← Джавами‘

Джавами‘ · id 37431

دروس للشيخ صالح المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (797 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

من نصرة دين الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما أن من نصرة دين الله: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومشاركة إخواننا في هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يسدونه في الدين من ثلمة، وما يقومون به من إحياء السنن، وما يقومون به من إماتة البدع، فنصرة دين الله تكون بصحبتهم، وتكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في البيت، وفي الحي، وفي المجتمع وفي الدولة، كل ذلك وفق الضوابط الشرعية التي بينها الله وبينها رسوله ﷺ .

стр. 387

من نصرة دين الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما أن من نصرة دين الله: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومشاركة إخواننا في هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يسدونه في الدين من ثلمة، وما يقومون به من إحياء السنن، وما يقومون به من إماتة البدع، فنصرة دين الله تكون بصحبتهم، وتكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في البيت، وفي الحي، وفي المجتمع وفي الدولة، كل ذلك وفق الضوابط الشرعية التي بينها الله وبينها رسوله ﷺ .

стр. 388

من نصرة دين الله تعالى نشر العلم وإحياء السنن ألا وإن من نصرة دين الله ﵎: نشر العلم، وإحياء السنن، وتعليم العامة، فكم في القرى والبوادي والأحياء النائية البعيدة مما تحتاج إلى كثير من طلبة العلم الذين يبينون للناس أحكام الشرع وأحكام السنة، ويبينون لهم كثيراً مما خفي عليهم من أمور الدين، وما خفي عليهم من سنن سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه. ألا وإن من نصرة دين الله ﵎ الذب عن حياض العلماء، وعن أعراض الدعاة، والوقوف أمام ما ينالهم من كيد الكائدين، وحسد الحاسدين، وحقد الحاقدين. كما أن من نصرة دين الله ﵎: أن يحرص المسلم على بقاء المجتمع المسلم متوحداً متكاتفاً، ولاة وعامة، دعاة وخاصة، فحرص المسلم على بقاء المجتمع المسلم لا تدخله الزعزعة، ولا يدخله الانفكاك، ولا تبث فيه الفرقة، ولا يشمله الشتات، هذا والله الذي لا إله غيره من نصرة الدين، ومن الحفاظ على لحمة الدين باقية متينة قوية كما أراد الله لها أن تكون.

стр. 389

من مواقف الصديق التضحية بالنفس والمال معشر الأحبة! كما أن من مواقف الصديق رضي الله تعالى عنه: التضحية بالنفس والمال، والإنسان لا يملك أغلى من هذين: نفسه وماله؛ ولذلك قرن الله جل وعلا بينهما في القرآن كثيراً، ولقد ضرب أبو بكر للأمة المثل الأعلى في التضحية بالنفس، والتضحية بالمال، فأما تضحيته بنفسه فظاهرة واضحة في شهوده المعارك، ومن قبل ذلك أن النبي ﷺ هم بأن يدخل الغار ليختبئ من طلب المشركين، فدخل أبو بكر قبله، فلما سأله النبي ﷺ عن ذلك كما أورد أصحاب السير قال: يا رسول الله! أخاف عليك من الهوام المؤذية، فدخل رضي الله تعالى عنه الغار وأخذ يتجول في نواحيه؛ حتى لو قدر أن يكون في الغار شيء مما يؤذي فإنه يصيبه قبل أن يصيب رسولنا ﷺ . ثم لما خرجا من الغار-الرسول والصديق - ومضيا في طريقهما إلى المدينة كان رضي الله تعالى عنه يمشي حيناً أمام النبي ﵊، وحيناً يمشي خلفه، وحيناً يمشي عن يمينه، وحيناً يمشي عن شماله، فقال له رسول الله ﷺ : (ما هذا يا أبا بكر؟ قال: يا رسول الله! أذكر الرصد فأمشي أمامك، وأذكر الطلب فأمشي خلف، وأذكر الكمين فأمشي عن يمينك وشمالك)، فهذا فداء لرسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه، ووالله لو قدر لهذا الرجل العظيم أن يقسم نفسه أجزاء ليفدي النبي ﷺ من كل ناحية لما تردد في ذلك طرفة عين، ولكنها نفس واحدة وبدن واحدة كما لا يخفى على كل أحد. وكما ضحى بنفسه ضحى رضي الله تعالى عنه وأرضاه بماله، فقد ثبت عنه أنه أعتق الكثير من الأرقاء والعبيد -كما بينا في الأول- نصرة للدين، فجاءه أبوه وقال: يا بني! إن كنت ولا بد فاعلاً بأنك تعتق الأرقاء فهلا أعتقت أقواماً ورجالاً جلداً يمنعونك ويحمونك بدلاً من هؤلاء الضعفاء والمساكين الذين تعتقهم؟! قال: يا أبتِ! إنما أريد بعتقي إياهم وجه الله ﵎، فما فكر رضي الله تعالى عنه في نفسه؛ لأنه يعلم أن الله وحده يمنعه ويحميه من أذى كل أحد، ولكن كان همه أن يبذل ذلك المال الذي أفاءه الله عليه في نصرة دين الله ﵎، والتضحية بالمال من أجل دين الله جل وعلا.

стр. 390

من مواطن إنفاق المال ومن هذا نقول: إنه ينبغي على من مَنَّ الله عليهم بالمال أن يتقوا الله جل وعلا في فضول أموالهم، وأن ينفقوها في سبيل مرضاته ﵎، متخذين في ذلك سبيل الحكمة، فإن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لم يبن مسجداً في مكة؛ لأنه لو بناه في الليل لهدمه المشركون في النهار، ولكن المال يوضع في الموطن الصحيح له، ألا وإن من أعظم المواطن التي ينبغي أن يوضع فيها المال في هذا العصر: إطعام الفقراء والمساكين، وما أكثرهم. ثانياً: في تشجيع حلقات التحفيظ الرجالية والنسائية. ومن أن من ذلك إغاثة المسلمين الفقراء واليتامى والمساكين في سائر أنحاء الأرض عبر هيئة الإغاثة، وعبر كثير من المؤسسات الخيرية التي يوثق في دين وأمانة أصحابها. كما أنه مما يوضع فيه المال الوضع الصحيح: تأييد طلبة العلم الذين خالطهم الفقر وأقعدتهم المسكنة عن طلب العلم فلا يجدون من الأموال ما يعينهم على الطلب، فلا شك أن في إعانتهم بالمال، ودعمهم بما ينفقون على أنفسهم كل ذلك من نصرة دين الله ﵎. ومع الأسف نجد الكثير من أثرياء هذا العصر يا ليتهم وجهوا أموالهم والكثير من فواضل ما من الله به عليهم في المباحات أو حتى في الحرام المحض، بل وجه بعضها والعياذ بالله فيما يضاد دين الله ﵎، ولا ينجم عنه إلا أن يتحلل الناس ويتحرروا من دينهم ومبادئهم وأخلاقهم، ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].

стр. 391

من مزايا أبي بكر الصديق الثقة بالله تعالى ومن مزايا أبي بكر: الثقة بالله ﵎، فلما قدم ماله يوم تجهيز جيش العسرة قال له رسول الله ﷺ : (ماذا أبقيت لهم -أي: أهلك-؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله)، ولما قال هذه الكلمة أعلمنا من بعد أن الثقة بما عند الله جل وعلا هي التي تدفع للعمل، وهي التي تدفع إلى العطاء، ولكن من ضعف إيمانه وثقته بربه ﵎ أنى له أن يبدل ويغير، وأنى له أن يجاهد وينفق، وأنى له أن يعطي ويمنع، وأنى له أن يغدو إلى المساجد وهو في شك من الأجر يعطاه أو لا يعطاه، ولكن لما كان هذا الصديق على ثقة بما عند الله ﵎ قدم لله ماله كله، وقال مجيباً لرسوله: (تركت لهم الله ورسوله). ولما نزلت الآية: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:١ - ٤] عاهد أبو بكر كفار قريش وراهنهم على أن الروم سيظهرون ذات يوم على الفرس؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٣ - ٤]. فينبغي أن نكون أجمعين على ثقة بأن الله ﵎ مظهر دينه لا محاله، ومعز جنده، وناصر أولياءه، إن لم يكن اليوم فغداً، وإن لم يكن غداً فبعد غدٍ، وإن لم يشهده هذا الجيل فستشهده أجيال أخر، لكن الله ﵎ لا يهزم جنده، ولا يخلف وعده، ولا يكذب خبره أبداً تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ومما أعان أبا بكر على ذلك: محبته لله ولرسول الله ﷺ ، فمحبة الله ومحبة رسوله ﷺ من أعظم البواعث والدوافع للعطاء نحو الدين، جاء في صحيح البخاري وغيره: أنا أبا بكر في أول أيام إسلامه قبل أن يأذن له الرسول بالهجرة خرج يريد أن يهاجر إلى غير مكة، فقابله رجل يقال له: ابن الدغنة سيد قبيلة كان يقال لها: القارة، فقال: ما أخرجك يا أبو بكر؟! قال: أخرجني قومي ومنعوني أن أعبد ربي، فقال: يا أبا بكر! والله إنك لتقري الضعيف، وتعين الضعيف، وتحمل نوائب الحق، ومثلك لا يَخرُج ولا يُخرج، أفتقبل أن تكون في جواري؟ قال: نعم، فرده إلى مكة، فلما رده إلى مكة طاف ابن الدغنة على مجامع قريش وأنديتها يخبرهم أن أبا بكر في جواره على شريطة أن يعبد الله في قعر داره، لكن أبا بكر بعد ذلك ابتنى مسجداً في داره، وأخذ يصلي فيه، وكان رضي الله تعالى عنه رجلاً أسيفاً إذا قرأ القرآن لا يملك دمعته، فكان إذا قرأ وبكى اجتمع عليه نساء المشركين وأبناؤهم وصبيانهم وجواريهم، ففتن الناس في دينهم وألبس على المشركين أمرهم، فذهب الأشراف من قريش إلى ابن الدغنة وقالوا له بخبر أبي بكر، فجاء ذلك الرجل إلى أبي بكر وأخبره أنه أصبح في حل من شرطه أو أن يعود إلى ما كان عليه، قال: لا، بل أترك جوارك وأذهب إلى جوار الله ﵎. فمحبة أبي بكر لله ﵎ جعلته لا يتمالك أن يقرأ القرآن وهو يعلم أن القرآن كلام الله دون أن تذرف دمعته وتخشع نفسه، وترتجف جوارحه، ومثال هؤلاء قال الله ﵎ في حقهم: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٧ - ١٠٩]. وكما أحب أبو بكر الله أحب رسوله ﷺ ، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: أن أبا بكر لما دخل عليه رسول الله ﷺ يخبره بخبر الهجرة قال: (يا أبا بكر! أخرج مَن عندك، قال: يا رسول الله! إنما هم أهلك بنتاك: عائشة وأسماء، فقال: يا أبا بكر! إن الله قد أذن لي بالهجرة، فقال: يا رسول الله، الصحبة الصحبة، فقال رسول الله: نعم، الصحبة الصحبة)، فبكى رضي الله تعالى عنه وأرضاه من الفرح حتى قالت عائشة: والله ما ظننت أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي من الفرح يوم أن أخبره رسول الله ﷺ بموافقته على صحبته للهجرة، فإذا امتلأت قلوبنا محبة لله ومحبة لرسوله ﷺ هان على أقدامنا أن تقف بين يدي الله في ظلمات الأسحار، وهان عليها أن تكسر الحواجز والأسوار إلى المساجد، وهان على هذه الألسنة أن تذكر الله بكرة وأصيلاً، وهان على هذه الجوارح أن تدافع وتذب عن سنة محمد ﷺ ، لكن كثيراً منا يأخذون الدين كأحكام فقهية صرفة بحتة دون أن يخالط سويداء القلوب محبة الله أو محبة رسوله ﷺ ، فإذا سمع فتوى مخالفة أو حكماً شرعياً من عالم آخر رجع عما كان عليه؛ لأنه كان ينظر إلى المسألة من زاوية فقهية فقط، ولو نظر إليها من زاوية إيمانية ومن محبة الله وامتثال هدي رسول الله ﷺ لأفلح وتاب. هذه أيها الإخوة مواقف أبي بكر، وهذه الأسباب التي أعانت أبي بكر على أن ينصر الله وينصر رسوله ﷺ . أكتفي بهذا ونتفرغ الآن بالإجابة على الأسئلة؛ لعل فيها ما يبين للناس أمور دينهم، ويوضح لهم ما قد التبس عليهم في هذه المحاضرة إن وجد. وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على سيدنا محمد.

стр. 392

الأسئلة

стр. 393

نصيحة لمن به وسواس في الوضوء والصلاة السؤال هذا سؤال يقول: أحدهم هداه الله يقول: أنه به وسواس في الوضوء وفي الصلاة، ومن الملاحظ عليه أنه إذا توضأ ودخل وقت الصلاة خرج وقت الصلاة وهو يتوضأ، حتى إنه بعض المرات يستمر في الوضوء حتى بعد انتهاء الوقت؟ الجواب لا ريب أيها المؤمنون! أن الوسواس داء أصاب كثيراً من الناس اليوم، والذي ينبغي على المسلم أن يحتاط لدينه، فيعتمد على الأذكار الشرعية، وأن يعلم أن الشيطان حريص على أن يصرفه عن الطاعة، فيبث فيه وينزغ في ذاته كذا وكذا من الأمور؛ حتى يلهيه عن الصلاة بالكلية، لكن ينبغي عليه أن يعرض عن مثل هذا ويتجافاه ويجعله وراء ظهره ودبر أذنيه؛ لأن هذا والعياذ بالله قد يؤدي إلى أن يأثم الإنسان إثماً شرعياً.

стр. 394

نصيحة للآباء في تربية أبنائهم على الصلاة السؤال أرجو من فضيلتكم نصح الآباء الذين يهملون في تربية أبنائهم وعدم متابعتهم في المحافظة على الصلاة، مع بيان حكم تارك الصلاة والمتهاون فيها؟ الجواب لا ريب أن من نصرة دين الله، ومن أعظم الواجبات تربية الأبناء على ما أمر الله به وأمر به رسوله ﷺ ، ولقد جنح كثير من الآباء في هذا العصر إلى عكس هذا الأمر، فهيئوا لأبنائهم بوسيلة أو بأخرى أسباب معصية الله ﵎، والله جل وجلاله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]. ولا ريب أن أعظم ما أمر الله به بعد الشهادتين: إقامة الصلاة في وقتها؛ ولذلك ينبغي على الأب المؤمن أن يحرص على تربية أبنائه تربية إسلامية، وعلى أن يدلهم على المساجد، ويحثهم على الطاعات، ويأخذ بأيديهم إلى ما يقربهم من الله زلفى، وأن يكون سداً منيعاً أمام من يريدون أن يقوضوا البيوت المسلمة ويهدموا أركان الإيمان فيها.

стр. 395

كيفية التحمس لقيام الليل السؤال إذا قرأنا عن السلف الصالح في قيام الليل يأتيني حماس للقيام، وإذا كنت في نصف الليل يأتيني فتور؟ الجواب الإنسان يواجه في أول الأمر فتوراً شديداً في أداء قيام الليل، ولا ريب أنه مما يعين على قيام الليل التخلص من الذنوب، فقد جاء رجل إلى الحسن البصري فقال: يا أبا سعيد! إنني أعد مائي وطهوري حتى إذا جاء الليل نمت عنه، فقال: يا هذا أثقلتك ذنوبك، فينبغي على المؤمن أن يتحرر أولاً من المعاصي والذنوب في النهار، ثم يسأل الله ﵎ أن يرزقه هذه المكانة الجليلة ألا وهي الوقوف بين يدي الله ﵎، ثم ليتذكر ما أفاءه الله على عباده الصالحين من نعمة الوقوف بين يديه، وما أثنى عليهم بقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨]، وما ورد في الأخبار الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، فقد كان ﵊ يقوم أول الليل، ويقوم وسطه، وانتهى وتره ﷺ إلى آخر الليل.

стр. 396

الكلام عن كتب العقلانيين وفكرهم وتبرئة العلماء من ذلك السؤال ما رأيك يا فضيلة الشيخ في كتب العقلانيين، وما هي نصيحتك لمن ينشرها مع العلم أنها تشابه كتب الحداثيين والعلمانيين؟ الجواب يا إخوة هذا دين وينبغي ألا يتكلم فيه إلا من يعلم، وإن مما نعانيه أنه تجرأ على هذا الدين من لا يفقه فيه، وهذا التجرؤ قد يقود أحياناً إلى أن يتهم العبد الناس بما ليس فيهم، وأذكر حادثة رأيتها أمام عيني، فقد كنت ذات يوم ضيفاً في إحدى المدن خارج المدينة، فسأل أحد الحاضرين عن الشيخ محمد الغزالي رحمة الله تعالى عليه الداعية المصري المعروف الذي توفي مؤخراً، فقام أحد الحاضرين يستبق المسئول بالإجابة، وقال لذلك السائل بلغته: أيش تبغى فيه، هذا يقول: إن الرجل لو جلس في بيته على التلفاز واستمع الأغاني فلا شيء عليه، فلما قالها: نفض ذلك الرجل السائل يده، وقال: لا خير فيه، وقال فيه بعض السباب. وهذا من الظلم للشيخ الغزالي ومن الظلم لغيره. إن الله ﵎ سيسأل كل عبد عن قوله، والكلام في الأئمة والعلماء أياً كانت جنسياتهم وأياً كانت مواطنهم ينبغي أن يكون على برهان وعلى علم بحقيقة القول، ولا ينبغي أن يكون جزافاً؛ لأنه خالفك في فتوى، أو خالف مشايخك في مسألة فقهية، وينبغي أن يعرف لعلماء المسلمين أياً كانت مواطنهم ولو في أصقاع الأرض يعرف لهم قدرهم ويعرف لهم مكانتهم، ولا يوسمون بما ليس فيهم، فالعقلانيون فريقان: فريق ينكر الدين كله ولا يؤمن إلا بما يتفق مع العقل، وهؤلاء أصلاً كفار وليسوا بمسلمين، ولا يوصفون بأنهم علماء ولا دعاة، ولا خير فيهم أبداً، بل هم في صف الملاحدة، وسبهم والكلام فيهم دين وملة وقربة. وفريق من علماء المسلمين وسموا من الناس بأنهم عقلانيون، وقد نبه بعض العلماء والدعاة عنهم في بعض كتبهم غفلة منه؛ لأنه لم يفقه السبب الذي من أجله ردوا بعض النصوص، وأنا أذكر هنا هذا براءة للدين، فمثلاً الشيخ الغزالي نفسه وسم بأنه عقلاني؛ لأنه توقف في الحديث الذي في صحيح مسلم أن النبي ﷺ لما سأله رجل: (أين أبي؟ قال: أبوك في النار، ثم لما انصرف الرجل رده ﷺ وقال: أبي وأبوك في النار)، قال هذا الرجل: قالوا: إن الشيخ الغزالي لا يأخذ بهذا الحديث رغم أن الحديث في صحيح مسلم، فقالوا: إنه يرده؛ لأنه لا يوافق العقل الذي يمشي عليه في أنه كيف يكون أبو رسول الله ﷺ في النار، والحق أن الشيخ رحمة الله تعالى عليه ما رد هذا الحديث لأنه مخالف للعقل، وأنا أقول مثله، فهذا الحديث رغم أنه في صحيح مسلم إلا إن الإنسان-عن نفسي أتكلم- يتوقف أمامه؛ لأن الدين لا يبنى على مجاملة الآخرين، وصحيح السنة لا يمكن أن يعارض صريح القرآن، والقرآن قطعي الدلالة قطعي الثبوت، وقد قال الله ﵎ في كتابه المبين: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:٢]، ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة:٣]. فأخبر جل وعلا أن قوم محمد ﷺ ما أنذروا قط، وفي آية يس: ﴿مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٦ - ٧]، فالله أثبت في القرآن أن أولئك لم ينذروا، وقال جل وعلا في آية الإسراء: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فالآيتان محكمتان بنص الكتاب أن الله لا يعذب إلا من أرسل إليه، والله أخبر أن الملأ ممن كانوا قبل محمد ﷺ لم يرسل إليهم رسول؛ لأجل هذا توقف الشيخ الغزالي في قضية حديث مسلم: (أبي وأبوك في النار)، وأياً كان الأمر فإن هنة واحدة، أو مثلب واحد، أو ممسك واحد على عالم من علماء المسلمين لا يقدح فيه، ولا يلزمنا أبداً أن نتهمه بما ليس فيه، فالشيخ الألباني مثلاً على جلالة قدره وعلمه وهو المعروف المشتهر وخدمته للسنة واضحة ظاهرة بينة، نقم عليه البعض قوله: بأن الوجه والكفين في المرأة ليسا بعورة، فخلط أقوام ما بين القول بأن الوجه والكفين ليسا بعورة وبين إنكار الحجاب، وهذا من الجهل، فالشيخ الألباني ومن تبعه في هذه المسألة ومن قبله لم يقل أحد منهم أن الحجاب ليس بموجود، بل إننا نقول: إن من أنكر الحجاب فإنه يكفر؛ لأن الحجاب من المعلوم من الدين بالضرورة، ومن المنصوص عليه في الكتاب، ولكن الخلاف في الحجاب ما هو؟ ففرق أن يكون الخلاف: هل هناك حجاب أو لا؟ وبين ما هو الحجاب؟ فالشيخ الألباني ومن وافقه ومن قبله يقولون: إن الوجه والكفين ليسا بعورة؛ لأنه ليس في كتاب الله نص صريح واضح على أن المرأة تغطي وجهها، لكن يشهد نصوص أخر من السنة النبوية على أنه يحسن بالمرأة أو يجب على المرأة أن تغطي وجهها، فهذا الخلاف يجب أن نعرفه، فإذا جاء رجل ينقض الحجاب كله جلبنا عليه بخيلنا ورجلنا وسفهنا رأيه، وإن جاءنا مسلم يقول: أنا مؤمن أن المرأة يجب أن تتحجب، لكني لا أقول إن الوجه والكفين عورة، فهنا يقف المسلم؛ لأن هذا القول قد قال به أفذاذ العلماء: قال به مالك كما في المدونة، وقال به غيره من أئمة السلف، وقال به كثير من العلماء، فالمسألة ينبغي أن تكون بينة واضحة عند الحكم على الناس. وأما الحداثيون، فالحداثة قالب لا أكثر ولا أقل، فإن استخدمت في الخير فهي خير، وإن استخدمت في الشر فهي شر، ولكن دعاتها ورموزها والذين وفدوا بها على أهل الشرق وعلى أهل الإسلام كانوا أساطين وأرباباً في الهجوم، ومحاربين لله، ومحاربين لرسوله ﷺ جهاراً وعياناً؛ فلذلك لا نتورع أبداً في أن نقف ضدهم، بل إن الوقوف ضدهم كما بينا في المحاضرة دين وقربة وملة يجب أن نتعبد الله ﵎ به، فتعرية المناهج أمر واجب إذا تبينا أنها خطأ، فإن كان الشخص المتكلم رجل من أهل السنة معروف بدينه وعلمه وفضله فيرد عليه قوله فقط، أما شخصيته وذاته فتبقى محفوظة مرموقة، فله مكانته وله جهاده في الدين، ويرد عليه قوله إن كان قوله مما تيقنا أنه خطأ، وأنه معارض لما في الكتاب والسنة، والله أعلم.

стр. 397

حكم تدريس شعر صلاح عبد الصبور السؤال أنا طالب أدرس الآن الشعر لـ صلاح عبد الصبور، ويقول أستاذنا عنه: أنّا لا نهتم إلا بالجانب الأدبي، وأكثر الأشعار بعيدة عن الدين، فما هو الحل؟ الجواب الحل أولاً: لعلنا نستطيع أن نرفع إلى مقام الوزارة أن يلغوا شعره من الكتب. والأمر الثاني: ينبغي على الأستاذ وجوباً شرعياً أن ينبه على الخطر العقدي الناجم عن أقوال أي شاعر كـ صلاح عبد الصبور أو غيره، ولا بأس أن يعلم الجانب الأدبي عندهم حتى يكون الإنسان قوي حجة في الرد عليهم، لكن ينبغي على الأستاذ في المقام الأول أن ينبه على أغلاط هؤلاء، وعلى ما اقترفته أيديهم في دين الله ﵎.

стр. 398

نصيحة لمن اعتاد على العادة السرية السؤال أنا شاب في سن صغيرة ولكن أهلكتني العادة السرية، فبماذا تنصحني؟ وقد قال في أولها: يا شيخ إني أحبك في الله؟ الجواب نقول أولاً: أحبك الله الذي أحببتنا فيه. وثانياً: تقول العرب يا أخي: إن السلامة من سلمى وجارتها ألا تمر على سلمى وواديها فلا يمكن أن يقف شاب في ذروة شبابه ويتأمل الأفلام، وصور النساء الحسناوات، والحركات والرقصات التي تذاع في التلفاز عبر القنوات الفضائية، وأفلام الفيديو، ثم بعد ذلك نطالبه بأن يمسك غريزته وألا يخرجها إلا في المخرج الصحيح، هذا لا يتأتى عقلاً، لكن أول الأمر يا بني أن تفر من الأسباب التي تدعوك إلى أن تقع في هذه العادة السرية، فإن أغلقت على نفسك النوافذ، وأغلقت على نفسك الأبواب ولم يبق لك من هذا الأمر شيء، بعد ذلك سيعوضك الله جل وعلا بطرائق ذاتية كالحلم في الليل وما شابه ذلك، فتخرج به ما زاد عن حاجتك وطاقتك، أما أن يعكف الشاب على صور محرمة، أو أن يجول في الأسواق، أو أن يخاطب الفتيات في الهاتف، ثم يقول: أنا أقع في العادة السرية فهذا أمر حتمي؛ لأنه من لزوم ما يلزم. ثم يا بني افزع إلى الله ﵎ في أن يتوب عليك من هذه العادة، واسأله جل وعلا أن يعوضك خيراً منها، واملأ وقتك وفراغك ولو بالأمور المباحة: العب الكرة، سافر كثيراً، اذهب مع الأصحاب، احضر المحاضرات، اشغل نفسك ببر والديك، اذهب هنا وهناك، تزود بالرحلات وغيرها، لا يكن في وقتك فراغ يتسنى فيه إتيان هذه العادة، فهذا مما يعينك، وأسأل الله جل وعلا أن يعينك وسائر من ابتلي بهذه العادة على أن يتركها.

стр. 399

نصيحة لمن يبيع المجلات التي فيها صور النساء الكاسيات العاريات السؤال يقول: يوجد في الحي سوبر ماركت تبيع المجلات وبها نساء كاسيات عاريات وما إلى ذلك، فهل من نصيحة؟ الجواب نحن لا نوجه النصيحة لهذا فقط، بل إننا نوجهها لكل من يبحث عن الرزق بهذه الوسائل، يقول ﷺ : (كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به)، ولا ريب أن بيع مثل هذه المجلات سحت محرم، فإذا كانت المجلات فنية صرفة، وتعين على الفواحش وتسوق لها وتروج لمثلها فلا ريب أن بيعها حرام، ونسأل الله أن يتوب على صاحب هذا المحل وعلى غيره من المسلمين، وأن يعيننا وإياهم على طاعته.

стр. 400

حكم سلام المرأة على أخي زوجها أو زوج أختها عبر الهاتف، والسؤال عن أحوالهم السؤال ما حكم السلام على أخي الزوج، وزوج الأخت عبر الهاتف، والسؤال عن أحوالهم؟ الجواب سلام الرجال على النساء في عمومه مشروع، فلا بأس أن يسلم الرجل على امرأة أجنبية عنه، سواء كانت من أقاربه أو من غير أقاربه إذا أمنت الفتنة، ولكن إذا كان من أقاربه يكون فهذا أدعى للسلام، والسؤال عن الأحوال، ولا يزيد في هذا، ويجب على المرأة وهي تجيب ألا تخضع في القول. وأما أن يسألها أخو زوجها عن حالها وما شابه ذلك على عجالة فهذا لا بأس به، فإن كانا شابين وخافا على نفسيهما الفتنة فيكتفيان بالسلام فقط.

стр. 401

ترتيب كفارة اليمين السؤال هل يكفي صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين، أم هناك عمل آخر؟ الجواب كفارة اليمين هي أولاً: الإطعام أو عتق رقبة، أما عتق الرقبة فلا أظنه موجوداً في هذا العصر، وأما الإطعام فإنه يكون في المقام الأول، فإن لم يتيسر له إطعام عشرة مساكين -أي كان فقيراً- فإنه ينتقل إلى الصيام، لكن لا يبدأ كما هو مشهور عند الناس يبدأ بالصيام، هذا لا يجوز، بل يبدأ أولاً بالإطعام إن قدر عليه، فإن قدر عليه انتهى الأمر وتمت الكفارة، فإن لم يقدر عليه-أي: على الإطعام- انتقل إلى صيام ثلاثة أيام، فإذا صامها تم بذلك الأمر.

стр. 402

حكم من وضعت حول ولدها بطانية فمات السؤال هذه امرأة تقول: إنها أنجبت توأماً فقيل لها: إنهما لم يستكملا نموهما، فأحدهما مات بعد ساعتين من ولادته، والآخر مات بعد عشرة أيام، وكيفية موته أن أمه كانت تضع حوله بطانية، فقد قيل لها: إن هذا الأمر ينفعه في صحته، وفي يومه العاشر عندما استيقظت أمه وجدته قد مات، والأم في هذا الموقف تسأل: هل عليها ذنب في ذلك أو كفارة؛ لأنها وجدت البطانية على وجهه وقد كتمت نفسه، وجزاكم الله خير؟ الجواب أما الأول فقد أفضى إلى ربه بقدر الله المحض، وأما الثاني: فإن الأم وإن وضعت حوله البطانية إلا أن ظاهر السؤال أن الأم لم تتعمد إيذاء ولدها، بل فعلتها وغالب ظنها أن هذا فيه مصلحة له، وعلى هذا عليها الاستغفار فقط، ولا يلزمها كفارة قتل الخطأ؛ لأن الخطأ هنا بعيد جداً أن تكون تعمدته.

стр. 403

نصيحة للذين يستخدمون الدشوش الفضائية السؤال ما حكم الذين يستخدمون الأطباق الفضائية -ما يسمى بالدش- وما نصيحتك إليهم؟ الجواب المسلم مسئول عن بيته أمام الله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، والعلماء والدعاة تكلموا في هذا الأمر كثيراً، والإنسان ربيب نفسه ومالك أمره، والوقوف بين يدي الله جل وعلا ساعة رهيبة لا يطيقها أحد إلا المتقون فقط، فلا يقدر عليها إلا من وفقه الله جل وعلا للعمل الصالح، وكون الرجل يضع على بيته طبقاً فضائياً ينجم عنه إيصال برامج وأفلام ومناظر تخدش الحياء، وتتعارض مع الدين، وتدعوا إلى الفحشاء فهذا لا يليق بالمؤمن ولا يجوز شرعاً، فهو آثم لا محالة ما دام هذا الطبق على بيته، ويأثم كذلك إذا نجم عن الأولاد معصية بسبب ما يشاهدونه في التلفاز، فهو والعياذ بالله بهذا الأمر يتقلب في نقم الله ﵎. نسأل الله جل وعلا أن يحفظنا وإياكم، وأن يجعلنا دعاة ناصحين أينما حللنا ونزلنا.

стр. 404

حكم قص المرأة شعرها زينة لزوجها مع عدم التشبه بالكافرات السؤال تقول: ما حكم قص المرأة شعرها علماً بأنها تتزين لزوجها ولا تتشبه بالكافرات؟ الجواب لا بأس أن تقص المرأة شعرها إذا أرادت بذلك أن تتزين لزوجها، قال الله تعالى في إخباره عن النساء: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]، والأصل في العادات الإباحة حتى يثبت دليل على استثناء شيء معين، ولا استثناء هنا، إلا إذا قصدت المرأة التشبه بكافرة بعينها فيما هو من خصائص أهل الكفر، وأما إذا كان من خصائص الناس جميعاً أهل الكفر وأهل الإيمان فلا يدخل في عموم قوله ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم).

стр. 405

حكم من كان مقصراً في حق زوجته من حيث المصاريف وغيرها السؤال امرأة تقول: إن زوجها هجرها منذ عشر سنوات، وهي تقوم بزيارته بين حين وآخر، وتقوم بالخروج دون إذنه، فهل عليها ذنب في ذلك؟ والزوج مقصر عليها بالمصاريف فهي تقوم بالشكاوى على أهله، فهل يجوز لها أن تتكلم عليه في غيبته لأهله حتى يُرفع هذا الظلم؟ الجواب إن كان حقاً ما تقول: من أنه هجرها منذ عشر سنوات ولا يعطيها مصاريف فإنه لا غيبة له في أن تخبر أهله بذلك؛ لحديث هند رضي الله تعالى عنها: أنها أخبرت النبي ﷺ أن أبا سفيان رجل شحيح، فإن كان الرجل غير موجود في البيت هاجراً له، فلا إذن له في أن تستأذنه المرأة أن تذهب إلى مكان ما، فالمهم ألا يكون في ذلك المكان معصية لله، وأما الإذن هنا إذا كان هاجراً هجراناً غير تأديبي فلا حق له في أن يستأذن منه.

стр. 406

وقت فرض الحج وطعام أهل الجنة السؤال متى فرض الحج مع الدليل؟ وما هو طعام أهل الجنة؟ الجواب فرض الحج في السنة العاشرة، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]. وأما طعام أهل الجنة فقد صح عنه ﷺ من حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه: أن يهودياً قال: (يا أبا القاسم! أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ قال: هم في الظلمة دون الجسر، قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: فقراء المهاجرين، قال: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: زيادة كبد النون، قال: فما غذاؤهم على إثر ذلك؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها).

стр. 407

حكم الإيداع في بنك فيصل الإسلامي السؤال هل يجوز الإيداع في بنك فيصل الإسلامي؟ الجواب نعم بلا ريب، يجوز الإيداع في بنك فيصل الإسلامي، وفي مصارف الراجحي والسبيعي وما شابه ذلك من المؤسسات، وأما البنوك الربوية المحضة المعروفة فإن الإنسان إذا احتاج إليها اضطراراً كالذين يعيشون في غير هذه البلاد فلا حرج؛ حفاظاً على أموالهم إذا كانوا لا يأخذون فائدة؛ لأن الدين جاء بحفظ الضرورات الخمس ومنها: المال كما هو معلوم.

стр. 408

السبب الذي جعلنا نبتعد عن ديننا ونميل إلى دنيانا السؤال ما هو السبب الذي جعلنا نبتعد عن ديننا، ويجعلنا نميل إلى دنيانا، ولا نعتبر بقدوتنا الرسول ﷺ وأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه؟ الجواب لا ريب أن حب الدنيا غلب على الناس، ودعاهم إلى ترك كثير من الأعمال الصالحة، ولا ريب أن ضعف الإيمان في القلوب هو الذي أثر على الناس اليوم، والناس في هذا الدين واحد من اثنين: ناس يدخلون في الدين فيأخذون من الدين ما يعجبهم، ويتركون ما لا يعجبهم، وأناس -جعلنا الله وإياكم منهم- يدخل الدين في قلوبهم، فإذا دخل الدين في قلوبهم سيرهم وفق ما أراد الله ووفق منهج محمد ﷺ ، فالمؤمن ينبغي عليه أن يكون حريصاً على أن يدخل الإيمان قلبه بحق؛ حتى يغير الدين فيه ما هو باطلاً وما هو مضاد لما جاء به رسول الله ﷺ عن ربه.

стр. 409

كيفية المحافظة على زيادة الإيمان السؤال كيف نحافظ على مستوى الإيمان بعد المحاضرة؟ الجواب العمل بما تسمع أعظم الطرائق للمحافظة على مستوى الإيمان، فلا يكفي أن يستمع الإنسان إلى المحاضرة أو إلى القرآن أو إلى الحديث، ولكن اعمل بما تسمع من آية أو من حديث أو من محاضرة يرفع ذلك مستوى الإيمان في قلبك، وينفعك بإذن الله ﵎، أما أن يكون القول يتبعه قول، والمحاضرة فقط تتبعها محاضرة، ولا ينقلب ذلك إلى واقع محسوس ملموس في واقعنا فهذا هو الذي أضعف الإيمان في قلوبنا، وأبعدنا عن الله، وأبعدنا عن رسوله ﷺ ؛ ولذلك أثنى الله على الأخيار بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]، وقال ﵎ لداود وآله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]. ختاماً نسأل الله ﵎ أن يجزيكم خيراً على هذا الحضور، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على سيدنا محمد.

стр. 410

من نبأ المرسلين أنبياء الله ورسله هم أتقى الناس وأخشاهم لله تعالى، وكانوا أكمل العباد في إيمانهم وعبادتهم وأخلاقهم وجميع أحوالهم، لذا فهم القدوة الحسنة، والأسوة المثلى لمن أراد السلامة والنجاة، والعلو والسمو، والنجاح والفلاح في الدنيا وفي الأخرى.

стр. 411

بعض الحقائق العلمية عن أنبياء الله ورسله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، خلق آدم بيده، وأسجد له ملائكته، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً. وأشهد أن لا اله إلا الله وحد لا شريك له، أفاض على عباده النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وأودع الكتاب الذي كتبه: أن رحمته تغلب غضبه، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، نبي ما ترك خيراً إلا ودل أمته عليه، ولا شراً إلا وحذر أمته منه، ولا طائراً يقلب جناحيه في السماء إلا وآتاه منه علماً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة حتى تركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. خير من صلى وصام وأفطر، اللهم صلّ وسلم وبارك وأنعم عليه ما لاح برق وأمطر، اللهم وعلى آله وأصحابه أئمة الدين ومصابيح الهدى ومنارات الدجى، اللهم وعلى من تبعهم بإحسان وعلى طريقهم اقتفى إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. من مدينة رسول الله ﷺ ، من المدينة التي أرادها الله أن تكون مأوىً ومثوىً لخير خلقه وصفوة رسله، من المدينة التي وصف الله أهلها بقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر:٩]، من المدينة التي صعد النبي ﷺ منبرها وقال: (هذه طابة هذه طابة)، من مدينة خير الخلائق، من مدينة مَن أوضح الله به الطرائق قدمنا إليكم أيها المؤمنون! في مدينة جدة. نقول هذا غير ممتنين به عليكم ولا على أحد، بل لله العظيم الحليم وحده المنة والفضل، ولكننا نقول من باب التشرف بالمدينة التي قدمنا منها، ومن باب الفرح بالوجوه الطيبة التي قدمنا إليها، وأي ساعة أجمل من لقاء الأحبة! وتدارس صريح الكتاب وصحيح السنة! أيها المؤمنون! في هذه الليلة الطيبة المباركة وتحت العنوان الذي أُعلن تكون هذه المحاضرة بعنوان: (من نبأ المرسلين)، فإنه من باب التأصيل العلمي، وحتى نكون جميعاً على بينة فيما يقال فإن الحديث سيكون على جزأين: الأول: في ذكر بعض الحقائق العلمية عن رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. والأمر الثاني: فيما يمكن أن نستقيه ونستفيده وندرسه من دروس وعبر من سيرة رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بلا استثناء. أما الجزء الأول: فإن الله ﵎ لما خلق آدم وأهبطه إلى الأرض بعد الذي كان منه، وتاب عليه ربه وهدى، كان الناس ملة واحدة يعبدون الله وحده ولا يشركون به، ثم اجتالتهم الشياطين وانحرفت بهم عن طريق الحق، فتفرقوا أمماً وشيعاً، وأضحوا على عبادة الأوثان ومحاربة دين الرحمن، فكانت حكمة الله البالغة ورحمته بالعباد أن أرسل الرسل، قال الله جل وعلا: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة:٢١٣]، فكانوا على أمة واحدة -أي: على ملة واحدة- فكان أول رسل الله نوح ﵊.

стр. 412

من خصوصيات الأنبياء أنهم تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم المزية الثانية: أن هؤلاء النبيين والمرسلين تنام أعينهم لكن قلوبهم لا تنام، كما روى البخاري في صحيحه من حديث أنس عنه ﷺ أنه قال: (ونحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا)، ولما قدمت اليهود على النبي ﷺ وسألوه عن أمور خمسة قالوا في أولها: (يا أبا القاسم! ما علامة النبي؟ فقال النبي ﷺ : تنام عينه ولا ينام قلبه).

стр. 413

من خصوصيات الأنبياء أنهم يخيرون عند الموت الأمر الثالث الذي ميز الله به رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين: أنهم يخيرون عند الموت، فإذا دنا منهم ملك الموت ليقبض روحهم خيرهم بين الحياة والموت، فيختارون لقاء الله؛ إيثاراً لما عند الله على ما في الحياة الدنيا، ومعلوم قصة موسى والملك لما جاءه وفقأ موسى عينه، وذلك لما خيره بين الحياة والموت. ونبينا ﷺ -وهو صفوة الرسل وذروتهم ﵊ معلوم أنه ردد عند موته كما روى الأئمة الثقات في كتب الأحاديث أنه كان يقول: (بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى)، حتى روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت وهي تحكي قصة وفاته ﷺ قالت: (فأخذته بحة شديدة ثم سمعته يقول: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً)، قالت أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (فعلمت عندها أنه كان يخير بين الحياة وبين الموت). والأثر الذي جاء عنه ﷺ : أنه في آخر حياته لما شعر بدنو أجله بعد عودته ﷺ من حجة الوداع كان ﵊ يكثر من الذهاب إلى البقيع -مقبرة أهل المدينة- فقام ساعة من الليل ومعه مولاه أبو مويهبة فذهب إلى أهل البقيع ودعا لهم واستغفر لهم، وقال: (ليهنكم ما أنتم فيه مما أصبح الناس فيه، أضحت الفتن كقطع الليل المظلم، ثم قال: يا أبا مويهبة! إنني خيرت ما بين الخلد في الدنيا ثم الجنة، فقال له أبو مويهبة رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي فاختر الخلد في الدنيا ثم الجنة، قال: لا يا أبا مويهبة إنني اخترت لقاء ربي ثم الجنة) صلوات الله وسلامه عليه، فموضع الشاهد منه: أن الأنبياء يخيرون عليهم الصلاة والسلام عند موتهم بين الحياة والموت.

стр. 414

من خصوصيات الأنبياء أنهم يقبرون حيث يموتون كذلك من الأمور التي تفرد بها هؤلاء المرسلون عن سواهم من البشر: أنهم يقبرون حيث يموتون؛ ولذلك فأصحاب نبينا ﷺ دفنوه ﵊ في حجرة عائشة، أي: في المكان الذي مات فيه، بناءً على ما رواه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، حيث قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من نبي يموت إلا ويقبر في موضعه -أي: في مكان موته)، ولذلك أجمع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على دفنه ﷺ في حجرة عائشة كما هو معلوم.

стр. 415

من خصوصيات الأنبياء والرسل عدم أكل الأرض لأجسادهم كذلك مما خص الله به أنبياءه ورسله أن الأرض لا تأكل أجسادهم؛ إكراماً من الله ﵎ لهؤلاء النبيين وأولئك المرسلين، فقد روى أبو داود والنسائي عنه ﷺ أنه قال: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)، وصححه الحافظ وابن خزيمة رحمة الله ﵎ على الجميع، وهذا من إكرام الله لأولئك الصفوة من النبيين والمرسلين. ومما يستأنس به في هذا الخبر: أن الإمام الحاكم روى في المستدرك: (أن موسى ﵊ لما أراد أن يسري بقومه من أرض مصر ضل الطريق، فقال للملأ من بني إسرائيل: ما هذا؟ فأخبره علماء بني إسرائيل أن يوسف ﵇ قد أخذ عليهم العهد والميثاق أنهم إذا خرجوا من أرض مصر أن يحملوا عظامه معهم -وعظامه هنا من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل-، فقال: وأين قبره؟ قالوا: لا يعلم قبره إلا عجوز في بني إسرائيل، فقال: دلوني عليها، فأتوا بها بين يديه، فقال لها أين قبر يوسف؟ قالت: لا أدلك على قبر يوسف حتى تأتيني شرطي أو حكمي؟ قال: وما حكمك؟ قالت: أن أكون معك في الجنة، فكأن موسى استثقل هذا في أول الأمر ثم قال لها: لك حكمك، فدلته على بحيرة وأمرتهم أن يجففوها، ثم حفروا فإذا بعظام يوسف ﵇ -أي: جسده كاملاً-، فحملوه معهم قال ﷺ : فإذا الطريق مثل فلق الصبح أو مثل ضوء النهار يسترشد به).

стр. 416

صفات وحي الله تعالى إلى أنبيائه ورسله فوحي الله جل وعلا إليهم له صفات ثلاث، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١]، فقول الله جل وعلا: ((إِلَّا وَحْيًا)) أي: ينفث في روع ذلك النبي ما لا يشك النبي في أنه من عند الله جل وعلا، كما روى ابن حبان في صحيحه قوله ﷺ : (إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)، أو كما قال ﷺ ، فهذا مما نفث في روعه ﷺ أن هذا وحي من عند الله جل وعلا. والهيئة الثانية في الوحي: أن يكلم الله جل وعلا ذلك النبي من وراء حجاب، كما أخبر الله بصريح القرآن: أنه كلم نبيه موسى، قال الله جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وكلم الله كذلك آدم ﵇، فإن نبينا ﷺ لما سئل عن آدم أنبي هو؟ قال: نعم نبي مكلم، وكلم الله جل وعلا نبينا محمداً ﷺ في ليلة الإسراء والمعراج. الهيئة الثالثة التي يكون عليها الوحي: أن يكون بواسطة الملك، فالملك يأتي بالوحي من السماء فيخبره ذلك النبي، وغالب من يقوم بهذه المهمة هو جبرائيل ﵊، قال الله جل وعلا: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٥]، فهذا وحي الله ﵎ إلى رسله وهو الأمر الأول والأعظم الذي ميز الله به الرسل عن سواهم من البشر.

стр. 417

الأمور التي يميز بها الأنبياء عن سائر الناس ومع كونهم بشراً إلا أن الله ﵎ ميز هؤلاء البشر -أي: الرسل- ميزهم بأمور تختلف عن غيرهم من البشر، أي: لا يمكن أن تكون في بشر سواهم، وإن كان لابد من القول أنه وإن ميزهم الله بأمور سيأتي ذكرها إلا أن هذا التمييز لا يخرجهم عن كونهم بشراً، ولا يعطيهم من صفات الألوهية ولا الربوبية شيئاً، فهم كما أخبر الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف:١١٠]. ومما ميز الله جلا وعلا به أنبياءه ورسله وحيه ﵎ إليهم، فوحي الله جل وعلا إلى أنبيائه ورسله هو الفرق بين جهد الأنبياء والمرسلين وبين جهد المصلحين من غير المرسلين، فإن رسل الله لا يعتري قولهم خطأ ولا كذب ولا افتراء، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]. أما جهد المصلحين والأخيار على مرّ الدهور فإنه لا يمكن أن يسلم من الخطأ؛ لأنهم وإن كانوا مأجورين على ما فعلوه وعلى ما اجتهدوه إلا أن اجتهادهم قد يكون خطأ، وأما أنبياء الله ورسله فهم معصومون في التبليغ عن الله ﵎.

стр. 418

الفرق بين النبي والرسول وقد اختلف أهل العلم في التفريق بين النبي والرسول: فذهب جمع منهم إلى أن النبي: من أوحي إليه بوحي ولم يؤمر بتبليغه، والرسول: من أوحي إليه بأمر أو بوحي وأمر بتبليغه، وهذا وإن قاله جمع من العلماء رحمة الله تعالى عليهم سلفاً وخلفاً إلا أنه قد يكون بعيداً من الصواب، ولعل الصواب أن يقال: إن النبي هو من أوحي إليه ليقرر شريعة من قبله، وأما الرسول: فهو من أوحي إليه بوحي جديد على غير شريعة من قبله، وإن كان الأنبياء والمرسلون مجتمعين على لب الدعوة وهي الدعوة إلى توحيد الله جل وعلا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].

стр. 419

الأنبياء والرسل كلهم من البشر والله جل وعلا اقتضت حكمته أن يكون رسله بشراً، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [فصلت:٦]، وكون أنبياء الله بشراً يقتضي أموراً عدة: يقتضي أن يعتريهم ما يعتري البشر، فهم يصحون ويسقمون، ويأكلون ويشربون، قال الله جل وعلا عن إبراهيم ﵊: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٧٥ - ٨٠]. وقال الله جل وعلا عن عيسى ابن مريم: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥]. ومقتضى بشريتهم أيضاً أنهم يعملون ويشتغلون فيما جرت عادة البشر أن يعملوا فيه، فقد رُوي عنه ﷺ من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: كنا مع رسول الله ﷺ نجني الكباث -نوع من الثمر-، فقال لنا ﷺ : (عليكم بالأسود منه؛ فانه أطيبه، فقلنا: يا رسول الله كأنك كنت ترعى الغنم؟ فقال ﷺ : وهل من نبي إلا وقد رعاها). فجميع أنبياء الله ورسله رعوا الأغنام فهذا يقتضي ويدلل على أنهم كانوا بشراً، وكلنا يعلم أن كليم الله موسى ﵇ عمل أجيراً عند العبد الصالح على عفة فرجه وإشباع بطنه عشر سنين، ثمانية اتفاقاً وعشراً وفاء، ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص:٢٧]، فهذا مقتضى بشريته.

стр. 420

واجبنا تجاه أنبياء الله ورسله فهذا من إكرام الله جل وعلا لأولئك الأنبياء والمرسلين الذين بلغوا رسالته، وأظهروا دينه، وأنبياء الله ورسله واجبنا كمؤمنين تجاههم: الإيمان بهم جميعاً بدون استثناء، أي: الإيمان بهم جملة والإيمان بهم تفصيلاً ممن أخبر الله جل وعلا عنه باسمه، والكفر بواحد منهم كفر بهم جميعاً، قال الله جل وعلا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحد مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، والأنبياء والمرسلون إنما يخبرون عن الله، فإن كذبت واحداً منهم أو شككت في قول واحد منهم فكأنما كذبت الآخرين؛ ولذلك فالله جل وعلا عدّ تكذيب رسول واحد تكذيباً بالرسل أجمعين، قال جل وعلا ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥] رغم أنه لم يرسل إليهم إلا نوح عليه من الله أفضل السلام وأزكى التسليم.

стр. 421

عدد الأنبياء المذكورين في القرآن والأنبياء المذكورون في القرآن الذين اتفقت الكلمة على أنهم أنبياء ورسل (٢٥) نبياً ورسولاً، وقد ذكرهم الله بأسمائهم الصريحة في كتابه المبين، (١٨) منهم وردوا في سورة واحدة وهي سورة (الأنعام)، والسبعة الباقون جاءت أسماؤهم متفرقة في القرآن، قال الله جل وعلا: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام:٨٣ - ٨٥]، فهؤلاء ثمانية عشر نبياً ورسولاً جاء مصرحاً بهم بأسمائهم في سورة الأنعام، وأما السبعة الباقون فقد جاءت أسماؤهم متفرقة في الكتاب المبين، لذلك قال بعض أهل العلم: في تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر ويبقى سبعة وهم إدريس هود شعيب صالح وكذا ذي الكفل آدم بالمختار قد ختموا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهؤلاء الرسل منهم أربعة فقط من العرب كما في حديث أبي ذر هم: هود وشعيب وصالح، قال ﷺ : (هود وشعيب وصالح ونبيك يا أبا ذر -يقصد نفسه ﷺ ). فهؤلاء الأربعة من العرب، وأما غيرهم فبعضهم من بني إسرائيل وهم الأكثر، وبعضهم من غير ذلك من الأمم التي سبقت الأمة العربية من أنبياء الله جل وعلا ورسله، وهذا التأصيل العلمي الذي ذكرناه كان لابد من القول به قبل أن نخوض في قضية الاسترشاد بأنبياء الله جل وعلا ورسله ونبأهم.

стр. 422

تعظيم الأنبياء لله تعالى ثم إننا نقول: إن الخوض في خيرة أولئك الرسل ودراسته أمر متعجب، ويمكن أن يجنح له المحاضر من عدة طرق كما فعل الحافظ ابن كثير في قصص الأنبياء، فقد ذكر قصصهم على شكل السرد الموضوعي التاريخي كل نبي لوحده، وقد يطرق هذا الموضوع بطريقة أو أخرى، لكن الذي نريد أن نبينه أننا سنطرقه من باب الاسترشاد في هذه المرحلة الزمنية من عمر الصحوة الإسلامية المباركة، مما ينفع الله جل وعلا به عباده وخلقه أجمعين. فنقول أيها المؤمنون! إن من أعظم ما يستقى وتتضح به المعالم، وتستنير به القلوب، وتستوضح به الدروب من نبأ المرسلين: إعظامهم وإجلالهم لله ﵎. إن تعظيم الله جل وعلا وإجلاله تباركت أسماؤه وجل ثناؤه أمر تقضيه الفطر السليمة، وجاءت به الشرائع القويمة، وإن الله ﵎ لا رب غيره ولا إله سواه؛ ولذلك كلما ازداد الإنسان بالله علماً ازداد لله تعظيماً وإجلالاً، فلما كان الرسل هم أعظم الناس علماً بالله جل وعلا كان أولئك المرسلون هم أكثر الخلق وأشد العباد إعظاما وإجلالاً لله ﵎؛ لأنهم يعلمون صفاته العلى وأسماؤه الحسنى، ويعلمون ما لله من سلطة وقوة وجبروت لا تكون لأحد غيره سبحانه وبحمده تبارك اسمه وجل ثناؤه، وهذا التعظيم ورد على هيئة أمور عدة: فمن ذلك: قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، وجاء في حديث ابن مسعود: (أن حبراً من أحبار اليهود قدم إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! إننا نجد في كتبنا أو في علمنا أن الله جل وعلا يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك، فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه؛ تقريراً وتصديقاً لما قاله الحبر اليهودي، فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]). ولقد فقه أنبياء الله ورسله هذه المسألة فقهاً عظيماً فكانوا يدعون أقوامهم ومن أرسلوا إليهم يدعونهم إلى تعظيم الله جل وعلا وإجلاله، تارة بذكر الضد كما فعل نوح ﵊ لما قال لقومه: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح:١٣ - ١٨]، كل ذلك ليلفت انتباههم إلى تعظيم الله جل وعلا وإجلاله، وذكر ماله من عظمة وملكوت سبحانه ﵎ وبحمده.

стр. 423

تجرد الأنبياء من الحول والقوة إلا بالله تعالى ثم الأمر الثاني: أن أولئك الأنبياء والمرسلين تجردوا من كل حول وطول، وتجردوا من كل قوة، ولم يدعوا لأنفسهم كمالاً ولا حولاً ولا طولاً؛ حتى يبينوا للعباد أن الحول والطول والقوة والعلم لله ﵎ وحده، فهذا نوح يصدع في قومه ويقول لهم كما أخبر الله جل وعلا في القرآن: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [هود:٣١]. ومن هنا تعلم أن غير المرسلين من أئمة الفرق الباطنية الضالة ومن أئمة الفرق التي تحارب أهل السنة تجد أن من صفاتهم التي يعرفون بها أنهم يدعون لأنفسهم حولاً وعلماً وطولاً لم يؤتهم الله جل وعلا إياه، وما آتاه الله لأنبيائه المقربين ولا لرسله المبشرين، ومع ذلك يزعم أولئك الأئمة من أئمة الضلال أنه لهم، أو يزعموا أنه لأئمتهم ظلماً وبهتاناً على أولئك الأئمة، يقول أحدهم من أئمة هذا العصر في كتابه الشهير (الحكومة الإسلامية) يقول في صفحة (٥٧) منه: وإن من أصول مذهبنا: أن لأئمتنا منزلة لا ينالها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وربما كان هذا الأمر لـ فاطمة الزهراء. فتطاولوا على الأئمة كما تطاول النصارى على المسيح ابن مريم، فإن النصارى زعمت أن المسيح ابن مريم إله، وهو ﵊ لم يقل هذا أبداً، ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء:١٧٢]، فكما تطاول النصارى على المسيح فقد تطاول أصحاب تلك الفرق على أصحاب رسول الله ﷺ وعلى آل بيت النبوة رضوان الله تعالى عليهم تطاولاً ليس من أولئك ذنب فيه ولا علاقة به، ولكنه من باب خداع الناس وتشعبهم في طرق الضلال. وتعظيم الله جل وعلا وإجلاله أمر يسترشد من أنبياء الله ورسله، وأنا وأنت أيها المؤمن عندما نستقي من هذا المورد العذب من (نبأ المرسلين) يجب أن نفطن إلى مسألة تعظيم الله جل وعلا وإجلاله، فإن كثيراً من إخواننا العصاة -غفر الله لهم وعفا الله عنا وعنهم- مما يدفعهم إلى ارتكاب المحارم، ويحجم بهم عن فعل الطاعات أنهم يجهلون قدر الله ﵎، ويغيب عنهم اطلاع الله ﵎ عليهم، ويغيب عنهم ما لله جل وعلا من عظمة؛ ولذلك من أفضل الطرق إلى قرع قلوب هؤلاء أن يذكروا بما لله ﵎ من عظمة وجبروت، وما لله ﵎ من سلطان وملكوت، قال الله ﵎ وهو يرشد إلى هذا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٢ - ١٠٣]، وآيات القرآن المنثورة فيه كثير منها يقرع القلوب بذكر وحدانية الله جل وعلا، وعظيم سلطانه جبروته وملكوته.

стр. 424

تعظيم الأنبياء لآيات الله تعالى الأمر الثاني الذي نستقيه من نبأ المرسلين: تعظيم أولئك الرسل لآيات الله جل وعلا، فكما عظموا ربهم وذاته العلية فإنهم يعظمون أيضاً آيات الله جل وعلا، ومعلوم أن آيات الله وكلامه ﵎ منثور فيه دلائل وحدانيته، وبراهين ربوبيته، وأسماؤه الحسنى وصفاته العلى جل وعلا، وأوامره العلية ونواهيه ﵎، وألئك الرسل يتعاملون مع هذه الآيات في القرآن أو فيما أنزل عليهم كالزبور والتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وصحف موسى يتعاملون معها بكل غبطة وبكل خشوع وبكل فرح وبكل خوف وفرق من الله جل وعلا، قال الله ﵎ ينعتهم ويصفهم ويثني عليهم: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]، ويقول الله ﵎: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٩]، ويقول جل ذكره: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة:٨٣ - ٨٤]، فهذا فعلهم وقولهم، وأما جزاؤهم: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:٨٥]. إن الناس اليوم يقول بعضهم لبعض: إن الرجل القوي الشخصية يكون رجلاً عزيز الدمعة، أي: أن دمعته لا تقطر لأي سبب، وهذا القول وإن كان فيه شيء من الصحة إلا أنه خطأ على إطلاقه؛ فإن النبي ﷺ ورسل الله من قبله هم أعظم الناس وأقوى الناس شخصية، وأكمل الخلق بلا مرية ولا شك، ومع ذلك تلك القلوب وتلك العيون لا تملك أمرها ولا تملك دمعها إذا تليت عليها آيات الله جل وعلا، يقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ عليه القرآن، فقلت: يا رسول الله أأقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟! قال: اقرأه عليّ فإني أحب أن أسمعه من غيري، فأخذ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يقرأ آيات من سورة النساء على مسمع رسولنا ﷺ ، فلما وصل إلى قول الله جل وعلا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] قال ابن مسعود: فسمعته يقول: حسبك، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان بأبي هو وأمي ﷺ . والصحابة رضوان الله تعالى عليهم صلوا ذات يوم الفجر وراء عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه المعروف بقوة شكيمته، والمعروف بسلطته وهو أمير المؤمنين يوم ذاك، ومع ذلك لم يتبين الصحابة ما يردده وما يتلوه عمر من كثرة بكائه ونحيبه رضوان الله تعالى عليه، وذلك لما اخذ يقرأ آيات الله جل وعلا ويتلوها على مسمع ومرأى من المؤمنين، فالبكاء من خشية الله جل وعلا مزية كانت لأنبياء الله ورسله، وهي من المزايا التي ينبغي أن نسترشد بها. وأما الناس اليوم! فمنهم شاعر غلب عليه الهيام والحب يفكر في حبيب طال سفره، أو غاب خبره، حتى قال قائلهم: رهبان مدين والذين عهدتهم يبكون من حذر العذاب قعودا لو يسمعون كما سمعت كلامها خروا لعزة ركعاً وسجودا فهذا الذي هداه إليه تفكيره، أو شخص يبكي على صفقة خاسرة، أو درهم أو دينار ضائع، وبعضهم يبكون على أدنى من هذا أو أعظم منه أو مشابه له، وأما المؤمنون الذين يعرفون ما أعده الله من الثواب وما أعده الله للعاصين من العقاب، والذين مر على أسماعه قول الصادق المصدوق لما ذكر السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، قال ﷺ يختم أولئك السبعة: (ورجل ذكر الله خاليا فاضت عيناه). أيها المؤمن! تفيض العين لواحد من اثنين: إما أن يقرأ الإنسان وعيد الله جل وعلا وعظيم سلطانه فتذرف منه الدمعة؛ خوفاً وفرقاً مما سمعه، أو يقرأ العبد ما ينبئ عن وعيد مع وعد الله جل وعلا، يقرأ عن وعد الله جل وعلا، وما لله من صفات الجمال ونعوت الكمال، فتذرف الدمعة شوقاً إلى الله ﵎ ومحبة وانتظاراً لليوم الموعود الذي يبشر فيه المؤمنون، ويجزون برؤية ربهم جل وعلا، وكلا السببين داخل في عموم قوله ﷺ : (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، ولذلك ينبغي للعبد إن لم يستطع البكاء أن يتباكى، فقد كان الربيع بن خثيم رضي الله تعالى عنه وهو أحد سلف هذه الأمة، كان يقوم الليل كله يردد قول الله جل وعلا وهو يبكي: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]، وإنما نبكي إذا غاب عنا فضل الله ورحمته، ونبكي إذا حل علينا فضل الله ورحمته، نبكي في أول حسرة، ونبكي في الثاني فرحاً؛ ولذلك أحد ملوك بني العباس لما آلت دولة بني العباس إلى الضعف والانهيار في آخر أيامها أجبره القادة وأجبره الجنود على أن يتخلى عن الخلافة، ووصل بهم الأمر إلى إجراء القرعة في قضية يخلع أو لا يخلع. فالشاهد: أن القرعة وقعت عليه بأن يخلع، فلما أخبره القاضي الموكل بإجراء القرعة قال له: يا أبا عبد الله أنع إليك الخلافة، أي: اترك الخلافة، فقيل: أن ذلك الخليفة قال كلمة والله تستحق أن توزن بمثقال الذهب، قال: اللهم إن كنت قد خلعتني من خلافتك فلا تخلعني اللهم من رحمتك. وصدق الله العظيم القائل: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]، فلا يحسبن دمعتك نظر ناظر، ولا تعليق أحد، ولا سخرية مستهزئ، لكن احتسبها عند الحي القيوم فاطر السماوات والأرض، واعلم أن الله جل وعلا ما عنده خير وأبقى.

стр. 425

من تعظيم الله إهانة من أهانه الله تعالى بقي تعقيب على النقطة الأولى: وهي تعظيم الله جل وعلا حتى لا تفوت الفائدة: نقول: إن من تعظيم الله ألا تعظم من أهانه الله جل وعلا، والذين أهانهم الله هم أهل الكفر، فلا تعظم أهل الكفر؛ لأن تعظيم أهل الكفر مخالف لإجلالك لرب السماوات والأرض، وكيف ترفع من قَدْر رجل قد أهانه الله جل وعلا، بل هم: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]، ولذلك هناك من الكتّاب والأدباء والشعراء من برزوا في هذا العصر في غير هذه البلاد، وطبقت شهرتهم الآفاق لأسباب لا تخفى على أحد، فأصبح أولئك الكتّاب وأولئك الشعراء يذكرون باللسان، ويشار إليهم بالبنان، ويُعَظمون رغم أنهم -والعياذ بالله- لا يفتأون يسخرون من الله جل وعلا ومن ذاته العلية، يقول أحدهم كشف الله ستره وأهانه الله جل وعلا: الله في مدينتي مشرد طريد الله في مدينتي يبيعه اليهود!! هذه أبيات شعرية تنشر وتقال في العالم العربي أو في العالم الإسلامي، ومثل هؤلاء لا ينبغي للمؤمن أن يجلهم، أو أن يعلي لهم قدراً، اللهم إلا أن يدرس أخبارهم وأمورهم غضباً لله، ودفاعاً عن الحق، ودفاعاً عن دين الله جل وعلا، كما أننا نتمنى من إخواننا اللاعبين عفا الله عنهم وغفر الله لنا ولهم، عندما تقليدهم أحياناً نشوة الفرح فيحملون المدربين على أعناقهم، رغم أن جُل أولئك المدربين قد يكونون من أئمة الكفر، أو قد يكونون كفاراً أصلاً وإن حملهم على الأعناق تعظيم لهم، وإنه لا ينبغي لمؤمن أن يعظم أقواماً لا يدينون بدين الحق. فالله جل وعلا أخبر أن إبراهيم تبرأ من أبيه، ونوحاً تبرأ من ابنه: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤]، وأكاد أجزم أن إخواننا اللاعبين -عفا الله عنا وعنهم- إنما يفعلون هذا من باب الجهل دون العلم بالحكم، ولو بلغهم هذا الأمر لما فعلوه، وهذا حسن ظن منا بأولئك المؤمنين، فإن الأصل في المؤمن أن يظن ظناً حسناً بإخوانه المؤمنين أياً كانت منازلهم، وأياً كانت مراتبهم، قال ﷺ يعلم أبا موسى ومعاذاً: (يسرا ولا تعسرا، بشرا ولا تنفرا، إنما بعثت مبشراً ولم أبعث منفراً)، ﷺ وعلى إخوانه النبيين.
следующие страницы →