← Джавами‘

Джавами‘ · id 37431

دروس للشيخ صالح المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (797 стр.). Показаны 771–797 · переход к 776.

стр. 771

كيف نخاطب المستهزئين بالجناب النبوي المقدم: فضيلة الشيخ ذكرتم هذه المسألة وهذه الإشكالية وحررتموها حقيقة، لكن لا زال هناك عدد من المشكلات العالقة، والقضايا غير الواضحة لدى هؤلاء الغربيين. السؤال هل أنت مع من يقول بأنه لابد أن نفتح مع هؤلاء قنوات للحوار وقنوات للتواصل، ونعقد مناظرات وندوات نظهر لهم من خلالها رحابة هذا الدين وجماله ويسره، وعظمة رسوله ﷺ ؟ الشيخ: هذا حق مقيد، من استهزأ بنبينا ﷺ أو رفع السيف على هذه الأمة فيرد عليه بالطريقة نفسها، أما من بقي محايداً فهذا هو الذي يستقطب بأن يبين له السيرة العطرة والأيام النضرة وسماحة نبينا ﷺ وسماحة الإسلام، ولكن كما قلت والبيت لـ شوقي: والشر إن تلقه بالخير ضقت به ذرعاً وإن تلقه بالشر ينحسم المقصود من هذا أن هؤلاء الذي وقع منهم السخرية والاستهزاء لا كرامة لهم, وإنما ينبغي أن نجلب عليهم بخيلنا ونفيرنا في سبيل نصرة نبينا ﷺ . وليس هذا مجال تبيين المسألة الحق, لكن القوم المحايدين في الغرب الذين خوطبوا بهذا الإعلام المنكر، هؤلاء يجب أن يحرر لهم الخطاب وأن تبين لهم الصورة الحقيقية. ولا أريد أن أقول: ينبغي أن نلمع صورته! فهو ﷺ لا يحتاج إلى مثل هذا أبداً, نحن علينا فقط أن ننقل الصورة الحقيقية له صلوات الله وسلامه عليه، فإذا نقلنا الصورة الحقيقية له صلوات الله وسلامه عليه فإن المتلقي لن يخرج أن يكون أحد اثنين: إما أن يكون منصفاً فلا يأبى الإيمان بهذا. وإن كان غير منصف، فإن من ارتضاه الله أن يكون أهلاً لجهنم لا ينبغي أن نتأسف أو نتحسر عليه. ويجب على من يقدم الإسلام أن يقدمه بصورته الشرعية، قال الله جل وعلا على لسان أحد أنبيائه: ﴿وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٩٣] وهم قومه وأهله! ونحن لسنا أرحم بالخلق من ربهم، فمن رضي الله أن يكون من أهل جهنم فلن نكون نحن أرحم به من الله، فنحن نقول: نقدم الصورة الحقيقية المثلى للإسلام. لكن ينبغي على من يقدم الصورة الحقيقية للإسلام أو من يتحدث باسم الإسلام أن يعرف أين موقعه من الإسلام, بمعنى ألا يكون في تقدم أو تأخر على بعضنا البعض. فإن الله جل وعلا جعلنا مواهب, مشارب, مراتب, منازل. وهناك أمور من اختصاص ولي الأمر, وأمور من اختصاص عسكر المسلمين, وأمور من اختصاص العلماء, وأمور من اختصاص العامة, وثمة أمور يشترك فيها الناس جميعاً، لكن عندما يكون الاستياء على الأدوار ومحاولة جعل هذه الحادثة كسبب للوصول للأشياء فهذا لا ينبغي، لكن كل إنسان له موقعه العام. ثمة مؤسسات إسلامية ومواقع إسلامية في الإنترنت معروفة محترمة معتبرة, يشرف عليها علماء ربانيون، هذه طريقة خطابها لا تكون كخطاب رجل عامي, والذي يخاطب الناس في منبر الجمعة غداً -كما دعا الشيخ عائض وغيره من الفضلاء إلى هذا- ينبغي أن يعرف أنه يخاطب مسلمين، فلا يحملهم خطيئة غيرهم فلا يجلدهم جلد ذات كأنهم هم الذين شتموا النبي ﷺ . وإنما يجعل من هذه الحادثة سبيلاً إلى إيقاظ محبة النبي ﷺ في القلوب, وبالتالي العمل بسنته صلوات الله وسلامه عليه، فهذا أمر مهم جداً. أما الذين في المؤسسات الإسلامية، أو في المواقع الإسلامية على الإنترنت، أو في المراكز الإسلامية في الغرب، فهؤلاء يطالبون بنمط خطاب غير المطالب به من كان يعيش بين المسلمين, فهؤلاء لهم مطلب سياسي معتبر، فينبغي أن يفقهوا المسألة جيداً وأن يحرروا خطابهم بما يتناسب مع حالهم ووضعهم ونوعية من يخاطبون، إن كان سلطة, أو كان عامة، أو كان مستهزئاً، فتحرير المسألة في كل وقعة مهم جداً. نحن نتفق على وجوب نصرة النبي ﷺ ، ولا أظن مؤمناً يخالف في هذا، لكن كذلك يجب أن نتفق على أن الأدوار تختلف والمهام تتباين ولا أقول: تتفاوت؛ ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك:٣] فهي كلمة خاطئة بنسبتها إلى الله. فأعيد وأقول: هذا تحرير الخطاب في نصرته صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 772

محبة المسلمين لرسولهم ﷺ المقدم: المواقف كما ذكرت تتباين, وأيضاً تتباين وجهات النظر والتعاطي والتفاعل مع هذه القضية وغيرها من القضايا، مثل تدنيس القرآن في أماكن عدة في السجون الغربية أو الصهيونية، فيختلف النظر أو الزاوية التي ينظر من خلالها لهذه الإساءات للإسلام. و السؤال برأيكم الشخصي -يا شيخ صالح - ما هو موقع الإسلام في نفوسنا, وما هو موقع المصطفى ﷺ من ذواتنا ومن صدورنا, حتى وصل بعض من المسلمين إلى درجة أن يستهزأ بالرسول ﷺ ، ويستهزأ بشرائع الدين، ويساء إلى هذا الدين, فلا نجد حقيقة من يقول: إلا رسول الله, أو: إلا كتاب الله، أو غيره؟ الشيخ: عندما نقول: (إلا رسول الله ﷺ كعنوان لهذه الحلقة المباركة إنما هو من باب التعامل مع الواقعة, ولا يوجد تثريب شرعي على العنوان, لكن ليس المقصود به هنا حقيقة الحصر، فلا يفهم أنه يجوز مع غير النبي ﷺ ، فلا يجوز مع النبي ﷺ ، ولا أركان الدين, ولا الله, ولا الدين كله, ولا مزدلفة ولا منى ولا عرفة, ولا أي شيء من شعائر الإسلام، فلا يجوز السخرية والاستهزاء به, هذه مسألة. أما موقع الإسلام في نفوسنا, أو النبي ﷺ في قلوبنا: فنحن نؤمن يقيناً أن أي مسلم مهما بلغت معصيته, ما دام راضياً بالإسلام فلابد أن يكون في قلبه ولو مثقال حبة من خردل من إيمان من محبة النبي ﷺ ، ولا أظن أحداً يجادل في هذا. وقصة شارب الخمر (ما علمته إلا محباً لله ولرسوله) أصل في المسألة. وقد ذكرت سابقاً أنه كان في فرنسا مقهى فرنسي، وكان يرتاده مسلمان من الجزائر ولهما صديق فرنسي يتعاطون معه الخمر ويسكرون, فإذا سكروا أخذ بعضهم يتقول على أعراض بعض، وجرت العادة على هذا سنين كما ذكر النادل -العامل- الذي يقدم لهما المشروب. وذات يوم كان من هذا الفرنسي أن سب نبينا ﷺ ، فوقع السب من الجزائريين موقعاً جعلهما يفيقان من سكرهما فضرباه ضرباً غير الذي اعتادا عليه, فلما حضرت الشرطة وذهب بهما إلى التحقيق وجيء بالنادل كشاهد إثبات, قال متعجباً: إن هذا الرجل يقدح أحياناً في زوجاتهم وأخواتهم وأمهاتهم ولا يتكلمون, فقالا: فليقل في زوجاتنا وأخواتنا ما شاء ولا يتكلم في رسول الله ﷺ ، مما جعل هذا النادل يقرأ كثيراً عن سيرة نبينا ﷺ فكانت الحادثة سبباً في إسلامه. والغاية من هذه القصة ما ذكرته من وجود أصل محبة النبي في قلب كل مسلم. وقد حرر الشيخان, الشيخ محمد العريفي حفظه الله, والشيخ عائض القرني هذا قبلي في هذه الحملة المباركة, لكن تأكيداً لهذه المسألة أنه لا يتصور أصلاً ممن يؤمن بالله واليوم الآخر ويرجو جنة ويخشى ناراً ألا يكون في قلبه شيء من المحبة لنبينا ﷺ ، بل هو ﷺ أحب إلينا من كل شيء بعد ربنا ﵎. المقدم: ما هي متطلبات هذه المحبة, وهل يكفي أن أقول: إني أحب الرسول ﷺ ؟ الشيخ: الناس في هذا بين فريقين: فريق يرى أن المحبة مقصورة على الاتباع ولا يكون في قلبه شيء عاطفي متأجج. وآخرون يرون الاكتفاء بالمحبة ولا يرون الاتباع. وكلاهما أبعد النجعة، وإن كان الثاني أكثر بعداً.

стр. 773

كيفية تحويل حادثة الاستهزاء إلى فرصة لخدمة الدين والنبي ﷺ السؤال كيف يمكن أن نحول هذه الأزمة إلى فرصة؟ كيف يمكن هذا التحويل؟ الشيخ: نبدأ بقضية السبق الوقتي, قال الشيخ سلمان العودة: تحويل الأزمة إلى فرصة, طبعاً هذا كلام رجل مفكر، تحويل الأزمة إلى فرصة: هو الرد الحقيقي على تلك الأزمة, عندما تأتي الضربة لأي خصم مقصود بالضرب تجعله ذا شتات, معنى ذلك أن خصمه تمكن منه, لكن إذا كانت تلك الضربة قد لمت على شعثه وجعلته يبدأ خطوة أقوى, فإن تلك الضربة أصبحت نافعة، قال الله: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١]. وهذا ينطبق كثيراً على هذه الحال, وقد ذكر الشيخ سلمان نموذجين واقعيين: وهي قضية قراءة السيرة وقضية طباعة بعض الكتب عن النبي بكل لغات العالم, وذكر أنموذجاً مقترحاً وهو إيجاد قناة فضائية تعنى بالسيرة النبوية لنبينا ﷺ , كما وجدت الآن قنوات للقرآن؟ قناة الفجر، وقناة المجد للقرآن الكريم, وإذاعة القرآن الكريم. فينبغي أن تزاد قناة خاصة بالنبي ﷺ , وقد لا يكون بعض التجار الآن متواصلاً معنا لانشغالهم بأعمالهم أو بأي شيء آخر, لكن ينبغي أن تتبنى المؤسسات العلمية الدعوية هذه الفكرة التي طرحها الشيخ سلمان وهي قضية إيجاد قناة تعنى بالسنة. بلغني من مصادر صحفية مثلاً في المدينة عندنا مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف, وهو عمل عظيم جليل ظهر نفعه على الناس, والذي أعلمه أنا ولا أجزم به -لكن سمعته من مصادري الخاصة- أنه سيكون هناك مجمع للسنة, يسمى مجمع الملك عبد الله, لسد الثغرة في السنة كما تسد الثغرة في القرآن. وكذلك نفس الفكرة التي طرحها الشيخ سلمان، وهي قضية إيجاد قناة تعنى بالسيرة النبوية, وهذا سيكون نافعاً، وربما تتبناه هذه القناة المباركة -قناة المجد- فتكون إحدى باقات قناة المجد، وقد تتبناه غيرها, المهم أن ينتفع المسلمون من أي مصدر إسلامي. والشيخ سعيد بن مسفر وفقه الله تعالى ورعاه صاحب خبرة دعوية شهيرة، وقد قال: لا بد من الانضباط. وهذا كلام الراسخين المتأنين في قضية التعامل مع الخصم، حتى لا يأتينا إنسان يزايد على محبة النبي ﷺ , وكأنه يحب رسول الله ﷺ أكثر من غيره وأكثر منا, فيزعم أن هذا ليس بحل, وإنما الحل في تفجير أو في انتقام أو في اغتيال, فهذا شيء مرفوض تماماً ولا يخدم المسلمين ولا يؤذن به شرعاً, وما دام ليس مأذوناً به شرعاً فلا يحق لأحد أن يتبناه. وقد قلت في مقدمة الحديث: إن الأدوار يجب أن تكون منضبطة في الرد، وأن لكل أحد طريقاً ومقاماً وسبيلاً وموقعاً يتحرك منه, فليست القضية قضية مزايدة حتى يظهر زيد أو عمرو في الصورة, إنما القضية التي نجتمع عليها هي نصرة نبينا صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 774

آلية التعامل مع المنصفين من غير المسلمين المقدم: هناك عدد من المنصفين في البلدان الغربية وغيرها من غير المسلمين الذين ينظرون للإسلام نظرة حسنة وهم أقرب ما يكونون إلى أهل الإسلام, فما هي آلية التعامل معهم؟ الشيخ: هذه القضية في ظني هي قضية نستصحبها في كثير من قضايا المسلمين, قضايا المسلمين يكتفون أحياناً بالتحييد, وهذه طرحت في أكثر من قضية, مثل القضية الفلسطينية. قضية التحييد أقصد بها: أن اليهود مثلاً هم الذين احتلوا فلسطين وأسموها دولة إسرائيل؛ فهم خصمنا الأول واقعياً، ومع ذلك فبعض القائمين على العمل الإسلامي إنما يعنون بتحييد النصارى، وهذا مطلب طيب, لكن هناك مطلب أعظم وهو أن تجذب النصارى إليك, يعني: لا يكتفى فقط بتحييد النصارى, فاليهود والنصارى أصلاً بينهم نزاع ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣]. فهناك مطلب أكبر تحييد النصارى سياسياً وهو استقطاب النصارى, فلا يكفي أن نحيد النصارى في القضية. ومثلها الآن هؤلاء الذين تعرضوا لنبينا ﷺ ، فهناك قوم محايدون، هؤلاء المحايدون لا نكتفي فقط بتحييدهم، إنما نحاول قدر الإمكان استثمارهم في أن يكونوا نصراء معنا على من هاجم نبينا ﷺ . وهذا لا يفهم أحد أنه يقدح في ولاء أو براء أو في غير ذلك, فهذا شيء مشروع دل عليه فعل النبي ﷺ في أكثر من موطن, أعني: عدم تحييد هؤلاء الناس, بل نحاول قدر الإمكان التأثير عليهم حتى يدخلوا في دين الله، وهذا أعظم المطالب, أو على الأقل أن يصبحوا شوكة في نحور أولئك الذين يحاربون النبي ﷺ . طبعاً أنت عندما يكون المطلب عالياً فإن تحقيق بعضه إنجاز, لكن لو جعلت المطلب هابطاً فلن تحقق شيئاً في طريق مغالبتك لخصومك

стр. 775

سحب السفير السعودي من الدنمارك بعد حادثة الاستهزاء المقدم: ما قامت به عدد من وسائل الإعلام في المملكة العربية السعودية المباركة بإذن الله ﵎ التي لا نقول فيها أكثر من حقها ولا أقل من حقها, ولكن وصلني الآن من الزملاء أن هنالك خبراً يسعد ويثلج الصدر، وهو ما تناقلته وكالة الأنباء السعودية وبعض وكالات الأنباء بأن السفير السعودي في الدنمارك قد سحب هذا اليوم في إشارة سياسية إلى الغضبة الحاصلة حقيقة عند الجهات المسئولة والجهات السياسية, ونحمد الله على هذا, وهو أيضاً ما عهدناه وتعودناه من هذه الدولة المباركة. وبهذا نقول: إن رقابنا حقيقة وأجسادنا وكل حياتنا فداء لهذا الدين ثم فداء لأوطاننا المسلمة، أوطاننا الصادقة مع الله , والصادقة مع شعوبها في أن تعيش معهم، وقد وعدنا مليكنا عندما تولى الحكم وبايعناه أن يسمع منا وأن يكون دستوره القرآن وشرعه شرع محمد ﷺ ، فأحسن الله إليهم, وأسأل الله أن تكون هذه الخطوة بادرة لبقية المسلمين في كل مكان أن يعبروا عن موقفهم الداعم لرسولهم ﷺ الذي لا نعتبره دعماً حقيقة, لأنهم يدعمون أنفسهم ويدعمون مشاعر شعوبهم التي تأثرت عقب هذه الفعلة الشنيعة، فما تعليقكم على قضية سحب السفير؟ الشيخ: إننا دائماً نقول: تحرير المسائل يعين على فهمها, فنحرر قضية سحب السفير فنقول: أهل الإنصاف والعقل والروية والحكمة عندما يضعون ثقتهم في عاقل رشيد مسلم لا يزايدون على إسلامه، فعندما يتأخر التصرف أو لا يأتي ذلك التصرف, أو يأتي مخالفاً لما توقعوه, فإنهم على ثقة أن هذا الذي وضعوا فيه ثقتهم وأمانتهم يحمل الهم الذي يحملونه، لكنه رأى رأياً غير الرأي الذي رأوه. هذا الأمر مهم جداً في فهم الأمور, فنحن ثقتنا في ولي أمرنا قبل سحب السفير إذا ثبتت, وبعد سحب السفير واحدة, لأن القرار يختلف من شخص إلى شخص, والمسائل العامة يكفينا فيها أن نضع الثقة في الموطن الصحيح, فإن وضعنا الثقة في الموطن الصحيح فلا نتصرف عنه, إذا تصرفنا نحن نيابة عنه إذاً فلا حاجة لوضعه. لكن نترك لكل صاحب مقام الطريقة التي يتعامل بها مع الحدث, فتأخير سحب السفير إلى هذا اليوم يمكن تأويله بأنه قضية انقطاع آخر الطرق الدبلوماسية، لأنه ثمة مساع هددت بسحب السفير لم يتوقع المسئولون الدنماركيون سحب السفير, وقد تأتي خطوة أخرى, إلى أشياء عديدة. لكن الذي يهمني في قضيتي أنني كأي فرد مسلم أحمل الحب للنبي ﷺ ، وينبغي أن أعلم أن علماء المسلمين ودعاة المسلمين وولاة المسلمين الناصحين المعروفين يحملون نفس الهم, فإن كنت أرى رأياً يجب تنفيذه اليوم, فقد يرى غيري أن المصلحة عدم تنفيذه اليوم. فتكون هناك نظرة إنصاف لبعضنا البعض, فمع ذلك بعض الفضلاء يأتي ويقول: الشيخ فلان ما تكلم, والمؤسسة الإسلامية إلى الآن لم تحدد موقفها، ومجلس كذا لم ينعقد, وسماحة المفتي أو ولي الأمر ما أصدر بياناً, وغير هذا! وهو لا مزايدة على إسلام هؤلاء, ولا ينبغي أن نتكلم كلاماً نشعر فيه الناس بأننا وحدنا الغيورون على الدين, وغيرنا غير غيور، أو أنا وحدنا نحمل هم الذب عن الدين وغيرنا لا يهتم. فنحن نعلم أننا لسنا إلا جزءاً من الأمة وأن المسلمين في جميع أنحاء الأرض محبون لنبيهم ﷺ ، ولا يوجد مسلم اليوم في جميع أصقاع الدنيا راض عن سب نبيه ﷺ . ولكن القدرات والأماكن والمواطن تختلف، فمن الناس من ينطقه مكانه, ومن الناس من يكون كلامه له عواقب غير كلام غيره. وبعد صلح الحديبية كان أبو بصير يفعل ويصنع لأنه كان غير مرتبط بعقد مع أهل الإشراك, أما النبي ﷺ فكان يأتيه الرجل مسلماً فيرده لأن نصوص الحديبية تحكمه بوصفه زعيماً للأمة. فكل إنسان عنده مساحات للحديث مساحات للدفاع وقيود تختلف من شخص إلى آخر, فالقيود التي عندك ليست عندي, والمساحات التي تملكها لا أملكها أنا, لكن المهم أنه لا ينبغي لأحد أن يعتقد في نفسه أنه الأوحد في الغيرة على رسول الله ﷺ , وأن الناس مقصرون، فلا نخاطبهم بهذه المنطقية, لكننا نحسن الظن, ونتمنى أن ينصر الله جل وعلا دينه, ونحن على ثقة كما قال الشيخ صالح بن حميد، يقول الله لنبيه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر:٩٥] وقال: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:٣]. وأنا هنا أذكر مقالاً في جريدة الوطن للدكتور علي سعد الموسى , له زواية اسمها ضمير المتصل, ذكر في عنوانها: اطردوا سفراء الزبدة, على أساس أن الدنمارك دولة معروفة بالزبدة. وأقول: المقال كان قوياً جداً ينم عن محبة عظيمة للنبي ﷺ ، ويطرح المقال رؤية جيدة في التعامل مع الحدث, لكنها تبقى مقالة رجل أكاديمي, أي: رجل يؤدي ما عليه من موقعه الإعلامي, لكن لا نستطيع أن نعمم كل مطلب على كل أحد, فهذا مهم جداً في فهم القضية.

стр. 776

كيفية التعامل مع الكتاب المسلمين الذين يخطئون في الكلام عن الدين المقدم: لقد مثلتم بهذا الكاتب نسأل الله أن يوفقنا وإياه لكل خير، وفي كلامكم دلالة على أن نظن الخير بكل المسلمين والدكتور الموسى كان في عدد سابق قد كتب مقالاً وجد عليه لوماً شديداً من كثير من المسلمين, لكنه بهذا المقال الذي ذكرتموه قد جاءت كثير من الردود تشيد به وتدل على ما ذكرتموه, وأن هناك خطاً أحمر، فقد نخطئ وقد نختلف فيما بيننا, ولكن عندما يحصل ذلك فلا بد من إحسان الظن بإخواننا، فما تعليقكم؟ الشيخ: أمور الدنيا الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنوم. لكن في أمور الدين نحن شركاء في العقيدة؛ لأنه إن لم نكن شركاء في أمور العقيدة صار واحد مؤمناً وواحد كافراً. فعندما نختلف مع أي مسلم في رؤية فقهية منهجية ودعوية أو ما أشبه ذلك ليس لنا حق في أن نخرجه من الملة, وليس لنا حق في أن نرميه بتهمة كائناً من كان, وليس لنا حق أن نصنفه, هذا جزء من الخطأ الذي كنت أحذر منه في المقولة التي قبل, وأول طرائق الهلاك أن يعتقد الإنسان أنه وحده المصيب, وأنه وحده الذي تنحصر الطائفة الناجية فيه! لكن نقول: نحن من آمن بالله رباً وبمحمد ﵊ رسولاً وبالإسلام ديناً فهو أخونا, فإذا صدرت منه أخطاء فإننا ننصحه ونرشده وندله على الخير ونحذره من مغبة ما يقول, ونخشى عليه أن يكون مزلقاً لأحد, نخشى عليه أن يتلبس بأفكار غير سليمة، ونخشى عليه أن يكون سهماً لأعدائنا. نقول: نخشى عليه ونخاف عليه، ولكن لا نقول إنه عميل وضعه الأعداء لنا؛ لأن دون إثبات ذلك أموراً خطيرة، والأصل في المسلم براءة الذمة. المقدم: ولعل هذا فيه أيضاً رسالة إلى كتاب صحفنا سواء هنا في السعودية أو في غيرها, فكم حصل من الدعاء لمثل هذا الذي ذب عن المصطفى ﷺ ، وكم للأسف الشديد دعي على غيرهم؟ الشيخ: هنا كغير ممن يقع منه أحياناً الهمز واللمز في السنة تحت أي طريق كان, فمثلاً الدنماركيون أصلاً كفار، لكن أحياناً قد يقع الكفر من شخص إما بسذاجة أو بعمد، وهو لا يدري أن هذه تسيء، فيلمز أو يسخر من سنته ﷺ . فهو لا يتعرض لشخصه ﷺ ؛ لكن قد يتعرض لما اشتهر وتواطأ من سنته, فيلمزها أو يسبها عبر أي عمل كان، كعمل تمثيلي أو مقال صحفي، أو كلمات في مجلس أو غير ذلك، فهذا كله محرمات وعظائم لا ينبغي الوصول إليها بأي طريق كان, وقد نبه شيخنا الشيخ سعيد بن مسفر قبل قليل على أمر الله جل وعلا للصحابة بالتأدب في مجمل الخطاب مع نبيهم ﷺ .

стр. 777

توظيف شبكة المعلومات في خدمة الإسلام المقدم: الإنترنت أو شبكة المعلومات, ذكرها الدكتور سلمان وقال: لا بد من استثمارها والإفادة منها، فبدلاً من أن نواجه الهجوم بدفاع، نهاجم نحن عن طريق التبيين والإيضاح و السؤال كيف يمكن لهذه المواقع, وكيف يمكن أيضاً لمراكز الأبحاث والدراسات أن تقوم بدور هجومي سلمي في التعريف بالمصطفى ﷺ ؟ الشيخ: هذا لا يخلو من طرائق ووسائل عدة بحسب الشخص المخاطب، وقد بين الشيخ صالح ذلك من قبل، ومعلوم جداً أنه إذا حددنا من هو المخاطب, حددنا نوعية الحديث. لكن أقول: إن المراكز والشبكات الإسلامية الإلكترونية ينبغي أن يكون لها دور كبير، وأكثرها قائمة بهذا الجهد, لكن أنا أضع أصولاً عامة ولا أستطيع أن أحدد ماذا يكتبون وماذا يقولون, ولكن أقول: هو يختار الهدف, فإذا اختار الهدف المخاطب تحدد بعد ذلك نوعية الحديث، ما يكتب للسفارات الدنماركية في العالم، أو ما يكتب لوزارة الخارجية الدنماركية باعتبارها مسئولة عن نظرة الناس إلى الدنمارك خارجياً, ما يكتب للصحيفة نفسها، ما يكتب لعامة الشعب الدنماركي, ما ينبغي أن تحمله الجاليات الإسلامية الموجودة في الدنمارك. فأنا أقول مثلاً: الآن الجاليات الإسلامية في الدنمارك لو تمسكت بشيء من سننه ﷺ التي تثبت عكس ما يزعم هذا المستهزئ، فإن ثباتهم عليها سيغير طريق التعاطي مع العمليات, لأن طرائق تفنيد قول خصمك فيك أن تثبت للمحايدين خلاف الذي يقول, وليس ذلك بالرد عليه ولكن بتطبيق ذلك. أذكر أن أحد الناس ممن ليس على المذهب العام لأهل السنة, كان يعمل معنا في حقل التعليم قبل عشرين عاماً، فمرض فامتنع الجميع عن زيارته، فأنا ذهبت إليه وسط معارضة ممن كان معي، وأذكر أنه ذهب معي شيخ آخر. فلما ذهبت فوجئ أهل بيته بزيارتي, لأنه كان آخر شيء يتوقعونه, فسلمت على الصغار عند الباب وسألتهم عن أبيهم، فدخلت عليه في بيته وسلمت عليه وقابلت إخوته وتمنيت له الشفاء ودعوت له, ثم خرجت، ثم كررت المصافحة لأبنائه وبناته الصغار، ثم رجعت. أنا كنت أرمي إلى شيء الاقتداء بالمصطفى، هذا شيء, لكن الشيء الآخر: من يقول عنا معشر أهل السنة شيئاً لن تستطيع أن تنزعه من الأتباع إلا بطريقة مثل هذه, فإذا قيل لهؤلاء الصغار الذين تحت قلم التكليف شيئاً عن أهل السنة وأنهم عدوانيون وغير ذلك, فإن المقولة ستصطدم بذلك الأثر من الزيارة, بمعنى أن الطفل سيتذكر زيارة فلان ورفقه به وسلامه وغدوه وسؤاله عن أبيه، فلا تجد لها موقعاً في القلب. أعني أن الكلمات العدوانية المؤسسة للعداء لن تجد لها موقعاً؛ لأن هناك ما يصدها, أو على الأقل ما يشكك فيها. فالشعب الدنماركي الآن في أحوج ما يكون أن يبين لهم الصورة الحقيقية للنبي ﷺ حتى يبقى ذلك التصور الذي رسمه الكاتب الصحفي هباء منثوراً يصطدم مع شيء يشاهده الناس واقعاً وأنه خلاف الذي يزعم, كما كانت قريش تقول: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت:٢٦] ويحدثون عن النبي ﷺ أحاديث غير موجودة فيه, فعندما يواجهه الحجاج والعمار قبل الهجرة ويتخاطبون معه يذهب كل ما قالته قريش هباء منثوراً، لأنه يصطدم بالصورة الحقيقة له صلوات الله وسلامه عليه, فيكون سبباً في إسلامهم أو على الأقل في عدم قبول قول قريش فيه صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 778

اتباع النبي ﷺ والعمل بسنته المقدم: هل لكم كلمة توجهونها في ختام لقائنا هذا؟ الشيخ: من المعلوم أن الله جل وعلا قال في كتابه العزيز: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨]. من أحسن ما قيل في تفسير هذه الآية: أن هؤلاء القوم يسألون الله جل وعلا في صباحهم التوفيق, ويسألونه جل وعلا في مسائهم الاستغفار عما كان منهم. ونسأل الله جل وعلا أن يجعل خروجنا من مدينة رسول الله ﷺ وقدومنا إلى هذا المكان مما يراد به وجهه ﵎ والذب عن نبيه صلوات الله وسلامه عليه. وكل من شارك أو شاهد أو لم يقدر له أن يشاهد لكنه علم بما يقع لنبي الأمة ﷺ أو وقع في حقه, فأصابه ما أصابه من الغيظ والكمد، نصرة لنبيه ﷺ ، فإن ذلك من أعظم دلائل التوفيق التي يعطيها الله جل وعلا عباده. فإن محبته ﷺ دين وملة وقربة يتقرب بها إلى الله ﵎؛ لأن العبد أينما غدا أو راح مكلف، ومما كلفه الله جل وعلا به محبة ونصرة هذا النبي صلوات الله وسلامه عليه, وهو ما حررناه في أول الأمر. وأستثمر ما قاله الإخوة الفضلاء المشايخ في قضية أن يكون شأننا دائماً العمل بسنته وهديه صلوات الله وسلامه عليه. كان ثابت البناني إذا لقي أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ يقبل يده, ويقول: يد مست يد رسول الله ﷺ . ويقول جابر بن سمرة ﵁ وأرضاه: خرجت في ليلة أضحيان -أي: ليلة القمر فيها مكتمل- فرأيت النبي ﷺ عليه حلة حمراء, فجعلت أنظر إلى القمر وأنظر إلى رسول الله ﷺ , فهو عندي أبهى من القمر ووقف الصديق ﵁ وأرضاه بعد عام من وفاة رسول الله ﷺ يحدث ثم غلبته العبرة, فقطع حديثه ثلاث مرات، لا يستطيع أن يقول: إن النبي ﷺ قال كذا وكذا. وهذه نماذج من محبة أولئك الأخيار لنبيهم ﷺ . خاتمة الوصايا أن نقول: إن الله قال وهو أصدق القائلين: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠]. فلا نحن من السابقين الأولين من المهاجرين, ولا نحن من السابقين الأولين من الأنصار, فما بقي أيها الأخ والأخت الكريمة إلا طريق واحد قاله الله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]. فإن أعظم ما يمكن أن نستثمر فيه ما بقي من أعمارنا أن نكون متبعين لسنة محمد صلوات الله وسلامه عليه. نعمل بشرعه، ونحبه ﷺ أعظم الحب في قلوبنا، ونقتفي أثره, ونتبع سنته وفق منهج تطبيقي حقيقي، نريد به وجه الله والدار الآخرة. فنفعل الفعل لأن النبي ﷺ فعله, ونترك ما نترك لأن النبي ﷺ تركه. دخل ﵊ ذات مرة من المسجد فرأى ازدحاماً من النساء, فقال: (لو تركنا هذا الباب للنساء) فسمعه عبد الله بن عمر وهو يومئذ قد ناهز العشرين من عمره, فعمر عبد الله بن عمر ﵄ بعد ذلك ستين عاماً في مدينة رسول الله ﷺ ولم يدخل من ذلك الباب قط، إجلالاً لقول النبي ﷺ : لو تركنا هذا الباب للنساء. والمطلوب استثمار هذه الواقعة في أن نزداد حباً قلبياً لنبينا ﷺ , ونعمل بسنته الطاهرة صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 779

وقفات إيمانية إن المتأمل في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية حري به أن يقف قلبه على كل آية وعند كل حديث؛ وذلك لما تحتويه من الفرائد والفوائد، والعبر والروحانيات التي ترفع من معدل إيمان العبد في القلب.

стр. 780

وقفة مع قوله تعالى: (ألم غلبت الروم وهم عن الآخرة هم غافلون) الحمد لله الذي تقدست عن الأشباه ذاته، ودلت على وجوده آياته ومخلوقاته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا رب غيره ولا إله سواه، وسع الخلائق خيره، ولم يسع الناس غيره. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله نبي الأميين ورسول رب العالمين، بعثه الله بين يدي الساعة هادياً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فأدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، فجزاه الله بأفضل ما جزى به نبياً عن أمته. اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه، وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه محاضرة عنوانها: وقفات إيمانية، من خلالها بإذن الله جل وعلا سنقف مع بعض آي القرآن نستظل بظلالها الرحب، ونفيئ إلى موردها العذب، ونرجو الله جل وعلا أن يذكرنا بها ما يصلح آخرتنا ودنيانا ويعيننا على أن نحقق المبتغى من سعادة الحياتين وحياة السعادتين. قال الله جل وعلا في فاتحة سورة الروم: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:١ - ٧]. فهذه الآيات هي الوقفة الأولى في لقاء هذه الليلة، وهذه السورة مكية بإجماع العلماء، واختلفوا في آية واحدة منها إن كانت مكية أو مدنية، أما سائر السورة فالإجماع منعقد على أنها مكية، وفواتح السورة تنصب على ما يلي:

стр. 781

سبب نزول الآيات قبل الهجرة بينما كان المؤمنون مختلطين بالمجتمع المكي كان يحصل بين الفريقين نوع من المناوشات الكلامية، فكل فريق يريد أن يثبت أحقيته بالصواب، ولا ريب أن الحق مع أهل الإيمان لكننا نتكلم عن توصيف ظاهري للمجتمع المكي آنذاك، وقد كان يحيط بجزيرة العرب فارس والروم، وكانتا يومئذ دولتين متنازعتين فتغلب فارس حيناً وتغلب الروم حيناً آخر، والروم نصارى أهل كتاب، أما الفرس فهم وثنيون لا كتاب لهم، فكانت عاطفة المشركين القرشيين مع الفرس وعاطفة المؤمنين مع الروم؛ لأنهم نصارى، وهذا يسمى مصاحبة ولا يسمى موالاة، والمصاحبة تجوز مع الكافر وغير الكافر والموالاة لا تجوز إلا للمؤمن، ودليل جواز المصاحبة مع الكافر قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، فأمر الله بمصاحبتهما بالمعروف رغم أنهما كافران، أي: الوالدان. فذات مرة في إحدى الصراعات بين فارس والروم غلبت فارس الروم فشق ذلك على المسلمين؛ لأن المشركين من جزيرة العرب -قريش وأتباعها- أخذوا يقولون للمؤمنين: إن الوثنيين الذين لا كتاب لهم غلبوا وهذا مبشر؛ لأننا سنغلبكم ودليل على أن الأمم التي لها كتاب لا خير فيها، فلما ذهب أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه إلى النبي ﷺ وأصحابه وأخبره الخبر نزل القرآن: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ [الروم:١ - ٣]، والروم قلنا: إنهم قوم نصارى وهم الأوروبيون الحاليون والروم نسباً هم من ذرية العيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵇ فنبي الله إبراهيم أنجب إسماعيل وإسحاق، من إسماعيل العرب المستعربة والذين منهم نبينا ﷺ ، ومن إسحاق جاء ولدان يعقوب والعيص، من يعقوب جاء بنو إسرائيل ومن العيص جاء الروم الذين هم كما قلت الأوربيون حالياً. المقصود من هذا أنه لما أخبر أبو بكر النبي ﷺ بالحدث نزلت الآية: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:١ - ٤]. فرب العزة وهو عالم الغيب والشهادة والذي بيده مقاليد الأمور أخبر نبيه والمؤمنين عن طريق جبريل أن الروم ستغلب. (في أدنى الأرض) ومعنى ذلك على أقوال عدة لكن نأخذ الظاهر أن معناها: الأقرب إلى جزيرة العرب، فـ (أدنى) بمعنى: أقرب، والعلم عند الله. لما جاء القرآن بخبر النصر وثق المؤمنون أن الروم ستغلب فذهب أبو بكر إلى منتدى من منتديات قريش يخبرهم بالخبر فقامره وراهنه أبي بن سلام الجمحي على أن الفرس ستغلب وأن الروم لن تغلب أبداً، وأبو بكر يتمسك بالقرآن وبوعد الله، وأن الله قال: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:٣]، فتراهنا على عشر قلائص يعني: إبل محملة، ثم اتفقوا على أمد، فأخذ أبو بكر ﵁ الآية: ((فِي بِضْعِ سِنِينَ)) والبضع من ثلاث إلى تسع، فقال الصديق ﵁: إن الروم ستغلب بعد ست سنين، فلما أخبر النبي ﷺ بهذا قال له: (هلا جعلتها أكثر فإنني ألم أخبرك أنها تسع)، الله قال: ((فِي بِضْعِ سِنِينَ))، والبضع إلى التسع، فعاد أبو بكر إلى أبي بن سلام الجمحي وزاد في الخطر ومد في الأجل، معنى زاد في الخطر أي: جعل بدل العشر من الإبل مائة، ومد في الأجل بمعنى أنه مد المدة من ست سنين إلى تسع سنين، فوافق أبي بن سلام الجمحي، وفي معركة بدر في المدينة في أظهر قولي العلماء انتصرت الروم على فارس كما أخبر الله جل وعلا، قال الله جل وعلا: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٣ - ٤] ومعنى الآية: لله الأمر من قبل أن تغلب الروم ومن بعد أن غلبت من قبل ومن بعد ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ [الروم:٤] يعني: يوم يقع النصر ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم:٤ - ٥] فلا يقع في ملكه ﷻ وعظم شأنه إلا ما يريد. ثم قال الله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٦].

стр. 782

أقسام وعد الله نقول علمياً: وعد الله جل وعلا ينقسم إلى ثلاثة أقسام: وعد الله للمتقين أنهم يدخلون الجنة، وهذا لا يخلف أبداً وعليه يحمل قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:٩]. الثاني: وعد الله ويسمى وعيد، وهو وعيد الله جل وعلا للكفار بأن يدخلون النار وهذا واقع لا محالة وعليه يحمل قول الله جل وعلا: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩]. الحالة الثالثة: وعد الله ووعيده لعصاة المؤمنين قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]. وقال الله ﵎: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [الأحزاب:٥٧]، إلى غير ذلك من آيات الوعيد الواردة في عصاة المؤمنين، وهذا القسم يقع تحت المشيئة، إن شاء الله أمضاها، وإن شاء الله لم يمضها وعليها يحمل قول الله جل وعلا: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، قال الله هنا: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٦ - ٧]، وهذا شيء تراه عياناً. فالغرب اليوم لا يكاد يسبق في التقدم العلمي لكنه باطل في مذهبه، باطل في دينه، باطل في معتقده؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]. قال الحسن البصري ﵀ وهو يتكلم عن أهل زمانه: إن من الناس من يكون عالماً بالحياة الدنيا حتى إنه لو نقر الدينار أو الدرهم بظفره لأخبرك بوزنه دون أن يزنه، فإذا قام إلى الصلاة فإنه لا يحسن أن يصلي عياذاً بالله. فكم تستضيف القنوات والفضائيات وغيرها من الصحف والمجلات أقواماً يتكلمون بعدة لغات ومع ذلك لا يحسن أحدهم أن يصلي ركعتين لله الواحد القهار قال الله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]، هذه الآيات الأولى في هذه الوقفات وهي من باب الاستفتاح بما هو خير.

стр. 783

وقفة مع قوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) الوقفة الثانية: مع قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، هذه الآية في مدح النبي ﷺ ، ونبينا صلوات الله وسلامه عليه حظنا من النبيين كما نحن حظه من الأمم وهو آخر الأنبياء عصراً وأرفعهم يوم القيامة شأناً وذكراً، زكى الله في القرآن لسانه فقال جل ذكره: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣]، وزكى الله قلبه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، وزكى الله عينيه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]، وزكاه جملة فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، ولنبينا ﷺ جملة هيئة خُلُقية وهيئة خَلْقية: أما الهيئة الخُلُقية: فلا مناص ولا مفر من أنه ﷺ كان أكمل الناس، فكل شيء ذي بال فله فيه ﷺ قصب السبق والقدح المعلى والحظ الأوفر، فهو ﵊ سيد العظماء، إمام الكرماء، سيد الشجعان كل فضيلة له فيها ﷺ أعظم نصيب وأحظه وهو الإمام فيها. فإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء وإذا ملكت النفس قمت ببرها ولو أن ما ملكت يداك الشاء وإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاء وإذا قضيت فلا ارتياب كأنما جاء الخصوم من السماء قضاء وإذا بنيت فخير زوج عشرة وإذا ابتنيت فدونك الآباء وإذا حميت الماء لم يورد ولو أن القياصر والملوك ظماء أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى فالكل في دين الإله سواء فلو أن إنساناً تخير ملة ما اختار إلا دينك الفقراء يا أيها المسرى به شرفاً إلى ما لا تنال الشمس والجوزاء يتساءلون وأنت أطهر هيكلٍ بالروح أم بالهيكل الإسراء بهما سموت مطهرين كلاهما روح وريحانية وبهاء تغشى الغيوب من العوالم كلما طويت سماء قلدتك سماء أنت الذي نظم البرية دينه ماذا يقول وينظم الشعراء والمصلحون أصابع جمعت يدا هي أنت بل أنت اليد البيضاء صلى عليك الله ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء واستقبل الرضوان في غرفاتهم بجنان عدن آلك السمحاء

стр. 784

صفات الرسول الكريم الخَلْقية إجمالاً أما الصفات الخَلْقية: فإن نبيكم ﷺ لم تكتحل أعيننا وأعينكم برؤيته لكنه ﵊ كما قالت الرُّبيِّع بنت معوض ﵂ لما سألها محمد بن عمار بن ياسر قال: يا أماه! صفي لي رسول الله ﷺ ، قالت: يا بني! لو رأيته لرأيت الشمس طالعة. وقيل للبراء بن عازب ﵁ وأرضاه: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف، قال: لا، بل مثل القمر. وقال جابر بن سمرة ﵁ كما عند مسلم في الصحيح قال: خرجت في ليلة أضحيان -أي: ليلة القمر مكتمل- فرأيت النبي ﷺ عليه حلة حمراء فجعلت أنظر إلى القمر وأنظر إلى رسول الله ﷺ فلهو عندي أجمل من القمر. نبينا ﵊ كان سبط الشعر، أي: أن شعره ليس مسترسلاً، ناعماً في لغة العامة اليوم، ولا ملتوياً. في جبهته ﵊ عرق يدره الغضب إذا غضب في ذات الله يمتلئ هذا العرق دماً فيظهر ناتئاً عن الجسد، أزج في غير قرن، أزج: بمعنى دقيق شعر الحواجب، في غير قرن أي: لم يكونا ملتصقتين، طويل أشفار العينين، أشم الأنف، كبير الفم، مهذب الأسنان، كث اللحية، الشيب في شعره ندرة بمعنى: متفرق في رأسه قليل في صدغيه الأيمن والأيسر وأكثر شيبه في عنفقته أسفل شفته السفلى، وجميع شيبه لا يكاد يتجاوز العشرين شعرة، أبيض مشرباً بحمرة، وبياض اليدين وأسفل الساقين كأنه يميل إلى السمرة؛ لأنهما متعرضتان للهواء وداخل الإزار أبيض ناصع البياضن قال أنس: كأني أرى بياض فخذي النبي ﷺ يوم خيبر كأن عنقه إبريق فضة. بعيد ما بين المنكبين، ما بين كتفيه من الخلف إلى جهة الشمال شعيرات سود اجتمعن بعضهن إلى بعض ناتئة عن الجسد قليلاً كأنها بيضة حمامة عرفت بخاتم النبوة من هذه الوهدة الثغرة التي في النحر إلى أسفل سرته خيط ممتد شعر على هيئة خيط ممتد يعبر عنه عند الرواة بأنه دقيق المسربة، ليس في صدره ولا بطنه شعر غيره صلوات الله وسلامه عليه، سواء البطن والصدر، ضخم الكراديس أي: عظام المفاصل، إذا مشى فإنه يتكفأ تكفأ كأنما ينحدر من مكان عال بمعنى: أنه يتكئ على أمشاط قدميه أكثر مما يتكأ على كعبيه، إذا أشار أشار بيده كلها، وإذا ناداه أحد التفت ببدنه الشريف كله ولا يلتفت برقبته فقط، وإذا تعجب من شيء قلَّب كفيه وقال: سبحان الله، وعن البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح أنه كان إذا تعجب من شيء عظ على شفتيه صلوات الله وسلامه عليه. من رآه من بعيد هابه، ومن رآه من قريب أحبه.

стр. 785

ذكر مسيرة الرسول ﷺ الدعوية إجمالاً عُمِّر ٦٣ عاماً، ولد وأبوه متوفى في أظهر أقوال العلماء لأمه آمنة بنت وهب من بني زهرة الذين منهم سعد بن أبي وقاص فكان إذا رأى نبينا ﵇ سعداً يقول: هذا خالي فليرني امرؤ خاله، عاش في كنف أمه ست سنين أربع منها كان مع مرضعته حليمة في بادية بني سعد ثم أرجع إلى أمه، وكانت شفيقة رفيقة به، (فلما مر على قبرها بالأبواء ﵊ وقف على قبرها وبكى فسأله الصحابة: ما يبكيك؟ قال: هذا قبر أمي آمنة، وقد سألت الله أن أستغفر لها فلم يأذن لي وسألته أن أزور قبرها فأذن لي، فلما زرت قبرها تذكرت رقتها علي فبكى صلوات الله وسلامه عليه وبكى الصحابة معه) تبعاً لبكاء نبيهم ﵃ وأرضاهم، حتى إذا دنا من الأربعين كان لا يرى الرؤيا إلا وتقع مثل فلق الصبح، ثم نبئ بإقرأ على رأس الأربعين، ثم أرسل بالمدثر بعد ذلك قال الله له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:١ - ٤]. فأخذ يدعو الناس إلى دين الله بعد أن نبأه الله وبعثه وأرسله، ومكث في مكة ١٣ عاماً وضع على رقبته وهو ساجد -وهو خير الخلق عند الله- سلا الجزور ولم يقدر أحد ممن آمن به آنذاك أن ينصره، وكان عبد الله بن مسعود ﵁ آنذاك مؤمن يرى الأمر ولا يقدر على النصرة؛ حتى جاءت ابنته فاطمة ﵂ وأرضاها وحملت سلا الجزور عن أبيها، وأبوها سيد الخلق عند الله لكنها سنة الابتلاء الماضية، فلما رفع رأسه ﵇ نظر فيهم -أي في القرشيين- فدعا عليهم قال عبد الله بن مسعود: والله! لقد رأيت من دعا عليهم رسول الله صرعى يوم بدر في قريب بدر، استجاب الله دعوة نبيه. فلما اشتد عليه أذى القرشيين خرج إلى الطائف فصده أهلها حتى قال قائلهم: ألم يجد الله أحداً يبعثه غيرك، فرجع ﷺ إلى مكة، وفي طريقه من الطائف إلى مكة أخذ يدعو الله، فلما قست قلوب الإنس على أن تقبل كلامه ألان الله لنبيه قلوب الجن فلما سمعت القرآن وهو أطيب كلام من فم رسول الله ﷺ ، وفمه أطيب فم مخلوق رقوا وحنوا ودخل الإيمان في قلوبهم قال الله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩] أي: لما قام رسول الله يقرأ القرآن كادت الجن يركب بعضها بعضاً من عظمة ما يسمعون، قال الله في الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣١]، اللهم اجعلنا ممن يجيب دعوته. فسمعوا منه القرآن ثم دخل مكة ثم عرج الله به -بعد أن أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى- إلى سدرة المنتهى، إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام ثم عاد ﷺ ومكث بعدها في مكة على الأظهر ثلاث سنين، ثم أذن الله له بالهجرة إلى المدينة فهاجر ﵊، وخرج من مكة يوم الإثنين وكان قد نبأ يوم الإثنين كما قال ابن عباس ومكث في الطريق أسبوعين دخل المدينة يوم الإثنين من بطن وادي ريم في جهة الجنوب ثم أتى على قباء فاستقبله أهلها فمكث في قباء الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وتوجه صبيح الجمعة قبل الزوال إلى المدينة بعد أن بعث إلى أخواله من بني النجار فأدركته صلاة الجمعة في بطن الوادي فصلى ﷺ على مراحل غير بعيدة من قباء وهو على ناقته، بعد ذلك راكباً أتى المدينة وهو يقول: (خلوا سبيلها فإنها مأمورة)، فبركت الناقة في موضع المنبر اليوم فلم ينزل ثم قامت وجالت جولة ثم بركت في موضعها الأول، فبادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحل رسول الله وأدخله داره فقال ﵊: (المرء مع رحله)، فمكث في المدينة عشر سنين جاهد في الله حق جهاده في بدر وأحد والخندق وغيرها وكان ﵇ يضحي كل عام بكبشين أملحين يقول: (في الأول باسم الله الله أكبر اللهم هذا عن محمد وآل محمد ثم يتذكر أمته ومن يأتي بعده فيقول: واللهم هذا عمن لم يضح من أمة محمد)، فانظر رحمة نبيك بك فقد خشي عليك الفقر ألا تضحي فقد ضحى عنك رسول الله ﷺ . مكث في المدينة على هذا الأمر حتى أتم ثمان سنوات، ثم فتح الله له مكة فطاف بالبيت الذي حرم منه ثمانية أعوام، وبيده محجل يشير إلى الأصنام وهي تتساقط وهو يتلو: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، ثم دخل البيت بعد أن طهر مما فيه من الصور والأزلام فكبر في نواحيه وصلى فيه ركعتين، ثم خرج، ثم بعد ذلك عاد إلى المدينة بعد حنين والطائف، ثم في العام العاشر أذن في الناس أن رسول الله ﷺ عازم على الحج فأم المدينة خلق كثير، ثم إنه ﷺ حج حجة الوداع فأنزل الله جل وعلا عليه قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣]، فعلم أنه ميت فأخذ يودع الناس ويقول: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)، حتى رجع إلى المدينة ﵊ في شهر ربيع الأول من ذلك العام في أول يوم دخل على عائشة وهي عاصبة رأسها تقول: وارأساه! قال: (بل أنا وارأساه!)، فبدأ المرض يشتد عليه فخرج إلى أحد استغفر لهم ودعهم -أي الشهداء هناك- خرج إلى البقيع يقول: (ليهنكم ما أنتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها)، ثم رجع وهو يقول لـ أبي مويهبة: (إن الله خيرني ما بين الخلد في الدنيا ثم الجنة، وما بين لقاء الله ثم الجنة، والنبيون أعظم الخلق شوقاً إلى لقاء الله فقاطعه أبو مويهبة قال: يا نبي الله! بأبي أنت وأمي اختر الخلد في الدنيا ثم الجنة، قال: لا، يا أبا مويهبة! إنني اخترت لقاء الله ثم الجنة) شوقاً إلى ربه، فلما داهمه المرض وحانت ساعة الوفاة يوم الإثنين سمعته عائشة وهو يقول بعد أن خيره الملك يقول: (مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، ثم قال: بل الرفيق الأعلى)، كررها ثلاثاً ثم مالت يده ففاضت روحه إلى أعلى عليين في المحل الأسمى والملكوت الأعلى صلوات الله وسلامه عليه، ثم غسله أهل بيته غسله العباس وقثم والفضل ابنا العباس يقلبان الجسد الشريف، وشقران وأسامة يسكبان الماء، وعلي ﵁ يباشر بيده غسل رسول الله ﷺ ، ثم كُفِّن بثلاثة أثواب من قرية من اليمن، ثم إنه ﷺ حفر له في الجهة الجنوبية الغربية من حجرة عائشة ﵂ وأرضاها ودفن ثم نزل في قبره قثم والفضل وأسامة وشقران وعلي ووضعوه في لحده ﵊ وبنوا عليه تسع لبنات بعد أن صلى عليه المؤمنون أرسالاً أي فرادى كل شخص يصلي لوحده ثم دفن وحثي التراب على قبره صلوات الله وسلامه عليه. هذا على وجه الإجمال خبر نبيكم ﷺ . الله قسم بين الخلق رزقهم وأنت خيرت في الأرزاق والقسم إن قلت في الأمر لا أو قلت فيه نعم فخيرة الله في لا منك أو نعم يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة حديثك الشهد عند الذائق الفهم أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم لما رأوك به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم صلى وراءك منهم كل ذي خطر ومن يفز بحبيب الله يأتمم ركوبة لك من عز ومن شرف لا في الجياد ولا في الأينق الرسم مشيئة الخالق الباري وصنعته وقدرة الله فوق الشك والتهم ثم اعلم أيها الأخ المبارك! إن الناس يوم القيامة يحشرون وهم أحوج ما يكونون إلى ثلاثة أشياء، يحشرون عراة أحوج ما يكونون إلى الكسوة، ويحشرون عطشا أحوج ما يكونون إلى الماء، ويحشرون تدنو منهم الشمس أحوج ما يكونون إلى ظل العرش، والموفق من ﵀ وأكرمه وكساه يوم القيامة وسُقِي من يدي نبينا ﷺ ، وأظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. جمع الله لي ولكم ولوالدينا هذه الثلاثة كلها. ومن أعظم أسباب الحصول على ذلك: محبة نبينا ﷺ واتباع أمره واجتناب نهيه والتماس سنته وتصديقه، بل الدين كله مندرج في اتباعه ﵊، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]. هذه الوقفة الثانية في هذا المساء المبارك وكانت خاصة بنبينا ﷺ .

стр. 786

وقفة مع قوله تعالى: (وشاهد ومشهود) الوقفة الثالثة علمية في قول الله جل وعلا: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج:٣]، هذه الآية في سورة البروج وسورة البروج سورة مكية باتفاق العلماء صدرها الله جل وعلا بقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج:١ - ٣]. فإن جعلنا الواو عاطفة فهي معطوف على مقسوم، وإن جعلناها مستقلة فهي في ذاتها واو قسم ولذلك جرت في الحالتين.

стр. 787

اختلاف العلماء في معنى الشاهد والمشهود اختلف العلماء على ما هو الشاهد وما هو المشهود؟ على أقوال وكلها يؤيدها القرآن. قال بعض العلماء: الشاهد هو النبي ﷺ والمشهود عليه هذه الأمة والدليل أن الله قال: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١]. قال آخرون: لا الشاهد هو هذه الأمة والمشهود عليها الأمم كما ورد في الحديث الصحيح. وقال آخرون: إن الشاهد هو الحجر الأسود والمشهود عليه من يلتبس الحجر، ودليلهم من السنة أن النبي ﷺ قال: (إن هذا الحجر الأسود يأتي يوم القيامة وله عينان يبصران وله لسان يتكلم به يشهد لمن استلمه بصدق). وقال آخرون: إن الشاهد هو عيسى ﵇ والمشهود عليه أمته ودليلهم من القرآن قول الله جل وعلا في خاتمة المائدة على لسان عيسى: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة:١١٧]. وقال آخرون: إن الشاهد هو النجم، والمشهود الناس والدليل عندهم من السنة أن النبي ﷺ قال: (حتى يغيب الشاهد)، أي: حتى يغيب النجم. وقال آخرون بغير هذا لكن هذا جملة ما قاله العلماء على أنه ينبغي لك أن تعلم أن أعظم الشاهدين هو الله ﷻ قال الله جل وعلا: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٧٩]، وقال الله على لسان عيسى: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة:١١٧]، ولقمان لما أراد أن يؤدب ابنه ويعلمه ويعظه قال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦]. فالله جل وعلا من تكلم عنده كمن أسر، ومن ظهر كمن اختفى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وطوبى لعبد خاف الله واتقاه، وعلم أن الله هو خير الشاهدين، فما أقفل على نفسه باباً إلا وتذكر عظمة الجبار ﷻ وأن الله جل وعلا مطلع عليه لا تخفى عليه من عباده خافية. فجعل من عمره صلوات وذكر يتقرب بها إلى الله جل وعلا، ألا ترى إلى يونس بن متى لما ابتلاه الحوت وغاص به الحوت في قاع البحار حرك ﵇ يديه؛ ليشعر أنه حي أو ميت فتجاوبت معه أطرافه فأسمعه الله جل وعلا تسبيح الحصى في باطن الثرى فخر ساجداً في ذلك المكان المظلم يتوسل إلى الله بهذا السجود قائلاً: اللهم إنني اتخذت لك مسجداً في مكان ما ظننت أن أحداً عبدك فيه، قال الله جل وعلا: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤]، فألهمه الله جل وعلا أن يسبح وأن يذكر الله وأن يتقيه في مكان يغلب على الظن أن الله لم يُذكر فيه، فكان ذلك سبباً في رحمة الله جل وعلا به فكل ما بوأك الله مكاناً فأرِ الله جل وعلا ما يأمله منك، وإذا رزقك الله جل وعلا نعمة مما تحب فأرِ الله جل وعلا فيها ما يحب، وقد كان بعض الصالحين إذا دعا الله يقول: اللهم واجعل ما أعطيتنا مما نحب عوناً لنا على ما تحب، وهؤلاء طبقة ربانية وأئمة مهديون. سلك الله بي وبكم سبيلهم.

стр. 788

وقفة مع قصة جريج العابد

стр. 789

ابتلاءات الرسول ﷺ لقد ابتلي النبي ﷺ الابتلاءات العظيمة الكبيرة فصبر، وفوض أمره إلى الله، واستمر في الدعوة إلى هذا الدين العظيم، فأقام الله به الدين وأظهره على الدين كله. وصور ابتلائه ﷺ كثيرة، فحري بمن اقتدى به أن يصبر على الابتلاءات، فما هذه الدنيا إلا دار ابتلاء وامتحان، فالصبر مفتاح الفرج.

стр. 790

تعظيم النبي ﵊ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله، وإن كان يقل مع حق جلاله حمد الحامدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين وإله الآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن من الأعمال الصالحة التي يتقرب بها إلى الله جل وعلا: أن يعظم قدر نبيه ﷺ ، على أنه ينبغي أن يعلم أن قدره ﷺ عظيم قدراً وشرعاً، وأما من لم يعرف لنبي الله صلوات الله وسلامه عليه قدراً فهو في حقيقة الأمر لم يعرف قدر نفسه؛ لأن نبينا ﷺ كتب الله له أرفع المقامات، وأجل العطايا، وأسنى المطالب قدراً وشرعاً كما بينا آنفاً، فهو ﵊ يقول عن نفسه: (إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمجندل في طينته). وقال ربنا وهو أصدق القائلين: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١].

стр. 791

رضاعته ﷺ سوف نحاول أن نقف وقفات مختصرة في هذا اللقاء المبارك، فنجعل من بعض الأحداث، أو الأحاديث في سيرته مطية للحديث عن هديه وما يمكن أن ننتفع به من سيرته صلوات الله وسلامه عليه، وإلا فهو ﵊ قدوة للعاملين، وحجة على المعاندين، ورحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. الوقفة الأولى: مع رضاعته ﵊، فالأم في القرآن يطلق على معان عدة، فيطلق على الأم نسباً وتسمى والدة، ويطلق على الأم إذا أرضعت، ولا تسمى والدة؛ لأنها ليست أماً نسباً، قال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء:٢٣]. وقال في صدر الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] أي: نسباً، ونبينا ﷺ زهري أماً، هاشمي أباً، فأبوه من بني هاشم، وأمه من بني زهرة، ولما ولدته أمه هي التي أرضعته، فأول ثدي التقمه ﵊ كان ثدي أمه، ثم ثدي ثويبة مولاة أبي لهب، واختلف في إسلامها هل أسلمت أو لا؟ والعلم عند الله، وليس بين يدينا نص صريح صحيح إثباتاً أو نفياً. وثويبة كانت جارية لـ أبي لهب عم رسول الله ﷺ فأعتقها أبو لهب لما بشرته بمولد نبينا ﷺ ، ثم كان ما كان بعد ذلك من كفر أبي لهب بعد البعثة. فـ ثويبة ثاني المرضعات، وثالث المرضعات: حليمة السعدية في بادية بني سعد على عادة العرب آنذاك، وشرف بأن رضع معه ﷺ رجال ونساء، فلم يرضع معه من أمه أحد، لكن رضع معه من ثويبة أبو سلمة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فهو أخوه من الرضاعة، ثم مات أبو سلمة عن زوجته فتزوجها نبينا ﷺ ، وكأن هذا إرهاصاً لما سيكون بعد، ثم أرضعته حليمة السعدية ﵂ وأرضاها. وكذلك أرضعت معه ثويبة حمزة ﵁ وأرضاه، فـ حمزة عمه نسباً، وأخوه رضاعة، ويقدر الله لوشائج القربى أن تعظم ما بين حمزة ورسول الله ﷺ ، فـ حمزة كما أنه رضع معه من ثويبة فقد رضع معه من حليمة، فـ حمزة ﵁ عم النبي ﷺ نسباً، ورضع مع النبي ﵊ من ثويبة ورضع معه من حليمة، فهو أخوه من الرضاعة من جهتين: من جهة ثويبة، ومن جهة حليمة السعدية. وأرضعت معه حليمة أبا سفيان بن الحارث ابن عم رسول الله ﷺ ، وهو أحد الخمسة الذين يشبهونه ﵊، وقد مر معنا في دروس مضت أن هناك خمسة شديدي الشبه برسول الله ﷺ ، وهم: الحسن، والفضل، وقثم بن العباس، وأبو سفيان بن الحارث، وجعفر بن أبي طالب، فهؤلاء الخمسة أشد الناس شبهاً برسول الله ﷺ في هيئته الخَلْقية، ويتفاوتون في شبههم بهيئته الخلقية بعضهم عن بعض تفاوتاً بيناً كما هو معلوم. فهؤلاء هم إخوة رسول الله ﷺ من الرضاعة، وهذه الرضاعة عموماً تنوعها يري كل من يفقه عناية الله جل وعلا برسوله ﷺ ، ولابد لمن يدرس السيرة أن يربط جزماً ما بين القرآن والسنة، فالله جل وعلا قال وهو أصدق القائلين في نبيه موسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، فإذا كان قيل في كليم الله موسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] فما عسى أن يقال في سيد الخلق وأشرفهم صلوات الله وسلامه عليه، فأنبياء الله جل وعلا أعدهم الله جل وعلا لأمر عظيم، وشأن جليل، وفي مقدمتهم رسولنا ﷺ ، فهو ﵊ في عناية ربه منذ أن حملت به أمه، وإلى أن أودع القبر ﵊، بل إن الله بعد ذلك: (حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)، وهو ﵊ خيرة الأنبياء من الخلق، وهو ﵊ محل احتفاء ربه جل وعلا، فحتى عائشة يراها في رؤيا في كفه قبل أن يتزوجها، والمدينة هذه المباركة التي هاجر إليها يرى أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل، ثم يهاجر بعد ذلك بقدر الله وشرعه إلى هذه المدينة المباركة، فهو لم يختر الأرض التي يهاجر إليها، ولم يختر التربة التي مات فيها، ولم يختر البقعة التي دفن فيها، ولم يختر أزواجه، كان ﷺ في كل قول يقوله، أو فعل يفعله، أو خطوة يخطوها، يكون ذلك بخيرة من الله وقدره، وهذا هو المعنى الحرفي في قول شوقي: الله قسم بين الخلق رزقهم وأنت خيرت في الأرزاق والقسمِ إن قلت في الأمر لا أو قلت فيه نعم فخيرة الله في لا منك أو نعمِ أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم صلوات الله وسلامه عليه. فيبين هذا منزلته عند ربه، فبالله ما سينال أعداؤه منه إلا الوبال والخسران، ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان:٣١]. فهو ﵊ كفاه الله جل وعلا شر كل أحد: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٩٥ - ٩٦]، فإذا كان القرشيون القريبون منه جسداً وداراً ومقاماً وموطناً عجزوا عن أن يصل أذاهم إليه، فكيف بمن يريد أن يؤذيه اليوم وقد وسد الترب صلوات الله وسلامه عليه: والله لن يصلوا إليك ولا إلى ذرات رمل من تراب خطاكا هم كالخشاش على الثرى ومقامكم مثل السماء فمن يطول سماكا صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 792

وقفة مع تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة الوقفة الثانية: مع حدث وقع بعد بعثته، وأضربت الذكر صفحاً عن ذكر الهجرة والبعثة؛ لأنني تكلمت عنهما كثيراً، وهذا الحدث هو تحويل القبلة، وقد كان ﷺ في مكة يجعل مكة بينه وبين بيت المقدس إذا صلى في الحرم، فيصلي ما بين الركنين، ويستقبل الشام، وأما إذا صلى خارج الحرم، فإنه يستقبل بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة مكث ستة عشر شهراً يستقبل بيت المقدس، ثم قال لجبريل: (وددت لو أن الله جعل مكة أو الكعبة قبلتي، فقال له جبريل: إنما أنا عبد فادع الله واسأله، فأخذ صلى الله وعليه وسلم يدعو ربه ويسأله، ويرجو أن يحقق له مقصوده، ويقلب وجهه في السماء، فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة:١٤٤])، وهذا من إكرام الله لنبيه، فولى ﷺ وجهه تجاه الكعبة، فانقسم الناس إلى أربعة فرق: فقال أهل الإيمان من الصحابة الأخيار: سمعنا وأطعنا كل من عند ربنا، فزكاهم الله بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٣]. وقال اليهود: لقد ترك قبلة الأنبياء، ولو كان نبياً لما ترك قبلتهم. وقال القرشيون في مكة: يوشك محمد أن يرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، وإن هذا من أمارات أننا على الحق. وقال أهل النفاق وهم يومئذ قليل؛ لأن شوكة المنافقين لم تظهر إلا بعد بدر، وأما قبل بدر فكان النفاق في المدينة قليلاً، فقال بعض ضعفاء الإيمان والمنافقون آنذاك: إن محمداً لا يدري أين يتوجه، فإن كان أولاً على الحق فقد ترك الحق، وإن كان في توجهه إلى مكة اليوم على الحق فقد كان محمد على الباطل، فتركوا الدين، فهذه أربع طوائف.

стр. 793

كيفية تعامل المؤمن مع الأحداث من حوله ويمكن أن يأتي العاقل اليوم فيستقى منها كيف يتعامل مع الأحداث من حوله: أولها: أن المؤمن عبد مأمور يستسلم لأمر ربه وإن رأى أنه مخالف لهواه، لكنه يطوع هواه لأن يكون تبعاً لما جاء به محمد ﷺ عن ربه، فالدين في مجمله: استسلام وانقياد لأوامر الله، وفق شرع محمد ﷺ . هو دين رب العالمين وشرعه وهو القديم وسيد الأديانِ هو دين آدم والملائك قبله هو دين نوح صاحب الطوفان هو دين إبراهيم وابنيه معاً وبه نجا من لفحة النيران وبه فدى الله الذبيح من البلا لما فداه بأعظم القربان هو دين يحيى مع أبيه وأمه نعم الصبي وحبذا الشيخان هذا هو التوحيد، ثم جاء بعدها: وكمال دين الله شرع محمد صلى عليه منزل القرآن فالإنسان يأخذ ما جاء به محمد ﷺ عن ربه، ويأتمر به، وينقاد إليه، وأما أن يأتي الإنسان لمصالحه ورغباته وأهوائه، فيريد أن يطوعها كما يشاء، فهذا لا ننفي عنه الإيمان بالكلية، لكن لا يمكن أن يرقى إلى أهل الإيمان المؤتمنين على دين الله جل وعلا في نشره، ولن يستطيع أحد أن يحمل الدين ويقوم به على الوجه الأكمل، والنحو الأتم، ويبلغه الناس؛ حتى يؤمن به أولاً، وحتى يكون روحاً وجسداً طوعاً لأوامر الله، فإذا كان هوى النفس ورغباتها تبعاً لما جاء به محمد ﷺ عن ربه أصبح هذا الرجل حقاً صادق الإيمان، وهذا هو الذي يستطيع أن يحمل الراية، لكن الإنسان قد يأتي آخر الناس في المسجد، ويريد أن يكون أول الصفوف في القتال، أو يعكس الوضع، يكون أول الناس في المسجد، ويريد أن يكون آخر الصفوف في ساحات القتال الشرعي، أو غير ذلك، لكن المرء يكون هواه حقاً تبعاً لما جاء به محمد صلى الله وعليه وسلم عن ربه جل وعلا. ومن هذه القضية يؤخذ: أنه يسهل على النفس أن تجد أعذاراً فيما لا تريد، كما فعل المنافقون والقرشيون واليهود، فقد وجدوا أعذاراً في تحويل القبلة، والأمة تبتلى وتختبر على مر الدهور وكر العصور، في كل آن وحين كما قال الله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٣]. والله يقول: ﴿يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة:١٢٦]. فابتلاء الناس واختبارهم بالأحداث العظام يتكرر في التاريخ كله، فإذا أقبلت الفتنة عميت على الناس، ولا يعرفها إلا من رزقه الله جل وعلا رسوخاً في العلم، فإذا أدبرت وانتهت أضحت بجلاء لكثير من الناس، وأما أن يبقى فئام في إقبال الفتنة أو في إدبارها وهم سواء، فلا يريدون أن يروا إلا ما يريدون أن يروه، وإذا كان الإنسان لا يحب أن يسمع إلا كلاماً يحبه، ولا يحب أن يرى إلا واقعاً يريده، فهذا لن يبصر ولن يسمع، لكن العاقل يرى الأشياء على ما هي عليه، ثم ينظر كيف يتعامل معها وفق شرع الرب ﵎. ويسهل على الشاب الذي تتثاقل قدمه عن الصلاة أن يقول: إن الإمام حيناً يتأخر في الإقامة ويطيل في الصلاة، أو يقول العكس فيظهر أنه رجل تقي بار فيقول: هذا الإمام لا يطيل الصلاة ولا أجد نفسي أخشع وراءه، فلو ذهب إلى المسجد النبوي أو غيره لقلنا: إنه صادق، لكن يبقى في البيت، ويتخذ من خطأ الإمام عذراً، فهذا حاله ليس مثل الأولين الذين ذكرناهم في مثال القبلة تماماً، بل هناك وجه شبه لا انفكاك منه عن حالة المنافقين، فالمنافقون قالوا: إما أن يكون محمد على الحق فترك الحق، وإما أن يكون محمد يزعم أن الحال الثاني على الحق فقد كان محمد على الباطل. والمقصود: أن طرائق التأويل سهلة جداً لمن يريد أن يتبع الغواية ويخرج عن منهاج هدي رسول الله ﷺ .

стр. 794

وقفة مع حياته ﷺ في بيوته الوقفة الثالثة: يقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:١ - ٢]. ذكرنا أن النبي ﷺ في أرفع المقامات، لكنه مع ذلك هو بشر، وتبقى تلك البيوت التي كانت في جوار المسجد في شرقيه على الأكثر لو رفعت يدك للمست سقفها، ولو مددت قدمك وأنت نائم للمست حائطها، وكانت تأوي أمهات المؤمنين رضوان الله تعالى عليهن وبينهن سيد الخلق ﷺ ، تبقى بيوتاً بشرية؛ لأنها بيوت هدى، فلو لم تكن بيوتاً بشرياً لانتفت القدوة والأسوة؛ لأننا أصبحنا مطالبين بأقوام أو بعوالم ليست مثلنا، فلنا العذر ألا نقتدي، لكنها كانت بيوتاً كبيوتنا، يعمرها أقوام مثلنا في خلقهم، إلا أن الله اختصهم وأعطاهم ما لم يعط غيرهم.

стр. 795

سبب نزول قوله تعالى (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) فاختلف في سبب نزول الآية على قولين شهيرين يتبعها أقوال بعيدة: منها: أن النبي ﷺ أصاب جارية من جواريه وهي مارية القبطية على فراش إحدى زوجاته، ويقال: إنها حفصة، فعظم هذا عليها، فأرضاها النبي ﷺ أن يحرم جاريته على نفسه. وقول آخر: أن النبي ﷺ مكث عند إحدى أمهات المؤمنين طويلاً بعد العصر، وأطعمته عسلاً، وكان يحب الحلوى، فغارت بعض أمهات المؤمنين، فتظاهرن عليه أن يقلن: إننا وجدنا منك ريحة كذا وكذا، وقد سأل ابن عباس حبر هذه الأمة سأل عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وعمر كان ذا هيبة، وابن عباس كان طالب علم، ولا يجتمع طلب علم مع الحياء من السؤال، فلابد أن يكون في طالب العلم نوع من الإقدام عندما يسأل، لكن يسأل بأدب، فكان ابن عباس يريد أن يعرف من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله ﷺ ، وتمنعه هيبة عمر من أن يسأله، فلما حج يوماً مع عمر وأراد عمر أن يتوضأ وأبعد، وقضى حاجته، فلما عاد قدم إليه ابن عباس بإداوة وسكب عليه الماء، وعمر يغسل يديه فقال له: يا أمير المؤمنين! من المرأتان اللتان ظاهرتا على رسول الله ﷺ ؟ فقال ﵁ وأرضاه: واعجباً لك يا ابن عباس! أي: تعجباً من جرأته على طلب العلم، قال العلماء: كره أن يجيبه، ولم يستطع أن يكتم العلم، ثم قال: هما حفصة وعائشة رضوان الله تعالى عليهما، حفصة ابنته وعائشة بنت أبي بكر رضوان الله تعالى على الجميع، ففهمنا من هذا الحديث أن اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ هما حفصة وعائشة. والمقصود: أن هذا حصل في بيوت النبوة فأراد النبي ﷺ أن يحل النزاع ويقضي على الأمر، فحرم على نفسه ذلك الطيب الحلال المباح سواءً كان وطئ الجارية، أو أكل الحلوى؛ حتى يرضي زوجته وينهي المسألة، ولا يشغب على نفسه أكثر من ذلك، فعاتبه ربه عتاباً رقيقاً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [التحريم:١] وهو خطاب إجلال لسيد الخلق ﷺ ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي﴾ [التحريم:١] بتحريمك، ﴿مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم:١]. وتذييل الآية بقول الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم:١] تطييب له صلوات الله وسلامه عليه، ثم بين الله منهاجاً شرعياً عظيماً: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢]. ثم أخبر الله جل وعلا عن شيء يقع في كل بيت، قال الله جل وعلا: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم:٣]؛ فهو ﷺ يدني زوجته يعطيها بعض الخبر، لكنه يعرف أنها امرأة لا يلبث عندها شيء، فأعرض عن بعض الأخبار ولم يعطها إياها، وقد قلت مراراً: من يريد أن يسوس الناس لابد أن يبقي على مسألة الطمع والخوف منه، فالناس إذا طعموا فيك بالكلية لم يعملوا، وإذا خافوا منك بالكلية يئسوا من عطائك فلم يعملوا، والعرب تقول: ولن ترى طارداً للحر كاليأس لكن اجعل من تحت يدك زوجة كانت أو طالباً، أو عاملاً، أو أجيراً أو موظفاً يرجوك ويخافك في آن واحد، فإن كان من تحت يدك لا يرجوك، بل يخافك بالكلية، أو يخافك بالكلية ولا يرجوك، فاعلم أنك غير موفق في سياسة الناس، قال الله جل وعلا: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم:٣]. وأمهات المؤمنين حق لهن أن يتنافسن؛ لأن الزوج الذي يتنافسن عليه هو سيد الخلق ﷺ ، وزينب بنت جحش وعائشة كن أكثر نساء رسول الله ﷺ ملابسة عليه، فأما عائشة فتدلي بأنها بكر، وأما زينب فتدلي بشيئين: أنها قرشية وابنة عمة رسول الله ﷺ ، وبأنها زوجها الله جل وعلا من فوق سبع سموات، فهذا الذي جعل المنافسة غالبها ما بين زينب وبين عائشة. والمنافسة محمودة بين الناس؛ لأنها تدفع إلى الإقدام، لكن ينبغي أن تكون محكومة بضوابط الشرع، ويمكن أن يقبل منك كلمة خرجت من غير أن تضبطها في خصم أو منافس لك، لكن لا يقبل منك أن تتعمد هذا المرة بعد المرة، فـ زينب بنت جحش ﵂ وأرضاها كانت تسامي عائشة جداً، فلما وقعت حادثة الإفك وخاض من خاض في عرض أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها كانت حمنة بنت جحش أخت زينب تريد أن تذكي المسألة؛ نصرة لأختها على عائشة، وأما زينب نفسها ﵂ وأرضاها فقالت: أحفظ سمعي وبصري، وأملك علي لساني، ولا أقول إلا خيراً، وعصمها الله من أن تقول أي قالة سوء في عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهكذا العاقل، فنقبل منك أن تنازع إماماً مجاوراً لمسجد لك يقع منك أنك لا تحب الصلاة وراءه، وتتثاقل ويقع في نفسك شيء إذا سمعت الناس يمدحونه فلا بأس في ذلك، فالله يقول: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥]. فالمهم ألا ينقلب هذا الأمر إلى شيء من قول أو فعل تضر به أخاك، فهنا يخرج الأمر عن إطاره الشرعي، ولا ينبغي لعاقل أن يصنعه. نعود إلى بيوت أمهات المؤمنين رضوان الله تعالى عليهن، فبينهن كان ﷺ ، وهذه الحجرات شهدت أموراً عظاماً، وأعظم ما شهدت هو تنزل الوحي، ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، فهو ﷺ يقوم في الليل فيقول: (سبحان الله ماذا فتح الليلة من الخزائن، أيقظوا صواحب الحجرات، رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة)، فيقوم يصلي ويأمر أمهات المؤمنين أن يصلين, وشهدت تلك الحجرات تنقل السبطين: الحسن والحسين رضوان الله تعالى عليهما ريحانتي رسول الله ﷺ من الدنيا. وشهدت تلك الحجرات قدوم الوفود، وقول بعض العرب: يا محمد اخرج إلينا فإن مدحنا زين، وذمنا شين، فأنزل الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤]. وشهدت تلك الحجرات قيام الليل من رسول الله ﷺ ، وتفقده أم المؤمنين فتجده قد انتصبت قدماه يقول في سجوده أو ركوعه: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك من لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك).

стр. 796

استماعه ﷺ للشعر واستزادته منه رابع المواقف أيها المؤمنون: ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ ردفه الشريد بن سويد الثقفي، كما روى مسلم في الصحيح من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه، وأبوه هو الشريد بن سويد الثقفي صحابي جليل، هذا الصحابي الجليل ردف النبي ﷺ أي: أن النبي ﵊ ركب معه على الدابة، فقال له ﵊: (هل تحفظ من شعر أمية بن أبي الصلت شيئاً؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله! قال: هيه) أي: يطلب، قال: (فأنشدته بيتاً، فقال: هيه، فأنشدته بيتاً، فقال: هيه، فأنشدته بيتاً فقال: هيه؛ حتى أنشدته مائة بيت). ولغوياً كلمة هيه: اسم فعل عند النحاة، فإذا بقي على البناء على الكسر ولم تنونه فأنت تطلب الاستزادة من نفس الحديث، وإن نونته قلت: هيهٍ فأنت تطلب الزيادة من أي حديث؛ لأن التنوين قرين التنكير، فأنت تطلب الزيادة من أي حديث، لكن إن قلت هيه من غير تنوين فإنك تطلب الزيادة من نفس الحديث، فالنبي ﷺ كان يقولها من غير تنوين ويريد الزيادة من نفس شعر أمية بن أبي الصلت. يقول الشريد ﵁: فأسمعته مائة بيت، وقد قال ﷺ كما في مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة قال: (أصدق كلمة قالها شاعر: ألا كل شيء ما خلا الله باطل)، وقال: (وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم)، وأما قوله ﷺ : (أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل) فكلمة باطل هنا ليست ضد الحق، فإن الدين حق، وهو خلا الله، والنبي ﷺ حق وهو غير الله، والجنة حق وهي غير الله، والنار حق وهي غير الله، لكن قصد لبيد بقوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، أي: مضمحل، فالعرب تطلق على الشيء المضمحل بأنه باطل. قال شراح الحديث: وإن النبي ﷺ قال على كلمة لبيد بأنها أصدق كلمة؛ لأنها وافقت أصدق كلام، وأصدق الكلام هو كلام الله، والله يقول في القرآن: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦]. فهذه المقولة الشعرية ل لبيد قبل الإسلام وافقت قولاً قرآنياً وهو قول ربنا جل ذكره: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦]، فلهذا قال ﷺ : (ألا كل ما خلا الله باطل) هي أصدق كلمة قالها شاعر. ولبيد: هو لبيد بن ربيعة العامري أحد شعراء المعلقات، ومطلع معلقته: عفت الديار محلها فمقامها بمنى تأبد غولها فرجامها وقد أدرك الإسلام وأسلم، وهو الوحيد من شعراء المعلقات الذين أدركوا الإسلام، فأسلم ﵁ وأرضاه، وقد عمر طويلاً، وكان يقول: ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس كيف لبيد وهنا مسألة وهي: أن الإنسان يحاول قدر الإمكان إذا مرت عليه أحاديث المعصوم ﷺ أن يقتدي بها، وأن يصنع ما استطاع أن يصنعه من هديه صلوات الله وسلامه عليه، فقد قدر لي عام ١٤٠٩ أن كنت مع الشيخ محمد المختار الشنقيطي الفقيه الواعظ المدرس في الحرم النبوي الشيخ الجليل المعروف. وفي تلك الفترة كنت طالباً في التعليم، وكنت في الدرس فمات أحد الطلاب فرثيته بأبيات، فلما كنت مع الشيخ وفقه الله ذكرت له الأبيات، وموضع الشاهد من القضية كلها: أنه كان كلما قلت له بيتاً كان الشيخ حفظه الله ووفقه يقول: هيه؛ تأسياً برسول الله ﷺ ، فزاد والله إجلالي ومحبتي وإقبالي للشيخ وإن كنا نحبه من قبل، فوقتها منّ الله عليه بالتوفيق أن تذكر كيف أن النبي ﷺ لما أنشد شعراً قال هذه الكلمة. والمقصود أيها المبارك: أن من أعظم ما تتقرب به إلى ربك: أن تحاول أن تتأسى بسيد الخلق وأشرفهم صلوات الله وسلامه عليه، ولن تصل إلى مرادك من الله بطريق ولا بسبيل أقوم ولا أكمل من هدي رسول الله ﷺ ، فالله يقول وقوله الحق: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].

стр. 797

مدح بعض الشعراء للنبي ﷺ نعود هنا إلى عالم الشعر على وجه الإجمال، فالنبي ﷺ عظمه ربه في القرآن، فمهما قال الشعراء في حقه ﵊ فغاية الأمر أنهم ينبئون عن عظيم إيمانهم ومحبتهم لرسول الله ﵊، أما هو ﷺ كفى بتزكية القرآن له تزكية، فقد زكى الله بصره: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]، وزكى الله لسانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣]، وزكى الله قبله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، وزكى الله أذنه: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ [التوبة:٦١]، وزكاه الله جل وعلا جملة: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، فهو ﵊ ليس في حاجة لأن يطريه أحد من الخلق، لكنه إذا أطراه أحد ومدحه وفق ضوابط الشرع فإنما ينبي ذاك عن علم ذلك الرجل بالدين، وحبه لرسول رب العالمين ﷺ . وكان حسان ﵁ وأرضاه من أعظم من مدح النبي ﷺ ، فقال: عفت ذات الأصابع فالجواء إلى عذراء منزلها خلاء فمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء هجوت محمداً فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء هذه هي من همزيته المشهورة ﵁ وأرضاه. ويقولون: إن أعظم ما قيل في مدح النبي ﷺ قول حسان: وأجمل منك لم تر قط عين وأسمح منك لم تلد النساء خلقت مبرأً من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء كما مدحه عبد الله بن رواحة وكعب بن زهير، ثم تسابق الناس من شعراء المسلمين عبر التاريخ الإسلام في مدح رسول الهدى ونبي الرحمة صلوات الله وسلامه عليه، فقال شوقي رحمة الله تعالى عليه في همزيته الشهيرة: خلقت لبيتك وهو مخلوق لها إن العظائم كفؤها العظماء فإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هما الرحماء وإذا ملكت النفس قمت ببرها ولو أن ما ملكت يداك الشاء وإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاء وإذا قضيت فلا ارتياب كأنما جاء الخصوم من السماء قضاء وإذا بنيت فخير زوج عشرة وإذا ابتنيت فدونك الآباء وإذا حميت الماء لم يورد ولو أن القياصر والملوك ظماء أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى فالكل في دين الإله سواء فلو أن إنساناً تخير ملة ما اختار إلا دينك الفقراء يا أيها المسرى بها شرفاً إلى ما لا تنال الشمس والجوزاء يتساءلون وأنت أطهر هيكل بالروح أم بالهيكل الإسراء بهما سموت مطهرين كلاهما روح وريحانية وبهاء تغشى الغيوب من العوالم كلما طويت سماء قلدت سماء أنت الذي نظم البرية دينه ماذا يقول وينظم الشعراء والمصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء صلى عليك الله ما صحب الدجى حاد وحنت بالفلا وجناء واستقبل الرضوان في غرفاتهم بجنان عدن آلك السمحاء وقال في البائية غفر الله له ورحمه: سلوا قلبي غداة سلا وثابا لعل على الجمال له عتابا ويسأل في الحوادث ذو صواب فهل ترك الجمال له صوابا أخا الدنيا ترى دنياك أفعى تبدل كل آونة إهاباً فمن يغتر بالدنيا فإني لبست بها فأبليت الثيابا لها ضحك القيان إلى غبي ولي ضحك اللبيب إذا تغابى جنيت بروضها ورداً وشوكاً وذقت بكأسها شهداً وصابا فلم أر مثل حكم الله حكماً ولم أر مثل باب الله بابا أبا الزهراء قد جاوزتُ قدري بمدحك بيد أن لي انتسابا فما عرف البلاغة ذو بيان إذا لم يتخذك له كتابا مدحت المالكين فزدت قدراً فلما مدحتك اقتدت السحابا وأحسن من هذا كله قول الله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]. هذا ما تيسر إيراده، وأعان الله على قوله، سائلين الله جل وعلا أن يتقبل منا ومنكم صالح العمل، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.