Полный текст (797 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
عدد الأنبياء المذكورين في القرآن
والأنبياء المذكورون في القرآن الذين اتفقت الكلمة على أنهم أنبياء ورسل (٢٥) نبياً ورسولاً، وقد ذكرهم الله بأسمائهم الصريحة في كتابه المبين، (١٨) منهم وردوا في سورة واحدة وهي سورة (الأنعام)، والسبعة الباقون جاءت أسماؤهم متفرقة في القرآن، قال الله جل وعلا: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام:٨٣ - ٨٥]، فهؤلاء ثمانية عشر نبياً ورسولاً جاء مصرحاً بهم بأسمائهم في سورة الأنعام، وأما السبعة الباقون فقد جاءت أسماؤهم متفرقة في الكتاب المبين، لذلك قال بعض أهل العلم: في تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر ويبقى سبعة وهم إدريس هود شعيب صالح وكذا ذي الكفل آدم بالمختار قد ختموا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهؤلاء الرسل منهم أربعة فقط من العرب كما في حديث أبي ذر هم: هود وشعيب وصالح، قال ﷺ : (هود وشعيب وصالح ونبيك يا أبا ذر -يقصد نفسه ﷺ ).
فهؤلاء الأربعة من العرب، وأما غيرهم فبعضهم من بني إسرائيل وهم الأكثر، وبعضهم من غير ذلك من الأمم التي سبقت الأمة العربية من أنبياء الله جل وعلا ورسله، وهذا التأصيل العلمي الذي ذكرناه كان لابد من القول به قبل أن نخوض في قضية الاسترشاد بأنبياء الله جل وعلا ورسله ونبأهم.
стр. 422
تعظيم الأنبياء لله تعالى
ثم إننا نقول: إن الخوض في خيرة أولئك الرسل ودراسته أمر متعجب، ويمكن أن يجنح له المحاضر من عدة طرق كما فعل الحافظ ابن كثير في قصص الأنبياء، فقد ذكر قصصهم على شكل السرد الموضوعي التاريخي كل نبي لوحده، وقد يطرق هذا الموضوع بطريقة أو أخرى، لكن الذي نريد أن نبينه أننا سنطرقه من باب الاسترشاد في هذه المرحلة الزمنية من عمر الصحوة الإسلامية المباركة، مما ينفع الله جل وعلا به عباده وخلقه أجمعين.
فنقول أيها المؤمنون! إن من أعظم ما يستقى وتتضح به المعالم، وتستنير به القلوب، وتستوضح به الدروب من نبأ المرسلين: إعظامهم وإجلالهم لله ﵎.
إن تعظيم الله جل وعلا وإجلاله تباركت أسماؤه وجل ثناؤه أمر تقضيه الفطر السليمة، وجاءت به الشرائع القويمة، وإن الله ﵎ لا رب غيره ولا إله سواه؛ ولذلك كلما ازداد الإنسان بالله علماً ازداد لله تعظيماً وإجلالاً، فلما كان الرسل هم أعظم الناس علماً بالله جل وعلا كان أولئك المرسلون هم أكثر الخلق وأشد العباد إعظاما وإجلالاً لله ﵎؛ لأنهم يعلمون صفاته العلى وأسماؤه الحسنى، ويعلمون ما لله من سلطة وقوة وجبروت لا تكون لأحد غيره سبحانه وبحمده تبارك اسمه وجل ثناؤه، وهذا التعظيم ورد على هيئة أمور عدة: فمن ذلك: قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، وجاء في حديث ابن مسعود: (أن حبراً من أحبار اليهود قدم إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! إننا نجد في كتبنا أو في علمنا أن الله جل وعلا يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك، فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه؛ تقريراً وتصديقاً لما قاله الحبر اليهودي، فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]).
ولقد فقه أنبياء الله ورسله هذه المسألة فقهاً عظيماً فكانوا يدعون أقوامهم ومن أرسلوا إليهم يدعونهم إلى تعظيم الله جل وعلا وإجلاله، تارة بذكر الضد كما فعل نوح ﵊ لما قال لقومه: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح:١٣ - ١٨]، كل ذلك ليلفت انتباههم إلى تعظيم الله جل وعلا وإجلاله، وذكر ماله من عظمة وملكوت سبحانه ﵎ وبحمده.
стр. 423
تجرد الأنبياء من الحول والقوة إلا بالله تعالى
ثم الأمر الثاني: أن أولئك الأنبياء والمرسلين تجردوا من كل حول وطول، وتجردوا من كل قوة، ولم يدعوا لأنفسهم كمالاً ولا حولاً ولا طولاً؛ حتى يبينوا للعباد أن الحول والطول والقوة والعلم لله ﵎ وحده، فهذا نوح يصدع في قومه ويقول لهم كما أخبر الله جل وعلا في القرآن: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [هود:٣١].
ومن هنا تعلم أن غير المرسلين من أئمة الفرق الباطنية الضالة ومن أئمة الفرق التي تحارب أهل السنة تجد أن من صفاتهم التي يعرفون بها أنهم يدعون لأنفسهم حولاً وعلماً وطولاً لم يؤتهم الله جل وعلا إياه، وما آتاه الله لأنبيائه المقربين ولا لرسله المبشرين، ومع ذلك يزعم أولئك الأئمة من أئمة الضلال أنه لهم، أو يزعموا أنه لأئمتهم ظلماً وبهتاناً على أولئك الأئمة، يقول أحدهم من أئمة هذا العصر في كتابه الشهير (الحكومة الإسلامية) يقول في صفحة (٥٧) منه: وإن من أصول مذهبنا: أن لأئمتنا منزلة لا ينالها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وربما كان هذا الأمر لـ فاطمة الزهراء.
فتطاولوا على الأئمة كما تطاول النصارى على المسيح ابن مريم، فإن النصارى زعمت أن المسيح ابن مريم إله، وهو ﵊ لم يقل هذا أبداً، ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء:١٧٢]، فكما تطاول النصارى على المسيح فقد تطاول أصحاب تلك الفرق على أصحاب رسول الله ﷺ وعلى آل بيت النبوة رضوان الله تعالى عليهم تطاولاً ليس من أولئك ذنب فيه ولا علاقة به، ولكنه من باب خداع الناس وتشعبهم في طرق الضلال.
وتعظيم الله جل وعلا وإجلاله أمر يسترشد من أنبياء الله ورسله، وأنا وأنت أيها المؤمن عندما نستقي من هذا المورد العذب من (نبأ المرسلين) يجب أن نفطن إلى مسألة تعظيم الله جل وعلا وإجلاله، فإن كثيراً من إخواننا العصاة -غفر الله لهم وعفا الله عنا وعنهم- مما يدفعهم إلى ارتكاب المحارم، ويحجم بهم عن فعل الطاعات أنهم يجهلون قدر الله ﵎، ويغيب عنهم اطلاع الله ﵎ عليهم، ويغيب عنهم ما لله جل وعلا من عظمة؛ ولذلك من أفضل الطرق إلى قرع قلوب هؤلاء أن يذكروا بما لله ﵎ من عظمة وجبروت، وما لله ﵎ من سلطان وملكوت، قال الله ﵎ وهو يرشد إلى هذا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٢ - ١٠٣]، وآيات القرآن المنثورة فيه كثير منها يقرع القلوب بذكر وحدانية الله جل وعلا، وعظيم سلطانه جبروته وملكوته.
стр. 424
تعظيم الأنبياء لآيات الله تعالى
الأمر الثاني الذي نستقيه من نبأ المرسلين: تعظيم أولئك الرسل لآيات الله جل وعلا، فكما عظموا ربهم وذاته العلية فإنهم يعظمون أيضاً آيات الله جل وعلا، ومعلوم أن آيات الله وكلامه ﵎ منثور فيه دلائل وحدانيته، وبراهين ربوبيته، وأسماؤه الحسنى وصفاته العلى جل وعلا، وأوامره العلية ونواهيه ﵎، وألئك الرسل يتعاملون مع هذه الآيات في القرآن أو فيما أنزل عليهم كالزبور والتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وصحف موسى يتعاملون معها بكل غبطة وبكل خشوع وبكل فرح وبكل خوف وفرق من الله جل وعلا، قال الله ﵎ ينعتهم ويصفهم ويثني عليهم: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]، ويقول الله ﵎: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٩]، ويقول جل ذكره: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة:٨٣ - ٨٤]، فهذا فعلهم وقولهم، وأما جزاؤهم: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:٨٥].
إن الناس اليوم يقول بعضهم لبعض: إن الرجل القوي الشخصية يكون رجلاً عزيز الدمعة، أي: أن دمعته لا تقطر لأي سبب، وهذا القول وإن كان فيه شيء من الصحة إلا أنه خطأ على إطلاقه؛ فإن النبي ﷺ ورسل الله من قبله هم أعظم الناس وأقوى الناس شخصية، وأكمل الخلق بلا مرية ولا شك، ومع ذلك تلك القلوب وتلك العيون لا تملك أمرها ولا تملك دمعها إذا تليت عليها آيات الله جل وعلا، يقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ عليه القرآن، فقلت: يا رسول الله أأقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟! قال: اقرأه عليّ فإني أحب أن أسمعه من غيري، فأخذ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يقرأ آيات من سورة النساء على مسمع رسولنا ﷺ ، فلما وصل إلى قول الله جل وعلا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] قال ابن مسعود: فسمعته يقول: حسبك، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان بأبي هو وأمي ﷺ .
والصحابة رضوان الله تعالى عليهم صلوا ذات يوم الفجر وراء عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه المعروف بقوة شكيمته، والمعروف بسلطته وهو أمير المؤمنين يوم ذاك، ومع ذلك لم يتبين الصحابة ما يردده وما يتلوه عمر من كثرة بكائه ونحيبه رضوان الله تعالى عليه، وذلك لما اخذ يقرأ آيات الله جل وعلا ويتلوها على مسمع ومرأى من المؤمنين، فالبكاء من خشية الله جل وعلا مزية كانت لأنبياء الله ورسله، وهي من المزايا التي ينبغي أن نسترشد بها.
وأما الناس اليوم! فمنهم شاعر غلب عليه الهيام والحب يفكر في حبيب طال سفره، أو غاب خبره، حتى قال قائلهم: رهبان مدين والذين عهدتهم يبكون من حذر العذاب قعودا لو يسمعون كما سمعت كلامها خروا لعزة ركعاً وسجودا فهذا الذي هداه إليه تفكيره، أو شخص يبكي على صفقة خاسرة، أو درهم أو دينار ضائع، وبعضهم يبكون على أدنى من هذا أو أعظم منه أو مشابه له، وأما المؤمنون الذين يعرفون ما أعده الله من الثواب وما أعده الله للعاصين من العقاب، والذين مر على أسماعه قول الصادق المصدوق لما ذكر السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، قال ﷺ يختم أولئك السبعة: (ورجل ذكر الله خاليا فاضت عيناه).
أيها المؤمن! تفيض العين لواحد من اثنين: إما أن يقرأ الإنسان وعيد الله جل وعلا وعظيم سلطانه فتذرف منه الدمعة؛ خوفاً وفرقاً مما سمعه، أو يقرأ العبد ما ينبئ عن وعيد مع وعد الله جل وعلا، يقرأ عن وعد الله جل وعلا، وما لله من صفات الجمال ونعوت الكمال، فتذرف الدمعة شوقاً إلى الله ﵎ ومحبة وانتظاراً لليوم الموعود الذي يبشر فيه المؤمنون، ويجزون برؤية ربهم جل وعلا، وكلا السببين داخل في عموم قوله ﷺ : (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، ولذلك ينبغي للعبد إن لم يستطع البكاء أن يتباكى، فقد كان الربيع بن خثيم رضي الله تعالى عنه وهو أحد سلف هذه الأمة، كان يقوم الليل كله يردد قول الله جل وعلا وهو يبكي: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]، وإنما نبكي إذا غاب عنا فضل الله ورحمته، ونبكي إذا حل علينا فضل الله ورحمته، نبكي في أول حسرة، ونبكي في الثاني فرحاً؛ ولذلك أحد ملوك بني العباس لما آلت دولة بني العباس إلى الضعف والانهيار في آخر أيامها أجبره القادة وأجبره الجنود على أن يتخلى عن الخلافة، ووصل بهم الأمر إلى إجراء القرعة في قضية يخلع أو لا يخلع.
فالشاهد: أن القرعة وقعت عليه بأن يخلع، فلما أخبره القاضي الموكل بإجراء القرعة قال له: يا أبا عبد الله أنع إليك الخلافة، أي: اترك الخلافة، فقيل: أن ذلك الخليفة قال كلمة والله تستحق أن توزن بمثقال الذهب، قال: اللهم إن كنت قد خلعتني من خلافتك فلا تخلعني اللهم من رحمتك.
وصدق الله العظيم القائل: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]، فلا يحسبن دمعتك نظر ناظر، ولا تعليق أحد، ولا سخرية مستهزئ، لكن احتسبها عند الحي القيوم فاطر السماوات والأرض، واعلم أن الله جل وعلا ما عنده خير وأبقى.
стр. 425
من تعظيم الله إهانة من أهانه الله تعالى
بقي تعقيب على النقطة الأولى: وهي تعظيم الله جل وعلا حتى لا تفوت الفائدة: نقول: إن من تعظيم الله ألا تعظم من أهانه الله جل وعلا، والذين أهانهم الله هم أهل الكفر، فلا تعظم أهل الكفر؛ لأن تعظيم أهل الكفر مخالف لإجلالك لرب السماوات والأرض، وكيف ترفع من قَدْر رجل قد أهانه الله جل وعلا، بل هم: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]، ولذلك هناك من الكتّاب والأدباء والشعراء من برزوا في هذا العصر في غير هذه البلاد، وطبقت شهرتهم الآفاق لأسباب لا تخفى على أحد، فأصبح أولئك الكتّاب وأولئك الشعراء يذكرون باللسان، ويشار إليهم بالبنان، ويُعَظمون رغم أنهم -والعياذ بالله- لا يفتأون يسخرون من الله جل وعلا ومن ذاته العلية، يقول أحدهم كشف الله ستره وأهانه الله جل وعلا: الله في مدينتي مشرد طريد الله في مدينتي يبيعه اليهود!! هذه أبيات شعرية تنشر وتقال في العالم العربي أو في العالم الإسلامي، ومثل هؤلاء لا ينبغي للمؤمن أن يجلهم، أو أن يعلي لهم قدراً، اللهم إلا أن يدرس أخبارهم وأمورهم غضباً لله، ودفاعاً عن الحق، ودفاعاً عن دين الله جل وعلا، كما أننا نتمنى من إخواننا اللاعبين عفا الله عنهم وغفر الله لنا ولهم، عندما تقليدهم أحياناً نشوة الفرح فيحملون المدربين على أعناقهم، رغم أن جُل أولئك المدربين قد يكونون من أئمة الكفر، أو قد يكونون كفاراً أصلاً وإن حملهم على الأعناق تعظيم لهم، وإنه لا ينبغي لمؤمن أن يعظم أقواماً لا يدينون بدين الحق.
فالله جل وعلا أخبر أن إبراهيم تبرأ من أبيه، ونوحاً تبرأ من ابنه: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤]، وأكاد أجزم أن إخواننا اللاعبين -عفا الله عنا وعنهم- إنما يفعلون هذا من باب الجهل دون العلم بالحكم، ولو بلغهم هذا الأمر لما فعلوه، وهذا حسن ظن منا بأولئك المؤمنين، فإن الأصل في المؤمن أن يظن ظناً حسناً بإخوانه المؤمنين أياً كانت منازلهم، وأياً كانت مراتبهم، قال ﷺ يعلم أبا موسى ومعاذاً: (يسرا ولا تعسرا، بشرا ولا تنفرا، إنما بعثت مبشراً ولم أبعث منفراً)، ﷺ وعلى إخوانه النبيين.
стр. 426
ثقة الأنبياء بوعد الله تعالى
الأمر الثالث الذي يستسقى من حياة أنبياء الله ورسله: ثقتهم العظيمة بوعد الله جل وعلا، فأولئك الرسل على ثقة عظيمة بما وعدهم الله جل وعلا به، سواء في حياتهم الخاصة أو في حياتهم العامة وفي شئون المسلمين جميعاً.
أما في حياتهم الخاصة فخذ مثلاً نبي الله يعقوب، فإنه ابتلي أولاً بفقد يوسف، ثم ابتلي بفقد بنيامين، ثم ابتلي ببقاء بعض أبنائه في أرض مصر، وهو في كرب وهم وغم وحزن، وبعض بنيه حوله يخبرون عنه أنه شيخ هرم قد أصابه التخريف وأصابه الهذيان، ومع ذلك كان على ثقة بوعد الله جل وعلا في حياته الخاصة، وكان يقول لهم: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:٨٣]، فهذه ثقة عظيمة بوعد الله ﵎، ولقد صدق الله يعقوب وعده، فجمعه ببنيه، وأنزله المنزلة والمقام الكريم، وأدخله أرض مصر معززاً مكرماً، قال الله ﵎: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف:١٠٠]، وقال قبلها: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف:٩٩]، فهذا من عظيم الثقة بوعد الله ﵎.
ونبي الله موسى ﵊ لما لحقه فرعون وهامان وجنودهما وأصبحوا على مقربة منهما، وعاين أصحاب موسى الموت والقتل عياناً رأوا فرعون وجنوده ورأوا البحر، فإما ضرب الرقاب وإما الغرق، فقالوا إرجافاً كما أخبر الله: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] بقي حال النبي الكريم الواثق بوعد الله جل وعلا ونصره وعظيم الثقة بربه، قال: (كلا) أي: لن يكون ما ظننتموه، لِمَ يا موسى؟ ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، فلما كان على عظيم الثقة بنصر الله جل وعلا جاء الأمر الرباني والوحي الإلهي، قال الله جل وعلا له: ((اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ))، فضرب: ﴿فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦٣] فنجى الله جل وعلا موسى ومن معه، وأغرق فرعون وجنوده؛ نصراً لنبيه وكليمه موسى، وتحقيقاً لوعد الله له، وإثباتاً أن موسى كان على حق عظيم عندما وثق برب الأرباب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب سبحانه وبحمده.
ونوح ﵇ تكالب عليه قومه، فآذوه وفعلوا به ما فعلوا، فلما أيس منهم لجأ إلى الله جل وعلا، ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠]، فهذه كلمة واحدة دعا بها مجموعة في ستة أحرف (فانتصر) كلمة لا غيرها، فلما قالها وهو على يقين بنصر الله قال الله جل وعلا: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ لِمَ؟ ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٠ - ١٤] أي: نصراً لهذا الذي كذبه قومه، ووصفوه بالجنون وازدجروه وحاربوه، وحاربوا دين الله جل وعلا وآياته وما أوحى الله ﵎ به.
وهذا نبينا محمد ﷺ يخبره من بعثه إلى أبي سفيان بعد غزوة أحد عند حمراء الأسد: أن أبا سفيان سيعود ليكرر الكرة عليهم، وليستأصل شفعتهم، فلما أُلقي عليه ذلك الخبر يقول ﷺ وكما أخبر الله عنه وعن أصحابه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، ولذلك روى البخاري في الصحيح أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (إن هذه الكلمة قالها إبراهيم ﵊ لما أراد قومه أن يلقوه في النار، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وقالها محمد ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم لما قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم).
فمما يسترشد به من نبأ المرسلين ثقتهم بوعد الله، ونحن إن أخلصنا لله النية، وصدقنا لله العمل، وأخذنا بشريعة الله جل وعلا فلنكن على ثقة بنصر الله ﵎، وليس شرط النصر أن يأتي في زمن أنا وأنت فيه، ولكنه يأتي لا محالة لمؤمنين ينصرهم الله ﵎، والله قال وقوله الحق: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، وقال تبارك وقوله حق: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١]، فالثقة بوعد الله جل وعلا ونصره يجب أن تغرس في قلبي وقلبك، ويجب أن نكون جميعاً على عقيدة صافية أكيدة واثقة بنصر الله ﵎، وإن تأخر النصر فلحكمة ربانية، فإن بعد الليل فجراً، فالله جل وعلا يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦].
стр. 427
ربط الأنبياء للعباد بالله تعالى
ومما يسترشد ويستقى من خبر المرسلين وهو أمر لا ينتهي: أنهم كانوا يحاولون ويسعون في ربط العباد بربهم جل وعلا، فما بعثوا وما أرسلوا إلا ليعلقوا العباد بالله ﵎، ويجعلوا صلتهم بالواحد الأحد الفرد الصمد تبارك اسمه وجل ثناءه.
فهذا نبينا ﷺ يدخل عليه ابن عمه وصاحبه وحبيبه علي بن أبي طالب ومعه زوجته زوجة علي امرأة فلذة كبد نبينا ﷺ فاطمة بنت محمد ﵂ وصلى الله على أبيها، وقد أثر الرحى في يدها، فيطلبان منه خادماً من السبي يحمل الكل أو شيء من الكل عن فاطمة ﵂، فقال لهما ﷺ : (ألا أدلكما على خير من خادم؟ إذا أتيتما إلى فراشكما وآويتما إلى مضاجعكما فسبحَا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمدا الله ثلاثاً وثلاثين، وكبراه أربعاً وثلاثين، فهو خير لكما من خادم).
إن أباكما -يعني: خليل الله إبراهيم- كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق.
وفي هذا تربية للأبناء على التعلق بالله جل وعلا، فما الذي يمنعني ويمنعك وأنت المؤمن الغيور الذي لا نشك لحظة في أنك تتبع محمداً ﷺ : أن تمسح بيديك على رأس ابنك أو ابنتك أو غيرهما ممن لك عليهما ولاية وتقول: (أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة)، ففي أول الأمر سيسألك ابنك يا أبت لما تقول لي هذا؟ فتخبره بفعل المعصوم ﷺ ، فيتعلق ذلك الابن الصغير بربه ويحب ذلك الابن الصغير نبيه محمداً ﷺ ، ولا ريب أنها وصية عظيمة في غرس العقيدة الصحيحة في نفوس الأبناء، وفي غرس الهدي النبوي الكريم في نفوس النشء، وتربيتهم تربية إسلامية صحيحة.
ومن تعلقهم بالله وثقة أولئك النبيين بإحالة الأمر إلى الله جل وعلا أن نبينا ﷺ في هجرته كما روى أصحاب السير كاد أن يدركه سراقة بن مالك، فغاصت قوائم فرس سراقة في الأرض، وفي تلك الحال الكئيبة والنبي ﷺ خارج طريد شريد من قومه ومعه دليله يتحسس الطرق إلى المدينة في غمرة ذلك الأمر يقول ﷺ لـ سراقة: (يا سراقة كيف أنت وقد لبست سواري كسرى)، فأحاله إلى الله جل وعلا، وهذا قد يندرج تحت قولنا الثقة بما عند الله جل وعلا، فيتعجب سراقة: أنت رجل طريد شريد أين أنت من كسرى وقيصر! ولو تعلمون ما كان لـ كسرى وقيصر من سلطة ومن هيبة في قلوب الناس آنذاك لاستعظمتم الأمر، ولكن عندما ذهب كسرى وقيصر هانت الآن الهيبة في القلوب؛ لأن الخبر ليس كالمعاينة.
ونبينا ﷺ نفسه لما كان عنده عدي بن حاتم كان يدخل عليه الأعراب، فرجل يشتكي قطاع الطرق، ورجل يشتكي الفقر، ورجل يشتكي غير ذلك، وعدي يسمع، ويقول ﷺ لـ عدي: (لا يمنعنك من الدين ما سمعت)، ثم يخبره بأن هذا الدين سيظهره الله جل وعلا، فيقول له: (والله ليتممن الله دينه حتى تخرج المرأة من الحيرة حتى تأتي مكة لا تخشى إلا الله جل وعلا، وليغيضن المال حتى لا يجد من يأخذه، ولتملكن سواري كسرى وقيصر، فيقول: يا رسول الله كسرى بن هرمز؟ -يعني: لعلك شاك، لعلك واهم- فيقول ﷺ : نعم كسرى بن هرمز -أي بنفسه وبعينه-)، فكان عدي بن حاتم من الذين دخلوا على كسرى في ملكه، وكان عدي ممن شاهد المرأة تأتي من الحيرة إلى مكة، ثم يقول عدي: بقيت واحدة، وهي إفاضة المال، فوالله لتأتين، وقد أورد البيهقي في السنن حديثاً بإسناد جيد: أن هذا الأمر قد تم في خلافة عمر بن عبد العزيز رحمة الله ﵎ عليه.
стр. 428
من هدي الأنبياء والمرسلين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أيها المؤمنون! مما يستقى أيضاً من (نبأ المرسلين) أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة عظيمة من شعائر الدين، بل إنه بالنسبة لنا أمة محمد ﷺ أمر قيض الله الخيرية به، قال الله جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فجعل من شروط خيريتها أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر؛ ولذلك كان أنبياء الله ورسله يعملون بهذا الجانب العظيم، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولما كان إلا شراك بالله وعبادة الأوثان واتخاذ الأنداد دون الله هي أعظم المنكرات على الإطلاق، كان أنبياء الله ورسله يصرحون بهذا الأمر علانية: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٨٥]، فكانوا ينهون الأمم وينهون أقوامهم أن يعبدوا مع الله شيئاً، وصدع نبينا ﷺ على جبل الصفا ودعا قومه الأقربين والأبعدين وقال: (قولوا: لا اله إلا الله)، وقال لعمه وهو على فراش الموت: (يا عماه! كلمة أحاج لك بها عند الله قل: لا اله إلا الله).
ولما انتشرت في قوم لوط فاحشة اللواط كان لوط ﵊ ينهى عن هذا المنكر، ويقول لقومه علانية: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٦٥].
ولما كان قوم شعيب رضي الله تعالى عنه قد بخسوا الكيل والميزان قال لهم شعيب ينهاهم عن ذلك المنكر: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود:٨٤]، وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قواعد ليس هذا مجال بيانها وشرحها.
стр. 429
واجب العبد تجاه هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لكن المهم أن تكون غيوراً على دين الله، فالحمد لله في هذه البلاد هيئة رسمية تتبع السلطان تسمى هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وواجب هذه الهيئة علينا واجب عظيم، وذلك كما يلي: أولاً: الدعاء لهم بأن يوفقهم الله ويسدد خطاهم، وأن يعينهم الله جل وعلا على ما حملهم من أمانة.
الثاني: حسن الظن بهم، فقد يقع بعضهم في الخطأ في معالجتهم لبعض الأمور إلا أنه من ذا الذي ما ساء قط.
والأمر الثالث: التطوع معهم ومساعدتهم فيما يأتونه من أمر بمعروف ونهي عن المنكر، عونهم بالكتابة، وعونهم بتوزيع الأشرطة النافعة المصرح بها، وعونهم في نشر ما يعين على أداء هذه المهمة إلى غير ذلك من المجالات التي لا يمكن حصرها في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولقد دعانا نبينا ﷺ إلى هذا الأمر وبين أن مراتبه ثلاث: تغير باليد، وتغيير باللسان وتغيير بالقلب، وهذا يدلل على أن الناس تتفاوت منازلهم وقدراتهم ومراتبهم ووجهاتهم، فما أملك أنا تغييره لا تملكه، وما تملكه أنت قد لا أملكه، وقد أعرف أنا في ناحية وأجيدها ولا تجيد أنت تلك الناحية، والعكس صحيح.
المهم أن يرتدي الإنسان لباساً لا بد منه وهو لباس الحكمة، وهو وضع الأمور في مواضعها الصحيحة، والاسترشاد بآراء أهل العلم وأهل الخبرة والثقات، بلغنا الله وإياكم الصواب والسداد في القول والعمل.
стр. 430
خلق الأنبياء العظيم
стр. 431
ما كان عليه نبينا محمد من خلق عظيم
ومما يسترشد به من أخلاق النبيين وأخلاق المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم ما فطرهم الله عليه من خلق قويم عظيم، فالخلق القويم مدعاة لأن يحبك الناس، وإذا أحبك الناس سهل عليك أن تصل إلى قلوبهم، وسهل عليك أن تدعوهم إلى الله، وإذا أردت أن تعرف ما الخلق العظيم فحسبك أن تنيخ مطايا فكرك، وحسبك أن تلقي عصا سفرك في سيرة محمد ﷺ ، كيف والله جل وعلا قد نعته بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، كيف والله جل وعلا وصفة بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، ورحم الله شوقي بقوله: زانتك بالخلق العظيم شمائل يغرى بهن ويولع الكرماء فإذا خطبت فللمنابر هزة تعرو الندي وللقلوب بكاء وإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء وإذا ملكت النفس قمت ببرها ولو ان ما ملكت يداك الشاء وإذا حميت الماء لم يورد ولو أن القياصر والملوك ظماء وإذا بنيت فخير زوج عشرة وإذا ابتنيت فدونك الأبناء وإذا وفيت رأى الوفاء مجسماً في بردك الأصحاب والخلطاء أنت الذي نظم البرية دينه ماذا يقول وينظم الشعراء المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء صلى عليك الله ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء واستقبل الرضوان في غرفاتهم بجنان عدن آلك السمحاء فنبينا ﷺ جعله الله ذروة الذروة، وصفوة الصفوة ﷺ ؛ ولذلك كانت أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها عائشة بنت أبي بكر ملهمة في قولها لما سئلت عن خلقه؟ قالت: أقرأت القرآن؟ قيل: نعم، قالت: كان خلقه القرآن.
فأتني بخلق قويم في القرآن لم يطبقه ﷺ ، وائتني بخلق نهى الله جلّ وعلا عنه كان فيه ﷺ ؛ بل هو ﵊ المطهر من كل عيب ونقص بشري، والله جل وعلا فطره على الخلق العظيم، ونحن بإذنه جل وعلا أتباعه ﷺ ، والمقتفون أثره، والمتبعون هديه، فنحن أولى الناس به ﷺ ، فينبغي أن نسترشد بهديه، يقول ﵊: (الدين المعاملة)، ويقول ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فإن رأيت أخاً من إخوانك المؤمنين على معصية فلا تخاطبه وأنت كالشامت به، فإن الذي أضله قادر على أن يضلك، وأن الذي هداك قادر على أن يهديه، ولكن بالكلمة الطيبة، وبالابتسامة المقبولة، وبالقول السديد، إلا إن كان مجاهراً وقد نصح مرات وكرات، فهذا قد هتك ستر الله عنه أفتستر أنت عليه! ولكن إن رأيته لأول مرة وبخاصة أولئك الشباب الذين في مقتبل العمر، والحق أنه لا بد أن تؤمن وأؤمن أن للشباب شيئاً من المرح والفرح لا بد منه، والله جل وعلا ذكر أولاد يعقوب ﵇ أنهم قالوا: يا أبانا! ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف:١٢]، وهؤلاء أولاد نبي، فكيف بولدي وولدك، لكن بالأسلوب الحسن وبالكلمة الطيبة، فربما شاهد مسلسلاً أو شاهد لاعباً أو شاهد فناناً فتأثر به لأول وهلة، لكنك إن جلست معه وأبنت له خلق المعصوم ﷺ فهو خير، وأنا لا أظن أبداً أن مؤمناً يقول: لا اله إلا الله، تخبره عن رسول الله ﷺ وهديه فيستكبر أو يستنكف، إلا من طبع في قلبه النار، فائت الناس من باب هديه ﷺ ، ومن باب خلقه ﷺ ، ومن باب صفته ﷺ ، فالمسبل لا تقل له: أنت في النار مباشرة، بل قل له: يا أخي! لقد بلغنا عن المعصوم ﷺ ؛ عن قدوتي وقدوتك؛ عمن بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، عمن أفنى عمره في الدعوة إلى الله أنه كان يقول: (لباس المؤمن إلى أنصاف ساقه)، فإن لم يستجب فستبقى في قلبه، فإن لم يكن اليوم يكن بإذن الله غداً، وإن لم يكن غداً يكون بإذن الله بعد شهر، وإن لم يكن بعد شهر يكون بإذن الله بعد سنة، أقل القيل يذهب وهو يراجع حساباته، لكن إن فاجأته بالنار لأول وهلة، وتخبره أنه من أهل النار فكيف تريد منه أن يخاطبك! وكيف تريد منه أن يكلمك، سيكلمك بأفظع القول، وسيرد عليك بقول قد لا تقبله، ولا يعني هذا أن تحفظ أحاديث المعصوم ﷺ في الكتب ولا تقال للناس، معاذ الله أن نقول هذا، ولكن العلم العام شيء، والنصيحة الفردية شيء آخر.
ومن خلقه ﷺ حسن معاملته لمن حوله، فلا يكون من حولك أشقى الناس بك، من أحبك لا بد أن تحبه، ومن أكرمك لابد أن تحسن إليه، وأولو الفضل يحتاجون إلى معاملة معينة، والضعفاء والفقراء من الناس تشبث بهم، فإنهم أقرب إلى الله من غيرهم إن كانوا مؤمنين، ﴿وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ [هود:٣١]، والله ﵎ يقول لنبيه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨].
فالمقصود أن الخلق القويم كان هو خلق الأنبياء والمرسلين، ولما كان الحديث عن الاسترشاد بخلقه كان حتماً ولزاماً علينا أن نسترشد بخلق النبيين، وبخاصة نبينا محمد ﷺ .
стр. 432
شرف اتباع هدي النبي ﷺ
أخيراً أيها المؤمنون! نقول بعد هذه المحاضرة من (نبأ المرسلين) كوصية عامة: هناك أمور تفوت، وهناك أمور يمكن إدراكها، فأما ما فات وليس لك به حول ولا طول فمن السفه أن أكلفك أو أن يكلفنا أحد أن نحاول إدراكه وقد فات، وأما ما يمكن إدراكه فإنه ينبغي أن نسعى جميعاً لإدراكه، وإن من الأمور التي مضت وليس بيدي ولا بيدك ولا بيد غيرنا سبيل إليها: أن نكون صحابة لرسولنا ﷺ ، فنبينا ﷺ قد أفضى إلى ربه، وأصحابه رضوان الله ﵎ عليهم قد أفضوا إلى ربهم بعد أن نصروا دين الله وعزروه ووقروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه.
فهذا الأمر ليس من المعقول أن نسعى إليه أو أن ندعو الله به، فإن هذا أمر قد مضى، والله جل وعلا لا يحب الاعتداء في الدعاء: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]، لكن الأمر الذي يمكن إدراكه شرف إتباع محمد ﷺ ، فهذا بإذن الله إن أخلصت النية لله لا يمنعك مانع من اتباع هدي محمد ﷺ ، فما الذي يصدك عن اقتفاء أثر الأنبياء والمرسلين وقد سمعت منه، وقد يهيأ الله لك رجلاً خيراً منا ينبئك خيراً مما قلنا؟ ما الذي يمنعك ويصدك أن تقتفي أثر الأنبياء والمرسلين؟ قال الله جل وعلا: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠].
وهناك بشارة ولعلني مسبوق في توصيلها إليك، ولكن إن كانت قد سبقت إليك فاجعلها من التذكير، وإن لم تكن سبقت إليك فاجعلها من التبشير، خرج ﷺ كما في الحديث الصحيح إلى المقبرة ذات يوم -إلى البقيع- فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم السابقون ونحن اللاحقون، ثم التفت ﷺ إلى أصحابه وقال: وددت لو أني رأيت إخواننا، قالوا يا رسول الله! ألسنا إخوانك، قال: لا، بل أنتم أصحابي، ولكن إخواني قوم لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض -أي سابقهم إلى الحوض-، قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ فقال ﷺ : أرأيتم لو كان لأحدكم خيل غر محجلة في خيل دهم بهم أكان يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فإن إخواني يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض).
فهذا باب رحمة مفتوح لكن أين المتبعون؟ وهذا باب رحمة مفتوح لكن أين المقتدون؟ وهذا سبيل المهتدين، وهو سبيل إلى رضوان الله جل وعلا فما لذي يمنعنا من أن نسلك طريق الأخيار؟ وما الذي يمنعنا من أن نسلك طريق الأبرار؟ إنها أخي! غمضة عين وتموت ثم إن أخلصت النية فالجنة، كان أبو حازم رحمة الله تعالى عليه يمر على السوق وهو أحد أئمة السلف الكبار فيقال له: يا أبا حازم هلا اشتريت لحماً؟ قال: ليس معي نقود حتى أشتري لحماً، قالوا: يا أبا حازم نصبر عليك حتى تملك النقود، قال: إن كانت المسألة مسألة صبر فأنا أصبر حتى أدخل الجنة.
ثقة بأن الله جل وعلا أعد الجنة للمؤمنين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٧ - ١٠٨].
ختاما أيها المؤمنون! شكر الله لكم حضوركم، وشكر الله لكم إصغائكم، وأسال الله جلّت قدرته أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا.
كما أنني أود أن أنبه إلى أن هذه المحاضرة تقام ولا يخفى على أحد أحوال المؤمنين المسلمين المستضعفين في الأرض؛ في ألبوسنا والهرسك خاصة، وفي الشيشان، وفي أرض كشمير وفي غيرها من بلاد الله جل وعلا، ولا ريب أن لهؤلاء المؤمنين المستضعفين حقوقاً عظيمة علينا، ولا ريب أن من تلك الحقوق أن نصرع إلى الله جل وعلا ونفزع إليه أن ينصرهم، فإني داع دعاء الضعيف المسافر؛ عل الله جل وعلا أن يجعل من تأمين أحدكم أمراً يقبل به هذا الدعاء، عل الله أن يرفع عن إخواننا الضر.
اللهم إنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد، الفرد الصمد، الحي القيوم، الذي لم يلد ولم يولد، اللهم إنك أنت الله لا إله إلا أنت القوي العزيز، القاهر الغالب، اللهم إنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد، الفرد الصمد، الحي القيوم، الذي لم يلد ولم يولد، اللهم إنك أنت الله لا إله إلا أنت في السماء عرشك، وفي الأرض سلطانك، اللهم إنك أنت الله لا إله إلا أنت نجيت نوحاً وإبراهيم، اللهم إنك أنت الله لا إله إلا أنت نصرت محمداً وصحبه، اللهم إنك أنت الله لا إله إلا أنت لا يخلف وعدك، ولا يهزم جندك، ولا يرد أمرك، سبحانك وبحمدك، نفزع اللهم إليك في هذه الساعة، نحن العباد الفقراء إلى عفوك ونصرك، نسألك اللهم لإخواننا المؤمنين في البوسنا والهرسك خاصة، وفي كل ديار العالمين يا رب العالمين أن تفرج كربهم وتنصرهم يا حي يا قيوم! اللهم كن لهم ولياً ونصيراً، اللهم كن لهم ولياً ونصيراً، اللهم كن لهم ناصراً ومغيثاً، اللهم كن لهم في هذا البرد القارس والشتاء الطويل رحمناً رحيماً، مغيثاً معيناً يا رب العالمين.
اللهم إنهم عبادك الذين بطش بهم أعداؤك، اللهم رد كيد الأعداء في نحورهم، اللهم اهزم أعدائك، واشفِ صدور قوم مؤمنين يا حي يا قيوم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 433
الأسئلة
стр. 434
ترقيق القلوب
السؤال
نرجو أن تعظنا موعظة؛ فإن القلوب قد قست، والعيون قد جفت، والقلوب قد علاها الران من كثرة الذنوب والأدران، فهلا وعظتنا جزاك الله خيراً.
الجواب
على العموم إنما نعظ بما وعظ الله به، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله جل وعلا في السر والعلن، ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢].
стр. 435
نصيحة للشباب الذين يقعون في الذنوب فييئسهم الشيطان من الالتزام بالدين
السؤال
هناك مشكلة يعاني أغلب الشباب منها خصوصاً الذين يسيرون على طريق الهداية، وهي: أنه يذنب ذنباً أحياناً ثم يتوب ويعزم ألا يعود إليه، ثم يعود مرة أخرى، ثم يتوب، ثم يعود وهكذا، حتى يوسوس له الشيطان ويقول له: إما أن تلتزم بالطريق الصحيح وإما أن تترك، ثم سرعان ما يترك طريق الهداية، فهل هناك جزاك الله خيراً من توجيه لهؤلاء الشباب؟
الجواب
هذا الذي ذكره الأخ السائل الكريم الحق أنه أحد مداخل الشيطان على الشباب الذين منّ الله ﵎ عليهم بالهداية، وحتى يكون الأمر على بينة، نقعد مسائل: الأولى: ثق يا أخي! مهما بلغ صلاحك أنه يستحيل ألا ترتكب خطأ، فإن الأنبياء في قول بعض أهل العلم غير معصومين عن الصغائر، قال الله جل وعلا عن أبينا الأكرم -ونقول هذا من باب الدليل لا من باب غير ذلك-: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١].
فالإنسان جبل على الخطأ، أو يكون منه الخطأ على وجه الأصح، ولو لم يكن مني ومنك خطأ فلِمَ إذاً عفو الله؟! ولِمَ إذاً فتح باب التوبة إذا كان الناس لا يخطئون؟ لكن
السؤال
ما يكون بعد الخطأ.
المسألة الثانية: أن الإنسان يجاهد نفسه ألا يغلبه الشيطان، وألا يرتكب أمراً محرماً قدر الإمكان، وتذكر وعد الله ووعيده، وتذكروا قول المعصوم ﷺ ، فإن كان منه الخطأ فإن السبيل واحد لا ثاني له وهو: التوبة والاستغفار، قال الله جل وعلا عن عباده الخلص: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]، ولقد جرت سنة الله في الخلق أن الخلق يخطئون، فالشيطان يأتيك ويقول لك: أنت غير ملتزم غير كامل، وأنت فعلت بالأمس كذا وقبلها فعلت وفعلت، فتقع هذه في النفس فيترك الشاب الدين بأكمله، والله جل وعلا يقول: ((وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ)) لِمَ يا ربنا؟ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].
فإذا غلبك الشيطان في أمر فاغلبه في أمر ثانٍ، وائت بالحسنة، وإذا غلبك الشيطان على سيجارة فعلتها بعد انقطاع طويل فادخل المسجد وصلّ ركعتين، علّ أثر تلك السيجارة تنمحي، وأما أن تذهب إلى قرين آخر وتخبره أنك أشعلت سيجارة فيقول لك بالعامية: هي خربانة خربانة، خذ واحدة ثانية، ويمشي الأمر حتى يفتر ما فيك من قوة، وحتى تبعد عن دين الله جل وعلا، لكن اكتم تلك المعصية في نفسك ولا تخبر بها أحداً، واجعل حسرتها في قلبك، وتضرع إلى الله جل وعلا في أن يغفرها لك، واجعلها دافعاً لك في كثرة التوبة إلى الله، وإن رأيت المسألة طالت: فخذ سيارتك واذهب إلى مكة -وهي قريبة من هاهنا- واعتمر وازدلف إلى الله بركعتين عند باب الكعبة، وتقرب إلى الله بالدعاء، في حجر إسماعيل إلى غير ذلك، عل الله جل وعلا أن يمحو ذلك الذنب، أما أن تأتي إلى نفسك، وتقول: متى أصلح؟ متى أكتمل؟ فهذا مدخل شيطاني دخل الشيطان به على كثير من إخواننا الذين منّ عليهم بالهداية.
نسأل الله أن يحيطهم علماً بهذه المسألة، ويجنبهم مواطن الزلل، والله أعلم.
стр. 436
نصيحة لمن يفعلون فاحشة اللواط
السؤال
ما هي نصيحتك لمن يفعل اللواط؟ وبماذا تعظه وخاصة أن هذه الفعلة القبيحة كثر انتشارها في هذا الزمن؟
الجواب
إنا لله وإنا إليه راجعون، أيها المؤمنون! إن المصارحة أحياناً أو دائماً هي السبيل لحل كل معضلة ومشكلة، وإن فاحشة اللواط قد كثرت وانتشرت -عياذاً بالله جل وعلا- رغماً عن كثرة الدعاة والعلماء والوعاظ، وعن الدولة جزاها الله تعالى خيراً التي تقيم الحدود، وعن كثرة حرص المربين والوالدين وغير ذلك إلا أنه مع ذلك ما زالت هذه الفاحشة فيها شيء من الانتشار، وإليك يا أخي وإلى المؤمنين جميعاً نقول: إن الله جل وعلا سخط على قوم لوط، وسلط عليهم العذاب الشديد من أجل هذه الفاحشة العظيمة، قال الله ﵎ في قصة قوم لوط: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٢ - ٨٣]، وإنه من أعظم الفواحش أن يأتي الرجل الرجل، قال ﷺ : (إذا رأيتم الرجل يفعل فعل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به)، وقديماً قلنا في محاضرة غير هذه: إن المفعول به هنا في قوله ﷺ محمول على من فعلت به رضاً منه لا على من فعلت به كراهية واغتصاباً.
وإن مما ساعد على انتشارها قلة الورع، وإدمان النظر إلى الغلمان، وقلة الخوف من سخط الله جل وعلا وأليم عقابه، وصحبة الأقوام الذين لا خلاق لهم، والتأثر بما يشاهد في المجلات الماجنة أو في الأفلام الخليعة، وانصراف كثير من الشباب عن الزواج، وصرف تلك الشهوة إلى ما حرم الله جل وعلا إلى الزنا واللواط، فالله الله أيها المؤمنون! في أنفسكم وفي أولادكم وفي جيرانكم خيراً من أن يصيبهم هذا الداء العظيم، عافانا الله وإياكم من كل شر وكل سوء، وبلغنا الله وإياكم العفو والعافية، والله تعالى أعلم.
стр. 437
كيفية دعوة بعض الشباب النصارى
السؤال
إني شاب طالب في إحدى المدارس، ويدرس في هذه المدرسة طالب مسيحي، فدلني جزاك الله كل خير هل أبدأه بالسلام؟ وكيف أستطيع دعوته علماً بأنه يدرس معنا الكتب الدينية، ويقرأ القرآن، جزاك الله خيراً؟
الجواب
أقول: ما ذكرته في أن من زملائك في المدرسة شاب مسيحي فإننا نوصيك بما يلي: أولاً: أما بدؤه بالسلام فهذا أمر قد جاء فيه نص بالنهي عن المعصوم ﷺ ، ولا اجتهاد مع النص، فلا تبدأه بالسلام.
ثانياً: أن تنوي في قلبك دعوته، وأنما ستقوله وتخبره وملاطفتك إياه داخلة ضمن جهودك في دعوته إياه، ثم يعقب ذلك أن تحاول أن تجامله في القول، وأن تعطيه صورة طيبة عن دين الله جل وعلا العظيم، وأن تستغل أوقاتاً معيناً وفرصاً قد تتاح لك في التنبيه أو لفت النظر أو التركيز على مسألة بعينها تخبره من خلالها بما يشمل عليه هذا الدين من صفات ومبادئ قويمة لا تخفى إلا على من أغفل الله قلبه، ولكونه صغيراً في السن طالباً في المدرسة، ولكونه واحداً ضمن جماعة من المؤمنين فإن الغالب أن يقل تأثره عليكم؛ لذلك من الممكن أن تؤثروا أنتم عليه، ولا تقابلوه بالسخرية منه والاستهزاء به، ولا التحلق والتحزب ضده، ولكن يكون بالكلمة الحسنة، لكن الأهم في الأمر أن يشعر في كل كلمة تعطيه إياها أنك تفعل هذا لأن الدين الإسلامي يمليه عليك، قال الله جل وعلا: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة:٨] إلى آخر الآية، ومن ذلك: إهداؤه هدية، دعوته إلى منزلك، دعوته عن طريق الأشرطة النافعة خاصة أشرطة الفيديو التي فيها المناظرات القيمة وما شابه ذلك، التي تجلو بصيرته، وتنير قلبه؛ عل الله جل وعلا أن يرزقك أجر هدايته، والله تعالى أعلم.
стр. 438
نصيحة لمن ابتلي بأصحاب سوء يأمرونه بالمنكر وينهونه عن المعروف
السؤال
أنا شاب أحب الخير والصالحين، ولكن الله ابتلاني برفقة سوء يأمرونني بالمنكر وينهونني عن المعروف، فلم أركع لله ركعة، ولم أسجد له سجدة، وكل سوء وقبيح دلوني عليه، وسهلوه لي، فماذا أفعل أرشدني جزاك الله خيراً، وهل من كلمة لي ولإخواني الذين يسيرون على منهجي عن النار وما أعد الله فيها للعباد العاصين؟
الجواب
يا أخي! يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨]، وإنه والله من أعظم ما يعقب الحسرة في القلب أن يوجد في بلاد مسلمة من لم يسجد لله جل وعلا سجدة، ومن لم يركع لله جل وعلا ركعة.
إن الله ﵎ يا بني! غني عنك وعن كل عباده، وإن سجودك وركوعك لله إنما هو عائد أجره لك أنت، قال الله جل وعلا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت:٤٦]، وما أضل كثيراً من الناس اليوم -والهداية بيد الله- إلا رفقاء السوء، وإن رفقاء السوء هم الذين نحّو بـ أبي طالب عن الملة الحقيقية لما تكالبوا عليه عند وفاته، ولا ريب أن ضعف شخصيتك -مع اعتذاري إليك- هو الذي جعل هؤلاء الأقوام يتسلطون عليك، إنها يا بني أو يا أخي! نفس واحدة إما إلى جنة وإما إلى نار، قال الله جل وعلا: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]، فإن كان هؤلاء الأقوام، وهؤلاء الأصحاب، وهؤلاء الكرماء، وهؤلاء الخلطاء أحب إليك من الله ورسوله، أو كانوا هؤلاء سيمنعوك من غضب الله وسخطه، أو كان هؤلاء يقدرون على أن يدخلوك الجنة فأنا أقول لك: اتبعهم واترك طريق الله، لكنك تعلم وأنا أعلم وغيرنا يعلم: أن الأمور كلها بيد الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ [الدخان:٤١ - ٤٢].
فالله جل وعلا هو الغني بذاته، وهو الذي يمنعك منهم، ويمنعك من غيرهم، فاستعصم بالله جل وعلا، ولعله في قدومك هذا اليوم إلى هذا المسجد لشهود هذه المحاضرة رحمة الله من الله ﵎ بك، فقد عرفت فالزم ولا يصدنك الشيطان عن آيات الله.
وتقول: حدثني عن النار، هل أحدثك عما أعده الله جل وعلا من عذاب أليم وعقاب؟ لو حدثتك عما يعده مدرس لطلابه إذا تركوا الواجب لهالني وهالك الأمر، فكيف بما أعده رب السماوات والأرض! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا * وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:٦٨ - ٧٢].
وإني أسأل الله جلت قدرته في هذا المقام الكريم أن يجعلني وإياك والحاضرين والسامعين ممن ينجيهم الله جل وعلا في يوم الوعيد.
ثم يا بني! كما تخاف من النار فاطمع في الجنة، ألم تفكر يوماً من الدهر في لذة النظر إلى وجه رب العالمين، والله إنني الآن في حالة سفر، وإنني مشتاق لرؤية أبنائي، فكيف لا نشتاق إلى رؤية وجه رب العالمين ﵎، أخرج مسلم في الصحيح من حديث صهيب رضي الله تعالى عنه، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى منادٍ: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا؟ ألم يدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب فيرون وجه ربهم ﵎، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم.
هو أعظم من رؤية وجه الله جل وعلا).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، والله تعالى أعلم.
стр. 439
خواطر حول سورة الصافات
لله أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته، فأقسم سبحانه بالصافات وهي الملائكة التي تصف بين يدي ربها.
والملائكة عباد الله عن عبادته لا يفترون، وهم بأمره يعملون.
لقد ذكر الله في سورة الصافات أنه جعل النجوم رجوماً في السماء يرمى بها كل شيطان مارد ممن يسترقون خبر أهل السماء.
كما ذكر الله سبحانه في سورة الصافات ما ابتلى به الخليل إبراهيم ﵇ من الأمر بذبح ابنه إسماعيل، وفي ذلك ذكرى للذاكرين وعبرة للمعتبرين.
стр. 440
وقفات مع قول الله تعالى: (والصافات صفا ولهم عذاب واصب)
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن اقتفى أثره واتبع نهجه، وسلك مسلكه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو الدرس الرابع من وقفاتنا القرآنية مع كتاب ربنا ﷻ ، وهي وقفات مع سورة الصافات، والمنهج في هذه الوقفات هو كما سلكناه في وقفاتنا مع السور التي مضت ومرت من سورة ص ومريم، وغيرها.
الوقفة الأولى من سورة الصافات مع فواتح السورة، ومع قول ربنا ﷻ : ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ * إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات:١ - ٩].
استهل ربنا ﷻ هذه السورة الكريمة بواو القسم، وأقسم ﷻ بملائكته الكرام حال صفوفها ووقوفها بين يديه، وحال زجرها للسحاب، وحال تلاوتها لآياته جل وعلا، فأقسم بها وهي صافة، وأقسم بها وهي زاجرة، وأقسم بها وهي تالية وجواب القسم ذلك النبأ العظيم، والخطب الذي تعبد الله به الخلائق أجمعين ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ [الصافات:٤].
والحديث في فواتح هذه السورة يتضمن أموراً ثلاثة: الحديث عن الملائكة، والحديث عن السماء، والحديث عن الجن.
стр. 441
من هم الملائكة
فأما الحديث عن الملائكة: فإن الملائكة أحد خلق الله جل وعلا العقلاء، وخلق الله العقلاء فيما نعلم الملائكة والجن والإنس أي بني آدم، قال ﷺ : (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من نار، وخلق آدم من ما ذكر لكم) أي من طين، فقد ذكر في القرآن أنه قد خلق من طين، وهؤلاء الملائكة ليسوا بنات لله ولا أولاداً، ولا شركاء معه ولا أنداداً بل هم خلق من خلقه يأتمرون بأمره وينتهون عند نهيه، قال الله جل وعلا: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، ونحن معشر المؤمنين مطالبين بالإيمان بهم، كما في حديث جبريل: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله) إلى آخر الحديث، وهؤلاء الملائكة عالم غيبي لا نراه، ولكننا نؤمن به طبقاً لما ثبت في صحيح الكتاب وصحيح السنة عن الصادق المصدوق ﷺ ؛ فنقول أولاً: أما من ناحية خلقهم، فإنهم أقوام عظيمي الخلقة، قال الله جل وعلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١]، وقال ﷺ كما بينا في درس سابق: (أُذن لي أن أحدث عن أحد حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبع مائة عام)، ورأى نبينا ﷺ واحداً من هؤلاء الملائكة على هيئته التي خلقه الله تعالى عليها، وهو جبرائيل ﵊ إبان فترة الوحي ما بين السماء والأرض له ست مائة جناح، قد سد ما بين المشرق والمغرب؛ فهذا عظم خلقهم، فسبحان خالقهم ﵎ وبحمده، فأول ما يلفت النظر في هؤلاء الملائكة عظم خلقهم، ثم يعقب ذلك ما أكرمهم الله به من خلق، قال الله جل وعلا: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:١٥ - ١٦] فوصفهم الله بكرم الصفات، وكرم الأفعال، وكرم الخلق، ووصفهم الله جل وعلا بالبر وهم كذلك، فقد أثر عنه ﷺ أنه كان جالساً في بيته قد انكشفت فخذاه أو ساقه، فاستأذن عليه أبو بكر رضي الله تعالى عنه فلم يتغير ﷺ على حاله، ثم دخل عليه عمر فلم يتغير ﷺ على حاله، فلما استأذن عليه عثمان رضي الله تعالى عنه غطى ﷺ فخذيه أو ساقيه واعتدل في هيئته، فلما خرج قالت له أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تسأله عن هذا؟ فقال: (يا عائشة ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة) فهذا فيه مزية لـ عثمان، وفيه إشارة إلى أن ملائكة الله جل وعلا يستحيون كما يستحيي بني آدم، وهذا مندرج ضمن ما وصفهم الله جل وعلا به، لأنهم كرام بررة.
أما مساكنهم فإن مساكنهم في السماء، قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [فصلت:٣٨] أي الملائكة ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨].
وأما عددهم فلا يعلم عددهم إلا الله جل وعلا، قال الله ﵎: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٣١] وحسبك أن تعلم شيئاً من عددهم إذا علمت ما صح عنه ﷺ أنه قال: (يؤتى يوم القيامة بجهنم لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام أو يجر كل زمام سبعون ألف ملك)، والنبي ﷺ أخبر أن لهم البيت المعمور -مواز للكعبة التي هي للمؤمنين في الأرض- يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يأتون عليه كرة أخرى إلى يوم القيامة، أمور يقطر دونها الخيال فضلاً عن العقل، فسبحان من هذا خلقه، وسبحان من هذه عظمته، وسبحان من يسبح كل شيء بحمده.
أما عبادتهم فإن الملائكة مجبولون على الخير، لا يعصون الله ما أمرهم، لا يختصم في أنفسهم: الخير والشر كبني آدم والجن، لكنهم مجبولون مفطورون على عبادة الله ﵎ ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] وهؤلاء الملائكة لعظيم علمهم بالله جل وعلا فهم لذلك من أعظم الخلق عبادة لله ﵎، قال النبي ﷺ : (مررت ليلة أسري بي وجبرائيل كالحلس البالي من خشية الله جل وعلا) فهذا جبرائيل على عظيم خلقته رآه النبي ﷺ يوم الإسراء كالحلس البالي، والحديث رواه بعض الأئمة بإسناد حسن، من حديث جابر، وهذا يدل على عظيم خشية هذا الملك الكريم، وغيره من الملائكة في هذا الأمر سواء، بل إنه صح عنه ﷺ كما روى ابن جرير وغيره من الأئمة من حديث النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (إن الله إذا أراد أن يتكلم بالوحي أخذت السماوات رجفة شديدة، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ﵊، فإذا سمع لذلك أهل السماوات صعقوا فيكون أول من يرفع رأسه جبرائيل ﵊، فإذا رفع رأسه أوحى الله إليه بالأمر بما شاء، ثم بعد ذلك يمر جبريل على كل سماء، كلما مر على سماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير) فصنيعهم هذا لعلمهم بعظمة ربهم ﵎، والملائكة جل عبادتهم التسبيح وذكر الله جل وعلا، وجل ذكرهم تسبيح الله ﵎، صح عنه ﷺ أنه سئل ما أفضل الذكر يا رسول الله؟ فقال ﵊: (أفضل الذكر ما اصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده) فأكثروا أيها المؤمنون من قول: سبحان الله وبحمده، فإنه كما أخبر ﷺ أنه أفضل الذكر، وهو جل ذكر الملائكة لربها ﵎.
стр. 442
وظائف الملائكة
رؤساء الملائكة أربعة: جبرائيل، وإسرافيل، وميكال، وملك الموت؛ وكل ملك من هؤلاء الملائكة الأربعة موكل بالحياة.
فأما جبريل فموكل بحياة القلوب، فلذلك ينزل بالوحي على من يشاء الله من رسل الله ﵎، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٥].
وميكال موكل بحياة بني آدم مما فيه معاشهم فينزل بالقطر من السماء.
وإسرافيل موكل بنهاية حياة الكون كله، فلذلك هو الذي ينفخ في الصور، قال الله جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨].
وملك الموت وردت بعض الآثار أن اسمه عزرائيل، لكن هذا ليس موجوداً في صريح الكتاب ولا في صحيح السنة، ولكن أكثر أهل العلم على أن اسمه عزرائيل والله تعالى أعلم، وهذا ملك الموت موكل بحياة كل إنسان بذاته؛ فهو الذي يقبض أرواح بني آدم، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة:١١].
ونبينا ﷺ ثبت عنه في السنة أنه كان إذا قام من الليل يجمع بين رؤساء الملائكة فيقول ضمن حديث طويل: (اللهم رب جبرائيل وإسرافيل وميكال أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)، وهؤلاء الملائكة أيها المؤمنون أعطاهم الله جل وعلا القدرة على التشكل، فيتشكلون بأمر الله حيث يريدون، أو حيث ينفع ذلك التشكل، ومنه تشكلت الملائكة وجاءت لإبراهيم -كما بينا في وقفاتنا مع سورة هود- في صورة أضياف، قال الله جل وعلا: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحجر:٥١] وإلى الصديقة مريم جاء جبرائيل في صورة بشر تام الخلقة، قال الله جل وعلا: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم:١٧]، وإلى نبينا ﷺ جاء جبرائيل في صورة دحية الكلبي أحد أصحاب محمد ﷺ ، وكما في حديث عمر في الصحيح وغيره: جاء رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، ولا يرى عليه أثر السفر، ولما انقضى الأمر وانتهت المهمة قال ﷺ : (ذاك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم) فالمقصود أن هؤلاء الملائكة لديهم القدرة على التشكل، وهؤلاء الملائكة تختلف وظائفهم، أسند الله جل وعلا -لحكمة أرادها وهو الغني عنهم وعن غيرهم- إليهم مهمات، فمنهم حملة العرش، وهم فيما يظهر أعظم الملائكة خلقاً، قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧]، وقال الله جل وعلا في الحاقة: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] وكما قلنا فيما يظهر أن هؤلاء حملة العرش هم أعظم الملائكة خلقاً لأنهم يحملون أعظم المخلوقات وهو العرش؛ ثم منهم الموكلون بحفظ بني آدم، قال الله جل وعلا: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١]، ومنهم الموكل بكتابة أعمال بني آدم، قال الله جل وعلا: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] فالذي على اليمين يكتب الحسنات، والذي على اليسار يكتب السيئات، ومنهم من وكله الله جل وعلا بسؤال العبد في قبره، وهم المعروفان بمنكر ونكير، ومنهم موكل بغير ذلك، كالملك الذي جاء في حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين وغيرهما: أنه عندما تبلغ النطفة في الرحم أربعة أشهر -مائة وعشرون يوماً- يبعث إليه ملك، فيؤمر بكتابة أربع كلمات: بكتابة عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد؛ المقصود أن الموكل بهذا ملك من ملائكة الله جل وعلا.
فهؤلاء الملائكة تختلف مهماتهم ووظائفهم إلا أن جل أمورهم في كل حال هو ذكر الله ﵎ وتسبيحه، قال ﷺ : (أطت السماء وحق لها أن تئط، والله ما من موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجئرون إلى الله تعالى) ينبئ ﵊ عن عظم ذكر وعبادة وتسبيح هؤلاء الملائكة المقربين لربنا ﷻ .
كذلك من الأمور التي يوكلها الله جل وعلا إلى الملائكة وتندرج ضمن علاقة الملائكة ببني آدم، أن الملائكة تستغفر للمؤمنين، وقد مضت الآية في استغفار حملة العرش للمؤمنين، ومنه أن الملائكة تبشر المؤمنين أنبياء كانوا أم غير أنبياء، فأما الدليل على أنهم يبشرون الأنبياء ما ورد أنهم بشروا إبراهيم ﵊ بالولد، وبشروا زكريا ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٣٩]، وبشروا النبي ﷺ فقد صح عنه ﷺ كما في صحيح مسلم وغيره أنه قال: (جائني جبريل فقال: يا رسول الله هذه خديجة أتتك بطعام أو إدام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأها من الله ثم مني السلام وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب) ونبينا ﷺ أخبر أن رجلاً خرج من قرية إلى قرية ليزور أخاً له في الله فأرصد له في مدرجة الطريق، أي في عرض الطريق ملكاً فسأله: لم تذهب إلى فلان؟ فأخبره أنه يحبه في الله، لا لنعمة يربها، له فأخبر ذلك الملك ذلك العبد بقوله: (وإني رسول الله إليك أن الله يحبك لأنك أحببته فيه) أو كما قال ﷺ ، وفي هذا دليل على أنه ليس شرطاً أن يكون فيمن تأتيه الملائكة أن يكون نبيناً، فقد تأتي الملائكة رجلاً غير نبي كما في حديث الأبرص والأعمى والأقرع في الملأ من بني إسرائيل، وهذا دليل على أن الملائكة تبتلي بني آدم، ولذلك كان عمر رضي الله تعالى عنه يوصي أصحابه ويقول لهم: قد يأتيكم من ليس بإنس ولا جن يختبر صنيع الله فيكم، أي ربما يأتيك يوماً من الأيام سائل يسألك أن تعطيه، وهو ليس محتاجاً، قد لا يكون إنساً وقد لا يكون جناً، قد يكون ملكاً من الملائكة يختبر صنيعك فيما آتاك الله جل وعلا.
وهذا استنباط من عمر رضي الله تعالى عنه إن صحت الرواية إليه، لكن الحديث في بني إسرائيل: في الأقرع والأعمى والأبرص يعضد هذا الاستنباط الذي ذهب إليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
ومن وظائف الملائكة وعلاقتها بالمؤمنين: الذود والدفاع عنهم، ولذلك أنزل الله الملائكة مسومين يوم بدر يدافعون عن دين الله جل وعلا، ويعضدون محمداً ﷺ وأصحابه في يوم بدر، وهذا وارد في صريح القرآن، وقد ثبت عنه ﷺ أنه لما توعده أبو جهل أن يفعل به ويفعل إذا هو سجد لله كرة أخرى عند الكعبة، فجاء ذات يوم ونبينا ﵊ ساجد بين يدي الله عند الكعبة فاستنفرت قريش أبا جهل فقالوا له: يا أبا الحكم اذهب واصنع ما وعدت به فعاد أبو جهل يرجع القهقرى ويضع يديه، فلما سألوه، قال: والله لقد رأيت بيني وبينه هولاً وخندقاً وناراً وأجنحة، قال ﷺ : (والله لو دنى مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً) فهذا من دفاع ملائكة الله المقربين لرسولنا ونبينا محمد ﷺ .
стр. 443
أمور تثني الملائكة على أصحابها
من مهمات ووظائف وعلاقات الملائكة المقربين مع المؤمنين أن هناك أعمالاً يثنون ويصلون على أصحابها، وهناك أعمال تخالف شرع الله تلعن الملائكة من يفعلها؛ فأما الأعمال التي تثني الملائكة على صانعيها: قال ﷺ : (إن الله وملائكته، والحوت في البحر، والنملة في جحرها ليصلون على معلم الناس الخير) وهذا فيه بشرى لمن تصدروا لتعليم الناس، وتصدروا لإرشاد الناس إن هم أخلصوا النية لله ﵎، وأرادوا بذلك وجه الله، كما أن الملائكة تصلي على أهل الصف الأول فإن لهم مزية ليست لغيرهم؛ لأن جلوسهم ووقوفهم في الصف الأول يدل على أنهم يغدون مبكرين إلى الصلاة.
وهنا ننبه أن بعض إخواننا غفر الله لنا ولهم قد يأتي متأخراً إلى الصلاة، ومع ذلك يريد أن يكسب تلك الفضيلة بدون وجه حق، فتراه يقطع الصفوف، أو يتخطى الرقاب، أو يزاحم المؤمنين بحثاً عن مكان في الصف الأول، ولو كان الأمر متى ما دخل الإنسان المسجد ووجد محلاً في الصف الأول لما كان لأهل الصف الأول مزية، ولكن المزية تكمن في أن أهل الصف الأول في الغالب إن كان المسجد مزحوماً يأتون مبكرين لينالوا هذه الفضيلة؛ أما أن يأتي العبد وقت الإقامة ثم يتخطى رقاب المؤمنين، ويزاحم زيداً وعمراً، وربما وقف بين رجلين كبيرين طاعنين في السن، أو أحدهما مريض، أو غير ذلك ممن يبتلي الله به عباده في الظاهر والباطن فهذا مما لا ينبغي لطالب العلم ولا ممن التزم على شرع الله أن يفعله، فإنه إما أن يغدو مبكراً وإما أن يرضى بالمكان الذي انتهى الصف إليه.
كذلك من الأعمال التي تثني الملائكة على أصحابها: الذي يمكث في المسجد ينتظر الصلاة، تقول الملائكة: اللهم اغفر له الله ارحمه ما دام في مصلاه، ولا ريب أن في هذا مزية عظمى وفضيلة خاصة وعظيمة لمن ينتظرون الصلاة بعد الصلاة، وقد وصف النبي ﷺ هذا العمل بأنه الرباط قال: (فذالكم الرباط فذالكم الرباط فذالكم الرباط) هذه بعض الأعمال التي تصلي الملائكة على أصحابها.
стр. 444
أمور تلعن الملائكة من يفعلها
إن النبي ﷺ أخبر أن الملائكة لتلعن المرأة إذا دعاها زوجها إلى فراشها فأبت فتركها زوجها أو نام عنها وهو غاضب عليها، وفي هذا حث للمؤمنات أن يتقين الله جل وعلا في الأزواج، وأن يعلمن أن من وسائل رضوان الله جل وعلا المنصوص عليها في الكتاب والسنة أن تلتمس المرأة خدمة زوجها والقيام بحقه على الوجه الأكمل، قال ﷺ لـ معاذ لما هم بالسجود له، ومعاذ قد تأثر بأهل الشام قال: إني وجدت عامتهم يسجدون لأساقفتهم قال: (يا معاذ إن هذا لا ينبغي أن يكون إلا لله، ولو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها) فهذا بيان لحق الزوج على زوجته، وقد يكون لكثير من تأثير وسائل الإعلام المسموعة منها والمرئية تبدل وخلل في هذا الموضوع، لكن المؤمنات إنما يأخذن دينهن من كتاب الله وصحيح سنة محمد ﷺ ، ولا يعني هذا السمع والطاعة العمياء، فإن السمع والطاعة مقيدة في طاعة الله جل وعلا، أما إن كان ذلك في معصية فإن ذلك أمر لا يجوز لا للزوج ولا لغيره، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وممن تلعنهم الملائكة: من أشار إلى أخيه بحديدة، قال ﷺ : (تلعنه الملائكة حتى يضعها، وإن كان أخوه لأبيه وأمه) وهذا قطع لدابر الشيطان ولنزغاته، وكم من أخ أراد أن يداعب أخاه، أو يمازحه، أو يلعب معه بشيء من قطع السلاح بالحديد أو بالبندقية أو بغيرها فيكون وراء ذلك الشر المستطير، ولما كان ﷺ أنصح الناس للناس، وأرحم الخلق بالخلق قطع على الشيطان دابره، وقطع الأمور التي توصل إلى العداوة والشحناء والبغضاء بين المؤمنين، فأخبر أن الملائكة تلعن من أشار إلى أخيه بحديدة، وإن كان ذلك الأخ قريباً منه، أي ولو كان شقيقاً له من أبيه أو من أمه.
كما أن من الأمور التي تلعن الملائكة صاحبها ما في قوله ﷺ : (المدينة حرام من عير إلى ثور من أحدث فيها حدثاً أو آوى فيها محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً).
إن مدينة رسول الله ﷺ تمتاز عن غيرها من المدن، شاء الناس أم أبوا، أدرك الناس حقيقة ذلك أم لم يدركوه؛ فإن الله جل وعلا اختارها أن تكون مهاجراً لنبيه، ولما فتح الله مكة لرسوله ﷺ وهي داره الأولى ما مكث ﷺ في مكة إلا بالمقدار الذي تم فيه الفتح، ثم عاد راجعاً ﷺ إلى هذه المدينة، واختار الله تربتها، وطينتها أن تكون قبراً لجسده الشريف ﵊، فقد صح عنه ﷺ في صحيح مسلم أنه قال -يذكر رغبة الناس عنها-: (والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون) فهذه المدينة بهذه المزية التي خصها الله بها، كما خص مكة أن النبي ﷺ حرمها، ودعا بالبركة لأهلها في كيلهم، ودعا بغير ذلك لأهلها ﵊، فكون الإنسان يحدث فيها حدثاً أو يأوي فيها محدثاً، هذا مستوجب لغضب الله ولعنته، ومستوجب للعنة الملائكة، ومستوجب لعنة الناس أجمعين، فليتق العبد المؤمن مسئولاً أو عامياً أو عالماً أو داعية أو أياً كان رجلاً أو امرأة وهو يقطن ويسكن مدينة رسول الله ﷺ أن يحدث فيها نهي عنه، وإن كان الحرام حرام في المدينة وحرام في غيرها، لكنه تتأكد حرمته في مدينة رسول الله ﷺ للحديث السابق ذكره.
وهنا نعرض بعض الأعمال التي فيها شر محض، ولا يقبل التأويل، ولا الأخذ ولا العطاء، ولا يقبل مسألة النسبة في كونه حرام في المدينة أو غيرها؛ إلا أنه في المدينة أشد حرمة: أشرطة الفيديو ذات الأفلام الخليعة، فإن بيعها والاتجار بها في مدينة المصطفى ﷺ أمر فيه من عظيم الحرمة ما فيه، فبيعها في أي مكان حرام المساعدة ونشرها على ذلك بين البيوت التي هي جوار لمحمد ﷺ أمر حرمه الله، وحرمه رسوله، وفيه من الإثم ما لا يعلمه إلا الله جل وعلا وكذلك المحلات التي تبيع ما يسمى عند العامة وعند الناس بالجراك أو بالشيشة فإن بيعها حرمه الله وحرمه رسوله ﷺ وفق ما فهمه العلماء من صحيح الكتاب وصريح السنة، ولا ريب أن الاتجار بها في مدينة كان فيها الوحي والتنزيل وجرى في طرقاتها جبرائيل وميكائيل أمر فيه من الشناعة ما لا يخفى على كل ذي عقل حصيف.
وأنا أتكلم عن الأمور ذات الشر المحض الذي لا يقبل الرد ولا التأويل، وإلا فهناك أمور أخر لكن تدخل فيها مسألة النسبة، يعني إذا استخدم في الحرام حرام، وإذا استخدم في الحلال حلال.
بعض ما يلبسه النساء من ألبسة وفساتين لا يقبل أن تلبسها المرأة المؤمنة أبداً، وقد يقول قائل ربما تلبسها المرأة لزوجها والزوج يجوز له أن يرى كل شيء من زوجته بلباس أو بدون لباس، نقول إن هناك مما يعلمه جميع الناس يباع لا يقبل أبداً أن تلبسه المرأة في بيت زوجها، أي أن موديله إن صح التعبير أو تصميمه أو ما يباع من أجله لا يعقل أن تلبسه المرأة أما زوجها، إنما تلبسه في الأفراح، والمناسبات، وفيه من الخلاعة والمجون والدعوة إلى الفواحش ما حرمه الله ورسوله مما لا يماري فيه اثنان من العقلاء، فلا ريب أن تسويقه ونشره والتجارة وبيعه في مدينة النبي ﷺ إثم عظيم، ولذلك فإنني أقول للأخوات نصحاً لله: إن هذه الأمور إنما يدعو فيها أقوام لا خلاق لهم يريدون أن يحيدوا بكن عن طريق الله جل وعلا، وإنها يا أختاه نفس واحدة إما جنة وإما نار، وإنني أربأ بعقلك وعقل كل مؤمنة أن تتخذ طريقاً موصلاً إلى غضب الله فلا خير في لذة من بعدها سقر، وسيأتي بيان هذا في حديثنا عن وقفة أخرى عند منازعة الإنسان لرغبته وما أمر الله جل وعلا به في هذه الدرس.
فهذا مندرج ضمن الأعمال التي تلعن الملائكة أصحابها أو القائمين بها، ونحن نبين هذا حتى يكون المؤمن على بينة من أمره، فيعلم طريق الله فيتبعه، ويعلم أي الطريق الذي يحيد بالعبد عن طريق الله جل وعلا ويجتنبه.
إن ولي نبينا ﷺ من هؤلاء الملائكة جبرائيل ﵊؛ فإن اليهود جاءوا إليه ﵊ فقالوا: يا أبا القاسم إنا سائلوك عن أمور لا يعلمهن إلا نبي فإن أجبتنا عليها اتبعناك وإن لم تجب عليها كان الفصل بيننا وبينك، فأخذ ﵊ عليهم العهود والمواثيق ما أخذه يعقوب على بنيه أن يبروه ويأخذوا بقوله إن هو أجابهم، فقالوا: له ما علامة النبي؟ قال: (تنام عينه ولا ينام قلبه) قالوا: كيف ينزع الرجل إلى أمه وأبيه؟ قال ﵊: (أما علمتم أن ماء الرجل ثخين أبيض وماء المرأة رقيق أصفر فأيهم غلب نزع الولد إليه) فقالوا له: ما الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه؟ قال: (أما علمتم أن يعقوب -أي إسرائيل- اشتكى عرق النساء فنذر لله إن عافاه الله وشافاه أن لا يأكل من لحوم الإبل ولا يشرب من ألبانها) فقالوا له: ما الرعد؟ قال: (ملك من الملائكة بيده مخراق من نار يسوق السحاب بيديه) فقالوا: يا أبا القاسم بقيت واحدة، فإن أجبتنا إليها اتبعناك قال: (قولوا) قالوا: من وليك من الملائكة؟ فقال ﷺ : (وليي من الملائكة جبريل، وما بعث الله نبياً إلا وهو وليه من الملائكة) فقالوا: إذاً نفارقك، ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال، لو قلت أن وليك ميكال الذي ينزل بالقطر والرحمة لاتبعناك، يريدون أن يفرقون بين ملائكة الله، فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٧ - ٩٨].
وتتلخص الوقفة مع الملائكة في الإيمان بهم، وتصديق ما أخبر الله ورسوله عنهم، والدعوة إلى أن يتمثل الإنسان الأعمال التي فيها مرضات لله، ويجتنب الأعمال التي فيها معصية لله والتي توجب سخط الله وغضبه.
стр. 445
وقفة مع قول الله تعالى: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب)
الوقفة الثانية مع قول ربنا ﵎ -وهو مندرج في الوقفة الأولى-: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ [الصافات:٦ - ٨] أخبر الله فيها أنه جعل النجوم في السماء لأمور ثلاثة: ثنتين في هذه الآية: الأولى: أنها زينة، والثانية: حفظاً من كل شيطان مارد، والثالثة: جاءت في سورة أخرى قال الله جل وعلا: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦].
ثم نقف مع قول الله جل وعلا: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ [الصافات:٧ - ٨] وهذا يدخلنا في الحديث عن الجن.
الجن أيها المؤمنون خلق من خلق الله، ولكونهم عالم غيبي فإن الحديث عنهم تكتنفه دائماً الأساطير، والأمور ذات الرعب والخوف، ولذلك جرت العادة عند العامة أن يختبروا شجاعة الرجل بأن يحدثونه عن الجن، فإن صبر قالوا: هذا رجل شجاع، وإن بقي يرتعش أو أصابه الخوف، قالوا: هذا رجل فيه خوف؛ لأنه يخاف من الجن، والصواب أن يقال: إن الجن بالنسبة لنا عالم غيبي لم نره؛ ولذلك سموا بالجن لأنهم مستترون، ولذلك يسمى الجنين في بطن أمه جنيناً لأنا لا نراه، وسميت الجنة جنة لأننا لم نرها، والله جل وعلا قال في القرآن: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام:٧٦] أي أظلم واستتر وغطى ما فيه، فهذا سبب تسميتهم بالجن، والظاهر أن أباهم إبليس عليه لعنة الله إلى يوم القيامة، وإبليس كما هو معلوم خلق من نار، ولذلك فيهم الطيش؛ وهؤلاء الجن مكلفون بالأوامر والنواهي كبني آدم قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨] وهؤلاء الجن لديهم كما لدى الملائكة القدرة على التشكل، لكن قال العلماء: إن الفرق في قدرة الملائكة وقدرة الجن على التشكل أن الملائكة لا تحكمهم الصورة بخلاف الجن فإنه تحكمهم الصورة، وبيان هذا لو أن عبداً من عباد الله قابل جنياً في صورة أي مخلوق في صورة قط، أو في صورة كلب، أو في صورة حية، أو في أي صورة كانت فقتل ذلك العبد ذلك الجني في صورته وأصابه في مقتل فإن الجني يموت لأن الصورة تحكمه، ولذلك روى مالك في الموطأ أن أحد أصحاب محمد ﷺ كان حديث عهد بعرس فاستأذن النبي ﷺ يوم الخندق أن يذهب إلى عرسه أي إلى زوجته، فلما ذهب ذلك الصحابي وجد امرأته خارج باب الدار فأخذته الغيرة فسل سيفه يريد أن يعاقبها، فأشارت إليه أن ادخل الدار، فلما دخل الدار فإذا بحية قد طوقت سريره أو فراشه، فضربها بالسيف فلا يدرى أيهما أسبق موتاً ماتت الحية ومات ذلك الصحابي، فقال ﷺ : (إن في المدينة إخواناً لكم من الجن عوامر) أي يعمرون البيوت (فحرجوا أو استأذنوا عليهم ثلاثاً) والمقصود أن الصورة التي يتلبس بها الجني تحكمه في قضية حياته أو في قضية موته والله تعالى أعلم، هذا بعض ما علمناه، أو ما اطلعنا عليه من أقوال أهل العلم ﵏ أحياء وأمواتاً، والجن لديهم قدرة قوية على القيام بمشاق الأمور، ولذلك سخرهم الله لنبيه وعبده سليمان ﵊، قال ﵎: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص:٣٦ - ٣٧] ومعلوم أن سليمان ﵊ لما أراد ممن حوله أن يأتوا بعرش بلقيس، قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣٨] فحكى الله في القرآن قول عفريت من الجن: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل:٣٩] فهذا دلالة على ما أوتي هؤلاء الجن من قوة وسلطان، إلا أنه ينبغي أن يعلم أن الجن لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم ضراً ولا نفعاً.
ولما كانت بعثة محمد ﷺ نقطة تحول في تاريخ البشرية كلها، فإن الجن كانت في السابق لها مقاعد في السماء يسمعون ما تتذاكره الملائكة من وحي الله جل وعلا، فينزلون بتلك الكلمة إلى الناس ويعطونها إلى الكهنة الذين يتعاملون معهم فتزيد عليها الكهنة بعضاً من الكذب فينتشر هذا الأمر بين الناس ويصدقونه، فلما أراد الله أن يبعث محمداً ﷺ ملأت السماء حرساً وشهباً حتى لا يستمع الملائكة شيء فيدخلون على القرآن ما ليس فيه، وهذا من حفظ الله لدينه، ومن حفظ الله لكتابه، ومن إكرام الله لرسوله ﷺ وإن أردت الدليل على ذلك فاقرأ قول الله جل وعلا في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا﴾ [الجن:٨ - ٩] أي في السابق ﴿نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ﴾ [الجن:٩] أي بعد البعثة ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن:٩] فهذه الشهب تقذف أولئك الجن حتى لا يسترقون السمع وحتى لا يسمعون شيئاً من وحي الله إلى ملائكته، ولا مما تتذاكره الملائكة مما يخبر الله به رسوله ﷺ ؛ وهذا فيه إكرام لرسولنا صلوات الله وسلامه عليه.
ولما رأت الجن هذا استغربت، وقيل: إنهم ذهبوا إلى أبيهم إبليس فأخبروه، فقال: انصرفوا في الديار وتفرقوا في الأمصار فإن هذا لا يحدث إلا لنبأ عظيم، فجاءوا فوجدوا النبي ﷺ يقرأ بأصحابه القرآن، فقالوا: هذا الذي منعنا من أجله، وهؤلاء الجن بما أنهم مكلفون فإن منهم مؤمنين ومنهم كافرين، قال تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن:١١]، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن:١٤] ففيهم مؤمنون وهم قلة، وفيهم كفار وهم كثرة، وهؤلاء الجن بما أنهم مكلفون فإنه على الصحيح من أقوال أهل العلم أنهم يثابون ويعاقبون، قال الله جل وعلا: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩] وأما هل يدخلون الجنة أو لا يدخلون فالمسألة خلافية عند العلماء، لكن الصواب والله تعالى أعلم أنهم يثابون على ما ندين الله جل وعلا به، قال الله ﵎: ﴿فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن:١٤] والجن الذين صرفهم الله إلى نبينا محمد ﷺ كما صرح الله بذلك في سورة الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف:٢٩] آمنوا برسولنا ﷺ ، وانطلقوا -وهم جن- دعاة إلى الله، يدعون إخوانهم من الجن إلى دين الله ﵎ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن:١ - ٢] ثم هؤلاء الجن المؤمنون قيل إنهم تأدبوا مع الله في موضعين صريحين ذكرهما الله في كتابه: الأول تصريحاً، والثاني تلميحاً، فأما التصريح فإن الله جل وعلا أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠] فانظر إلى أدبهم مع الله، الشر نسبوه إلى غير فاعل.
أما الخير والرشد والصلاح فنسبوه إلى رب البريات ﵎ فقالوا: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]، وأما الموقف الثاني فقد ورد أن النبي ﷺ قرأ على إخواننا من الجن سورة الرحمن، ومعلوم أن سورة الرحمن تكرر فيها قول الله جل وعلا: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣] والخطاب للجن والإنس، فورد أن الجن لما قرأ عليهم رسولنا ﷺ هذه الآية كانوا يقولون: لا نكذب بأي من آلاء ربنا، وقد ورد أن النبي ﷺ قال لإخواننا من الصحابة: (ألا تقولون كما قالت إخوانكم من الجن: لا نكذب بأي من آلاء ربنا).
أما قضية دخول الجني في الإنسي فلا نريد أن نفصل فيهما لكن نقول: إن هذه المسألة خلافية بين العلماء، ولعل الأرجح والأظهر والله تعالى أعلم أن الآثار وردت أنه بالإمكان أن يدخل الجني في الإنسي، لكن الذي لا يُصدّق ولا يمكن أن يُصدّق ما ظهر في هذا الزمان من أن الناس نسبت كل بلاء إلى الجن، حتى لو أن رجلاً لا يفقه في دين الله شيء وفتح باب داره وأحضر بعضاً من الماء وقليل من الزيت لتقاتل الناس عند بابه كلهم يزعم أنه يخرج الجني من الإنسي، وحتى أصبح كثير من الناس بمواقف رأيناها بأعيننا، وبلقاء من عمل بهذا العلم واشتغل بهذه المهمة إذا أراد أن يهرب من أمر وقع فيه زعم أنه للجن، تجد المرأة لا تريد زوجها فتفزعه في الليل وتتقلب وتقول: جني أزرق أو جني أحمر، فالمسكين يصدق أن هناك جني فيذهب بها إلى أقوام قد لا يجدون فقه هذه المسألة فيقول: فيها جني، فيمكث الجني أعواماً وشهوراً وسنين وهو يغدوا بها من مكان إلى مكان، والمسألة تتلخص في أمر بسيط وهو أنها لا تستطيع أن تقاوم أهلها ولا تستطيع أن تقول له لا، فتلجأ إلى هذه المشكلة أو تلجأ إلى هذه الطريقة، حتى لجأ بعض الناس إلى مسألة أخرى، وهي إلى التكسب ا
стр. 446
وقفة مع قول الله تعالى: (وقفوهم إنهم مسئولون)
الوقفة الثالثة أيها المؤمنون مع قول ربنا ﵎: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤].
هذا الأمر فيه من الموعظة العظيمة البليغة من ربنا ﵎ إلى عباده الخُلّص، وهذا السؤال إنما يكون في اليوم الموعود والحدث المشهود، والعرض الأكبر بين يدي الله جل وعلا، ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه خل خليلاً، ولا صديق صديقاً، ولا والد ولداً، ولا أم ابناً، ولا زوج زوجاً، وإنما ينفع الإنسان رحمة الله وعمله الصالح؛ وهذا اليوم من أجله ظمئ المؤمنون في الهواجر، ومن أجله قام المؤمنون الخُلّص الليل خوفاً من ذلك اليوم وذلك الفزع، ومن أجل هذا اليوم كان ﷺ يقوم الليل، ويطعم الجائع، ويصوم، ويفعل ما يفعل من سائر العبادات ومن أجل ذلك اليوم صبر نوح، وابتلي إبراهيم، ومن أجل ذلك اليوم كان وما زال المؤمنون الخُلّص يستغفرون ربهم ويجأرون بالدعاء إليه خوفاً من ذل الفضيحة يوم العرض عليه، وخوفاً أن يعجز العبد عن أن يجد جواباً يوم يقف بين يدي الله جل وعلا، قال الصادق المصدوق: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه؟ وعن عمره فيما أفناه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ ويسأل عن علمه ماذا عمل به؟) ولذلك قال بعض الصالحين: وإذا الصبي بأمه متعلق يخشى العقاب وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف المصر على الذنوب دهور لو قارنت بين ذلك الامتحان وبين الامتحان الدراسي الذي تذهب به على سيارتك، أو بسيارة أبيك، أو مع قرينك، فذلك اليوم واحد من أمرين ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم:٨٥] جعلنا الله منهم، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٦] وفي الامتحان الفصلي تقف بين يدي المعلم ربما لو خدعته لانخدع، لكن يوم القيامة تقف بين يدي من لا تخفى عليه خافية، في الامتحان الفصلي تسأل عن قاعدة نحوية، أو مسألة رياضية، أو غير ذلك مما درسته؛ لكنك يوم القيامة تسأل عن كل صغيرة وكبيرة: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] في الامتحان الفصلي المسألة إن كان هناك وإلا وانتظر الدور الثاني أو اترك إلى عمل آخر، لكن في ذلك اليوم واحد من أمرين ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧].
يقول الله جل وعلا عن أهل الجنة: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤] ويقول جل ذكره عن أهل النار، يخبر عن مسائلة الملائكة لهم: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧١ - ٧٢].
الهدية في هذه الدنيا ربما كانت شيكاً مفتوحاً من والدك هذا إن قلنا: إن والدك غني مترف ذو مال واسع وهذا المال تأخذه اليوم إما أن تتركه، أو أن المال سيتركك، فلا بد أن تفارقه رضيت أم أبيت، ولكن الجائزة يوم القيامة لذة النظر إلى صاحب الوجه الأكرم إلى وجه ربنا ﵎، وهذه لذة لا تعدلها لذة، اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقاءك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.
الرسوب بين يدي أقوام وأخلاط لا يتجاوز عددهم أصابع اليد تعتذر إليهم عنه بأي أمر، ولكن الفضيحة يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، وعلى رؤوس الخلائق يُنادى فلان ابن فلان ثم يوصف بما فيه والعياذ بالله، النبيون وهم النبيون دعاؤهم يوم القيامة: اللهم سلم سلم؛ مما يرون من الأهوال والشدائد، ومما يرون من عظائم الأمور.
стр. 447
وقفة مع قوله تعالى: (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين أرى في المنام أني أذبحك
الوقفة الرابعة مع قول الله ﵎ عن خليله إبراهيم: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:٩٩ - ١٠٢].
خليل الله إبراهيم سبق الحديث عنه في وقفاتنا مع سورة هود، وهو كما هو معلوم أحد أنبياء الله العظام ورسله الكرام، ومما ابتلاه الله به هذه الآية العظيمة وهي أمره له بأن يذبح ابنه إسماعيل.
لما نجى الله إبراهيم من النار وترك قومه وهجرهم قال لهم بملء فيه: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩] ولما كان شيخاً قد بلغ من السن ما بلغ دعا الله أن يرزقه ولداً، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠]، فاستجاب الله جل وعلا له، قال الله ﵎: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١]، فلما رزق ذلك الولد وهو -على الصحيح والله أعلم- إسماعيل مكث إسماعيل في كنف والده حتى تبينت فيه علامات الرشد، وعلامات الفطنة، وعلامات العلم، وأمارات الحصافة والعقل السديد؛ فلما أصبح قادراً على أن يذهب مع أبيه ويغدو ويروح وتعلق أبوه به، وأصبح له المكانة السامية في قلب أبيه أراد الله أن يخلص قلب إبراهيم له وحده؛ لأنه خليل الله، فابتلاه بالأمر بأن يذبح هذا الابن الذي تعلق به ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢].
لم يتردد إبراهيم برهة واحدة في الاستجابة لأمر الله جل وعلا، فأخذ ابنه يشاوره لا من باب التنفيذ وعدم التنفيذ، ولكن حتى يشترك الاثنان في الأجر؛ وإلا لو امتنع إسماعيل لنفذ إبراهيم أمر ربه، ولكنه أراد أن يكون ذلك على غير غرة، وأن يكون من باب التسليم لأمر الله، فتنازعت في إبراهيم وفي إسماعيل هوى النفس وأمر الله جل وعلا؛ وهذا يحدث يومياً في نفس كل عبد مع اختلاف الأمر كل أمر أمر الله به تجد في نفسك ما يمنعك عنه، وتجد في نفسك ما يدفعك إلى تركه، يتنازع عندك الشر والخير، ولكن إبراهيم لما كان إمام الحنفاء، وأبا الأنبياء عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم أسلم أمره إلى الله: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢]، فكان رد ذلك الابن الذي جاء من صلب العبد الصالح ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:٣٤]: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] وانظر إلى قوله ((إِنْ شَاءَ اللَّهُ)) وإلى قوله: ﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] قال: إن شاء الله، ليثبت أن الأمر بيد الله ولم يقل ستجدني صابراً بل قال: من الصابرين، وفي هذا إظهار شيء من التواضع بمعنى: أنني من جملة من صبر لله ﵎ ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢].
فلما كانت اللحظة الرهيبة وساعة الابتلاء العظيمة، وأخذ إبراهيم ابنه إسماعيل فوضعه على جبينه حتى لا يرى عينيه فتغلب عليه عاطفة الأبوة، وأراد أن يمر السكين على ذلك العنق الذي لا يجد في الدنيا أحداً أحب إليه منه، وهو عنق ولده الذي رزق به بعد مرحلة من الانقطاع، وبعد مرحلة من الشيخوخة والكبر، وكان الابن فيه من الأمارات والعلامات ما يجعل الأب متعلقاً به، ومع ذلك أراد أن يمر السكين فلما لم يبق إلا قضية الذبح -والله غني عن إبراهيم وإسماعيل لكن المقصود تحقق الابتلاء، ونجح إبراهيم فيه- إذا بربه جل وعلا يناديه ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٦] (وَفَدَيْنَاهُ) أي: إسماعيل ﴿بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٧] قال العلماء: بذبح عظيم؛ لأنه فدي به إسماعيل، وعظيم لأنه أضحى بعد ذلك سنة، وعظيم لأنه قيل: إن ذلك الكبش رعى في الجنة أربعين خريفاً، ففدى به الله ذلك العبد الصالح ﵊، ولذلك أثنى الله على الاثنين: على إبراهيم وعلى إسماعيل، قال عن إسماعيل: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم:٥٤] أي: وعد أن يصبر فصدق في وعده، وأثنى الله على إبراهيم فكثيراً ما يقترن اسمه باسم نبينا محمد ﷺ قال ﵎: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٨] أي: فيمن يأتي بعده ﴿سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٩ - ١١١].
وقد سبق أن الإنسان قد يجتمع عنده أحياناً رغبة العمل الذي يريده ورغبة العمل الذي يريده الله جل وعلا، وهذه اجتمعت في خليل الله إبراهيم، وهنا أقول لنفسي ولكل أخ مؤمن ولكل أخت مؤمنة: إن إيثار هوى الله على هوى النفس أعظم السبل الموصلة إلى جنات النعيم، إن الجنة كنز غال ثمين لا ينال بالتشهي، ولا ينال بالرغبة، ولكنه يدرك بعظائم الأمور، ويدرك بأن يؤثر الإنسان هوى الله وهوى رسوله ﷺ على هوى نفسه، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١]، وقال جل ذكره: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، ثم أخذ الله جل وعلا يذكر صفة هاتين الجنتين؛ المقصود أنه سيجتمع عندك في كل أمر هوى النفس وهوى الله جل وعلا، فلا تؤثرن لذة عادية زائلة ونعمة حائلة على مرضات الله جل وعلا، واصبر على ما أصابك، وأصبر على كبح جماح هواك، واعلم أن ما عند الله جل وعلا خير وأبقى، واعلم أن هذا الدين سمي إسلاماً لأن فيه الاستسلام والخضوع والذل لله ﵎، قال الله عنهما: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات:١٠٣] أي خضعا وانقادا وأسلما أمرهما إلى رب البريات .
стр. 448
وقفة مع قول الله تعالى: (وإن يونس لمن المرسلين فكان من المدحضين)
الوقفة قبل الأخيرة مع قول ربنا ﵎: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات:١٣٩ - ١٤١] إلى آخر الآية.
يونس بن متى نبي من أنبياء الله، نص الله على رسالته في القرآن، وقد ثبت أو ورد عن نبينا ﷺ أنه لما أكثر عليه أهل الطائف من الأذى حن عليه اثنان من أهل الطائف يقال لهما: ابنا ربيعة، فأخذا غلاماً لهما يقال له: عداس فأعطاه عنقوداً من عنب، وقالا: امض به إلى ذلك الرجل كنوع من العاطفة الإنسانية، فلما وضع عداس عنقود العنب بين يدي رسولنا ﷺ ، وهم ﵊ أن يأكل قال: (بسم الله) فقال عداس وقد عجب من هذه الكلمة قال: والله هذه كلمة لا يقولها أهل هذه البلاد، فقال ﵊ لـ عداس: (ومن أي البلاد أنت؟ وما دينك؟) قال: أنا نصراني من بلاد نينوى فقال ﵊: (من بلاد يونس بن متى) فقال العداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال ﷺ : (ذاك أخي، فهو نبي وأنا نبي) فهذا ما ورد في السنة إن صح الخبر، ذكره أهل السير عن الصادق المصدوق ﷺ .
فيونس ﵇ بعثه الله جل وعلا إلى قومه، فأخذ يدعوهم ويحذرهم العذاب، فلم يستجيبوا له، فلما لم يستجيبوا له خرج غاضباً ﵊ دون أن يستأذن ربه فيما يظهر لنا والله أعلم، فلما خرج ركب في سفينة، فمضت تلك السفينة بمن فيها، فلما غلبتهم الأمواج وكادت السفينة أن تغرق، أرادوا أن يستهموا بالقرعة ليلقوا أحدهم حتى ترسو السفينة، فاشترك معهم يونس في القرعة، قال الله جل وعلا: ﴿فَسَاهَمَ﴾ [الصافات:١٤١] أي شارك في القرعة، فلما ساهم وقعت القرعة عليه، قيل: إنهم قالوا: أما أنت فلا، فأعادوا القرعة مرة أخرى فوقعت عليه، وهكذا مرة ثالثة، فألقوه في البحر، فلما ألقوه في البحر ابتلعه حوت، أمره الله أن يبتلع يونس، فلما ابتلع الحوت يونس أوحى الله إلى الحوت ألا يكسر له عظماً، ولا يأكل له لحماً، وأن يكون له قبراً مؤقتاً، فمضى يونس في ظلمات ثلاث: ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت، وبدأ يحرك يديه ورجليه فاستجابتا له، وعلم أنه حي في تلك الظلمات، وسمع -على ما قاله أهل العلم- تسبيح الحيتان، وتسبيح من هم في قعر البحار للواحد الأحد الفرد الصمد نادى ذلك العبد ربه في تلك الظلمات، قال الله جل وعلا: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤] وقول الله: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات:١٤٣] يفسره قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧ - ٨٨].
وإنها -أيها المؤمن- دعوة وتسبيح وذكر لمن وسعت رحمته كل شيء، قال العلماء: سبح يونس في ظلمات البحر لعالم السر والنجوى، ولجأ إلى من يكشف الضر والبلوى، وإلى من يسمع الدعوات وإن خفيت وإلى من يجيب الدعوات وإن عظمت، وإلى من يعلم الخفيات وإن دقت فكان إكرام الله له ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ [الأنبياء:٨٨] هذه ليونس ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٨] هذه لغير يونس من المؤمنين لمن يلجأ إلى الله جل وعلا، فالجئوا إلى الله في السراء والضراء بهذا الدعاء العظيم، وعلموا أنفسكم وأزواجكم، وبناتكم، وأبنائكم أن يلجئوا إلى الله بهذه الدعوة النبوية، والتي أقرها الله في كتابه، وأقرها رسول الله ﷺ في سنته، وهي قول: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فقد جمعت أمرين عظيمين: الأول: توحيد الله، وبه تعبد الله الخلائق، والثاني: الإقرار بالذنب وإظهار الذلة والمسكنة، وهي من أعظم الوسائل لإجابة دعوة الله ﵎؛ فلما كان هذا منه واستجاب الله له، أمر الله الحوت أن يلقيه ويقذفه خارج البحر، فلما ألقاه الحوت وقذفه خارج البحر خرج ضعيفاً مسكيناً كأنه لتوه مولود في رقة لحمه وعظمه، فأنبت الله له رحمة به -شجرة اليقطين، وهي فيما نعلم- شجرة الدباء في اتساع ورقها، فأخذت تظلله، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات:١٤٦] ثم رده الله إلى قومه ليدعوهم من جديد.
عاد ذلك النبي إلى قومه يدعوهم إلى الله جل وعلا، قال الله ﵎: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات:١٤٦ - ١٤٨].
قوم يونس لما خرج منهم نبي الله يونس مغاضباً -كما قد علمنا- ندموا على ما كان منهم، وكان العذاب قد أضلهم ورأوه عياناً، فلما رأوه عياناً جأروا إلى الله جل وعلا، فخرجوا إلى ظاهر القرية وأخرجوا معهم نساءهم وأطفالهم وبناتهم وأبناءهم صغاراً وكباراً تضرعاً إلى الله، وأخذوا يجأرون بالدعاء الصغير منهم والكبير، حتى إنهم أخرجوا معهم مواشيهم وإبلهم وبقرهم وضأنهم وأغنامهم، حتى قال العلماء: إنهم فصلوا بين الغنم وحملانها، وفصلوا بين البقر وأولادها، وفصلوا بين الإبل وأولادها كذلك حتى يكون أدعى في أن تلك الأغنام وتلك الأبقار وتلك الإبل تجأر إلى الله جل وعلا بالصياح والنحيب، ولقد كانت ساعة عظيمة لم يرى مثلها، والله جل وعلا مضت سنته في الخلق أن الإيمان نوعان: إيمان اضطراري، وإيمان اختياري فالإيمان الاختياري: هو أن الإنسان يؤمن في لحظات اختيار لحظات لا يرى فيها العذاب عياناً، فهذا يقبله الله جل وعلا، والساعة الأخرى لحظات الإيمان الاضطراري: حين تغرغر الروح، وحين يرى القوم العذاب؛ فهذا لا يقبل الله في وقته، ذلك الإيمان على ما مضت به السنن، إلا قوم يونس فإن الله جل وعلا استثناهم -برحمة وفضل منه- من هذه السنة، والدليل: قول الله جل وعلا في سورة يونس: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨] فالأصل الذي جرت به سنن الله في الكون أن الله لا يقبل الإيمان الاضطراري، ففرعون لما رأى العذاب ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] مع ذلك ما قبل الله منه، قال الله جل وعلا: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] أما قوم يونس فلأمر ولحكمة أرادها الله، ولرحمة أرادها الله أن تنزل على أولئك الأقوام، فقد شملتهم رحمة الله واستثنوا من تلك السنة الماضية فقبل الله إيمانهم، قال الله جل وعلا: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات:١٤٨] وبناءاً على هذا اختلف العلماء ﵏ هل إيمان قوم يونس كما كشف الله به عنهم العذاب الدنيوي هل يكشف به عنهم العذاب الأخروي؟ على قولين لأهل العلم، ولعل الأرجح والصواب -والله تعالى أعلم- أنه ينفعهم أخروياً كما ينفعهم دنيوياً؛ لأن رحمة الله جل وعلا تغلب غضبه.
وهنا في هذه القصة العظيمة لنبي الله يونس دليل على أن الإنسان ينبغي عليه أن يفزع إلى الله جل وعلا بالشدائد، وأن يلجأ إليه عند حلول النقم، وأن يلجأ إليه عند نزول الفتن، وأن يستغيث به ﵎ وحده، وأن يعلم أن الله يكشف الضر والبلوى كما أنه ﵎ يعلم السر والنجوى.
стр. 449
الأسئلة
стр. 450
حكم بذل الإنسان مالاً للحصول على حقه
السؤال
هذا أخ يقول: هل دفع المال لحصولي على حق لي يعتبر رشوة، كأن أدفع مالاً لاستخراج شيء معين، علماً أنني لم أختلس مالاً ولم أظلم أحداً؟
الجواب
نحن نقول إن الرشوة أمر حرمه الله، وأوجب النبي ﷺ في حقه اللعنة، واللعنة شملت الراشي وشملت المرتشي شملت معطيها وشملت آخذها، لكن والله تعالى أعلم رخّص بعض أهل العلم في دفع الرشوة إذا كان الإنسان يريد أن يستخرج حقاً له، وهو يعلم أنه حق شرعي له لا يستطيع أن يستخرجه إلا بهذا الأمر، فهي رخصة في حق من دفع، وإثم على من أخذ، ولكننا والله تعالى أعلم نقول: إن الأحوط الترك براءة للذمة، ولعل الله يعوضك خيراً مما فقدت، والله تعالى أعلم.
السؤال
هذا أخ كريم يقول: نريد منكم أن تكون هناك محاضرة عن حرمة هذه المدينة وعن فضائلها، لأن كثيراً من الناس يجهلون هذا الأمر
الجواب
لا ريب أنه من الواجب على العلماء والدعاة والأئمة والخطباء ومن آتاهم الله الصدارة للناس أن يحرصوا على أن يبينوا معالم الدين لهم، ولا ريب أن من معالم الدين أن يعلم الإنسان ما لهذه المدينة النبوية من حقوق معلومة.
стр. 451
خلاصة القول في الشيخ متولي الشعراوي
السؤال
هذا أخ كريم يقول في سؤاله: ما تقول في الشيخ متولي الشعراوي، وهل تنصحنا بالاستماع لتفسيره للقرآن الكريم؟
الجواب
الحق يقال، وأنا أقول قاعدة، ولا دخل لأحد فيها كائناً من كان، لا ذماً ولا مدحاً، وإني لأرجو الله أن ألقاه وليس لأحد له عندي مظلمة: الحق خذه من أي شخص كائناً من كان، قال النبي ﷺ لـ أبي هريرة في قضية الجني: (صدقك وهو كذوب) والباطل رده على أي شخص كائناً من كان، فمن أتاك بقول تعلم يقيناً أنه باطل رده عليه، ولا يجوز لك أن تتبع قوله وأنت تعلم أنه باطل لأنه فلان بن فلان، قال العلامة محمد صدّيق حسن خان رحمة الله تعالى عليه في الروضة الندية: وإن المنصف من لم يزحزحه عن الحق أقوال الرجال، ولكن يزحزحه عن الحق الدليل من الكتاب أو من السنة.
وذكر ابن رجب قاعدة ذهبية حيث قال: يأبى الله العصمة إلا لكتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه، والشيخ متولي الشعراوي أو غيره علماء من علماء هذا العصر، والله جل وعلا منحهم فضلاً وشهرة وعلماً، وكلهم بلا استثناء يخطئون ويصيبون، لكن منهم من يكثر خطؤه ومنهم من يقل خطؤه، ومنهم من يكثر صوابه ومنهم من يقل صوابه، وأنت عليك أن تتبع الحق دون النظر إلى الأشخاص، ولا تشغل نفسك لا بزيد ولا بعمرو، واتبع الحق في مظانه وخذ منه، والله تعالى أعلم.
стр. 452
وصية للمبتدئين في طريق الهداية
السؤال
هذا أخ يريد بعض الوصايا للأخوة الذين على أول طريق الهداية.
الجواب
لي وصية مجموعة في قول الله ﵎: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢] وأنت يا أخي قارن بين المؤمنين الذين تراهم وعليهم من الإيمان الحلل، وترى عليهم من الله النور، وترى وجوههم المضيئة، وترى ما عليهم من علامات وآثار السجود، وما عليهم من غدو ورواح إلى بيوت الله قارن بينهم وبين من أضله الله ممن يسعون ويغدون إلى البارات، وممن يسعون ويغدون إلى الحانات، وممن يسعون ويغدون إلى ما حرم الله من الفواحش والمنكرات فسوف ترى ملامح الهدى والنور على الأولين وترى الضلالة والظلمة على الآخرين أسأل الله جل وعلا أن يرينا بصيرتنا.
هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 453
وقفات مع سورة مريم
إن من أعظم وأجل السور القرآنية سورة مريم والتي ضمنها المولى الكريم جل وعلا عدداً من مواقف بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومن ذلك: ذكر قصة ومعجزة زكريا وكيف أن الله وهبه الولد في وضع لا يؤهله لذلك، كما ذكر معجزة خلق عيسى وولادته من غير أب ، فسبحان من خلق عيسى من غير أب، وفلق الإصباح والحب.
стр. 454
بين يدي سورة مريم
الحمد لله رب العالمين, الملك الحق المبين, وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، لا رب غيره ولا إله سواه، رب الصالحين, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خيرة الله من الخلق، وصفوة الله من الرسل، إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى من اقتفى أثرهم واتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم آمين.
أما بعد ما زلنا في وقفات مع سور من كتاب الله الكريم الذي: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، ووقفات اليوم هي مع سورة كريمة من كتاب ربنا هي: سورة مريم, وهذه السورة الكريمة ضمنها الله جل وعلا في صدرها وفي أولها بعض أخبار أنبيائه ورسله ومن شهد الله لهم بالصديقية.
ثم ذكر فيها ﵎ بعض أخبار رسله، ثم أعقب ذلك ذكر جنان عدن وما يكون يوم القيامة من بعث ونشور، ثم بين فيها ﵎ تنزيه نفسه عن الولد، ورد جل وعلا على من قال بالفرية الكبرى وزعم أن الله اتخذ ولداً، ثم ختمها -سبحانه ﵎ بما أعده الله لعباده من نعيم ووعد صادق وختمها خير ختام بأن بين أن له جل وعلا القوة والسلطان، يقول في آخر السورة: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم:٩٨].
стр. 455
ذكر قصة زكريا في السورة وولادة مريم
الوقفة الأولى: فقد ذكر الله جل وعلا فيها -بعد الحروف المتقطعة في أول السورة- رحمته جل وعلا وشمول نعمته لعبد من عباده ونبي من أنبيائه هو: زكريا ﵊، وقبل الشروع فيما أراده الله جل وعلا وذكره في كتابه يحسن القول بأن القرآن مثاني يفسر بعضه بعضاً ويرشد بعضه إلى بعضه.
فبني إسرائيل لما ظهر فيهم الفساد كان فيهم علماء ربانيون وكان من الربانيين رجل صالح يقال له: عمران فلما حملت منه زوجته، وكانت تلك الزوجة ترجو الله جل وعلا أن يرزقها ولداً لتجعله خالصاً لله يخدم في بيت من بيوت الله جل وعلا، فلما حملت منه وتمنت من الله تلك الأمنية، وضعت خلاف ما أرادت وابتغت فكان المولود الذي وضعته أنثى، فاعتذرت إلى الله جل وعلا والله أعلم بما وضعت، قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران:٣٣ - ٣٥]، أي: خالصاً, ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران:٣٥].
ثم لما وجدت تلك المرأة أن ما وضعته أنثى اعتذرت إلى الله، ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران:٣٦] , وجدت بك يا ربنا! هذه البنت ومن يكون من ذريتها من الشيطان الرجيم.
وقد استجاب الله جل وعلا دعوتها، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة عنه ﷺ أنه قال: (ما من مولود إلا ويمسه الشيطان حين ولادته فيستهل صارخاً إلا مريم وابنها)، قال أبو هريرة: فاقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران:٣٦]، وهذا يلاحظ مما نلمسه ونراه جميعاً أن الطفل إذا ولد فإنه يستهل صارخاً، لصدق الخبر عن الصادق المصدوق ﷺ .
ثم إن تلك المرأة دعت الله جل وعلا أن يتقبل هذا المولود قبولاً حسناً، فاستجاب الله دعوتها قال الله ﵎: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران:٣٧]، وهذا مدخل إلى وقفاتنا مع سورة مريم.
كان زكريا نبياً من أنبياء بني إسرائيل، وكان زوجاً لأخت مريم فلما كان زوجاً لأختها كفَّله الله جل وعلا مريم تلك بعد أن استهم القوم على تلك الكفالة، ذلك أن مريم لما توفي والدها عمران اختصم بنو إسرائيل في كفالتها رغبة منهم في رد الجميل لأبيها ذلك العبد الصالح، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ﴾ [آل عمران:٤٤]، أي: القرعة والاستهام، ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران:٤٤]، فهذا من أنباء الغيب الذي أنبأ الله به رسوله محمداً ﷺ .
فكان أمر الله جل وعلا أن يكفل زكريا مريم بنت عمران، فلما كفلها جعل لها محراباً تتعبد الله جل وعلا فيه، فكان يأتيها ليطمئن عليها، فكان كلما دخل عليها زكريا المحراب يجد عندها في الصيف فاكهة الشتاء، وفي الشتاء فاكهة الصيف، وربما وجد عندها طعاماً أو فاكهة ليست موجودة في السوق، فتعجب ﵊ من هذا وقال لها كما أخبر الله في صريح المحكم: ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران:٣٧]؟ فكان جوابها: ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧] , في هذه اللحظة تذكر زكريا ﵊ حاله وأنه محروم من نعمة الولد، وكان قد بلغ من الكبر مبلغاً عظيماً، وكانت امرأته عاقراً، وكان فيه من الضعف الشديد ما لا يستطيع معه على لقاح أو جماع لزوجه، لكنه لما رأى فضل الله على مريم بنت عمران.
وهذا فيه فائدة عظيمة أن الرجل إذا رأى نعمة من نعم الله على غيره من المؤمنين فليسأل الله مثلها إن أرادها، فإن الذي أنعم على غيرك قادر على أن ينعم عليك سبحانه ﵎ فبيده جل وعلا مقاليد السماوات والأرض.
فأخبر الله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران:٣٧ - ٣٨]، ودعا قائلاً: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩]، كما في سورة الأنبياء.
فنعود لسورة مريم، قال الله جل وعلا: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم:٢ - ٣]، قال العلماء: إنه دعا الله في مكان خلي بصوت خفي، وقلب نقي، أن يرزقه نعمة الولد حتى تتم رسالة الأنبياء من بعده، لا كما يريده الناس ولداً محضاً للتجارة أو لغيرها فقد كان زكريا ﵊ نجاراً ولذلك قال: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم:٦]، وكونه يرثه في المال فهذا أمر لا يحتاج إلى الإشادة؛ لأن كل الناس يرث أبناءهم آباءهم، ولكن الله نص عليه؛ لأن المقصود بالميراث هنا: هو ميراث النبوة، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل:١٦].
وهنا نقول: إن للدعاء فضيلة عظيمة وقد قال ﷺ : (الدعاء هو العبادة)، والله جل وعلا ندب عباده أجمعين لدعائه، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠]، فسمى الدعاء عبادة.
وقد تذلل في ذلك العبد الصالح إلى رب السماوات والأرض، والوسائل المشروعة في دعاء الله متعددة، ومن أعظمها ومن أرجى الوسائل قربة عند الله: إظهار التذلل، والمسكنة، والفقر بين يدي رب العالمين، قال جل وعلا: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم:٣ - ٤].
تبرأ من كل حول وطول وقوة إلا حول وقوة وطول رب العالمين ﷻ ، فدعا إلى الله جل وعلا بذلته، ومسكنته، وفقره، ومدى فقره إلى رحمة الله جل وعلا، وبغنى الواحد الحي القيوم عنه وعن غيره: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم:٤]، ذكر بذلك ضعف الباطن، ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم:٤]، ذكر ضعف الظاهر، ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم:٤]، أي: كما تفضلت علي سابقاً في إجابة دعواتي تفضل علي لاحقاً وأنت الرب الواحد الأحد صاحب المنة والفضل.
ثم بين الغرض فقال: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم:٦]، ولما كان المدعو هو الله ﷻ من وسعت رحمته كل شيء وقع فضل الله ﵎ على هذا العبد الصالح، فإذا بالملائكة تبشر هذا النبي وهذا العبد الصالح بيحيى، بل إن الله ﷻ زيادة في الإنعام على هذا العبد الصالح اختار الله له اسم الولد، قال تعالى: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٧]، وهو ما يسميه النصارى اليوم: يوحنا.
فالله جل وعلا اختار اسمه وأخبر أنه لم يسم أحد من قبل بهذا لاسم، ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٧]، ورغم أن العبد الصالح دعا الله، ورغم أنه يعلم أن الله على كل شيء قدير لكنه تعجب: كيف يكون له ولد وقد كانت امرأته عاقراً وقد بلغ هو من الكبر عتياً أي: مرحلة متقدمة في السن لا تجري العادة بأن ينجب الرجل إذا بلغها ذكراً أو أنثى.
وقد حمل بعض أهل العلم قول الله جل وعلا: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم:٣]، أن زكريا لما دعا الله دعاه في معزل عن الناس حتى لا يسخر منه أحد، فهو رجل كبير بالغ مرحلة متقدمة في السن، ومع ذلك يرجو الولد ولكنه يعلم فضل الله جل وعلا ورحمته، فلما جاءته البشارة وتعجب منها أخبرته الملائكة أن الله خلقه -أي: زكريا- من قبل ولم يكن شيئاً.
فالله جل وعلا قادر على كل شيء, ثم إن زكريا أراد من ربه علامات وأمارات بقرب تلك البشارة؛ ليطمئن قلبه وتستقر نفسه، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم:١٠]، وهذه الآية ظاهرها أنها ثلاث ليال متتابعات، وهذا على الصحيح خلاف الصواب, والصواب: أن المقصود بقول الله جل وعلا: ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم:١٠]، أي: أنك -يا زكريا- لا تستطيع أن تكلم الناس رغم أنك رجل سوي الخلقة، تام من غير نقص فليس بك علة وليس بك مرض ومع ذلك لا تستطيع أن تكلم الخلق إلا بالإشارة كما قال في آية آل عمران: ﴿ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران:٤١]، أي: بالإشار
стр. 456
ذكر نبي الله يحيى في السورة
ثم ذكر الله جل وعلا نبيه يحيى ﵊ أي: أن يحيى نبي ابن نبي وهو ابن خالة عيسى بن مريم -كما سيأتي بيانه- قال الله جل وعلا: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٢ - ١٣]، ويحيى ﵊ نبي من أنبياء بني إسرائيل وقد كان يجتمع في بني إسرائيل أكثر من نبي في الحقبة الواحدة أو في العصر الواحد أو في الزمن الواحد، ومن هنا اجتمع يحيى وزكريا وعيسى عليهم وعلى نبينا جميعاً أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
وفي قول الله : ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢]، استنصار لهمم الشباب ودفع لهم إلى تتبع طرائق الله جل وعلا، فإن الله جل وعلا رزق يحيى الفهم والعلم والحزم والحكمة وهو صبي، وقد قيل: إن الصبيان اجتمعوا عليه ذات يوم فقالوا له: يا يحيى! هيا بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقنا؛ خلقنا لعبادة الله.
وقول الله: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢]، دلالة على إن دين الله لا يحمله إلا ذوي العزم الشديد، وذوي العقل الرشيد، وذوي الحكمة البالغة، وذوي الآفاق الواسعة، ومن اتصف بصفات عدة؛ لأن القوة ليس المقصود: حصرها على قوة البدن فقط ولكن القوة في البدن والقوة في الرشد والتأني، حتى السكينة والصبر والتحمل فإنها شيء من القوة, قال ﷺ : (ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).
فمن حاولت إغراءه وجلبه بقول أو بما لا يخفى على أحد، فصبر وتأنى وتبين الحق من الباطل واسترشد فهذا يدل على قوة فيه، أما الضعف والخور والطيش والحماس المفرط فهذه لا تبني الأمة ولا تقوي مجير ولا تنفع صحوة إنما يكون أحياناً ضررها أكثر من نفعها.
فالقوة الحق: الاسترشاد، والتأني، والحلم، والبعد، وحسن الظن بالمؤمنين، والنظر في المصالح، والنظر في المفاسد، وتقديم أعظم المصلحتين، ودرء أعظم المفسدتين إلى غير ذلك مما لا يخفى على أحد منكم بإذن الله.
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم:١٢ - ١٣]، أي: الذي آتيناه ليحيى آتيناه من فضلنا ومن عطائنا، ومن ذا الذي يمنع -كما قلنا مراراً- فضل الله ورحمته على أحد من عباده كائناً من كان؟!
стр. 457
صفات نبي الله يحيى المذكورة في السورة
ثم ذكر الله بعض الصفات التي وصف الله بها هذا النبي الصالح: قال جل وعلا في أول صفاته: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٣]، والتقوى قيل في وصفها: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله تخشى عقاب الله, وهي وصية الله لكم وللسابقين من قبلكم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢]، وقد قال ﷺ في خطبته في حجة الوداع وفي غيرها: (يا أيها الناس! اتقوا ربكم)، وما زال الصالحون والأخيار جيلاً بعد جيل خلفاً بعد سلف يوصي بعضهم بعضاً بتقوى الله ﵎.
ولهذا وصف الله ذلك العبد الصالح بقوله: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٣]، أي: مقدماً على الطاعات، محجماً عن المعاصي، يرجو رحمة الله، ويخشى عقاب الله وهذا هو التقوى وأساسها، فإن الإيمان بالعمل وليس الإيمان بالألفاظ فقط والتحلي بها سماعاً دون تطبيق واسترشاد بقول الله وقول رسوله ﷺ .
ثم ذكر ﵎ ثاني صفاته على عبده يحيى قال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ [مريم:١٤]، وهذه من أعظم الخصال وأجل الصفات، وبر الوالدين قد أطنب ولله الحمد في بيانه كثير من الدعاة والعلماء جزاهم الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء، ورغم ما قدمه أهل العلم بل وما ذكر في القران وفي صحيح السنة من دعوة إلى بر الوالدين، إلا إننا مع ذلك نجد البعض -عفا الله عنا وعنهم وردهم إلى سبيله وهديه- يفرط في هذه المسالة حتى ممن من الله عليه بالهداية والعودة إلى الطريق المستقيم، وقد أخبرنا من نثق به على سبيل الشكوى إن هناك من الناس من يضرب أمه وأباه أمام أصحابه إظهاراً لقوة شخصيته، ولا ريب إن هذا والعياذ بالله بلاء عظيم وبعد عن طريق الله المستقيم.
стр. 458
أسباب عقوق الوالدين
ولو استقصينا أسباب العقوق لوجدناها تنحصر في أغلب ما يأتي: أولها: جهل كثير من الناس بما أعده الله من أجر عظيم لمن بر والديه, فهو لا يرى في بر الوالدين منقبة، ولا يرى في بر الوالدين مرقى إلى الملكوت الأعلى والرضا من الله جل وعلا، والله جل وعلا يقول: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت:٨]، وقال ﵎: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي﴾ [لقمان:١٤]، أي: بالعبادة، ﴿وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤]، أي ببرهما، وقال ﷺ لمن سأله الخروج إلى الجهاد (ألك والدين؟ قال: نعم، قال: الزمهما فثم الجنة)، بل إنه ﷺ في حديث صحيح أوصى أحد أصحابه ممن سألوه أن يلزم خالته؛ لأن أمه متوفاة وقال له: (إن الخالة بمنزلة الأم)، فجهل كثير من الناس لما أعده الله من أجر ببر الوالدين هو الذي دفعهم إلى العقوق.
ومما دفع كثير من الناس إلى العقوق: سخريتهم وعدم اعتقادهم بما أعده الله من وعيد لمن عق والديه، والنبي ﷺ يقول: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)، فليست فقط الكبائر، ولكنها من أكبر الكبائر، ثم قال ﷺ : (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين)، فثنى بعقوق الوالدين وهو أعلم الناس بالشرع بعد الفرية الكبرى والذنب الأكبر وهو الإشراك بالله.
كما أنه مما أسهم في وجود ناشئة يعقون والديهم ما يرونه ويسمعونه في بعض المسلسلات والأفلام من عدم وجود حرمة للوالدين وبر الوالدين في ثنايا المسلسل أو الفيلم، فيصور العائلة على أنها إفراد متكافئين والوالد يكلم ولده استرحاماً، والولد يكلم والده علواً وما إلى ذلك حتى غرس في القلوب واستقر في العقول أن هذه هي الحياة الطبيعية؛ لأن النشء من كثرة ما يسمع وما يرى وما إلى ذلك وجد أن الأمر طبيعياً فلا يجد غضاضة ولا ملاماً ولا عتاباً أن يرفع صوته على أحد والديه؛ أمه أو أبيه؛ لأنه يرى أن هذا أمر طبعي جبل الناس عليه بدليل أنه رآه في مسلسل، أو بدليل أنه قرأه في قصة، أو بدليل أنه رآه في فيلم ذات يوم في بيته أو في غيره من بيوت أصحابه.
كذلك مما أسهم في عقوق الوالدين: رفقاء السوء، فإن كثيراً من الشباب -عفا الله عنا وعنهم- يهون بعضهم لبعض مسألة بر الوالدين، حتى أحياناً من الشباب الموسومين بالاستقامة فقد يفضل حضور محاضرة أو درس أو الذهاب إلى نافلة من الطاعات على بره لوالديه، ولا ريب إن هذا خلاف الحق وخلاف الصحيح، فإن إجابة أمر الوالدين واجب وما عدا ذلك من حضور المحاضرات والدروس فإن غالبه داخل في عموم النوافل، وليس من الحكمة تقديم النفل على الواجب, إلا إذا أمرك والداك أو أحدهما بمعصية الله، الكف عن تلك المعصية، والثاني: استرضاءهما ومحاولة تقريبهما من الدين العظيم، ونبينا ﷺ قال كما في الصحيحين وغيرهما: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جريج)، ثم فصل ﷺ قال: (وكان جريج رجلاً عابداً في بني إسرائيل، فدعته أمه ذات يوم قالت: يا جريج! وهو مقبل على الصلاة، قال: يا رب! أمي أو صلاتي؟ فأقبل على صلاته, فلما كان من الغد دعته أمه فقال: يا رب! أمي أو صلاتي؟ فأقبل على صلاته, فلما كان في اليوم الثالث دعته أمه فقال: يا رب! أمي أو صلاتي فأقبل على صلاته، فدعت أمه عليه: اللهم! لا تمته حتى تريه وجوه المومسات)، والمومسات: هن النساء المشتغلات بالزنا والبغي، فتذاكر بني إسرائيل عبادة جريج فقالت امرأة: أنا أفتنه لكم، وكانت المرأة على قدر كبير من الجمال فتعرضت له في الطريق، فأعرض عنها، فذهبت إلى راعٍ فمكنته من نفسها فحملت منه، ثم لما وضعت أخذت المولود وقدمت به على بني إسرائيل، وقالت: هذا الغلام من جريج , فذهب بنو إسرائيل إليه وهو صومعته فهدموها وأنزلوه وأخذوا يوجعونه ضرباً فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه المرأة فحملت منك مولوداً فقال: ائتوني بماء حتى أتوضأ, فتوضأ وصلى لله ركعتين، وكذلك حال المؤمنون فإذا حلت بهم النوازل لجئوا إلى الله، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥].
ثم إنه بعد ذلك دعا بالغلام فوخزه في خاصرته وقال له: يا غلام! من أبوك؟ فأنطق الله ذلك الغلام في المهد وقال: أبي فلان الراعي! نصراً من الله لـ جريج.
موضع الشاهد: أن الله استجاب لدعوة تلك الأم على ابنها بأن يرى وجوه المومسات فرأى ذلك، لكن عندما كان ذلك العبد قريباً من الله، وذا عبادة عصمه ودافع عنه، وأظهر براءته.
وللحديث بقية وإنما اكتفينا بموضع الشاهد منه؛ لأنه هو المقصود.
وقد جاء في بعض الروايات أو في أقوال بعض أهل العلم أن جريجاً رحمة الله تعالى عليه لم يكن فقيهاً، ولو كان فقيهاً لما قدَّم النافلة على طاعة الوالدين.
ومن أسباب العقوق كذلك: أن كثيراً من الشباب أو من الرجال يكون لديه ضعف في شخصيته، أو كما يطلق بعض الناس على هذه الحالة: أن لديه مركب نقص، فيريد إن يظهر قوته وسلطانه أمام أقرانه وزملائه ورفقائه وأصحابه بأن يعصي والديه أمامهم، أو أن يتجرأ على الوالدين أمامهم، أو أن يبين لهم أنه ليس لوالديه سلطان عليه، فهو يغدو ويروح، ويذهب ويجيء، ويرفع الصوت ولا يبالي، ويأخذ من الأموال ما شاء فيتعجب الرفقاء والقرناء والأصحاب من قوة شخصيته، وهؤلاء يقول الله في مثلهم: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢]، وصدق الله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، فالحق يعرف بنوره ولا يعرف بكثرة أو قلة أتباعه، فإن للحق نوراً لا يخفى على أحد.
هذه بعض أسباب الحقوق، وقد يفتح الله على غيري فيذكر أكثر منها وغالب الظن عندي أنها من أعظم أسباب عقوق الوالدين، وهي منافية لما أمر الله به ولما وصف الله به الصالحين فيحيى ﵇ يقول الله فيه: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ [مريم:١٤].
ثم ذكر الله جل وعلا الصفة الثالثة ليحيى ﵊ فقال جل ذكره: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم:١٤]، فالكبر رذيلة من الرذائل في حق بني آدم، وهو صفة عظيمة من صفات الله جل وعلا، فالكبرياء رداء الله، والعظمة إزاره، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي كما صح عنه ﷺ : (الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قطعته أو بهته)، وأمر الله يكون الإنسان مجبولاً على التواضع وغض الطرف وأمر بذلك رسوله ﷺ ، ورحمة الله على من قال: تواضع تكن كالنجم لاح لناظر على صفحات الماء وهو رفيع ولاتكن كالدخان يعلو بنفسه على طبقات الجو وهو وضيع إن الناس غالباً لا يحترموك إلا لسلطان أو لمال أو لغنى أو لما شابهه، هذا إذا كنت عندهم، فإذا انصرفت عنهم لعنوك، ولكن تكسب قلوب الناس إلا بالخلق الحسن والتواضع والبعد عن الكبر؛ لأنك لا تستطيع ولن تقدر أن تنازع الله بسلطانه، يقول الله جل وعلا مؤدباً لخير المؤدبين ﷺ : ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧]، ولقد كان ﷺ أبعد الناس عن الكبر، وأقرب الناس ﷺ إلى التواضع، ولذلك تآلفت قلوب المؤمنين الخلّص حوله، قال الله جل وعلا: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
يقول جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه -والحديث في صحيح مسلم (صليت مع رسول الله ﷺ صلاته الأولى يعني: صلاة الظهر، قال: ثم انصرف فتبعه غلمان أهل المدينة يسلمون عليه، قال جابر: فسلم عليهم واحداً واحداً حتى وصل إليَّ -يقصد: نفسه- فسلمت عليه فوجدت بيديه برداً أو ريحاً كأنما أخرجها من جؤنة عطار)، صلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه.
ومن أمثلة تواضعه ﷺ , أنه لما زار بعض بيوت أصحابه أخذ يداعب غلاماً صغير يقول: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟)، والنغير: طائر من الطيور كان أبا عمير -وهو طفل صغير- قد وضعه في قفص فمات الطائر، فأخذ النبي ﷺ يداعبه ويسليه والحديث في البخاري وغيره، فهذا من تواضعه ﷺ .
ونحن كمؤمنين لسنا مكلفين بإتباع زيد ولا عمرو ممن يخطئ ويصيب، ولكنا ملزمون شرعاً بإتباع محمد ﷺ ، فلا يعيرك أحد أن التواضع من ضعف الشخصية بل إن التواضع دليل على الصحة النفسية ودليل على ثقة المرء بنفسه إلا عند أهل الكفر، قال الله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح:٢٩]، فهذه ثلاث صفات وصف الله جل وعلا بها نبيه يحيى ﵊.
ثم قال الله ﵎ في حق يحيى: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:١٥]، وعندما يمعن الإنسان النظر في يوم الميلاد ويوم الموت ويوم البعث يجد أن هذه الثلاثة المواضع لا يمكن أن تتكرر أبداً، فالإنسان أياً كان لا يولد مرتين، ولا يموت مرتين، ولا يبعث مرتين، فكلنا يولد مرة واحده، ويموت مرة واحدة، ويبعث مرة واحدة، فإذا سلم الإنسان في هذه المواطن الثلاثة فقد سلمه الله جل وعلا، والله كتب السلامة ليحيى ولعيسى بن مر
стр. 459
ذكر قصة مريم في السورة
ثم بعد ذلك ذكر الله جل وعلا قصة مريم البتول رضي الله تعالى عنها، وذكر فيها ميلاد المسيح عيسى بن مريم، وقضية المسيح ﵊ قضية كبرى، ولعل الله يوفقنا لبيانها.
فمريم -كما قد علمتم في أول الدرس- امرأة نشأت في بيت من بيوت الله وكانت على قدر كبير من الصلاح والتقوى حتى إن ملائكة الله كانت تزورها في محرابها، قال الله جل وعلا ينبئ عن ذلك: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٢ - ٤٣].
وهذا كله قبل أن تلد المسيح عيسى بن مريم، بل إن الملائكة بشرتها بالمسيح قبل أن تلد وهذا من فضل الله جل وعلا على تلك المرأة التي وصفها الله في القرآن بقوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة:٧٥]، فشهد الله جل وعلا لها بالصديقية.
فمضت هذه المرأة تعبد الله وتوحده وتذكره وتهلله على الوجه الذي ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، حتى خرجت ذات يوم تريد شيئاً من الراحة شرقي بيت المقدس، وكانت -على قول بعض المفسرين والمؤرخين- تبلغ من العمر ثلاثة عشر عاماً.
قال الله جل وعلا: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم:١٦ - ١٧]، فبعث الله جل وعلا إليها ملكاً وهو على الصحيح والله أعلم: جبرائيل ﵊، فتمثل لها بصورة شاب وضيء الوجه، تام الخلقة، حسن الخلق، قال الله جل وعلا: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم:١٧]، أتاها وهي امرأة عذراء، لم تتزوج، وتقابل شاباً أخبر الله أنه وضيء تام الخلقة بشراً سوياً، ومع ذلك لم تفتتن به، ولم تبغي، ولم تهمز، ولم تغمز له، ولم تكشف عن نفسها حجاباً بل إنها خافت على نفسها دون أن يصدر منه أي دليل على أنه يريد بها سوءاً, فهو لم يتكلم معها ولم يطلب منها أمراً محرماً ومع ذلك من شدة عفافها وحيائها وخوفها من الله: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨].
فاستعاذت بالله جل وعلا منه ودعته إلى أن يتركها قائلة: ﴿إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨]، وجواب الشرط محذوف تقديره: إن كنت تقياً فتخلى عني أو فاتركني أو فلا تلمسني، يقدر بحسبه، لكن هذا هو الصحيح في تفسير الآية؛ ولذلك قال العلماء: علمت أن التُقى ذو نهيه فوصفته وأخبرته وذكرته بتقوى الله جل وعلا.
وفي هذا درس بليغ لأخواتنا المؤمنات: أنه ليس هناك زينة أعظم من الحياء، فالمرأة تتزين حسياً ومعنوياً، أما حسياً فلا حرج فيه إن كان لزوجها قال الله : ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]، ولكن أعظم زينة معنوية هي: الحياء؛ لأن الشيء إذا كان مستتراً مكنوناً تشتاق النفوس لرؤيته، أما إذا كان الشيء معروفاً للعيان فإن الناس تحجم عنه، ولذلك أصحاب الغوص والبحار ينزلون إلى قاع البحار للبحث عن الدر المكنون، أما ما يعلو على سطح البحر من أشياء معروضة فإن أهون الصيادين أو أهون من الغواصين أو أهون الباحثين يعرض عنه ولا يريده.
فالله الله يا نساء المؤمنات! وهن يسمعنني الآن أن يستوصين بأنفسهن خيراً، وأن يعلمن أن الحياء والعفة والتزام وتقى الله جل وعلا هي الزينة العظمى، وهي الكساء الأجل والأجمل، وهي ما يدعو الصالحون والأخيار والرجال ذوي الكرامة والشهامة أن يطلبوا أياديكن.
أما إن كنتن غير ذلك -والعياذ بالله- فإنما يهفوا إليكن الرعاع من الناس والسوقة والأقوام الذين لا خلاق لهم، والمرأة الأبية العفيفة لا ترضى بأولئك، ولا ترضى أن تكون قرينة لمثل أولئك ممن لا خلاق لهم، وهو في حقها أعظم من حق الرجل؛ لأنه ربما تاب بعد ذلك وتزوج أما أنت أيها المؤمنة! فإن وبال ذلك قد يبقى وقد لا يُغسل وقد لا يُترك، وقد يبقى وشمة عار، أسأل الله لنا وللمؤمنات إن يحفظهن الله من كيد الأشرار، ومن زيغ الفجار إنه جل وعلا حفيظ عليم.
ثم نقول: في هذا بيان خشية الله فقد ورد أن جبرائيل لما قالت له مريم: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ [مريم:١٨]، قيل: إن جبرائيل لما سمع كلمة الرحمن انتفض فرقاً حتى قيل: إنه عاد لهيأته الطبيعية التي خلقه الله تعالى عليها، وهذا ليس ببعيد؛ لأن الملائكة أعلم الناس بربها ﵎، فطمأنها وهدأ خاطرها، وقال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم:١٩]، فتعجبت! ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ [مريم:٢٠]! الغلام لا يأتي إلا من زواج مشروع أو من بغي محرم، ونفت عن نفسها كلا الأمرين: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم:٢٠]، أي: عن طريق الزواج، ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٠]، فقال لها جبرائيل: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ﴾ [مريم:٢١]، أي: هذا الغلام، ﴿آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ [مريم:٢١]، لكونه نبي، ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٢١]، أي: هذا أمر منتهٍ؛ لأنه قد خُطَّ في اللوح.
فنفخ جبرائيل ﵊ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى دخلت في فرجها ثم إلى رحمها ثم حملت كما تحمل النساء إذا جامعهن الرجال، قال الله جل وعلا: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم:٢٢]، اختلف أهل العلم رحمة الله ﵎ عليهم في مدة الحمل فمنهم من قال: إنها ساعات معدودة ومنهم من قال: إنها ثلاثة أيام، ومنهم من قال: غير ذلك.
والصواب أن يقال: إن الأمر يبقى على أصله أنه تسعة أشهر؛ لأنه لو كان خلاف الأصل لأخبر الله جل وعلا به، لكن لما سكت الله عنه، فإن الأمر يحمل على ما يجري على غيرها من النساء، والعادة أن المرأة تحمل جنينها في بطنها تسعة أشهر، ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم:٢٢]، أي: بعيداً، فلما اشتد عليها المخاض قال تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ [مريم:٢٣]، أي: ألزمها المخاض، وما يكون من ألم يصيب المرأة إذا ولدت، ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٣]، قيل: إنها كانت يابسة.
فلما أحست شدة ألم الولادة خافت أن تفتن في دينها، وماذا تقول للناس إن عادت به إليهم؟ ولم تعلم أن الله سيظهر دلالة صدقها.
﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم:٢٣]، ومنه أي: من هذه الآية أخذ بعض أهل العلم جواز تمني الموت عند نزول الفتن، فلقد قال ﷺ في شروط الساعة: (إن الرجل يمر على قبر الرجل يقول: ياليتني مكانك! مما يرى من الفتن)، عافانا الله وإياكم قبل ذلك اليوم.
﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ [مريم:٢٣ - ٢٤]، قيل: إنه جبريل، وقيل: إنه عيسى، الظاهر -والله أعلم- أنه جبرائيل، ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم:٢٤]، والسري في لغة العرب: هو الجدول من الماء الصغير أو قيل: هو النهر الصغير.
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:٢٥]، فلما هزت جذع النخلة تساقطت عليها الرطب، وفي قول الله جل وعلا لها وأمره بأن تهز جذع النخلة دليل على أن الأمور مربوطة بأسبابها -وإن كان فضل الله واسعاً- وبيان للعبد أن يتبع الأسباب، ولذلك قيل: ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع يتساقط الرطب ولو شاء ألقى الثمر من غير هزة ولكن كل شيء له سبب فلما هزت واطمأنت وقرت عيناً كما أراد الله لها أوصاها الله جل وعلا ألا تتكلم، وأن يكون شعارها الصمت، ﴿فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم:٢٦]، أي: امتناعاً عن الكلام، ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦].
فحملته ووضعته في مهده، وقدمت به على الملأ من بني إسرائيل، قال الله جل وعلا: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم:٢٧]، فتعجبوا!! ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم:٢٧]، أي: أمر عظيم هائل لا تصدقه العقول، ثم أخذوا يكثرون عليها اللوم والعتاب: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم:٢٨]، وهارون هذا رجل صالح كان في بني إسرائيل فشبهوها به؛ لأنها كانت تشبهه في عبادتها لله جل وعلا، وليس المقصود به: هارون أخو موسى بن عمران عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتم التسليم، فأنت من عائلة معروفة بالتقى، ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٨]، فمن أين أتيت بهذا الشيء الذي ليس من طبع قومك، ولا من أخلاق والديك، وليس منك بشيء؟! فلم تملك جواباً؛ لأنها أمرت بالصمت، فما زادت على أن أشارت إليه، فلما أشارت إليه ظنوا أن هذا زيادة في التهكم.
﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم:٢٩]، هنا أظهر الله جل وعلا أولى معجزات المسيح ابن مريم فأنطقه الله في مهده والله على كل شيء قدير: ﴿
стр. 460
اختلاف الناس في المسيح بن مريم
إنه ما اختلفت أمة من الأمم ولا قوم من الأقوام كما اختلف الناس في المسيح عيسى بن مريم, فاليهود حاربوه وحاولوا صلبه وظنوا أنهم صلبوه، وقومه النصارى منهم من زعم أنه هو الله تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، ومنهم من زعم أنه ابن الله، ومنهم من قال بعقيدة الأقانين الثلاثة: الأب والابن وروح القدس، وهم يقولون: الثلاثة واحد والواحد ثلاثة.
والله جل علا كفَّر كل قائل بهذا القول، قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، وكفر الله جل وعلا الذين قالوا: إن المسيح هو ابن الله، قال الله جل وعلا: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٤].
وكفر الله جل وعلا الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء:١٧١]، فهذه عقيدة النصارى في المسيح بن مريم ﵊.
وهم يزعمون في بعض معتقداتهم أن آدم ﵇ لما أكل من الشجرة ارتكب خطأ عظيماً، ولما اهبط إلى الأرض كان على خطيئته وتبعه أبناؤه على تلك الخطيئة، وقالوا: إن من عدل الله ألا يترك خطيئة بدون عقاب، فأنزل الله جل وعلا ابنه الذي هو الله على الأرض، ليأتي من رحم امرأة فيكون إنساناً من جهة لكونه ابن مريم، وليكون إلهاً من جهة لكونه ابن الله، ثم إنه يدعو إلى شريعة الله الذي أتى منه، ثم يتكالب عليه الأشرار فيقتلوه ويصلبوه يسمِّروه على الخشب، فيكون بذلك هذا الابن قد خلص الناس من خطيئاتهم؛ لأنه تحمل عنهم تلك العقوبة، فلذلك يسمونه بعضهم: ذي نصير.
هذا قد يكون مجمل عقيدة النصارى في المسيح بن مريم، ولا ريب أنها عقيدة باطلة ما أنزل الله جل علا بها من سلطان، ولغلوهم في المسيح لجئوا إلى هذه الأمور، وتفرقوا تلك الفرق، وقالوا على المسيح ابن مريم ما قد سمعتموه وما أخبر الله جل وعلا عنه.
أما عقيدتنا -نحن المسلمين- في المسيح بن مريم فإننا نقول كما قال الله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥]، وانظر إلى الإشارة في قول الله جل وعلا: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥]، فإن من يأكل الطعام لا بد أن يخرج هذا الطعام، فكيف يكون إلهاً من يذهب إلى الحمام؟!! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، ولكن الله كنى عن هذه المسألة وهذا من الأدب القرآني بقوله ﵎: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥]، ليستدعي الانتباه، وليثبت العقول إلى هذا المقصود؛ ولأنه يستحيل أن يكون نبياً, ثم إن عيسى بن مريم ﵊ هو نفسه يقول: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم:٣٠]، والنصارى يزعمون أنه الله على قول، ويزعمون أنه ابن الله، والله جل وعلا ليس المسيح بن مريم وهو منزه عن الولد، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤].
فينبغي أن يعلم أن المسيح بن مريم سبقت له من الله الحسنى فلا يضيره كون النصارى زعموا أنه إله أو زعموا أنه ابن الله، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨ - ٩٩]، هنا رفع أهل الشرك أعناقهم وقالوا: إن على هذا القول المسيح في النار! فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١]، وهذا جواب.
والجواب الثاني: أن الله قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، و (ما) تطلق على غير العاقل ولا تشمل العاقل؛ لأن العرب تستخدم (ما) الموصولة لغير العاقل وتستخدم (مَنْ) للعاقل.
مكث المسيح ﵊ يدعو إلى الله جل وعلا وأنزل الله جل وعلا عليه كتاباً سماوياً: هو الإنجيل, والإنجيل: كلمة عبرية ومعناها: البشارة, وقد ضمنَّ الله الإنجيل العظيم من الهدى والنور، ومما جاءه الإنجيل البشارة بمحمد ﷺ ، قال تعالى على لسان عيسى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]، وجاء فيه وصف أصحاب محمد ﷺ ، قال الله ﵎: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح:٢٩].
وعيسى ﵊ لما دعا الله جل وعلا تكالب عليه الأشرار في زمانه، فاتفق أشرار اليهود على قتله والخلاص منه، فطاردوه بعد أن دخل أورشليم -أي: القدس- فلما دخلها ذهبت فئة من اليهود وحاصرته في مكان ليأخذوه ويصلبوه، فرفعه الله جل وعلا إليه كما نص الله في القران، وألقى الشبهة -أي: هيأته على واحدٍ ممن كان موجوداً- فأخذ ذلك الواحد، قال جمهرة المؤرخين: أن اسمه: يهوذاً والله أعلم، فأخذوه وقتلوه وصلبوه، فظنت النصارى أن المسيح صلب وخلص الناس من خطاياهم، وظنت اليهود أنهم شفوا غليلهم وقتلوا المسيح بن مريم، وكلا الفرقتين واهم ومخطئ فيما ظنه وزعمه وادعاه، قال الله جل وعلا عن اليهود: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِم إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء:١٥٦ - ١٥٧]، ما الذي حدث؟ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٨]، النساء.
فالله جل وعلا أخبر بأن المسيح عيسى بن مريم لم يقتل ولم يصلب ولكن القتل والصلب وقع على غيره، وأنه ﵊ قد رفعه الله جل وعلا إليه، وهذه هي عقيدتنا نحن المؤمنين في قضية صلب المسيح عليه الصلاة السلام.
следующие страницы →