Полный текст (797 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الأسئلة
стр. 72
حكم زكاة عروض التجارة
السؤال
اشتريت دكاناً في الهند قبل أربع سنوات وأجرته، فهل علي فيه زكاة؟
الجواب
عروض التجارة مما تؤدى فيه الزكاة، وتنقسم على الصحيح من أقوال العلماء إلى قسمين: عروض مديرة وعروض مربصة، فالعروض المربصة مثل البيوت والأراضي، فهذه لا تزكى إلا إذا بيعت لعام خلا.
أما العروض التي يتداولها الناس بيعاً وشراء ولا تمكث ثابتة، وتسمى مديرة عند المالكية، فهذه تجب فيها الزكاة إذا حال الحول، فمثلاً إذا حال حول على البقالة فإن صاحبها يقوم ما يباع فيها ويزكيه.
أما الأشياء الثابتة مثل الثلاجات والخزانات فهذه لا تدخل، وإنما يدخل ما يباع ويتداول، ثم بعد أن تقيم قيمته تخرج زكاته في كل ألف خمسة وعشرون ريالاً.
وإذا كان الدكان مؤجراً فالمال الذي يقبضه ليس فيه زكاة حتى يحول عليه الحول، فمن يؤجر عمارة أو دكاناً أو استراحة فالمال المقبوض ليس فيه زكاة حتى يحول حول على قبضه.
стр. 73
الابتلاء بالشهوات
السؤال
إذا ابتلى الله عبده بالشهوات فهل هو دليل على محبته له؟
الجواب
الله جل وعلا يبتلي بكل شيء، والحياة دوائر، ومعنى (دوائر) أن الله إذا أراد أن يبلغ عبداً منزلة عالية يجعله في هذه الدوائر، فيبتلى بشيء قليل، فإذا نجح زاد في ابتلائه وهكذا، وكلما أعد الله لعبده منزلة عظيمة كان الوصول إليها بطريقة أعظم، برهان ذلك في كلام الله، فإن الصديقة مريم ﵍ كانت تقية وهي في المحراب في بيتها لم يقع منها سوء، فلما أراد الله أن يجعلها صديقة بحق خرجت من قومها، فلما خرجت من قومها قال الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم:١٦] شرقي بيت المقدس، والنصارى إلى اليوم يعظمون جهة الشرق.
موضع الشاهد: أنها لما أصبحت منفردة لوحدها جاءها جبريل ليبلغها منزلتها عند الله، لكن حتى تعطى هذه المنزلة لا بد من اختبار، فتمثل لها جبريل في صورة شاب تام الخلقة حسن الوجه حتى يفتنها، فتعوذت بالله منه: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ [مريم:١٨] فلما تعوذت نجحت فقال لها جبريل: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم:١٩].
فلا نطلق القول بأن الابتلاء بالشهوات دليل على حب الله، لكن أي منزلة عظيمة لا يرقى إليها الإنسان حتى ينتصر على شهواته، والشبهات في المقام الثاني.
د
стр. 74
أفضل وسيلة لفهم العلم النبوي
السؤال
ما هي أفضل وسيلة لفهم العلم النبوي؟
الجواب
هذا باب طويل، لكن سآتي بمثال: النبي ﵊ كان يتجنب مسألة العموم، يعني: التقعيد العام، من أخطائنا مثلاً أن يرقى إنسان على كرسي فيأتي سؤال: ما هي وسائل الثبات؟ ما هي وسائل طلب العلم؟ بماذا تنصحني من كتب التفسير؟ كيف أفسر القرآن؟ فيأتي جواب عام، وهذا خطأ، ولا بد أن يكون جواب هذه الأسئلة على معرفة بالسائل فردياً.
ونأتي بمثال من السنة: النبي ﷺ تبعه سراقة بن مالك في يوم الهجرة وكان سراقة يومها كافراً، والذي أخرج سراقة هو المال والطمع في الجائزة (مائة ناقة) فلما عرف أن النبي صادق لكنه غير مقتنع أنه نبي قال له النبي ﵊: (يا سراقة، كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟).
وذلك أنه إذا رجع إلى المنزل وغير رأيه وقال: أنا أخطأت فلو تبعته وفزت بالمائة ناقة، يتذكر سواري كسرى شخصية دنيوية، فردها بمثلها! ولما دخل عليه عمر وقد أثر الحصير في جنبه فقال عمر: (يا رسول الله، كسرى وقيصر في ما هم فيه وأنت في هذا الحال) ما قال: يا عمر، غداً أنت تفتح المدائن ويأتي كسرى تحت قدميك وتأخذ سواري كسرى فتعطيه سراقة، لم يكلمه بالدنيا؛ لأن شخصية عمر غير شخصية سراقة، فقال له: (أفي شك أنت يا ابن الخطاب، أولئك أقوام عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا).
هذه طرائق لفهم كيف كان النبي ﷺ يتعامل.
في يوم الفتح جاءه العباس بن عبد المطلب قال: (يا نبي الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فقال ﷺ : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) فهذا بيان للطريقة التي كان يتعامل بها النبي ﷺ مع أصحابه.
стр. 75
كيف نتعامل مع القرآن
السؤال
ذكرت في معرض كلامك: من معرفة الرب العودة إلى القرآن، ومما يرى في الواقع انصراف الناس عن القرآن، ومن أقبل على القرآن أقبل عليه حفظاً أو قراءة فقط بلا تدبر، فما الوسائل الحقيقية لمعرفة القرآن ومعرفة حقيقة هذا المصحف؟
الجواب
القرآن الطريق الأول والأوحد لفهم الدين، والسنة كلها في آية واحدة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
ولا يمكن الفصل بين القرآن والسنة، قال النبي ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي).
ومشكلة الأمة اليوم في أنها لا تتدبر كلام الله، تجد طالب علم يحفظ متوناً ويحفظ قصائد ويجلس على الكرسي ولو سئل عن تفسير آية لم يعرف شيئاً، وهذا قدح في العلم.
الطريق الأول هو القرآن، وفي حديث حذيفة عند البخاري: (فعلموا من القرآن ثم علموا من السنة) بهذا الترتيب، ثم تأتي المتون والشروح.
ثم إن قلوب الناس لا تغير بشيء إلا بالقرآن، قال الله جل وعلا لنبيه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء:٧٩] أي: بالقرآن في الليل.
وقال: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥].
وقال: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢] فالمؤمن في كل حياته يلتزم القرآن.
أما قضية التدبر فيقرأ بتمعن ويفهم أقوال أئمة السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم في فهم كلام ربهم، وهذا كلام طويل صعب أن يقال باختصار في مجلس كهذا.
стр. 76
حكم زكاة الأسهم
السؤال
هل تجب الزكاة في الأسهم؟
الجواب
الأسهم من عروض التجارة تقوم إذا مر عليها حول بسعر يومها ثم تزكى سواء انخفضت أو ارتفعت.
стр. 77
أسباب الخشوع
السؤال
ما هي الطرق التي تعين الشخص على الخشوع؟
الجواب
الطريق للخشوع أن يعظم الله خارج الصلاة، فمن عظم الله خارج الصلاة باتباع أمره واجتناب نهيه يرزقه الله الخشوع إذا وقف بين يديه.
أما من يعرض عن الله خارج الصلاة كمن يعق والدته أو والده وهو ذاهب إلى المسجد، ويظلم جاره أو صديقه وهو ذاهب إلى الحرم، أو يسب هذا ويلعن هذا، أو يمنع الأجراء والعمال الذين تحت يده حقهم، ثم يقف بين يدي من أمره بهذا كله وينتظر خشوعاً أنى له أن يخشع؟ يقول بعض الفضلاء: الاستعداد للصلاة والوضوء مبكراً والذهاب إلى المسجد مبكراً هذه عوامل ثانوية، والعوامل الحقيقية أن يعمل الإنسان بالقرآن والسنة قبل أن يقف بين يدي الله.
أنى لقلب أن يخشع وقد ترك وراءه والدة غاضبة وأجيراً يدعو الله جل وعلا عليه! أنى لقلب أن يخشع وهو يسب فلاناً ويلعن فلاناً.
أنى لقلب أن يخشع وهو يسهر الليل على ما حرم الله؟ لا يمكن لهؤلاء أن يخشعوا، لكن من عظم أمر الله حق التعظيم إذا وقف بين يدي الله يرزقه الله الخشوع حتى ولو كان خصمك عاصياً، والله لن تغلب من عصى الله فيك بأعظم من أن تطيع الله فيه.
يقولون: إن أمير المؤمنين عمر ﵁ وأرضاه مر على بستان للأنصار وفيه ثلاثة شبان أو أربعة يشربون الخمر، فصعد على السور ونزل عليهم فقالوا: يا أمير المؤمنين، نحن جئنا بواحدة وأنت جئت بثلاث إن الله يقول: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢] والله يقول: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:١٨٩] والله يقول: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧] وأنت تجسست وأتيت من فوق السور ولم تستأذن فرجع عنهم لأنهم حاجوه بالقرآن رغم أنهم يشربون الخمر.
قال حافظ: وفتية أولعوا بالراح وانتبذوا لهم مكاناً وجدوا في تعاطيها ظهرت حائطهم لما علمت بهم والليل معتكر الأرجاء ساجيها قالوا مكانك قد جئنا بواحدة وجئتنا بثلاث لا تباليها فائت البيوت من الأبواب يا عمر فقد يزن من الحيطان آتيها ولا تجسس فهذه الآي قد نزلت بالنهي عنه فلم تذكر نواهيها فعدت عنهم وقد أكبرت حجتهم لما رأيت كتاب الله يمليها وما أنفت وإن كانوا على حرج من أن يحجك بالآيات عاصيها من نفذ أوامر الله خارج الصلاة يرزق الخشوع والبكاء بين يدي الله، والله يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص:٢٤].
стр. 78
مصادر السيرة النبوية
السؤال
ما هي المنابع التي يوجد فيها سيرة خير البشر؟
الجواب
السيرة من أعظم ما عني به العلماء، ولا بد أن تفهم السيرة مع القرآن والقرآن مع السيرة، فمن أراد أن يفهم السنة من غير القرآن فلن يفهم شيئاً، ومن أراد أن يفهم القرآن من غير السنة فلن يفهم شيئاً، لكن النبي أنزل عليه القرآن فكان المثال العظيم لتنفيذ ما جاء في القرآن.
هذا من حيث الإجمال.
أما من حيث الكتب فهناك كتاب اسمه: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية للدكتور مهدي رزق الله، سوداني الجنسية.
هذا الكتاب من أفضل ما كتب في سيرة النبي ﷺ .
الروض الأنف للسهيلي.
سيرة ابن هشام هذا كذلك جيد في بابه.
стр. 79
حكم الصلاة على السقط
السؤال
قبل أربع سنوات أسقطت زوجتي طفلاً بعد أربعة شهور من حمله في بطنها ولا أعلم ماذا يجب علي فعله تجاهه من الصلاة عليه والعقيقة؛ لأني استلمته من المستشفى ولم؟
الجواب
السؤال ليس كاملاً؛ لكن إذا كان الجنين الذي سقط قد دبت فيه الروح فهذا يصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.
وأما إن لم تدب فيه الروح فهذا قطعة لحم تدفن دون أن يصلى عليها، ولا يجب على الزوجة ولا على الزوج شيء غير ذلك.
стр. 80
حكم الشراء من بائع الدخان
السؤال
ما حكم الشراء من سوبر ماركت يبيع دخان؟
الجواب
يجوز الشراء ممن يبيع الدخان، فالمسألة منفكة، النبي ﷺ اشترى من اليهود، وقد ذكر عنهم أنهم أكلة ربا، فإثمه في بيع الدخان عليه لا عليك إذا اشتريت منه شيئاً مباحاً.
стр. 81
حكم حج من تاب وعليه ديون
السؤال
أنا تبت من ذنوب كثيرة -نسأل الله الثبات- وأنا أريد أن أحج وعلي ديون من أيام الجاهلية، ونسيت أهلها ولا أستطيع سدادها؟
الجواب
الآن استمر في التوبة وحج، وإذا أغناك الله بعد ذلك فتصدق بما يغلب على الظن أنه يكافئ ما عليك من ديون بنية أصحابها.
стр. 82
كيفية التعامل مع النساء
السؤال
أريد بعض الأدلة التي تشجع أن يتجنب الرجل مشاكله مع زوجته ولو كانت هي المخطئة؟ وما هي الطرق التي تمكن الواحد أن يجلب زوجته إلى الهداية؟
الجواب
المرأة لا يمكن أن يستمتع بها استمتاعاً كاملاً، قال ﷺ : (فإن استمتعت بها استمتعت بها على عوج، وإن أردت أن تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها).
وهذا أمر معلوم، قال علي ﵁: يتمنعن وهن الراغبات، ويتظلمن وهن الظالمات، فاستعيذوا بالله من شرارهن وكونوا من خيارهن على حذر! هذه جملة ما يقال في المرأة، فالعاقل يعاملها على أنها مخلوق ضعيف وعلى أنها أسيرة عنده، فيتنازل عن بعض حقوقه التي لا تضره.
نبيكم ﷺ حلف أن يفارقهن شهراً، فاعتزل مشربة له، ثم عاد بعد تسعة وعشرين يوماً، فقابلته عائشة فقالت له: بقي يوم، ولم تقل: أهلاً وسهلاً وحياك الله، تعني: أنت حلفت على شهر وقد مر تسع وعشرون فقط، فقال ﷺ : (إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً ويكون ثلاثين يوماً) فالمرأة مرأة مع إجلالنا لها، لكن الله يقول: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦].
وقال: (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم، فاطمة، خديجة، وفضل عائشة على النساء) المقصود أنها بطبعها مخلوق ضعيف تحتاج إلى ملاطفة، تحتاج إلى احتواء، والعاقل لا يضع عقله بعقل امرأة، لكن هناك أمور يتجنبها وأمور يقبلها وأمور يغض الطرف عنها، والعاقل من يتغافل عما يشتهي.
أما الهداية فبين لها أنك تكون رقيقاً عليها من أجل الله، فمن عظم الله أمام المخلوق كان ذلك أعظم سبب لهدايته.
стр. 83
معنى قوله (احفظ الله يحفظك)
السؤال
ما معنى: (احفظ الله يحفظك)؟
الجواب
من اتقى الله حفظه الله، فإن الله تكفل لأهل تقواه بالرزق من حيث لا يحتسبون وبالأمن مما يخافون، وبالنجاة مما يحذرون، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
стр. 84
أحاديث منتقاة
يشتمل القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام على أعظم الفوائد وأجمل التعليمات، والذي يتفكر فيهما يستخرج فوائد عظيمة، وقبسات كريمة.
стр. 85
وقفة مع فاتحة سورة فاطر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فسنعمد إلى آيات ثم نأخذ حديثاً حتى نجمع ما بين القرآن والسنة.
قال الله جل وعلا وهو أصدق القائلين: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر:١].
هذه فاتحة سورة فاطر, وقد مر في دروس مضت, أن خمس سور استفتحهن الله جل وعلا بحمده, وهي: الفاتحة والأنعام والكهف وسبأ وفاطر.
قال الله في فاطر: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١] الألف واللام في قول الله جل وعلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [فاطر:١] تعني الاستغراق, والمعنى: جميع المحامد أولها وآخرها ظاهرها وباطنها لله.
واللام الجارة نحوياً في قوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [فاطر:١] هي لام الاستحقاق، فيصبح معنى الآية: أن الله جل وعلا مستحق لجميع المحامد.
وهذه اللام تأتي للاستحقاق وتأتي لغير الاستحقاق, فتأتي للاختصاص وتأتي للملك.
فمثال الاختصاص: المحراب للإمام، والكرسي للمدرس.
وقول الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥] اللام هنا في قوله: ((لَهُ)) هي لام الملك ومثله قوله جل وعلا: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٨٤].
أما قوله: ﴿فَاطِرِ﴾ [فاطر:١]: فهو اسم فاعل من فطر بمعنى خلق على غير مثال سابق، أي خلق لأول مرة، ففاطر تجمع معنيين.
المعنى الأول: الخلق.
المعنى الثاني: الخلق على غير مثال سبق، أي: خلق ابتداء.
يروى عن حبر القرآن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه جاءه أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي: أنا ابتدأت حفرها, قال ابن عباس: فلم أكن أعلم أن فاطر بمعنى خلق وابتدأ إلا من هذا الأعرابي! هذا يدل على شيء مهم إذا صحت الرواية عن ابن عباس، وهو أن كلمة ((فَاطِرِ)) كانت غير ذائعة عندهم، لأن هذا حبر القرآن عربي قرشي فصيح وكان لا يعرفها، فدلت القصة على أن الكلمة لم تكن دارجة, ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن القرآن أول ما نزل بها، قيل: إن الأعرابي أخذها من القرآن، لكن أياً كان المعنى فالقصة تدل على أن كلمة ((فَاطِرِ)) ليست دارجة, وإلا لما جهلها ابن عباس.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر:١] أي: رسلاً بين الله ورسله، أي: بين أنبيائه.
﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر:١] أي: أصحاب أجنحة.
ثم قال: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١].
ثم قال جل ذكره: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١].
قال بعض العلماء: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١] بمعنى: الملاحة في الوجه والسعة في العينين, وهذا التقييد لا داعي له، بل إن الآية متصلة، لأن الله قال: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١].
وهذا يسمى عند النحويين عدولاً، أي: أن (مثنى) معدولة عن اثنين اثنين.
والآية تدل على الملائكة بصورة أولية, ويؤيدها حديث أن النبي ﷺ رأى جبريل وله ستمائة جناح ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر:١].
هذه الوقفة الأولى أخذناها من فاتحة سورة فاطر.
стр. 86
الفرق بين الماء الملح والماء المالح
الوقفة الثانية: قال الله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر:١٢].
وقال في الفرقان: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٥٣].
وقال في فاطر: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر:١٢].
الذي أريد أن أقف عليه هنا أن الله قال: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ﴾ [الفرقان:٥٣] ولم يقل ربنا (وهذا مالح) فما الفرق بين مالح وملح؟
و
الجواب
الماء إذا كان الملوحة في الماءمتأصلة يسمى ماء ملحاً مثل البحر.
أما الماء الذي هو عذب وألقيت فيه ملحاً فيسمى مالحاً.
стр. 87
الفرق بين معنى (لو) ومعنى (لولا)
قال الله في آخر السورة: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥].
المعنى: أن الله أخر الناس إلى أجل مسمى، ولا أريد أن أقف عند الشيء الواضح, لكن هذه وقفة لغوية تقودك إلى مسألة إيمانية عظيمة, وذلك أنه يوجد حرفان: (لو) و (لولا).
وفقه المسألة أن أي إنسان إنما يكون تفاعله قلبياً وخشوعاً وخضوعاً مع أي مسألة إذا كان يفهمها, أما إذا كان لا يفهمها فلا يمكن أن يتفاعل معها إلا في حالة واحدة, وهو أن يكون الكلام كلام الله فقط, يسمعه العجم فيبكون دون أن يعرفوا معناه لأنه كلام الله، فنقول: الحرفان (لو) و (لولا).
حرف (لو) حرف امتناع لامتناع.
وحرف (لولا) حرف امتناع لوجود معنى حرف امتناع لامتناع: أي لم يتحقق الجواب لعدم تحقق الشرط, فمثلاً: أنت تعد أخاك أن تزوره، تقول له: إذا توفرت لدي سيارة سأزورك، فلم تتوفر لديك سيارة, فلو سألك لم لم تزرني؟ ستقول له: لو وجدت سيارة لزرتك.
فالذي امتنع هو الجواب -وهو الزيارة- لامتناع الشرط, وهو وجود السيارة.
أما (لولا) فهو حرف امتناع لوجود, فمثلاً: إنسان واقف في المطر ثم من الله عليه برجل يحمله, فيقول: لولا أن مر علي زيد لابتلت ثيابي, أي فامتنع الجواب -وهو البلال- لوجود الشرط وهو مرور زيد.
هذا كله صناعة نحوية, لكن الصناعة النحوية آلة لفهم كلام الله وكلام رسوله ﷺ .
أهل الجنة إذا قعدوا فيها يرون أماكنهم في النار التي نجاهم الله منها, وأهل النار إذا مكثوا في النار عياذاً بالله يرون مقاعدهم من الجنة التي حرموها.
الآن نأتي بـ (لو) ونأتي بـ (لولا).
يقول أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] هؤلاء المباركون -جعلني الله وإياكم منهم -وقعت عليهم الرحمة والهداية, ووجود الرحمة والهداية منعهم من دخول النار.
هذا معنى حرف امتناع لوجود, فالذي امتنع هو دخول النار، لوجود الهداية والرحمة من الله! أما أهل النار فيأخذون مقاعدهم من النار, وعندما يرون أماكنهم في الجنة التي لم يصلوا إليها يقولون كما قال الله عنهم: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٧] فامتنع أن يكون تقياً من أهل الجنة لامتناع الهداية من الله ﵎, لهذا يعرف العاقل أنه لا شيء يطلب أعظم من رحمة الله جل وعلا, وما الهداية إلا شيء من رحمة الله ﵎.
стр. 88
وقفة مع فاتحة (ص)
قال الله في فاتحة سورة ص: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص:١ - ٢].
هناك قاعدة عند العلماء: فإذا قالوا في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١].
أو قول الله: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر:١].
أو قول الله: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى:١].
أو قول الله: ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ [النازعات:١].
أو قول ربنا: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ [الفجر:١].
يقولون: لله جل وعلا أن يقسم بما شاء من مخلوقاته, وليس للعبد أن يقسم إلا بالله، وهذا حق.
لكن هل يناسب أن يأتي مفسر فيقول هذه القاعدة عند قول الله جل وعلا: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص:١]؟
و
الجواب
لا يناسب؛ لأن القرآن ليس مخلوقاً, بل هو كلام الله وصفة من صفاته, فالعبارة: (ولله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته) وإن كانت صحيحة, لكن إيرادها هنا يوهم أن القرآن مخلوق, والقرآن منزل غير مخلوق.
واختلف العلماء في جواب القسم على ثمانية أقوال, سنأخذ واحداً هو الراجح عندي والعلم عند الله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص:١] جواب القسم محذوف، والتقدير: ليس الأمر كما تزعمون.
قال تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص:٢ - ٣].
يخاطب الله مشركي قريش و (كم) , من حيث التأصيل العلمي تنقسم إلى قسمين: كم خبرية، وكم استفهامية, تتفقان في أمور: تتفقان في أن كليهما اسمان، وكليهما مبنيان، وكليهما له الصدارة في الكلام.
وتختلفان في أمور من أشهرها: أن كم الخبرية لا تحتاج إلى جواب, يراد بها التعبير عن الكثرة.
وكم الاستفهامية تحتاج إلى جواب لأنها سؤال واستفهام.
و (كم) هنا قول العزيز الحميد: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص:٣] خبرية، استفهامية؟ يخبر الله عن أمم كثيرة لا يعلمها إلا الله, أهلكها الله من قبل، عندما أهلكها ﴿فَنَادَوْا﴾ [ص:٣].
ولم يذكر الله هل نادوا مستغيثين أم نادوا مؤمنين, لكن تكلم الله عن أمم أهلكها بعذاب، فالله يذكر أنهم عندما جاءهم العذاب نادوا مستغيثين، كفرعون عندما قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] أو طلبوا الاستغاثة أو طلبوا الإيمان.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص:٣] يعني: ليس الوقت وقت ينفع فيه الندم, أي أنهم نادوا فعلاً لكن الذي منع الفائدة من مناداتهم أن الوقت ليس وقت مناداة لأنه إيمان إجباري، وليس اختيارياً وللعلماء تعبير آخر يقولون: إيمان اضطراري، والإيمان الاضطراري لا يقبله الله, وإنما يقبل الله الإيمان الاختياري.
قوله: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص:٣] التاء زائدة و (لا) نافية تعمل عمل ليس عند سيبويه وأتباعه.
ويقول النحويون: إنها إذا عملت عمل ليس فلابد من حذف أحد جزأيها، أي المتبدأ -أو الخبر، والمحذوف هنا هو الاسم؛ لأن ما جاء بعدها منصوب، واسمها يكون مرفوعاً، والمرفوع غير مذكور لأن الله قال: ﴿وَلاتَ حِينَ﴾ [ص:٣] بالنصب فدل على أن الاسم محذوف.
стр. 89
وقفة مع حديث جابر في مقتل أبيه وزواجه من امرأة ثيب
روى البخاري في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: (لما كانت ليلة أحد دعاني أبي فقال: يا بني لا أراني غداً إلا أول من يقتل في سبيل الله, فإذا أنا مت فأوصيك بديني فاقضه, وأوصيك بأخواتك, قال جابر: فلما أصبحنا كان أول من قتل, فدفنته مع رجل آخر فلم تطب نفسي أن أدفنه مع غيره, فحفرت عنه بعد ستة أشهر فوجدته كما هو هنية غير أذنه).
جابر ﵁ صحابي ابن صحابي، وإذا أنت نظرت نظرة كلية للصحابة تجد أنهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: صحابة كبار في السن مثل: الصديق , العباس , عثمان , أما عمر فإنه أسلم وعمره ست وعشرون سنة, لكن الصديق كان بينه وبين النبي ﷺ سنتان, فهذا جيل يدخل فيهم عمر.
هناك جيل آخر وسط أدركوا النبي وهم في الرابعة عشرة والخامسة عشرة شهدوا بعض الغزوات مثل جابر، وعبد الله بن عمر.
هناك جيل صغير جداً ما أدرك شيئاً، أي: ما قاتل مع النبي ﷺ ، لكنه رأى النبي ﷺ مثل: الحسن والحسين , عبد الله بن الزبير.
قوله: (دعاني أبي) أبوه هو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري.
قوله: (لا أُراني) يعني لا أظن إلا أن أكون أول من يقتل غداً, وقع في قلبه واستقر في نفسه أنه غداً سيموت في المعركة، والآن الإنسان عندما يريد أن يسافر فيقع في قلبه أنه يموت في السفر يترك السفر، أما هذا فإنه أخذ يوصي ابنه جابراً قال: يا بني أول شيء أوصيك بالدين -كانوا ﵃ وأرضاهم يفرون كل الفرار من مظالم الخلق-.
وأنا والله لقد تأملت كثيراً ممن أدركتهم من الأخيار ما كتب الله لهم قبولاً ولا عرفت فيهم صلاحاً, إلا لأنهم متحررون من مظلمة الناس، فغير الله فيهم إلى الخير تغييراً كثيراً، والإنسان يتعلم مما يراه.
فرغم أنه يعلم في غالب ظنه أنه سيقتل في سبيل الله لكن يهتم بالدين، ثم قال: (وأوصيك بأخواتك)، قلنا: إن عبد الله ما ترك إلا جابراً من الذكور والباقون بنات.
يقول جابر: فلما أصبحنا -يعني جاءت المعركة- كان أبي أول من قتل ﵁ وأرضاه, فدفنته في أحد.
وأحد جبل حصلت عنده المعركة يبعد حوالي ثلاثة أو أربعة كيلو عن الحرم.
وقد أراد الأنصار يحملوا القتلى إلى داخل المدينة, لكن منعهم الرسول، وقال: (ادفنوا القتلى في مصارعهم ووقف عليهم وقال: أنا شهيد على هؤلاء).
أي زعيم عاقل في بيته أو في مدرسته أو في شيء يلقى أشياء لا يمكن تنفيذها كلها، وليس من المعقول تركها بالكلية؛ لأن تركها بالكلية إهمال, وتنفيذها بالكلية إرهاق لمن حولك، لكن سدد وقارب، فكيف سدد النبي وقارب؟ هؤلاء الصحابة خرجوا مثخنين بالجراح يقول الله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠] أصابهم قرح, صلى بهم نبيهم الظهر وهو قاعد, وصلوا خلفه فريضة وهم كلهم قعود, من شدة ما أصابهم من الجراح والأسى والقرح، فقال: (احفروا وأعمقوا).
يعني: أنتم لا تستطيعون أن تحفروا سبعين قبراً, وفي نفس الوقت لا أريد أن تحملوا الموتى إلى داخل المدينة, فما الحل الوسط؟ نحفر قبوراً معدودة أقل من سبعين, وندفن اثنين وثلاثة في قبر واحد، وهذه مناسبة لحال الصحابة وهم يحفرون؛ لأن الحفر مشقة.
لأنهم لو كانوا منتصرين لنشطوا، لكن كانوا يشعرون بمرارة الخطأ، فعدل النبي ﷺ الوضع , فقال: (احفروا وأعمقوا).
هذا السبب الذي جعل جابراً يدفن أباه مع رجل أخر.
الرجل الآخر لم يذكر في روايات البخاري , لكن رواه مالك في الموطأ بسند منقطع، قال ابن عبد البر: ورد من عدة وجوه تشهد بالصحة أن الصحابي الآخر هو عمرو بن الجموح ﵁ وأرضاه.
ويمر معك في السيرة أن النبي قال: (قدموا أكثرهم قرآناً) حتى يعلم فضيلة القرآن.
المهم أن جابر بن عبد الله دفن أباه مع عمرو بن الجموح.
يقول: (لم تطب نفسي) أي إنسان حر ينشد العلو والكمال، ودفن الرجل لوحده ليس مثل دفنه مع الناس, فحفر قبره بعد ستة أشهر، قال: فوجدته كأني دفنته هنية غير أذنه.
صحح الحافظ ابن حجر الرواية بهذه الطريقة - يعني شيء يسير تغير في أذنه -.
موضوع الشاهد منها: إكرام الله للشهداء.
ونحن نضم الأحاديث بعضها إلى بعض، وقد مر بنا حديث (هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك).
إذا ضممت هذا الحديث لحديث (هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك) عرفت لماذا لم يتزوج جابر ﵁ وأرضاه بكراً, أي: لأن عنده أخوات صغاراً.
فتزوج ثيباً فلم يضيع حقه ولا ضيع حق أخواته اللاتي وصى بهن والده.
وهذه القصة حصلت في سفر مع النبي ﵊, وكان جابر على جمل بطيء، وكان الرسول شفيقاً على أصحابه يتفقدهم, فأخذ النبي قضيباً ضرب به الجمل فأسرع الجمل، قال ﷺ لـ جابر: (هل تبيعه؟) قال: نعم، فاشتراه بأربعة دنانير.
واشترط جابر ألا يسلم الجمل حتى يصل المدينة؛ لأنه لو أعطاه الجمل سيرجع مشياً وهذا سيؤخره أكثر! فوافق النبي ﵊، ثم وصل جابر , وكأنه تأخر قليلاً في الطريق لبعض أمره فوصل النبي ﷺ قبله، فجاء جابر ليسلم الجمل، فسأله النبي ﷺ : (أصليت؟).
وهذا والله كتاب توحيد كامل، وأنا أقول للناس: من أراد أن يدرس التوحيد فليدرسه من القرآن والسنة فهو هنا يعلمه أن حق الله مقدم على حق كل أحد.
إذا جئت لتربي فأشعر من تخاطبه أنك لا تطالبه بحقك , وإنما تطالبه بحق الله.
إذا رأيت من أي أحد تعظيماً لله فعظمه لا لذاته, لكن لأنك رأيته يعظم الله.
قال له: (أصليت؟ قال: لا، قال: ادخل المسجد وصل ركعتين).
فدخل المسجد وصلى ركعتين ثم جاء فرد النبي ﷺ عليه الجمل قائلا (خذ جملك).
ففهم جابر أن الرسول هون من الجمل.
يقول جابر: فو الله ما شيء أبغض إلي من الجمل! فأعطاه النبي الأربعة دنانير التي اتفقا عليها، ثم أمر بلالاً أن يزيده قيراطاً, فوضع جابر القيراط في جيبه وقال: هذه زيادة رسول الله ﷺ .
فما فارقته حتى فقدها في موقعة الحرة التي حصل فيها ما حصل من قتل كثير من أهل المدينة.
نعود إلى حديث: (هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك) فنقول: سأل النبي ﷺ جابراً عن سبب حرصه على السرعة؟ قال: إنني حديث عهد بعرس, أي قريب عهد بالزاوج.
فقال له: (هل تزوجت بكراً؟ قال: لا يا رسول الله، قال: هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك! قال: يا رسول الله إن لي أخوات, فما أحببت أن أدخل عليهن امرأة مثلهن, وإنما أردت ثيباً حتى ينتفعن بها).
من الفوائد التربوية قبل أن أختم في القضية: أن جابراً رضي الله تعالى عنه وأرضاه نصحه أبوه، فإذا أردت أن تنصح أحداً فهيئ لكلامك قبل أن تلقيه، فإن عبد الله بن عمرو بن حرام قال لابنه جابر: (يا بني! ولا أترك بعدي نفساً أعزك علي منك)، يبين أن لابنه مقام عظيماً عنده، ولا بد للوالد أن يظهر حفاوته وعنايته بابنه.
ثم قال مستدركاً: (غير نفس رسول الله ﷺ - والصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا عظيمي الحب لرسول الله ﷺ .
التعامل مع ما يحدث من أحداث ينبغي أن ينطلق من ركائز.
فمثلاً للرد على ما حصل في الدنمارك وغيرها من قدح في النبي ﷺ لا بد أن تكون على ثقة أن مقام النبي ﷺ لا يمكن أن يصل إليه هؤلاء.
فقد ثبت في غزوة خيبر أنه ﷺ سمت له شاة ثم قدمت له ليأكلها- سمتها له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم - فلما أكل منها ﷺ ولاك منها يسيراً لفظها ثم قال: (إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم).
هذه امرأة يهودية على بعد أمتار أو أشبار عن رسول الله ﷺ وصنعت له الشاة المسمومة وأكثرت السم في موضع يحبه النبي ﷺ وهو الذراع, وعجزت أن تنال منه أذى، فكيف يقدر أن يؤذيه من بعدت ديارهم لا قربها الله، وفسدت أخلاقهم لا أصلحها الله، فلا يمكن أن يضروه شيئاً! هذا يجعلك مطمئناً أن النبي محفوظ بحفظ الله له: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر:٩٥].
ثم تنطلق بخطوات عملية في نصرته صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 90
الأسئلة
стр. 91
المخلوقات التي عاشت في الأرض قبل الإنسان
السؤال
هل صحيح أن هناك مخلوقات قبل ابن آدم يعيشون في الأرض؟
الجواب
المشهور أنهم الجن، أما غير ذلك فلا أدري.
стр. 92
حروف القسم
السؤال
ما هي حروف القسم؟
الجواب
الواو والتاء والباء، هذه حروف القسم.
стр. 93
استثناء قوم يونس حيث نفعهم الإيمان الاضطراري
السؤال
يقول الله: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس:٩٨] فنفعهم الإيمان الاضطراري؟
الجواب
هذا تأكيد لما قلناه من أن الإيمان الاضطراري لا يقبل، إلا ما كان من قوم يونس وهو من فضل الله عليهم، ولهذا استثناهم الله فقال: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس:٩٨] أي: لا يوجد قرية آمنت إيماناً اضطرارياً فنفعها إيمانها: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا﴾ [يونس:٩٨] أي: اضطرارياً ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨].
قال بعض العلماء: ينفعهم في الدنيا ولا ينفعهم في الآخرة.
والأظهر نفعه في الدنيا والآخرة, لكن لماذا استثنوا؟ هذا فضل من الله محض والله أعلم به.
стр. 94
حكم تعاطي العلاج من أجل جلب النوم
السؤال
ما رأيك في رجل وقع في معصية أخلاقية فندم عليها، فأصبح لا ينام، فوصف له الطبيب ما يعينه على النوم؟
الجواب
لا حرج أن يأخذ شيئاً يعينه على النوم, ولا ينبغي أن يترك العمل الصالح من أجل ذلك.
стр. 95
نصيحة من تلعن أولادها
السؤال
ما نصيحتك لمن تلعن أولادها؟
الجواب
نسأل الله أولاً أن يتوب علينا وعليها, واللعن شديد كما قال النبي ﷺ : (إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير).
نصيحتنا أن تتعود على الكلم الطيب, وتختلط بصحبة صالحة حتى تتعود كلمات طيبة تسمعها منهم.
стр. 96
معنى الأمر في قوله تعالى (له الخلق والأمر)
السؤال
﴿ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] ما المقصود بالأمر؟
الجواب
الأمر كلامه جل وعلا والقرآن منه, وهذه الآية احتج بها الإمام أحمد على من عارضه في أن القرآن مخلوق, فبين ﵀ أن القرآن ليس مخلوقاً لأنه من أمره وليس من خلقه بآية الأعراف ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤].
стр. 97
الشرف العظيم
اصطفى الله سبحانه لهذا الدين رجالاً، كان لهم الحظ الأوفر والشرف العظيم في نصرة النبي ﷺ وإيوائه بعد أن خذله الناس، ألا وهم الأنصار، وقد شهد الكتاب العزيز والسنة المطهرة بفضلهم وبرضوان الله عليهم؛ لما قدموا من خدمة لهذا الدين، فخلد الله مديحهم ورضوانه عليهم في كتابه الكريم وسنة نبيه ﷺ .
стр. 98
الأوس والخزرج بذرة الإسلام الأولى
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فاطر الأرض والسموات، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: في هذا اللقاء المبارك المتجدد سنشرع الليلة في ذكر علم من أعلام القرآن المجيد، علم على قبيلتين ممن نصروا الله ورسوله ﷺ فسماهم الله جل وعلا في محكم كتابه: الأنصار، قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، والأنصار اسم قرآني أطلقه الله جل وعلا، ثم أطلقه رسوله ﷺ على قبيلتين من قبائل العرب أصلهما من اليمن كانتا تسكنان المدينة هما: الأوس والخزرج، ولن يكون معهم في هذا اللقاء أي علم آخر سنعرج عليه، وعلى هذا فإن الحديث عن الأنصار في هذا اللقاء المبارك سيكون حديثاً مستفيضاً أرجو الله أن يكون ثرياً بالمعلومات، مليئاً بالمعارف، محققاً للهدف، والله جل وعلا وحده هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
стр. 99
معنى كلمة أوس وخزرج في اللغة العربية
نقول: كلمة أوس في اللغة الأصل: أنها تطلق على الذئب، قال الراجز: ليت شعري ما فعل أويس بالغنم أي: ما فعل الذئب بالغنم، لكنها جاءت هنا معرفة بالألف واللام فتحمل عند الكثير على أنها بمعنى: العطية، والأصل أن الاسم لا تلحقه الألف واللام إذا كان علماً، لكن قد شذت بعض الكلمات عند العرب مثل هذا، مثل: الحسن؛ فإن الأصل فيه: أنه حسن إذا أردت به علماً على أحد، ويقال في حسين: الحسين، وهذا بخلاف القواعد القياسية، لكنه أمر سمع عن العرب.
أما الخزرج فمعناها في اللغة: الريح الباردة.
والأوس والخزرج أصلهما أخوان، كلاهما أبناء الحارث أحد رجال العرب اليمنيين، كان ابنان أحدهما: الأوس، والآخر: الخزرج، وأمهما امرأة من قضاعة يقال لها: قيلة بنت كاهل، ثم تفرع عن الأوس وأخيه الخزرج بيوت ودور عدة سكنت المدينة بعد هدم سد مأرب، ثم لما سكنت المدينة واستوطنت كانت المدينة آنذاك مرتعاً لليهود، أو بمعنى: أن اليهود هاجروا إليها رغبة في أن يخرج نبي آخر الزمان فيكونوا نصراءه على ما عندهم في الكتب، وقد أصابوا في أن النبي يخرج من المدينة أو يهاجر إلى المدينة، لكن لم يوفق لقبول دعوته إلا قليل منهم صلوات الله وسلامه عليه.
هاجرت القبيلتان إلى المدينة، وكان بينهما من التنازع وسفك الدماء ما لا يعلمه إلا الله، حتى إنه قبل هجرته ﷺ بيسير كان (يوم بعاث) وهو: يوم اشتدت حربه بين الفريقين، وقتل فيه كثير من سراة القوم، وجرح فيه الكثيرون، فكان الناس أحوج ما يكونون إلى من يؤلف بينهم، فوافقت هجرته ﷺ إلى المدينة افتراق الناس وتضجرهم من سفك الدماء والجراح والقتل وما أصابهم من النزعات، فكان ﷺ رحمة بالناس عامه ورحمة بهاذين الفريقين خاصة رضوان الله تعالى عليهم، هذا كتأصيل لمعنى الأوس والخزرج، وهذا اسمهما في الجاهلية، أما الله جل وعلا فقد سماهم الأنصار في نص كتابه، وقد ورد اسم الأنصار كثيراً في الأحاديث كما سيأتي.
هؤلاء قبلوا دعوة النبي ﷺ أول الأمر، والقابل لأي شيء في أول الأمر ليس كمن يقبله بعد ذلك، والنبي ﵊ كان يعرض نفسه على قبائل العرب ويتوخى مواطن الاجتماع ويأتي أسواق العرب كسوق عكاظ وذي المجنة وغيرها، ثم كان يعرض نفسه على القبائل فعرض نفسه أول الأمر على نفر من الخزرج، هذا قبل بيعة العقبة الأولى، وقبل بيعة العقبة الثانية، فسألهم: (من أنتم؟ قالوا: نحن نفر من الخزرج، قال: من موالي يهود)، ومعنى: من موالي يهود أي: من حلفاء يهود، وقلنا: إن الأوس والخزرج كانوا يسكنون المدينة، وهم حلفاء لليهود بمعنى: نصراء، وكلمة (موالي) في اللغة كلمة واسعة: تطلق على المعتق وعلى المعتق، وعلى الحليف وعلى ابن العم، وعلى النصير وعلى الرب جل شأنه، قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢]، وتأتي بمعنى: النصير، قال الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]، أي: لا نصير لهم، فقبل هؤلاء النفر من الخزرج دعوة النبي ﷺ أول الأمر دون أن يكون هناك عقد أو بيعة بينه وبينهم، ثم لما رجعوا إلى المدينة زاد العدد فبايعوه ﷺ بيعة العقبة الأولى، ثم رجعوا ومعهم مصعب بن عمير، ثم عادوا وبايعوا مرة ثانية، فسميت: بيعة العقبة الثانية تمهيداً لهجرته ﷺ إليها، فكان من كرامة الله بالأوس والخزرج أن الله جل وعلا ألقى الصدود في جميع قبائل العرب أن ترد نبيه وأعطى القبول لهذه الفئة المباركة حتى تقبل دعوة نبيه؛ ليكون ذلك سبباً في هجرته صلوات الله وسلامه عليه إلى المدينة، وليبقى لهم ذلك الفخر مدى الدهر رضوان الله تعالى عليهم، وقد قلنا: إن الأمور بقبولها، والله جل وعلا يلقي الفراسة في بعض عباده في قبول أمر، ويحرم بعض عباده من قبول أمر، ثم إذا جاءت العواقب أدرك المتفرس بنور الله فرحه بأن قبل الأمر لأول مرة، وقد قلنا في هذا الدرس المبارك مراراً: إنه يروى: أن النبي ﷺ لما أراد أن يتحنث قبل البعثة صعد جبلاً غير حراء، فقال له الجبل بلسان الحال لا بلسان المقال: إليك عني، فإني أخاف أن تقتل علي فأعذب بسببك، فيقال: إن حراء ناداه: هلم إلي يا رسول الله! فألقى الله في قلب نبيه أن يرقى حراء دون غيره من الجبال، فكانت في حراء بعثته ﷺ ، ونزول الوحي أول مرة، وكان لحراء فضل تاريخي على مر الدهر لم يرق إليه جبل غيره.
وكذلك النفر من الخزرج فقهوا أن هذا نبي الأمة فقبلوا الدعوة مع أن الحج آنذاك كان يجمع أشتات القبائل العربية التي عرض النبي ﷺ دعوته عليها، إلا أنه لم يظفر به أحد إلا أولئك الأخيار من أهل المدينة الأولين.
стр. 100
فضل الأنصار وعظمتهم
قال الله عنهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]، ونحن الآن وكل مسلم اليوم لسنا من المهاجرين ولسنا من الأنصار، لكن نرجوا الله برحمته أن يجعلنا ممن تبعهم ويتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال الله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، ومن جميل ما يروى في هذا المقام: أن الشيخ الأمين الشنقيطي ﵀ لما جاء يجادل الشيعة -فيما نقل إلينا ولم أره- قال للعلماء الذين معه: أتركوهم لي أجادلهم، وهذا أيام شاه إيران قبل الثورة الخمينية فقال: أنا أسألكم سؤالاً: هل أنتم من المهاجرين؟ قالوا: لا، قال: هل أنتم من الأنصار؟ قالوا: لا، فقام الشيخ وهو يقول: وأنا أشهد عند الله أنكم لستم مما تبعهم بإحسان ومضى، فإذا خرج الإنسان من هذه الثلاثة لم يبق شيء؛ لأن الله قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠].
ثم هاجر ﷺ إلى المدينة فاستقبلوه أعظم استقبال وأحبوه، وجعلوه في بيوتهم، في بيوت بني النجار، وقد قال ﷺ كما في الصحيحين وغيره: (خير دور الأنصار بنو النجار)، وبنو النجار: من الخزرج وهم أخوال عبد الله والد رسول الله ﷺ ، ثم قال: (وبنو عبد الأشهل)، وهؤلاء الذين منهم: سعد بن معاذ، فلما نزل إلى المدينة وأناخ مطاياه ﷺ أول الأمر في قباء بعث إلى أخواله من بني النجار، والإنسان أعظم ما يعتز بعصبته، فجاءوا متقلدين السيوف ﵃ وأرضاهم يحيطون بنبي الأمة صلوات الله وسلامه عليه، هؤلاء بنو النجار، وبنو عبد الأشهل، وبنو عبد ساعدة، وبنو الحارث، وغيرهم من بيوت الأنصار مما يذكر عنهم، وقد قال ﵊ وإن كان هذا متأخراً: (إن الأنصار سيجدون أثرة بعدي)، أي: أن الناس لا يعطونهم قدرهم بعد ذلك، وستوزع أمور لا ينالون منها شيئاً كثيراً، وقد وقع هذا حتى إنهم أوذوا على لسان الأخطل أحد الشعراء الثلاثة في بني أمية، الأخطل وجرير والفرزدق.
وقد سمي الأخطل؛ لصغر أذنيه، وكنيته: أبو مالك غياث بن غوث، وكان رجلاً تغلبياً من حيث القبيلة، نصرانياً من حيث الدين، وما دام أنه كان نصرانياً فلا يرجى منه أن يمدح أحداً من المؤمنين، فقد هجا الأنصار إرضاء لأحد الناس فقال: ذهبت قريش بالسماحة والندى واللؤم تحت عمائم الأنصار فذروا المكارم لستمُ من أهلها وخذوا مساحيكم بني النجار ولك أن تقارن بين قول النبي ﷺ : (خير دور الأنصار بنو النجار)، وقول هذا الكافر: وخذوا مساحيكم بني النجار، وقوله: واللؤم تحت عمائم الأنصار.
لكن هذه سنة الله جل وعلا في خلقه، يبتلي الكامل بالناقص، والأمثل بالبعيد، والمؤمن بالكافر.
وموضع الشاهد: أن ما ذكر في بني النجار تاريخياً أيام النبي ﷺ ، وما حصل لهم بعد النبي صلوات الله وسلامه عليه، هؤلاء الأخيار ﵃ لهم مواقف عبر التاريخ سنتكلم عن بعض تلك المواقف على وجه الإجمال: فهذا موقف عام: وهو استقبالهم للنبي ﷺ في المدينة، وفرحهم أعظم الفرح بدخوله إليها، قال أنس ﵁ يصور هذا اليوم: دخل علينا رسول الله ﷺ المدينة فكان يوماً أنار منها الله به كل شيء.
ووصف يوم وفاته فقال: أظلم فيها كل شيء ﵊.
وهناك موقف جماعي من مواقفهم المشهورة: وذلك أن النبي ﷺ استشارهم قبل أن يخرج إلى بدر؛ لأن العقد الذي بينهم وبينه أن يحموه ما دام في المدينة، وبدر خارج المدينة فتكلم سعد بن معاذ وتكلم غيره وأظهروا ولاءً عظيماً لله ورسوله نصرةً جليلةً للدين، وكان مما قالوا: والله لا نقول لك كما قال أصحاب موسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، ووالله لو خضت بنا برك الغماد لخضناه معك، كنايةً عن أي أمرٍ خطير، ففعلوا ما فعلوا ﵃ وأرضاهم.
стр. 101
من أسود الأنصار
وفي يوم أحد أخرج النبي ﷺ سيفه فقال: (من يأخذ هذا السيف بحقه، فقام الزبير بن العوام، فامتنع النبي ﷺ أن يعطيه الزبير، ثم قام: أبو دجانة سماك بن خرشة فقال: يا رسول الله وما حقه؟! قال: حقه أن تأخذه فتضرب به القوم حتى ينثني أو كلمة نحوها)، فأخذه ﵁ وأرضاه وأخرج من جيبه عصابة حمراء وربط بها رأسه، فقالت الأنصار: لبس أبو دجانة عصابة الموت، قال الزبير ﵁ وأرضاه: فوقع في نفسي قلت: أنا ابن عمته، أي: ابن عمة النبي ﷺ ومن قريش وأول من طلبه فلا يعطيني إياها، ثم يعطيه هذا، فلننظر ماذا يصنع؟ فأصبح الزبير يحاول قدر الإمكان وهو يقاتل أن يرى إلى صنيع أبي دجانة ﵁ وأرضاه، قال: فأخرج عصابة حمراء فربط بها رأسه فسمعت الأنصار تقول: أخرج أبو دجانة عصابة الموت وأخذ ينشد: أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل أضرب بسيف الله والرسول.
ثم قال: فوالله ما قابل أحداً إلا قتله، قال: وفي القوم -أي: في الكفار- رجلٌ كلما قابل مؤمناً انتصر عليه، فسألت الله أن يلتقيا -أي: أبو دجانة وهذا الكافر- قال الزبير -في رواية ابن هشام - قال: فلما التقيا ضرب ذلك الرجل أبا دجانة فاتقاه بدرقة كانت في يده، ثم ضربه أبو دجانة فقتله، ثم مضى في الناس فسمع امرأة تحمس الناس -أي: تحث أهل الكفر من قريش على الحرب، وهو لا يدري أنها امرأة- فرفع السيف عليها، فلما رفع السيف عليها أحدثت صوتاً فعرف أنها امرأة، قال الزبير: فرأيته رفع السيف عنها فقلت: الله ورسوله أعلم يعني: الله أعلم ورسوله أعلم لمن يعطيان السيف، ثم بعد ذلك أجاب أبو دجانة عن سبب امتناعه عن ضربها فقال: أكرمت سيف رسول الله ﷺ من أن أضرب به امرأة، وهذا من أقدار الله التي لا يعلمها أحد، فقد كانت تلك المرأة: هند بنت عتبة أم معاوية زوجة أبي سفيان، والتي كتب الله لها أن تموت على الإيمان، فحماها الله بقدره جل وعلا.
موقف آخر: في غزوة المريسيع أو بني المصطلق وقعت حادثة الإفك، فلما كثر الحديث في المدينة عن عائشة ﵂ وأرضاها صعد النبي ﷺ المنبر وقال: (من يعذرني من رجل آذاني في أهلي)، يقصد: عبد الله بن سلول، فقام أسيد بن حضير من الأوس ﵁ وأرضاه وقال: يانبي الله! قل لنا من هو؛ فإن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من الخزرج أخذناه وقتلناه، فقام سعد بن عبادة ﵁ وقال: كذبت، والله لا تقتله ولا تستطيع قتله، وكل ذلك أمام نبي الأمة، الآن نحي الحديث هذا جانباً حتى تعرف أن العلم يحتاج إلى رجل موسوعي، لا رجل في قلبه هوى، بل رجل يطبق الأحكام كما يريد كتاب الله، كل الناس تقول: الإصلاح في كتاب الله وسنة رسوله، لكن الأمة لا تحتاج إلى كتاب الله وسنة رسوله فقط فهما موجودان، بل تحتاج إلى رجل يطأطئ رقبته أمام كتاب الله وسنة رسوله، ويفهمها فهماً صحيحاً، فمن لا يفهمها لا يستطيع أن يقود الأمة، ومن فهمهما ولم يذعن لهما فلن يستطيع أن يقود الأمة، لكن يقود الناس من فهم الكتاب والسنة وطأطأ رأسه لا هواه أمام كتاب الله وسنة رسوله.
لقد كان ابن باز رجلاً محبوباً في الناس، ولن أتكلم عن حي حتى لا يفتن، الآن لو جاء ابن باز وقال: إن فلان الصحفي يؤذيني، فجاء رجل وقال: أنا أنتقم لك -يا شيخ- من هذا الصحفي فرضاً، فجاء رجل آخر من قرابة هذا الصحفي وقال: والله ما تؤذيه، لقال الناس: أنت علماني أو ليبرالي، فهذا رجل يؤذي ابن باز وأنت تدافع عنه! هذا وهو ابن باز يخطئ ويصيب، ومع ذلك قال سعد بن عبادة لـ أسيد بن الحضير والرسول حاضر: كذبت، والله لا تستطيع أن تقتله، فسكّت النبي ﷺ الناس، ونزل من المنبر، ولم يقل كلمة سوء في سعد بن عبادة؛ لأن الدافع عند سعد هو نصرته لعشيرته، وولائه الزائد لقبيلته، وحبه للخزرج؛ لأنه كان سيد الخزرج، ومعاذ الله أن يكون سعد بن عبادة يريد إيذاء الله ورسوله، وإلا لكفر وخرج من الملة، ومن هنا تفهم أن كثيراً من الناس قد يفعل الخطأ، لكنه لا يفعل الخطأ بناءً على النية التي تراها أنت، فمثلاً: يأتي شخص ما ويشرب الدخان عند الحرم، وقد يكون هذا الذي يشرب الدخان يعرف أنه حرام ومنكسر في قلبه ونادم لكنه لا يستطيع أن يتغلب على هذه المعصية في نفسه، فلا تأتي إليه أنت وتقول: أنت تحاد الله ورسوله عند مسجد رسول الله، يقول ﷺ : (مابين عير إلى ثور المدينة حرم، من أحدث فيه حدثاً أو آوى فيه محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)، فتنزيل هذا الحكم على هذا الشخص خرق واضح للمعتاد، بل يلزمك أن تطبق الإيجاب عليه كما طبقت المنع، فلو قال لك هذا الرجل: أنا لا أفوت صلاة الفجر ولا العصر في حياتي كلها، والنبي ﷺ يقول: (من صلى البردين دخل الجنة)، فطبق عليّ المنع كما طبقت عليّ الإيجاب، وأنت لا تستطيع أن تشهد له بالجنة، فتطبيق الأحداث على الأعيان جزافاً أمر لا يقدم عليه إلا جاهل، ويجب أن تعلم أن طالب العلم هو من يتكلم في الأوصاف لا في الأعيان، فالذي يتكلم في الأعيان هم: القضاة، فهو يحكم على شخص بعينه لأنه قاضٍ، أما الذي يتكلم علمياً فهو يتكلم على الوصف لا على العين، وقد تجد إنساناً يكفر شخصاً لم يره في حياته ولم يجلس معه، فالمقصود من هذا: أن الإنسان يفهم علمياً مراد القائل، والسبب الدافع للعمل قبل أن يطلق أحكامه.
стр. 102
لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار
وهناك موقف حصل في غزوة حنين: عندما نصر الله جل وعلا نبيه وأعطاه الغنائم فقسمها ﷺ على أقوام حديثي عهد بالإسلام؛ يتألف بها قلوبهم ﷺ ، فلما علم الأنصار بهذا وكانوا أعظم الجيش أصابهم شيء في أنفسهم، وقد رباهم النبي ﷺ على الوضوح، فأخذوا يقولون: كيف يعطيهم ويتركنا ونحن الذين نصرناه، ونحن أكثر الجيش إلى غير ذلك؟! وكان ﷺ واضحاً مع أصحابه كالشمس، فجاءه سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه فقال له: (يا سعد! ما مقالة بلغتني عنكم؟)، فأخبره الخبر فقال ﵊ لـ سعد: (وأنت يا سعد؟!)، يعني: ما هو رأيك الشخصي؟ قال: يا رسول الله! وهل أنا إلا رجل من قومي، فقال: (اجمع لي الأنصار في هذه الحظيرة)، والحظيرة: مكان مسور، فجمعهم سعد ﵁، وأقبل عليهم نبي الأمة ﷺ وهم مجتمعون أوسهم وخزرجهم، فقال ﷺ : (ما مقالة بلغتني عنكم؟ ألم آتيكم ضُلالاً فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله؟)، وأخذ يبين فضل نبوته عليهم، وهم يرددون ويقولون: لله ورسوله المن والفضل، وكلما قال قولاً، قالوا: لله ورسوله المن والفضل، ثم قال: (أجيبوني يا معشر الأنصار!)، قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله! لله ورسوله المن والفضل؟ قال: (أما إنكم لو شئتم لقلتم ولصدقتم: أتيتنا طريداً فآويناك، وعائلاً فأغنيناك، ومخذولاً فنصرناك، ومحروماً فأعطيناك)، وكلمات نحوها فسكتوا، فقال ﷺ : (يا معشر الأنصار! أوجدتم عليّ في أنفسكم لعاعة -يعني: سراباً- من الدنيا أوكلت بها أقواماً رجاء أن يسلموا، وأوكلتكم إلى إسلامكم، والله لو سلك الناس وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، الناس دثار والأنصار شعار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار!)، فبكوا ﵃ وأرضاهم حتى بللوا لحاهم؛ لأن نبي الأمة يقول لهم: (أما ترضون يا معشر الأنصار! أن يعود الناس بالشاء والبعير وتعودون برسول الله ﷺ إلى رحالكم؟)، فقالوا بلسان رجل واحد: رضينا برسول الله ﷺ قسماً وحظاً.
وهذا من أعظم ما أعطاه الله لهذه الفئة المباركة، وقد علم النبي أنه سيؤثر عليهم بعده، بل قال لهم ﵊: (أما إنكم ستجدون أثرةً بعدي فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)، يعني: الحوض المورود، وهذا من تعلقهم بالإيمان الذي في قلوبهم، والآن لو قلت لواحد من أهل الدنيا: اصبر والموعد الحوض لتذمر ولما رضي بذلك، لكن النبي ﷺ قال هذا لعلمه بعظيم إيمانهم ﵃ وأرضاهم، هذه منازل بلغنا الله وإياكم إياها.
стр. 103
نبي الرحمة يوصي أصحابه بالأنصار رضوان الله عليهم
نقول: هذا الموقف الإيماني العظيم لهم ﵃ وأرضاهم بقي في قلبه ﵊ حتى مرض مرض الموت، فلما مرض مرض الموت خرج العباس عم الرسول ﷺ وأبو بكر فمروا على مجلس للأنصار وهم يبكون، فقال العباس وأبو بكر لهم: ماذا يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلسنا من رسول الله ﷺ فبكينا، أي: أنه في مرض الموت ونخاف ألا يتكرر هذا المجلس، فلما دخل الصديق والعباس رضي الله تعالى عنهما على رسول الله أخبراه الخبر هذا في أول المرض، وكان ﵊ أعظم الأوفياء مع هذه الفئة المباركة فصعد المنبر وعليه عصابة وكانت آخر مرة ارتقى فيها النبي ﷺ المنبر فأثنى على الأنصار وأوصى بهم وقال: (اقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم)، ودعا لهم صلوات الله وسلامه عليه، وقال: (إنهم سيقلون كما يقل الملح في الطعام)، وأثنى عليهم خيراً صلوات الله وسلامه عليه، وأخبر أن الموعد الحوض، ونزل عن المنبر وكانت آخر مرة ارتقى فيها المنبر صلوات الله وسلامه عليه كالموصي لهم ﵃ وأرضاهم، والمثبت لقلوبهم لما سيكون بعده صلوات الله وسلامه عليه.
هذا مجمل لبعض الأحداث التاريخية والإيمانية التي مر بها أولئك الرهط الأخيار ﵃ وأرضاهم، وهذا الحديث الذي مر كله حديث إجمالي لا حديث أفراد، وحديث الأفراد: أن هؤلاء القوم نصروا الله ورسوله بلسانهم وسنانهم -يعني سيوفهم- فممن نصر رسول الله بلسانه: حسان بن ثابت: وهو خزرجي من بني النجار، وقد عاش مئة وعشرين عاماً، ستون سنة في الجاهلية، وستون في الإسلام، حتى عمي بصره ﵁ وأرضاه، وهو القائل: عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء يبارين الأسنة مصغيات على أكتافها الأسل الظماء فإما تعرضوا عنا اعتمرنا فكان الفتح وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لجلاد يوم يعز الله فيه من يشاء وجبريل أمين الله فينا وروح القدس ليس له كفاء.
وقد كان النبي ﷺ يقول له: (اهجهم وروح القدس معك)، ولما أراد أن يهجو حسان أبا سفيان بن الحارث، وهو ابن عم رسول الله ﷺ ، وقلنا: إنه أحد الخمسة الذين يشبهون النبي ﷺ في هيئتهم، فلما أراد أن يهجوه قال له النبي ﷺ : (كيف تهجوه وأنا منه؟)، قال: لأستلك منهم أي: من بني عبد مناف كما تستل الشعرة من العجين، قال: (اذهب إلى أبي بكر فإنه أعلم بأنساب قريش)، فأخذ أبو بكر يعلم حسان أنساب قريش حتى لا يقع حسان في نسب يدل على النبي ﷺ ، ولذلك كان يهجو بني عبد الدار، ويتجنب بني عبد مناف جملة: أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء إلى أن قال: وعبد الدار سادتها الإماء ومنهم كذلك: سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه، وهذا سعد اهتز عرش الرحمن عند موته؛ فرحاً بصعود روحه ﵁ وأرضاه، ورغم كل المجد الذي تسمعه عن سعد فإنه مات وعمره ستة وثلاثون سنةً بنى فيها كل هذا المجد، وكان رجلاً سيداً في الأوس، كما كان سعد بن عبادة سيداً في الخزرج، ولما تمت بيعة العقبة سمعت قريش منادياً ينادي: فإن يسلم السعدان يصبح محمد بمكة لا يخشى خلاف المخالفِ يقصد بالسعدين: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وأهديت له ﷺ قطيفة من حرير، فأخذ الصحابة يتعجبون منها فقال ﵊ -وهذا بعد موت سعد - قال ﵊: (لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أفضل من هذا)، فهو أحد الصحابة الكبار المشهود لهم بالفضل، وقد شهد النبي ﷺ دفنه وسابق إليه خوفاً من أن تسابقه الملائكة أو تسبقه إلى دفن سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه.
ومن سادتهم كذلك: أبي بن كعب، وهو أحد الأربعة الذين أمر النبي ﷺ بأن يأخذ القرآن منهم، وبقية الأربعة هم: عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب هو الرابع، وهو الذي قال له النبي ﷺ : (إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة: لم يكن الذين كفروا)، فالله ﷻ يأمر نبيه ﵇ أن يقرأ سورة البينة على هذا الصحابي الجليل سيد القراء: أبي بن كعب ﵁ وأرضاه.
ومنهم ﵃ وأرضاهم: معاذ بن جبل، وقد مات بعد الثلاثين بقليل، وأظنه في الأربع والثلاثين، وهو أعلم الصحابة بالحلال والحرام، قال ﵊: (أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل)، وكان رجلاً سخياً أهلكه الدين حتى اشتكاه دائنوه إلى النبي ﷺ فحجر عليه؛ لأن الحدود الشرعية ليس لها علاقة بفضل الرجل وبكرمه، ثم رق له وبعثه إلى اليمن معلماً، وفي نفس الوقت جابياً للزكاة حتى يكون له منها نصيب، قال تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة:٦٠]، وهذا من رحمة رسول الله ﷺ به، وقد مات النبي ﷺ وهو في اليمن فقدم المدينة ودخل المسجد وبكى تذكراً لنبينا صلوات الله وسلامه عليه، وقد مات ﵁ في طاعون عمواس في الشام.
ومنهم: سعد بن عبادة سيد الخزرج، الذي مرت معنا قصته قبل قليل، فقد سكن الشام في أواخر حياته ومات فيها ﵁ وأرضاه.
ومنهم: أبو دجانة، وقد مرت معنا مواقفه الشهيرة.
أما بيوتهم: فقد ذكرنا بني النجار وتحدثنا عنهم، أما بنو عبد الأشهل: فهم القوم الذين منهم سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه، وقد صلى النبي ﷺ صلاة المغرب ذات يوم في بني عبد الأشهل، فلما سلم انصرف من صلاته، فقاموا يتنفلون ويصلون ركعتي المغرب، وكل منهم يأخذ سارية أو مكاناً في المسجد يصلي فيه، فنظر ﷺ إليهم وقال: (هذه صلاة البيوت)، أي: ركعتا المغرب الأفضل أن تؤدى في البيت، قال: (هذه صلاة البيوت يا بني عبد الأشهل!)، لكن لا يعني ذلك: أنه لا يجوز أداؤها في المسجد، لكن إذا أستطاع المرء أن يؤديها في البيت فهو أفضل وأكثر اتباعاً وإذعاناً للسنة، هذا مجمل ما يمكن أن يقال عن الأنصار، ولعل في الإجابة عن أسئلتكم ما يوضح كثيراً مما تركناه.
عموماً نقول: إن المقصود من مثل هذه الدروس أمور عدة، لكن أعظمها: الحرص على اتباعهم ﵃ وأرضاهم كما قال الله في مدح تابعيهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]، والمعنى الإجمالي للتابعين بإحسان أي: اتبعوهم بإخلاص، واتبعوهم بأن صاروا على نهج بين وطريق واضح في اتباع سنة الله جل وعلا، واتباع سنة رسوله في إتباع كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
стр. 104
أصناف الشباب في هذا العصر
والناس في زماننا -وفئة الشباب على وجه الخصوص- تكتنفهم طرق: فمن الشباب من ابتلاه جل وعلا بالمخدرات والمسكرات، وهذا ناجم عن أمرين: عن ضعف الإيمان، وضعف الشخصية، فضعف الإيمان لأنه ارتكب معصية، وضعف الشخصية لأنه لا يستطيع أن يواجه الواقع الذي يعيشه، والمخدرات بأنواعها تجنح به إلى عالم الخيال، ثم لا يزال في ذلك الأمر حتى يهلك عياذاً بالله، نسأل الله لنا ولهم الهداية.
وفئة أخرى: قد لا تصل إلى مرحلة المخدرات، لكنها فتنت بحضارة الغرب، فتراهم في بعض الطرقات المعينة كشارع السلطانة في المدينة، وشارع التحليه بجدة، وشارع الملك خالد في الخبر، وغيرها يلبسون الألبسة التي لا تليق بشخص مقتنع برجولته فضلاً على اقتناعه بإيمانه، والنبي ﷺ يقول: (لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال)، وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦].
وجعل لكل الناس شرعةً ومنهاجاً وطريقاً بيناً، وهؤلاء فيهم ضعف إيمان، وفيهم مركب نقص، ومركب النقص: أن الإنسان كلما شعر بالنقص في نفسه حاول أن يغطيه بشيء آخر، فهو يحب أن يلتفت الناس إليه، والتفات الناس يبحث عنه الإنسان بأي طريقة، فهذا شيء جبل الخلق عليه، لكن أولئك الفئة تحتاج إلى نوع من الرعاية من المربين والآباء لكونهم ظلموا أنفسهم ظلماً كثيراً بتلك الأجساد العارية، والسلاسل التي تلبس وأمثالها، عافانا الله وإياكم من ذلك.
الفئة الثالثة: فئة قد لا تكون من هؤلاء، لكن ليست لديهم همة، صحيح أن الله حماهم من المخدرات ومن التزين والتميع، لكنهم يسمون في عرف الناس: أشخاصاً عاديين، فهو لا يريد أن يرتقي بنفسه، والعاقل ينبغي أن يكون يومه خيراً من أمسه، وغده خيراً من يومه: رأيتك أمس خير بني لؤي وأنت اليوم خير منك أمسِ وأنت غداً تزيد الخير خيراً كذاك تزيد سادتنا وتمسي فالإنسان يرتقي بنفسه إلى المعالي يوماً بعد يوم، لكن هؤلاء الفئة راضية بوضعها، ولا يحسن بالمرء أن يرضى بوضعه في طريق المعالي.
وفئة -جعلنا الله وإياكم منهم- وأظن أن أكثركم منهم: هؤلاء يصدق فيهم كثيراً قول النبي ﷺ : (وشاب نشأ في طاعة الله)، وهؤلاء هم الذين بهم تفخر الأمة، وهم تعتمد عليهم الأمة بعد الله جل وعلا.
لأن عرف التاريخ أوساً وخزرجاً فلله أوس قادمون وخزرج وأنا أقول لهم وصية واحدة مهمة: يقول الرسول ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)، قالها بعد أن قال: (واسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد)، هذا حديث العرباض بن سارية، ذكر فيه ﷺ : تقوى الله، والسمع والطاعة، والبعد عن البدع، والبعد عن البدع أكثر الشباب محفوظون منه ولله الحمد.
بقيت قضية الخروج على ولاة الأمر، وهذه مهلكة من المهالك؛ لأن اتباع ولي الأمر أصلاً جعله الله ديناً وملة وقربة، وقد قلت قبل قليل بحماس زائد قليلاً: عرف دينه من طأطأ رأسه لكتاب الله وسنة رسوله، فلا تجعل هوى قلبك هو الذي يقول، وقد ترى أخطاء لا تستطيع أن تطيقها، لكن يمنعك ويلجمك حكم السمع والطاعة لمن أمرك الله بالسمع والطاعة لهم، ولا يعني هذا ترك النصح أوترك الدعوة أو بيان الحق معاذ الله! لكن الله جل وعلا أمر رسوله بجماعة المسلمين، وحذر من الافتتان واصطدام الرأي، وسفك الدماء بين الأمة الواحدة، قال ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض).
فهؤلاء الشباب الذين منّ الله عليهم بدور العلم، وحلقات التحفيظ، والصلوات في الليل، وبرّ الوالدين، هؤلاء هم أفضل هذه الأمة في عصرنا هذا؛ لأن النبي ﷺ قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)، وذكر منهم: (إمام عادل)، ثم ثنى بقوله: (وشاب نشأ في طاعة الله)، ولا يوجد شيء أعظم من أن تنشأ في طاعة الله، وعلى قول بعض الأخيار -ممن أدركناهم في المدينة- يقول: إذا أذن المؤذن الأول رأيت أولياء الله يخرجون من جحورهم، ورأيت إخواننا الموريتانيين الشباب يتجهون إلى الحرم -ولا نزكي على الله أحداً- لكن هؤلاء الفئة هم أقرب الناس إلى ربهم، الذين ينتظرون وقت فتح أبواب الحرم ليدخلوه، بينما غيرهم نائم أو على لهو، أو على مجون أو سهر، أياً كان نوع حياتهم مباحاً أو حراماً، لكن لا يقاس هذا بهذا: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].
ختام ما نريد أن نقوله: إن الإنسان ينبغي عليه أن يعلم أن الدنيا عموماً أيام معدودات، وأنفاس محدودة، وما مضى من يومك إنما هو بعضك، ولقاء الله حق لا بد منه، قال ﵊: (وما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)، لكن على الإنسان في الختام أن يتقي الله في نفسه وفيمن حوله، ويحاول أن يسلم المسلمون من لسانه.
стр. 105
حلية طالب العلم
طلب العلم من أشرف المقامات ومن أجل القربات، فبالعلم يقوم الدين في قلوب المؤمنين، ويهدى الناس إلى صراط الله المستقيم.
ولا بد لطالب العلم أن يتحلى بآداب وأخلاق وفضائل يزين بها علمه؛ حتى يكون مقبولاً عند الله وعند الناس.
стр. 106
الحقوق الواجبة على طالب العلم
هذا مما يجب أن يتحلى به طالب العلم مما دونه الأكابر، وذكره الفضلاء، وسطره العلماء من قبل، وليس لنا فيه إلا استحضار ذكره للناس.
مضى الحديث وسبق القول في قضية بناء الإنسان نفسه إيمانياً ومعرفياً وسلوكياً، فإذا قدر للإنسان أن يبني نفسه إيمانياً ومعرفياً وسلوكياً، فإنه ينطلق بعد ذلك إلى ما يسمى بالجانب العملي في حياته.
وهذا الجانب العملي في حياة طالب العلم له شواهد وقرائن تدل عليه، أو له معايير يحكم له بها، فلا مشاحاة في الاصطلاح.
والذي نريد أن نذكره بعون الله تعالى أن يعرف طالب العلم لكل ذي حق حقه، وهذا من دلائل يقينه بربه، وسيره على هدي نبيه، واحتكامه إلى العقل، ومعرفة ما يجب عليه، وما يملى عليه من الواجبات.
وقولنا: أن يعرف لكل ذي حق حقه من أهم ذلك حق الوالدين.
ثم حق ولاة الأمر، وأن يكون المرء العالم والسالك لطلب العلم لبنة خير في مجتمعه، يألف ويؤلف، يحب أن يجتمع الناس على كلمة سواء، يحبب الناس في ولاة أمرهم، ويحبب ولاة الأمر إلى الناس، ويسعى بين الجميع بالمنطق الحسن، وتآلف القلوب، واجتماع الكلمة، ووحدة الصف، ويلتمس الأعذار، ويقبل المعاذير، ويقيل العثرة، ويتغافل عن بعض الأمور، بهذا وأمثاله تعرف الحقوق، ويقوم الإنسان بما عليه؛ لأن أهل العلم هم المنوط بهم أن يتولوا ركاب الأمة قيادة وسعياً إلى الخير، وحتى يكون الإنسان مؤهلاً لذلك عملياً يجب أن يكون قد وطن نفسه على أن يعرف لأهل الفضل فضلهم فقراء المسلمين، ومساكينهم، وأهل الضعفة والعوز منهم، يجب على طالب العلم أن يعرف وصية الله جل وعلا بهم، ووصية رسوله ﷺ في حقهم، فيقربهم ويدنيهم، ويرأف بهم قدر ما يستطيع، وأن يعلم أنهم سبيل إلى رحمة الله، وطريق إلى مرضاته، بل إنهم جميعاً في أداء حقهم طريق إلى أن يحسن الرب ﵎ إلينا، ويرحمنا، وذلك من أعظم أسباب التوفيق، ويقاس على ذلك معرفة فضل أولي الفضل، وإنزال الناس منازلهم، وهذا كله مبني على تلك الأسس التي يجب أن يعنى بها وهي ثلاثة: البناء الإيماني والمعرفي والسلوكي.
стр. 107
أمور يجب على طالب العلم أن ينأى بنفسه عنها
ثم ننتقل بعد ذلك إلى ما يمكن أن يكون سمتاً، وهو مندرج في الجانب العملي، ثمة أمور يجب على طالب العلم أن ينأى بنفسه عنها، وأن يجتنبها، لأنها تفقده مروءته، أو تفقده مصداقيته، أو تدفعه لئن يقول ما لا يعلم.
وهذه الثلاث المحاذير مما يجب أن ينأى المرء عنه.
قد يكون الشيء مباحاً، لكنه لا يليق بمن سلك منهج العلماء، وطريق القادة، وسبيل الربانيين من الكبار، وكنموذج من واقع الناس، كالأناشيد مثلاً، أو ما يعرف بالأناشيد الإسلامية، وإن كان في وصفها بالإسلامية محل نظر، لكنها تكون مباحة عند أكثر العلماء إن لم تكن مصحوبة بآلة عزف، فهذه قد يقبل أن يستمعها شاب أو طالب في مركز، أو رجل في سفر، قد لا يكون هناك حرج كبير في ذلك، لكن لا يليق بطالب علم أن يعزف على تلك الأناشيد، ينتقل من كتف إلى آخر، يتغنى بها أو يرددها، فهذا يقدح غالباً في مروئته، وينأى به عن سمت العلماء وهديهم، ذلك أن للعلماء سمتاً وهدياً خاصة في المحافل والأماكن، والإنسان يتأثر بما يسمع ومما يقول.
مما ينبغي أن ينأى طالب العلم بنفسه عنه: أن يتحدث في كل شيء، وأن يرى أنه أهل لئن يتكلم في كل قضية، وإنما العاقل وطالب العلم في المقام الأول، وطالبة العلم في المقام الأول كذلك، فلا يتحدث إلا في الشيء الذي ملأ يده منه، وأحكمه وأجاده.
والإنسان إذا كان أكمله الله بالإيمان والمعرفة والسلوك الحسن لا يتحدث بكل قضية، ولا يخطب في كل نادٍ، ولا يهيم في كل واد، وإنما إذا تحدث رأى الناس على حديثه سمت الصدق، ونجم عن حديثه النفع، وكان تحريره للقول تحرير رجل عالم بما يقول، ولهذا لا يمكن أن يتحدث الإنسان في كل قضية، ويخوض في كل مسألة رغبة في أن يتصدر بمجلس، أو أن يشار إليه بالبنان.
كما ينبغي أن ينأى طالب العلم بنفسه عن مزاحمة الناس في أمر دنياهم، قال الشافعي ﵀: فإن تجتنبها تجتنبها بعزة وإن تجتذبها نازعتك كلابها أي: الدنيا.
وقال الحسن البصري ﵀: اترك للناس دنياهم يتركوا لك دينك.
وليس المقصود أن الإنسان يحيى فقيراً على السؤال والمسكنة، لكن الإنسان إذا كان في دائرة ما حكومية، أو غيرها فلا يأخذ غير حقه، أو يشارك في مسألة الأسهم كما في عصرنا، أو يدخل بما يسمى بالجمعيات، أو يأتي إذا كان معلماً في الجدول الدراسي يطالب بأكثر من حقه، أو ما أشبه ذلك مما يشعر الناس فيه أنه حرص على الراحة، أو بحث عن مطالب دنيوية محضة، أو منافسة للناس، وصراع معهم في أمور دنيوية، سواء كانوا زملاء في وظيفة، أو جيران في الحي، أو ما إلى ذلك، هذا كله يقدح في شخصيته، ويقلل في قبول الناس منه، وهو يحمل هماً عظيماً وعلماً جماً، ولا بد أن يتخذ كل الطرائق التي تعينه على تبليغ دعوة الله جل وعلا إلى الناس.
فلا يجب أن يجعل هناك حاجزاً وحاجباً بينه وبين الناس في أنه يخوض في دنياهم، وينافسهم فيها، هذا ينأى به عن طريق الله المستقيم على الوجه الأكمل، وأنا لا أتحدث عن الحلال والحرام، إنما أتحدث عن معالي الأمور كيف تنال.
وقد قيل: ما انتصف كريم قط، فكرام الناس لا يأخذون حقهم، إنما يشقون؛ لأنهم يتحملون أثقالاً عديدة لا يتحملها غيرهم، وهذا من أسباب صدارتهم في الناس.
стр. 108
تحمل طالب العلم تقصير من له حق عليهم
ومما يجب على طالب العلم في الجانب العملي أن يتحمل تقصير من له حق عليهم في حقه، والمعنى: إذا كان أهلك وقرابتك، وأهل حيك، وزملاؤك، وجيرانك، لم يعرفوا لك قدراً، وهذا من سنن الله، في الناس، فإذا قبلت ذلك التقصير ولم تشكوه، وأعطيت الذي عليك من الحق، ولم تبادلهم بالقطيعة، ولم تبحث عندهم عن منزلة ذات شرف، ثق أن الله سيعوضك خيراً من ذلك الذي فقدت، فمن صبر على هجران قلوب أصلها أن تحبه فتح الله له قلوباً ليس عليها واجب شرعي أن تحبه.
وهذا بالاستقراء ظاهر للناس، فكم من علماء كتب الله جل وعلا لهم القبول في الأرض، لو تأملت كثيراً من حياتهم لوجدت تقصيراً كثيراً ممن حولهم بهم، لكنهم صبروا على ذلك، ففتح الله جل وعلا لهم قلوباً لا تخطر لهم على بال، ولم يرجفوا عليها بخيلٍ ولا ركاب، ومن أعظم الأمثلة الدالة على هذا نبينا ﷺ فإنه قصر قومه في حقه، قال الله جل وعلا: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام:٦٦] فلما كذب به قومه وصبر صلوات الله وسلامه عليه فتح الله له قلوب أهل المدينة فآواه الله إلى الأنصار إلى الأوس والخزرج، ونجم عن ذلك الخير العظيم، وانتشار الإسلام انتشاراً عم كثيراً من الأقطار في حياته، وبعد حياته صلوات الله وسلامه عليه.
فقد يكون بعض من حولك يقصر في حقك، أو يحسدك على مكانتك، فصبرك عليه مما يورثك الله جل وعلا به الأرض، وأماكن لم تكن تخطر لك على بال.
والله لن تغلب من عصى الله فيك بأعظم من أن تطيع الله فيه، لكن الأمر كما قال الله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥].
стр. 109
لا يشتت طالب العلم نفسه
كذلك من الجانب العملي: أن لا يشتت طالب العلم نفسه، وكثير من الفضلاء ممن اختلطنا بهم أو رأيناهم أو أشرفنا عليهم لا ينقصهم ذكاء، ولا جلد على طلب العلم، ولا نية صادقة، فيما يظهر لنا، صحيحة نواياهم، وعظم صبرهم، واشتد ذكاؤهم، ومع ذلك لم يبلغوا حاجتهم، والله جل وعلا خلق أسباباً ورتب على تلك الأسباب نتائج، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] فإذا تأملت في نفسك، أو فيمن حولك تجد أن بعض الفضلاء يشتت نفسه، ولا يجمعها، يريد أن ينجز كل شيء، ومن يريد أن ينجز كل شيء لم ينجز شيئاً، ومن يريد أن يجلس ليقول كل شيء لم يقل شيء.
إن مما أضاع طلبة العلم أنهم يشتتون أنفسهم، فيأتي طالب العلم يريد أن يشرف على حلقة التحفيظ، ويريد أن يرتب لقاءات مع المشايخ، ويريد أن يقوم بخدمة المشائخ ذهاباً وإياباً، ويريد أن يقيم احتفالات لأهل حيه في المناسبات الدينية، ويريد أن يقود حملة في الحج، ويريد أن يرأس لجنة توزع الإعلانات، ويريد أن يفعل هذا كله، الجمع بين هذا وطلبه للعلم وهذا محال، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤].
وسأضرب مثلاً بسيطاً، وقبل أن أضرب المثل اعتذر بأن المثل بسيط جداً، لكن أنا رجل من الله عليه بالتعلق بالقرآن، فلا أجد غضاضة أن أقول المثل؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦]، وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ [الحج:٧٣] ضرب الله مثلاً بالذباب لئلا يأتي أحد يسأل ما هو الذباب؟ فالذباب يعرفه كل أحد، فالمثل لا بد أن يكون قريباً من الناس.
المثل هو أن الهر الحيوان المعروف الأليف يقول ﷺ عنه: (من الطوافين عليكم والطوافات)، فلو حجزته في مكان ضيق، وأردت أن تؤذيه فأراد أن يتخلص منك، أول شيء يعمله ينكفئ على نفسه، أي: يجمع نفسه ثم بعد ذلك يفر عنك، فقبل أن يفر عنك يجمع نفسه، جمعه لنفسه ترتيب منطقي عقلي هو الصحيح، لم ينجز حتى يجمع نفسه.
فإذا شتت مطالبك وتنوعت أهدافك وغاياتك ضاعت كلها وأنت شخص واحد، الإشراف على التحفيظ قربة من القربات، وسبيل عظيم إلى رحمة رب العالمين، ومنارة من منائر الدين، وشعيرة من شعائر الإسلام، وتعليق الإعلانات دعوة إلى الله، وقيادة الناس في الحج من أعظم السبل إلى رحمته، لكن محال أن يأتي إنسان واحد بهذا كله.
والعلم يحتاج في مراحل العمر الأولى، وفي مراحل الطلب إلى جمع، وإلى تدوين، وإلى مراجعة، فلسنا أنبياء يوحى إلينا، كل أحد غير الأنبياء مطالب أن يجمع العلم ويثني الركب، ويحرر ويراجع، وهذا يحتاج إلى مساحة من الوقت، فإذا ذهب الوقت في أمور كثيرة، والذهن اشتغل بعدة أمور لن ينجز شيئاً، فطالب العلم مطالب أن يحدد هدفه، ولا يعني ذلك أنه يحارب أو يعادي إخوانه الذين على تلك الثغور، هذا خطأ عظيم، وسوء ظن بالمسلمين، وعدم معرفة بالشرع، لكن كل ميسر لما خلق له.
أيها المبارك، أيتها المباركة: أول الأمر حدد الهدف، ثم لا بد من سنين تمضي حتى تصل إلى هدفك، فإذا حددت الهدف والغاية، ثم صبرت ستصل بإذن الله ورحمته إلى غايتك، لكن لا يعني ذلك أن تفر من هذه الأمور إذا وقعت عارضة، فلا يستنكف المسلم أن يسلم في نشر الإسلام في شيء، فمرة تذهب مع زملائك في حلقة التحفيظ إلى رحلة، أو تأتيهم بعد مغرب أو عشاء تعظهم، ومرة تلصق إعلاناً، ومرة تستضيف شيخاً، المقصود أن الدأب العام، الذي تتولاه في أكثر أوقاتك ينبغي أن يكون محدداً واضحاً بيناً لك، حتى لا تتشتت بك السبل، ولا تحتار في سلوك الطريق.
فالأمر الذي يحول بينك وبين هدفك ولو كان صواباً تجنبه، والأمر الذي لا يحول بينك وبين هدفك، ولا يؤخرك من الوصول إلى غايتك فلا بأس أن تأخذ منه بطرف، وبشيء يسير دون أن يكون ملتصقاً بك التصاقاً كلياً، وهذه مسألة يجب التنبه لها، وأنت تطلب العلم.
стр. 110
يحرص طالب العلم على أن ينتفع بكلامه ووعظه
مما يتعلق بالجانب العملي: أن يحرص الإنسان أن يكون في كلامه ووعظه ودرسه ما ينفعه هو قبل أن ينفع الناس، ويكتشف الإنسان أنه سائر على الطريق الحق إذا وجد أنه يزداد كل يوم علماً، أو وجد أن يومه خير من أمسه، وأن غده خير من يومه، ولهذا فإنه يحسن أن تتخذ طريقاً في العلم من طريقة تعليم الناس، تراقب نفسك أن تعلمها فيكون درسك الذي تلقيه درساً علمياً، وإن خالطه وعظ وإنشاء، فأنت أول المستفيدين مما تحرره، ولي تجربة شخصية، فقد بدأت في مسجدي مسجد السلام عام ١٤٠٨هـ تقريباً، وكنت أدرس الناس كل خميس، وأجتهد قدر الإمكان اجتهاداً عظيماً في أن يكون الدرس علمياً يشعر من يسمعه أنه يسمع شيئاً جديداً، واكتفيت بأن يكون مرة في الأسبوع، والشهر أربعة أسابيع، وفي السنة ثمانية وأربعون درساً، فلنقل: ثمانية عشر أسبوعاً حال بيني وبين الدرس أعذار، فيبقى ثلاثون أسبوعاً في العام، لو مضيت على هذا الحال خمس سنين في أربعين درساً ثق أنك إذا أعددت مائتي درس تحضيراً جيداً وأخلصت النية ورزقت الفهم ستصبح شخصية أخرى.
وأحرص قدر الإمكان أن يكون الدرس ذا زاد علمي، يتعلق بالقرآن في المقام الأول، ثم بالسنة دون أن أخوض في الإنشاءات والخطابات العامة التي قد يؤدي بعض الفضلاء الدور فيها، والعاقل لا يكرر ما ألقاه غيره، وهذا من أعظم الوصايا.
يقول أحد أصحاب الهمم العالية: لا يراني الله أرعى روضة سهلة الأكناف من شاء رعاها ولهذا فـ السهيلي رحمة الله تعالى عليه لما شرح السيرة سمى كتابه: (الروض الأُنُف) روض ما كل أحد يرعاه، فالعاقل يعلم أنه لا يوجد وحي، فقد انقطع بموت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، هي نفسك فارعها، فيطلب العلم بجدية، ولا يقبل أن يجذبه كل فرد ممن حوله كل يوم في قضية، وكل ليلة في منحى، ويغير الكتاب في الأسبوع أكثر من سبع مرات، ولكنه يتخذ سبيلاً بيناً، ويكون الحديث إلى الناس، وتعليمهم الشرع، رغبة فيما عند الله من الأجر.
واقطع العلائق بينك وبينهم، إلا أنك تحتويهم بخلقك، هذا الذي يجعل لك بعد رحمة الله الصدارة مع الأيام، إن الأمور على قسمين: أمر يتعلق بك، وأمر يتعلق بالله، فما يتعلق بالله لا تحمل همه، فالله أرحم بك من نفسك، ولكن احمل هم الشيء الذي أوكله الله إليك، وهو جمع العلم، والتقرب إلى الله بالعمل الذي تعمله، أما متى تفتح لك أبواب الناس؟ متى تفتح لك قلوبهم؟ متى تهيأ لك المساجد؟ متى تعطى المنبر الذي تريد؟ متى يستمع الناس إليك؟ هذا يا أخي لا تحمل همه طرفة عين، احمل هم نفس ستقف بين يدي الله، فبادر وخذ بالجد فيه فإن أتاكه انتفعت.
فإن أوتيت فيه طويل باع وقال الناس إنك قد رؤستا فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ علمت فهل عملتا يحرص الإنسان على أن لا يفضح يوم العرض على الله، وليكن ظنه بالله حسناً، فعبد السوء من يظن بالناس أحسن من ظنه بالله، لكن من عرف الله لا يمكن أن يحسن بأحد ظناً كما يحسنه برب العالمين ﷻ .
فنقول: اسع في الأمر الذي يعنيك، فإذا قال لك أحد من المثبطين حولك: لم يحضر أحد، أو لا يدري عنك أحد، أولم ينتفع بك أحد، أولم يسمع لك أحد، فلا تلتفت إليه، لكن من حقك أن تراجع نفسك: هل تقول كلمات تهيج بها أقواماً وتثير بها شباباً، وتلفت إليك بها الأنظار، أو تقول علماً مبني على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
فإن كانت الأولى عياذاً بالله فستقف أو تتأخر ولن تصل إلى مرادك، ولو وصلت لن تؤجر؛ لأن همك قد كان لفت الأنظار إليك، وقد حصل، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود:١٥ - ١٦] نسأل الله العافية.
أما إذا كنت تريد بذلك وجه الله فلا تلتفت إلى المثبطين، لكن راجع نفسك.
ما عاتب الحر الكريم كنفسه والمرء يصلحه الجليس الصالح وراجع موادك العلمية، ولا تكرر على الناس حديثاً حتى يملوه، وابحث في طيات المراجع، وهذا مبني على التأسيس الأول في الزاد المعرفي؛ حتى تقدم للناس شيئاً جديداً ينفعهم في أمر دينهم ودنياهم، وثق بعد ذلك أن الله جل وعلا سيقبلك عنده إذا أخلصت نيتك.
أما مسألة معرفة الناس لك، أو عدم معرفتهم، فهذه لا تحمل همها إن وقعت، فاسأل الله أن يعينك على شكرها، وإن لم تقع فاسأل الله جنته، فهي أعظم غاية، وأجل مطلوب، وهي التي شمر إليها الصالحون، وسعى في طلبها عباد الله وأولياؤه المتقون.
следующие страницы →