويعلم أن العاقبة له: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف:٢٩]، فاطمأنت نفسه شيئاً فشيئاً صلوات الله وسلامه عليه، ثم بعث إلى الملأ من قريش يخبرهم برغبته في دخول مكة، ويريد أن يدخل في حلف أحدهم فرده ثلاثة منهم، ثم قبل المطعم بن عدي أن يدخل في جواره فدخل ﷺ رغم أنه مشرك استبقاء للمسلمين حتى لا يتعرضوا للأذى ثم بعد رحلة الطائف من الله عليه برحلة الإسراء والمعراج، فجاءه جبرائيل وهو نائم في الحجر فشق صدره وغسل قلبه بماء في طست من ذهب، ثم أفرغ في قلبه الطاهر إناء ملئ إيماناً وحكمة، ثم قدم له البراق، ثم أسري به ﷺ إلى بيت المقدس حيث المسجد الأقصى، وربط دابته في مربط هناك، ثم عرج به إلى سدرة المنتهى، فلما صد أهل الأرض أبوابهم أمامه فتح الله له أبواب السماء فاستقبله هناك سادات الأنبياء بدءاً بآدم ثم يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم، ثم بيوسف بن يعقوب ﵇، ثم إدريس، ثم هارون، ثم موسى، ثم أبوه إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ثم وصل ﷺ إلى سدرة المنتهى، ورأى جبرائيل كرة أخرى على هيئته التي خلقها الله تعالى عليها.
أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم لما رأوك بها التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم صلى وراءك منهم كل ذي خطر ومن يفز بحبيب الله يأتمم ركوبة لك من عز ومن شرف لا في الجياد ولا في الأينق الرسم مشيئة الخالق الباري وصنعته وقدرة الله فوق الشك والتهم
стр. 319
خروجه ﷺ إلى المدينة واستقبالهم له
ثم عاد ﷺ إلى مضجعه الشريف، ثم توالت الأحداث فالتقى ﷺ برهط من الأنصار فكانت بيعة العقبة الأولى، ثم التقى برهط آخرين فكانت بيعة العقبة الثانية، ثم أذن الله له بالهجرة إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه، وكان قد هاجر قبله جمع من أصحابه، ثم تآمرت قريش عليه وقرروا قتله في مؤامرة مشهورة معروفة، ثم أخرجه الله جل وعلا من بين أظهرهم دون أن يروه وهو يتلو: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩]، ثم التحق بصاحبه أبي بكر إلى غار في جبل ثور، عرف بغار حراء، فمكث في الغار والطلب والرصد تبع له مرة بعد المرة، ورسول الله ﷺ في الغار.
يمرغ في حراء أديم خد دواماً بالغداة وبالعشي لعلي أن أنال بحر وجه تراباً مسه قدم النبي مكث ﷺ في الغار ثلاثة أيام وقريش تبعث الطلب والرصد فيه فوقفوا على مقربة من الغار وأبو بكر يقول: (يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر أسفل قدميه لرأانا فيقول: يا أبا بكر! ما بالك باثنين الله ثالثهما)، هذا نصر الله جل وعلا على هيئة كتمان آتاه الله جل وعلا النبوة فلما سكن الرصد وقل الطلب خرج ﷺ من الغار وصاحبه متوجهاً نحو هذه المدينة المباركة، وكانت الأنصار بلغهم خروجه ﷺ فيخرجون كل يوم ينتظرون أوبته، ينتظرون قدومه، حتى إذا اشتد عليهم وهج الشمس رجعوا إلى دورهم، فلما كان اليوم الذي وصل فيه ﷺ خرج رجل من اليهود على أطم من آطام المدينة، فلما رأى النبي ﷺ وصاحبه عرفهم فنادى بأعلى صوته: يا بني قيلة! وهو جد تجتمع فيه الأوس والخزرج هذا جدكم الذي تنتظرون فسمع في المدينة التكبير، وابتدر القوم إلى السيوف، وخرجوا يستقبلون نبيهم ﷺ .
بالأمس خرج من مكة شريداً طريداً في ظلمة من الليل، ثم ما لبث أن نصره الله فدخل المدينة كأعظم ما يدخلها الملوك والأنصار من حوله، كلما مر على ملأ قالوا له: هلم إلى العدد والعدة، هلم إلى العز والمنعة، يا رسول الله! وهو يقول: (خلوا سبيل الناقة فإنها مأمورة)، حتى بركت الناقة في موطن مسجده اليوم صلوات الله وسلامه عليه، على مقربة من بيت أبي أيوب، فعمد أبو أيوب إلى متاع رسول الله ﷺ فأدخله بيته، فقال ﵊: (المرء مع رحله)، ثم بنى مسجده، وبدأ يضع النواة الأولى لدولة الإسلام صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 320
غزواته ﷺ
ثم جاءت الغزوات فكانت غزوة بدر وهي حدث عظيم، لكن من أعظم ما يلفت النظر فيها: أنه ﷺ بعد أن أخذ بالأسباب المادية فجهز الجيش، وأعد العدة، لجأ إلى ربه فاللجوء إلى الله جل وعلا لا يستغني عنه أحد كائناً من كان مهما عظمت قدراتنا، وبلغ حولنا ما بلغ، وزادت قوتنا، فحاجتنا إلى الله جل وعلا حاجة أبدية ملحة؛ لأننا فقراء إلى الله جل وعلا مهما بلغنا.
مكث ﷺ في العريش ينادي ربه حتى سقط رداؤه عن منكبه صلوات الله وسلامه عليه، وأبو بكر يأتيه من الخلف فيضمه فيقول: بعض مناشدتك ربك يا رسول الله! فأنزل الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]، فكان النصر له صلوات الله وسلامه عليه، فلما أقر الله عينه بالنصر ووضع القتلى في قليب بدر نظر إليهم ﵊ وأخذ يقول: يا فلان بن فلان! يا فلان بن فلان! يناديهم بأسمائهم: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فتعجب أصحابه قالوا: يا رسول الله! تكلم قوماً قد رموا قال: يا عمر! والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يملكون جواباً)، وعاد ﷺ ، وكان هذا النصر أعظم ما يكون المسلمون في حاجة إليه حتى تطمئن أنفسهم ويثقوا بنصر الله؛ لأنها أول نزال بين أهل الكفر وأهل الإيمان بعد أن أذن الله بالقتال، ثم كانت أحد وما أدراك ما أحد، فيها من العظات الشيء الكثير لكن فيها: أن وجهه ﷺ كان نوراً يتلألأ كأنه فلقة قمر، فمع ذلك يريد الله أن يثبت أن الكمال المطلق لله وحده سبحانه فيشاع في أرض المعركة أنه ﷺ قتل، فيشج رأسه وتكسر رباعيته فيسيل الدم على وجهه الشريف، ثم يمسح ﷺ وجهه الطاهر بيديه ويقول: (كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم؟ كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم؟)، فهو يدعوهم إلى الإسلام فينزل الله جل وعلا عليه قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨]، فالأمر كله لله جل وعلا وحده، وليست بني قومي اليوم إذا سمعوا بهلاك أحد أو بموت أحد أن لا يشغلوا أنفسهم هل هو في جنة أو في نار؟ فهذه أمور لله ﵎ وحده، ولن يكلفنا الله ﵎ بأن ندخل من نشاء الجنة أو أن نحرم من نشاء منها، أو أن ندخل من نشاء النار أو نمنع من نشاء منها، فالجنة والنار لله العزيز الغفار، والله جل وعلا أعلم بخلقه، وأعلم بما تكنه الصدور، فهو ﵎ أسرع الحاكمين.
وقد قال بعض الصالحين لولده ينصحه: يا بني! إن الله لن يسألك لما لم تلعن فرعون؟ مع أن فرعون ملعون في كتاب الله، لكن المؤمن العاقل مثل هذه الأمور لا يلقي لها بالاً، ولا يشغل بها نفساً فالجنة والنار بيد رب العالمين، وبيد أرحم الراحمين، ولن يسألنا الله من هم أهل الجنة؟ ومن أهل النار؟ لكننا لأنفسنا نسأل الله الجنة ونستجير بالله جل وعلا من النار.
وفي مسند البزار: (أن لا إله إلا الله كلمة كريمة على الله، من قالها في الدنيا صادقاً دخل الجنة، ومن قالها في الدنيا كاذباً حقنة دمه وحسابه على الله جل وعلا) فالعاقل لا يشغل نفسه بما لا يعنيه، لكنه في حوادث الدهر يحكم فيهم ما أمر الله به ورسوله، أما الحوادث الأخروية فلسنا مسئولون عنها؛ لأن علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.
في غزوة أحد أراد الله جل وعلا أن يربي المسلمين على أن القادة العظماء والزعماء الأفذاذ لا يربون الناس على التعلق بذواتهم وعلى حبهم والمبالغة في الغلو فيهم ولكنهم يربون الناس على التعلق بالله جل وعلا فلما أصاب المسلمين ما أصابهم يوم أحد قال الله جل وعلا معاتباً أهل الإيمان: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤ - ١٤٥].
فالعاقل لا يربي الناس على التعلق به، وإنما يربيهم على التعلق بإله الكون وحده، فلا إله إلا الله تعني: أن الكمال المطلق، والحب المطلق، والتوحيد المطلق، والتكبير المطلق، لا يكون إلا لله جل وعلا وحده، فإذا كان سيد الخلق وجوده رحمة، وعدمه لا يضر المسلمين شيئاً إذا اعتصموا بما جاء، كان غيره أولى وأجدر أن تطبق عليه هذه القاعدة، فكان ﷺ حية مبادئه، والدين الذي جاء به، أما هو ﷺ فيجري عليه حتى قلم القضاء: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣٠ - ٣١].
فهذا أعظم ما خرج المسلمون منه يوم أحد من تربية إلهية لهم، ثم كانت غزوة الأحزاب فجمعت قريش وقدموا على رسول الله ﷺ في مدينته فاستشار الناس؛ فأشار عليه سلمان الفارسي أن يحفر الخندق، والخندق وسيلة حربية مجوسية أخذها سلمان من أهل فارس لم يكن للعرب عهد بها ولا علم آنذاك، وهنا نأتي لما عرف في عصرنا بصراع الحضارات، ينبغي أن يفرق أهل التقوى ما بين التقارب الديني وما بين التقارب الحضاري، الدين -يا أخي- صنع إلهي لا يملك أحد أن يزيد فيه وينقص، والحضارة صنع إنساني قابلة للزيادة والنقصان، قابلة للأخذ والعطاء، قابلة للتلاقح بين الأمم إذا تقاربت وتناكحت.
فالنبي ﷺ قبل مشورة سلمان وعمل بالخندق لما رأى فيه مصلحة يقوم به فلاح أمته، ولم يقل ﷺ حينها: (من تشبه بقوم فهو منهم)، وهو محمول على من تشبه بهم في أمور الدين، أما الصناعات الإنسانية فليست ملكاً لأحد، ولقد كانت العرب لا تأتي المرأة وهي مرضع خوفاً على أن يؤثر الإسلام على الرضيع فلما بلغ النبي ﷺ أن فارس والروم تصنع ذلك ولا يضر أبناءها شيئاً لم ينه أمته عنه كما روى مسلم في الصحيح من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، فالحضارات حق مفتوح وأمر مشاع يجوز للأمة أن تأخذ منه إذا رأت أن في ذلك مصلحة، والحكمة ضالة المسلم أنى وجدها أخذها، أما الدين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، ما عندنا من الدين يمنعنا أن نأخذ ولو قطرة من سقاء من أي دين أو ملة على وجه الأرض؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، ثم توالت الأمور حتى كانت السنة السادسة فعزم ﷺ على التوجه إلى مكة معتمراً وأخذ معه رهطاً من أصحابه معهم السيوف في قرابها، فلما دنوا من البيت العتيق منعتهم قريش من أن يدخلوه فجرى ما جرى من التفاوض، تريد قريش أن تطمئن أن النبي ﷺ لم يأت لقتال، فكان أن بعث ﷺ عثمان؛ لأنه كان يومئذ عزيزاً منيعاً في بني أمية، وكان أكثرهم مشركاً حينذاك، ثم أشيع أن عثمان قد قتل فبايع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم نبينا ﷺ على الموت تحت ظل شجرة سمرة، فالذين بايعوه ألفاً وأربعمائة رجل إلا الجد بن قيس، وقد كان رجلاً منافقاً لم يحضر البيعة، قال النبي ﷺ لهؤلاء: (أنتم خير أهل الأرض)، وقال لهم: (لا يدخل النار رجل بايع تحت الشجرة)، ثم إنه ﷺ بسط يمينه وقال: (هذه عن عثمان ثم بسط يساره يبايع نفسه بنفسه)، قال العلماء: فكانت يد رسول الله لـ عثمان، خير من يدي عثمان لـ عثمان نفسه.
بعد هذه البيعة وبعد مداولات أقر الصلح بين المسلمين وكفار قريش، والصلح ظاهره: أن فيه إجحافاً بحق المؤمنين وباطنه الرحمة، إذ وضعت الحرب وألقت أوزارها، وخلدت الناس، وأخذ ذوي العقول يفكرون في الطرائق المثلى للوصول إلى الإيمان.
إن هناك أناساً يرزقهم الله جل وعلا عقلاً فيمنعه من الاستفادة منه: حجب التقليد التي يضعونها أمامهم، أبو جهل كان يعلم أن محمداً ﷺ على الحق ورأى من الآيات ما يشهد له بذلك، لكن الحسد والتقليد الأعمى منعه، وكان سبباً في حرمانه من دخوله الإيمان.
أما سراقة بن مالك فلما سمع النبي ﷺ ورأى الآية لما غارت قوائم فرسه آمن أن النبي حق وعرف الآية، ونبذ التقليد وراء ظهره، خلال هذه الفترة بعد الصلح رجع عقلاء الناس إلى أنفسهم وأخذوا يناقشونها ويحاسبونها فدخل كثير من الناس أفواجاً في دين الله، فانقلب ذلك العدد من ألف وأربعمائة رجل إلى عشرة آلاف يوم الفتح كما سيأتي، ثم عاد ﷺ إلى المدينة وفي العام الذي بعده كانت عمرة القضاء، ثم إنه صلوات الله وسلامه عليه غزا خيبر، ثم لما كان العام الثاني كانت من ضمن شروط صلح الحديبية: أن من شاء أن يدخل في حلف محمد دخل، ومن شاء أن يدخل في حلف قريش دخل، فدخلت بنو بكر في حلف قريش، ودخلت خزاعة في حلف النبي ﷺ ، فأعانت قريشاً بكراً على خزاعة، فقدم عمرو بن سالم الخزاعي إلى ال
стр. 321
عام الوفود وقصة وفد نجران
قفل ﷺ عائداً إلى المدينة وفي ذلك العام كان عام الوفود فبدأت وفود العرب تقدم إليه صلوات الله وسلامه عليه، وكان من الوفود التي قدمت وفد نجران، وكان وفد نجران يعبدون المسيح عيسى بن مريم، فلما قدموا عليه صلوات الله وسلامه أخذوا يجادلونه ويقولون له: كيف نتبعك وأنت تنتقد صاحبنا وتقول: إنه عبد الله ورسوله، قال: نعم، عيسى بن مريم عبد الله ورسوله فقالوا: كيف يكون عبداً لله ورسوله، أرأيت ولداً ولد من غير أب، فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران:٥٩ - ٦٠]، فلئن كان عيسى ولد من غير أب فإن آدم خلق من غير أم ولا أب، فجاءوا بالغريب فجاءهم الله بما هو أغرب رداً على حجتهم فلما قال لهم ﷺ ذلك أبوا أن يسلموا له، فدعاهم إلى المباهلة ودعا علياً والحسن والحسين وفاطمة وقال: إن أنا دعوت فأمنوا وأنزل الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١] فعرفوا أنه نبي الله حقاً لكنهم لم يؤمنوا وخشوا من مباهلته، ثم إنهم صالحوه على ألفي حلة تؤدى له ﷺ مرتين في العام وأشياء أخر.
وفي عصرنا هذا: نشأ ما يسمى: بتقارب الأديان، وبحوار الأديان، فأما حوار الأديان فلا حرج فيه شرعاً إذا أراد المحاور المسلم أن يثبت صدق رسالة محمد ﷺ ، وأن الله جل وعلا لا رب غيره، ولا شريك معه، أما تقارب الأديان فأمر مرفوض؛ لأنه لا يمكن أن تلتقي الأديان في شيء واحد فإن ذلك يعني: تنازلاً عقدياً والمسلمون أمرهم الله أن يقولوا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:١ - ٣].
فالمسلم على ملة حنيفية بيضاء، لا ينبغي له أن يحيد عنها مثقال ذرة، وليس هناك مصلحة ترقى على مصلحة التوحيد، ولا مفسدة أعظم من مفسدة الشرك، وما يسمى: بتقارب الأديان يفضي إلى ترك التوحيد وإلى القرب من الشرك، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
стр. 322
حجة الوداع وموته ﷺ
ثم عاد ﷺ إلى المدينة، فكان العام العاشر، فأعلن للناس عزمه على الحج، فلما أعلن عزمه على الحج صلوات الله وسلامه عليه تسامع الناس بذلك فقدموا إليه حتى يأتموا به، فخرج ﷺ بعد أن أحرم من ذو الحليفة مهللاً ومكبراً حتى وصل مكة وطاف بالبيت سبعاً ثم رقى الصفا وقال: (أبدأ بما بدأ الله به)، ثم أتم نسكه ﷺ حتى كان اليوم الثالث عشر، فنزل بعد أن رمى الجمرات الثلاث في اليوم الثالث عشر في خيف بني كنانة صلوات الله وسلامه عليه، وصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم اضطجع، ثم لما كانت صلاة الفجر نزل إلى الحرم قبل صلاة الفجر، ثم طاف طواف الوداع، ثم صلى بالناس صلاة الفجر، ثم قفل راجعاً إلى المدينة يكبر على كل شرف من الأرض ويقول لما دنا منها: (آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون)، صلوات الله وسلامه عليه، ثم اشتكى الوجع فبدأ يشعر بتغير حاله، واشتدت عليه الحمى، فلما شعر بدنو أجله خرج ﷺ من البقيع فاستغفر لأهله، ثم خرج إلى أحد، فشهد للشهداء معه، ثم تصدق ﷺ بدنانير كانت عنده، وأعتق غلمانه، ثم إنه صلوات الله وسلامه عليه مكث ينتظر أجل ربه يوماً بعد يوم، والحمى تشتد عليه، حتى كان صبيحة يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول على الأظهر والأصح والله أعلم، فكانت من صبيحتها أقل من ستار بيته فرأى أصحابه يصلون صلاة الفجر مؤتمين بأبي بكر فقرت عينه، وسكنت نفسه، بعد أن رآهم مجتمعين على إمام واحد خاشعين لربهم.
فبذلك أرسل، وإلى ذلك دعا، ثم إنه صلوات الله وسلامه عليه عاد إلى فراشه واشتدت عليه وطأة الحمى، ثم دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر وفي فمه سواك، ثم استاك صلوات الله وسلامه عليه ثم لا زال يردد: (بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى ثلاثاً ثم فاضت روحه)، وانتقل إلى رحمة خالقه ومولاه، خير من أرسل، وأجل من بعث، صلوات الله وسلامه عليه، بعد أن أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
ولا ينبغي لمن يقف مع السيرة ويرصد مسيرتها أن يغفل عن شيء مهم وهو: أنه ﷺ كان له من جميل الصفات والنعوت ما جعل الناس يحبونه، واجتمعوا عليه صلوات الله وسلامه عليه، وكان في كل حينه منقطعاً إلى ربه دائم الصمت، عليه من السمت والوقار ما عليه: (حتى إنه ﷺ تفقدته عائشة ذات ليلة فإذا هو في المسجد منتصبة قدماه يقول في سجوده: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك).
أيها المؤمنون! هذه قطوف من سيرة نبينا ﷺ ، من الله علينا وعليكم وأبحرنا خلالها خلال ساعة كاملة، وإننا مهما قلنا لمقصرون، ومهما تحدثنا لن نبلغ الصواب كله، ولن نبلغ الكمال كله، لكن إن كان من وصية أختم بها: فإن الله جل وعلا شرفنا بأن جعلنا من أمة محمد ﷺ ، وفي عصرنا هذا من أسباب الفجور وأسباب البغض عن الله ما لا يخفى على أحد، والبعد عن أسباب الفجور سلامة منه.
إن السلامة من سلمى وجارتها ألا تمر على سلمى وواديها ويحتاج هذا الأمر كله إلى صبر على هدي محمد ﷺ ، فليوطن أحدنا نفسه على الصبر، وليوطنها على اتباع هدي رسول الله ﷺ ، وليعلم أن هذه الفتن التي تتتابع شررها، ويتفاقم خطرها، إنما هي بلاء وفتنة يصرف الله جل وعلا بها من يشاء عن طريقه، ويهدي الله جل وعلا بها من يشاء، فمن أخلص لله النية، وصلح قلبه، واستقامت سريرته، وفق للثواب، وهدي إلى سبيل الرشاد، هذا والله تعالى أعز وأعلى وأعلم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 323
دموع وتأملات
القرآن عظمة وجمال، وبهاء وجلال، وكمال واكتمال، هو دستور الأمة الذي يربي النفوس وينشئ المجتمعات التنشئة العظيمة.
ولقد ذكر في القرآن العديد من المواقف التي تربي النفوس والتي يقتبس المسلم منها قبساً يضيء حياته، ونوراً يبدد من خلاله ظلمات الدنيا القاتمة.
стр. 324
القرآن جمال وجلال وكمال
الحمد لله الذي جعل حمده أول آيةٍ في كتاب رحمته، وجعل حمده آخر دعاء لأهل جنته.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد السرمدي، حمداً لا يحصيه العدد ولا يقطعه الأبد، حمداً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لربنا أن يحمد.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، خيرته من خلقه، وصفوته من رسله، وأمينه على وحيه، بعثه بين يدي الساعة هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فصلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه من عبد مجتبى، وحبيب منتقى، ورسول مصطفى، وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه ثنائيات من وقفات ثلاث من كتاب الله ﵎؛ أجل كتاب وأعظم تنزيل: قال سبحانه وقوله الحق: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥]، قال العلماء ﵏: صدقاً في أخباره، وعدلاً في أوامره ونواهيه.
ولن يعدل كتاب أبداً كتاب الله ولن يعدل كلام أبداً كلام الله، فحري بقلوب المؤمنين أن تنهل من معين القرآن، وتقف على مشارفة، وتقتبس من سناه، وهذا ما سنحاول -إن شاء الله ﵎ أن نجني بعض ثماره وما نرجوه من الله جل وعلا أعظم وأجل.
لقد ضمن الله جل وعلا كتابه الكثير من القصص منها ما كان صريحاً ومنها ما كان تلميحاً، هدى الله جل وعلا عباده من الضلالة، وعلمهم من القرآن من الجهالة.
فتح به قلوباً غلفاً وآذاناً صماً وأعيناً عمياً، حتى يستبين للناس طرائق الحق وبيان الصراط المستقيم, حتى يكونوا على محجة بيضاء ليلها كنهارها، فيفدون على ربهم إن اتقوه كأحسن ما تكون الوفادة، قال جل ذكره وتعالى اسمه: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم:٨٥].
ولن نستطيع في عجالة من الوقت أن نقف على كل ما في القرآن من قصص وعظات وعبر يذِّكر الله جل وعلا بها القلوب، ويدعو بها ﵎ إلى رحمة علام الغيوب، وحسبنا في هذا المقام أن نقف على ثلاث منها، وليس المقصود سردها للناس، فإن قصص القرآن أمر مشتهر ظاهر بيِّن لا يكاد يخفى على مؤمن، فإن الناس كانوا ومازالوا وسيبقون بحمد لله يسمعون كلام الله في المحاريب وعلى المنابر وفي الحلقات، ولكن يبقى كيف يُوضح لهم ويُبيِّن ما في القرآن من عظات وعبر ودلائل وآيات؟ حتى تستقيم على الصراط قناتهم.
عناوين الثنائيات الثلاث: الإسراء والمعراج.
يوسف وإخوته.
قابيل وهابيل.
ونحسب والله جل وعلا أعلم أن في هذه الثلاث بيان للإنسان لأكثر الطريق المؤدي إلى رحمة الله ﵎.
стр. 325
حادثة الإسراء والمعراج
أما الإسراء والمعراج: فغني عن القول أن يقال: إن الله جل وعلا جعل لنبينا المنزلة السامية، والمقام الرفيع، والمنزلة الجليلة عند ربه جل وعلا، فقد دل ظاهر القرآن وباطنه على ذلك، وكثيرة في القرآن الآيات التي يخاطب الله جل وعلا بها هذا النبي الكريم ﷺ ، تدل لكل ذي عقل وذي لب وذي قلب واعٍ ما للنبي ﷺ من منزلة سامية ومكانة رفيعة عند ربه.
خاطب الله جل وعلا في القرآن جماً غفيراً من الأنبياء بأسمائهم المجردة، وليس في القرآن كله وبين دفتيه آية واحده يقول الله فيها: يا محمد! فقد قال تعالى: ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا﴾ [هود:٤٨]، وفي القرآن: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥]، وفي القرآن: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، وفي القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال:٦٤] , ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة:٤١].
وكذلك يخاطب الله سيد الأولين والآخرين ﷺ .
وقد أقسم الله جل وعلا بعمره فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢].
وأقسم بالأرض التي يطأها، قال تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:١ - ٤].
أقسم الله جل وعلا له ليرضى صلوات الله وسلامه عليه فقال جل وعلا: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:١ - ٥].
ما كانت رحلة الإسراء والمعراج إلا دلالة من الدلائل على احتفاء الله جل وعلا بنبيه صلوات الله وسلامه عليه.
فقد عاد ﵊ من الطائف وقد أصابه من الكلوم والجراح ما أصابه، فقد رده سادتها، فدخل مكة في جوار مطعم بن عدي وكان يومئذ كافراً ومات على الكفر.
وأصابه من الحزن ما أصابه، حتى إذا كان ذات ليلة في بيته إذ رفع سقف البيت، وإذا بجبرائيل ينزل ثم يأخذ قلبه الشريف الطاهر صلوات الله وسلامه عليه، ثم يضعه في طست قد ملئ إيماناً وحكمة ثم يغسله, ثم يعاد القلب إلى موضعه من جسد نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ولا يقدر على هذا إلا الله ولا تصدقه إلا القلوب المؤمنة الواعية التي تقول كما أخبر الله عنها: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧].
ثم أسري به صلوات الله وسلامه عليه من مرقده في مكة إلى المسجد الأقصى إلى بيت المقدس، وهذا الذي أنبأ الله جل وعلا عنه بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١].
قرب له ﷺ البراق -وهي: دابة- ليركبها، فلما دنا منها صلوات الله وسلامه عليه، حمله البراق إلى المسجد الأقصى، فلما أتى المسجد صلوات الله وسلامه عليه ربط البراق في حلقة كان الأنبياء من قبله يربطون بها دوابهم.
فدخل ﵊ المسجد الأقصى، وصلى فيه ركعتين إماماً بإخوانه من النبيين والمرسلين، كل ذلك في برهةٍ من الليل لم يتبين له معالمهم، ولم يعرف أسماءهم ولم يتبين له ظواهرهم.
ثم قدم له البراق مرة أخرى وعرج به ﷺ -قيل: بالبراق، وقيل: بغيره- إلى السماوات السبع، ليرى من آيات ربه الكبرى، فلما أتى السماء الأولى ومعه جبرائيل، استفتح جبرائيل , فقال خزنتها: من أنت؟ قال: أنا جبريل، قيل: أوَمعك أحد؟ قال: نعم، معي محمد، فقال الخازن: أوَقد بعث؟ فقال جبرائيل: نعم.
فلما فتح بابها، رأى النبي ﷺ رجلاً حوله أسودة عن شماله وأسودة عن يمينه، إذا نظر إلى يمينه ضحك، وإذا نظر إلى شماله بكى، قلت: من هذا يا جبرائيل؟ قال: هذا أبوك آدم، والأسودة التي عن يمينه وشماله نسم بنيه، أي: أرواح بنيه, والذين عن يمينه من كتب الله لهم الجنة، والذين عن يساره من كتب الله لهم النار، فإذا رأى أهل الجنة ضحك، وإذا رأى أهل النار بكى.
فسلم آدم على نبينا ﷺ وهو يقول: أهلاً بالنبي الصالح والابن الصالح.
ثم عُرج به ﷺ إلى السماء الثانية، فإذا بها ابني الخالة يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم، فسلما عليه قائلين: أهلاً بالنبي الصالح والأخ الصالح.
ثم أتى السماء الثالثة صلوات الله وسلامه عليه، فإذا فيها أخوه يوسف وقد أعطي شطر الحسن.
ثم أتى السماء الرابعة فإذا فيها أخوه إدريس، وتلا عندها لما أخبر ﵊ قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧].
ثم أتى السماء الخامسة، فرأى رجلاً تكاد تلامس لحيته سرته، (قلت: من هذا يا جبرائيل؟ قال: هذا المحبب في قومه؛ هارون بن عمران).
ثم أتى السماء السادسة فرأى فيها موسى بن عمران كليم الله.
ثم أتى السماء السابعة فإذا رجل قد أسند ظهره إلى البيت المعمور، قال ﵊ عنه: (ما رأيت أحداً أشبه بصاحبكم منه ولا منه بصاحبكم، قلت: من هذا يا جبرائيل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم)، فسلم عليه قائلاً: أهلاً بالنبي الصالح والابن الصالح.
ثم رُفع ﷺ إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، فدنى وتدلى منه جبرائيل، فرأى جبرائيل للمرة الثانية، وكان قد رآه أول ما رآه على هيئته التي خلقه الله تعالى عليها في أيام الوحي الأولى يوم رآه على كرسي ما بين السماء والأرض قد سد ما بين المشرق والمغرب, قال الله في كتابه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم:١٣ - ١٦].
ثم بين الله جل وعلا في هذا الخبر القرآني الصادق أن نبينا ﵊ في هذه الرحلة كان أعظم الناس أدباً وأكملهم خلقاً، وأنه ما التفت ميمنة ولا ميسرة، ولا زاغ بصره يميناً ولا شمالاً، فقد وقف حيث أوقفه ربه وقام حيث أقامه الله، فقال الله جل وعلا يزكيه ويثني عليه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٧ - ١٨].
ثم اقترب ﷺ حتى وصل إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، فكلمه ربه جل وعلا وأدناه وناجاه، ودخل ﵊ الجنة فإذا تربتها كجنابذ اللؤلؤ، ثم رأى ﷺ النار عياذاً بالله منها ثم جاوز ﷺ سدرة المنتهى، وهي سدرة ينتهي إليها ما يعرج من الأرض إلى السماء، ثم عاد ﷺ من ليلته.
عاد كرة أخرى ماراً بالمسجد فصلى ﷺ فيه، ثم عاد راجعاً إلى مكة، كل ذلك في برهة من الليل تكرمة من الله جل وعلا له.
стр. 326
تكذيب كفار قريش لحادثة الإسراء والمعراج
فلما أصبح أخذ ﷺ ناحية من البيت وجلس على غير عادته مما يألفه الناس، دنى منه عمرو بن هشام أبو الحكم على نسب قريش، وأبو جهل كما سماه النبي ﷺ ، فلما رآه متغير الحال، قال: هل من خبر يا محمد؟ قال: نعم، قال: وما ذاك؟ قال: أسري بي ليلة البارحة إلى المسجد الأقصى، قال: وعدت من ليلتك؟ قال: نعم، قال: يا أبن أخي! أترى إن جمعت لك أندية قريش أتخبرهم بما أخبرتني به؟ قال النبي ﷺ : نعم، فنادى أبو جهل بأعلى صوته، يريد أن يشمت به، يا بني كعب ابن لؤي! يا معشر قريش! هلموا إلي فاجتمعوا من كل حدب وصوب تاركين أنديتهم حتى أقبلوا، قال: اسمعوا ما يقول محمد.
فلما أخبرهم النبي ﷺ ، إذا بأحدهم يضع أصابعه بين أذنيه، وإذا بأحدهم يفغر فاه، ويضع أحدهم يديه على رأسه متعجباً، قالوا: وعدت من ليلتك؟! قال: نعم، وعدت من ليلتي، قالوا: صف لنا بيت المقدس، فلما هم النبي ﷺ بوصفه وقد رآه في الليل وهو نبي كريم زاهد عابد، لما دخل المسجد لم ينظر إلى أروقته ولا إلى جدرانه ولا إلى حيطانه، فقد صلى وتعبد الله جل وعلا فيه، فلم يقدر أن يصف لهم المسجد، فما هي إلا برهة وجبرائيل يدني المسجد بين يديه، فأخذ ﷺ ينظر إلى المسجد ويصفه للملأ من قريش، وكلما زاد في وصفه قال القوم من قريش: أما المسجد فكما قال، وأما الوصف فكما وصف.
ثم أخبرهم أنه مر على قافلة لهم وأنها ضلت بعيراً في الطريق، فوعدهم يوم كذا وكذا أن تعود القافلة إلى مكة، فاحتسبوا تلك الأيام حتى خرجوا في ظهيرتهم، فلما خرجوا فما إن طلع حاجب الشمس إلا والقافلة قادمة مقبلة إلى مكة كما أخبر رسولنا صلوات الله وسلامه عليه.
أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم لما رأوك به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم صلى وراءك منهم كل ذي خطر ومن يفز بحبيب الله يأتممِ جبت السماوات أو ما فوقهن بهم على منورة درية اللجمِ ركوبة لك من عزٍ ومن شرف لا في الجيادِ ولا في الأينق الرسمِ مشيئة الخالق الباري وصنعته وقدرة الله فوق الشك والتهم وهذا أعظم ما دل عليه القرآن بعد توحيد الله جل وعلا، وهذا من أعظم المكانة لنبينا ﵊ منزلة ومكانة عند ربه، وقد سد الله كل الطرائق الموصلة إليه، إلا طريق محمد ﷺ ، وهو ﵊ على رفيع مقامه، وجليل مكانته، عبد يوحي إليه، وليس له من صفات الألوهية ولا الربوبية شيء، ولذلك أثنى الله جل وعلا عليه في أرفع المقامات وأجلها بأنه عبد يسمع ويطيع.
قال ﵎: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١].
وقال جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١].
إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى ولا تعد، والتي يبين الله جل وعلا فيها أن نبينا ﵊ حقق مقام العبودية على أكمل وجه وأتم نحو، ونحن أتباعه وقد جعله الله جل وعلا حظنا من النبيين كما جعلنا حظه من الأمم، ولا فخر بعد الإسلام من فخر أننا من أمته صلوات الله وسلامه عليه.
ومما زادني شرفاً وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا.
стр. 327
وجوب محبة النبي الكريم وطاعته
فرض الله علينا محبته وطاعته والإيمان به، وتصديقه فيما أخبر، وتنفيذ ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه صلوات الله وسلامه عليه، ولقد كان الجيل الأول من أهل القرون المفضلة من أصحابه صلوات الله وسلامه على نبيه ورضي الله عنهم, أعظم ما يكونون محبة وانتصاراً واتباعاً واقتفاء لآثاره صلوات الله وسلامه عليه.
وقف أبو بكر الصديق ﵁ بعد موت النبي ﷺ بعام يخطب على نفس منبره، فقال: إن النبي ﷺ قام مقامي هذا في عامه الأول.
ثم أراد أبو بكر أن يتم الكلام فما استطاع ثلاث مرات وهو يغالب دمعه ﵁ وأرضاه.
وأعطى ﵊ سيفه لـ أبي دجانة ﵁, أن يأخذه بحقه يوم أحد, فأخذ أبو دجانة السيف بحقه فلما حمله ليضرب به أحد المشركين إذ أحدث صوتاً فعرف أنه امرأة، قال: فرفعت السيف إكراماً لسيف رسول الله ﷺ أن أضرب به امرأة.
وكان ثابت البناني أحد التابعين ﵁ وأرضاه إذا رأى أنس بن مالك خادم النبي ﵊ أقبل على أنس وقبّل يده ويقول: إنها يدٌ مسَّت يد رسول الله ﷺ .
وخرج ﵊ إلى المقبرة ذات يوم ثم قال: (وددت لو أني رأيت إخواني, قالوا: يا رسول الله! ألسنا إخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، ولكن إخواني لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض) أي: سابقهم إليه, (قالوا: يا رسول الله! كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيتم لو أن لأحدكم خيلاً غراً محجلة في خيل دُهم بُهم أكان يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فإن إخواني يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء وأنا فرطهم على الحوض).
جعلني الله وإياكم برحمته منهم.
وإن من أعظم دلائل محبته صلوات الله وسلامه عليه التماس سنته واقتفاء أثرة وأتباع دينه، والذود عن رياض سنته صلوات الله وسلامه عليه، ولن يتبع هذا الطريق أحد، ولن يلتمس ذلك الهدي مؤمن إلا وسيؤذى ويبتلى ويختبر ويمتحن، قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢].
فيصبر المؤمن على أذى الناس وهمز الهمازين ولمزهم غيرهم, وما إلى ذلك إذا اقتفى السنن، ويجد في ذلك عناء في وقته, وعناء من زوجته وعناء من ولده، وعناء في المال, ولكن من أحب محمداً ﷺ وآمن به وعظّم الله جل وعلا ووحده من قبل فإنه يصبر على ذلك كله، وهو يلتمس هديهه صلوات الله وسلامه عليه، ويعض على سننه بالنواجذ حتى يلقاه ﵊، فهو فرطنا وسابقنا على الحوض.
ففي يوم القيامة يحشر الناس حفاةً عراةً غرلا، أحوج ما يكونون إلى الماء، عطشى ظمأى فلا يجدون حوضاً أمامهم أكرم ولا أجل من حوضه صلوات الله وسلامه عليه، وهو واقف على الحوض يسقي أمته، فكلما كان الإنسان عظيم المحبة والاتباع مع توحيد الله جل وعلا وإيمان به -كما أمر جل وعلا وقرر في كتابه وعلى ألسنة رسله- كان حظه في ذلك الموقف أن يُسقى من يد رسولنا صلوات الله وسلامه عليه.
لكن المؤمن الحصيف العاقل يعلم أن العلم الشرعي ومعرفة كيفية الاقتداء بسنته أمر حتمي لا بد منه، فليس أن يأخذ الإنسان بأجزاء من الأحاديث أو بطرف منها، أو لا يعلم مناسباتها ولا دلائلها كما بينها علماء أهل السنة ﵏ جل وعلا أحياء وأمواتاً، وإنما ينظر الإنسان على بصيرة وعلى هدى وعلى نور من ربه، وعلى علم شرعي فيقتفي تلك السنن حتى لا يكون ضرره أكثر من نفعه، وحتى لا تكون غوايته أكثر من هدايته.
ومن تلمس السنة بقلب واعٍ صافٍ، ونية خالصة، وهو محب لله، محب لرسوله ﷺ ، قربه الله جل وعلا من هذا الهدي، ونصر الله جل وعلا به الدين، وأوضح الله ﵎ به الصراط المستقيم.
ولا يستطيع الإنسان أن يطنب في الحديث عنه صلوات الله وسلامه عليه أكثر من هذا، وإلا فالحديث عنه يجمل ويحلو وإن كان مكرراً، ولكننا مقيدون بأمور التزمنا بها في أول محاضرتنا.
وجملة القول أيها المؤمنون: إن لنبيكم ﵊ أعظم المكانة وأجلها عند ربه، ولن تكونوا مؤمنين حقاً حتى توحدوا الله كما أمر، ثم تتبعوا سنة نبيه ﷺ في المنشط والمكره، والسر والجهر، في الحل والترحال، والسفر والإقامة، ولا يتبع الإنسان هواه ورغباته، ولا يسعى الإنسان فيما يوافق ما تكنه نفسه، وإنما يجعل نفسه تسير حيث سار هدي محمد ﷺ ، ولو خالف ذلك هواك، أو من تقتنع برأيه، أو بالبيئة التي أنت فيها، أو العاطفة التي تتمسك بها، أو الحماس الذي يغلب عليك.
فالسنة هي التي تقودنا إلى الحق وليس نحن الذين نلوي أعناق السنن لنصل إلى ما نريد.
стр. 328
يوسف وإخوته
وهذه هي ثاني الوقفات، فكما أنبأنا عن نبينا ﷺ ، نتحدث عن نبي كريم كان قبل رسولنا صلوات الله وسلامه عليه.
قدر الله جل وعلا لإبراهيم ﵊ أن يكون له ابنان إسماعيل وإسحاق، ثم كان من إسحاق يعقوب, ثم كان من يعقوب اثني عشر ولداً، وكان يوسف أحد هؤلاء الاثني عشر ابناً, وكان أحبهم إلى أبيه، وأقربهم منه.
وهذه الأمور تمضي بقدر الله, والله يخلق ما يشاء ويختار.
فكان ليوسف مكانة خاصة عند أبيه هو وأخوه بنيامين، فشعر الإخوة بأن ليوسف مكانة تعلو على مكانتهم, فكان في قلوبهم من الضغينة شيئاً يرتع وينمو مع الأيام, حتى كان ذات يوم فرأى يوسف في منامه -وهو ابن سبع سنين على الأظهر- أن أحد عشر كوكباً والشمس والقمر يسجدان له, ففر فزعاً إلى أبيه يسابق الخطوات حتى دخل عليه، فقال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف:٤].
وكان يعقوب من العلم بمكان, فعلم أن ابنه هذا سيصبح له منزلة عالية ومكاناً سامياً، فخاف عليه وقال: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف:٥] وأخذ يلاطفه في القول حتى يكتم تلك الرؤيا, جاعلاً خاتمة المقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٥].
على الجانب الآخر كان الأبناء يشعرون بقرب يوسف من أبيهم فتآمروا وتناجوا، ثم قدموا على أبيهم بعد أن مكروا مكرهم وقالوا: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف:١٢].
لم ينكر عليهم أبوهم أنهم يرتعون ويلعبون, فهذه سنة كل غلام, لكنه خاف على يوسف، قال: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ [يوسف:١٣].
فما زالوا يصرون عليه ويقدمون له أطايب القول حتى وافق, فأرسله معهم, وخرجوا به إلى البرية وقد أجمعوا أمرهم من قبل, فألقوه في غيابة مهجورة بعد أن قرروا أول الأمر قتله، لكن عاطفة الأخوة غلبت عليهم، قال الله على ألسنتهم: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف:٩].
فألقوه في غيابة جب مهجور, أي: في بئر مهجورة قل من يأتيها، ثم عمدوا قبل أن يلقوه إلى قميصه فخلعوا القميص عنه, ومروا في طريقهم على شاة فذبحوها, ولطخوا ذلك القميص بدم تلك الشاة وقدموا على أبيهم ليلاً, والعرب تقول: الليل أخفى للويل.
وتظاهروا بالبكاء، وليس كل مدع صادق، ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف:١٦].
وأخبروه الخبر وأن يوسف أكله الذئب، وأعطوه القميص ليكون لهم شاهداً، أخذ يعقوب القميص، فإذا القميص على حاله, قال لهم: أي ذئب عاقل هذا، أكل ابني وترك قميصه، فقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨].
فهو أب طاعن في السن وهؤلاء عشرة من البنين فلا يستطيع أن يتغلب عليهم, والرجل العاقل قد يحاط به أحياناً فلا يقدر أن يتصرف, فمن الحكمة أن يتوارى أحياناً, فالكلمة التي لا تستطيع أن تقولها أخرها, ولو إلى حين, والعاقل لا يطير قبل أن يريش, فسكت وصبر وكظم غيظه مستعيناً بالله الواحد الأحد.
هذا ما أراده إخوة يوسف لكن ما أراده الله شيء آخر، أنت تريد وهذا يريد والله يفعل ما يريد.
مرت سيارة -قافلة عابرة- على تلك البئر، فأرسلوا واردهم, فتعلق يوسف بالدلو الذي أنزله واردهم، وخرج من البئر، ولم يكونوا من العلم ولا من الفطنة بشيء, ما لبثوا أن زهدوا فيه وخرجوا به إلى سوق النخاسين ليبيعوه، قال الله تعالى عنهم: ﴿وَشَرَوْهُ﴾ [يوسف:٢٠] أي: باعوه, وهذا من الأضداد في اللغة, ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف:٢٠].
على النقيض منهم اشتراه عزيز مصر وكان رجلاً فطناً فتفرس فيه معالم النجابة، واشتراه وأدخله قصره، وقال لزوجته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف:٢١].
قال الله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].
أراد له إخوته أن يعيش في بئر مهجورة فأخرجه الله إلى ردهات القصور فمكث فيها ما شاء الله.
стр. 329
شغف امرأة العزيز بيوسف ومراودتها له
شب ﵊ كأحسن ما يكون الرجل الوضيء والشاب الوسيم، تعلقت به امرأة العزيز حتى -كما أخبر الله- شغفها حباً فلم تسمع ولم تبصر إلا يوسف، وأخذت تراوده، لكنه تربى في حجور الصالحين وعلى هدي النبيين، صالحاً أينما حل وتقياً أينما نزل, كلما اقتربت منه نأى عنها, خوفاً من الله, تغريه بمنصبها تغريه بجمالها وتمنعها بمنصبها ولكنه مع ذلك بقي عزيزاً ممتنّعاً خوفاً من الله، حتى ضاق بها الصبر ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣].
ثم استبقا الباب يجريا، فهو يفر من المعصية وهي تدعوه إليها, فما إن فُتِحَ الباب إلا وسيدها على الباب فاختصما، فبادرت بالتخلص: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف:٢٥].
ويوسف ﵇ شاب يخدم في بيت سيده لا يستطيع أن يدلي بحجته, إلا أنه دافع عن نفسه.
стр. 330
دخول يوسف السجن
مضت أمور وشواهد عديدة استقر بها يوسف في السجن, فدخل السجن صلوات الله وسلامه عليه، وتغير المكان من القصر إلى السجن، لكن قلب يوسف لم يتغير، بقي تقياً مؤمناً خائفاً وجلاً من ربه، فظهر عليه سمت المتقين، ودأب الصالحين, وأقوال عباد الله المخلصين, حتى لاحظ ذلك من كان مسجوناً معه, فقدر لهما بقدر الله أن يريا رؤيا، فلما نظرا فيمن حولهما تبين لهما ما على يوسف من سمت الهداية فأقبلا عليه يقصان الرؤيا: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦].
انتهز حاجتهما إليه، وأخذ يدعوهما إلى الله, وأي شيء أعظم وأجل من أن تدعو إلى الله ﵎.
يقول ﵊ كما في الترمذي وغيره: (إن الله وملائكته وأهل سماواته وأرضه والحوت في بحره والنملة في حجرها ليصلون على معلم الناس الخير).
وفي محكم التنزيل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣].
فأول شيء دعاهما إليه: توحيد الله الواحد القهار بإسلوب قرآني تهتز منه الجبال وتخر له الصخور الصماء, قال الله جل وعلا حكاية عنه: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٣٩ - ٤٠].
فلما أدى ما عليه من واجب الدعوة، برهما لأنهما كانا جاران له في السجن, فنبأهما بتأويل الرؤيا، قال: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف:٤١].
غلب على ظنه أن أحدهما ناج فقال: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف:٤٢] أي: اذكرني عند الملك, ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف:٤٢].
كتب الله له أن يبقى ما شاء الله أن يبقى في السجن، فلما مكث في السجن صلوات الله وسلامه عليه، قدر لذلك الذي خرج أن يصبح ساقياً للملك، ويقدر الله أن يرى الملك رؤيا يعرضها على من حوله, لم يكونوا من الفقه والعلم في شيء: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف:٤٤].
فتذكر الساقي يوسف وقدرته على التأويل والتعبير قال: ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ [يوسف:٤٥] أي: ابعثوني إلى يوسف, فبعثوه، وهذا يسمى في القرآن: إيجاز حذف.
فلما بعثوه قدم الرسول إلى يوسف وأخبره بالرؤيا فعبرها صلوات الله وسلامه عليه كما حكى الله جل وعلا في كتابه, وقال في ختامها: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف:٤٩].
فلما عاد الرسول إلى الملك وأخبره وهو رجل ذو سلطان لا يمكن أن يعبأ بمسجون, لكن تدبير الله أعظم وأحكم ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ [يوسف:٥٠]، رفض يوسف أن يخرج: ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٠].
فلو خرجت الآن فإن الناس سيقولون: إن التهمة ثابتة على يوسف, لكن الملك أخرجه؛ لأنه عبر له الرؤيا, فأراد أن تثبت دلائل براءته قبل أن يثبت معرفة الناس أنه على قدرة في التعبير والرؤيا.
فلما رجع الرسول إلى الملك فطن الملك أن هذا الذي في السجن ليس رجلاً عادياً، قال الله عنه بعد ذلك: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف:٥٤].
стр. 331
خروج يوسف من السجن وجعله على خزائن الأرض
فلما قالها خرج يوسف صلوات الله وسلامه عليه بعد أن نطق النسوة ببراءته, فلما خرج ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥].
فإنه يحسن بذوي الهيئات من المؤمنين وذوي القدرات من المتقين أن يتبوءوا أماكن ومنازل ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً, وأن تكون الأمور بيد المتقين الأخيار, خير من أن تكون بيد غيرهم ممن ربما يمنع طاعة أو يمنع دعوة أو يكون ما يكون منه على خلاف صراط الله المستقيم.
﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥] فوافق الملك, فقال الله العزيز العليم: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٥٦].
وحتى لا يتعلق الناس بالدنيا قال الله جل وعلا بعدها: ﴿وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف:٥٧]، فما لقيه يوسف من الوزارة والملك والحكم ليس بشيء أمام ما هيأه الله جل وعلا له في الآخرة وما أعد له في جنات النعيم.
على الجانب الآخر, كان يعقوب ﵊ تصله أخبار أن ثمة ملك في أرض مصر أوكلت إليه خزائن الأرض وأنه يقوم بها على أحسن حال, وأن مجاعة دبت هاهنا وهناك في أرض كنعان وأرض مصر على السواء بعث بنيه, فلما بعث بنيه استبقى بنيامين عنده؛ لأنه كان يجد في بنيامين رائحة أخيه من قبل؛ لأن يوسف وبنيامين كانا شقيقين.
стр. 332
مقابلة إخوة يوسف له بعد أن صار عزيز مصر
وصل إخوة يوسف على يوسف فدخلوا عليه فعرفهم كما قال الله: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [يوسف:٥٨]، فأخذ يلاطفهم بالقول حيناً، وتارة يعمد إلى الترهيب, وتارة يعمد إلى الترغيب, يقول مرغباً: ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [يوسف:٥٩].
ويقول مرهباً: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف:٦٠].
لما رجعوا بعد أن رد عليهم المتاع الذي جاءوا به دخلوا على أبيهم أخبروه الخبر وأن العزيز يطلب أن يرى أخاهم، تذكر يعقوب ﵊ تفريطهم في يوسف من قبل: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤].
وبعد إلحاح أعطاهم بنيامين بعد أن أخذ عليهم العهود والمواثيق إلا أن يحاط بكم، وقد قالها بعد أن أدركته عاطفة الأبوة, وجعلها استثناء من باب الرحمة، فخرج الإخوة ومعهم أخوهم بنيامين، وقد أوصاهم أبوهم خوفاً عليهم من العين: ﴿يَا بَنِيَ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف:٦٧] قال الله: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٦٨].
دخلوا المدينة وقد ألجموا أفواه الجمال التي تحملهم, حتى يعلم الناس أنهم أبناء نبي، وأنهم لا يأذنون لجمالهم أن تأكل من هنا وهناك، دخلوا على يوسف, فآوى إليه أخاه وأخبره الخبر في قصة ظاهرة مشهورة, ثم كاد لهم كيداً بأمر من الله، فأمر غلمانه أن يضعوا صواع الملك في رحل أخيهم الأصغر.
فلما فارقوا أرض مصر بعد أن أخذوا أمتعتهم وعادوا، إذا بمؤذن ينادي: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف:٧٠] غيروا اللفظ, ولم يقبلوا السرقة, ولم يقولوا: ما الذي سُرِق؟ فإنهم لا يعترفون بوجود السرقة أصلاً, وإنما قالوا: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ [يوسف:٧١] أي: ما الذي ضاع منكم.
فاتفق المؤذن معهم على أن من وجد في رحله سيكون عرضة للأسر, فلما وافقوا قدموا بين يدي يوسف وأخذ ينظر في أمتعتهم ورحالهم واحداً بعد الآخر, فكلما نظر في متاع أحدهم قال: أستغفر الله مما رميتكم به, حتى وصل إلى بنيامين قال: أما هذا فما أظنه أخذ شيئاً, فألحوا عليه, قال الله جل وعلا: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف:٧٦].
فأخذ يوسف بنيامين عنده، وأخذ الإخوة يستعطفونه، لكن يوسف بقي مصرّاً على رأيه, فلما أصابهم اليأس من إقناعه ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف:٨٠] أي: اجتمعوا فيما بينهم يتشاورون في القضية, أما الأخ الأكبر فاستحيا أن يرجع إلى أبيه فيقول له: أضعت بنيامين كما أضعت يوسف من قبل, قال كبيرهم كما قال الله جل وعلا: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ * ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ [يوسف:٨٠ - ٨١].
رجع الإخوة وبقي الأخ الأكبر, فلما رجعوا إلى أبيهم أخبروه بالقصة, وأي مصاب جديد ويذكر بقرينه, ويذكر بالمصاب القديم, والعرب تقول: إن الأسى يبعث الأسى, فلما كان بنيامين هو الباقي ليعقوب يشم فيه رائحة أخيه, جاء هؤلاء ليقولوا: إن بنيامين فُقِد كما فُقِد يوسف من قبل، وإن الأخ الأكبر لن يعود حتى تأذن له.
كان يعقوب مصابه في يوسف فقط فأصبح مصابه في يوسف وبنيامين وروئين الذي هو الأخ الكبير, لكن النفوس التي تعرف الله لا تعرف اليأس أبداً, من يعرف الله لا يعرف اليأس ولا القنوط أبداً، فقال كما أخبر الله جل وعلا عنه: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف:٨٣ - ٨٤].
وبلغ ذروة الحزن وذروة الحزن أن ابيضت عيناه, قال الله جل وعلا: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤].
إن الأبواب إذا أوصدت هذا أول الدلائل على أنها ستفتح, وكلما أغلق الأمر ولم يبق مخرج دل على أن الفرج القريب.
وراء مضيق الخوف متسع الأمر وأول مفروح به غاية الحزن فلا تيأسنَّ فالله ملك يوسف خزائنه بعد الخلاص من الشرك لما قال يعقوب هذا, أخذ الأبناء يعنفونه: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف:٨٥] أي: لا تزال تذكر يوسف ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٥ - ٨٦].
وقوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦] سيأتي بيانها بعد قليل, ثم أخذ بالأسباب قال: ﴿يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧].
إن من أعظم ما يلقاه المؤمن: حسن الظن بالله جل وعلا, وفي الحديث: (إن الله جل وعلا عند حسن ظن عبده به) , فهذا النبي المكلوم فقد ثلاثة من أبنائه خلال أربعين عاماً, فكل شيء تغير فيه: صحته واحدودب ظهره, وعميت عيناه, لكن الذي لم يتغير فيه هو حسن ظنه برب العالمين ﷻ , ومتى أحسن العبد ظنه بربه فرج الله جل وعلا عنه.
قال الإمام الذهبي ﵀ في ترجمة أبي مسلم الخولاني ﵀: إن أبا مسلم هذا -وكان من الصالحين العباد- اشتكت إليه زوجته الفقر الذي هو فيه, وأنه لا دقيق تصنع منه خبزاً, قال لها: هل في البيت مال؟ قالت: دينار واحد, قال: أعطني إياه أشتري لكم به دقيقاً, وخرج إلى السوق ليشتري بهذا الدينار دقيقاً، فلما وصل إلى السوق قبل أن يشتري الدقيق جاءه رجل سائل عليه المسكنة ظاهرة بارزة, فأعطى أبو مسلم السائل الدينار, ولم يبق في يديه شيء إلا الكيس الذي خرج به من بيته ليشتري الدقيق ويضعه فيه, فعمد إلى صاحب خشب ونجار, فأخذ نجارة الخشب وملأ بها الكيس وحمله على ظهره وعاد إلى بيته, فلما عاد إلى بيته وضعه بين يدي امرأته وتنحى في غرفة أخرى ينتظر قدر الله, ما هي إلا برهة وإذا بالمرأة تأتي له بالخبز, فقال لها: من أين لك الدقيق؟! قالت: من الكيس الذي أتيت به, فسكت وأخذ يأكل وهو يبكي.
فالله جل وعلا قادر على كل شيء, ولا ندعو بهذا إلى أن يقعد الإنسان في بيته، أو يتبع طرائق غير محمودة، لكننا نقول: إن حسن الظن بالله جل وعلا من أعظم العبادات وأجل الطاعات، وبه ساد الأنبياء والمرسلون وأتباعهم من أولياء الله المتقين.
ولما قال يعقوب ﵊ هذا خرج بنوه, ودخلوا على يوسف ومعهم بضاعة مزجاة أي: مدفوعة, وقيل: مخلوطة، لا تساوي شيئاً ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف:٨٨].
هنا كشف يوسف عن القناع: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف:٨٩] ولما سقط في أيديهم: ﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف:٩٠].
فقال يوسف بيت القصيد من القصة كلها: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠].
فما عند الناس من الدنيا ينال بأي طريقة، أو بحسب الشخص المقابل، فلك أن تخدعه أو تصدق معه فتعطيه أو تمنعه، أما ما عند الله لا ينال إلا بطريقين وهما: التقوى والصبر، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].
ويوسف يقول: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف:٩٠ - ٩١]-وقد كان رحيماً باراً، والنفوس العظيمة تعفو عند المقدرة- ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٢] ثم خلع قميصه, فقد كان هذا القميص في السابق سبب الحزن ليعقوب, فأراد الله أن يكون القميص سبب السعادة والفلاح والرحمة والنجاة ليعقوب، قال يوسف لإخوته: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ [يوسف:٩٣].
فخرجت العير والقافلة من أرض مصر, فما إن خرجت من أرض مصر إلا ويعقوب وهو في أرض كنعان يجد ريح يوسف, قال لمن حوله من نبيه: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُ
стр. 333
قصة قابيل وهابيل ابني آدم
خاتمة القصص أيها المؤمنون: وفي ذكر القصة تربية للأسرة المسلمة والمجتمع المؤمن كيف يتآخى آحاده, ويتعاضد أفراده، وأن الله جل وعلا كتب لأمة الإسلام أن تكون على قلب واحد, فذكر الله جل وعلا لنبيه صلوات الله وسلامه عليه خبر ابني آدم من قبل، قائلاً جل وعلا: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].
وجملة القول في هذا الخطاب القرآني, أن آدم ﵊ كانت زوجته تحمل منه ذكراً وأنثى في كل حمل, فكانت سنة الله جل وعلا له أن يزوج كل حمل من الحمل الآخر, الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر، فكان قابيل وهابيل أخوين من حملين مختلفين, فكأن قابيل رفض أن يأخذ هابيل أخته التي ولدت معه, ربما كانت أبهى من أخته التي حملت مع أخيه, فاحتكما إلى أبيهما فناشدهما أن يقربا إلى الله جل وعلا قرباناً, فأيهما تقبل قربانه مضى الأمر الذي يريد, فتقدم كل منهما بقربان إلى الله جل وعلا فاختار قابيل أسوأ ما يملك, واختار هابيل أطيب ما يملك، فجاءت نار فحرقت قربان هابيل دلالة على القبول, وبقي قربان قابيل على حاله, فاشتاط غضباً ودب في قلبه الحسد لأخيه, والحسد والعياذ بالله أول نقطة في طريق البغضاء وسفك الدماء.
فلما دب في قلبه الحسد أخذ الحسد ينمو مع الأيام ويزداد, حتى قرر أن يتخلص من أخيه, عمد إلى أخيه بعين جاهرة, قائلاً له: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة:٢٧]، فأجابه: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:٢٨].
فأخبر أن خوفه من الله يمنعه من المبادرة بسفك الدماء أو حتى أن يرد على أخيه مع أنه لو رد عليه لكان ذلك مشروعاً كما بين نبينا ﷺ ، ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٢٩].
لكن هذا الرد المبني على الحجج والبراهين لم يقنع قابيل , فأخذ الشيطان يسول له ونفسه الأمارة بالسوء: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٣٠].
فمكث يحمله من مكان إلى مكان لا يدري ما يصنع به؛ لأنه كان أول سفك دم في الأرض, قال ﵊: (ما قتل نفس نفساً إلا كان على نفس ابن آدم الأول منها الوزر) لأنه كان أول من سن القتل.
فلما فعل ذلك بعث الله جل وعلا غراباً يبحث في الأرض بعد أن قتل غراباً آخر، قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة:٣١].
المقصود من هذا كله: أن تعلم أن الله جل وعلا يبتلي الناس بعضهم ببعض, فيبتلي الغني بالفقير, ويبتلي الحاكم بالمحكوم والمحكوم بالحاكم، ويبتلي الناس طوائف شتى بعضهم ببعض, هذه سنة لا تتبدل وخبرة لا تتغير, قال الله في الفرقان: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان:٢٠].
وعندما ينظر الإنسان إلى من هو أغنى منه فيدب في نفسه السخط على قدر الله, فيتذكر أن هذه الأمور تمضي بقدر الله فيصبر حتى يلقى الله صابراً فيعوضه الرب ﵎ على صبره.
على هذا جرت سنة الله جل وعلا في خلقه, غني وفقير، أمير ومأمور, وقس على ذلك ما شئت من الخلق, فإذا فطن الناس إلى هذا البرهان القرآني والعظة الربانية، قَبِلَ الناس بعضهم بعضاً على أي حال كان, فإن دب فيهم داء الأمم التي قبلهم من: الحسد والبغضاء والشحناء وسفك الناس دماء بعضهم البعض.
وسفك الدماء -عياذاً بالله- من أكبر الكبائر وأجل الذنوب، حتى إن الله قال في كتابه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء:٩٢] أي: لا يتصور شرعاً أن يقتل مؤمن مؤمناً عمداً, وقال الله بعدها: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣].
ولَزَوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن.
стр. 334
أسباب قتل المؤمنين بعضهم لبعض
وقتل المؤمنين وسفك دمائهم ينشأ بسببين: السبب الأول: خطأ في التفكير.
والسبب الثاني: حقد وغل في القلوب.
أما الخطأ في التفكير فإن الإنسان والعياذ بالله قد يلتبس عليه الباطل والحق, فيظن الباطل حقاً والحق باطلاً, فيتأول الآيات القرآنية والأحاديث النبوية حتى يجد منها حسب ظنه وجهله وعلمه المزعوم سبيلاً إلى سفك دماء المسلمين، فيكفر في أول الأمر ثم إذا كفر المؤمنين استباح دماءهم عياذاً بالله.
وقد يقع هذا من شتى الفرق وشتى الطوائف وشتى المنازل وبيان هذا على وجه التفصيل: فعثمان ﵁ أمير المؤمنين, وثالث الراشدين، والنبي ﷺ يقول في حقه: (أحيا أمتي عثمان) , ويقول في حقه أيضاً: (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟).
ومع ذلك طعن ﵁ وقتل في داره بعد أن أحرقت الدار, والذين تسللوا إلى بيت عثمان كانوا يزعمون الإيمان, ويزعمون أن عثمان على باطل، حتى أن عمرو بن الحمق الذي قتل عثمان طعن عثمان تسع طعنات, وعثمان يومئذ قد جاوز الثمانين ﵁ وأرضاه, ثم قال بعد أن خرج: طعنته ثلاث طعنات لله، وتسع طعنات لما في قلبي عليه من الغل.
فهذا الخطأ في التفكير هو الذي صور لهذا الرجل أن يقتل رجلاً في منزلة عثمان ﵁ وأرضاه.
وما علي عن عثمان ببعيد، فالذي قتل علياً ﵁ وهو عبد الرحمن بن ملجم كانت آثار السجود بادية على محيا وجهه وعلى ركبتيه, صواماً قواماً لا يراه الناس يفتر عن ذكر الله جل وعلا, لكنه لم يؤت من باب العبادة, أوتي من باب التكفير فكان يظن أن قتل علي أمراً مشروعاً, فعمد إلى سيف يعرضه على الناس, هل تجدون له عيباً, فكلما أخبره أحد بعيب أصلح ذلك العيب, ثم وضعه في طست فيه سم حتى لفظ السم الحديد، ثم خرج يوم خروج علي ﵁ لصلاة الفجر فضربه به.
فحمل علي ﵁ إلى بيته وبه رمق من حياة, وحمل عبد الرحمن بن ملجم بين يديه، فقال علي ﵁ لـ عبد الرحمن: أأسأت إليك قط؟ قال: لا, قال: فما حملك على ما فعلت؟ فقال هذا الرجل الضال: إنني اكتنزت سيفي هذا منذ أربعين يوماً، وأنا أسأل الله أن يقتل به شر خلقه, ويظن أن دعاءه مستجاب.
فقال له علي رضي الله تعالى عنه: بل أنت من شر خلق الله, وما أظنك إلا مقتولاً بسيفك هذا, فقتل عبد الرحمن بعد موت علي بنفس سيفه الذي اكتنزه ليقتل به علياً ﵁.
أين غاب عقل هذا الرجل وهو يقتل رجلاً في منزلة علي؟ إن الخطأ في التفكير يدعو إلى التكفير, والدعوة إلى التكفير ينجم منها سفك دماء المسلمين، ولهذا سد النبي ﷺ هذا الباب سداً منيعاً, فقال لـ أسامة ﵁ كما عند مسلم وغيره, لما كان في غزوة الحرقات مكن جهينة خرج رجل منهم وأسامة ﵁ يلحقه بالسيف, فلما رأى الرجل أسامة يتبعه، ألقى السيف وقال: لا إله إلا الله, فغلب على ظن أسامة أن هذا الرجل قالها فرقاً من السيف, فقتله ثم قص الخبر على النبي ﵊، فقال له ﵊: (يا أسامة! أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ قال: نعم, قال: كيف أنت بلا إله إلا الله يوم القيامة) وما زال النبي يكررها, وأسامة يندم حتى قال أسامة: تمنيت لو أنني لم أسلم إلا بعد ذلك اليوم.
الحالة الثانية التي ينجم عنها سفك الدماء: أن يكون الإنسان -والعياذ بالله- مطبوعاً على الشر وحوله من القرابة أو من الرفقة أو من الصداقة أو من رفقاء السوء ما يؤجج الغضب في نفسه، ولهذا ينبغي لكل أب ومرب ومعلم أن يربي أبناءه على حرمة أعراض ودماء وأموال المسلمين.
فلا يأتيك ابنك يخبرك أن ابن الجار غلبه فتشجع ابنك على الانتقام، وتخبره أن الأبواب موصدة إن لم ينتقم لنفسه، وقضية: إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب.
من أعظم خطايانا في التربية, وكم من أناس ونعرف بعضهم بأسمائهم وصفاتهم شجعوا غيرهم على سفك الدماء، وطلبوا منهم أخذ الثأر, وهولوا في أنفسهم المعاصي واستباحوا دماء المسلمين, فلما وقع المغرر بهم في المحظور وسفك الدم، وحمل إلى السجن فأول من تخلى عنه من كانوا يؤججون الغضب في صدره وهم قرابته وعصبته وعشيرته وأهله وعائلته وقبيلته التي كانت تدعمه فأخذت تتخلى حتى عن زيارته, ويقاد إلى موضع القصاص وحيداً فريداً ليس معه إلا عمله, وبئس العمل أن تلقى الله وقد سفكت دم مسلم, والنبي ﷺ يقول: (أول ما يقضى به بين الناس يومئذ الدماء, حتى إن المقتول ليأخذ بعنق القاتل حتى يدنيه من رب العزة ويقول: يا رب! سل عبدك هذا: فيم قتلني؟).
وقد قال العلماء: الدواوين ثلاثة, ديوان شرك لا يغفره الله جل وعلا, وديوان معاصٍ بين العبد وبين ربه لا يعبأ الله به يغفر الله فيه لمن يشاء, وديوان لا يتركه الله جل وعلا أبداً وهي ما بين العباد من خصومات بعضهم ببعض.
وصفوة القول والحديث: أن نعلم أن كل من حمل كلمة التوحيد في قلبه، وجاء بالإيمان بالأركان الستة فهو مسلم لنا ظاهر قوله وإيمانه, وسرائره نكلها إلى الله جل وعلا, وبيننا وبين دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم سداً منيعاً.
ثنتان لا تقربهما أبداً الشرك بالله والإضرار بالناس وكلما كان الإنسان سمحاً رءوفاً رحيماً بعباد الله الصالحين يقيل العثرة، ويعفو عن الزلة, ويقبل العذر, شفيقاً رحيماً بهذه الأمة كان أقرب إلى الله وأدنى من مجالس سيد الأولين والآخرين صلوات الله وسلامه عليه.
فإن والعياذ بالله قد ملئ قلبه حنقاً وبغضاً وظلماً وعدواناً ساقه ذلك إلى خزي الدنيا وإلى عذاب النار, أجارنا الله من هاتين الاثنتين, ومن كل سوء.
هذا ما تيسر إيراده ووفق الله جل وعلا إلى قوله, والله المستعان وعليه البلاغ.
وصلى الله على محمد وعلى آله, والحمد لله رب العالمين.
стр. 335
خواطر إيمانية
خواطر إيمانية تجلو عن القلب العمى، وتدفعه إلى تحصيل الثواب والتقى، تزيد إيمان المرء وتقوي همته، وتشد عزيمته وتبعد الشيطان عن طريقته، وتعمل كمحطة لتزويد الإنسان بالطاقة الإيمانية، والتي يحتاج إليها دائماً في سبيل نصرة الله تعالى ورسوله بالقول والعمل والاعتقاد، فيها بنا لنشحذ أنفسنا بهذه الطاقة، والله ولي الهداية والتوفيق.
стр. 336
خواطر إيمانية
стр. 337
الخاطرة الخامسة وفاته ﷺ
الخاطرة الخامسة أيها المؤمنون! وفاة رسولنا ﷺ : كم مر على أمة الإسلام من مصائب؟ وكم مر على أمة الإسلام من فترات؟ وكم رأى الناس من المدلهمات؟ وكم حل في بني آدم من النكبات؟ وكم فجع الناس بفقد ولد وحبيب؟ وكم خسر الناس من مال ونصب؟ ولكن كل الصيد في جوف الفراء.
أيها الأحبة! بعث الله جل وعلا رسولنا ﷺ لغاية واحدة عظيمة ألا وهي: نشر دين الله ﵎ وتبليغ رسالة الله ولقد قضى ﷺ حياته كلها في تحقيق هذه الغاية العظيمة، فلما تحققت الغاية على يديه صلوات الله وسلامه عليه لم يبق لحياته ﷺ داع؛ لأنه خلق لعظائم الأمور، وقد أنهى ذلك الأمر العظيم على أكمل وجه.
حج نبيكم ﷺ بالمسلمين حجة الوداع في العام العاشر من الهجرة ثم أشهد الناس ممن حضر خطبته وشهد حجه على أنه بلغ رسالة ربه على الوجه الأكمل فقال: (اللهم قد بلغت! اللهم فاشهد!)، ثم لما قضى ﷺ نسكه عاد قاصداً إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه.
فما أن عاد ﵊ إلا وأخذت الحمى تدب فيه شيئاً فشيئاً، والصداع ينتابه بين الحين والآخر حتى أخذ المرض يدب في جسده الشريف صلوات الله وسلامه عليه شيئاً فشيئاً، فلما أحس صلوات الله وسلامه عليه بدنو أجله وقرب رحيله أخذ في بعض الليالي غلامه أبا مويهبة، وتوجه صلوات الله وسلامه عليه إلى البقيع كالمودع لأهله، واستغفر الله لهم وقال: (ليهنكم ما أنتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها ثم قال يا أبا مويهبة: إن ربي خيرني بين أن أعطى خزائن الدنيا ثم الجنة ولكنني اخترت لقاء ربي والجنة، فقال له أبو مويهبة: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي اختر خزائن الدنيا ثم الجنة، قال: لا يا أبا مويهبة! إنما اخترت لقاء ربي والجنة).
فعاد ﷺ إلى بيته ثم أخذ ﵊ في الليالي التي سبقت صعود روحه إلى الملأ الأعلى أخذ ﷺ يعلم الناس كيف يقبلون على ربهم جل وعلا، فحذر أولاً من اتخاذ القبور مساجد وقال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، يحذر ما صنعوا، ثم خرج في اليوم التالي يقول للناس ويكشف عن ظهره: (من كانت له عندي جلد ظهر فهذا ظهري فليتقد منه)، ثم خرج ﷺ بعد ذلك يوصي بأن يقضى دينه ثم أخذ ﷺ يوصي الناس بالأنصار خيراً ويقول لهم: قد أدوا الذي عليهم وبقي الذي لهم فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم ثم أخذ ﷺ يصلي بالناس حتى رقى المنبر آخر ما رقيه صلوات الله وسلامه عليه.
فصعد المنبر وقال: (أيها الناس! إن عبداً خيره الله ما بين الدنيا ولقاء الله فاختار ما عند الله، فبكى أبو بكر رضي الله تعالى عنه وكان أعلم الصحابة وقال: بأبي أنت وأمي نفديك بأرواحنا وأنفسنا يا رسول الله! فقال ﷺ : على رسلك يا أبا بكر، إن من أمن الناس علي في صحبتي أبا بكر ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوة الإسلام ومودته، ثم قال: لا يبقين باب إلا سد إلا باب أبي بكر)، ثم عاد ﷺ إلى بيته وأخذ المرض يثقل عليه فاستأذن زوجاته في أن يمرض في بيت عائشة.
فبقي ﵊ وهو أكرم خلق الله على الله يمرض في بيت عائشة وقرب دنو أجله يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة، فكان همه ﵊ أن يودع الناس وقد عرفوا ربهم جل وعلا حق المعرفة وأقبلوا عليه جل وعلا حق الإقبال، فكان ﷺ يصلي حيناً ويتركها حيناً، ثم رأى تثاقل المرض عليه فأوصى أن يصلي أبو بكر بالناس.
فمكث أبو بكر يصلي بالناس حتى كان اليوم الذي سبق موته ﷺ فخرج إلى الناس يتهادى بين رجلين، فلما رآه أبو بكر تأخر قليلاً وصلى بصلاته، وصلى الناس بصلاة رسولنا ﷺ ، ثم عاد ﵊ راجعاً إلى بيته حتى اشتدت حرارته وغلبته الحمى، فصب عليه سبع قرب ﵊ رجاء أن يفيق فكان يفيق أحياناً ويغيب حيناً آخر.
ثم كان يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول صلوات الله وسلامه عليه فدخلت عليه ابنته فاطمة في ضحى ذلك اليوم فقربها إليه وأخبرها بخبرين بكت من الأول وضحكت من الثاني، أخبرها بأنه سيلقى ربه بمرضه هذا فبكت رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وأخبرها بعد ذلك أنها أول أهله لحوقاً به فسرت رضي الله تعالى عنها وأرضاها وأنها سيدة نساء أهل الجنة، ثم دخل عليه أسامة بن زيد وطلب منه أن يدعو له فلم يقدر صلوات الله وسلامه عليه أن يدعو له إنما أخذ يشير بالدعاء إشارة ثم اشتد ضحى ذلك اليوم فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر أخو عائشة على عائشة وفي يده سواك يتسوك به.
فأمعن ﷺ النظر إلى المسواك فعلمت عائشة أنه يريده فقضمته له ثم طيبته له ثم تسوك ﷺ ثم أشار بأصبعه الشريف إلى السماء وينظر إلى سقف البيت وهو يقول: (لا إله إلا الله إن للموت سكرات)، ثم قال: (بل الرفيق الأعلى بل الرفيق الأعلى)، ثم كان آخر ما ردد صلوات الله وسلامه عليه وهو مفارق الدنيا: (لا إله إلا الله، مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن ذلك رفيقاً، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، ثم مالت يده صلوات الله وسلامه عليه)، وأفضت روحه إلى ربه في الرفيق الأعلى والمحل الأسمى.
وانتقل ﵊ إلى جوار ربه وفاضت روحه وجسده بين سحر ونحر عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها فأرضاها، فما زادت على أن وضعته وأخذت تلطم خدها رضي الله تعالى عنها وأرضاها وكانت يومئذ شابة صغيرة لم تبلغ الثانية عشرة بعد وهي تندب رسولنا ﷺ ، وإذا بـ فاطمة تقول: يا أبتاه! أجاب رباً دعاه، يا أبتاه! إلى جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه! إلى جبرائيل ننعاه.
فثقل الأمر على الصحابة وسادهم الهرج والمرج حتى أقبل أبو بكر فأزاح الغطاء عن جسد رسولنا ﷺ الطاهر وقبله وهو يقول: طبت حياً وميتاً يا رسول الله! والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها في الدنيا، ثم صعد المنبر وقال قولته الشهيرة: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
فلما فرغ أصحابه من أمر الخلافة وكان ذلك في يوم الثلاثاء اليوم التالي لوفاته ﷺ غسلوه ﵊ دون أن يكشفوا له عورة، والذين تولوا غسله آل بيته علي بن أبي طالب، والعباس، ونفر من غلمانه صلوات الله وسلامه عليه، ثم إنهم بعد ذلك كفنوه في ثلاثة أثواب ﵊، ثم حفروا له في مرقده في بيت عائشة ﵊، ثم صلوا عليه قبل أن يدفنوه أرسالاً، أي: أفراداً، يدخلون من باب ويخرجون من باب آخر.
فصلى عليه أول الأمر قرابته من بني هاشم، ثم صلى عليه المهاجرون، ثم صلى عليه الأنصار، ثم صلى عليه عامة الناس، ثم صلى عليه النساء، ثم الصبيان، ثم العبيد، ثم بعد ذلك واروه ﷺ وهو أكرم الخلق على الله في التراب ودفنوه ونزل في قبره علي وقثم والفضل بن العباس ومولاه شقران، وأحد الصحابة من الأنصار يقال له: أوس، استأذن قرابته بأن ينزل في قبره صلوات الله وسلامه عليه.
وقد استعظم أصحابه أن يؤمهم أحد على جسده الشريف صلوات الله وسلامه عليه، فلذلك صلوا عليه آحاداً وأفراداً، ثم واروه التراب صلوات الله وسلامه عليه، وهنا يقول حسان: بطيبة رسم للنبي ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد معالم لم تطمس على العهد آيها أتاها البلاء فالآي منه تجدد عرفت بها رسم الرسول وصحبه وقبراً به واراه في الترب ملحد وما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يفقد وهل عدلت يوماً رزية هالك رزية يوم مات فيه محمد صلى الإله ومن يحف بعرشه والطيبون على المبارك أحمد فإنا لله وإنا إليه راجعون
стр. 338
الخاطرة الرابعة حين تطغى الشهوات
الخاطرة الرابعة -أيها المؤمنون- حين تطغى الشهوات: الله ﵎ معشر الأحبة! ذكر طائفة من الناس في كتابه بعث إليهم نبياً من الأنبياء هو لوط ﵊، وأخبر الله ﵎ عن تلك الفئة وأولئك الملأ: أن سكرتهم غلبت عليهم فأعمت بصائرهم وبصيرتهم، ورانت على قلوبهم فكانوا يأتون في ناديهم المنكر ولا يتورعون من أي عمل يفعلونه، وكان مصابهم الأعظم بعد إشراكهم بالله جل وعلا: أنهم كانوا يأتون الذكران من العالمين.
وخاطرتنا حين تطغى الشهوات تتحدث عن أولئك الملأ كيف أن الله جل وعلا انتقم منهم أعظم انتقام وأرسل عليهم: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود:٨٢]، الشهوة يا أخي! إذا طغت على صاحبها أعمته والعياذ بالله عن طريق الله جل وعلا، فأصبح كالبهائم لا يعترف بالعبادات ولا ينظر إلى التقاليد والعادات، البهائم عافانا الله وإياكم لها شهوتي البطن والفرج فإذا أرادت أن تأكل أو أرادت أن تتناكح لا تعرف أن تتوارى ولا أن تتزاوغ، والإنسان والعياذ بالله إذا غلبت عليه شهوته وطغت عليه شقوته أصبح كالبهائم.
ولذلك أخبر ﷺ في أشراط الساعة: أن الناس في آخر الزمان يتسافدون كتسافد الحمر، حتى إن الرجل -والعياذ بالله- ليفترش المرأة في الشارع، قال ﷺ : (وإن أعظمهم أمانة يومئذ من يقول له: هلا واريتها خلف الحائط)، والمقصود: أن الشهوات إذا طغت على بني آدم أغوتهم أيما إغواء، وصرفتهم عن طريق الحق، وأبعدتهم عن معالم الهدى.
والإنسان ينبغي عليه أن يكون في حرز مكين من أن تطغى عليه الشهوة.
نقول لكل من ابتلي بغلبة الشهوة: عليه أن يعلم ثلاثة أمور: الأولى منها: ألا يسمح لنفسه ولا لبصره أن يستمر في النظر إلى الشهوات فتلك الأفلام الخليعة وتلك الأغاني الماجنة وما يعرض على الشاشات من دواعي الفسق والمجون والزنا والفجور لا ينبغي للمؤمن أن يستسلم لها وأن يخلد بصره إليها؛ لأنه قطعاً بلا ريب ولا شك لن يأمن الفتنة على نفسه.
العاقل الحصيف لا يسلم نفسه إلى الشهوات ثم يسأل الله ﵎ بعد ذلك العصمة.
إن السلامة من سلمى وجارتها ألا تمر على سلمى وواديها الأمر الثاني: أن نعلم أن في طرائق الحق وما منحه الله ﵎ لعباده وما في هذا الدين من يسر وحنفية سمحة ما يشغلنا عن تلك الشهوات ويجعلنا في منئاً عنها، بعض الشباب يقول: إن لم أنظر إلى تلك القنوات وإن لم أتابع تلك الفضائيات وما يعرض فيها ماذا أصنع؟ نقول له بكل هدوء: ماذا كنت تصنع قبل أن تعرف تلك القنوات وتلك الفضائيات؟ ألم تكن بشراً يمشي على قدميه؟ ألم تكن رجلاً تسعى على بينة وهدى وبصيرة؟ ما الذي غيرك؟ غيرك أنك أسلمت نفسك إلى تلك المحارم غيرك أنك أسلمت لبصرك ولعينك الخلود إلى تلك الشهوات فاستمتعت بها، والنبي ﷺ يقول: (ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب)، وكما لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب في المال، لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب في قضية النظر وإدمان الشهوات.
الأمر الثالث فيما يحفظك بإذن الله من أن تسلم لنفسك الوقوع في تلك الحبائل: أن تعلم أن الله جل وعلا سائلك عن شبابك فيما أفنيته، سائل جوارحك عما صنعت، يقول ﷻ : ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢٤].
فما منا من أحد إلا وسيسأله ربه عن كل عمل عمله وعن كل أمر قدمه صغيراً كان أم كبيراً عظيماً أم حقيراً، أما أولئك القائمين على تلك القنوات والقائمين على تلك الفضائيات وأخص منهم من يعنى بنشر تلك الأفلام الخليعة والأغاني الماجنة فإننا في المقام الأول نسأل الله جل وعلا لهم التوبة وأن يردهم الله إليه رداً جميلاً.
أما المقام الثاني: فإن الله جل وعلا لا محالة سيسألهم عن هذه الفئة العظيمة من شباب المسلمين الذين سعوا في إضلالها، وسعوا في إفسادها، ولم يرقبوا الله ﵎ فيها، فإنهم سيحملون أوزارهم كاملة يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيء نعوذ بالله ﵎ من أن نكون أدعياء للشيطان معرضين عن دعوته ﵎ وهو يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
стр. 339
الخاطرة الثالثة الدعاء الخالد
الخاطرة الثالثة: الدعاء الخالد.
كلنا يعلم أن دعاء الله جل وعلا هو حقيقة عبادته، ودعاؤه ﵎ صنوان للقلوب وللنفوس، وانتظار للفرج، وقد قيل: إن أعظم العبادة انتظار فرج الله ﵎، ولقد سطر التاريخ الإسلامي عبر قرونه المديدة أدعية كثيرة أعج بها أصحابها إلى الله جل وعلا فتجاوزت حدود الأرض وعبرت آفاق السماء، واستظلت تحت ظل العرش، وأجاب الرحمن الرحيم دعاءها ونصر أولياءه، وقرب أصفياءه.
ولكننا سنقف اليوم أمام دعاء دعا به سيد الثقلين ﷺ ؛ لأن مناسبته مناسبة عظيمة يستحضرها المؤمن في كل آن وحين، فكلنا يعلم أن رسول الله ﷺ دعا قومه أول ما دعاهم في وحدة من الأمر وخلو من النصير، وغربة عن التوحيد.
فكان ربه جل وعلا قد أيده بشخصيتين؛ أيده بعمه أبي طالب رغم كفره، وأيده بزوجته خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فكان أبو طالب ظهيراً ونصيراً له في الملأ، وكانت خديجة عوناً له في الخلاء؛ لأنها ربة بيت، ثم شاء الله أن يقبض أبا طالب على كفره، وخديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها على إيمانها.
واشتد بعد وفاة أبي طالب أذى قريش لرسولنا ﷺ ، فأحب ﵊ أن يغير سبيل الدعوة، وأن يغير الوجوه التي يدعوها، فخرج ﵊ ومعه غلامه زيد بن حارثة إلى الطائف فلما خرج إلى الطائف وكله أمل ورجاء أن يستجيب أهلها له عرض دعوته على ثلاثة من زعمائها فسخروا منه أيما سخرية واستهزءوا به وهو عند الله بالمكانة العظمى، حتى قال أحدهم له: أما وجد الله أحداً يبعثه غيرك!؟ وقال آخر منهم: أنا أغير ثياب الكعبة إن كنت أنت نبياً.
فلما اشتد عليه الكرب طلب منهم ﷺ أن يكتموا عنه أمره، لكنهم لخسة في أنفسهم أبو فأغروا به السفهاء والصبيان، فكان ﷺ يمشي في طرقات الطائف، قال بعض أهل السير: ما كان ﵇ يرفع قدمه إلا ويؤذيه الصبيان بالحجارة ولا يضع قدمه الأخرى إلا يؤذيه الصبيان بالحجارة حتى أدميت عقباه وسال دمه الطاهر الزكي الشريف على أرض الطائف.
فلما اشتد عليه الكرب أعج ﷺ إلى ربه بدعاء خالد لما ضاق به أهل الأرض لجأ ﷺ إلى رب الأرض والسماء، لما أعرض أهل الأرض عن نصرته، لجأ ﷺ إلى العزيز الغالب أن ينصره فقال فيما سطره ابن إسحاق في السير وهو دعاء وإن لم يثبت سنداً على الوجه الأكمل إلا أنه والله الذي لا إله غيره جلال النبوة ظاهر على كل حرف فيه فضلاً عن كل كلمة، قال ﷺ وهو نازل من الطائف إلى مكة بعد ما لقي من أهلها ما لقي: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الرحمين! أنت رب المستضعفين، إلى من تكلني، إلى عدو يتهجمني، أم إلى بعيد ملكته أمري، إن لم يكن بك علي سخط فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل بي غضبك، أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك).
أعج رسولنا ﷺ بهذا الدعاء إلى ربه ﵎، فلننظر ما صنع الله به بعد هذا الدعاء لقد تتابع مدد الله لرسوله ﷺ ، وأنا اخترت أن يكون هذا الدعاء واسطة العقد في هذه الخواطر؛ لأن كثيراً منا قرأ هذا الدعاء في طيات كتب التاريخ وقرأه في دروس السير وربما سمعه ذات مرة في محاضرة أو من المذياع أو من التلفاز، ولكن القليل منا من وقف أمام الحكمة في هذا الدعاء.
هذا الدعاء أعقبه حدثان عظيمان الأول منهما: أن نبينا ﷺ بعد أن رجع من الطائف استفاق بقرن الثعالب فإذا بسحابة قد أظلته فإذا فيها جبرائيل ومعه ملك من الملائكة فسلم عليه جبرئيل وقال: يا محمد! إن ربك قد رأى صنيع قومك بك، وإن معي ملك الجبال يأتمر بأمرك فقال له ملك الجبال: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت الساعة، فقال أرحم الخلق بالخلق، وأنصح الناس للناس، وأعظم من دعا إلى الله ﷺ : (قال: لا، إني لأرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئاً)، والعبرة التي أريد أن أقف فيها مع هذا الدعاء وهذا الأثر: أن الله جل وعلا لما عجز أهل الأرض أن ينصروا نبيه عوضه بنصرة أهل السماء، إن الله جل وعلا لما رأى خذلان أهل الأرض لنبيه ﷺ عوضه بنصرة أهل السماء قبل ساعات معدودة يرفض أهل الأرض أن ينصروه، وبعد لحظات معدودة ينزل ملك كالمندوب من أهل السماء ليبين نصرة أهل السماء له صلوات الله وسلامه عليه.
الحدث الثاني: أنه مضى ﷺ متجاوزاً قرن الثعالب حتى وصل وادي نخلة وهو بين الطائف ومكة قريباً من مكة، فلما وصل وقف ﷺ في هدأة الليل يتهجد ويقرأ القرآن، فبعث الله جل وعلا إليه نفراً من الجن ليستمعوا إلى قراءته وكانوا على الصحيح سبعة من جن نصيبين وهي قرية بين العراق والشام، فاستمعوا له فلما استمعوا له آمنوا بدعواه، ولم يكتفوا بالإيمان بدعواه صلوات الله وسلامه عليه، بل انطلقوا في معالم الأرض وغرائبها يبلغون عن الله وعن رسوله ﷺ دعوته، قال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣٢].
والعبرة الربانية للخلق هنا: أنه ﷺ بعد أن رفض بنو قومه من الإنس أن يجيبوا دعوته عوضه الله جل وعلا بإجابة الجن لدعوته، في السابق خذله أهل الأرض فعوضه الله بأهل السماء وفي الثانية عوضه الله بعد استجابة بني قومه من الإنس إلا قليلاً منهم عوضه الله باستجابة الجن له صلوات الله وسلامه عليه، وهنا ننيخ المطايا كرة أخرى: إنه ينبغي أن يعلم كل منتسب لهذا الدين أن الله جل وعلا مظهر دينه لا محالة، ومعز جنده لا مفر من ذلك: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣].
هذا أمر قدري شرعي لا محالة سيظهر الله دينه إن لم يكن اليوم سيكون غداً وإن لم يكن غداً فبعد غد، وما زالت في كثير من ديار المسلمين خاصة في هذا الشهر معالم الإيمان ظاهرة وواضحة ولله الحمد فما يراه المؤمن من تكالب قوى الغرب ومن تسلط أهل الشهوات ومما يعيثه أهل الفساد في الأرض كل ذلك يا أخي! إرهاصات بأن الله سيتم كلمته ويعلي دينه وينشر لواء محمد ﷺ لا محالة، فما بعد العسر إلا اليسر ولا بعد الليل إلا الفجر، وتلك الساعات الحالكات التي قضاها نبينا ﷺ بعد أن عج إلى ربه بذلك الدعاء الخالد أعقبها النصر بعد النصر، وأعقبها الظفر بعد الظفر حتى أتم الله لرسولنا ﷺ دينه ونزل قول الله تعالى بعد سنين عديدة عاشها ﷺ صابراً محتسباً، أنزل الله قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]، فلا عذر بعدئذ لأي متخاذل، ولا عذر بعدئذ لأي مقصر.
إن نصرة دين الله جل وعلا من أوجب الواجبات ومن مقدمة الأولويات وليست نصرة دين الله في الحماس المفرط ولا في الكلمات الجوفاء ولا في إثارة الدهماء، إن نصرة دين الله جل وعلا في وضع الكلمة في موضعها الصحيح وفي وضع القدم اليمنى حين نجد مكاناً للقدم اليسرى وحين نخطو خطوات ثابتة واثقة على بينة من كتاب ربنا وعلى هدي من رسولنا ﷺ ، عندها يعز الله بنا دينه، ويرفع الله جل وعلا بنا دينه، ويعلي بنا بإذنه ﵎ كلمته.
стр. 340
الخاطرة الثانية إكرام الله لنبيه ﷺ
الخاطرة الثانية: إكرام الله لنبيه ﷺ بالنبوة.
معشر الأحبة! النبوة ليست أمراً ينال بالجهد ولا يكتسب بالسعي ولكن النبوة فضل من الله وعطاء.
والله ﷻ : ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة:١٠٥]، ولقد جرت سنة الله في خلقه أنه بعث إليهم رسلاً هم الواسطة بين الله وبين عباده أي: أنهم يبلغون عن الله رسالاته وينصحون له في برياته، هذا من نوح حتى ختم الله تلك الرسالات بمبعث ورسالة نبينا محمد ﷺ .
فنبينا هذا الذي ننتسب إليه ونتشرف أجمعين بأننا من أمته صلوات الله وسلامه عليه له عند الله الدرجة الرفيعة، والمنزلة العالية، والمقام الأسمى، وإننا لن نرزق حبه صلوات الله وسلامه عليه حتى نعلم الكثير عنه؛ لأن من يجهل سيرته من باب أولى ألا تكون محبة الرسول ﷺ كامنة في قلبه، وإن عدمت المحبة لا بد أن يعدم الاتباع؛ لأن الاتباع أصلاً مبني على المحبة والمحبة مبنية على العلم بسيرته ﷺ .
وهذه الخاطرة سنخصصها لما أكرم الله به رسولنا ﷺ حتى نكون على يقين إلى أي نبي ننتسب؟ وبأي نبي نقتدي؟ وإلى أي ملة ننتمي؟ أكرم الله رسولنا ﷺ بثلاثة مكارم: أكرمه قبل ولادته، وأكرمه حال حياته، وسيكرمه يوم القيامة صلوات الله وسلامه عليه.
فمن إكرام الله لنبينا قبل ولادته: أن الله ما بعث نبياً إلا وأخذ عليه العهد والميثاق أن يتبع رسولنا ﷺ إذا بعث، قال تعالى في آل عمران: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١].
وأكرمه بأن نبي الله إبراهيم لما وضع رحله وذريته في واد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم استقبل القبلة ودعا الله قائلاً: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:١٢٩]، فكان ﷺ يقول: (أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى، ورؤيا أمي حين وضعتني رأت أن نوراً ساطعاً يخرج منها أضاءت له قصور الشام)، وأما قوله: وبشارة عيسى فقد ذكرها الله في القرآن نصاً: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦].
فهذا بعض مما أكرم الله به رسولنا قبل ولادته يوم مبعثه، أما ما أكرم الله به رسولنا في حال حياته صلوات الله وسلامه عليه فإن ذلك كثير لا يحصى، ولكننا سنجمل بعضه؛ لأنه مما نحن ملزمون به في هذه المحاضرة، فمما أكرم الله به رسوله: أن الماء نبع من بين أصبعيه، وأن الحصى سبح بين يديه، وأن الجذع حن إليه فإنه لما صنع له المنبر صلوات الله وسلامه عليه وارتقى عليه أول الأمر إذا بالصحابة يسمعون لذلك الجذع الذي كان رسولنا يأوي إليه ويخطب عنده بالسابق يسمعون له أنيناً وحنيناً على فراق رسولنا ﷺ .
وأكرمه ربه جل وعلا برحلة الإسراء والمعراج فكانت تلك الرحلة الخالدة التي أسرى الله بها بنبينا ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فصلى ﷺ بالنبيين إماماً رغم أنه آخرهم مبعثاً، ثم عرج به إلى سدرة المنتهى، ثم جاوز سدرة المنتهى حتى وصل إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، قال شوقي: يا أيها المسرى به شرفاً إلى ما لا تنال الشمس والجوزاء يتساءلون وأنت أطهر هيكل بالروح أم بالهيكل الإسراء؟ بهما سموت مطهرين كلاهما روح وريحانية وبهاء تغشى الغيوب من العوالم كلما طويت سماء قلدت سماء أنت الذي نظم البرية دينه ماذا يقول وينظم الشعراء المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء صلى عليك الله ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلاء وجناء واستقبل الرضوان في غرفاتهم بجنان عدن آلك السمحاء أكرم الله جل وعلا رسولنا ﷺ في الدنيا بأن الصلوات الخمس أعظم فرائض دينه بعد الشهادتين فرضت عليه في السموات العلى وهذه إشارة عظيمة إلى أهمية الصلاة في دين الإسلام ولذلك عمر رضي الله تعالى عنه يطعن في المنبر فيتأخر إلى الصف ويقدم عبد الرحمن بن عوف ويقول لمن حوله: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة.
ومما أكرم الله به رسولنا ﷺ في الدنيا: أن الله أقسم في القرآن بحياته قال العلماء: ولا يعرف أن الله أقسم بحياة أحد من خلقه إلا نبينا ﵊، قال تعالى في سورة الحجر: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢]، وأقسم الله بالأرض التي يطأ عليها، ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:١ - ٤].
بل بالغ ربه في إكرامه حتى أقسم له أي: من أجله صلوات الله وسلامه عليه فقال ربنا: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:١ - ٢]، فأقسم بالضحى وأقسم بالليل حال تغطيته للكون، ثم بين جواب القسم فقال: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣]، فالله يقسم له أنه ما وعده وما قلاه وما هجره وما نأى عنه ﵎، بل هو له ﷺ مؤيداً وظهيراً ونصيراً صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا كثير مطرد وسنقف عندما أخبرنا به، أما إكرام الله لرسولنا ﷺ في الآخرة فإنه ﵊ أول من ينشق عنه القبر، وهو أول من يجيز الصراط هو وأمته، وهو ﵊ أول من يطرق باب الجنة، وهو ﵊ أول من يدخلها، كما أن ربه يعطيه يوم القيامة المقام المحمود الذي يغبطه عليه الخلائق أجمعون، كما أن الله يعطيه الوسيلة كما في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أن نبينا ﷺ قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي).
فهذا دليل على فضل إجابة المؤذن وعلى فضل سؤال الله الوسيلة لنبينا محمد ﷺ ودليل وبرهان واضح ظاهر لكل أحد على مقدار ما سيكرم الله به رسولنا ﷺ في عرصات يوم القيامة.
وهنا ننيخ المطايا لنقول لكم يا معشر الشباب خاصة: هذا نبيكم ﷺ فعلام أحدنا اليوم يتعبد بفعل المنحرفين الذين تتصدر صورهم وعناوين حياتهم أعمدة الصحف، وأغلفة المجلات، وطيات المنشورات لا يأبه الله جل وعلا بهم يوم القيامة، وليس لهم عند الله منزلة ولا مكانة، فعلى ما نعلق أفئدتنا؟ ونحيل أبصارنا إلى أمثال هؤلاء ونعرض عن هدي المعصوم ﷺ ؟ ونعرض عن هدي هذا النبي الكريم ﷺ الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
هذا النبي الذي كان يا أخي! رحيماً شفيقاً بي وبك، رحيماً بأبي وأبيك، رحيماً بأمي وأمك، حتى إنه ﷺ يضحي في يوم العيد بكبشين أملحين أقرنين فيسمي الله ويكبر على الأول ويقول: (اللهم هذا عن محمد وآل محمد، ويسمي ويكبر على الآخر ويقول: اللهم وهذا عن من لم يضحي من أمة محمد)، ولقد كان ﷺ حريصاً على أن يرانا، ويقول ﷺ -ولنا الشرف أنها تكتحل أعيننا برؤيته- يقول لأصحابه كما في صحيح ابن حبان: (وددت لو أني رأيت إخواني، قالوا: يا رسول الله ألسنا إخوانك؟! قال: بل أنتم أصحابي، ولكن إخواني لم يأتوا بعد، وأنا فرطكم على الحوض، قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو أن لأحدكم خيلاً غراً محجلة في خيل بهم أكان يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فإن إخواني يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء وأنا فرطكم على الحوض).
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يرزقنا وإياكم جوار نبينا ﷺ في جنات النعيم.
стр. 341
الخاطرة الأولى إذعان القلوب لعلام الغيوب
إن الحمد لله، نحمده حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، له الأمر كله، وله الحمد كله، وله الملك كله، وإليه جل وعلا يرجع الأمر كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا رب غيره، ولا إله سواه، يقدم من يشاء بفضله، ويؤخر من يشاء بعدله، ولا يسأله مخلوق عن علة فعله، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالاته، ونصح له في برياته، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، فجعله ربه بفضل منه ورحمة خير أهل أرضه وسماواته، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه، اللهم وعلى آله الأخيار، وأصحابه الأبرار، المبلغين عن الله دينه، والناشرين له كلماته، اللهم وأعنا معهم بمنك ورحمتك يا أرحم الراحمين! أما بعد: أيها المؤمنون! خواطرنا الإيمانية في هذا المساء المبارك ذات عنوانين رئيسة خمسة: ألا وهي إذعان القلوب لعلام الغيوب، إكرام الله لرسوله ﷺ ، الدعاء الخالد حين تطغى الشهوات، وفاة الرسول ﷺ ، هلم إلى التوبة.
وهذه الخواطر إيمانية وإن تنوعت عناوينها، وتعددت موضوعاتها، وتباين المراد منها، فإنما تنصب جميعاً في نهر الإيمان الكبير، وفي بحر اليقين بالله ﷻ ، وفي الطريق الموصل إلى رضوانه ﵎، وذلك مراد المؤمنين، وغاية المتقين بلا ريب.
معشر الأحبة! لقد جعل الله ﵎ الإيمان به قسيماً بين أهل الجنة والنار فقال ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ * كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٧ - ٢٩].
فهلم أيها المؤمنون! بقلوب لا تبتغي إلا وجه الله نستعين ربنا ﵎ في هذه الخواطر الإيمانية وأول هذه الخواطر: إذعان القلوب لعلام الغيوب ﷻ .
معشر الأحبة! إن الحديث عن الله ﵎ حديث عن خالق الكون بما فيه، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، حديث عمن يعلم السر وأخفى، حديث عن من يكشف الضر والبلوى، حديث عن من رد إلى يعقوب بنيه، وأرجع موسى إلى أمه، وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، حديث عمن بلغ محمد ﷺ دعوته، وأكمل له دينه، ونشر له ملته، وأعلن كلمته في الأرض، فما بقيت دار إلا ودخلها دين سيد الثقلين ﷺ .
الحديث عن الله أيها المؤمنون! له تخفق قلوب الموحدين، وله ترتجف قلوب المتقين؛ لأنه حديث عن خالقها ورازقها وبارئها ﵎، والحديث عنه ﷻ ينبغي أن يكون حديثاً محبباً إلى النفوس؛ لأنه ﵎ أحب إلينا من كل شيء: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨].
أما إذعان القلوب لعلام الغيوب ﵎ فإن من دلائل إذعان القلوب لربها ﵎ أمور ثلاثة: أولها: الاستسلام لأمره والانقياد له، وثانيها: التواضع له ﵎، وثالثها: خشيته جل وعلا في الغيب والشهادة.
أما الاستسلام لأمر الله والانقياد له: فإن الله ﵎ ضرب لهذا الأمر مثلاً في القرآن في أبي الأنبياء وسيد الحنفاء إبراهيم ﵊، فقال ﵎ عنه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣٠ - ١٣١].
لم يتردد ﵊ برهة واحدة ولم يسأل ربه كيف أسلم؟ وإلى من أتوجه؟ وعند من أدون اسمي؟ وعلام؟ وما الجزاء وعلام أذهب؟ وإلى من أغدو؟ ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١]، وهذا الأثر القرآني الذي حكاه الله عن انقياد إبراهيم واستسلامه أيدته السنة كما روى البخاري في صحيحه عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله جل وعلا أمر إبراهيم أن يختتن)، فبادر إبراهيم عندما أمره الله أن يختتن بادر ﵊ إلى القدوم ثم اختتن به.
وقد ورد في بعض الآثار كما ذكر ذلك الكثير من شراح هذا الحديث: أن إبراهيم ﵊ لما بادر إلى القدوم واختتن به أوجعه أشد الإيجاع، فأوحى الله تعالى إليه: (يا إبراهيم لم عجلت حتى يأتيك وحيي؟! فقال: يا رب! خشيت أن أؤخر أمرك)، فما أن أمره الله جل وعلا بالأمر إلا وأذعن واستسلم له وانقاد إليه دون أن يتردد ﵊ برهة واحدة في الإذعان لربه علام الغيوب ﷻ .
وهذا من أعظم الدلائل على ما فطر عليه إبراهيم ﵊ من الاستسلام لله، بعد هذا لا غرو ولا عجب أن نسمع في القرآن ثناء الله ﵎ على إبراهيم ونسمع في القرآن أن الله جل وعلا أخبر: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠]، ونسمع من رسولنا ﷺ : (أن إبراهيم أول من يكسى من الخلائق يوم القيامة)، فهذا الثناء العطر الذي أبقاه الله لإبراهيم في الآخرين، وما له عند الله جل وعلا يوم القيامة من منزلة عظيمة إنما نالها هذا العبد الصالح وهذا النبي التقي بإذعانه وانقياده واستسلامه لرب العالمين ﵎.
ومما يؤيد أن القلوب المؤمنة إنما تمتثل لأمر الله دون تردد أنه ورد في الآثار كما هو معلوم: أن الله جل وعلا خلق آدم من تراب قال الله ﵎: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم:٢٠]، ورد في الآثار مما جاء في تفسير هذه الآية الكريمة: أن الله جل وعلا لما أراد أن يخلق آدم من قبضة من الأرض بعث ملكاً من الملائكة ليقبض له قبضة من الأرض، فلما قدم هذا الملك إلى الأرض قالت له الأرض: أعوذ بالله منك، فقال: لقد عذت بعظيم! وعاد إلى ربه دون أن يقبض من الأرض شيئاً، فلما سأله ربه وهو أعلم بما صنع قال: يا رب! لقد استعاذت بك فأعذتها.
فبعث الله ملكاً آخر فلما وصل إلى الأرض وهم أن يقبض منها قبضاً كما أمره الله، قالت له الأرض: أعوذ بالله منك، فرجع إلى ربه، فلما سأله ربه وهو أعلم، قال: يا رب! استعاذت بك فأعذتها، فبعث الله ملكاً ثالثاً: فلما هم بأن يقبض من الأرض قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: وأنا أعوذ بالله ألا أنفذ أمره، فأخذ قبضة من الأرض وعرج بها إلى السماء.
والمقصود منه: الإذعان لأمر رب العالمين ﵎.
والذي ينبغي أن تفطر عليه قلوبنا وأفئدتنا وجوارحنا أن تستسلم لله وأمره، وأن تعظم ربها ﵎، يحكي الله جل وعلا في القرآن عن تعظيم ملائكته له فيقول ﵎ عنهم: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]، قال بعض الأئمة في تفسيرها: إن رسول الله ﷺ قال: (إن الله إذا أراد أن يتكلم بالوحي أخذت السموات منه رجفة شديدة، فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا، فيكون أول من يرفع رأسه جبرائيل ﵇، فإذا رفع رأسه أوحى الله إليه بالأمر بما شاء، فيمضي جبرائيل بالأمر على كل سماء، كلما مر على سماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟! فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير).
والغاية من هذا كله يا أخي! أن تذعن قلوبنا لعلام الغيوب ﷻ ، فنسمع النداء: حي على الصلاة! حي على الفلاح! فنبادر إلى المسجدن كما تقول عائشة لما سئلت عن رسولنا ﷺ : (ما كان يصنع في بيته؟ قالت: كان في مهنة أهله، فإذا سمع النداء مر كأنه لا يعرفنا)، أي: أنه يبادر ويسارع إلى الصلاة، نسمع أمر الله جل وعلا لنا بأن نذكره: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢]، فلا نعرج على ألسنتنا بالقيل والقال، ولا بالغيبة في المسلمين، ولا بالنميمة بينهم، ولا نردد قول فلان وفلان! من أهل الفن أو من غيرهم، وإنما نذكر ربنا جل وعلا مبادرة ومسارعة؛ لأنه بذلك أمرنا ﵎.
يسمع أهل الثراء منا أمر الله جل وعلا بالإنفاق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]، فيبادرون إلى الإنفاق طمعاً فيما عند الله، وإذعاناً لأمره ﵎ في المقام الأول.
وعلى هذا قف يا أخي! بقية الطاعات والمسارعة في الخيرات، ألا وإن من إذعان القلوب لعلام الغيوب ﷻ : التواضع لله ﵎، وأجمل ما يكون التواضع عند حلول النعمة، وحلول الظفر والنصر، وحلول المقصود والمراد، فهنا يظهر الإذعان لرب العالمين ﵎، ولن ينبئ الإنسان عن شكره لله واعترافه بأن ما لديه هو من فضل الله ﵎، وأن ما أصابه من نعمة إنما هو من ربه جل وعلا حتى يظهر لله ﵎ تواضعه.
فهذا نبينا ﷺ طرده قومه من مكة فدخلها بعد عشر سنوات من الهجرة، وبعد عشرين عاماً من بعثته ﷺ حوصر في شعب أبي طالب، واختفى في
стр. 342
واجبنا نحو حبيبنا ﷺ
معشر الأحبة! إن الحديث عن رسول الله ﷺ حديث لا يمكن أن تمله القلوب المؤمنة، ولا يمكن أن تسأمه النفوس المسلمة، إنه حديث عن أحب حبيب إلينا من الخلق، وعن أقرب قريب إلينا من الناس، حديث عن صفوة الله من الخلق، حديث عن رسول الحق صلوات الله وسلامه عليه.
وإنه من يريد أن يعلم أينما كان رسول الله ﷺ من قلبه فلينظر أين هو من سنته؟ فلينظر أين هو من الذود عن سنته؟ أين هو من الدعوة إلى دينه؟ أين هو من اقتفاء أثره؟ أين هو من التزام قلبه؟ صلوات الله وسلامه عليه.
كان ابن عمر رضي الله تعالى عنه يتوخى كل أمر يصنعه رسول الله ﷺ حتى كان يلبس النعل التي لا شعر لها، فلما كلم في ذلك قال: رأيت رسول الله ﷺ يلبس النعل التي لا شعر بها ويتوضأ بها ويصلي فيها، فإذا كان قد اتبعه حتى في النعل الذي يلبسه فما بالك إذاً في عظائم الأمور؟ إن محبة رسولنا ﷺ هي الدين وهي عين الملة؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه الطريق الأوحد إلى رضوان ربنا ﷻ .
فليست محبته فقط دموعاً في المحاجر، بل أمراً في سويداء القلوب، وإن كان ينبغي أن تكون كذلك، ولكن محبته ﷺ أن نجعل الناس كلهم وراء ظهورنا إلا من أحب واقتفى أثر محمد ﷺ ، فلا ننظر إلى زيد ولا عمر، ولا إلى مشغول ولا مغمور، وأن نحب الناس ونعاديهم على مدى تمسكهم بسنة محمد صلوات الله وسلامه عليه، حشرنا الله وإياكم في زمرته، وسقانا الله وإياكم من حوضه، وأنال لنا الله وإياكم من شفاعته، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
خاتمة المطاف وخاتمة الخواطر أيها المؤمنون! بعد هذا الذي سمعتموه: هلم إلى التوبة بعد هذا كله ما الذي ينبغي علي وعليك؟ ينبغي علينا أمر واحد: هو أن نسارع بلا تردد وأن نبادر بلا إحجام إلى أن نئوب إلى ربنا ﷻ ، لقد قالت اليهود يا أخي! في سالف الأزمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، والله ﵎ هو الغني حقاً وسائر خلقه فقراء إليه.
لا تظنن يا أخي! أن الله ﵎ عندما يدعوك إلى عبادته ويدعوك إلى أن تسجد له وأن توحده وأن تعظم أمره وتحجم عن نهيه إنما هو في حاجة إليك تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
بل إن الأمر كما أخبر أنبياؤه: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان:١٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥].
الله ﵎ يا أخي! أغنى الأغنياء عن الشرك جل وعلا، مستو على عرشه، بائن عن خلقه، لا تضره معصية العاصين، ولا تنفعه طاعة الطائعين، يبسط يده في النهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
فهلم أيها الأخ المؤمن! إلى توبة إلى ربنا ﷻ خاصة وأننا نتفيأ ظلال هذا الشهر الكريم وهذه الليالي المباركة، إننا لا ندري بما يختم لنا، ولا ندري إلى أي أمر نصير: ﴿أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٣]، فالسعيد كل السعادة من أعرض عن الشيطان، وأقبل على مولاه، وأسلم لله قلبه، وأسلم لله جوارحه، وأسلم لله دمعته، وأسلم لله محاجره، وأقبل على الله جل وعلا بقلب خالص، وتوبة ناصحة، وأوبة لا رجعة فيها، يستغفر ذنبه، ويرجو الله أن يمحو خطيئته، وأن يسبغ الله عليه رحمته، وأن يدفع الله ﵎ عنه نقمته.
كفانا ما خلا من أيام عمرت بالذنوب والمعاصي، وليال أظلمت بالذنوب والخطايا، ولنقبل أجمعين إلى ربنا جل وعلا، ولتعلم يا أخي! أن رحمة الله لا تضيق بشيء، يقول ﷻ : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦].
أسأل الله جل وعلا في خاتمة هذه الخواطر، وفي خاتمة هذه المحاضرة أن يمن علينا أجمعين بالتوبة النصوح والأوبة إليه إنه سميع مجيب، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأعتذر إليكم معشر الأحبة! إن أطلت، وعفواً إن قصرت، فما أردت إلا الإصلاح ما استطعت: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨].
стр. 343
محبة النبي ﷺ
رفع الله تعالى شأن رسوله ﷺ وأنزله منزلة عظيمة أورثت له جملة من الحقوق على أتباعه، ومن تلك الحقوق: محبته ﷺ التي سطر أصحابه والتابعون لهم بإحسان أكمل صورها وأعلاها، وللمتبع من بعدهم أن يحذو حذوهم في محبته بالإتيان بلوازمها العملية، ليجني بذلك أعظم الثمار ويتذوق بلسان قلبه حلاوة الإيمان.
стр. 344
منزلة النبي ﷺ
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا رب غيره ولا إله سواه، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، خلق خلقه أطواراً، وصرفهم كيفما شاء عزة واقتداراً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وأمينه على وحيه، أكرم به عبداً وسيداً، وأعظم به حبيباً مؤيداً، فما أزكاه أصلاً ومبتدا، وما أطهره مضجعاً ومولداً، صلى الله عليه على آله وأصحابه صلاة خالدة وسلاماً مؤبداً.
أما بعد: فإن من الدروس ما يحتاج قائلها إلى انتقاء في الألفاظ، وصياغة في العبارات، وبحث في المعاجم؛ حتى يسد بذلك خللاً في المعاني، وقصوراً في الغايات، وما يصاحب ذلك من المطالب التي تقصدها تلك المحاضرات.
إلا أن الحديث عن محبة النبي محمد ﷺ حديث تزهو به العبارات، وتجمل به الصياغة، فإذا كان قد ثبت أن النوق -وهن نوق- تسابقن إلى يديه الشريفتين ﷺ أيهن يبدأ بها لتنحر فإن الكلمات تتسابق أيضاً إلى أفواه قائليها إذا كان الحديث عن محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه.
سلوا قلبي غداة سلا وثابا لعل على الجمال له عتابا ويسأل في الحوادث ذو صواب فهل ترك الجمال له صوابا ولي بين الضلوع دم ولحم هما الواهي الذي ثكل الشبابا وكل بساط عيش سوف يطوى وإن طال الزمان به وطابا فمن يغتر بالدنيا فإني لبست بها فأبليت الثيابا لها ضحك القيان إلى غبي ولي ضحك اللبيب إذا تغابى جنيت بروضها ورداً وشوكاً وذقت بكأسها شهداً وصابا فلم أر مثل حكم الله حكماً ولم أر دون باب الله بابا أبا الزهراء! قد جاوزتُ قدري بمدحك بيد أن لي انتسابا فما عرف البلاغة ذو بيان إلا لم يتخذك له كتابا مدحت المالكين فزدت قدرا فلما مدحتك اقتدت السحابا فصلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه.
стр. 345
محبة النبي ﷺ في حياة المؤمنين
أيها المؤمنون! إن نبيكم أشار إلى القمر فانفلق ليكون شاهداً على نبوته، وأشار إلى الغمام فتفرق بأمر الله جل وعلا إكراماً لإشارته، وصعد على أحد فارتجف فرحاً به وبأصحابه، وترك الجذع حيناً فحن الجذع إليه وإلى كلماته وعظاته صلوات الله وسلامه عليه، فإذا كان هذا حال غيرنا معه، فما الذي ينبغي على المؤمنين من أمته به؟ لا ريب في أن المؤمنين به صلوات الله وسلامه عليه أولى بمحبته، وأجدر بطاعته، وأحق باتباعه، فما أكرمه من حبيب مصطفى، وعبد مجتبى، ورسول مرتضى.
منَّ الله جل وعلا عليه بأن جعله إلينا من الخلق أحب حبيب، وأكمل قريب، وأرسله الله جل وعلا رحمة للخلائق، فقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وهدى به لأمثل الطرائق، فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
ومحبته ﷺ حق من حقوقه على أمته، دل عليها العقل والنقل، وجاءت بها الأخبار والآثار، وتلبَّس بها السابقون الأولون من المؤمنين الأخيار، فقاموا بها حق قيام، وأدوها على نحو أتم ووجه أكمل.
ومحبة الناس قد تكون محبة ينتابها الإشفاق، كمحبة الوالد لولده ومحبة ينتابها الإجلال، كمحبة الولد لوالده، ومحبة يعتريها المشاكلة والاستحسان، كمحبة الناس بعضهم لبعض ممن يكمل في العين، ويرتفع قدره أما محبة المؤمنين لنبيهم ﷺ فإنها في مجملها محبة شرعية أوجبها الله جل وعلا علينا له صلوات الله وسلامه عليه، وقد دل عليها الكتاب، ودلت عليها أقواله صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤]، فبين جل وعلا أنه لا ينبغي لأحد أن يقدم شيئاً من متاع الدنيا ولا النفس على محبة الله، ثم على محبة رسوله ﷺ .
وقد تبين لكل أحد بما نص عليه العلماء -كـ القرطبي وغيره- أنه ما من أحد يؤمن بالله ﵎ وبنبوة محمد ﷺ إلا وفي قلبه محبة راجحة لنبينا ﵊، ولكن هذه المحبة يختلف الناس فيها، ويتفاوتون فيما بينهم في تحقيقها، فمنهم من ينال منها النصيب الأوفر، ومنهم -والعياذ بالله- من يرضى بالحد الأدنى، فكلما طغت الغفلة والشهوات نأى الإنسان بمحبته لرسوله ﷺ عنه، وكلما عظم ذكر الله والاتباع والطاعة علت تلك المحبة في النفوس، وسمت في الأفئدة، وارتقت في القلوب، فيقرب العبد بعد ذلك من ربنا غلام الغيوب.
стр. 346
محبة النبي ﷺ في حياة المؤمنين
أيها المؤمنون! إن نبيكم أشار إلى القمر فانفلق ليكون شاهداً على نبوته، وأشار إلى الغمام فتفرق بأمر الله جل وعلا إكراماً لإشارته، وصعد على أحد فارتجف فرحاً به وبأصحابه، وترك الجذع حيناً فحن الجذع إليه وإلى كلماته وعظاته صلوات الله وسلامه عليه، فإذا كان هذا حال غيرنا معه، فما الذي ينبغي على المؤمنين من أمته به؟ لا ريب في أن المؤمنين به صلوات الله وسلامه عليه أولى بمحبته، وأجدر بطاعته، وأحق باتباعه، فما أكرمه من حبيب مصطفى، وعبد مجتبى، ورسول مرتضى.
منَّ الله جل وعلا عليه بأن جعله إلينا من الخلق أحب حبيب، وأكمل قريب، وأرسله الله جل وعلا رحمة للخلائق، فقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وهدى به لأمثل الطرائق، فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
ومحبته ﷺ حق من حقوقه على أمته، دل عليها العقل والنقل، وجاءت بها الأخبار والآثار، وتلبَّس بها السابقون الأولون من المؤمنين الأخيار، فقاموا بها حق قيام، وأدوها على نحو أتم ووجه أكمل.
ومحبة الناس قد تكون محبة ينتابها الإشفاق، كمحبة الوالد لولده ومحبة ينتابها الإجلال، كمحبة الولد لوالده، ومحبة يعتريها المشاكلة والاستحسان، كمحبة الناس بعضهم لبعض ممن يكمل في العين، ويرتفع قدره أما محبة المؤمنين لنبيهم ﷺ فإنها في مجملها محبة شرعية أوجبها الله جل وعلا علينا له صلوات الله وسلامه عليه، وقد دل عليها الكتاب، ودلت عليها أقواله صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤]، فبين جل وعلا أنه لا ينبغي لأحد أن يقدم شيئاً من متاع الدنيا ولا النفس على محبة الله، ثم على محبة رسوله ﷺ .
وقد تبين لكل أحد بما نص عليه العلماء -كـ القرطبي وغيره- أنه ما من أحد يؤمن بالله ﵎ وبنبوة محمد ﷺ إلا وفي قلبه محبة راجحة لنبينا ﵊، ولكن هذه المحبة يختلف الناس فيها، ويتفاوتون فيما بينهم في تحقيقها، فمنهم من ينال منها النصيب الأوفر، ومنهم -والعياذ بالله- من يرضى بالحد الأدنى، فكلما طغت الغفلة والشهوات نأى الإنسان بمحبته لرسوله ﷺ عنه، وكلما عظم ذكر الله والاتباع والطاعة علت تلك المحبة في النفوس، وسمت في الأفئدة، وارتقت في القلوب، فيقرب العبد بعد ذلك من ربنا غلام الغيوب.
стр. 347
مواقف من محبته ﷺ في قلوب أتباعه
стр. 348
موقف أبي بكر الصديق ﵁ في طريق الهجرة
وإذا كان المؤمن ذا إنصاف فإن أول ما ينبغي عليه هو أن يتأسى بالأخيار، ولا جيل أمثل ولا رعيل أكمل من أصحاب محمد صلوات الله وسلامه عليه، ثم التابعون بإحسان من أهل القرون المفضلة، وقد ضرب أولئك الأخيار المثل العليا في محبتهم لنبينا ﷺ ، في محبتهم له حال حياته، ومحبتهم له بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه.
ولا يمكن لأحد أن يستشهد بأحد قبل سيد المسلمين أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فلقد كان لـ أبي بكر النصيب الأعلى والحظ الأوفر من كل خير في الأمة؛ لأن إيمانه -كما نص الشرع- عليه يعدل إيمان الأمة كلها، فقد قدم ماله ونفسه وما ملكته يداه وجاهه إجلالاً لله ومحبة لرسوله ﷺ ، فتأتي حادثة الهجرة وينال أبو بكر شرف الصحبة، فيمضي مع نبينا ﵊ في الطريق، فيرى منه النبي عجباً، فتارة يتقدم، وتارة يتأخر، وتارة يأتي عن اليمين، وأخرى عن الشمال، فيقول له ﷺ : (ما هذا يا أبا بكر؟! فيقول: يا نبي الله! أذكر الرصد فأمشي أمامك، وأخاف عليك الطلب فأمشي خلفك، وأتوجس من الكمين فأكون تارة عن يمينك وتارة عن شمالك).
стр. 349
موقف الأنصار ﵃ في يوم القدوم
ثم يدخل ﷺ المدينة ليضرب أهلها مثلاً أعلى آخر في حبهم لنبي الله ﷺ ، فيخرجون زرافات ووحداناً، رجالاً ونساءً، شيباً وشباناً، فيكبرون ويقول بعضهم لبعض: الله أكبر جاء محمد جاء محمد، وترتقي على أسطح المنازل بنات من بني النجار يضربن على الدف ويقلن: نحن بنات من بني النجار يا حبذا محمد من جار وقد ورد أنه ﷺ التفت إليهن وقال: (أتحببنني؟! قلن: نعم يا رسول الله! فقال ﷺ : وأنا كذلك أحبكن).
стр. 350
موقف خبيب عند الصلب
ثم يتتابع حال القوم في محبتهم لنبيه ﷺ ، والمحبة شيء في القلوب، ويعبر الإنسان عنها بما يقتضيه الحال، وما يمليه المقام، ففي ساحات الحروب كانوا يحيطون به دفاعاً عنه ﷺ ؛ لأن ذلك هو ما تمليه المحبة في وقتها، فإذا كان بين أظهرهم وجلسوا معه في مجلسه حفوا به، وغضوا أبصارهم عنه، وهابوا أن يتكلموا بين يديه، واستحوا أن يتقدموا بين يدي الله ورسوله، فإذا أصابهم الأذى وعرضت عليهم الدنيا لم يقبلوها رجاء أن يرضى عنهم الله ورسوله ﷺ .
فـ خبيب ﵁ يقدم ليصلب وليقتل، فيقول له قاتلوه من مشركي قريش آنذاك: أيسرك أنك في بيتك معافى وأن محمداً مقامك؟ فيقول ﵁ وأرضاه: لا والله لا يسرني ذلك، ولا أن يشاك محمد ﷺ بشوكة.
وهم مع ذلك رضي الله تعالى عنهم يعلمون أنه صلوات الله وسلامه عليه بشر أكرمه الله بالنبوة، وختم به الرسالة، فكانوا يأخذون عنه الدين، ويأخذون عنه العلم، ويتعلمون منه ما يقربهم إلى الله جل وعلا زلفى.
стр. 351
موقف الصديق على منبر رسول الله
فلما توفي صلوات الله وسلامه عليه تذكر من كان حياً بعده أيامه صلوات الله وسلامه عليه، فجاء أبو بكر إلى المنبر، وكان أبو بكر يعلم أن هذا المنبر طالما جلس وقام عليه رسول الله ﷺ ، فاستحيا أن يجلس في المكان الذي كان النبي ﷺ يجلس فيه، فنزل درجة ثم خطب في الناس قائلاً: إنكم تعلمون أن النبي ﷺ قام مقامي هذا فقال.
فغلبته عيناه، ولم يستطع أن يكمل.
ثم أعاد العبارة فغلبته عيناه فلم يستطع أن يكمل، ثم أعادها فغلبته عيناه فقال: إن رسول الله ﷺ قال: (إن الله ما أعطى أحداً شيئاً أعظم من العفو والعافية، فسلوها الله ثم أتم حديثه ﵁ وأرضاه.
فإذا قدر لأحدهم أن تدنو ساعة رحيله قال: غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه، صلوات الله وسلامه عليه.
وكان بلال يقدم بين الحين والآخر من الشام إلى المدينة، فإذا قدر له أن يرفع الأذان ومر على قوله: (أشهد أن محمداً رسول الله) ارتجت المدينة بالبكاء؛ لأن أذان بلال ذكرهم بالحبيب صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 352
مواقف من محبته ﷺ في قلوب أتباعه
стр. 353
موقف أبي بكر الصديق ﵁ في طريق الهجرة
وإذا كان المؤمن ذا إنصاف فإن أول ما ينبغي عليه هو أن يتأسى بالأخيار، ولا جيل أمثل ولا رعيل أكمل من أصحاب محمد صلوات الله وسلامه عليه، ثم التابعون بإحسان من أهل القرون المفضلة، وقد ضرب أولئك الأخيار المثل العليا في محبتهم لنبينا ﷺ ، في محبتهم له حال حياته، ومحبتهم له بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه.
ولا يمكن لأحد أن يستشهد بأحد قبل سيد المسلمين أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فلقد كان لـ أبي بكر النصيب الأعلى والحظ الأوفر من كل خير في الأمة؛ لأن إيمانه -كما نص الشرع- عليه يعدل إيمان الأمة كلها، فقد قدم ماله ونفسه وما ملكته يداه وجاهه إجلالاً لله ومحبة لرسوله ﷺ ، فتأتي حادثة الهجرة وينال أبو بكر شرف الصحبة، فيمضي مع نبينا ﵊ في الطريق، فيرى منه النبي عجباً، فتارة يتقدم، وتارة يتأخر، وتارة يأتي عن اليمين، وأخرى عن الشمال، فيقول له ﷺ : (ما هذا يا أبا بكر؟! فيقول: يا نبي الله! أذكر الرصد فأمشي أمامك، وأخاف عليك الطلب فأمشي خلفك، وأتوجس من الكمين فأكون تارة عن يمينك وتارة عن شمالك).
стр. 354
موقف الأنصار ﵃ في يوم القدوم
ثم يدخل ﷺ المدينة ليضرب أهلها مثلاً أعلى آخر في حبهم لنبي الله ﷺ ، فيخرجون زرافات ووحداناً، رجالاً ونساءً، شيباً وشباناً، فيكبرون ويقول بعضهم لبعض: الله أكبر جاء محمد جاء محمد، وترتقي على أسطح المنازل بنات من بني النجار يضربن على الدف ويقلن: نحن بنات من بني النجار يا حبذا محمد من جار وقد ورد أنه ﷺ التفت إليهن وقال: (أتحببنني؟! قلن: نعم يا رسول الله! فقال ﷺ : وأنا كذلك أحبكن).
стр. 355
موقف خبيب عند الصلب
ثم يتتابع حال القوم في محبتهم لنبيه ﷺ ، والمحبة شيء في القلوب، ويعبر الإنسان عنها بما يقتضيه الحال، وما يمليه المقام، ففي ساحات الحروب كانوا يحيطون به دفاعاً عنه ﷺ ؛ لأن ذلك هو ما تمليه المحبة في وقتها، فإذا كان بين أظهرهم وجلسوا معه في مجلسه حفوا به، وغضوا أبصارهم عنه، وهابوا أن يتكلموا بين يديه، واستحوا أن يتقدموا بين يدي الله ورسوله، فإذا أصابهم الأذى وعرضت عليهم الدنيا لم يقبلوها رجاء أن يرضى عنهم الله ورسوله ﷺ .
فـ خبيب ﵁ يقدم ليصلب وليقتل، فيقول له قاتلوه من مشركي قريش آنذاك: أيسرك أنك في بيتك معافى وأن محمداً مقامك؟ فيقول ﵁ وأرضاه: لا والله لا يسرني ذلك، ولا أن يشاك محمد ﷺ بشوكة.
وهم مع ذلك رضي الله تعالى عنهم يعلمون أنه صلوات الله وسلامه عليه بشر أكرمه الله بالنبوة، وختم به الرسالة، فكانوا يأخذون عنه الدين، ويأخذون عنه العلم، ويتعلمون منه ما يقربهم إلى الله جل وعلا زلفى.
следующие страницы →