Полный текст (797 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
سبب تقديم الصابئين على النصارى هنا بخلاف ما في سورة البقرة
والآية قبل الأخيرة قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج:١٧]، ذكر الله هنا الأمم المعاصرة لأمة محمد ﷺ ، فالذين آمنوا هم أمة الإجابة، وهم الذين أجابوا النبي ﷺ ، ثم قال: (والذين) فكرر الاسم الموصول، (هَادُوا) بمعنى رجعوا وتابوا كما في قوله: ﴿هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٥٦]، وهي لقب على اليهود، وكان لهم فضله ومعناه، فلما لم يؤمنوا بنبينا ﷺ ذهب عنهم الفضل وبقي المسمى، فهم يسمون اليهود.
قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ﴾ [الحج:١٧] ولم يقل: والنصارى، وقال في البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٦٢]، ففي آية الحج قدم الصابئة على النصارى، وفي آية البقرة قدم النصارى على الصابئة، فقدم النصارى على الصابئة في البقرة؛ لأنه جل وعلا ذكرهم باعتبار أن النصارى أهل كتاب، والصابئة لا كتاب لهم، فأهل الكتاب مقدمون على غيرهم من غير أهل الكتاب.
وأما في سورة الحج فقدم الصابئين؛ لأن الله أراد التسلسل الزمني التاريخي، فاليهود كانوا على عهد موسى، ثم ظهرت الصابئة في العراق، ثم بعث عيسى ﵇ فاتبعه النصارى، فمن حيث الظهور الزمني التاريخي الصابئة قبل النصارى، ولهذا قدمهم الله هنا.
(والمجوس) هم عبدة النار، وهم يقولون: إن الليل أصل في كل شر، والنهار أصل في كل خير، قال المتنبي: وكم لظلام الليل عندك من يد تخبر أن المانوية تكذب أي: أنهم كاذبون فيما يقولون، فهؤلاء هم المجوس عبدة النار ومنهم أبو لؤلؤة المجوسي الذي قتل عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه.
(والذين أشركوا) يدخل فيهم كفار مكة ومن كان من مشركي العرب، وهذه الجملة: (إن الذين آمنوا إلى والذين أشركوا) جملة ابتدائية خبرها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج:١٧] وانتهت الجملة، ثم جاءت جملة استئنافية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج:١٧]، فهذه جملة استئنافية جديدة لكنها مسوقة مساق التعريف، بمعنى: أن الله بما أنه جل وعلا هو الشهيد المطلع على أعمالهم جميعاً فهو وحده جل وعلا القادر على أن يحكم بينهم جميعاً يوم القيامة.
стр. 37
استواء الحج ماشياً وراكباً في الفضل
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] رجالاً جمع راجل، وراجل هنا بمعنى من يمشي على قدميه، (وعلى كل ضامر) الضامر: من التصق جانبا بطنه به، والمقصود أن الإبل والدواب لا تصل إلى البيت إلا وقد ضمرت من طول المسافات، ومكة منطقة جبلية.
﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] والنون في يأتين ليست ممدودة، وإنما هي نون لوحدها نون النسوة، وسبب وجودها قوله جل وعلا: (كُلِّ ضَامِرٍ)، فهذه الظوامر جمع تكسير، والعرب تلحق تاء التأنيث ونون النسوة بجمع التكسير.
وقوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] فهم منها بعض العلماء - كما هو ظاهر مذهب مالك - أن الحج ماشياً أفضل؛ لأن الله قدم الماشين على الركبان، لكن النبي ﷺ أنزلت عليه هذه الآية وهو أفقه الناس بالدين، وقد حج ﷺ راكباً، فدلت الآية على جواز الأمرين، لكنها لا تدل على فضل المشاة، لأن النبي ﷺ حج راكباً.
стр. 38
بناء الكعبة كان قبل إبراهيم ﵇
والآية التي بعدها نختار قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٦ - ٢٧] نتكلم عنها إجمالاً.
يتكلم الله عن أب الأنبياء إبراهيم ﵊، ويقول جل ذكره: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج:٢٦] بوأنا لإبراهيم: مكان البيت، وهذا فيه دلالة ظاهرة لمن قال: إن البيت بني قبل إبراهيم، وإنما أذهب معالمه الطوفان، فحدده الله لإبراهيم، فكيف حدده؟ نقل عن مسلمة بعض أهل الكتاب: أن ريحاً جاءت فكنست ما حوله فأضحت بقة البيت واضحة، فبنى إبراهيم عليها، قال الله في البقرة: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة:١٢٧].
﴿أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج:٢٦] هذا تقريع لكفار قريش الذين جعلوا من البيت الذي وضع ليوحد الله عنده جعلوه رمزاً للشرك، فعلقوا عليه الأصنام.
стр. 39
الأصل أن صحن البيت يكون للطائفين قبل غيرهم
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج:٢٦] طهارة مادية ومعنوية، ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦]، وتقديم الله للطائفين يدل على أن الأصل أن صحن البيت للطائفين، فالذين يأتون قبل الأذان في صلاة الفجر أو في غيرها ثم يجلسون يقولون: نريد الصف الأول، ويعضد بعضهم بعضاً حتى يأتي الأئمة، فهؤلاء قد يؤجروا على حسن نيتهم لكنهم ما فقهوا مراد الله ولا مراد رسوله ﷺ ، فما قدم الله الطائفين هنا ولا في قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥] إلا لبيان أن الأصل أن الصحن للطائفين، وإنما يطوف هؤلاء الطائفون حتى تقام الصلاة، فإذا أقيمت الصلاة اصطفوا مع الناس كل بحسب قربه أو بعده عن الكعبة، لكن لا يجوز للناس أن يأتوا إلى هؤلاء الذين قدموا من أصقاع الدنيا ليؤدي العمرة، فيجلسون حتى يملئوا الصحن، فيتعذر على الطائفين أن يطوفوا، وبعضهم معه نساء أو رجال كبار في السن فيريد أن ينهي طوافه قبل الإقامة أو قبل الأذان، أو قبل زحمة الناس، ووراءه ما وراءه، ويجد أقواماً يعتقدون أنهم في هذا العمل تحديداً على السنة، وهم بعيدون عنها، فيفرق بين المسجد الحرام وغيره من المساجد، قال الله في آيتين: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ) فالأصل أن صحن الكعبة للطائفين، فحقهم مقدم على حق غيرهم، ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦].
ثم قال الله: ﴿وَأَذِّنْ﴾ [الحج:٢٧] هذا خطاب لإبراهيم، ﴿فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧]، فقال: يا رب! كيف أبلغ الناس وصوتي لا يُسمعهم ولا يبلغهم؟ فقال الله له: بل أذن وعلينا البلاغ، فقيل: إنه وقف على جبل أبي قبيس فقال: أيها الناس! إن الله قد اتخذ بيتاً فحجوا، فأجابه من في أصلاب الرجال وأرحام النساء ممن كتب الله لهم الحج: لبيك اللهم لبيك.
стр. 40
طوائف الناس في الدنيا في مقابل هدى الله
ثم ذكر الله بعد ذلك بآيات ثلاث طوائف، وفهم القرآن مهم جداً لمن أراد أن يفسر، قال الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج:٨ - ١٠]، فهذه طائفة.
وقال بعدها: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ * يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج:١٠ - ١٣]، وهذه طائفة.
ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [الحج:١٤]، وهذه الطائفة الثالثة.
نبدأ بالأولى: الطائفة الأولى أهل شرك ظاهر وكفر بواح، وهؤلاء والعياذ بالله ليسوا أهل كتاب، بل لا يعترفون بالله أصلاً، فإنهم يجادلون في الله - كما قال الله - بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فهؤلاء العلم والهدى والكتاب دوائر، فدائرة العلم أوسع من دائرة الهدى، ودائرة الهدى أوسع من دائرة الكتاب، أو بتعبير أخص: العلم أعم، ثم الهدى، ثم الكتاب، فالعلم قد يعطاه أي أحد، والهدى يعطاه المؤمنون، والكتاب لا يعطاه إلا الأنبياء.
فهؤلاء يجادون في الله وفي وجود الله وهم لا علم معهم ولا هدى ولا كتاب، ويدخل في هذا المقام بصورة أولية كفار قريش كـ الأخنس بن شريق، والنضر بن الحارث وغيرهم ممن كانوا يعارضون النبي ﷺ .
ثم يدخل فيه كل أحد سلك مسلكهم إلى يوم الدين، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
يقول الله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج:٩] فالإنسان له عطفان، والثني هواء حالة الشيء، وهذا كناية عن الكبر والإعراض عن دين الله.
﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج:٩] اللام تحتمل معنيين: تحتمل أن تكون لام التعليل، فيصبح المعنى أنه يتكبر ليضل، وتحتمل أن تكون لام العاقبة، وهو أقوى، ويصير لمعنى أنه بإعراضه أعقبه ذلك ضلالاً عن دينه.
﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [الحج:٩] بما يناله من المكارة والمصائب، ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج:٩ - ١٠]، والباء في (بما) سببية، أي: بسبب ما قدمت يداك.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج:١٠] ظلام على وزن فعال، وتأتي في اللغة على معنيين: تأتي على صيغة المبالغة، وتأتي على أنها مصدر صناعي، وهي هنا مصدر صناعي، والمعنى: ليس من صناعة الله الظلم، ولا يمكن حملها على أنها صيغة مبالغة؛ لأن نفي الكثرة لا يعني نفي القلة، فمن قال: إن ظلام صيغة مبالغة نسب إلى الله الظلم من حيث لا يشعر.
وبتقريب جيد حتى تبين لك الصورة نقول: مثل أن يكون هناك إنسان يحتاج أنه يطبخ لنفسه طعاماً، وهناك إنسان صناعته الطبخ، وهناك إنسان كثير الطبخ لكنه ليس صناعة له، فالأول يطبخ مرة أو مرتين في العام، فهو طابخ، وأما الثاني فهو كلما ذهب مع زملائه إلى مكان فهو يطبخ، فهو ليس صناعته الطبخ، بل له عمل آخر، لكن يقال له: طباخ على وزن فعال، بمعنى أنه كثير الطبخ، فعندما تنفي عن الأول تقول: فلان ليس بطباخ وإنما الآخر هو الطباخ، فلا يعني أن الأول لا يطبخ بتاتاً، فهو يقع منه الطبخ لكن لا يقع منه بكثرة، فإذا قلت: إن ظلام صيغة مبالغة فمعناه من حيث لا تشعر أن الله لا يقع منه كثرة الظلم، لكن الظلم يقع منه أحياناً، وهذا محال في حق الله.
وأما الثالث الذي عنده مطبخ فهذه صناعته، فهذا سواء طبخ أو لم يطبخ فإنه يقال له: طباخ، فظلام مصدر صناعي، والمعنى: أنه ليس من شأن الله أبداً أنه يظلم، فتحرير المعاني نحوياً يساعد على فهمها، فالقرآن نزل بلغة العرب.
فهذه هي الفئة الأولى.
والفئة الثانية قال الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:١١]، و (من) هنا بعضية مثل الأولى، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج:١١] قيل: على ريب، وقيل: على شك، والأظهر أن يقال: أنه على غير يقين.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١]، وليس معنى (انقلب على وجهه) أنه أتى على وجهه ثم انقلب، لكن هو قادم أصلاً من الضلالة، فلما افتتن وارتد انقلب على وجهه، أي: عاد إلى الوجه الذي جاء منه، ورجع إلى نفس المكان الذي قدم منه، وهذه أصلها نزلت في بعض الأعراب الذين كانوا حول المدينة، فلم يكن عندهم كثير إيمان، فيقدم أحدهم المدينة فيقول إذا رزق ولداً ذكراً أو نتجت خيله قال: هذا الدين دين جيد، وإذا أسلم ولم يولد له مولود ذكر ولم تنجب خيله رجع عن هذا الدين وتركه، وقال: هذا دين سيئ، قال الله: ﴿انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج:١١].
﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١] خسر الدنيا لأن ما يطلبه من الدنيا لم يتحقق، فلم يولد له مولود، ولم تنتج خيله، وخسر الآخرة لأنه ارتد عن الدين، قال الله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١].
فهذه هي الفئة الثانية.
والفئة الثالثة: قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الحج:١٤] وهم أهل الإيمان والعمل الصالح، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [الحج:١٤] أي: أن هؤلاء اهتدوا بهداية الله وأولئك ضلوا؛ لأن الله جل وعلا كتب الضلالة عليهم فساءت طينتهم، وشقيت سريرتهم، والله يقول: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، ولا يهلك على الله إلا هالك.
فهذه هي الأقسام الثلاثة.
стр. 41
فرار الناس من بعضهم يوم القيامة وعلة ذلك
وأما ما دلت عليه الآية فإن الله بهذه الآية يخوف عباده، ويبين لخلقه أنه لا نجاة إلا بتقواه، وأن الإنسان لن يأمن في ذلك اليوم إلا إذا كان خائفاً قبله، والله جل وعلا لا يجمع لأحد أمنين ولا يجمع على أحد خوفين، فمن خاف الله جل وعلا وعظمه وأجله في الدنيا أمن يوم القيامة، ومن كان آمناً مستقراً معرضاً عن الله غير مبالٍ لا يأمن مكر الله في الدنيا فلا يمكن أن يكون آمناً يوم القيامة، والجزاء من جنس العمل.
قال الله جل وعلا: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] أي: الذي جعل هؤلاء القوم كأنهم سكارى وما هم بسكارى هو ما يرونه من عذاب الله وشدة وفزع وأهوال ذلك اليوم، فتدنو فيه الشمس، ويلجم فيه الناس العرق، ويرى الناس فيه ما يرون مما لا يعلمه إلا الله.
وقد جرت العادة أن الإنسان إذا دخل محفلاً في أي مكان، فإنما يذهب إلى الذين يعرفهم، ويبتعد عمن لا يعرفه، وهذا جبلّة في الخلق، من دخل مسجداً أو دخل بلدة وهو غريب عنها أو مطعماً أو دخل حفل زواج يبحث عمن يعرفه، حتى يجلس معهم، ففي يوم القيامة ينعكس هذا الأمر؛ لأن الناس في عرصات يوم القيامة يقول الله عنهم: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧].
فلماذا يفر الإنسان ممن يعرفهم، ولم يذكر الله أنه يفر ممن لا يعرفهم؟ لأن الإنسان في هذه الدنيا يتعامل مع من يعرفهم، فيخشى يوم القيامة إذا رآهم أنه يكون قد ظلمهم، فيفر منهم خوفاً من أن يطالبوه بحسنات، وهو يومئذٍ حريص كل الحرص على حسناته، فالزوجة تطالبه، والأب يطالبه، والأم تطالبه، والأخ والجار وكل من يعرفهم، فالذين جرت بيننا وبينهم معاملات نحن عرضة لأن نظلمهم، وهم عرضة لأن يظلمونا، فيوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٥] ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾ [المعارج:١٢].
وأما الذي جرت العادة أنك لم تره في حياتك، ولم تجر بينك وبينه معاملة فيوم القيامة لا يحدث فرار منه؛ لأنك في الغالب في مأمن منه وهو في مأمن منك، والإنسان -وهذا نقوله مراراً في دروسنا ومحاضرتنا- أعظم ما يلقى به الله ممن يؤمن به الخوف أن يفر من مظالم الناس.
روى الإمام البخاري في تاريخه من حديث محمد بن سيرين قال: كنت عند الكعبة فسمعت رجلاً يدعو ويقول: اللهم اغفر لي وإن كنت أظن أنك لن تغفر لي، قال: فقلت له: ما رأيت أحداً يدعو بمثل هذا الدعاء، قال: إنك لا تدري! إنني كنت قد أعطيت الله عهداً أنني إذا لقيت عثمان بن عفان أن ألطم وجهه ولحيته، فمات عثمان قبل أن ألطمه، فلما قتل ووضع على سريره في بيته ليصلي الناس عليه دخلت عليه في جملة من أراد أن يصلي عليه، حتى وجدت خلوة فكشفت عن وجهه ولحيته فلطمته، فما رفعت يدي إلا وهي يابسة كالخشبة، قال ابن سيرين ﵀: وأنا والله نظرت إلى يده وهي يابسة كالعود.
فمن تحرر من مظالم العباد، ومنّ الله عليه بالفوز الأعظم وهو التحرر من الشرك بالله، وأعطى اليقين بالله مع توحيد الله جل وعلا وإفراده ﵎ بالعبادة فهذا آمن جملة يوم القيامة فهذا ما يمكن أن يقال أيها الأخ المبارك عن الآية الأولى.
стр. 42
الأسئلة
стр. 43
إشكال وجوابه
السؤال
لماذا قال الله عن شعيب ﵇ في سورة الأعراف: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف:٨٥] ولم يذكر أنه أخوهم في سورة الشعراء: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٧٧]؟
الجواب
هو أخوهم نسباً، قال الله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف:٨٥]، وقال في الشعراء: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٧٦ - ١٧٧]، وما قال: أخوهم؛ لأنه نسبهم إلى العقيدة، فقد نسبهم إلى الشجرة التي يعبدونها، لكن لما نسبهم إلى القرية إلى المدينة قال أخاهم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 44
سبب تقديم الصابئين في سورة الحج وتأخيرهم في سورة البقرة
السؤال
لماذا قدم الله الصابئين في الحج وأخرهم في البقرة؟
الجواب
لأنه ذكرهم في الحج حسب التسلسل الزمني، وظهور الصابئة قبل ظهور النصارى، وأخرهم في البقرة عن النصارى لأن النصارى أهل كتاب.
وصبأ في اللغة بمعنى خرج، ولهذا كانت قريش تقول للمسلمين: صابئة؛ لأنهم خرجوا عن دينهم الذي كانوا يعتقدونه.
стр. 45
القواعد الخمس التي أسس عليها الفقه
السؤال
ما هي القواعد الخمس التي أسس عليها الفقه؟
الجواب
اليقين لا يزول بالشك، والضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير، والعادة محكمة في المواثيق والعهود، والأمور تبع للمقاصد.
стр. 46
معنى قوله تعالى (وطهر بيتي للطائفين)
السؤال
ما الذي يفهم من قول الله جل وعلا: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦]؟
الجواب
يفهم أن الأصل أن البيت بني ليطاف به، وهي عبادة لا تتم إلا عند البيت، الطواف عبادة لا تتم إلا عند البيت.
وهناك عبادة لا يمكن أن يؤديها اثنان في وقت واحد وهي: تقبيل الحجر الأسود، فلا يمكن أن يقبل الحجر الأسود اثنان في وقت واحد.
стр. 47
حكم تسمية سورة الفاتحة بسورة الصلاة
السؤال
ما حكم تسمية سورة الفاتحة بسورة الصلاة؟ وهل تسميات السور وقفية أو لا؟ الشيخ: تسمى الفاتحة سورة الصلاة باعتبارها تسمية غير وقفية، ولا تسمى سورة الصلاة باعتبار أنها وقف، فالتسميات فيها الوقف ومنها غير الوقف، فالتسميات الوقفية ما ثبتت بنص، فتسميتها أم القرآن هو بوقف، وأما تسمية بالصلاة فهذا بغير وقف، وذلك باعتبار أنها تكرر في الصلاة.
стр. 48
الألفاظ التي تطلق على الزوجة
السؤال
ما هي الألفاظ التي تطلق على الزوجة؟
الجواب
إذا كان الإنسان يتكلم عن زوجته أحياناً في حالة غير التحاكم وغير القوانين وغير الشروط يقول: أهل، وقد حكى الله جل وعلا عن موسى أنه: ﴿قَاَلَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [طه:١٠]، وقال للوط: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ [العنكبوت:٣٣]، فلا يقال زوجة إلا في محكمة أو في بطاقة أو في التعريف أو ما إلى ذلك، ولا بأس بذلك، لكن ليس معناه أنه ممنوع في غير ذلك، فلا أتكلم عن أنه ممنوع فهذا يحتاج إلى نص ولا نملك نصاً، لكن في الجوالات الإخوان يكتبون: أم فلان أو اسم زوجته، فاكتب الأهل وارتاح، فهذا الذي قاله الله جل وعلا.
стр. 49
تفسير قوله تعالى (ثاني عطفه)
السؤال
ما معنى قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج:٩]؟ الشيخ: قلنا: ثاني اسم فاعل من ثنى، يعني: عَوَج، وهي كناية، العرب عندها شيء في البلاغة يسمى كناية، والكناية بمعنى أنهم يقولون الشيء ويقصدون غيره، فمثلاً يقولون: فلان كثير الرماد، وكثرة الرماد ما يأتي إلا من كثرة إيقاد النار، وذلك معناه أنه يأتيه ضيفان كثير، وهنا: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج:٩] يعني: عَوَج عطفه، وكأنه أعرض عنها، وليس المقصود الحركة الحسية، وإنما المقصود أنه إذا سمع آيات الله استكبر وأعرض عنها.
стр. 50
هل يقال للشيعة إخوان أو لا ؟
السؤال
هل يقال للشيعة إخوان أو ما يقال لهم إخوان؟
الجواب
إذا قلنا: إن فلاناً مسلم فهو أخ سواء كان شيعياً أو غير شيعي، وإذا قلنا: إن فلاناً كافر فمستحيل أن يكون أخاً، حتى ولو كان ابن أمنا وأبينا، فالشيعة من حيث العموم مندرجون ضمن الفرق الإسلامية، وأما من حيث الأفراد فكل بحسبه، وما تستطيع أن تقيم الأمر على نفسه.
لكن هنا نقطة مهمة جداً في تبصير الناس، يقول شوقي: من الناس من ينطقه مكانه الذي يأتي في موقف سياسي أو ولي أمر أو أمير مسئول عن أشياء عامة لا يتكلم كالذي ليس وراءه مسئولية، وليس كالذي يتكلم بأي شيء آخر، فهناك أمور ما كلفك الله بها، فلا يحسن الانشغال بها، وليس المقصود أن كون الشيء حقاً أن تتكلم به، فقد يكون وراءه مفاسد أعظم منه.
والإنسان ينبغي أن يفقه هذا، وهذا يفهم من كتب التراجم، وذكرنا مراراً: إن رجاء بن حيوة كان من رءوس التابعين في عصره، وكان وزيراً لـ سليمان بن عبد الملك، وقد جلس مع مجموعة يتذاكرون نعم الله، فجاء رجل لابس بُرد أخضر فوقف عليهم، فقالوا: لا يوجد أحد يقدر أن يكافئ نعم الله، وهذا حق، فجاء هذا الرجل وقال: ولا أمير المؤمنين؟ وهذه تسمى في العامية لقافة، فما دخله من أمير المؤمنين، لكن قال: ولا أمير المؤمنين؟ قالوا: ولا أمير المؤمنين.
فذهب وأخبر أمير المؤمنين، وأمير المؤمنين وهو سليمان كان جباراً جداً، حتى يقال: إنه قطع رأس محمد موسى بن نصير ابن موسى بن نصير ووضعه في صحن، ثم أدخله من تحت الباب في السجن، وأعطاه لأبيه لـ موسى بن نصير وهو في الثمانين، يكيده بولده؛ لأن موسى بن نصير كان قد أشار على الوليد أخي سليمان أنه يولي ابنه ولاية العهد ويترك سليمان، فمات الوليد قبل أن ينجز هذه المهمة، وآل الأمر إلى سليمان.
فجاء ذلك الرجل إلى سليمان وأخبره أن هناك أناساً يذكرونك ويسبونك ويقولون كذا وكذا ومعهم رجاء، ورجاء مبجل ووزير رجل صالح، وقد أخرج له البخاري في الصحيح، فاستدعى الملك سليمان استدعى رجاء، فقال: يا رجاء! يسب أمير المؤمنين وأنت تسمع؟! قال: ما سب أمير المؤمنين.
قال: بلى يا رجاء جلست أنت وفلان وفلان وفلان.
قال: يا أمير المؤمنين! ما وقع هذا.
فقال سليمان: يا رجاء! ألله ما وقع هذا؟ قال: والله! ما وقع.
فلما حلف صدقه، وصار الرجل كاذباً، فتحول على الرجل وأمر بجلده فجلد، فجلس الرجل في الساحة والدم ينزل من ظهره، فمر رجاء من عنده، وهذا الرجل يعرف أنه صادق، ورجاء رجل صالح تقي، فقال له: يا رجاء بن حيوة هل أنت تكذب؟ قال: يا ابن أخي! ثمانية أسواط في ظهرك لا تلبث أن تقوم منها خير والله من ضرب أعناق المسلمين.
والمقصود من هذا: أن كل شيء له وقت، فتعرف متى تتكلم أو تسكت، فالقضية ليست قضية أن الإنسان يظهر نفسه، فالله يقول عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٢٨] فقدمها على الصدق وكأنه ليس مع موسى، وهو مؤمن، ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٢٨] وهذا شك، لكنه ما قصد الشك، وإنما قصد أن يبين لفرعون من غير مجابهة، ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ﴾ [غافر:٢٨] ما قال كل شيء، ﴿بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٨ - ٢٩]، فهو مسلم لكن وضع نفسه مع فرعون وضع من يريد أن يوصل الخطاب، فالمواضع والأمور تختلف من حال إلى حال، ومن عصر إلى عصر، ومن بلد إلى بلد، ومن مصر إلى مصر، لكن أهم شيء أن الإنسان يتقي الله، ويتكلم على بينة، وعلى نور من الله.
стр. 51
الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم
إن الوجل والخوف من الله علام الغيوب منزلة عظيمة لطالما سمت إليها نفوس الصالحين من عباده، فيها يعظم قدر العبد عند ربه وترتفع درجته وتعلو منزلته، ولا يتم للعبد حقيقة الوجل إلا بمعرفة الله تعالى، ومعرفة نبيه ﷺ ، واقتفاء آثار السلف من الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان، ورجاء تحقق وعد الله بورود حوض نبينا ﷺ .
стр. 52
اعتراف بالنعمة وثناء على المنعم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وسع كل شيء رحمة وعلماً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفي أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن وجل القلوب من علام الغيوب منزلة عالية، ومطلب رفيع طالما سأله الصالحون ربهم جل وعلا، وقد جعل الله جل وعلا الوجل منه قرينة من أعظم قرائن الإيمان الحق، كما جعله ﵎ خصلة أعطاها لأئمة الدين وسادة الخلق، فقال ﷺ في حديث السبعة المكرمين في ظلال عرش رب العالمين: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) فسبحانك ربنا وبحمدك كيف لا نقدسك، ولا نسبح بحمدك، ولا نرجوك ونحن نعلم أنك أنت الله لا إله إلا أنت أهل الحمد والمجد والثناء، لا رب غيرك، فاطر الأرض والسماء؟! سبحانك ربنا وبحمدك كيف لانحبك ونحن نعلم أنك أنت الله الذي لا إله إلا هو أوجدتنا من العدم، وربيتنا بالنعم، واسبغت علينا من فضلك وعطائك، وأعطيتنا من كرمك وسخائك؟! سبحانك اللهم ربنا وبحمدك كيف لا نعبدك وحدك ونحن نعلم أنك أنت الله الذي لا إله إلا هو ولا رب غيره ولا إله سواه، ولا شريك معه؟! سبحانك ربنا وبحمدك كيف لا نفزع إليك في الملمات ونرغب إليك في النائبات ونحن نعلم أنك أنت الله الذي لا إله إلا هو وسع سمعك الأصوات، وقهرت جميع المخلوقات، ما من نعمة إلا وأنت وليها، وما من نقمة إلا وأنت القادر على دفعها؟! سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، كيف لا توجل قلوبنا عند ذكر اسمك ونحن أعلم أنك أنت الله الذي لا إله إلا هو الحي حين لا حي، ليس لك سمي ربنا وخالقنا ورازقنا ورب كل شيء؟! يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢ - ٤] جعلني الله وإياكم أجمعين برحمته منهم، وأعاذنا الله من أن نتكل على أعمالنا أو أقوالنا أو سرائرنا طرفة عين، وأحالنا الله وإياكم إلى رحمته وعفوه وكرم ورضوانه؛ إن ربي لسميع الدعاء.
стр. 53
الوجل من علام الغيوب
стр. 54
تحقيق معرفة الله تعالى
إن الوجل من علام الغيوب لابد له من أمور أربعه: معرفة الله، ومعرفة نبيه ﷺ ، وأن يكون هناك سلف نقتفي آثارهم ونتبع هديهم، وأن يكون هناك وعد نرجوه ونأمل أن يحققه الله جل وعلا لنا، وسنحاول في هذا الدرس أن نعرِّج على شيء من هذا، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
وسل من ربك التوفيق فيها وأخلص في السؤال إذا سئلتا وناد إذا سجدت به اعترافاً بما ناداه ذو النون ابن متى وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا أما أول ذلك فإن الإنسان ما قدر له أن ينعم بشيء كما ينعم بأن يعرف ربه ﵎، فإن الله نعى على أهل الكفر أنهم لم يعرفوا قدره فقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]، ولا أحد أعلم بالله من الله، والقرآن هو كلام الله، فمن أراد العلم بالله فليتدبر هذا الكتاب العظيم الذي بين أيدينا.
стр. 55
ذكر بعض ما نعت الله تعالى به نفسه
وإن من الآيات التي نعت الله بها ذاته العلية قوله جل ذكره في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤].
فبين جل وعلا فيها أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فبدأ جل وعلا بخلق الأرض أولاً في يومين، ثم استوى إلى السماء وهى دخان فسواها في يومين، ثم أكمل خلق الأرض جل وعلا، قال سبحانه: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات:٣٠] ولم يقل: (خلقها) لأنه سبق أن خلقها من قبل، كما بين جل وعلا ذلك في سورة فصلت، فخلق ذلك جل وعلا في ستة أيام ليعلِّم خلقه الأناة، وإلا فهو ﵎ قادر على الخلق بقوله سبحانه: (كن) فيكون.
ثم قال جل ذكره: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] والفعل (استوى) في القرآن جاء على ثلاثة أنماط: جاء متعدياً بحرف الجر (إلى)، ومعناه الانصراف إلى الشيء، قال سبحانه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت:١١] وهذا بعد أن خلق الأرض أولاً في يومين.
وجاء غير متعد، وهذا معناه النضج والكمال والتمام، قال الله جل وعلا عن كليمه موسى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [القصص:١٤].
وجاء متعدياً بحرف الجر (على) والمقصود منه العلو، قال جل وعلا: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف:١٣] أي: إذا علوتم، وهنا قال جل ذكره وعز ثناؤه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] وأهل السنة -سلك الله بنا وبكم سبيلهم- مؤمنون بأن الله جل وعلا مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته بائن عن خلقه، وأن الله ﵎ غني عن العرش، وغني عن حملة العرش، وغني عن كل خلقه، بل كل خلقه -حملة العرش وسائر الخلق- مفتقرون إليه ﷻ ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥].
قال تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف:٥٤] أي: يجعل الليل غاشياً للنهار مذهباً لنوره وبهائه، وقال في سورة أخرى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ﴾ [الحديد:٦] والليل والنهار مخلوقان من مخلوقات الله أجراهما الله جل وعلا وجعلهما موئلاً للأعمال الصالحة، والموفق المسدد من جعل النهار مقاماً لمعاشه وجعل الليل مقاماً للوقوف بين يدي ربه ﵎، قال الله يؤدب نبيه ويعلم سيد خلقه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل:٦ - ٧] أي: اجعل النهار لمعاشك وقضاء حوائجك، والليل قف فيه بين يدي ربك وخالقك ومولاك.
ونعى الله جل وعلا على أهل الكفر أنهم لم يعرفوا قدر الليل فيقوموا فيه بين يدي الله، فقال سبحانه وبحمده: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان:٢٧].
ولله عبادات في النهار لا تقبل في الليل، وله طاعات في الليل لا تقبل في النهار، وأفضل الليل جوفه الآخر، والليل جملة أفضل من النهار، قال ﷺ لـ معاذ: (ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل الآخر، ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧])، ثم قال جل ذكره: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فما الشمس والقمر والنجوم إلا آيات من آيات الله تجري بقضائه وقدره، لحكمة اقتضتها مشيئته وإرادته جل وعلا.
قال سبحانه يبين إذعانها لأمره وانقيادها لمشيئته: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٣٨ - ٤٠].
بعد أن ذكر هذه الآيات قال سبحانه: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] واللام هنا لا الملك المطلق الذي لا يكون إلا لله.
ثم قال جل وعلا: ﴿الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] ففصل بينهما بواو العطف، والواو في اللغة الأصل فيها أنها تقتضي المغايرة، والخلق غير الأمر، فالخلق المراد بها جميع المخلوقات، وأمره: كلامه ﵎، قال جلا ذكره: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥] صدقا في أخباره وعدلا في أوامره ونواهيه؛ وبهذه الآية.
احتج الإمام أحمد ﵀ على المعتزلة على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، فاحتج بقول الله جل وعلا: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فإن الله جل وعلا فرَّق بين الخلق وبين الأمر، فالقرآن كلام الله جل وعلا وهو من أمره ﵎.
ثم قال سبحانه خاتماً هذه الآية التي عرّف فيها بذاته العلية وأثنى بها على ذاته جل وعلا: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤] والفعل (تبارك) لا يأتي منه مضارع ولا أمر، ويسميه علماء النحو فعلاً جامداً، أي: غير متصرف، ولا يقال إلا للرب ﵎، فلا يقال لأحد غير الله تبارك؛ لأنه جل وعلا وحده الذي تعاظم وتقدس، ومنه البركات، ومنه الخير العميق، كما جاء في الحديث (والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت ربنا وتعالي).
стр. 56
زيادة العلم بالله وأثرها في الخشية
فهذه آية واحدة تبين ما لله جل وعلا من نعوت الجلال وصفات الكمال، وأنه سبحانه وبحمده هو الرب الواحد الكبير المتعالي، وقد بيَّن الله جل وعلا ماله ﵎ من جليل العظمة وعظيم الصفات في آيات عدة منثورة في القرآن العظيم، كأول سورة الحديد، وخواتيم سورة الحشر، وآية الكرسي والفرقان، وغيرها من السور، والمقصود من هذا جملة أن وجل القلوب من الله لابد يسبقه علم بالله، ولهذا قال السلف: من كان بالله أعرف كان من الله أخوف، وقال ﷺ : (مررت ليلة أسري بي وجبريل كالحلس البالي من خشية الله) والذي جعل جبريل بهذا المقام أو بهذه الحالة علمه بربه ﵎، والإنسان كلما ازداد علماً بالله وبأسمائه وصفاته كان أكثر وجلاً وأعظم رجاءاً وأشد محبة لله، قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] وجاء في حديث داوود أنه كان يقول: (اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك، وحب كل عمل يقرب إلى حبك).
والمقصود جملة أن معرفة الرب ﵎ لها على العبد من الآثار الحميدة والخصال المطلوبة المرغوبة شرعاً ما الله به عليم، ولقد كان لسلف الأمة -نبينا ﷺ وأصحابه- في هذا أرفع المقامات وأجل العطايا ألحقنا الله بهم ورزقنا الله وإياكم حسن اتباعهم.
стр. 57
تحقيق الوجل من الله باتباع رسول الله ﷺ
فإذا عرف العبد هذا فإنه ينبغي عليه أن يعلم أن الله جل وعلا تعبده باتباع محمد صلوات الله وسلامه عليه آخر الأنبياء عصراً وأرفعهم وأجلهم يوم القيامة شأناً وذكراً، ختم الله به النبوات وأتم به الرسالات، فحبه دين وملة وقربة، واتباع شرعه واقتفاء هديه ولزوم سنته هي الدين كله.
هو دين رب العالمين وشرعه وهو القديم وسيد الأديانِ هو دين آدم والملائك قبله هو دين نوح صاحب الطوفانِ هو دين إبراهيم وابنيه معاً وبه نجا من لفحة النيرانِ وبه فدى الله الذبيح من البلى لما فداه بأعظم القربانِ وكمال دين الله شرع محمد صلى عليه منزل القرآن وهذا النبي الأمي كان في هيئته الخلقية ربعة من القوم لا بالطويل ولا بالقصير، سبط الشعر، بمعنى أنه لم يكن شعره مسترسلاً ولا جعداً، في جبهته عرق يجره الغضب، فإذا غضب ﷺ في ذات الله امتلأ عرقه دماً، أزج الحواجب في غير قرن، طويل أشفار العينين، أشم الأنف كبير الفم، كث اللحية، الشيب فيه ندرة، بمعنى أنه قليل متفرق في صدغيه الأيمن والأيسر، وأكثر شيبه في عنفقته أسفل شفته السفلى صلوات الله وسلامه عليه، بعيد مابين المنكبين، سواء البطن والصدر، ضخم الكراديس، أي: عظام المفاصل، إذا أشار أشار بيده كلها، وإذا تعجب من شيء قلب كفيه وقال: (سبحان الله)، وعند البخاري في الأدب المفرد أنه كان إذا تعجب من شيء عض على شفته السفلى صلوات الله وسلامه عليه، إذا مشى مشى يتكفأ تكفؤاً كما ينحدر من مكان عال، قال جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه كما عند مسلم في الصحيح: (صليت مع النبي ﷺ صلاته الأولى -أي: صلاة الظهر- فجعل غلمان أهل لمدينة يتبعونه، فسلمت عليه فسلم عليَّ فوجدت لكفه برداً أو ريحاً كأنما أخرجها من جؤنة عطار) وقال محمد بن عمار للربيع بنت معوذ ﵂: يا أماه! صفي لي رسول الله ﷺ ؟ قالت: يا بني! لو رأيته لرأيت الشمس طالعة.
بعثه ربه بعد أن أتم له أربعين عاماً في غار حراء، وجاءه الملك وكان يتحنث الليالي ذوات العدد حتى يقترب حساً ليقترب بعد ذلك معنى، فكأن الله جل وعلا -لحكمته- أراد أن يتحنث نبيه فوق الجبل كأنه ينظر من علو إلى حقارة الدنيا وعلى اختصام أهلها.
وإن تجتنبها تجتنبها بعزة وإن تجتذبها نازعتك كلابها فهو ﷺ في مكان عال كأنما يرقب الدنيا تهيئة من غير أن يدري بما يعده الله جل وعلا له من كريم الرسالة وعظيم النبوة، ثم جاءه الملك فخرج فزعاً في أول الأمر يقول: (دثروني دثروني)، والدثار: الثوب الذي فوق الثوب الداخلي، والشعار ما لاصق الجسد، وقد كان ﵊ علية ثياب، ولكنه يقول: (دثروني دثروني) فدثرته خديجة فأرسله الله بالمدثر قائلاً: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢] ثم بيَّن له طريق الدعوة ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:٣ - ٧]، فأعطاه هذه الوصايا حتى يسير على دعوة الله، فبلغ عن الله رسالاته ونصح له في برياته حتى أتم الله له من العمر ثلاثة وستين عاماً قضاها ﷺ داعياً إلى الله بسنانه ولسانه، مجاهداً في سبيل الله، قائماً في فلق الأسحار، صائماً في أكثر أيام النهار، مقيماً للفرائض والنوافل على الوجه الأتم والنحو الأكمل، وما عبد الله أحد أكمل من عبادته صلوات الله وسلامه عليه.
فمعرفة هديه يعين على لزوم سنته، ولزوم سنته من أعظم الدلائل على الوجل من رب العالمين ﵎، ومن تأمل سيرته العطرة وأيامه النضرة ﵊ خرج بعلم نافع وطريق قوي ومنهج مستقيم.
وكلهم من رسول الله ملتمس غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم
стр. 58
انطواء الأيام ورحيل رسول الله عن الدنيا
هذا النبي الأمي خرج من الدنيا وقد نظر نظرة إلى أصحابه وهم صفوف خلف الصديق ﵁ وأرضاه، فقرت عينه واطمأنت نفسه وتهلل وجهه كأنه ورقة مصحف صلوات الله وسلامه عليه بعد أن أدى الرسالة وبلَّغ الأمانة ونصح الأمة على أكمل وجه.
أوذي في الطائف فرجع إلى مكة، فلما صده الإنس منّ الله عليه بالجن يستمعون إليه، فوقف في وادي نخلة قائماً يصلي يقرأ القرآن أطيب كلام من أطيب فم، وهو لا يشعر بالجن وهم يحفون حوله ويركب بعضهم بعضاً، قال الله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩] يستمعون القرآن، وإن قلباً لا يتأثر بالقرآن لحري ألا يتأثر بغير القرآن، قال جل ثنائه: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:٦].
فلما انصرفوا عنه أخبره ربه بالأمر الذي كان فقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣٠] ثم هاجر صلوات الله وسلامه عليه إلى المدينة، ثم مكث ﵊ يجاهد في الله حق الجهاد في بدر وأحد وغيرها من المواقع والغزوات حتى دخل الكعبة فاتحاً بعد ثمان سنين من خروجه من مكة، فكبَّر في نواحي البيت وأعطى بني شيبة مفتاحه وقال: (خذوه خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلى ظالم) ثم حج في العام العاشر وودع الناس وقال: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا) واستشهدهم على أنه بلغ الرسالة فشهدوا، فلما كان آخر صفر وأول ربيع شعر بدنو الأجل وقرب الرحيل، وتوالت الساعات ومضت الليالي والأيام حتى كان يوم الاثنين من شهر ربيع الأول اليوم الذي مات فيه صلوات الله وسلامه عليه، فدخلت عليه أول الأمر ابنته فاطمة فأخبرها بأن جبريل كان يراجعه القرآن في كل عام مرة، وأنه راجعه القرآن في هذا العام مرتين وقال: (وما أراه إلا حلول أجلي) فبكت، ثم أخبرها بأنها سيدة نساء أهل الجنة وأنها أول أهله لحوقاً به ففرحت، فلما خرجت دخل عليه أسامة بن زيد يسأله أن يدعو له فلم يستطع -وهو إمام الفصحاء وسيد البلغاء- أن يرفع صوته بالدعاء، وإنما رفع يديه حتى تقر عين أسامة، ثم دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر أخو عائشة وفي يد عبد الرحمن سواك، فلم يستطع -وهو نبي الأمة ورسول الملة- أن يقول: أعطوني مسواكاً، سنة الله جل وعلا في خلقه لا تتبدل لا تتغير ﴿الله الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم:٥٤] ففهمت عائشة ﵂ مراده، فأخذت السواك وطيبته، ثم أعطته إياه صلوات الله وسلامه عليه فاستاك، وسمعته عائشة وهو يخير يقول (﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]) ثم قال: (بل الرفيق الأعلى) قالها ثلاثاً، ثم مالت يده وفاضت روحه إلى أعلى عليين في المحل الأسمى والملكوت الأعلى صلوات الله وسلامه عليه، وغسِّل كما يغسل أي ميت ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران:١٤٤] وتولى غسله أهل بيته، ثم بعد ذلك كُفِّن، ثم حفر له في الجهة الجنوبية الغربية من حجرة عائشة، ونزل قبره علي وقثم والفضل وأسامة وشقران، ثم وضع ﷺ في لحده ووضع عليه تسع لبنات، ثم حثي التراب بعد أن صلى عليه الناس أفراداً قبل دفنه، ولم يتخذوا إماماً لهم حتى يؤدي كل منهم الصلاة مباشرة على رسول الله ﷺ ، ومضى صلوات الله وسلامه عليه، فجسده في الأرض وروحه في عليين، وهو يحيا حياة برزخية الله أعلم بها، لا يملك لنفسه ولا يملك لغيره -من باب أولى- ضراً ولا نفعاً، وإنما ترك ديناً يقوم على توحيد الله وإخلاص العبادة له، وهدياً عظيماً وطريقاً قويماً، قال الله له: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الشورى:٥٢] هذا على وجه الإجمال أيها الأخ المبارك في حياة نبيك صلوات الله وسلامه عليه.
وإلى جانب هيئته الخَلْقية وسيرته العطرة ترك ﷺ منهجاً وسنة من أعظمها تعظيمه لربه ﵎؛ فلم يكن أحد من الخلق يعظم الله ويوحده ويجله كما كان نبينا ﷺ ، وذلك بمحافظته صلوات الله وسلامه عليه على الصلوات الخمس في الجماعة حضراً وسفراً، حرباً وسلماً، وقيامه في الليل بين يدي ربه يناجيه ويسأله ويدعوه، تقول عائشة: فقدته ذات ليلة فإذا هو في المسجد قد انتصبت قدماه يقول في سجوده: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) إلى غير ذلك مما هو ظاهر بيِّن في مواطنه من خصاله وهديه صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 59
تحقيق الوجل من الله باقتفاء آثار السلف
الأمر الثالث: لا بد من أن يكون لنا سلف نقتفي آثارهم ونتبع هديهم، ومن أولئك السلف أنصار رسول الله ﷺ ، قال الله جل وعلا مثنياً عليهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠] الأنصار: اسم رباني جاء ذكره في القرآن، وهم قبيلتان من اليمن سكنتا المدينة في العهد الأول يقال لهما: الأوس والخزرج، والأوس والخزرج في الأصل ولدان لرجل يقال له: حارثة، وأمهما اسمها قيلة بنت كاهل، ولذلك كانوا ينادون كثيراً (يا بني قيلة) فسكنوا المدينة بقدر الله حتى يكون بعد ذلك استقبالهم لنبي آخر الزمان صلوات الله وسلامه عليه.
فقد كان النبي في مكة يعرض دعوته على القبائل في موسم الحج، فقابله نفر من الخزرج قبل بيعتي العقبة الأولى والثانية، فقال لهم ﷺ : (من أنتم؟ قالوا: نحن من الخزرج قال: من موالي اليهود؟ -أي: من حلفاء اليهود- قالوا: نعم.
قال: أنصتوا إليَّ) فأنصتوا فتلا عليهم ﷺ آيات من سورة إبراهيم، فكتب الله لهم أن آمنوا وقبلوا، ثم لما رجعوا إلى المدينة أخبروا قومهم، فلما كان العام الذي بعده جاء وفد من الأوس ومن الخزرج وكانت بينهما حروب واقتتال عظيم، فبايعوا النبي ﷺ ، فلما بايعوه بعث النبي ﷺ مصعب بن عمير معهم، ثم كانت بيعة العقبة الثانية، ثم أذن الله لنبيه بأن يهاجر إلى المدينة، فاستقبلوه ﵃ وأرضاهم، ودخل النبي ﵊ المدينة بعد أن قطع بطن وادي ريم في جنوب المدينة الآن، فدخلها من الجنوب من جهة قباء، فمكث في قباء الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وفي يوم الجمعة قبل الزوال دخل المدينة بعد أن بعث إلى أخواله من بني النجار، فجاءوا متقلدين السيوف، فدخلها ﷺ وسمع في نواحيها التكبير وهو على ناقته القصواء يقول: (خلو سبيلها فإنها مأمورة)، فإذا كانت ناقته ﷺ تسير بأمر الله فما بالك بهديه صلوات الله وسلامه عليه؟! الله قسَّم بين الخلق رزقهم وأنت خيرت في الأرزاق والقسم إن قلت في الأمر لا أو قلت فيه نعم فخيرة الله لا منك أو نعم يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة حديثك الشهد عند الذائق الفهم أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم وبركت الناقة في موضع المنبر اليوم ولم ينزل، ثم قامت فجالت جولة، ثم رجعت إلى مبركها الأول، ثم نزل صلوات الله وسلامه عليه، فبادر أبو أيوب الأنصاري وأخذ رحل رسول الله، فقال ﵊: (المرء مع رحله) ومن ذلك اليوم أخذ الأنصار يقدمون النماذج الإيمانية في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، فمنهم من جاهد بلسانه، ومنهم من جاهد بسنانه، ومنهم من جاهد بالاثنين وهم كثير، وكانوا ﵃ وأرضاهم- نعم السلف لنا مع إخوانهم من المهاجرين.
مضي السلف الأبرار يعبق ذكرهم فسيروا كما ساروا على الدرب واصنعوا ولا خير في الماضي إذا لم يكن له من الواقع الزاهي بناء مرفع
стр. 60
نماذج من رجال الأنصار
стр. 61
الثناء على الأنصار
ولقد أثنى الله جل وعلا عليهم في كتابه فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] وكان أبو بكر ﵁ وأرضاه يعجب من صنيع الأنصار بالمهاجرين وإكرامهم لهم وإيوائهم إياهم، فكان يقول: إن مثلنا ومثل إخواننا من هذا الحي من الأنصار كما قال الأول: أبوا أن يملوا ولو أن أمنا تلاقي الذي يلقون منا لملت وهذه تزكية لهم من الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وهؤلاء الأخيار أخبر النبي عنهم ﷺ أنهم سيجدون أثرة بعده، فلم يول أنصاري إمرة بعد رسول الله ﷺ ، ووعدهم ﷺ الحوض، وسيأتي الحديث عنه.
وفي غزوة حنين لما جمعت الغنائم قسّمها ﷺ على أقوام يتألف بها قلوبهم إلى الإسلام، ولم يعط الأنصار شيئاً، فوجدوا في أنفسهم شيئاً على رسول الله ﷺ ، فلقي ﵊ سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه فقال له ﵊: (ما مقالة بلغتني عنكم يا سعد؟) فأخبره سعد بالأمر، فقال ﵊: (وأنت ماذا تقول؟) قال: يا نبي الله وهل أنا إلا رجل من قومي؟! فقال: (اجمع لي الأنصار في حظيرة) أي: في مكان مسور، فلما جمعوا قال ﷺ : (يا معشر الأنصار! ما مقالة بلغتني عنكم؟ ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله، وعالة وأغناكم الله؟) وأخذ يعدد ما أفاء الله به عليهم بسبب رسوله صلوات الله وسلامه عليه، وهم يقولون: لله ولرسوله المن والفضل.
فقال: (ألا تجيبونني؟) فقالوا: بماذا نجيبك يا نبي الله؟ لله ولرسوله المن والفضل، قال: (أما إنكم لو قلتم لصدقتم ولصدّقتم: أتيتنا طريداً فآويناك، وعائلاً فأغنيناك) وذكر غير ذلك مما من الله به على رسوله بسبب الأنصار، ثم قالوا: لله ولرسوله المن والفضل، فقال ﷺ يخاطب تلك القلوب المؤمنة: (يا معشر الأنصار! أما ترضون أن يعود الناس بالشاة والبعير وتعودون برسول الله ﷺ إلى رحالكم؟) فقالوا: رضينا برسول الله ﷺ قسماً وحظاً.
стр. 62
ذكر ما يحصل به العطاء الإلهي
إن الله جل وعلا له سنن لا تتبدل ولا تتغير، وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، والعطاء الإلهي لأي أحد يكون بمقدار ما في قلب ذلك العبد لله ﵎، ألا ترى أن خليل الله إبراهيم ﵊ وطئ على صخر ليرقى عليه ليكمل بنيان الكعبة، والصخر لا يؤثر فيه شيء، فلما ألان إبراهيم قلبه لله ألان الله جل وعلا الصخر تحت قدميه، فأصبح مقام إبراهيم آية ينظر إليها الناس يرون فيها أثر قدمي إبراهيم على صخر فانشغلوا بهذا الأثر حساً، ونسوا المعنى العظيم الذي وراءه، كما قال أبو طالب: وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافياً غير ناعل لقد كان أمراً مشهوداً، وإن اندثر من كثرة مسح الناس عليه ممن لا يعرف الأحكام الشرعية.
فالغاية من هذا أن يعرف المرء أن لله جل وعلا سنناً لا تتبدل ولا تتغير، وحظك من الرب ﵎ بناءاً على ما يكون في قلبك من حبك لله، ورغبتك فيما عند الله جل وعلا من النعيم، وصدق سريرتك، وكمال إخلاصك، وحسن طويتك، وبمثل هذا يستجدى ما عند الله من النعيم.
لقد قالت هاجر وهي تتبع زوجها إبراهيم: آالله أمرك بهذا؟ قال: نعم.
قالت: إذاً لا يضيعنا.
فبقيت ﵍ هي وابنها، فلما انتقص الماء ونفد أخذت تمشي بين الصفا والمروة، فجعل الله جل وعلا ماء زمزم كرامة لـ هاجر وفرجاً لإسماعيل، وهذه عطية إلهية، ثم توالت أقدام الأنبياء على هذا الموطن تسعى بين الجبلين الصفا والمروة كما كانت هاجر تسعى بينهما من قبل، فأحيا الله جل وعلا سنتها وأقام الله جل وعلا شريعة ابتدأتها لما كان من في قلبها من قنوت واستسلام ورضاً بالرب ﵎.
وعلى الضد من ذلك فإن الذنوب شؤم على أصحابها، ووبال على أهلها، قال سبحانه: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ [نوح:٢٥] وقال: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ * وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ * فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٣٨ - ٤٠]، فنجأر إلى الله من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم إنا نعوذ بك من ذل الفضيحة يوم العرض عليك.
стр. 63
الخصلة الحسنة الباقية لتابعي الصحابة الكرام
فالمقصود أن اتباع هؤلاء الأخيار حجة عليك من الله، ولا تقل: هذا الدين لا أقدر عليه، فتكاليفه شاقة، أو ما إلى ذلك من وساوس الشيطان ونزغات الأصحاب، ولكن اعلم أن الطريق قائم، والله جل وعلا يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١] ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤] ولم يحرم جل وعلا من كان آخراً من أن يلحق ذلك السبق ويدرك الركب وإن كان لم يبلغ مبلغهم، فأصحاب محمد ﷺ شامة في جبين الأيام وتاج في مفرق الأعوام ﵁ وأرضاهم، ورزقنا حسن الاقتداء بهم.
أيها الأخ المبارك! يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠] ولو سألنا أنفسنا: هل نحن من المهاجرين؟ لقلنا جمعياً لا، ولو سألنا أنفسنا: هل نحن من الأنصار؟ لقلنا جميعاً: لا، فنحن لسنا مهاجرين ولا أنصاراً؛ لأن هذا أمر قد فات ومضى، فبقي طريق واحد، وقلادة واحدة، وتاج واحد إما أن تكساه وإما أن تتركه، قال الله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠] فبقيت هذه ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]، فإذا أراد الله بعبد فضلاً وكرامة وعطاء جعله من المتبعين بإحسان.
جادل شيخنا الأمين الشنقيطي ﵀ بعض الرافضة، فقال لهم: قبل أن ندخل في أي نقاش علمي أسألكم بالله: هل أنتم من المهاجرين؟ فقالوا: لا، قال: وأسألكم بالله: هل أنتم من الأنصار؟ قالوا: لا.
فلف عباءته وقام وهو يقول: وأنا أشهد عند الله أنكم لستم ممن تبعهم بإحسان.
فالمقصود من هذا أن هذه الخصلة هي التي بقيت، فالله يقول: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠] ولكي تكون ممن تبعهم بإحسان وحد الله ولا تعبد غيره ولا تشرك معه، وأحب نبيك ﷺ وأصحابه جميعاً بلا استثناء، وسر على نهجهم وهديهم حتى تلقى الرب ﵎، واصبر والزم جماعة المسلمين، فهذه وصية نبينا ﷺ (اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد)، فهذا هو المنهج الحق الذي ترك عليه النبي ﷺ أمته.
стр. 64
تحقيق الوجل من الله بتذكر الحوض المورود
بقيت الرابعة، وهي أن يكون هناك موعد، وأن يكون هناك رجاء، وهذا الموعد هو الحوض المورود حوض نبينا ﷺ ، وفي الصحيح وغيره (أنه ﷺ تلا: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:١ - ٣] ثم قال لأصحابه: أتدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: نهر في الجنة عليه خير كثير وعدنيه ربي، ترد عليه أمتي يوم القيامة) والناس يحشرون يوم القيامة عراة ليس عليهم ثياب، عطشى أحوج ما يكونون إلى الماء، تدنوا منهم الشمس فهم أحوج ما يكونون إلى الظل، والموفق من جمع الله له حلل الإيمان وورد حوض نبي الرحمن، وجعل تحت ظلال عرش رب العزة والجلال ﷻ ، أسأل الله أن يجمعها لي ولكم.
والكوثر نهر في الجنة له ميزابان يصبان في الحوض المورود، والحوض خارج الجنة في عرصات يوم القيامة قبل أن يدخل الناس الجنة، وأما الكوثر فالأصل أنه في الجنة، وترد هذه الأمة على هذا الحوض، قال ﵊ بعد أن زار المقبرة: (وددت لو أني رأيت إخواني، فقالوا: يا رسول الله! ألسنا إخوانك؟! قال: بل أنتم أصحابي، ولكن إخواني لم ياتوا بعد) قال: (وأنا فرطهم على الحوض) أي: سابقهم إليه.
فقالوا: (يا رسول الله! كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟! قال: أريتم لو أن لأحدكم خيلاً غراً محجلة في خيل دهم بهم أكان يعرف خيله؟! قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: فإن إخواني يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء وأنا فرطهم على الحوض) صلوات الله وسلامه عليه.
وفي أيام بني أمية ظهرت طائفة تنكر الحوض، منهم عبيد الله بن زياد أحد الأمراء، كان في أول أمره ينكر الحوض، فدخل عليه أبو برزة الأسلمي أحد الصحابة ﵃ وأرضاهم فقال عبيد الله بن زياد لـ أبي برزة الأسلمي أأنت سمعت النبي ﷺ يذكر الحوض؟ قال: لم أسمعه مرة ولا مرتين ولا ثلاثاً ولا أربعاً، بل سمعته أكثر من ذلك، ولما بلغ أنساً ﵁ وأرضاه أن عبيد الله بن زياد ومن معه ينكرون الحوض ويمارون فيه دخل عليهم، فلما سمعهم كذلك قال: والله ما كنت أظن أن يأتي عليَّ يوم أسمع فيه من يماري في الحوض، والله لقد تركت في المدينة خلفي عجائز ما صلت إحداهن لله صلاة إلا وسألت الله فيها أن يسقيها من حوض نبيهن ﷺ .
فما عند الله يطلب بالعمل الصالح، يطلب بالإيمان، ويطلب بدعائه جل وعلا، فإن بالدعاء تذلل به الصعاب وييسر كل أمر عسير، فالله جل وعلا يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ [غافر:٦٠] وأعظم من الحوض دخول الجنة، وما الحوض إلا مقدمه لمن سقي منه لأن يدخل الجنة.
والجنة -أدخلنا الله وإياكم إياها- ثمانية أبواب، مابين مصراعي كل باب مسيرة أربعين عاماً، وليأتين عليها يوم وهي كظيظ من الزحام، وإن من أعظم الغبن أن يقول الله: إنها جنة عرضها السموات والأرض ثم لا يجد أحد منا فيها موضع قدم جعلنا الله وإياكم من أهلها.
وفي الجنة باب لهذه الأمة، وأبوابها حسب الأعمال، فباب للمتصدقين، وباب لصائمين، وباب للجهاد، وأول من يطرق بابها نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فيقول له الخازن: أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك، فيدخلها ﷺ ، ثم الأنبياء والمرسلون، ثم الصالحون الأمثل فالأمثل حتى إذا دخلوا فيها قيل لهم: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟! ألم يثقل موازيننا، ألم يبيض وجوهنا، ألم يجرنا من النار، ألم يدخلنا الجنة؟! فيكشف الحجاب فيرون وجه ربهم ﵎، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم أعظم ولا أجل من رؤية وجه الله ﵎.
стр. 65
حتمية لقاء الله تعالى
اعلم -يا أخي- أن الدنيا أنفاس معدودة وأيام محدودة، وأن الخلق -بربهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم- سائرون على هذا الطريق، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] فإذا منَّ الله عليك وجعلت الأمل في رؤية وجه الله ﵎ مناك ومطلبك وغايتك هانت عليك كل طاعة أن تأتيها وكل معصية أن تجتنبها، وزدت توفيقاً إذا كنت تريد بعملك الصالح وجه الله والدار الآخرة.
فهذا ما تيسر إيراده وتهيأ قوله في هذا الدرس وهذه الموعظة المختصرة، والله المستعان، وعليه البلاغ، وصلى الله على محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 66
إشراقة
الذي ينظر في سيرة النبي ﷺ يجد أنه عاش حياة عطرة، مليئة بالمواقف الشريفة والأخلاق الكريمة، والتي ينبغي على المسلم أن يقتدي ويتأسى بها.
стр. 67
من سيرة المصطفى ﷺ
قال الله جل وعلا في الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣١] إلى آخر الآيات.
ثم دخل ﷺ مكة، ثم عرج به ربه إلى سدرة المنتهى، وذلك أنه لما أغلقت في وجهه أبواب الطائف عنه فتح الله جل وعلا له أبواب السماء.
وكان رفيقه إلى الطائف زيد بن حارثة فجعل الله جل وعلا رفيقه إلى سدرة المنتهى جبريل، كل ذلك إكراماً من الله لنبيه ﵊، فكانت رحلة المعراج: أسرى الله بك ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم لما رأواك به التفوا بسيدهم كالشهب في البدر أو كالجند بالعلم صلى وراءك منهم كل ذي خطر ومن يفز بحبيب الله يأتمم ثم عاد ﷺ من ليلته، ثم كانت أحداث وأحداث، ثم هاجر ﷺ إلى المدينة دخلها يوم الإثنين، وكان قد هاجر يوم الإثنين، وولد يوم الإثنين ونبئ يوم الإثنين كيومنا هذا.
فدخلها ﷺ من جهة الجنوب من جهة قباء، ثم ركب ناقته بعد أيام متوجهاً إلى داخل البلدة وهو يقول: (دعوها فإنها مأمورة).
فإذا كانت ناقته ﵊ تسير بهدي الله فكيف به كله صلوات الله وسلامه عليه؟ فدخل المدينة وبنى مسجده، وحول مسجده بنى حجرات أمهات المؤمنين التي كان يأوي إليها ﵊.
ثم كان يوم بدر، وفي يوم بدر حقق التوحيد في أعظم غاياته، ذلك أن الله جل وعلا وعده بالنصر، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧] فكان يعلم أنه لن يهزم؛ لأن الله وعده إحدى الطائفتين، والطائفتان إما العير وإما النصر، والعير قد فرت ونجت فلم يبق إلا النصر، ومع ذلك فإنه ﵊ وقف يدعو ويلح على ربه في الدعاء حتى أشفق عليه صاحبه أبو بكر.
ثم كان يوم أحد، وفي يوم أحد شج رأسه وكسرت رباعيته وسال الدم على وجهه، فنظر إلى قريش وهو يقول: (كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم).
شجوه وهو يدعوهم إلى الله ليبين الله جل وعلا لكل أحد أن كل وجه وإن كان وجه محمد عرضة للتغير، عرضة للفناء، عرضة للنقص، إلا وجه الحي القيوم ﷻ .
قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨].
فالشمس يراها الناس مثالاً لكل خير لكنها تخسف أو تكسف، والقمر يضرب به المثل في الجمال لكن يعتريه الكسوف، فكل كامل إلى نقصان وكل حي إلى موت، إلا وجه العلي الأعلى ﷻ .
ثم إنه كان بعد ذلك أحداث أخر حتى كان يوم الفتح فدخل ﷺ مكة مطأطأً رأسه تواضعاً لربه، ثم دخل الكعبة فكبر في نواحيها وصلى فيها ركعتين ثم خرج، ثم أعطى مفتاح الكعبة لبني شيبة قائلاً: (خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم).
ثم إنه صلوات الله وسلامه عليه رأى قبل ذلك صورة أبيه إبراهيم يستقسم بالأزلام، فقال: (قاتلهم الله ما لشيخنا وللأزلام) فسمى ﷺ إبراهيم شيخه، وهو لم يقل لأحد من الأنبياء غيره أنه شيخه إلا لأبيه إبراهيم ﵊.
ثم إنه صلوات الله وسلامه عليه حدثت له معارك وحروب في الطائف وتبوك، حتى إذا كان العام العشر أذن في الناس أن نبي الله سيعزم على الحج، فأم المدينة خلق كثير كلهم يريد أن يصحبه، فحج حجة الوداع، وأنزل الله جل وعلا عليه فيها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
فعلم ﷺ أنه سيموت فودع الناس، وأخذ يقول: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا) وكان جبريل يدارسه القرآن كل عام، ودارسه القرآن في ذلك العام مرتين.
ثم عاد إلى المدينة وبقي فيها إلى أن دخل أول شهر ربيع فدخل على عائشة وهي عاصبة رأسها تقول: (وارأساه، قال: بل أنا وارأساه) ثم أخذ يشكو المرض، فخرج إلى شهداء أحد فاستغفر لهم ودعا لهم وأثنى عليهم وذكرهم بخير.
ثم أتى بقيع الغرقد ودعا لأهله وقال: (ما أنتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها).
ثم عاد إلى بيته فدبت فيه الحمى، فتصدق بدنانير تسعة كانت عنده وأعتق غلمانه، ولم يبق له من متاع الدنيا إلا سيفه ﵊ وحجرات أمهات المؤمنين.
وفي اليوم الذي مات فيه -وكان يوم الإثنين- دخلت عليه أول الأمر ابنته فاطمة ولم يزل فيه شدة، فأجلسها بجواره وأخبرها أنه سيموت في مرضه هذا فبكت، ثم أخبرها أنها أول أهله لحوقاً به وأنها سيدة نساء أهل الجنة فرضيت وقرت ثم خرجت.
ثم دخل عليه أسامة بن زيد حبه وابن حبه وقد وهنه المرض، فطلب منه أن يدعو له فلم يستطع وهو سيد الفصحاء وإمام البلغاء أن يرفع صوته بالدعاء، لكنه رفع يديه حتى تقر عينا أسامة.
ثم خرج أسامة ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر وفي يده سواك، فنظر ﷺ إليه ولم يقدر وهو في تلك الحالة أن يطلب السواك، وإنما اكتفى بتحديق النظر فيه، ففهمت عائشة مراده، فأخذت السواك من أخيها فقضمته وطيبته ثم استاك صلوات الله وسلامه عليه ليكون فوه رطباً قبل أن يلقى الله.
ثم أتاه الملك فخيره بين الخلد في الدنيا ولقاء الله ثم الجنة، وما ملئت قلوب الأنبياء بشيء أعظم من الشوق إلى الله، فسمعته عائشة يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] بل الرفيق الأعلى.
قالها ثلاثاً، ثم مالت يده وفاضت روحه ﵊ إلى أعلى عليين في المحل الأسنى والملكوت الأعلى.
ثم غسل، وتولى شرف غسله علي بن أبي طالب والعباس وابناه قثم والفضل يقلبان الجسد الشريف، وأسامة وشقران مولاه يسكبان الماء من غير أن تكشف لرسول الله عورة.
ثم كفن في ثلاث أثواب، ثم استعظم الصحابة أن يقدموا أحداً بهم إماماً على رسول الله ﷺ ، فصلوا عليه أرسالاً أي: متفرقين.
أول من صلى عليه عمه العباس كبير بني هاشم، ثم بنو هاشم، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم سائر الناس.
ثم حفر له في الجهة الجنوبية الغربية من حجرة عائشة، ونزل في قبره علي وقثم والفضل وأسامة وشقران، ثم وضع ﷺ في لحده ونصبت عليه تسع لبنات، ثم حثي التراب على قبره ﵊، فوقعت الأمة بموته في أعظم مطيبة ابتليت بها، قال حسان ﵁ وأرضاه: بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد معارف لم تطمس على العهد آيها أتاها البلى فالآي منها تجدد عرفت بها رسم الرسول وصحبه وقبراً به واراه في الترب ملحد فبوركت يا قبر الرسول وبوركت بلاد ثوى فيها الرشد المسدد صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 68
الاقتداء بالرسل في محبة الله ورجائه وإجلاله
أيها الأخ المبارك! هذه على وجه الإجمال سيرة نبيك ﷺ ، لكن ما الغرض من طرحها في لقاء كهذا؟ ينبغي أن يعلم أن الناس يحشرون يوم القيامة أحوج ما يكونون إلى ثلاثة أمور: يحشرون عراة.
أحوج ما يكونون إلى الكسوة.
ويحشرون عطشى، أحوج ما يكونون إلى الماء.
ويحشرون فتدنو منهم الشمس فهم أحوج ما يكونون إلى الظل.
فالموفق من كساه الله، ومن سقي من الحوض المورود، ومن أظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، جمع الله لي ولكم هذه الثلاثة كلها.
وحتى ينال المرء ذلك لا بد أن يقتدي بسيرته، وحتى نقتدي بسيرته لا بد أن نعرف الطريق الإجمالي الكلي لحياته ﷺ وحياة الأنبياء من قبله، قال الله جل وعلا ذاكراً إبراهيم وثمانية عشر نبياً بعده ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٨٣ - ٨٧].
ثم قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠] فالعبرة كل العبرة بالاقتداء بهدي الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
وما فطر الأنبياء على شيء أعظم من فطرتهم على تعظيم الله ﷻ ، إنه لا تدرك غاية ولا ينال مطلوب ولا يدفع مرهوب إلا بالرب ﵎، وأسعد الناس برب العباد أعظمهم وأشدهم تعظيماً له.
وما فطر الله قلب أحد على شيء أجل وأعظم من أن يفطره على أن يحب الله ويجل الله ويرجو الله، فمن جمع الله له أن يحبه ويجله ويرجوه هو العبد الموفق المسدد، وكل قلب خلا من محبة الله أو من رجاء الله أو من إجلال الله فلا خير فيه أبداً.
وما أعطى الله أنبياءه ورسله ولا الصالحين من بعدهم شيء أعظم من أن يجعل في قلوبهم أنهم لا يحبون أحداً مثله، ولا يرجون أحداً مثله، ولا يخافون أحداً مثله، ولا أحد أعلم بالله من الله، فمن أراد أن يعرف الله فليقرأ القرآن وليقرأ ثناء الله على ذاته العلية وتمجيد الرب لنفسه .
قال الله جل وعلا في آية جامعة مانعة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٣ - ٤٤].
هذه الآية من أعظم آيات القرآن دلالة على الرب؛ لأن الله جل وعلا ذكر فيها مخلوقاً واحداً هو السحاب، فجمع الله جل وعلا بالسحاب أربع نقائض: فالسحاب يكون منه الغيث، وفي نفس الوقت تكون منه الصواعق، والصواعق نار، والماء والنار لا يجتمعان فجمعهما الله جل وعلا في السحاب.
والسحاب تكون منه الظلمة إذا تراكم بعضه على بعض حتى يحجب الشمس ويحجب القمر، ويكون منه البرق، والبرق ضياء، والضياء والظلمة لا يجتمعان.
فجمع الله الماء والنار والظلمة والضياء في مخلوق واحد، ولا يقدر على هذا إلا الله.
ومن دلته المخلوقات على عظمة الله عرف الله، لأن الله عرف نفسه بطريقين: إما بذكر أسمائه أو بذكر صفاته التي منها صفات ذاتية وصفات فعلية، وكل هذه الجملة تدل على الخلاق العظيم والرب الجليل ﷻ ، فمن عرف الله لم يجهل شيئاً، ومن جهل الله لم يعرف شيئاً، وما فطر الأنبياء على شيء أعظم من فطرتهم على محبة الله جل وعلا وتعظيمه، قال ربنا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].
وقال ربنا ﵎ يخبر عن حال الصالحين مع ربهم ﵎: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة:٨٣ - ٨٤] فالغاية الأولى في الاهتداء بهدي الأنبياء المعرفة بالرب ﵎.
لقد قبل إبراهيم أن يلقى في النار عرياناً من أجل الله، والجزاء من جنس العمل، فيكون إبراهيم أول من يكسى من الخلائق يوم القيامة قبل نبينا ﷺ ، والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة:١٢٠] هذه محبة الله وتعظيمه ورجاؤه وهي أعظم صفات الأنبياء والمرسلين.
стр. 69
الاقتداء بالرسل في قيام الليل
الحالة الثانية في الاقتداء به ﷺ : أن يجعل الإنسان من ليله مطية إلى القرب من الرب ﵎، قال ﵊ لـ معاذ: (ألا أنبئك بطرائق الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧]).
أخفوا العمل عن الناس إكراماً لله فأخفى الله مثوبتهم وجزاءهم عن الناس إكراماً لهم، والله جل وعلا خير من يثيب ويعطي وخير من يمنع ﷻ .
فصلاة الليل أعظم هديه ﵊، تقول عائشة: (فقدته ذات ليلة فإذا هو في المسجد قد انتصبت قدماه يقول في سجوده: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك).
لما أتتك قم الليل استجبت لها تنام عينك أما القلب لم ينم الليل تسهره بالوحي تعمره وشيبتك بهود آية استقم يا ليتني كنت فرداً من صحابته أو خادماً عنده من أصغر الخدم صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 70
فضيلة بر الوالدين
مما جاء به هذا النبي الخاتم بر الوالدين، وبر الوالدة على وجه الخصوص من أعظم أسباب التوفيق.
ومن أعظم الأسباب التي ينال بها العبد غاياته ويحقق بها المرء مطلوبه أن يكون باراً بوالديه جملة وبأمه على وجه الخصوص، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:٢٣].
فمن رزقه الله جل وعلا حناناً على والديه وشفقة على أبويه فهذا الموفق، ولما أنطق الله عيسى بن مريم في مهده وهو نبي الله قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ?وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم:٣٠ - ٣١] ثم قال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:٣٢ - ٣٣].
والغاية أن النبي الخاتم بين أن بر الوالدة من أعظم أفعال الخير، وفي المسند بسند صحيح: (أنه جاءه رجل يشكو ذنوبه فقال له ﷺ : ألك والدة؟ قال: لا.
قال: ألك خالة؟ قال: نعم.
قال: فبرها) فجعل ﷺ بر الوالدة أو بر الخالة مطية لتكفير الذنوب وستر العيوب وتحقيق الفوز من لدن علام الغيوب ﷻ .
من هديه ﷺ أنه حذر أمته من الشهوات، قام ﵊ ذات ليلة كما في الصحيحين من حديث أم سلمة فزعاً يقول: (سبحان الله ماذا أنزل الله الليلة من الفتن، سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الخزائن، من يوقظ صواحب الحجرات لكي يصلين، رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة).
فذكر ﷺ التحذير من الفتن ودعا إلى صلاة الليل والفرار من رق الشهوات، وما من أحد إلا سيوسد في الترب وتحل عنه أربطة الكفن وسيواجه عمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
هذا أيها المباركون ما تيسر إيراده وتهيأ قوله، وإن كان قد بقي شيء من الوقت، والأفضل أن يترك لأسئلتكم، فأحياناً يكون في الإجابة على الأسئلة حل لما يبتغيه الناس ويرتضونه، هذا والله تعالى أعز وأعلى وأعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 71
الأسئلة
стр. 72
حكم زكاة عروض التجارة
السؤال
اشتريت دكاناً في الهند قبل أربع سنوات وأجرته، فهل علي فيه زكاة؟
الجواب
عروض التجارة مما تؤدى فيه الزكاة، وتنقسم على الصحيح من أقوال العلماء إلى قسمين: عروض مديرة وعروض مربصة، فالعروض المربصة مثل البيوت والأراضي، فهذه لا تزكى إلا إذا بيعت لعام خلا.
أما العروض التي يتداولها الناس بيعاً وشراء ولا تمكث ثابتة، وتسمى مديرة عند المالكية، فهذه تجب فيها الزكاة إذا حال الحول، فمثلاً إذا حال حول على البقالة فإن صاحبها يقوم ما يباع فيها ويزكيه.
أما الأشياء الثابتة مثل الثلاجات والخزانات فهذه لا تدخل، وإنما يدخل ما يباع ويتداول، ثم بعد أن تقيم قيمته تخرج زكاته في كل ألف خمسة وعشرون ريالاً.
وإذا كان الدكان مؤجراً فالمال الذي يقبضه ليس فيه زكاة حتى يحول عليه الحول، فمن يؤجر عمارة أو دكاناً أو استراحة فالمال المقبوض ليس فيه زكاة حتى يحول حول على قبضه.
стр. 73
الابتلاء بالشهوات
السؤال
إذا ابتلى الله عبده بالشهوات فهل هو دليل على محبته له؟
الجواب
الله جل وعلا يبتلي بكل شيء، والحياة دوائر، ومعنى (دوائر) أن الله إذا أراد أن يبلغ عبداً منزلة عالية يجعله في هذه الدوائر، فيبتلى بشيء قليل، فإذا نجح زاد في ابتلائه وهكذا، وكلما أعد الله لعبده منزلة عظيمة كان الوصول إليها بطريقة أعظم، برهان ذلك في كلام الله، فإن الصديقة مريم ﵍ كانت تقية وهي في المحراب في بيتها لم يقع منها سوء، فلما أراد الله أن يجعلها صديقة بحق خرجت من قومها، فلما خرجت من قومها قال الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم:١٦] شرقي بيت المقدس، والنصارى إلى اليوم يعظمون جهة الشرق.
موضع الشاهد: أنها لما أصبحت منفردة لوحدها جاءها جبريل ليبلغها منزلتها عند الله، لكن حتى تعطى هذه المنزلة لا بد من اختبار، فتمثل لها جبريل في صورة شاب تام الخلقة حسن الوجه حتى يفتنها، فتعوذت بالله منه: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ [مريم:١٨] فلما تعوذت نجحت فقال لها جبريل: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم:١٩].
فلا نطلق القول بأن الابتلاء بالشهوات دليل على حب الله، لكن أي منزلة عظيمة لا يرقى إليها الإنسان حتى ينتصر على شهواته، والشبهات في المقام الثاني.
د
стр. 74
أفضل وسيلة لفهم العلم النبوي
السؤال
ما هي أفضل وسيلة لفهم العلم النبوي؟
الجواب
هذا باب طويل، لكن سآتي بمثال: النبي ﵊ كان يتجنب مسألة العموم، يعني: التقعيد العام، من أخطائنا مثلاً أن يرقى إنسان على كرسي فيأتي سؤال: ما هي وسائل الثبات؟ ما هي وسائل طلب العلم؟ بماذا تنصحني من كتب التفسير؟ كيف أفسر القرآن؟ فيأتي جواب عام، وهذا خطأ، ولا بد أن يكون جواب هذه الأسئلة على معرفة بالسائل فردياً.
ونأتي بمثال من السنة: النبي ﷺ تبعه سراقة بن مالك في يوم الهجرة وكان سراقة يومها كافراً، والذي أخرج سراقة هو المال والطمع في الجائزة (مائة ناقة) فلما عرف أن النبي صادق لكنه غير مقتنع أنه نبي قال له النبي ﵊: (يا سراقة، كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟).
وذلك أنه إذا رجع إلى المنزل وغير رأيه وقال: أنا أخطأت فلو تبعته وفزت بالمائة ناقة، يتذكر سواري كسرى شخصية دنيوية، فردها بمثلها! ولما دخل عليه عمر وقد أثر الحصير في جنبه فقال عمر: (يا رسول الله، كسرى وقيصر في ما هم فيه وأنت في هذا الحال) ما قال: يا عمر، غداً أنت تفتح المدائن ويأتي كسرى تحت قدميك وتأخذ سواري كسرى فتعطيه سراقة، لم يكلمه بالدنيا؛ لأن شخصية عمر غير شخصية سراقة، فقال له: (أفي شك أنت يا ابن الخطاب، أولئك أقوام عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا).
هذه طرائق لفهم كيف كان النبي ﷺ يتعامل.
في يوم الفتح جاءه العباس بن عبد المطلب قال: (يا نبي الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فقال ﷺ : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) فهذا بيان للطريقة التي كان يتعامل بها النبي ﷺ مع أصحابه.
стр. 75
كيف نتعامل مع القرآن
السؤال
ذكرت في معرض كلامك: من معرفة الرب العودة إلى القرآن، ومما يرى في الواقع انصراف الناس عن القرآن، ومن أقبل على القرآن أقبل عليه حفظاً أو قراءة فقط بلا تدبر، فما الوسائل الحقيقية لمعرفة القرآن ومعرفة حقيقة هذا المصحف؟
الجواب
القرآن الطريق الأول والأوحد لفهم الدين، والسنة كلها في آية واحدة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
ولا يمكن الفصل بين القرآن والسنة، قال النبي ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي).
ومشكلة الأمة اليوم في أنها لا تتدبر كلام الله، تجد طالب علم يحفظ متوناً ويحفظ قصائد ويجلس على الكرسي ولو سئل عن تفسير آية لم يعرف شيئاً، وهذا قدح في العلم.
الطريق الأول هو القرآن، وفي حديث حذيفة عند البخاري: (فعلموا من القرآن ثم علموا من السنة) بهذا الترتيب، ثم تأتي المتون والشروح.
ثم إن قلوب الناس لا تغير بشيء إلا بالقرآن، قال الله جل وعلا لنبيه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء:٧٩] أي: بالقرآن في الليل.
وقال: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥].
وقال: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢] فالمؤمن في كل حياته يلتزم القرآن.
أما قضية التدبر فيقرأ بتمعن ويفهم أقوال أئمة السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم في فهم كلام ربهم، وهذا كلام طويل صعب أن يقال باختصار في مجلس كهذا.
следующие страницы →