← Джавами‘

Джавами‘ · id 37431

دروس للشيخ صالح المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (797 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

من جوامع الدعاء دعاء امرأة فرعون الدعاء الثالث: في جوامع الدعاء ما ذكره الله ﵎ على لسان تلك المرأة الصالحة الصادقة آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، فهذه المرأة عاشت في قصر كفري كان صاحبه ومالكه -وزوجها في نفس الوقت- رجلاً يزعم أنه الرب الأعلى قال تعالى: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وأي: ذنب وجرم بعد ذلك؟ ومع ذلك فإن الله إذا أراد بعبد خيراً، وأراد له فضلاً ومزية، لم تمنع الله عن ذلك الحجب، ولم تمنع الله عن ذلك الجن، ولم تمنع الله عن ذلك السلاطين، فدخل الإيمان في سويداء قلب هذه المرأة العظيمة المؤمنة، رغم أنها تسكن في قصر لا يوحد فيه إلا فرعون، ولا يأمر فيه إلا فرعون، ولا ينهى فيه إلا فرعون، لكن لما تملكها الإيمان بطل كل من حولها. وقد قال بعض أهل العلم: أن إيمان امرأة فرعون إنما كان بسبب تلك المرأة الماشطة! وماشطة امرأة فرعون ورد عنها حديث صححه بعض أهل العلم ونكاد نجزم بصحته: (أن النبي ﷺ لما عرج به مر بالسموات السبع فكأنه شم ريحاً طيبة، فقال لجبريل: ما هذا؟ أو ما هذه الريح الطيبة؟ قال: هذه ريح ماشطة ابنة فرعون، فقال ﷺ : وما ماشطة ابنة فرعون؟ قال: إن ماشطة ابنة فرعون كانت تمشط لابنة فرعون شعرها، فسقط المشط من يدها، فهمت لتتناوله وقالت: باسم الله. فقالت بنت فرعون: وما الله؟ قالت: ربي. قالت: ألك رب غير أبي؟ قالت: نعم. ربي وربك ورب أبيك الله فقالت الفتاة: لأخبرن أبي. قالت: أخبريه. فأخبرت أباها. فلما وضعها فرعون بين يديه قال لها: ألك رب غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله! فأمر بنقرة من نحاس أن تحمى وأمر بزيت يصب فيها، وأمر بأن ترمى فيه فقالت له: إن لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قالت: أن تجمع بين عظامي وعظام أبنائي فقال: ذاك لك لما لك علينا من الحق، فأخذ يرمي أبناءها على مرأى من عينيها واحداً بعد الآخر حتى بقي الرابع فقال: يا أماه! اصبري فإنك على الحق). فهذه المرأة العظيمة كانت سبباً -على ما نص عليه بعض أهل العلم- في إيمان امرأة فرعون، وامرأة فرعون لما كان يخرج بها لتعذب كان الله جل وعلا يريها منزلها في الجنة، فكانت تقول كما أخبر العلي الكبير عنها: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١]. وتأمل أيها المؤمن هذا الدعاء: إن العرب جرت العادة من كلامهم أن تقدم الفعل ثم الفاعل ثم المفعول به، ثم الباقي من مكملات الجملة، ولكنك إذا تأملت قولة امرأة فرعون تجد أنها قدمت مكملات الجملة على المفعول به: ﴿قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١] ولم تقل: رب ابن لي بيتاً عندك. قال العلماء: اختارت الجار ﷻ قبل أن تختار الدار، فجوار الله جل وعلا أعظم مما سواه، ومنزلته وهي الجنة أعظم ما طلبه المؤمنون من ربهم، فقولها هذا -رحمة الله تعالى عليها ورضي الله عنها- قول بليغ في الدعاء، وحري بكل مؤمن، ومؤمنة أن يكون من دعائه الذي يبتهل به إلى الله جل وعلا أن يدعو بهذا الدعاء: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١]. أما القول: ﴿وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ [التحريم:١١]، فهذا ليس بموجود، فدعاء الله به في هذا الوقت من الاعتداء في الدعاء. ومن الاعتداء في الدعاء: أن يسأل الله جل وعلا أموراً لا توافق الحال، أو يسأل الله جل وعلا أموراً أخبر الله أنها لم تكن. فمثلاً: أخبر الله جل وعلا أنه حرم الجنة على الكفار، فلو أن رجلاً يحب أحداً من أهل الكفر -أبيه أو أخيه قريبه أو ما إلى ذلك- وقد مات على الكفر الصريح، فلا يجوز شرعاً أن يقول: اللهم اغفر لفلان، وهو يعلم أنه كافر كفراً أكبر لا تأويل فيه، ولا خلاف بين أهل العلم فيه؛ لأن هذا مما لا يقع أبداً. أو كأن يقول رجل: اللهم اجعلني نبياً، فإذا سألته قال: أليس الله على كل شيء قدير؟ نقول: بلى. إن الله على كل شيء قدير، ولكن الله أخبر أنه لا نبي بعد محمد ﷺ : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] فسؤال الله النبوة بعد إخبار الله بختمها يعد من الدعاء الذي نص الله على حرمته، قال الله جل وعلا: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف:٥٦]. وقال الله ﵎: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] أي: الذين يعتدون في دعائهم كما بينا. والله تعالى أعلم.

стр. 282

من معاني الصداقة القطوف الثالثة: من معاني الصداقة. وهذا جانب يعنى بحال كثير من الناس رجالاً ونساءً، وبحال الكثير من الشباب اليوم. الإنسان بطبعه من الصعب والمشقة عليه أن يعيش وحيداً فريداً، فلابد له من خلة، ولابد له من خلطاء، ولابد له من أصدقاء، ولابد من أصحاب، وهذا أمر شائع ذائع يعرفه الصغير والكبير، إلا أن الناس من خلال استقرائهم للدهر ومعرفة الأيام زعم الكثير منهم أنه لا يوجد في الدنيا صديق وفي، بل إن العرب كانت ترى أن الصديق الوفي أمر مستحيل، فنسمع اليوم في خلال تعبيرات الناس أنهم يقولون: ثالث المستحيلات سابع المستحيلات، وما إلى ذلك!! المستحيلات المنصوص عليها ثلاث: الغول، والعنقاء، والخل الوفي. فالعرب تقول: إن الغول شيء يخوف به، وليس له وجود. والعنقاء طائر يخوف به، وليس له وجود. والخل الوفي: شيء يتمناه كل إنسان وهو غير موجود؛ وانظر إلى قول أحدهم: لما رأيت بني الزمان وما بهم خل وفي للشدائد أصطفي فعلمت أن المستحيل ثلاثة الغول والعنقاء والخل الوفي فهم يزعمون أنه لا يوجد خل وفي، وهذا في ظننا بعيد، وأعظم دلالة على بطلانه: صداقة النبي وصحبته لـ أبي بكر رضي الله تعالى عنه تلك الصحبة التي شهد الله بها، قال الله جل وعلا: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]. وصداقته ﷺ لـ عمر وغيره من الصحابة. ويوجد في واقع الناس اليوم كثير من الخلطاء الصالحين، ونحن نريد أن نبين بعض الوصايا لمن تكون بينهم صداقة ومحبة ومودة، لعل الله أن ينفع بها:

стр. 283

الوصية الأولى في الصداقة أول تلك الوصايا: أن يعلم أن كل صداقة ومودة ومحبة لا تقوم على أساس ديني مرتبط بالله جل وعلا، فإنها لابد أن تنتهي وتتلاشى ذات يوم، وإن بقيت فإنها لا تنفع في الآخرة في شيء، قال الله جل وعلا: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، فكل الأخلاء والأصدقاء والأصحاب يكونون يوم القيامة أعداءً لبعض، إلا من كانت صداقته مبنية على التقوى، والمتحابون في جلال الله يظلهم الله جل وعلا تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، كما في حديث أبي هريرة: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه). وينادى يوم القيامة: (أين المتحابون بجلالي؟) إلى غير ذلك مما هو مستفيض معروف في بيان فضل المحبة في الله جل وعلا.

стр. 284

الوصية الثانية في الصداقة الوصية الثانية: إذا أنشأ الله بينك وبين أحد إخوانك صداقة ومودة ومحبة، فاعلم أنها قد تزول ذات يوم، إما لعارض منك، وإما لعارض منه، وإما لعارض لا تملكه أنت ولا هو كالرحيل والسفر، أو تبدل الأيام، أو ما إلى ذلك مما يصعب حصره. لكن ما واجبك بعد أن يتغير الود وتتبدل المحبة؟ فإنه لابد قطعاً أن يكون قد مضى فيما بينكما أيام القرب والوصال والمحبة والوئام أسرار، وسفر ورحيل، وشيء من الهنات والزلات والأمور التي لا مفر منها، فإنك لا تخلو من أن تكون أحد رجلين: إما رجل يمشي ويحدث بما كان في أخيه من أخطاء، وهذا أمر لا يليق بالأحرار، ولا يليق بالشرفاء، ولا يليق بذوي المعدن الأصيل من الناس. وإما أن تمشي وتحدث بأحسن ما سمعت من أخيك، وأحسن ما رأيت من صحبته، وأجمل ما لقيت من خلته، فهذا هو طبع الأحرار، وهذا هو دأب الشرفاء، وهذا هو نعت الأبرار. إن الكريم إذا تغير وده ستر القبيح وأظهر الإحسانا إن كان ولابد أن تخبر فلا تخبر إلا بما هو خير، لكن أن يذكر خليلك السابق، أو صديقك الماضي في مجلس، وتبطن على ما قيل فيه من عثرات، أو تثبت على ما هو فيه من أخطاء، فإن هذا يجمع بين الغيبة -وهي محرمة شرعاً- ولؤم الطبع، وحري بي وبك أن ننأى بأنفسنا على أن نكون من اللئام! فهذا أمر ينبغي للأخ المؤمن أن يجتنبه كل الاجتناب، ولا يحدث عن إخوانه المؤمنين إلا بأمر حسن.

стр. 285

الوصية الثالثة في الصداقة ثالثة الوصايا: اعلم أن الود والمحبة ليس من شرائطه الالتزام الكامل، فبعض الشباب إنما يقيس محبة أخيه له بمدى تعلقه به وغدوه ورواحه معه، فإما أن تكون معي أربعاً وعشرين ساعة، وإلا فإنك لست خليلاً ولا محباً، بل تكون شخصاً مبغضاً. فنقول: إنه لا يخلو كل فرد من خاصة في نفسه، وانقطاع إلى أهله، وشئون يحب أن يقضيها بمفرده، فأعط أخاك المؤمن فرصة في أن يبقى في بعض أوقاته وحيداً دون أن تكثر عليه من الغدو والرواح، ولا تظنن يوماً من الدهر أن غدوك ورواحك وانقطاعك إليه ساعات كثيرة متواصلة هو السبب في أن يكون محباً لك، إن من لم تغرس لك المحبة في قلبه لن يغرسها غدوك ورواحك، فإن حياة القلوب غير حياة الأبدان. وقد زعموا أن المحب إذا دنا تسلى وأن القرب أوهن للود ولكن تدانينا فلم يشف ما بنا على أن قرب الدار خير من البعد على أن قرب الدار ليس بنافع إذا كان من تهواه ليس بذي ود فلو ألصقت بيتك ببيته، وجعلت له مكاناً ثابتاً في سيارتك، ولكن ليس لك في قلبه محبة أو مودة أو مكانة، فإن ذلك لن يغير من الأمر شيئاً.

стр. 286

الوصية الرابعة في الصداقة الوصية الرابعة: وقد تكون لشباب الصحوة خاصة. الله جل وعلا نشر العلم على ألسنة كثير من العلماء والدعاة، وأولي الفضل، وغرس الله لهؤلاء العلماء والدعاة وأولي الفضل محبة في الصدور، فقد تحب من لا أحبه، وقد أحب أنا من لا تحبه أنت، فلا يكون هذا الاختلاف سبباً للخلاف بيننا، أي: فإما أن يكون شيخك شيخي، أو شيخي شيخك، وإلا افترقنا، فهذا من الجهل المنتشر بين الناس. فقد تجد الرجل يعجب بأخيه، ويفرح بوده، ويثني عليه من كريم صفاته، وجميل معدنه، وعظيم خلته، وما فيه من عطاء وأريحية وشهامة ونخوة، فلماذا تبغضه؟ قال: إنه يحب فلاناً من العلماء، أو يود فلاناً من الدعاة، أو يميل إلى فلان. وليس من شروط محبتك للناس أن تأسر قلوبهم، وتقيد فكرهم، وتحبس ألسنتهم، فلا يقولون إلا ما تريد، هذا أمر مفتوح كل من الناس يقتنع بزيد أو بعمرو، أو يحب فلاناً، أو لا يحب فلاناً، اللهم إلا إن رأيت فيمن أحبه خطأً ظاهراً واضحاً لا يقبل التردد، فعندئذ تذكره من باب النصيحة فقط، لكن ليس لك ولا لغيرك باب الإلزام أبداً أياً كان ذلك الشخص المحبوب، إلا أن يكون ذلك الشخص المحبوب كافراً، فإن هذا من الولاء غير الشرعي الذي لا يجوز إقراره بأي حال من الأحوال.

стр. 287

الوصية الخامسة في الصداقة الوصية الخامسة: أن الصحوة قد صاحبها خلاف فقهي، ومعلوم أن الاختلاف في الفروع الفقهية جائز، فكون شخص من الناس يتبنى مسألة فقهية ويعتقدها ويدين الله بها، بينما لا تتبناها أنت، أو لا تراها، فليس هذا موجباً للبغضاء، ولا موجباً للعداوة، ولا موجباً لانقطاع الخلة. قيل: إن الشافعي رحمة الله تعالى عليه جادل في مسألة علمية المحدث الشهير إسحاق بن راهويه، فكان الشافعي يرى أمراً، وإسحاق يرى أمراً آخر، فجلسا للمجادلة، فلما قاما اقتنع إسحاق برأي الشافعي، واقتنع الشافعي برأي إسحاق، فمضيا مختلفين كما بدآ؛ لكن التجرد لله جعل كلاً منهما يقبل الحق من أخيه! فلا يضرك أن تمشي مع إنسان لا يرى أن تارك الصلاة كافر، فمثلاً: قضية كفر تارك الصلاة الحق الشرعي الذي ندين الله به أنها مسألة خلافية، وليس هناك إجماع بين أهل العلم عليه، فالذين قالوا بأن تارك الصلاة كافر لهم أدلة، والذين قالوا إن تارك الصلاة لا يكفر لهم أدلة ظاهرة واضحة، ويكفيهم دليلاً أن النبي ﷺ قال في حديث أبي سعيد الخدري: (وعزتي وجلالي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله). وليس هذا موطن الفصل في هذا الأمر، ولكن موطن الفصل: أن طائفة من أهل العلم كـ الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك قالوا: بأن تارك الصلاة لا يكفر، وذهب أحمد وغيره من أئمة الحديث إلى أن تارك الصلاة يكفر. فكون أخيك المؤمن تبنى رأياً من أحد هذين الرأيين ليس موجباً للقطيعة! ومنها: هل في حلي المرأة زكاة أو لا؟ هذه مسألة خلافية معروفة، فكون الرجل يرى هذا الرأي، أو لا يراه لا يقدح في خلته، ولا يقدح في إمامته، ولا يقدح في منصبه الديني. وكذلك كون الرجل يسمع أناشيد أو لا يسمع، فالأناشيد حسنها حسن، وباطلها باطل، فمن أهل العلم من خاف على الأمة أن تغرق في الأغاني فرأى أنها أقرب إلى الحرمة، ومن أهل العلم من قال إن الحق مع أصحاب الأصل، والأصل هو: الإباحة، ولم يقم دليل شرعي ثابت على أنها حرام، فلا يرى بأساً في سماعها، فمن السفه أن يكون هذا موطن خلاف، بل إنني أجزم أنه من نزغات الشيطان أن يكون هذا الأمر موجباً للخلاف. قلت لأحد الناس: ألا تسافر مع فلان؟ قال: أعوذ بالله! ولا أعرف منهما إلا الفضل، فتعجبت لم؟ قال: فلان يسمع أناشيد. قلت: وأنت؟ قال: أنا لا أسمعها. قلت: اعلم مبدئياً أن لكل منكما دليلاً، ولكن لا يمنعه ذاك من أن يصحبك، ولا يمنعك من أن تصحبه في سفره، فهذا من نزغات الشيطان، إذا كنا نتعادى في أمور كهذه ونختلف، ونتفرق بأنفسنا، فما يكون حال فيمن لا يقول لا إله إلا الله، إذا سلم منه أهل الكفر، وأهل الملل الباطلة، والعقائد الفاسدة، من جزم الله بكفرهم إن بقوا على ما هم عليه، وتفرغنا لزيد وعمرو مما يأتينا بمسألة فقهية. ولو فرضنا أن صاحبك تخلى عن مبدئه وقال بقولك، فهل هذا يرفع الخلاف في الأمة؟ الجواب لا يرفع الخلاف. الآن لو أتى أعلم أهل الأرض مثل سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز فرجع عن قول من أقواله، فهل رجوع الشيخ اليوم عن قول من أقواله سيرفع الخلاف في الأمة كلها؟ الجواب لا الشيخ عبد العزيز ولا غيره يقول بهذا، فإن الخلاف مضى وانتهى، ودون في كتب، فليس قول أحد اليوم بمزيل لذلك الخلاف. فالأمر أهون وأقل شأناً من أن نتعادى وأن نتباغض فيه، وأن نجعله موهناً للأخوة، وأن نجعله سبباً للتفكك، وسبباً للقدح، إن هذه الألسنة يجب أن تقول الحق أو تسكت، قال ﷺ : (قل خيراً أو اصمت). ولذلك فإن القدح في العلماء من أعظم ما يجلب الحسرات، وتذرف من أجله الدموع، وقد ينعت أحد العلماء بقول قائل: فلان عالم شهير، لكنه لا يدرك فقه الواقع، أو لا يعلم عن فلان وفلان شيئاً. وهذا من الجهل بعينه، وهل يلزم من العلم الشرعي أن يكون الإنسان عالماً بكل الناس؟ هذا مستحيل! والله لا يوجد أحد يعلم جميع الناس. وحتى يكون الأمر أوضح فقد قال الله جل وعلا في حق النبي ﷺ : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١]. قال الإمام الذهبي رحمة الله تعالى عليه: إذا كان نبي الأمة قد خفي عليه حال أقوام في مدينته، فما يضير العالم إن خفي عليه أحوال أقوام في دولته، أو في بلده، أو في العالم الإسلامي كله، ليس هذا بقادح شرعي، متى كانت مثل هذه الأمور سبباً في أن يقدح في أولئك العلماء، أو أن يقلل من مناصبهم الدينية والشرعية، وما أفاء الله عليهم من علم شرعي. واعلم أنه لا يوجد أحد في الذين غبروا ومضوا، ولا في الحاليين، ولن يكون بعدهم رجل يعرف أحوال الناس كلهم فرداً فرداً، فيعرف أن هذا على حق، وهذا على باطل، هذا ما كان لنبي الأمة صلوات الله وسلامه عليه، وهو في المقام الرفيع والعصمة المعروفة، ووحي الله تعالى إليه، فلن يكون إذاً لغيره كائناً من كان! كذلك مما نوصي به في قضية الصداقة أن يكون صديقك أحرى الناس بفضلك، وأولى الناس ببشاشتك. بعض الناس لين القول سليم الصدر لمن حوله من بعيد، لكن إذا جلس في مجلس لا يجد أحداً يخطئ عليه، ويقلل من شأنه، ويمزح معه أكثر من اللازم -بالتعبير العامي- إلا صديقه، فيقول: لم تأخرت يا فلان؟ ويقول: هذا الذي ما جاءني إلا الساعة الخامسة! فنقول: هذا الوحيد الذي أكرمك ومر عليك، فإن كان في إنكارك حق فامدح به الذي مر عليك، يعني: جميع الحاضرين ليس فيهم أحد مر عليك، فتأتي إلى رجل كان سبباً في وصولك، واستعمل سيارته في خدمتك، فتلومه وتعتب عليه، وتفضحه على رءوس الأشهاد، إذا كان الإنسان القريب منك ينال عثرة، فمن ينال -إذاً- خيرك وفضلك، ومن ينال ما فيك من خصال طيبة، وصفات حسنة! فليكن إحسانك وإكرامك لطريقك، واعلم يا أخي أنك إذا أكرمت أخاك وصديقك على ملأ من الناس أكرمك الناس وأكرموا صديقك، وإن أهنت صديقك فلن يبقى لصديقك توقير ومكانة بين الناس؛ لأنهم يقولون بلسان الحال والمقال: لو كان فيه خير لعرفه من يصاحبه، لعرفه من يؤاخيه، لعرفه من يغدو ويروح معه. وأن تذم خليلك وصديقك بين الناس، هذا والله هو الجهل بعينه، بل إذا قدم إليكما فنجان قهوة، فمن باب الإظهار للناس أنك تعزه وتكرمه فلا تأخذه قبله، ولو من باب الإيماء والإشارة. وإذا سُئلت مع من تذهب فليكن من قدم معك أولى الناس بأن تختاره، أما أن يجعل الإنسان صديقه المقرب الذي يأوي إليه بعد الله جل وعلا بعيداً عنه في الناس فما فائدة أن يمدحه في الخلاء ويذمه على الملأ؟ هذا لا يقبله أحد.

стр. 288

منزلة الشعر العربي وأغراضه

стр. 289

منزلة الشعر عند العرب القطوف الرابعة: الشعر: الشعر عرفته العرب في جاهليتها وإسلامها وإلى اليوم، وقد نقل عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه سمى الشعر: ديوان العرب، وقد كانت العرب في جاهليتها لاعتنائها بهذا الأمر تقيم أسواقاً يتنافسون بها في الأشعار، والخطب والأمور الأدبية، ومن أشهر أسواقهم كما هو معروف عكاظ والمجنة، وذي المجاز، فكان الشعراء والخطباء يقولون فيها ما يحفظونه وما ألفوه من شعر ونثر، وقد بلغ عنايتهم بهذا الأمر أن ما ظهر وبرز من شعرهم كانوا يكتبونه بماء الذهب، ويعلقونه على الكعبة، ومن ذلك ما نعت وسمي بالمعلقات. والشعر العربي له بحور تسمى بحور شعرية، وهي ستة عشر بحراً شعرياً، أول من صنف فيها وبوبها وأبانها وأظهرها للناس العلامة الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمة الله تعالى عليه. وكان هذا الرجل على قدر كبير من الذكاء، فإنه مر بسوق النخاسين ممن يعملون في النحاس، فأخذ ينظر إلى النغمات النحاسية الصادرة عنها، فقرنها بشعر العرب، فكان أن ألف علماً استجده وهو علم العروض، حتى أنه كان يذهب يقطع الأبيات الشعرية في بيته، فرآه ولده، فظن أن فيه مسّاً من الجنون، فأخبر أهله بأن أباهم قد جن، فقال الخليل رحمة الله تعالى عليه وكونه قد بلغ من العلم والفضل ما بلغ: لو كنت تعلم ما أقول عذرتني أو كنت أجهل ما تقول عذلتك لكن جهلت مقالتي فعذلتني وعلمت أنك جاهل فعذرتك أي: لو كنت تدري ما أصنع لما لمتني، ولو كنت لا أعلم أنك جاهل للمتك، لكن جهلت أنت ما أعلم فلمتني، وعلمت أنك لا تعلم فعذرتك! الشاهد: هذه القصائد الشعرية تسمى عند العرب بالشعر الغنائي، وليس معنى قولهم: (الشعر الغنائي) أنه يغنى، ولكن عندهم شعر غنائي هو الشعر الذي تعرفونه، وعندهم شعر قصصي وهو ما يكون على هيئة قصة، والشعر المسرحي -وهذا حديث- وهو ما يكون على هيئة مسرحية، وشعر يكون أحياناً على هيئة مطولات. والذي يعنينا منها الشعر الغنائي الذي عرفته العرب، ولكون الشعر ذا منزلة عظيمة عند العرب بين الله أن كتابه المبين الذي نزل على قلب محمد ﷺ ليس من الشعر في شيء، حتى لا يظن العرب أن النبي ﷺ كان شاعراً كما زعموا، قال الله جل ذكره: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس:٦٩ - ٧٠].

стр. 290

مدح الفرزدق لزين العابدين وللشعر أغراض، فمنه شعر الغزل بقسميه العذري والإباحي، ومنه المدح، ومنه الرثاء، ومنه الوصف، ومنه الحكمة وما إلى ذلك، ولعل من أظهره عندهم شعر المدح، ولا ريب أنه إذا كان الممدوح عظيماً والشاعر متمكناً، كان ذلك أقوى في أن تكون القصيدة مقبولة عند الناس، لكن إذا كان الممدوح دون حق المدح، فإن القصيدة لابد أن يظهر فيها شيء من الجناس، وهذا أمر معروف مشتهر. ومن أشهر قصائدهم في المدح في عصر بني أمية مثلاً: أن هشام بن عبد الملك رحمة الله تعالى عليه خليفة المؤمنين المعروف حج ذات مرة، ويظهر أنه حج في عهد أبيه عبد الملك بن مروان، فلما أراد أن يقبل الحجر الأسود وكان الناس لا يعرفونه لم يفسح له أحد المجال، فقبله على زحمة من الناس ثم مضى إلى جانب الكعبة، فجاء زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، فلما أراد أن يقبل الحجر عرفه الناس، فانزاحوا عنه وأفسحوا له الطريق حتى قبل الحجر، فلما رأى ذلك هشام أراد أن يصرف وجوه أهل الشام عن زين العابدين علي فقال من باب التهكم -وهو يعرف زين العابدين - قال: من هذا؟ يريد أن يبين أن هذه شخصية نكرة من النكرات، فكان من سوء حظ هشام أن الفرزدق كان موجوداً عند البيت، فارتجل تلك القصيدة التي يمدح بها زين العابدين قال: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا النقي التقي الطاهر العلم وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم كلتا يديه غياث عم نفعهما يستوكفان ولا يعروهما عدم سهل الخليقة لا تخشى بوادره يزينه اثنان حسن الخلق والشيم ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم مشتقة من رسول الله نبعته طابت مغارسه والخيم والشيم هذا ابن فاطمة إن كنت تجهله بجده أنبياء الله قد ختموا إلى آخر ما قال رحمة الله تعالى عليه. فلما قالها انصرفت وجوه الناس من هشام إلى زين العابدين بن علي، وكانت تلك القصيدة سبباً في أن هشاماً سجن الفرزدق؛ لأنه مدح زين العابدين علي على ملأ من الناس.

стр. 291

مدح حسان لرسول الله ﷺ على أنه ما مدح أحد أعظم من رسولنا ﷺ ، وذلك أن شخصيته ﵊ أهل لأن تمدح، فإن الله جمع الكمال البشري كله في شخصية هذا النبي العظيم صلوات الله وسلامه عليه، قال حسان: فما حملت من ناقة فوق رحلها أبر وأوفى ذمة من محمد ونقل عن حسان قوله في مدح رسول الله ﷺ : وأجمل منك لم تر قط عيني وأعظم منك لم تلد النساء خلقت مبرأً من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 292

مدح شوقي للرسول ﷺ وممن مدح النبي ﵊ في عصرنا الحاضر أمير الشعراء شوقي، وكان شوقي -والحق يقال- قد أوتي فصاحة وبلاغة شعرية كتابية، أما لفظياً فإن شوقي لم ينقل عنه أبداً أنه يلقي قصائده على الناس، بل إنه كان يأمر غيره أن يقرأها على الناس، والذي أحفظه من شعره أن شوقي لم يقرأ إلا قصيدة واحدة من قصائده ارتجلها لعدم وجود القائل، أما غيرها فقد كان غيره من الناس يقرؤها، وهذا ليس له دخل في الباب إلا من باب الفائدة. أقول: إن شوقي رحمة الله عليه رغم قدرته الشعرية إلا أنه لم يؤت باعاً علمياً، فلذلك صاحب قصيدته شيء من الخلل العقدي، وأظن أن شوقي لم يكن يفقه ما يقول من الناحية العقدية؛ أولاً: لأنه شاعر. ثانياً: أن الحقبة التي عاش فيها شوقي -ومعلوم أنه توفي عام ١٩٣٢م- لم تكن حقبة ذات علم غزير، فإن الناس ما زال اليوم منهم من يخطئ في أمور العقيدة فضلاً عن تلك الحقبة وإن كان ذلك ليس عذراً له. الشاهد أن مما قاله شوقي في النبي المعصوم الصادق المصدوق ﷺ قوله: فإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء وإذا خطبت فللمنابر هزة تعرو الندي وللقلوب بكاء وإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاء وإذا قضيت فلا ارتياب كأنما جاء الخصوم من السماء قضاء وإذا بنيت فخير زوج عشرة وإذا ابتنيت فدونك الأبناء وإذا حميت الماء لم يورد ولو أن القياصر والملوك ظماء يا أيها المسرى به شرفاً إلى ما لا تنال الشمس والجوزاء يتساءلون وأنت أطهر هيكل بالروح أم بالهيكل الإسراء بهما سموت مطهرين كلاهما روح وريحانية وبهاء تغشى الغيوب من العوالم كلما طويت سماء قلدتك سماء أنت الذي نظم البرية دينه ماذا يقول وينظم الشعراء المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء صلى عليك الله ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء واستقبل الرضوان في غرفاتهم بجنان عدن آلك السمحاء والحق أنها من أجمل الشعر وأعذبه، لما تضمنته من أوصاف بليغة في حق الصادق المصدوق ﷺ . وقد أجاد شوقي في قوله في قصيدة أخرى: أبا الزهراء قد جاوزت قدري بمدحك بيد أن لي انتسابا فما عرف البلاغة ذو بيان إذا لم يتخذك له كتابا مدحت المالكين فزدت قدراً وحين مدحتك اقتدت السحابا صلوات الله وسلامه عليه بكرة وأصيلاً.

стр. 293

مدح حافظ إبراهيم لعمر بن الخطاب ﵁ كما إن ممن أثني عليه ومدح في العصر الحاضر وهو شخصية سابقة ما قاله حافظ إبراهيم رحمة الله تعالى عليه في حق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. فـ عمر أحد أعلام المسلمين العظام، شهد له النبي ﷺ بالجنة فقال: (عمر في الجنة). وثبت عنه ﷺ في حديث صحيح أنه قال: (رأيتني وأنا نائم كأني في الجنة وإذا بقصر جميل وامرأة تتوضأ فسألت: لمن هي؟ فقيل: لـ عمر بن الخطاب، فرجعت لما ذكرت غيرة عمر! فبكى عمر رضي الله تعالى عنه وقال: أمنك أغار يا رسول الله). فهذا الحديث فيه بيان لما كان عليه هذا الخليفة الراشد من صفات جليلة عظيمة لا تخفى على جل المؤمنين. وقد صاحب حياة عمر أحداث كبيرة جمعها حافظ في قصيدة عرفت أدبياً بالعمرية، وألقاها حافظ في مدرج وزارة المعارف في القاهرة مساء يوم الجمعة ٨/فبراير عام ١٩١٨م في حفل أقيم لهذه القصيدة بصفة خاصة، وصدرها بقوله: حسب القوافي وحسبي حين ألقيها أني إلى ساحة الفاروق أهديها لاهم هب لي بيان أستعين به على قضاء حقوق نام قاضيها يوم اشتهت زوجه الحلوى فقال لها من أين لي ثمن الحلوى فأشريها لا تمتطي شهوات النفس جامحة فكسرة الخبز عن حلواك تجزيها قال اذهبي واعلمي إن كنت جاهلة أن القناعة تغني نفس كاسيها فأقبلت بعد خمس وهي حاملة دريهمات لتقضي من تشهيها فقال نبهت مني غافلاً فدعي هذي الدراهم إذ لا حق لي فيها ما زاد عن قوتنا فالمسلمون به أولى فقومي لبيت المال رديها إن جاع في شدة قوم شركتهم في الجوع أو تنجلي عنهم غواشيها جوع الخليفة والدنيا بقبضته في الزهد منزلة سبحان موليها فمن يباري أبا حفص وسيرته أو من يحاول للفاروق تشبيها وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً بين الرعية عطلاً وهو راعيها فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملاً ببردة كاد طول العهد يبليها فهان في عينه ما كان يكبره من الأكاسر والدنيا بأيديها فقال قولة حق أصبحت مثلاً وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت نوم قرير العين هانيها وفتية أولعوا بالراح وانتبذوا لهم مكاناً وجدوا في تعاطيها ظهرت حائطهم لما علمت بهم والليل معتكر الأرجاء ساجيها قالوا مكانك قد جئنا بواحدة وجئتنا بثلاث لا تباليها فأت البيوت من الأبواب يا عمر فقد يزن من الحيطان آتيها واستأذن الناس أن تغشى بيوتهم ولا تلم بدار أو تحييها ولا تجسس فهذي الآي قد نزلت في النهي عنه فلم تذكر نواهيها فعدت عنهم وقد أكبرت حجتهم لما رأيت كتاب الله يمليها وما أنفت وإن كانوا على حرج من أن يحجك بالآيات عاصيها والقصيدة تقع في ١٨٨بيتاً قالها حافظ رحمة الله تعالى عليه كما أنبأنا وهي موجودة في الجزء الأول من ديوانه، رحمة الله تعالى عليه، وإنني لأسأل الله أن يغفر له بكل عمل صالح، وبهذه القصيدة بالذات لما فيها من نشر لمحاسن رجل خدم الأمة، وقدم لها أعظم الأعمال، وهو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.

стр. 294

رثاء حسان بن ثابت للرسول ﷺ كما أن من أغراضهم في الشعر غرض الرثاء، وغرض الرثاء يعد من أصدق الأغراض؛ لأنه غالباً لا يوجد نفع عند شخص قد ووري في التراب وأفضى إلى رحمة الله، فيكون التعبير في الرثاء أمراً مقبولاً لدى الناس لانتفاء النفاق في الغالب منه، وحسبك أن تعلم ما قاله حسان رضي الله تعالى عنه في رثاء نبينا محمد صلى الله وعليه وسلم. قال حسان يرثي النبي المعصوم: بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد معالم لم تطمس على العهد آيها أتاها البلى فالآي منها تجدد عرفت بها رسم الرسول وصحبه وقبراً بها واراه في الترب ملحد وما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يفقد صلى الإله ومن يحف بعرشه والطيبون على المبارك أحمد إلى آخر ما قال رضوان الله تعالى عليه. والقصيدة ذكرها ابن هشام وغيره في السير، وفيها كثير مما تذرف له الدموع، وتحزن له القلوب؛ لأن الأمة لم تصب بأحد أعظم من مصيبتها بنبيها صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 295

رثاء الأنباري للوزير المصلوب كما أن من قصائد الرثاء المؤرخة الموثوقة المثبتة أن أحد الولاة غضب يوماً على وزيره، وكان الوزير كريماً سخياً بين الناس، فصلبه بعد أن قتله، وعلقه مصلوباً، فكانت هيئة الرجل وهو مصلوب مثل هيئة الصليب، وأوقد حوله النيران، وجعل حوله الحرس حتى لا يصل أحد لإنقاذه. فجاء رجل من الشعراء كانت تربطه بذلك المصلوب صداقة حميمة، وكان المصلوب وزيراً فصيحاً بليغاً كثيراً ما يخطب في الناس، وكثيراً ما يتصدق على الناس، فالناس حوله إما أن يخطب فيهم، وإما أن يعطيهم، وهي هيئة تستلزم من الرجل أن يمد يديه، فلما رآه ذلك الشاعر قال أبياتاً حسد القاتل المقتول وتمنى لو كان هو المصلوب قال: علو في الحياة وفي الممات لحق تلك إحدى المعجزات كأن الناس حولك حين قاموا وفود نداك أيام الصلات كأنك قائم فيهم خطيباً وكلهم قيام للصلاة وتوقد حولك النيران ليلاً كذلك كنت أيام الحياة ولما ضاق بطن الأرض عن أن يضم علاك من بعد الوفاة أحالوا الجو قبرك واستعاضوا عن الأكفان ثوب السافيات وما لك تربة فأقول تسقى لأنك نصب هطل الهاطلات وهي أبيات في قمة الشعر يقول له: إن الناس من حولك ينظرون إليك كأنك حي، فكأنهم ينتظرون منك أن تخطب، أو ينتظرون منك أن تعطي، ولما كانت الأرض لا تليق بك جعلوا من الجو والأماكن العالية قبراً لك، وجرت العادة أن الناس تدعو على القبر أن يمطر ويسقى، فقال للمصلوب: أنت الغيث بعينه، وأنت المطر الذي تنزل على الناس، فجعل حسرة المصلوب رحمة عليه، وإن كانت بعد وفاته لا تنفعه، لكنها في قمة رثاء الذي علمناه وسمعنا به.

стр. 296

من أقضية شريح القاضي

стр. 297

قضاء شريح بين عمر بن الخطاب والأعرابي القطوف الأخيرة: حول شخصية رجل عرفه التاريخ مثالاً أكبر للقضاء. القضاء منصب حساس في حياة المسلمين، ومتى اختل أصاب الناس الفساد والظلم، أجارنا وإياكم من ذلك، وأعان من كلفهم مسئولية القضاء بين المسلمين، ونسأل الله جل وعلا أن يذكرهم جميعاً ذل الوقوف بين يديه، وحرمة التعرض لأموال المسلمين وأعراضهم، وعقاراتهم، وشئونهم الخاصة والعامة. من أعلام المسلمين في القضاء: شريح رضي الله تعالى عنه، هذا الرجل كان من أهل اليمن، وأدرك حياة النبي ﷺ ، لكنه ما قدم المدينة إلا بعد وفاة الرسول ﷺ ، فانتفى في حقه شرف الصحبة. اشترى عمر رضي الله تعالى عنه ذات يوماً فرساً من أعرابي فلما مضى بها وجد بها شيئاً من الخلل فردها للأعرابي، فرفض الأعرابي أن يقبلها منه، فقال عمر للرجل: اجعل بيني وبينك حكماً قال: هيا إلى شريح. ولم يكن شريح في ذلك الدهر قد ولي القضاء! فلما مثلا بين يديه وسمع أقوالهما، قال: يا أمير المؤمنين! جدك ما اشتريت أو اقبل كما أنت عليه، فتعجب عمر من جرأته وبيانه للحق، قال: اذهب فقد وليتك قضاء الكوفة. فولاه عمر قضاء الكوفة وبقي عليها والياً في عهد عثمان رضي الله تعالى عنه.

стр. 298

قضاء شريح بين علي بن أبي طالب واليهودي فلما آلت الخلافة إلى علي فقد علي في يوم صفين درعاً له، فوجدها في يد يهودي من أهل الذمة، فقال: هذه درعي، فقال: بل درعي يا أمير المؤمنين! فتخاصما فقال اليهودي: اجعل بيني وبينك حكماً، قال: نحتكم إلى قاضي المسلمين، فتحاكما إلى شريح رضي الله تعالى عنه، فلما مثلا بين يديه قال اليهودي: هذه درعي وهي في يدي. قال: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه درعي فقدتها، ولم أبعها ولم أهبها. قال: ومن يشهد لك؟ قال: اثنان: مولاي قنبر، وابني الحسن. قال: أما شهادة مولاك فأجزناها، وأما شهادة ابنك فرددناها. قال علي: سبحان الله! رجل يشهد له رسول الله ﷺ بالجنة ترد شهادته! قال: يا أمير المؤمنين، إني أعلم أن الحسن في الجنة، ولكني لا أجيز شهادة الابن لوالده. فقال: ليس عندي شاهد غيرة. قال: تبقى الدرع مع اليهودي. فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، إن ديناً يأمر بهذا لحق، قاضي المسلمين يحكم لي على أمير المؤمنين، ثم قال: يا أمير المؤمنين إن هذه الدرع سقطت منك يوم صفين فأخذتها، ثم ردها عليه، فرفض علي أن يقبلها وقال: خذها هدية بسبب إسلامك.

стр. 299

قضاء شريح لخصوم ابنه مما يروى عن شريح أنه جاءه ابنه وقال: يا أبت، بيني وبين أحد الناس خصومة، وسأعرض لك القضية، فإن كان الحق لي فأخبرني حتى أقاضيهم بين يديك. قال: قل يا بني. فأخذ الابن يقص على أبيه ما بينه وبين الناس، فلما فرغ قال له: ائت بهم، فلما أتى بهم بين يديه حكم شريح للخصوم على ابنه، فلما خرجوا غضب الابن وقال: يا أبت، والله لو لم أخبرك من قبل لوجدت لك عذراً، لكنني أخبرتك قبل أن نحتكم إليك. قال: يا بني، والله إنك في عيني أحب إلي منهم جميعاً، ولكن الله جل وعلا أعز علي منك. فانظر إلى عظمة قضاة الإسلام في ذلك العصر. ومما يروى عنه أنه كان يستظرف الشعر، فكان له ابن يرسله لمن يحفظونه القرآن، فخرج ذات يوم وقد رأى ابنه قد ترك الصلاة، وذهب إلى بعض الكلاب أجاركم الله يلعب بها، فلما كان اليوم الثاني أعطى الابن ورقة وقال: يا بني، اذهب بهذه إلى مؤدبك، فلما ذهب بها الابن إلى المؤدب وجد فيها أن شريحاً يقول: ترك الصلاة لأكلب يسعى لها يبغي اللهاة مع الغواة الرجس فليأتينك غدوة بصحيفة كتبت له كصحيفة المتلمس فإذا أتاك فداوه بملامة أو عظه موعظة الأديب الكيس وإذا هممت بضربه فبدرةٍ وإذا ضربت بها ثلاثاً فاحبسِ واعلم بأنك ما أتيت فنفسه مع ما تجرعني أعز الأنفس واستطرف أهل العلم أبياته الشعرية هذه، بأن فيها من نطق مخبره، وحسن معدنه.

стр. 300

حكاية عن الشعبي ومما يروى في هذا الباب: أن الشعبي رحمة الله تعالى عليه وكان أحد أعلام المسلمين، وقضاتهم المشهورين، وهذا قد تكون من الحكمة ألا يعلن على ملأ، وإنما يقال من باب الظرافة: فإن الشعبي رحمة الله تعالى عليه احتكم إليه رجل وامرأة متزوجان، وكانت المرأة جميلة، فحكم للمرأة ولم يحكم للرجل، وقد سمع منها ولم ير شيئاً، فلما انصرف وطلق الرجل امرأته غضب على الشعبي أنه حكم للمرأة، ولم يحكم له، فنشر بين الناس. وهذا يستفاد منه أنه أحياناً تسمع ما لم يكن حقاً، تسمع في أعلام الناس ما ليس بحق، فنشر ذلك الرجل أبياتاً شعرية في حق الشعبي لا تليق برجل من علماء الأمة كـ الشعبي فقال فيما قال: فتن الشعبي لما رفع الطرف إليها سحرته ببنان وخضاب في يديها كيف لو أبصر منها نحرها أو ساعديها الجثا حتى تراه ساجداً بين يديها فكان الشعبي كلما مر على ملأ من الناس يجدهم ينشدون هذه الآبيات، وهو يقول: والله! ما رأيت، ولا نظرت، ولا حكمت إلا على حق، لكن حسبنا الله والله المستعان! وهذا يستفاد منه: أنه قد يقذف الرجل بما ليس فيه، فليس كل ما يزعم في الأعلام حق، فالإنسان لا يأخذ الحق إلا من مصدره. هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 301

الأسئلة

стр. 302

مراتب صلة الأرحام وذكر أبلغ بيت شعري وأصدق بيت السؤال ذكرتم في محاضرة (رحماء بينهم) مراتب صلة الرحم الأربع، نرجو منكم إعادة هذه المراتب بشكل موجز، وما أبلغ بيت شعري قالته العرب، وما أصدق بيت أيضاً؟ الجواب بالنسبة لما ذكرناه من مراتب صلة الرحم فقد قلنا في ذلك الوقت إن مراتب صلة الرحم أربع: الأولى: أن يصل إنسان قوماً لا يصلون من أرحامه، وهذه أعلى المراتب منزلة. المرتبة الثانية: أن يصل الإنسان أقواماً يصلونه، وهذا بمنزلة المكافئ. المرتبة الثالثة: أن يقاطع الإنسان أقواماً يقاطعون. المرتبة الرابعة: أن يقطع الإنسان قوماً يصلونه، وهذه والعياذ بالله هي أعظم مراتب الإثم. أما أبلغ بيت شعري قالته العرب، فإن هذا سؤال أدبي، وأنا كنت أود أن تأخذ المحاضرة الطابع الأدبي بأكملها، لكن بما أنه قد سئل فإنه قولهم: أبلغ بيت قالته العرب يرجع إلى الناقد نفسه، فإن الناقد قد يكون أحياناً صادقاً، وقد يكون أحياناً غير موفق، لكن من أعظم ما قالته العرب قول جرير: ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح وأما أصدق بيت أيضاً فهو قول حسان: وما حملت من ناقة فوق رحلها أبر وأوفى ذمة من محمد صلى الله وعليه وسلم.

стр. 303

من شعر الغزل العذري السؤال قال الشاعر: أمر على الديار ديار ليلى إلى آخر ما قال، هذا من أي أنواع الشعر؟ الجواب هذا من الغزل العذري والبيت أصله: أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديار وليس في ذكر البيت حرج؛ لأن المقصود به التنبيه على أن الأماكن لا تعرف بذاتها وجدرانها وحيطانها، وإنما تعرف بأهلها ومن يسكن فيها.

стр. 304

حكم تطويل الأظافر السؤال ما حكم تطويل الأظافر والحضور إلى الصلاة وهي طويلة؟ الجواب أما حكمها فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يطيل أظافره؛ لأن من الفطرة أن يقلم أظافره، لكن كون الأظافر طويلة لا يقدح في صحة الصلاة، وليس له علاقة بكون الصلاة باطلة أو صحيحة، ولكنه قد ينقص من كمال الصلاة؛ لأن من كمال الصلاة أن يكون الشخص مكتملاً في هيئته بسنة محمد ﷺ .

стр. 305

حكم تارك الصلاة السؤال هل تارك الصلاة كافر أو لا وقد قال ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)؟ الجواب هذا الحديث صحيح: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)، لكن على أي كفر يحمل، كفر أكبر، أو كفر دون ذلك؟ فيه كلام طويل لأهل العلم، ولا أريد أن أفصل فيه، لكن الذي يريد أن يستقر في الأذهان أن تارك الصلاة دون جحود لها مسألة اختلف فيها أهل العلم، ولكل دليله، ولا يضير أحداً إن كان من أهل العلم والفتوى أن يتبنى أحد الرأيين دون الآخر، فإن هذا مما مضى فيه الخلاف.

стр. 306

حكم الاستماع لبعض الدعاة دون الآخرين السؤال ما رأيكم فيمن يفضل بعض الدعاة والعلماء، ولا يستمع إلا لنوع معين دون الآخرين؟ الجواب أنا أعطيك قاعدة: لا تحرم نفسك من الخير، كل من عنده حق فخذ الحق منه، وكل من قال باطلاً فاترك الباطل منه، ولا تنظر إلى الأسماء علت أم ضعفت، مشهورة أو مغمورة، فالحق يعرف ما عليه من نور، ولا يعرف الحق بالرجال، فاستخر الله جل وعلا والتمس لدينك ما هو أفضل لك، وخذ من الناس ما أصابوا فيه، ودع من الناس ما أخطئوا فيه، والله تعالى أعلم.

стр. 307

متى يؤجر كافل اليتيم السؤال من نعم الله الكثيرة علينا أن فتح لنا أبواب الخير الكثيرة، ومن هذه الأبواب ما تقوم به لجنة البر الإسلامية من عرض أعلام الخير للمسلمين على شكل اشتراكات دولية في دفع المال، ومنها كفالة اليتيم التي فيها يدفع المشترك مالاً سنوياً فقط دون أن أي مقدمات مقومات أخر، والسؤال هو: هل معنى كفالة اليتيم هنا أن تغطي المقصود التام لما ورد في حديث الرسول ﷺ القائل: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين)؟ الجواب إذا كان ذلك المال يغطي مستلزمات اليتيم كاملة، فإني أرجو أن يدخل في عموم حديث النبي ﷺ . وأما إن كان الأمر جزئياً فإني أرجو ألا يحرم ذلك العبد من الخير، وما عند الله خير وأبقى، والله تعالى أعلم. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 308

أيام في حياة الرسول ﷺ سيرة حبيبنا المصطفى ﷺ مليئة بالعظات والعبر، كاملة محاسنها، مستفيضة أخبارها، ينبغي على كل مسلم أن يتمعن في سيرة هذا النبي العظيم، فبها تستنير القلوب، وتصفو النفوس، وتعلو الهمم، فهو الحبيب المصطفى ﷺ .

стр. 309

سيرة النبي ﷺ وأيامه

стр. 310

بشارة الأنبياء ﵈ بقرب بعثته ﷺ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، نبي سلم الحجر عليه، ونبع الماء من أصبعيه، وحن الجذع إليه، فصلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه، اللهم وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! فإن المتصدر لتدريس شخصية ما، وذكر أحوالها ومناقبها، وما آلت إليه، وما قدمته للناس، يجعل النقد أول معاييره حتى يضع الناس على بينة من أمرهم في الصواب والخطأ، والهداية والضلالة، والسداد وعدم التوفيق، لكن الذي يريد أن يتحدث عن سيد الأنبياء وإمام الأتقياء سيدنا ونبينا محمد ﷺ ، فليس عليه إلا أن يطأطئ رأسه، ويخشع قلبه وتسكن جوارحه؛ لأنه يتحدث عن رحمة مهداة، ونعمة مسداة، عن سيد البشر، وخيرة خلق الله وصفوته، عن رسول الهدى، ونبي الرحمة صلوات الله وسلامه عليه، وينبغي أن يعلم في أول الأمر أن السيرة واحدة لا تزيد ولا تنقص، فلا يستطيع أحد أن يزيد شيئاً لم يثبت فيها، ولا يستطيع أحد أن ينقص شيئاً مما ثبت فيها، لكن المسلمين في استسقائهم من سيرته ﷺ تختلف مواردهم ومناهلهم ومصادرهم، فمن سيرته ﷺ يستسقي الواعظون، وينهل القادة، ويغترف الساسة، ويتعلم العلماء، ويبحث الفقهاء، ويجد كل امرئ له حظاً من سيرته صلوات الله وسلامه عليه، والأمر كما قيل: وكلهم من رسول الله ملتمس غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم صلوات الله وسلامه عليه، ثم إنني قلبت الأمور في الوجه الذي أريد أن تخرج به هذه المحاضرة على النحو الأتم، والوجه الأكمل، على ما يسعى الإنسان أن ينال به رضوان الله، ثم نفع إخوانه المسلمين، فبدا لي -والإنسان ناقص مهما سعى إلى الكمال- أن عرض السيرة إجمالاً من الميلاد إلى الوفاة، والوقوف بعد ذلك عند الفوائد والعظات والعبر، أقرب طريق إلى فقه سيرة رسولنا ﷺ على الوجه الأكمل، والنحو الأتم. ونبينا ﷺ نال الحفاوة كاملة، والاحتفاء التام من ربه جل وعلا، وحفاوة الله بأنبيائه سنة ماضية قال الله جل وعلا في حق نبيه إبراهيم: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧]، وقال جل وعلا في حق موسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، وقد نال رسولنا ﷺ أكمل حفاوة وأتمها من قبل ربه جل وعلا، فلقد مهد الله جل وعلا لذلك من قبل، يقول صلوات الله وسلامه عليه: (إني عند الله لخاتم النيين، وإن آدم لمجندل في طينته). ثم لما بعث الأنبياء وبعث المرسلون صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أخذ الله جل وعلا العهد والميثاق أنه إذا بعث رسولنا ﷺ وهم أحياء يرزقون أن يصدقوه ويؤمنوا به: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١]. ثم كانت دعوة أبيه إبراهيم عندما وقف عند البيت: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:١٢٩]، ثم كانت بشارة عيسى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]. ولذلك قال ﷺ : (أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى، ورؤيا أمي حين رأت أن نوراً خرج منها أضاءت له قصور الشام)، وقال ﷺ كما روى الترمذي وحسنه: أنه ﵊ قال: (أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، خلق الله الخلق فجعلني في خير فرقة، ثم قسمهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً، فأنا خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً). صلوات الله وسلامه عليه. هذا كله قبل ولادته صلوات الله وسلامه عليه، فلما أراد الله جل وعلا له أن يولد في العام الذي ولد فيه صلوات الله وسلامه عليه كان في ذلك العام إرهاصات وأحداث عظام تدل على أن شيئاً ما سيقع، وأن حدثاً عظيماً سيكون، فكانت ولادته ﷺ في نفس العام الذي غزى فيه أبرهة بيت الله العتيق، وعاد من ذلك الغزو خاسراً خائباً كما هو معروف لكل أحد.

стр. 311

مولده ﷺ ولد ﷺ لأب اختلف العلماء: هل مات قبل ولادته أو بعده؟ والأرجح: الأول، ثم إن الله جل وعلا أراد أن يبين لسائر الناس أن محمد بن عبد الله لم يكن يوماً تلميذاً لشيخ، ولا طالباً في مدرسة، ولا ربيباً لأبوين، وإنما تولته عناية الله في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، ثم بعد ولادته إلى يوم وفاته ﷺ ، فتوفيت أمه وهو صغير لم يبلغ ستاً من الأعوام، وعاش طفولته الأولى بعيداً عن أسرته في بادية بني سعد، حتى لا يقولن أحد بعد ذلك: إن رجلاً أو شخصية ما تولت رعايته، وكونت شخصيته، وألهمته الدروس، وأعطته العبر، وعلمته الكتاب: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٨ - ٤٩].

стр. 312

إرهاصات قبل البعثة النبوية فكل ما جاء به محمد ﷺ من ربه كان عناية إلهية وفضلاً ربانياً محضاً، ليس لأحد من البشر كائناً من كان فيه حظاً ولا نصيب. عاش ﷺ بعيداً عن أسرته ثم عاد إلى مكة فكفله جده عبد المطلب، ثم ما لبث أن توفي ذلك الجد، ثم كفله عمه أبو طالب، ولم يكن دور أبي طالب أكثر من راع معيشي له صلوات الله وسلامه عليه، فلم يكن لدى أبي طالب حظ من علم، أو أثرة من كتاب، يسقي من خلالها رسولنا ﷺ ، حتى تكونت شخصيته فنشأ بعيداً عما فيه قومه. وكذلك العاقل إذا رأى مجتمعات الفساد، وأودية الضلال، ومنتجعات الغواية، نأى بنفسه عنها، ولو عاش وحيداً، قال الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤٩]. فالبعد عن أهل الغواية والفساد والشرور والآثام أول طرائق الفلاح والنجاح، لكنه ﷺ لم يكن بعيداً عن محافل الخير، فقد شهد حلف الفضول، وشهد غير ذلك من مآثر قومه في الجاهلية، ثم بدأت إرهاصات البعثة تدريجياً شيئاً فشيئاً من غير أن يعلم صلوات الله وسلامه عليه، فلم يحدث نفسه ذات يوم أنه سيكون نبياً؛ لأنه لا علم له بذلك أصلاً، لكنه ﵊ كان يرى رؤيا، وكان لا يرى رؤيا إلا وتأتي مثل فلق الصبح حاضرة ناصعة كما رآها في منامه، حتى دنت البعثة فكان يمشي في طرقات مكة فتسلم عليه الحجارة: السلام عليك يا نبي الله! فيلتفت يميناً وشمالاً فلا يرى شخصاً ولا خيالاً، فيسكت ويبقى على حاله.

стр. 313

نزول جبريل ﵇ على رسول الله في الغار حبب إليه الخلاء فكان يتحنث في غار حراء الليالي ذوات العدد، ثم إنه ﷺ في ليلة ٢١ من شهر رمضان على الأرجح لما أتم أربعين عاماً جاءه الملك بالنقلة التاريخية لشخصه، والنقلة التاريخية للكون كله، إذ بعثه الله رحمة للعالمين، رحمة من لدنه كما أخبر جل وعلا، جاءه الملك ولم يكن له ﷺ عهد بالملك أصلاً فأصابه من الرعب والفزع ما أصابه، قال له الملك: (اقرأ، قال: ما أنا بقارئ)، أي: لا أجيد القراءة أصلاً، (فردد الملك: اقرأ! ورسول الله باق على جوابه: ما أنا بقارئ)، فضمه الملك ثم تركه، ويضمه ثم يتركه حتى يشعره في تلك اللحظات أن هذا الحديث خارج عن حديث أهل مكة، فليست تلك رؤيا يراها أو حديثاً في نفسه يريد أن يتأكد منه، فكان الملك يضمه ثم يتركه حتى يبين له أن هذه ظاهرة منفكة عن حديث مكة، منفكة عن رؤى الأحلام، منفكة عن أحلام اليقظة. ثم قال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥].

стр. 314

هكذا فلتكن زوجات الصالحين نزل ﷺ خائفاً وجلاً إلى زوجته خديجة، وكان قد ترك النبي ﷺ عندها أبناءه وبناته فلم تحدثه بما صنع الأولاد، ولا ماذا أصاب البنات، لم تحدثه عن الجوع الذي قاسته، وإنما همومها في جانب همه ﷺ ، آوته إلى صدرها، وضمته إليها، ثم قال لها: (لقد خشيت على نفسي)، فطمأنته ﵂ وأرضاها وجعل الجنة دارها ومثواها، قالت: والله لن يخزيك الله أبداً، ثم عددت مناقبه: إنك لتطعم الفقير، وتعين على نوائب الدهر، وتقول الصدق، وأخذت تسرد له مناقبه وفواضله ﷺ ، فقدمت بذلك أنموذجاً لما ينبغي أن تكون عليه المرأة مع زوجها. إن كثيراً من الناس قد يأتي إليك محمولاً بالهموم مثقلاً بالخطايا فليس من الصواب أن تسرد عليه همومك أنت وترده خائباً، لكن ينبغي أن تنسى همومك في جانب همه إذا أردت له النفع والفائدة، ثم أخذته بيده إلى ورقة بن نوفل ابن عمها وكان رجلاً له حظ من علم وأثرة من كتاب، فقال له: ذلك الناموس الذي كان يأتي موسى، فاشتاق ﷺ إلى الوحي؛ لأنه سمع القرآن لكن الوحي انقطع ولم يأت حتى يذهب الرعب، ويبقى الشوق إلى كلام الله جل وعلا، كيفية من الله لنبيه ﷺ تلك اللحظات، قال أكثر أهل العلم: إنها بقيت ستة أشهر وهي مرحلة فتور الوحي، أصاب النبي ﷺ فيها من الحزن ما الله به عليم، حتى نقل الحافظ في الفتح عن الزهري: أن النبي ﷺ كان ربما يصعد إلى شواهق الجبال يريد أن يتردى منها مما أصابه من حزن ومن شك في النفس عن الحادثة الأولى، لكن بعض المحدثين من العلماء يقولون: إن هذه الرواية على هيئة بلاغ وهي لا تصح وتنافي عصمة الأنبياء والله تعالى أعلم.

стр. 315

عودة الوحي على رسول الله بعد فتوره وإن كان نفيها أقرب إلى الصحة، أياً كان الأمر فقد عاش ﷺ فترة عصيبة، فهي فترة انقطاع الوحي عليه، حتى أصبح يشك في نفسه فيما رآه في السابق فلما أصبحت نفسه ذات شوق عظيم إلى كلام الله إذا به ﷺ كما أخرج البخاري من حديث جابر يمشي في طرقات مكة، فإذا الملك يناديه! فيلتفت فإذا الملك على كرسي بين السماء والأرض قد سد ما بين المشرق والمغرب يقول له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١ - ٧]. ثم نزل الوحي وتتابع وحمي بأعظم من ذلك، قال الله جل وعلا في آية يبين فيها علو قدره ﷺ عند ربه، فأقسم الله بمخلوقاته إرضاء له صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ - ٣]. هذا الإشعار الإلهي الذي جاء على هيئة آية قرآنية فيه من الإثبات للمكانة العظمى لرسولنا ﷺ مكانة لا يرقى إليها أحد من الخلق كائناً من كان، إلا أنها في نفس الوقت لا تعطيه ﷺ أي حظ من الألوهية أو الربوبية فالألوهية والربوبية، كمالها وتمامها لله جل وعلا وحده لا شريك له فيها أبداً.

стр. 316

صور من إيذاء المشركين لرسول الله ﷺ أخذ ﷺ يقوم بواجب الدعوة شيئاً فشيئاً وهو ما عرف تاريخياً: بالدعوة في مرحلتها السرية، تغير وجه قريش لها، ونالوا منه صلوات الله وسلامه عليه وساموه وأصحابه سوء العذاب وهو ﵊ صابر محتسب يدعو إلى ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، يدعو الناس إلى التوحيد، فكان أبو جهل يحمل راية السوء ضده حتى إنه بلغ من إيذاء أبي جهل لرسولنا ﷺ كما أورد البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود: (أن جزوراً نحرت بالأمس فلما كان في الغد جاء ﷺ عند الكعبة وصلى فقال أبو جهل وقريش في أوديتها: أيكم يقوم إلى جزور بني فلان فيضع سلى الجزور على كتفي محمد ﷺ ، فانبعث أشقى القوم عقبة بن أبي معيط فحمل الجزور فجاء إلى النبي ﷺ وهو ساجد فوضع سلى الجزور بين كتفيه الطاهرين ﷺ ، قال ابن مسعود: فلو كانت لي منعة لرفعته عن رسول الله ﷺ ، ثم إنه ذهب إنسان إلى فاطمة ﵂ وأخبرها الخبر فجاءت وهي جويرية يومئذ فرفعت سلى الجزور عن كتفي نبينا ﷺ ، فلما أتم صلاته دعا ثلاثاً، وكان إذا دعا دعا ثلاثاً وسأل الله ثلاثاً ثم قال: اللهم عليك بـ أبي جهل، وعتبة بن أبي ربيعة، وشيبة بن أبي ربيعة، والوليد بن عتبة، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف وسمى سبعة صلوات الله وسلامه عليه، قال ابن مسعود: فوالله لقد رأيت من سمى رسول الله ﷺ صرعى في القليب قليب بدر). نقف عند هذا الحدث: فهناك -يا أخي- أعراف وتقاليد تتغير من مجتمع إلى آخر والعاقل من يستزيد من تلك التقاليد والأعراف ولا يصادمها، فـ ابن مسعود كان يعلم أن الأعراف الجاهلية لا تسمح للضعفاء ولا عديمي الظهر من أن يكون لهم حظ في الناس، فكان يعلم أنه لا يمكنه أن يصل إلى النبي ﷺ إلا وهو ميت فأبقى على نفسه ولم يأت ليرفع سلى الجزور عن رسولنا ﷺ وهو من الإيمان والتقوى بمكان لا يعلمها إلا الله، وكانت الأعراف الجاهلية تنص على حفظ المرأة وعدم التعرض لها ولو بدأت بالأذى، فكان موقفاً لـ فاطمة أنها تقدمت بين صفوف الرجال وحملت سلى الجزور عن رسولنا ﷺ دون أن يصيبها أذى، فالعاقل من الدعاة والحكيم من أهل الاستقامة من يتعامل مع الأعراف والتقاليد الاجتماعية بما يتوافق معها، وهذه التقاليد والأعراف لا تبقى في كل زمان على هيئة واحدة وإنما تتغير الأعراف والتقاليد من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان، والشاهد والمقصود: أن يوظفها الإنسان لصالح الدعوة، ولصالح هداية الناس إلى طريق الله المستقيم.

стр. 317

حصار المشركين لبني هاشم في شعب أبي طالب عجزت قريش عن الإيذاء الجسدي الفردي فعمدوا إلى الحصار العام فقدموا على أبي طالب وطلبوا منه أن يسلم إليهم ابن أخيه صلوات الله وسلامه عليه فأبى، فقرر القرشيون مقاطعة بني هاشم لا يمازحونه ولا يبتاعون منهم، فآوى أبو طالب ببني هاشم وبني المطلب في شعب لهم يقال له: شعب بني هاشم، ومكث الحصار ثلاث سنين ورسول الله ﷺ وآله مؤمنهم وكافرهم ينالهم من الأذى ما الله جل وعلا به عليم، وكان خلال مدة الحصار أبو طالب على كفره إذا هجع الناس وناموا يعمد إلى رسول الله ﷺ فيأخذه لينام عنده ويأمر أحد بنيه أن ينام في مكان رسول الله ﷺ حتى لو هم أحد بقتله يقتل ابنه بدلاً من رسول الله ﷺ . ومع ذلك كله -ولله الحكمة البالغة- لم يرزق أبو طالب الإيمان بالله جل وعلا فمات على الكفر؛ ولذلك حكمة لا يعلمها إلا الله جل وعلا، وبعد أن انتهى الحصار أو قبل أن ينتهي لا يخلو صراع بين الحق والباطل بنشوء أقوام كما يسمى في عرف السياسيين اليوم: دول عدم الانحياز، كانت في عصرنا هذا على هيئة دول لكنها في العصر السابق على هيئة أفراد فينشأ في المجتمع قوم حياديون ليسوا مع قريش وليسوا بمؤمنين مع النبي ﷺ ، هؤلاء القوم تشاوروا فيما بينهم وعرفوا بطلان ما دعا إليه رؤساء قريش وزعماؤهم فتعاونوا على نقض المعاهدة. وهنا ينبغي للعاقل من الدعاة وغيرهم عندما يرى أهل المروءات الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان أن يستفيد منهم في عالم الصحوة وعالم الدعوة، ويبذل طاقاتهم وقدراتهم في سبيل الدعوة إلى الله جل وعلا، ولا يصادمهم حتى لا تخسر الدعوة سنداً وقوة لها، فهؤلاء القوم لم يكونوا من أهل الإيمان، لكن كانت في قلوبهم رحمة، وفي أنفسهم شهامة، ومن خصالهم المروءة وظفوها لنقض المعاهدة، وتم لهم ما أرادوا، ونقضت الصحيفة وخرج بنو هاشم من الحصار، وبعد خروجهم من الشعب من شعب بني هاشم مات أبو طالب وماتت خديجة في عام واحد، وقيل: بين موتهما ثلاثة أيام، فبدا له ﷺ أن يغير المكان، فخرج إلى الطائف وكانت أقرب الأماكن إلى مكة، خرج إلى الطائف فبدأ بسادات ثقيف يدعوهم إلى دين الله جل وعلا، فلم يكونوا بأحسن حظاً من كفار قريش فسخروا منه وأمروا صبيانهم أن يرجموه فرموه بالحجارة حتى أدميت عقباه ﷺ .

стр. 318

خروجه ﷺ إلى الطائف لدعوتهم وموقفهم منه ولجأ إلى حائط في الطائف، فلما لجأ إليه صلوات الله وسلامه عليه رق له بعض الكبراء فأرسلوا له غلاماً نصرانياً يقال له: عواس فجمع بعض العنب، فلما وضع العنب بين يديه قال ﷺ : باسم الله، فقال الغلام: هذا شيء لا يقوله أهل هذه البلدة، فقال ﷺ : (من أنت وممن؟ قال: أنا نصراني من أهل نينوى، فقال صلوات الله وسلامه عليه: من بلدة النبي الصالح يونس بن متى، قال الغلام: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال: هو نبي وأنا نبي فأكب الغلام على رسولنا ﷺ يقبله حتى لامه سادة ثقيف يومئذ). ثم نزل ﷺ وحيداً ليس معه إلا غلامه زيد بن حارثة فإذا انقطعت أسباب الأرض لجأ ﷺ إلى ربه، فورد عنه أنه ﷺ بث إلى الله شكواه، ورفع إلى الله نجواه، وهو يعلم أنه نبي مرسل، لكن البلاء فيمن يستمع إليه، فناجى ربه قائلاً: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت أرحمن الراحمين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي سخط فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بوجهك الذي أشرقت منه الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل بي غضبك، أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)، فتحت لهذه الدعوات أبواب السماء فما كاد ﷺ ينزل من الطائف من وادي نخلة حتى بعث الله إليه نفراً من الجن يؤمنون به حتى تطمئن نفسه ويسكن قلبه ويعلم أن العاقبة له: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف:٢٩]، فاطمأنت نفسه شيئاً فشيئاً صلوات الله وسلامه عليه، ثم بعث إلى الملأ من قريش يخبرهم برغبته في دخول مكة، ويريد أن يدخل في حلف أحدهم فرده ثلاثة منهم، ثم قبل المطعم بن عدي أن يدخل في جواره فدخل ﷺ رغم أنه مشرك استبقاء للمسلمين حتى لا يتعرضوا للأذى ثم بعد رحلة الطائف من الله عليه برحلة الإسراء والمعراج، فجاءه جبرائيل وهو نائم في الحجر فشق صدره وغسل قلبه بماء في طست من ذهب، ثم أفرغ في قلبه الطاهر إناء ملئ إيماناً وحكمة، ثم قدم له البراق، ثم أسري به ﷺ إلى بيت المقدس حيث المسجد الأقصى، وربط دابته في مربط هناك، ثم عرج به إلى سدرة المنتهى، فلما صد أهل الأرض أبوابهم أمامه فتح الله له أبواب السماء فاستقبله هناك سادات الأنبياء بدءاً بآدم ثم يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم، ثم بيوسف بن يعقوب ﵇، ثم إدريس، ثم هارون، ثم موسى، ثم أبوه إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ثم وصل ﷺ إلى سدرة المنتهى، ورأى جبرائيل كرة أخرى على هيئته التي خلقها الله تعالى عليها. أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم لما رأوك بها التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم صلى وراءك منهم كل ذي خطر ومن يفز بحبيب الله يأتمم ركوبة لك من عز ومن شرف لا في الجياد ولا في الأينق الرسم مشيئة الخالق الباري وصنعته وقدرة الله فوق الشك والتهم

стр. 319

خروجه ﷺ إلى المدينة واستقبالهم له ثم عاد ﷺ إلى مضجعه الشريف، ثم توالت الأحداث فالتقى ﷺ برهط من الأنصار فكانت بيعة العقبة الأولى، ثم التقى برهط آخرين فكانت بيعة العقبة الثانية، ثم أذن الله له بالهجرة إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه، وكان قد هاجر قبله جمع من أصحابه، ثم تآمرت قريش عليه وقرروا قتله في مؤامرة مشهورة معروفة، ثم أخرجه الله جل وعلا من بين أظهرهم دون أن يروه وهو يتلو: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩]، ثم التحق بصاحبه أبي بكر إلى غار في جبل ثور، عرف بغار حراء، فمكث في الغار والطلب والرصد تبع له مرة بعد المرة، ورسول الله ﷺ في الغار. يمرغ في حراء أديم خد دواماً بالغداة وبالعشي لعلي أن أنال بحر وجه تراباً مسه قدم النبي مكث ﷺ في الغار ثلاثة أيام وقريش تبعث الطلب والرصد فيه فوقفوا على مقربة من الغار وأبو بكر يقول: (يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر أسفل قدميه لرأانا فيقول: يا أبا بكر! ما بالك باثنين الله ثالثهما)، هذا نصر الله جل وعلا على هيئة كتمان آتاه الله جل وعلا النبوة فلما سكن الرصد وقل الطلب خرج ﷺ من الغار وصاحبه متوجهاً نحو هذه المدينة المباركة، وكانت الأنصار بلغهم خروجه ﷺ فيخرجون كل يوم ينتظرون أوبته، ينتظرون قدومه، حتى إذا اشتد عليهم وهج الشمس رجعوا إلى دورهم، فلما كان اليوم الذي وصل فيه ﷺ خرج رجل من اليهود على أطم من آطام المدينة، فلما رأى النبي ﷺ وصاحبه عرفهم فنادى بأعلى صوته: يا بني قيلة! وهو جد تجتمع فيه الأوس والخزرج هذا جدكم الذي تنتظرون فسمع في المدينة التكبير، وابتدر القوم إلى السيوف، وخرجوا يستقبلون نبيهم ﷺ . بالأمس خرج من مكة شريداً طريداً في ظلمة من الليل، ثم ما لبث أن نصره الله فدخل المدينة كأعظم ما يدخلها الملوك والأنصار من حوله، كلما مر على ملأ قالوا له: هلم إلى العدد والعدة، هلم إلى العز والمنعة، يا رسول الله! وهو يقول: (خلوا سبيل الناقة فإنها مأمورة)، حتى بركت الناقة في موطن مسجده اليوم صلوات الله وسلامه عليه، على مقربة من بيت أبي أيوب، فعمد أبو أيوب إلى متاع رسول الله ﷺ فأدخله بيته، فقال ﵊: (المرء مع رحله)، ثم بنى مسجده، وبدأ يضع النواة الأولى لدولة الإسلام صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 320

غزواته ﷺ ثم جاءت الغزوات فكانت غزوة بدر وهي حدث عظيم، لكن من أعظم ما يلفت النظر فيها: أنه ﷺ بعد أن أخذ بالأسباب المادية فجهز الجيش، وأعد العدة، لجأ إلى ربه فاللجوء إلى الله جل وعلا لا يستغني عنه أحد كائناً من كان مهما عظمت قدراتنا، وبلغ حولنا ما بلغ، وزادت قوتنا، فحاجتنا إلى الله جل وعلا حاجة أبدية ملحة؛ لأننا فقراء إلى الله جل وعلا مهما بلغنا. مكث ﷺ في العريش ينادي ربه حتى سقط رداؤه عن منكبه صلوات الله وسلامه عليه، وأبو بكر يأتيه من الخلف فيضمه فيقول: بعض مناشدتك ربك يا رسول الله! فأنزل الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]، فكان النصر له صلوات الله وسلامه عليه، فلما أقر الله عينه بالنصر ووضع القتلى في قليب بدر نظر إليهم ﵊ وأخذ يقول: يا فلان بن فلان! يا فلان بن فلان! يناديهم بأسمائهم: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فتعجب أصحابه قالوا: يا رسول الله! تكلم قوماً قد رموا قال: يا عمر! والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يملكون جواباً)، وعاد ﷺ ، وكان هذا النصر أعظم ما يكون المسلمون في حاجة إليه حتى تطمئن أنفسهم ويثقوا بنصر الله؛ لأنها أول نزال بين أهل الكفر وأهل الإيمان بعد أن أذن الله بالقتال، ثم كانت أحد وما أدراك ما أحد، فيها من العظات الشيء الكثير لكن فيها: أن وجهه ﷺ كان نوراً يتلألأ كأنه فلقة قمر، فمع ذلك يريد الله أن يثبت أن الكمال المطلق لله وحده سبحانه فيشاع في أرض المعركة أنه ﷺ قتل، فيشج رأسه وتكسر رباعيته فيسيل الدم على وجهه الشريف، ثم يمسح ﷺ وجهه الطاهر بيديه ويقول: (كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم؟ كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم؟)، فهو يدعوهم إلى الإسلام فينزل الله جل وعلا عليه قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨]، فالأمر كله لله جل وعلا وحده، وليست بني قومي اليوم إذا سمعوا بهلاك أحد أو بموت أحد أن لا يشغلوا أنفسهم هل هو في جنة أو في نار؟ فهذه أمور لله ﵎ وحده، ولن يكلفنا الله ﵎ بأن ندخل من نشاء الجنة أو أن نحرم من نشاء منها، أو أن ندخل من نشاء النار أو نمنع من نشاء منها، فالجنة والنار لله العزيز الغفار، والله جل وعلا أعلم بخلقه، وأعلم بما تكنه الصدور، فهو ﵎ أسرع الحاكمين. وقد قال بعض الصالحين لولده ينصحه: يا بني! إن الله لن يسألك لما لم تلعن فرعون؟ مع أن فرعون ملعون في كتاب الله، لكن المؤمن العاقل مثل هذه الأمور لا يلقي لها بالاً، ولا يشغل بها نفساً فالجنة والنار بيد رب العالمين، وبيد أرحم الراحمين، ولن يسألنا الله من هم أهل الجنة؟ ومن أهل النار؟ لكننا لأنفسنا نسأل الله الجنة ونستجير بالله جل وعلا من النار. وفي مسند البزار: (أن لا إله إلا الله كلمة كريمة على الله، من قالها في الدنيا صادقاً دخل الجنة، ومن قالها في الدنيا كاذباً حقنة دمه وحسابه على الله جل وعلا) فالعاقل لا يشغل نفسه بما لا يعنيه، لكنه في حوادث الدهر يحكم فيهم ما أمر الله به ورسوله، أما الحوادث الأخروية فلسنا مسئولون عنها؛ لأن علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى. في غزوة أحد أراد الله جل وعلا أن يربي المسلمين على أن القادة العظماء والزعماء الأفذاذ لا يربون الناس على التعلق بذواتهم وعلى حبهم والمبالغة في الغلو فيهم ولكنهم يربون الناس على التعلق بالله جل وعلا فلما أصاب المسلمين ما أصابهم يوم أحد قال الله جل وعلا معاتباً أهل الإيمان: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤ - ١٤٥]. فالعاقل لا يربي الناس على التعلق به، وإنما يربيهم على التعلق بإله الكون وحده، فلا إله إلا الله تعني: أن الكمال المطلق، والحب المطلق، والتوحيد المطلق، والتكبير المطلق، لا يكون إلا لله جل وعلا وحده، فإذا كان سيد الخلق وجوده رحمة، وعدمه لا يضر المسلمين شيئاً إذا اعتصموا بما جاء، كان غيره أولى وأجدر أن تطبق عليه هذه القاعدة، فكان ﷺ حية مبادئه، والدين الذي جاء به، أما هو ﷺ فيجري عليه حتى قلم القضاء: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣٠ - ٣١]. فهذا أعظم ما خرج المسلمون منه يوم أحد من تربية إلهية لهم، ثم كانت غزوة الأحزاب فجمعت قريش وقدموا على رسول الله ﷺ في مدينته فاستشار الناس؛ فأشار عليه سلمان الفارسي أن يحفر الخندق، والخندق وسيلة حربية مجوسية أخذها سلمان من أهل فارس لم يكن للعرب عهد بها ولا علم آنذاك، وهنا نأتي لما عرف في عصرنا بصراع الحضارات، ينبغي أن يفرق أهل التقوى ما بين التقارب الديني وما بين التقارب الحضاري، الدين -يا أخي- صنع إلهي لا يملك أحد أن يزيد فيه وينقص، والحضارة صنع إنساني قابلة للزيادة والنقصان، قابلة للأخذ والعطاء، قابلة للتلاقح بين الأمم إذا تقاربت وتناكحت. فالنبي ﷺ قبل مشورة سلمان وعمل بالخندق لما رأى فيه مصلحة يقوم به فلاح أمته، ولم يقل ﷺ حينها: (من تشبه بقوم فهو منهم)، وهو محمول على من تشبه بهم في أمور الدين، أما الصناعات الإنسانية فليست ملكاً لأحد، ولقد كانت العرب لا تأتي المرأة وهي مرضع خوفاً على أن يؤثر الإسلام على الرضيع فلما بلغ النبي ﷺ أن فارس والروم تصنع ذلك ولا يضر أبناءها شيئاً لم ينه أمته عنه كما روى مسلم في الصحيح من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، فالحضارات حق مفتوح وأمر مشاع يجوز للأمة أن تأخذ منه إذا رأت أن في ذلك مصلحة، والحكمة ضالة المسلم أنى وجدها أخذها، أما الدين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، ما عندنا من الدين يمنعنا أن نأخذ ولو قطرة من سقاء من أي دين أو ملة على وجه الأرض؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، ثم توالت الأمور حتى كانت السنة السادسة فعزم ﷺ على التوجه إلى مكة معتمراً وأخذ معه رهطاً من أصحابه معهم السيوف في قرابها، فلما دنوا من البيت العتيق منعتهم قريش من أن يدخلوه فجرى ما جرى من التفاوض، تريد قريش أن تطمئن أن النبي ﷺ لم يأت لقتال، فكان أن بعث ﷺ عثمان؛ لأنه كان يومئذ عزيزاً منيعاً في بني أمية، وكان أكثرهم مشركاً حينذاك، ثم أشيع أن عثمان قد قتل فبايع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم نبينا ﷺ على الموت تحت ظل شجرة سمرة، فالذين بايعوه ألفاً وأربعمائة رجل إلا الجد بن قيس، وقد كان رجلاً منافقاً لم يحضر البيعة، قال النبي ﷺ لهؤلاء: (أنتم خير أهل الأرض)، وقال لهم: (لا يدخل النار رجل بايع تحت الشجرة)، ثم إنه ﷺ بسط يمينه وقال: (هذه عن عثمان ثم بسط يساره يبايع نفسه بنفسه)، قال العلماء: فكانت يد رسول الله لـ عثمان، خير من يدي عثمان لـ عثمان نفسه. بعد هذه البيعة وبعد مداولات أقر الصلح بين المسلمين وكفار قريش، والصلح ظاهره: أن فيه إجحافاً بحق المؤمنين وباطنه الرحمة، إذ وضعت الحرب وألقت أوزارها، وخلدت الناس، وأخذ ذوي العقول يفكرون في الطرائق المثلى للوصول إلى الإيمان. إن هناك أناساً يرزقهم الله جل وعلا عقلاً فيمنعه من الاستفادة منه: حجب التقليد التي يضعونها أمامهم، أبو جهل كان يعلم أن محمداً ﷺ على الحق ورأى من الآيات ما يشهد له بذلك، لكن الحسد والتقليد الأعمى منعه، وكان سبباً في حرمانه من دخوله الإيمان. أما سراقة بن مالك فلما سمع النبي ﷺ ورأى الآية لما غارت قوائم فرسه آمن أن النبي حق وعرف الآية، ونبذ التقليد وراء ظهره، خلال هذه الفترة بعد الصلح رجع عقلاء الناس إلى أنفسهم وأخذوا يناقشونها ويحاسبونها فدخل كثير من الناس أفواجاً في دين الله، فانقلب ذلك العدد من ألف وأربعمائة رجل إلى عشرة آلاف يوم الفتح كما سيأتي، ثم عاد ﷺ إلى المدينة وفي العام الذي بعده كانت عمرة القضاء، ثم إنه صلوات الله وسلامه عليه غزا خيبر، ثم لما كان العام الثاني كانت من ضمن شروط صلح الحديبية: أن من شاء أن يدخل في حلف محمد دخل، ومن شاء أن يدخل في حلف قريش دخل، فدخلت بنو بكر في حلف قريش، ودخلت خزاعة في حلف النبي ﷺ ، فأعانت قريشاً بكراً على خزاعة، فقدم عمرو بن سالم الخزاعي إلى ال
следующие страницы →