← Джавами‘

Джавами‘ · id 37431

دروس للشيخ صالح المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (797 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

أهمية الجانب التعبدي في حياة الإنسان الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: عباد الله! فإن ثالث الفوائد في خبر مقتل هذين الصحابيين الجليلين وآخرها: أنه ينبغي على المرء أن يكون ثمة جانب تعبدي عظيم في حياته، فإن عثمان قتل وهو صائم، وقتل وهو يقرأ القرآن، وعلي ﵁ قتل وهو غادٍ إلى صلاه الفجر، والغدو إلى صلاه الفجر والصيام وقراءة القرآن كل ذلك من أجل العبادات. فيجب أن يفرق الإنسان بين دوره الاجتماع، وحياته الوظيفية وبين أمره التعبدي، فإن الناس لا بد أن يتفاوتوا في حياتهم الاجتماعية ودورهم الوظيفي، ومسألة الغنى والفقر والجاه وغيره، هذه سنه الله جل وعلا في خلقه لكن ذلك بمنأى عن أن يعزل الإنسان ذلك عن جانبه التعبدي. والمعنى: أنه ينبغي أن يكون للإنسان نصيب من العبادة والقرب من الله جل وعلا بصرف النظر عن موطنه، ويقع هذا على الأئمة والخطباء والعلماء والدعاة بصورة أكبر: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]. والمقصود أيها المؤمنون! أنه كلما كان بين العبد وربه جانب تعبدي - من خلوات بالليل وحزب من القرآن يقرؤه وإكثار من النوافل والصيام وغير ذلك من الطاعات - كان حرياً بأن يكرم عند الله جل وعلا، وقد أثنى نبيكم ﷺ على نبي الله داود وقد جمع الله له الملك والنبوة فقال صلوات الله وسلامه عليه: (كان داود أعبد الناس، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً)، وذكر من صلاته في الليل ما ذكر. والمقصود أنه ينبغي على المؤمن أن يكون له حظ من العبادة تكفر به الخطايا، وترفع به الدرجات، وتقال به العثرات، وتحل به العقد، وتدفع به الكوارث، وكل ذلك لا يكون إلا إذا كان العبد قريباً من الله جل وعلا. ألا واعلموا أنكم في يوم الجمعة سيد الأيام، فصلوا فيه وسلموا على سيد الأنام: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم وارضَ عن أصحاب نبيك أجمعين، وخص منهم الأربعة الراشدين، واغفر لنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لنا في جمعتنا هذه أجمعين، اللهم اغفر لنا في جمعتنا هذه أجمعين، اللهم اغفر لنا في جمعتنا هذه أجمعين. اللهم إنا نسألك الإيمان، والعفو عما مضى وسلف من الذنوب والآثام والعصيان. اللهم وفق إمامنا بتوفيقك وأيده بتأييدك، اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك. اللهم ارزقنا توبة نصوحاً نفيء بها إليك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم وانصر أمة محمد ﷺ في كل مكان، اللهم اقهر عدوها واخذله يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اقهر عدو هذه الأمة واخذله أينما حل وحيثما كان يا ذا الجلال والإكرام. عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 737

دنت بشائره [١] شهر رمضان هو شهر الطاعات، وهو شهر القربات، وشهر القرآن الكريم، وفيه تفتح الجنان، وتغلق النيران، وتصفد الجان. هو شهر العفو والغفران، وشهر التوبة من العصيان، وهو محطة يتزود منها العبد إلى الدار الآخرة، ونقطة انطلاق في الإصلاح والتغيير.

стр. 738

فرض صيام شهر رمضان الحمد لله الذي خلق خلقه أطواراً، وصرفهم كيفما شاء عزة واقتداراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أراد ما العباد فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، خير من صلى وصام وأفطر، الشافع المشفع في عرصات يوم المحشر، صلى الله وملائكته والصالحون من خلقه عليه، كما وحد الله وعرفه به ودعا إليه، اللهم وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: عباد الله! فأوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلن، وخشيته ﵎ في الغيب والشهادة، فإن تقوى الله أزين ما أظهرتم، وأكرم ما أسررتم، وأعظم ما ادخرتم، ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]. عباد الله! الله أكبر وقد دنت بشائره، وارتفعت منائره، يترقب الليلة أو ما بعدها المسلمون في جميع الأرض هلاله، يفزعون فيه إلى جل وعلا بما شرع من الطاعات، وبما حكم من العبادات؛ تعرضاً لنفحاته، واستجابة لأمره، وطلباً للغفران، وستراً للعيوب. أيها المؤمنون! إن ربكم يخلق ما يشاء ويختار، وقد جعل الله جل وعلا بحكمته ورحمته وعزته شهر رمضان موئلاً للصيام الذي تعبد الله به عباده، كما تعبد الله به الأمم من قبلنا. أيها المؤمنون! شهر رمضان شهر مبارك، فرض الله جل وعلا صيامه على خير خلقه وسيدهم صلوات الله وسلامه عليه في السنة الثانية من هجرته، ثم ما زال ﷺ يصومه حتى وفاته، ثم صامه المسلمون من بعده، فأعظم ما يقع في شهر رمضان من العبادات هو صيام ذلكم الشهر عطفاً على الصلاة المقررة في الحياة كلها. أيها المؤمنون! نادى الله جل وعلا عباده نداء كرامة لا نداء علامة، فقال تبارك اسمه وجل ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، ثم حدد الله زمانه فقال جل ذكره وعلا شأنه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]. فصيام هذا الشهر المبارك أحد أركان الإسلام العظام، ولا يتصور أبداً أن مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم يعمد إلى فطر يوم من أيام هذا الشهر المبارك من غير عذر سفر ولا مرض. قال الإمام الذهبي ﵀: وعند المسلمين مقرر أن من أفطر يوماً من رمضان عمداً من غير عذر فهو شر من الزاني وشر من مدمن الخمر، بل يظنون به الزندقة والانحلال، نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلالة بعد الهدى. أيها المؤمنون! إنكم بصيامكم لشهر رمضان تؤدون ركناً من أركان دينكم، وهدياً من هدي نبيكم ﷺ ، وأنتم بذلك في المقام الأول تستجيبون لأمر ربكم جل وعلا، واستجابة المؤمن لأمر ربه هي عنوان الفلاح، وطريق النجاح، وأساس السعادة، وبها يفوز المؤمن في دينه وبرزخه وأخراه، قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:٧٢].

стр. 739

تفسير قوله تعالى: (إلا الصوم فهو لي) عباد الله! إن الصوم عبادة وأي عبادة، جاء في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، وقد اختلفت عبارات أهل العلم في تحديد معنى هذا اللفظ القدسي، وأظهرها -والعلم عند الله- أن الصوم أحد الأركان الأربعة العملية من أركان الإسلام، فالثلاثة غير الصوم وقعت لغير الله إما جهلاً وإما كرهاً وإما طوعاً، فكم من طواغيت عبر التاريخ كله أمروا الناس أن يركعوا ويسجدوا لهم ويعظموهم تعظيماً لا يليق إلا بالله، فوقع ما يشابه الصلاة لغير الله، وإن كان فاعلها لا يعد مسلماً. وأما الزكاة فالأصل فيها أخذ المال، فوقعت لغير الله، فكم من طواغيت وسلاطين متجبرين جمعوا الأتاوات، وأخذوا الأموال طوعاً أو كرهاً أو جهلاً من الناس. وأما الحج فالأصل فيه الطواف حول البيت العتيق، وكم من الطواغيت والسلاطين عبر التاريخ الذين أمروا الناس أن يطوفوا حول عروشهم ويعظموهم، ووقع ذلك كذلك من بعض من ينتسب إلى الإسلام ممن يطوف حول الأضرحة والمشاهد والقبور، ويظن أن أصحابها ينفعون شيئاً. لكن التاريخ كله لم يشهد ولم يقع فيه أن أحداً صام لغير الله؛ لأنه لا يوجد أحد ممن يزعم أنه مستحق للعبادة طلب من الناس أن يعبدوه صياماً؛ لأن ذلك يكلفه أكثر مما يطيق، ولهذا يظهر والعلم عند الله أن المعنى الحقيقي لقوله: (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) أنه عبادة لا يمكن أن تقع لغير الله، ولهذا اختصها الله جل وعلا لنفسه، وأضافها ﵎ لذاته العلية إضافة تشريف.

стр. 740

هدي النبي في صيام رمضان أيها المؤمن! إنك لن تصوم أكمل من هدي محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإذا تأمل المؤمن في سنة أحمد صلوات الله وسلامه عليه عرف الطريق الأقوام والسبيل الأمثل إلى صيامه، فتسحر نبيكم ﷺ قريباً جداً من صلاة الفجر، وقال: (تسحروا فإن في السحور بركة)، رواه البخاري ﵀ من حديث أنس، فيتسحر المؤمن حتى يتقوى على طاعة الله، وهو لا يمتنع عن الطعام امتثالاً لأمر طبيب، ولا تقرباً لحبيب، وإنما يصوم رغبة فيما عند الله من الأجر، وامتثالاً لما كان من الله من الأمر. وأفطر نبيكم ﷺ على رطبات، فإن لم يجد فتمرات، فإن لم يجد حسى حسوات من ماء، ثم يفزع ﷺ ويقوم إلى الصلاة، وأخبر في الحديث القدسي أن الله يقول: (أحب عبادي إلي أعجلهم فطراً). إن المؤمن يمتنع عن الأكل والشرب وما أباحه الله له من الجماع وهو يقدر على ذلك كله؛ رغبة فيما عند الله من الأجر، وامتثالاً لأمر ربه، فإذا انقضى وقت الأمر الإلهي، وانتهت المدة التي حددها الله فزع المؤمن إلى الطعام والشراب؛ يظهر إلى الله جل وعلا فقره، ويقول لربه بلسان الحال: ما أحوجني إلى الطعام والشراب وإلى فضلك، وإنما امتنعت عنه لما أمرتني، فلما أبحت لي أن آكل أكلت، ولهذا كان ﷺ يفطر قبل أن يصلي صلوات الله وسلامه عليه، والخير كل الخير في هديه واتباع سنته، وامتثال أمره ولزوم هديه.

стр. 741

فضل الصدقة في رمضان عباد الله! إن المؤمن يجمع إلى تلك العبادة العظيمة بعضاً من العبادات وأفعال الخير التي ثبتت عن رسولنا ﷺ ، فقد أكثر نبيكم ﵊ من الصدقة في رمضان، خاصة إذا لقيه جبريل فإنه يكون أجود من الريح المرسلة، وقد جاء رجل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يسأله الصدقة فقال: يا عمر الخير جزيت الجنة اكس بنياتي وأمهنه وكن لنا من الزمان جنة أقسمت بالله لتفعلنه قال عمر: وإن لم أفعل يكون ماذا؟ قال: إذاً أبا حفص لأمضينه قال عمر: وإن مضيت يكون ماذا؟ قال: إذاً أبا حفص لتسألنه يوم تكون الأعطيات هنه وموقف المسئول بينهنه إما إلى نار وإما جنة جعلني الله وإياكم من أهل جنته. إن إعطاء الفقراء، ومواساة ذوي القربى، وإجابة السائلين رغبة فيما عند الله من الخير من أعظم ما يدل على حسن الظن برب العالمين ﷻ ، فما تعطيه بيدك يخلفه الله جل وعلا عليك، والله ﵎ خير الرازقين.

стр. 742

فضل العمرة في رمضان إن العمرة في رمضان أيها المؤمنون! مرغب فيها شرعاً، قال ﷺ وهو الصادق المصدوق: (عمرة في رمضان تعدل حجة)، وفي رواية لـ مسلم: (عمرة في رمضان تعدل حجة معي) صلوات الله وسلامه عليه، فالإتيان بها في رمضان قربة وأي قربة، لكن لا يكلف الإنسان نفسه ما لا يطيق، ولا يتعرض لأذى الناس إذا أدى العمرة، وإنما يؤديها طلباً للمغفرة من الله، وسعياً إلى نيل رحمة أرحم الراحمين ﷻ .

стр. 743

مدارسة القرآن في رمضان قرأ نبيكم ﷺ في رمضان القرآن، وكان جبريل يدارسه القرآن في كل عام مرة، فلما كان العام الذي توفي فيه صلوات الله وسلامه عليه دارسه جبريل في ذلك العام كالمودع، دارسه القرآن مرتين. القرآن أيها المؤمنون! كتاب الله، أنزله الله بواسطة خير ملك على خير نبي في خير ليلة من خير شهر، فيتعبد المؤمن ربه جل وعلا بتلاوته وتدبره، والعمل بما فيه، والإيمان بمتشابهه، والعمل بمحكمه، ويفزع إلى أمر القرآن فينفذه، ويرى نهي القرآن فيعرض عنه، كل ذلك خوفاً من الله وفرقاً وامتثالاً لأمره، وطلباً لما عند الله جل وعلا من الأجر والثواب. يقرأه المؤمن في صلاته، وفي غير صلاته، ويتدبره ويعرف معانيه، حتى يكون إلى الله أقرب، ومن الله أدنى، إذ لا نسب بين الله وبين أحد من خلقه، ولكنه العمل الصالح، ومن أعظم العمل الصالح تدبر القرآن، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [المائدة:٨٣ - ٨٥]، كتب الله لي ولكم هذا المقام الرفيع.

стр. 744

فضل القيام في شهر رمضان عباد الله! وكما أن رمضان شهر القرآن، فرمضان أيضاً شهر القيام، قال ﷺ : (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، وصلاة الليل كنز الأبرار، وموئل المتقين الأخيار، يتعبدون الله بها العام كله، فإذا كان رمضان عظم اجتهادهم، وكثرت طاعتهم، وزادت صلواتهم. وقد شرع لكم نبيكم ﷺ صلاة التراويح، ابتدأ سنيتها ثلاثة ليال أو أربع، وكان في حياته مازال الوحي ينزل، فخوفاً وشفقة على الأمة أن تفرض عليهم هذه الصلاة امتنع ﷺ عن الخروج، لكن الناس كانوا يصلونها أرسالاً، وفعلوا كذلك في أيام أبي بكر ﵁ وأرضاه، وصدراً من خلافة أمير المؤمنين عمر، فدخل عمر المسجد ذات يوم كما روى البخاري في الصحيح من حديث عبد الرحمن بن عبد القاري أن عمر دخل المسجد فوجد الناس يصلون التراويح أرسالاً، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال ﵁ وأرضاه -وهو المحدث الملهم، المتبع لسنة محمد ﷺ قال: لو جمعت الناس على قارئ واحد لكان أكمل. فجمع الناس على أبي بن كعب ﵁ وأرضاه. ثم دخل المسجد فإذا الناس يصلون بقارئ واحد فقال ﵁ وأرضاه: نعمة البدعة هي، والتي ينامون عنها خير من التي يقومون لها. أي: لو كانت هذه الصلاة في آخر الليل لكان أكمل، وربما فعلها عمر في أول الليل؛ شفقة على الضعفاء وكبار السن، ومراعاة لأحوال المسلمين.

стр. 745

عدد ركعات القيام في رمضان وأما تحديد عددها فالأمر فيه واسع، قال الشافعي ﵀ -وهو يمثل أنموذجاً لصالح الأسلاف ﵃ وأرضاهم- قال: أدركت الناس في المدينة يصلون تسعة وثلاثين، وأدركت الناس في مكة يصلون ثلاثة وعشرين، وليس في ذلك كله من الأمر ضيق، فالأمر فيه واسع. وثبت أن النبي ﷺ ما زاد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، لكن السلف معاذ الله أن يتركوا سنة نبيهم ﷺ ، والأمر في هذا واسع، فمن صلى إحدى عشرة ركعة، أو صلى تسعة وثلاثين، أو صلى ثلاثاً وعشرين، أو زاد على ذلك أو نقص فكل ذلك جائز، والمقصود الأسمى والغاية العظمى أن يقوم الإنسان لرب العالمين جل وعلا في الليل، ومن ائتم بإمام فالأفضل والأكمل ألا ينصرف حتى ينصرف إمامه. تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وجعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 746

أعمال يجب الإكثار منها في رمضان

стр. 747

الاهتمام بالطاعات في شهر رمضان الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد: عباد الله! فلنتذكر ونحن نستقبل شهراً مباركاً أن الله جل وعلا أفسح لنا في الأجل، ومد لنا في العمل، وكم من عبد مرهون في قبره لا يستطيع الخروج منه ليقدم أو يؤخر، فاحمد الله أيها المؤمن! أن الله جل وعلا أكرمك بأن بلغك شهراً مباركاً هو شهر رمضان، فازدد من الطاعات، وسابق في الخيرات قبل حلول الأجل، وقبل فوات الأمل، فالدنيا كلها زهرة حائلة ونعمة زائلة، ولابد من ملاقاة الله. عباد الله! إن من الغفلة كل الغفلة أن يجعل الإنسان من أيام رمضان ولياليه كأيام العام كلها وليالي العام كلها، فلا يغير من حياته شيئاً، ولا يتقرب إلى الله بتوبة، ولا يعزم أبداً على قراءة القرآن، ولا يُرى في المساجد لا في صلاة تراويح ولا في غيرها، كل هذا والعياذ بالله من الغفلة والران على العبد، نسأل الله لنا ولكم العافية. فلابد من إخلاص النية، وعقد العزم، وإقامة العمل، والصبر والمصابرة في ذات الرب ﵎؛ طلباً للأجر، ودفعاً للوزر، وإرضاء للرب ﷻ . عباد الله! ولئن كان ذلك من الغفلة فإن من الجرءة العظيمة على الله أن يعمد الإنسان في شهر مبارك كهذا إلى العلاقات المحرمة، والخلوات الآثمة، وإلى الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فيحارب الله جل وعلا بها بكرة وعشياً، فيستره ربه وهو يمشي في معاصيه غير نادم على ما كان منه، ولا يعرف لله قدراً، ولا من الناس حياءً، ولا للشهر حرماً، فمثل هذا تعظم في القبر هلكته، وتزداد في يوم القيامة حسرته، قال الله جل وعلا: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦]. فليبادر كل امرئ منا بالتوبة إلى الله جل وعلا، وليعلم أنه ما حمل أحد على ظهره وكاهله شيئاً أعظم من الذنوب، قال الله جل وعلا: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:٢٥]، وقد جعل الله من شهر رمضان فرصة عظيمة للتوبة، قال ﷺ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه)، وقال ﵊: (الصلوات الخمس، والعمرة إلى العمرة، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن من الذنوب)، فاجعلوا من أيام هذا الشهر المبارك فرصة سانحة لتقوى الله جل وعلا؛ حتى تغفر ذنوبكم، وتستر عيوبكم، وكلنا جميعاً ذو ذنب وعيب، نسأل الله الغفران وستر العيوب كلها.

стр. 748

الإكثار من الدعاء في هذا الشهر المبارك عباد الله! أكثروا من الدعاء في شهركم هذا، فإن الله جل وعلا ذكر الصيام وفضله، ثم ختم الله تلك الآيات الغرر بقوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، والدعاء هو العبادة في رمضان وفي غيره، لكن الأماكن الفاضلة والأزمنة التي اختارها الله لها نوع معين من قبول الدعاء، فأكثروا من الدعاء والإلحاح على الله في رمضان وفي غيره أن الله يقبل صالح أعمالكم، ويغفر لنا ولكم السيئات. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ * وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت:٤٦ - ٤٨]. ألا وصلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة؛ سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك اللهم على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وارض اللهم عن أصحاب نبيك أجمعين، وخص اللهم منهم الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلياً، وارض عنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لنا في جمعتنا هذه أجمعين، اللهم اغفر لنا في جمعتنا هذه أجمعين. اللهم بلغنا رمضان وارزقنا صيامه وقيامه على الوجه الذي يرضيك عنا، اللهم بلغنا رمضان وارزقنا صيامه وقيامه على الوجه الذي يرضيك عنا، اللهم إنا نعوذ بك من فجأة نقمتك، وزوال نعمتك، ومن تحول عافيتك، ومن جميع سخطك. اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى من الجنة، ونعوذ بك ربنا من النار. اللهم وفق ولي أمرنا بتوفيقك وأيده بتأييدك، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، واجزه عن الإسلام وأهله خير الجزاء. اللهم عم بالخير جميع ديار المسلمين، وارفع عنهم الضر واللأواء والبأساء يا حي يا قيوم. اللهم واجعلنا من عبادك الصالحين الذين يقولون الحق وبه يعدلون. عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 749

دنت بشائره [٢] إن المؤمن الدارس للسيرة النبوية يدرك من خلال حدثين مهمين وهما: غزوة بدر، وفتح مكة؛ يدرك فوائد جمة وعبر كثيرة تنير له طريقه إلى الله، وتبصره بحقائق فذة، لذا ينبغي للمؤمن أن يتدارس تلك السيرة العطرة، ويستخلص منها المعاني العظيمة، والدلالات السامية، ثم يجعل ذلك نبراساً يضيء له الدرب إلى الله تعالى.

стр. 750

وقعة بدر وفتح مكة وما فيهما من الفوائد والعبر الحمد لله الذي خلق خلقه أطواراً، وصرفهم كيفما شاء عزة واقتداراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بلغ عن الله رسالاته، ونصح له في برياته، فجزاه الله بأفضل ما جزى به نبيناً عن أمته. اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه، وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: عباد الله! فإن تقوى الله أعظم الوصايا وأجل العطايا، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢]. عباد الله! لقد اقترن شهر رمضان بحدثين كريمين مباركين وقعا في حياة رسول الله ﷺ ، هما يوم بدر يوم الفرقان، ويوم فتح مكة يوم علو الشأن. أيها المؤمنون! لقد تجلت في هاتين المعركتين أو في هذين الحدثين الجليلين معان عظيمة، ودلائل سامية، وعظات بالغة لمن ألقى السمع وهو شهيد. عباد الله! لعل من أعظم ذلك وأجله يقين المؤمن بعد أن يتدارس السنة والسيرة العطرة والأيام النضرة، وهذين الحدثين على وجه الخصوص: أن يعلم أن الأمور إنما تدبر في الملكوت الأعلى، وأن الله جل وعلا وحده الفعال لما يريد، فلا يقع في الكون إلا ما أراده الله، خفي ذلك عن البعض أو ظهر، فذلك أمر الله جل وعلا وحده. فقد ذكر الله جل وعلا مسيرة الركب، -أي: قافلة أبي سفيان - وذكر الرب ﵎ خروج خير الخلق ﷺ وأصحابه، وذكر ﵎ خروج قريش تستنصر لقافلتها، كل ذلك وكل منهم كان يحسب أمراً ووقع آخر، قال الله جل وعلا: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال:٤٢]. وخرج ﷺ يوم بدر يطلب العير، وخرجت قريش تنتصر لقافلتها، ونجا أبو سفيان بالقافلة، لكن الله جل وعلا أخر وقدم في إخبار كل أحد بما وقع؛ حتى يلتقي الفريقان، ويلتحم الجيشان، ثم يكون يوم الفرقان كما أراد ربنا ﵎؛ نصرة لنبيه، وإظهاراً لدينه، وإعلاء لشأن كلمة التوحيد التي بعث الله بها الرسل، وأنزل الله جل وعلا من أجلها الكتب.

стр. 751

جعل الله الكعبة مثابة للناس وأمناً أيها المؤمنون! لقد جعل الله جل وعلا البيت الحرام قياماً للناس، وجعله الله جل وعلا مثابة للناس وأمناً، فحقه أن يعظم ويبجل شرعاً، فيعظم مادياً بتطهيره وإعداده للطائفين والعاكفين والركع السجود، ويعظم معنوياً بأن يذكر الله جل وعلا عنده، وأن يطاف حوله، وقد دخل ﷺ الكعبة وطهرها من الأصنام، وصلى في البيت ركعتين، وطاف حول البيت، وأمر بلالاً أن يرقى على سطح الكعبة وأن يؤذن، وبقيت الكعبة إلى اليوم وستبقى إلى أن يهدمها ذو السويقتين منارة سامية، وقمة شامخة رمز الخلود وكعبة الإسلام كم في الورى لك من جلال سام وجعل الله جل وعلا البيت الحرام لنا قبلة، يقول ﷺ : (قبلتكم أحياء وأمواتاً)، فنوجه إليها موتانا، ونتوجه إليه في صلاتنا، ولا نريد البيت وحجارته، لكننا نمتثل لأمر الله جل وعلا وشرعته، ونحن على كل حال عبيد أذلاء للكبير المتعال. جعلني الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 752

تجلي ما كان عليه النبي من رحمة وخلق حسن في هاتين المعركتين وتجلى في هاتين المعركتين ما كان عليه ﷺ من خلق جم وقلب رحيم، وقد بعثه الله رحمة للعالمين، فلما فدت قريش أسراها بعثت زينب ابنة رسول الله ﷺ بقلادة كانت أمها خديجة قد أعطتها إياها يوم فرحها؛ لتفدي بها زوجها العاص بن الربيع، فلما رأى ﷺ القلادة تذكر خديجة ورق لابنته زينب ودمعت عيناه صلوات الله وسلامه عليه. ولما وقف في مكة بعد أن من الله عليه بالفتح الأعظم والمقام الأكرم قال: (يا معشر قريش! ما ترون أني فاعل بكم؟! قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال ﷺ : اذهبوا فأنتم الطلقاء). أيها المؤمنون! عفو رسول الله ﷺ بعد قدرته على من آذاه دليل على منزلته العظيمة التي تبوأها صلوات الله وسلامه عليه من الخلق الجم، والسلوك القيوم، ولا ريب أن الله جل وعلا قد تعاهده ورباه، قال ﵊: (إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمجندل في طينته).

стр. 753

ما تجلى في هاتين الوقعتين من محبة الصحابة لرسول الله ﷺ عباد الله! لقد تجلى في هاتين المعركتين العظيمتين محبة أصحاب محمد ﷺ لنبيهم صلوات الله وسلامه عليه، فآمنوا بأن الله واحد لا شريك له، وهو الذي بعثه، فأحبوا نبيهم ونصروه وعزروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، أناجيلهم في صدورهم ﵃ وأرضاهم. الله يعلم ما قلبت سيرتهم يوماً وأخطأ دمع العين مجراه في تلك الغزوة وفي غيرها في كل محفل وموطن أثبتوا محبتهم ونصرتهم لرسول الله، وقد تجلى ذلك فيهم أفراداً وجماعات، فعلى مستوى الجماعة هو ظاهر في كل غزوة وموطن وسرية، وعلى مستوى الأفراد في يوم بدر وقف ﷺ يقوّم صفوف الجيش قبل المعركة، فإذا بـ سواد بن غزية ﵁ وأرضاه بارز عن الصف، فطعنه ﷺ بقدح كان معه في بطنه، وقال له: (استو يا سواد!) أي: ارجع إلى الصف، (قال: يا رسول الله! أوجعتني، وقد بعثك الله بالعدل والحق فأقدني، فكشف ﷺ عن بطنه وقال له: استقد -أي: خذ حقك- فأقبل سواد على بطن رسول الله يعانقه ويقبله، فتعجب ﷺ وقال: ما حملك على هذا يا سواد؟! قال: يا رسول الله! قد حضر ما ترى -أي: من قرب الموت ودنو الأجل، فهذه ساحة معارك- فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك)، إنه أنموذج لتلك المحبة التي كانت في قلوبهم ﵃ وأرضاهم لرسول الله ﷺ . ولقد تجلت في الأنصار على وجه الخصوص الذين قال الله جل وعلا عنهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]. وكان الصديق ﵁ إذا ذكر الأنصار ومواقفهم ومناقبهم يقول: لا أجد بيننا وبين هذا الحي من الأنصار إلا كما قال الأول: أبوا أن يملوا ولو أن أمنا تلاقي الذي يلقون منا لملتِ فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجمعنا بهم في جنات النعيم مع رسولنا ﷺ . عباد الله! إن وعد الله حق لا محالة، وما الدنيا إلا زهرة حائلة ونعمة زائلة، وكانت قريش عندما بعث نبينا ﷺ بالهدى ودين الحق يحذرهم يوم المعاد، ويوم البعث والنشور وحشر العباد، وهم يهزءون به ويسخرون منه، قال له العاص بن وائل وقد حمل رفات عظم: أتزعم يا محمد أن ربك يحيي هذا بعد موته؟ قال ﷺ : (نعم ويدخلك النار). ثم كان ما كان من قتلى بدر، فوضعهم ﷺ -أي: قتلى المشركين- في بئر مهجورة تعرف بالقليب، ثم وقف ﷺ يناديهم: (يا أبا الحكم بن هشام يا شيبة بن ربيعة يا عتبة -يناديهم بأسمائهم- هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فقال له عمر ﵁: يا نبي الله! أتخاطب أقواماً قد جيفوا؟! قال: يا عمر! ما أنت بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون جواباً). فيتذكر المؤمن هذا الموقف في الدنيا، ويعلم أن هناك في الآخرة يوماً يقال له عياذاً بالله يوم اللعنة، يفصل فيه بين أهل الإيمان وأهل الكفر، ويفصل فيه بين أهل الجنة وأهل النار، ويفصل فيه ما بين من يعملون الصالحات ويعملون السيئات، قال الله جل وعلا: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٤]. اللهم اجعلنا ممن يحيى يرتقب وعدك الحق

стр. 754

إكرام الله لرسوله في هاتين الوقعتين أيها المؤمنون! لقد تجلى في هذين الحدثين العظيمين إكرام الله لرسوله ﷺ ، فالصبر مطية وأي مطية أعطاها الله جل وعلا أنبياءه ورسله، ولهذا قال الله مخاطباً خير خلقه، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]. ولما سجد نبيكم ﷺ أيام البعثة الأولى عند الكعبة انتدبت قريش رجلا ًمنها يضع على ظهره الشريف -وهو أكرم الخلق على الله- سلى الجزور، فمكث سلى الجزور على ظهره الشريف ما شاء الله له أن يمكث، وعبد الله بن مسعود مسلم حاضر لا يستطيع أن ينتصر لنبيه، فبعث رجل رسولاً إلى فاطمة ابنته، فجاءت فاطمة وحملت سلى الجزور عن رسول الله ﷺ ، نظر ﷺ إلى أولئك الذين ائتمروا عليه وتهكموا به، فدعا عليهم وهو عند الله نبي وأي نبي، وكريم وأي كريم. قال ابن مسعود وقد شهد الواقعة الأولى: فلقد رأيت من دعا عليه رسول الله ﷺ صرعى يوم بدر في القليب -قليب بدر- فانظر أيها المؤمن ما هي إلا سنوات ثم انتقم رب الأرض والسماوات لخير من ختم الله به الرسل، وأتم الله به النبوات. وفي أيام البعثة الأولى هم ﷺ أن يدخل الكعبة فمنعه عثمان بن أبي طلحة سادن الكعبة يومئذ من دخول البيت، فقال ﷺ : (يا عثمان! كيف بك إذا كان المفتاح بيدي أضعه بيد من أشاء، فقال عثمان: لقد ذلت قريش يومئذ وهانت)، ثم مضت السنون ومرت الأعوام والله جل وعلا يحفظ نبيه وينصره ويكلأه، حتى دخل ﷺ الكعبة يوم الفتح عزيزاً وما كان ذليلاً قط، وكان منيعاً محفوظاً بحفظ الله جل وعلا له، فكبر في نواحيها، وصلى بالبيت ركعتين، ولما هم بالخروج أنزل الله جل وعلا عليه وهو ﵇ عند عضدتي باب الكعبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، فقال ﷺ بعدما خرج: (أين عثمان بن طلحة؟ قال: أنا هنا يا رسول الله! فأعطاه النبي مفتاح الكعبة كما أخبر به في الأول، وقال: خذوها يا بني شيبة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم)، فهي إلى اليوم فيهم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وقد صدق الله وهو أصدق القائلين: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، وصدق الله وهو أصدق القائلين: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]. أبعد هذا يتوكل على غير الله؟! أبعد هذا يلجأ إلى غير الله؟! أبعد هذا يؤمل أحد أن ينصره أحد غير الله؟! قال العز بن عبد السلام رحمة الله تعالى عليه: والله لن يصلوا إلى شيء بغير الله، فكيف يوصلوا إلى الله بغير الله؟! اللهم اجعلنا ممن توكل عليك فكفيته.

стр. 755

ليلة القدر وفضائل الاعتكاف وآدابه

стр. 756

الاعتكاف في رمضان والاعتكاف أيها المؤمنون سنة من سنن نبيكم ﷺ ، فمن رام أن يعتكف العشر كلها فليدخل معتكفة صبيحة يوم عشرين، وإن دخل المعتكف قبل غروب يوم عشرين أدرك اعتكاف العشر كلها إن لم يخرج من اعتكافه إلا بعد ثبوت العيد إما برؤية الهلال، وإما بإتمام رمضان ثلاثين يوماً.

стр. 757

آداب الاعتكاف ويحسن بالمعتكف أن يبقى في معتكفه في وقت العبادة من الذكر وقراءة القرآن والتسبيح والتهليل، وألا ينشغل بالخلائق عن الخالق، وأما وقت الصلاة فالأكمل في حقه أن يتقدم حتى يكون قريباً من إمامه. والاعتكاف أيها المؤمنون إنما يراد به الانقطاع إلى رحمة رب العالمين ﷻ ، فيكون فيه ذكر الله وقراءة القرآن والتسبيح والتهليل، ولو نام شيئاً من نهاره حتى يستعين بذلك على العبادة بالليل كان أكمل وأعظم وأوفر؛ لأن ليلة القدر ليلاً لا نهاراً. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر:١ - ٥]. فاجتهدوا فيها بالدعاء والعبادة، وقد يوفق بعض الناس في أن يرى علامات على أنها ليلة القدر، لما روى الترمذي بسند صحيح من حديث عائشة أنها قالت لرسول الله ﷺ : أرأيت إن علمت أي ليلة هي ليلة القدر ماذا أقول فيها؟ قال العلماء: فقولها ﵂ وعن أبويها: (أرأيت إن علمت) دل على أنها قد تعلم، فقد يضع الله جل وعلا بعض العلم لبعض خلقه من علاماتها وأماراتها، لكن لا يلزم من كون الإنسان لم ير علامة عليها على أنه لم يقمها ولم يحيها، فليس هناك تلازم ما بين العبادة والقبول وبين وجود أمارة وعلامة على أنها ليلة القدر. فاجتهدوا في الأوتار، واجتهدوا في الشفع من كل الليالي، واعلموا عباد الله! أننا جميعاً لنا ذنوب نحب من الله أن يغفرها، ولنا عيوب نحب من الله أن يسترها، ولنا آمال نحب من الله أن يحققها، ولنا ديون نحب من الله أن يقضيها، ولنا مخاوف نحب من الله أن يؤمننا منها، وكل ذلك لا يعطيه ولا يدفعه إلا الرب ﵎، فعلقوا بالله أنفسكم، واحمدوا الله كثيراً، وابدءوا الدعاء بكثرة الثناء عليه؛ فإنه لا أحد أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه، ثم صلوا بعد حمدكم لله والثناء عليه على نبيكم، ثم تقربوا إلى الله بصالح الدعاء ملحين موقنين بالإجابة؛ لعل الله أن يجعلنا وإياكم من عتقائه من النار. ألا وصلوا وسلموا على خير من قام ليلة القدر، الشافع المشفع في عرصات يوم المحشر، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك اللهم على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وارض اللهم عن أصحاب نبيك أجمعين، وارحمنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين! اللهم وفق ولي أمرنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، واجزه اللهم عن الإسلام وأهله خير الجزاء. اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد، الفرد الصمد، الحي القيوم، الذي لم يلد ولم يولد، في السماء عرشك، وفي كل مكان رحمتك وسلطانك، تعطي وتمنع، وتخفض وترفع، وأنت الله لا إله إلا أنت الأعز الأكرم، أرجعت موسى إلى أمه، ورددت يوسف إلى أبيه، وجمعت بيعقوب بنيه، وجعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم، أنت الله لا إله أنت بيدك مقاليد كل شيء، أنت الله لا إله إلا أنت الحي حين لا حي، وجهك أكرم الوجوه، وعطيتك أحسن العطايا، واسمكم الأعظم أحسن الأسماء، أنت الله لا إله إلا أنت لا رب غيرك، ولا شريك معك، نسألك اللهم بمحامدك كلها يا ذا الجلال والإكرام! أن تصلي على محمد وعلى آله، وأن تعتقنا من النار، وأن ترزقنا يا الله قيام ليلة القدر على الوجه الذي يرضيك عنا، اللهم ارزقنا قيامها على الوجه الذي يرضيك عنا، اللهم ارزقنا قيامها على الوجه الذي يرضيك عنا. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

стр. 758

التماس ليلة القدر الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. أيها المؤمنون! برحمة من الله وفضل تتبوءون في هذه الأيام العشر الوسطى من شهركم المبارك أتم الله علي وعليكم فيه النعمة، ونبيكم ﷺ -وهو الأكمل هدياً- كان يجتهد في العشر الوسطى ما لا يجتهده في العشر الأول، واعتكف ﷺ في أول أمره في العشر الوسطى يلتمس ليلة القدر، حتى كانت صبيحة يوم عشرين خرج ﷺ في صبيحتها على الناس وقال: (من كان معتكفاً فليبق على اعتكافه، فإنني كنت ألتمسها في العشر الوسطى، ثم إنني أخبرت أنها في العشر الأواخر، فمن كان معتكفاً فليعتكف معي، وإنني أريت أنني أسجد في صبيحتها في ماء وطين)، قال أبو سعيد الخدري ﵁ راوي الحديث: فأمطرت السماء في تلك الليلة فوكف المسجد وكان سقفه من عريش، فرأيت النبي ﷺ وقد انصرف من صلاة الصبح وعلى وجهه أثر الماء والطين. لما أتتك قم الليل استجبت لها تنام عينك أما القلب لم ينم الليل تسهره بالوحي تعمره وشيبتك بهود آية استقم صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 759

اختلاف العلماء في تعيين ليلة القدر من هذا الحديث ذهب بعض العلماء إلى أن ليلة القدر هي ليلة إحدى وعشرين؛ لظاهر الحديث الصحيح الصريح هذا، وذهب بعضهم إلى أنها ليلة ثلاث وعشرين لحديث آخر مشابه له، وذهب أبي بن كعب سيد القراء ﵁ وأرضاه وكان يقسم على أنها ليلة سبع وعشرين، كما أخرجه مسلم في الصحيح من طريق زر بن حبيش. وذهب بعض العلماء إلى أنها تتنقل؛ جمعاً بين الروايات، أي: أن ليلة القدر تكون في كل عام في ليلة غير التي سبقت، ولا يلزم أن تكون في سائر الليالي والأعوام في ليلة معينة، وهؤلاء القائلون بالتنقل ذهبوا إلى هذا جمعاً بين الروايات الصحيحة. وأياً كان الأمر فإن ليلة القدر في رمضان قطعاً، ومن قام العشر الأواخر كلها إيماناً واحتساباً متأسياً بهدي رسول الله ﷺ فإنه يوافقها، وقد كان إذا دخلت العشر أيقظ أهله وأحيا ليله، وشد المئزر، وهذه كناية عن السعي والجد في الطاعة والعبادة، إلا أنه لم يثبت أنه ﷺ قام ليلة بأكملها، وإنما يصلي بعض الليل، ويذكر بعضه، ويسبح في بعضه، ويقرأ القرآن في بعضه، فهذه العشر المباركات معين لا ينضب، قال الله جل وعلا: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣] أي: أن العبادة فيها تزن وتساوي عند الله عبادة ألف شهر ليس فيهن ليلة القدر، ولا ريب أن المؤمن الحصيف العاقل المتبع لهدي محمد ﷺ لا يمكن له بحال أن يفرط في هذه الليالي المباركات.

стр. 760

مع سورة (ق) سورة (ق) من أعظم السور التي تؤثر في القلب، وتنقل الإنسان إلى معايشة أحداث الآخرة مما يدفعه إلى المسارعة في الصالحات، والمبادرة إلى عمل الخيرات، والإقلاع عن المنكرات

стр. 761

القرآن العظيم يرد على المشركين ويوبخهم الحمد لله الذي تقدست عن الأشباه ذاته، ودلت على وجوده آياته ومخلوقاته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خالق الخلق بما فيه، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، نبي شرح الله له صدره ورفع الله له ذكره، ووضع الله عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن سورة (ق) سورة مكية النزول، وطالما قرأها وتلاها وبين أسرارها رسول الله ﷺ في خطبة جمعته على منبره حتى حفظ بعض الصحابة هذه السورة من فيه الرطب صلوات الله وسلامه عليه. ولما كان لا هدي أكمل من هديه ولا طريق أقوم من طريقه، فإنه حري بكل من رغب في اتباع السنة والتماس الهدي النبوي أن يشرع بين الحين والآخر في ذكر ما في هذه السورة من عظيم الآيات وجلائل العظات وبالغ التخويف من رب العالمين ﷻ لعباده. أيها المؤمنون! لا أحد أعلم بالله من الله ﵎، ولا أحد أدل على الطريق الموصل إلى جنانه والمبعد عن نيرانه منه ﵎، ولهذا أقسم الله جل وعلا في هذه السورة بالقرآن وختم هذه السورة بقوله جل شأنه: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥]. وإن المؤمن إذا كان على الفطرة قويماً، وعلى منهاج محمد ﷺ مستقيماً، لا يتأثر بشيء أعظم من تأثره بالقرآن. فبالقرآن يجاهد المؤمن، قال الله جل وعلا: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢]. وبالقرآن يقوم المؤمن بين يدي ربه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]. وبالقرآن يخوف من عصى الله: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥]. جعله الله جل وعلا شرفاً لهذه الأمة في الدنيا والآخرة: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤]. والذكر هنا بمعنى الشرف العالي والمقام العظيم الذي آتاه الله نبيه ﷺ بما أوحى إليه من هذا القرآن العظيم. ثم أخبر ﵎ أن أعظم العجب الذي انتاب كفار قريش أنهم استكبروا أن يبعث رسول من بين أظهرهم يعرفهم ويعرفونه، فقالوا مستكبرين كما قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ق:٢]. وهذه العلة في الرد هي العلة التي ذكرتها الأمم من قبل، فأكثر الأمم التي بعث إليها الرسل كان أكبر حجتهم في الرد على رسلهم أنهم اعترضوا أن يبعث الله جل وعلا بشراً رسولاً. فأخبر الله ﵎ أنه لو قدر أن ينزل الله جل وعلا ملكاً لكان هذا الملك بشراً رسولاً يحمل أوصافهم ولبقي الأمر ملتبساً عليهم. ورسولنا ﷺ كانت قريش تعرفه قبل أن يبعث بأمانته وعفافه وطهره صلوات الله وسلامه عليه، تعرف منشأه ومدخله ومخرجه، فليس لهم حجة في اعتراضهم عليه صلوات الله وسلامه عليه، بل الأمر رحمة محضة يضعها الله جل وعلا حيث يشاء، قال جل ذكره: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] فقال ﵎ مجيباً لهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف:٣٢]. فاقتضت رحمة الله جل وعلا وحكمته ومشيئته أن يكون محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء وسيد الأولياء وأفضل الخلق أجمعين، ولله جل وعلا الحكمة البالغة والمشيئة النافذة. ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق:٢] وكما اعترضوا على الرسول اعترضوا على الرسالة، وأعظم ما اعترضوا به إنكارهم للبعث والنشور، وأن العظام إذا بليت والأجساد إذا تقطعت كيف سيكون لها بعد ذلك مبعث ونشور، فقالوا: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق:٣]. فقال الحق ﷻ وعظم سلطانه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:٤]. قال صلوات الله وسلامه عليه: (كل جسد ابن آدم يبلى في قبره إلا عجب الذنب، منه خلق وفيه يركب). أجساد الشهداء، وأجساد حفاظ القرآن، وأجساد الصالحين، وأجساد غيرهم من الخلق أجمعين كلها تبلى إلا أجساد الأنبياء، قال ﷺ : (إذا كانت ليلة الجمعة أو يومها فأكثروا من الصلاة علي، قالوا: يا رسول الله، كيف نصلي عليك وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء). فخرجت أجساد الأنبياء بهذا الحديث الصحيح، وبقي غيرها من الأجساد عرضة للبلاء والذهاب كما أخبر الله ﵎ ظاهراً في كتابه، وكما بينته السنة الصحيحة الصريحة عن رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه. ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق:٤] ذلكم هو اللوح المحفوظ. فقوله: (حَفِيظٌ) أي: محفوظ لا يتغير ولا يتبدل، فهو حفيظ لا يشذ عنه شيء، حفيظ كتبته الملائكة بأمر من الرب ﵎، فما فيه لا يتغير ولا يتبدل إلى أن يقوم الخلق ويحضر الأشهاد بين يدي رب العباد ﵎.

стр. 762

جليل صنائع الله وعظيم خلقه ثم ذكر جل شأنه بعضاً من عظيم خلقه وجلائل صنائعه، فذكر السماء والأرض وإنزال المطر وإنبات الزرع وأن ذلك كله لا يخلقه إلا الله ﵎. ومن تأمل في عظيم المخلوقات دلته بصيرته وبصره إلى رب البريات ﷻ ، فما أجمل أن تكون الأشياء من حولنا تدلنا على ربنا ﵎. قال الله جل وعلا عن القانتين من خلقه والمتقين من عباده: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]. فما عظمة المخلوق إلا دلالة على عظمة الخالق، وما جلالة المصنوع إلا دلالة على جلالة البارئ جل شأنه، وما من مخلوق إلا والله جل وعلا خالقه ومدبره، وذلك المخلوق فقير كل الفقر إلى الله والله جل وعلا غني كل الغنى عن كل مخلوق، خلق العرش وهو مستغن عن العرش، خلق حملة العرش وهو مستغن عن حملة العرش، خلق جبريل وميكال وإسرافيل وملك الموت وغيرهم من الملائكة وهو جل وعلا مستغن كل الغنى عنهم، وهم أجمعون فقراء كل الفقر إلى ربهم ﵎. ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:٢]، فحياته جل شأنه حياة كاملة لم يسبقها عدم ولا يلحقها زوال، وقوله جل وعلا: (الْقَيُّومُ) أي: قيوم السماوات والأرض، احتاج كل أحد إليه واستغنى جل وعلا عن كل أحد، لا إله إلا هو رب العرش العظيم.

стр. 763

إثبات قدرة الله على البعث بعد الموت ثم ذكر جل وعلا بعد ذلك الخصومة التي كانت بين نبيه ﷺ وبين كفار قريش، فإنهم اعترفوا أول الأمر بأن الله هو خالقهم ثم قالوا: إن الله غير قادر عن أن يبعثنا، فقال الله جل وعلا: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق:١٥] وهم موافقون على أننا قد خلقناهم أول مرة، لكن اللبس الذي في قلوبهم والشك الذي في صدورهم إنما هو ناجم عن إعادة البعث والنشور. قال الله جل علا مجيباً العاص بن وائل لما أخذ عظاماً بالية ووضعها في كفه ثم نفثها في وجه رسول الله ﷺ وهو يقول: أتزعم يا محمد أن ربك يعيد هذا بعد خلقه؟ قال الله مجيباً له: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٧٨ - ٨١] آمنا بالله الذي لا إله إلا هو.

стр. 764

قرب الله جل وعلا من عباده ثم قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]. وهذا قرب الله جل وعلا من عباده بملائكته، بذلكم الرقيبين اللذين يحصيان الكلمات ويعدان الأفعال، الذي عن اليمين يكتب الحسنات ويشهد على الآخر، والذي عن الشمال يكتب السيئات ويشهد على الآخر، ثم يلتقيان بين يدي الله الذي لا تخفى عليه خافية، فطوبى لعبد كانت سريرته خيراً من علانيته. قال الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق:١٦ - ١٧] وهذا بيان للأول، أي: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد) حين يتلقى المتلقيان. ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٧ - ١٨] تمضي على ذلك أيامه وأعوامه وما كتب الله له من الحياة حتى يواجه سكرة الموت، وكلما تلفظ به مسطور مكتوب لا يغيب.

стр. 765

سكرات الموت قال الله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] أي: تفر، فلا يوجد أحد يلقي بنفسه إلى المهالك. وقف الصديق ﵁ يواجه سكرة الموت وهو مضطجع في بيته، فكانت ابنته عائشة ﵂ تردد قولاً قديماً لـ حاتم طي: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر فكشف الصديق وهو في سكرة الموت عن غطائه وقال: يا بنية، لا تقولي هذا، ولكن قولي كما قال الله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]. وسكرة الموت غرغرة الروح قبل أن تخرج من الجسد، فإذا خرجت سميت روحاً، وإذا بقيت ما زالت نفساً، وهي لحظات يواجهها كل أحد، ولو بدا لك بين عينيك أن الميت لا يواجه شيئاً من هذا، فكم من أمر مخفي لا يعلمه إلا الله! ويشتد الموت على الأنبياء؛ لأن الموت مصيبة، والمصيبة أعظم ما تكون على الصالحين وأولياء الله المتقين، وإن لم يبد ذلك ظاهراً للعيان لمن كان محيطاً بالميت؛ لكن الميت حال نزع الروح يواجه من الأمور العظام ما الله به عليم، ثم يخففه الله جل وعلا فتنزع روحه آخر الأمر نزعاً رفيقاً خفيفاً لعناية الرب ﵎ بأوليائه بعد أن تثبتهم الملائكة، كما قال الله جل وعلا في فصلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠]. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [ق:٢٠] أي: مرت على الناس أهلة وأهلة وهم في قبورهم، ثم انتهى الأمر إلى الفناء العام فنفخ في الصور النفخة الأخرى فقام الناس بين يدي ربهم. ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢١ - ٢٢] فليست حياة البرزخ ولا حياة الآخرة كحياة الدنيا، فإن في الدنيا من الغيبيات ما الله به عليم، وفي حياة البرزخ ينكشف الكثير من تلك الغيبيات، وفي حياة الآخرة يصبح الأمر كله عين اليقين، يرى الإنسان ما كان يسمعه ويتلوه من كلام الله وكلام رسوله ﷺ , وما أخبر به من الغيبيات ماثلاً بين عينيه، قال الحق جل شأنه: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢].

стр. 766

جزاء المجرمين وجزاء المتقين وهنا يقول قرينه الذي وكل إليه من الشياطين: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق:٢٣] فيكون الخطاب الرباني: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [ق:٢٤ - ٢٦]. أيها المؤمنون! لا ذنب يلقى الله جل وعلا به أعظم من الشرك، فإنه ذنب لا يغفره الله أبداً. أما المؤمنون فإن أول عمل ينظر فيه ما كان بينهم وبين الله وهو الصلاة، فمن حافظ عليها فقد حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. وأول ما ينظر إليه مما بين الناس مسألة الدماء، فأول ما يقضى به بين الخلائق الدماء. ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق:٣١ - ٣٢] المؤمن في طريقه إلى الله جل وعلا يقول الله عنه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] ينتابه الحزن والسرور والصحة والمرض والشباب والشيخوخة وتنتابه أمور كثيرة ومطالب عظام، يدلف حيناً إلى الطاعات، ويقع أحياناً في المعاصي، ويستغفر ما بين هذا وذاك، يفقد أمواله، يفقد أولاده، إلى غير ذلك مما يشترك فيه أكثر الناس، فيبقى الحزن في قلبه حتى يقف بين يدي الله جل وعلا وييمم كتابه ويرى الجنة قد قربت وأزلفت، فإذا دخلها نسي كل بؤس وحزن قد مر عليه قبل ذلك، جعلني الله وإياكم من أهل ذلك النعيم. قال الله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا﴾ [ق:٣٢] أي: الذي ترونه، ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ [ق:٣١ - ٣٢] أي: ما كنتم توعدونه في الدنيا. ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق:٣٢] أواب: دائم التوبة والإنابة والاستغفار لله جل وعلا، (حفيظ) لجوارحه أن تقع في الفواحش التي حرم الله من ما ظهر منها أو بطن. ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق:٣٢] وذكر الله جل وعلا النار قبل ذلك وأنها يلقى فيها حتى تقول: قط قط، أي: يكفي يكفي، قال الله جل وعلا قبل ذلك: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠]. وقوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣١ - ٣٣] ما القول الذي يقال لهم؟ يقول لهم العلي الأعلى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق:٣٤]. والموت أعظم ما يخوف به الناس في الدنيا، ولأجل ذلك يذهب عنهم يوم القيامة. قال الله جل وعلا: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] وأعظم ما فسر به المزيد رؤية وجه الله ﵎. اللهم إنا نسألك في مقامنا هذا لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 767

رد الله على اليهود الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. ثم قال جل ذكره: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٦ - ٣٧] وإن من دلائل الاتعاظ والإيمان أن ينظر الإنسان في الأمم الغابرة والأيام الخالية، فينظر إلى صنيع الله جل وعلا في من عصاه، ورحمته ﵎ بمن أطاعه واتبع هداه. زعمت اليهود أن الله بدأ الخلق يوم الأحد وانتهى يوم الجمعة واستراح يوم السبت، تعالى الله عما يقولون الظالمون علواً كبيراً، فقال جل ذكره ممجداً نفسه ومادحاً ذاته العلية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]. ثم أمر نبيه بالصبر على ما يقوله أعداؤه: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ق:٣٩] ولا بد للصبر من مطية، ألا وأعظم المطايا ذكر الله ﵎، والوقوف بين يديه مناجاة ودعاء، قال الله جل وعلا: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٩]. فدعا نبيه إلى كثرة الصلاة والذكر - على القول بأن التسبيح هنا الصلاة - وقيل إنه الذكر المطلق والمقيد وهو أظهر والعلم عند الله. ثم قال: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق:٤١] هذا نداء لكل من يقرأ القرآن، والمنادي هو إسرافيل ﵇، والمكان القريب بيت المقدس، سمي قريباً لأنه قريب من مكة، وهذه السورة نزلت في مكة، وليس بيت المقدس عن مكة ببعيد. ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق:٤١ - ٤٢] ينادي: أيتها العظام البالية، أيتها الأوصال المتقطعة، إن الله يدعوكن لفصل القضاء! فتجتمع الأجساد وتدب فيها الأرواح بعد أن تخرج من مستقرها ويخرج الناس لرب العالمين. ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [ق:٤٣ - ٤٥] سواء جهروا به أو لم يجهروا، فالقلوب له مفضية والسر عنده علانية، وليس عليك أيها النبي إلا البلاغ، فقال الله جل وعلا له: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥] عوداً على بدأ، فكما أقسم الله بقرآنه العظيم في بدابة السورة، ختم السورة به كما بيناه في أول خطبتنا، وذلك أن القرآن جعله الله جل وعلا هدى ونوراً لهذه الأمة. جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم آياته كلما طال المدى جدد يزينهن جلال العتق والقدم فصلوا وسلموا على من أنزل إليه هذا القرآن، إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن أصحاب نبيك أجمعين بلا استثناء، وخص اللهم منهم الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء، وارحمنا اللهم برحمتك معهم يا ذا الجلال والإكرام، واغفر اللهم لنا في جمعتنا هذه أجمعين. اللهم وفق ولي أمرنا بتوفيقك وأيده بتأييدك، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، اللهم وأصلح أحوال أمة محمد ﷺ في كل مكان، اللهم إنا نسألك الإيمان والعفو عما مضى وسلف وكان من الذنوب والآثام والعصيان. اللهم من روع أهل مدينة رسولك ﷺ فمكن منه واخذله يا رب العالمين، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، والفوز بالجنة والنجاة من النار، اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى من الجنة، اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى من الجنة، اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى من الجنة. عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 768

إلا رسول الله ﷺ لا يؤمن المرء حتى يحب النبي ﷺ أكثر من محبته لنفسه وماله وولده، وقد صدر من بعض الصحفيين في الدنمارك استهزاء بالرسول ﷺ مما أثار غيرة المسلمين، وقد كان للعلماء تجاه هذا الحدث مواقف تدل على مكانتهم الدينية.

стр. 769

سيرة النبي ﷺ بصورة مجملة الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فإن الإنسان إذا أدرك يقيناً أنه عبد لربه ﵎، وابن عبد وابن أمة، انتصب لما أمره الله جلّ وعلا به, وأذعن لما بلغه الله جل وعلا إياه على ألسنة رسله. وإن مما أفائه الله علينا -معشر المسلمين- أن جعلنا الله جل وعلا حظاً لهذا النبي ﵊ من الأمم، كما جعله حظنا من النبيين. وهو ﵊ بشارة أخيه عيسى، ودعوة أبيه إبراهيم من قبل، ورؤيا أمه التي رأت قبل أن تضعه أن نوراً خرج منها أضاءت له بصرى من أرض الشام، صلوات الله وسلامه عليه. والحديث عنه ليس كالحديث عن كل أحد من الخلق، وإن كان ﷺ من جملة الخلق: (إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله). فلا نتعدى به ما وضعه الله جل وعلا فيه من المقام الرفيع والمنزلة الجليلة, إلا أن من رحمة الله جل وعلا بنا، وفيئه علينا ﵎ أن جعلنا من أمته، نسأل الله الثبات على ذلك حتى الممات، وأن يحشرنا جل وعلا يوم القيامة في زمرته. نسمع المؤذن كثيراً يقول: أشهد أن محمداً رسول الله, فتتعلق قلوبنا وتهفو أفئدتنا إلى ذلك المعنى الجميل الذي ينطوي تحت هذه الشهادة المباركة، وإن أعظم ما يفيء إلينا أن الإنسان يتمنى لو قدر له لو رأى النبي ﷺ . ومعلوم أن هذا أمر قد مضى قدراً بقدر الله جل وعلا ورحمته، ونحن دائماً وأبداً مؤمنون مذعنون لقضاء الله جل وعلا وقدره, فإن كان قد فاتنا شرف الصحبة فقد بقي لنا شرف الإتباع. أقول: إن قول المؤذن: (أشهد أن محمداً رسول الله) يضع المؤمن أمام تاريخ مجيد، وشخصية فريدة، وعبد وأي عبد أثنى الله عليه في الملأ الأعلى، بل جعله الله جل وعلا أمنة لأهل الأرض من العذاب, قال الله جل وعلا عن طغاة الأرض يومئذ وهم كفار قريش: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣] صلوات الله وسلامه عليه, مع أن تعذيب الأمم السابقة سنة ماضية لم تتغير إلا بعد مبعثه صلوات الله وسلامه عليه. كما أنه ﵊ عرج به ربه بواسطة جبريل إلى الملأ الأعلى والمحل الأسنى, وتجاوز مقاماً يسمع فيه صريف الأقلام, كل ذلك من احتفاء الله وإظهاره كرامة هذا النبي. ولقد قال الله تعالى على لسان الخليل إبراهيم مثنياً على مقامه عند الله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧]. فكيف الاحتفاء بمحمد ﷺ ، وإن كان خليل الله إبراهيم لا يبعد كثيراً عن منزلة نبينا صلوات الله وسلامه عليه! الذي دفعنا إلى هذا القول: أن هذه الواقعة التي وقعت التي سنتحدث عنها تفصيلاً بعد تجاوز المسألة الإيمانية، أقول: قد يشتاق كل مؤمن لو نال شرف الصحبة. ولهذا أستأذنكم وأستأذن من يرانا ويسمعنا في نقل ما وصفه به أصحابه ﵃ وأرضاهم- الذين منَّ الله عليهم برؤية هذا النبي الحبيب الشفيع صلوات الله وسلامه عليه, وجملة ما قالوه: أنه كان ﵊ سبط الشعر، بمعنى: أن شعره لم يكن مسترسلاً ولم يكن ناعماً, كما أنه ﷺ كان أقنى الأنف أجلى الجبهة, في جبينه أو في جبهته ﷺ عرق يدره الغضب, إذا غضب في ذات الله امتلأ هذا العرق دماً. وكان أزج الحواجب في غير قرن, أشم الأنف, طويل أشفار العينين, ضليع الفم أي: كبير الفم, مهذب الأسنان, كث اللحية, الشيب فيه ندرة صلوات الله وسلامه عليه، وأكثر شيبه في صدغيه الأيمن والأيسر، وأكثر شيبه أسفل شفته السفلى في عنفقته صلوات الله وسلامه عليه, عريض المنكبين كأن عنقه إبريق فضة, من وهدة نحره ﵊ إلى أسفل سرته شعر ممتد، ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره. جاء الرواة بنعته بقولهم: دقيق المسربة، إذا أشار أشار بيده كلها, وإذا تعجب من شيء قلب كفيه وقال: سبحان الله. وعند البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح: (أنه كان إذا تعجب من شيء عض على شفتيه) صلوات الله وسلامه عليه, من رآه من بعيد هابه، ومن رآه من قريب أحبه, يقول علي ﵁: لم أر قبله ولا بعده أفضل منه صلوات الله وسلامه عليه. ونحن على ما قال علي ﵁ من المصدقين المؤمنين. فما حملت من ناقة فوق رحلها أبر وأوفى ذمة من محمد. ضخم الكراديس -أي: عظام المفاصل- إذا مشى يمشي يتكفأ تكفؤاً كأنه يتكئ على أمشاط قدميه أكثر مما يتكئ على كعبيه. عاش ﵊ ثلاثة وستين عاماً، أربعون عاماً منها قبل أن ينبأ, ثم نبئ بـ ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق:١] وأرسل بالمدثر, وتوفي على رأس ثلاث وستين سنة من عمره الشريف الطاهر صلوات الله وسلامه عليه. عاش منها ثلاثة عشر عاماً نبياً ورسولاً في مكة, يدعو إلى الله ويجاهد في الله حق جهاده. وضع على ظهره ﵊ وهو ساجد سلا الجزور، ومع ذلك بقي ساجداً حتى علمت فاطمة فحملت سلا الجزور عن أبيها، وهو عند الله في المنزلة العالية، والدرجة الرفيعة، والمقام الجليل صلوات الله وسلامه عليه. أنزل الله عليه القرآن منجماً في ثلاثة وعشرين عاماً. لم يخاطبه الله جل وعلا في القرآن كله باسمه الصريح. فليس في القرآن: يا محمد، ولكن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال:٦٤] , ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة:٤١] كل ذلك من دلائل مقامه وجلال شرفه وعلو منزلته عند ربه ﵎. عرج به كما بينا إلى سدرة المنتهى، ثم عاد صلوات الله وسلامه عليه في نفس الليلة، ثم هاجر إلى المدينة فمكن الله له هناك وأقام دولة الإسلام. مكث في المدينة عشر سنين جاهد في الله ﵎ حق جهاده. شج رأسه يوم أحد وسال الدم على وجهه, وكسرت رباعيته وينظر إلى قريش ويقول: (كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم وهو يدعوهم إلى الله). في العام العاشر أذن في الناس أنه ﵊ عازم على الحج، فأم المدينة خلق كثير كلهم يريد أن يأتم برسول الله ﷺ في حجته. فأنزل الله عليه في يوم عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] فعلم أن الأجل قد قاربه, فأخذ يودع الناس ويقول: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا). ثم رجع إلى المدينة بعد أن أكمل نسكه وأتم حجه. وفي أوائل شهر ربيع الأول من ذلك العام أصيب ﷺ بصداع ودخل على عائشة ﵂ وهي تقول: (وارأساه! فقال: بل أنا وارأساه). ثم أخذ يشكو المرض حتى حانت ساعة الوفاة في يوم الإثنين من شهر ربيع. دخل عليه أسامة بن زيد يسأله أن يدعو له، فرفع يديه يدعو دون أن يظهر صوتاً، وهو سيد الفصحاء وإمام البلغاء. ثم دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر في الساعات الأخيرة وفي يد عبد الرحمن سواك فأخذ يحدق النظر في السواك كأنه يريده، ففهمت عائشة الصديقة بنت الصديق مراد رسول الله ﷺ ، فأخذت السواك وقضمته وطيبته وأعطته نبي الله ﵊، فاستاك في الساعات الأخيرة قبل أن تفيض روحه إلى ربه ﵎، ثم جاءه الملك يخيره فسمعته عائشة ﵂ وهو يقول: (بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى) قالها ثلاثاً. ثم مالت يده وفاضت روحه إلى أعلى عليين في المحل الأسنى والملكوت الأعلى صلوات الله وسلامه عليه. هذه على وجه الإجمال -أيها الإخوة والأخوات المباركون- سيرة نبيكم ﷺ ، ونبذة عن نفسه مما علق قلوبنا بحبه بعد حب الله ﵎. فنحن نحبه لأن الله اختاره واصطفاه واجتباه، والله جل وعلا يقول: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨]. فهو ﵊ رسول رب العالمين ونبي الأميين، وأفضل أهل الأرض وأفضل أهل السماء. قال شوقي ونعم ما قال: ريم على القاع بين البان والعلم أحل سفك دمي في الأشهر الحرم رَمى القَضاءُ بِعَينَي جُؤذَرٍ أَسَدًا يا ساكِنَ القاعِ أَدرِك ساكِنَ الأَجَمِ لَمّا رَنا حَدَّثَتني النَفسُ قائِلَةً يا وَيحَ جَنبِكَ بِالسَهمِ المُصيبِ رُمي جَحَدتُها وَكَتَمتُ السَهمَ في كَبِدي جُرحُ الأَحِبَّةِ عِندي غَيرُ ذي أَلَمِ يا لائِمي في هَواهُ وَالهَوى قَدَرٌ لَو شَفَّكَ الوَجدُ لَم تَعذِل وَلَم تَلُمِ إلى أن قال: يا أَفصَحَ الناطِقينَ الضادَ قاطِبَةً حَديثُكَ الشَهدُ عِندَ الذائِقِ الفَهِمِ اللهُ قَسَّمَ بَينَ الخلق رِزقَهُمُ وَأَنتَ خُيِّرتَ في الأَرزاقِ وَالقِسَمِ إِن قُلتَ في الأَمرِ لا أَو قُلتَ فيهِ نَعَم فَخيرَةُ اللهِ في لا مِنكَ أَو نَعَمِ أَخوكَ عيسى دَعا مَيتًا فَقامَ لَهُ وَأَنتَ أَحيَيتَ أَجيالاً مِنَ الرمم جاءَ النبِيّونَ بِالآياتِ فَاِنصَرَمَتْ وَجِئتَنا بِحَكيمٍ غَيرِ مُنصَرِمِ آياتُهُ كُلَّما طالَ المَدى جُدُدٌ يَزينُهُنَّ جَلالُ العِتقِ وَالقِدَمِ أَسرى بِكَ اللَهُ لَيلاً إِذ مَلائِكُهُ وَالرُسلُ في المَسجِدِ الأَقصى عَلى قَدَمِ لَمّا رأوك بِهِ اِلتَفّوا بِسَيِّدِهِمْ كَالشُهبِ بِالبَدرِ أَو كَالجُندِ بِالعَلَمِ صَلّى وَراءَكَ مِنهُمْ كُلُّ ذي خَطَرٍ وَمَن يَفُز بِحَبيبِ اللهِ يَأتَمِمِ جُبتَ السَماواتِ أَو ما فَوقَهُنَّ بِهِمْ دجى عَلى مُنَوَّرَةٍ دُرِّيَّةِ اللُجُمِ رَكوبَةً لَكَ مِن عِزٍّ وَمِن شَرَفٍ لا في الجِيادِ وَلا في الأَينُقِ الرُسُمِ حَتّى بَلَغتَ سَماءً لا يُطارُ لَها عَلى جَناحٍ وَلا يُسعى عَلى قَدَمِ مَشيئَةُ الخالِقِ الباري

стр. 770

التحرير العلمي لمسألة الجهاد والسيف في الإسلام المقدم: عندما جهل كثير من المسلمين هذه المعاني التي تطرقتم إليها, كان ذلك سبباً في عدم قيامنا بواجبنا تجاه رسولنا ﷺ ، وبالتالي كان ما كان من هذا الاستهزاء الذي حصل من أولئك القوم. هنا وقد ألمحتم في بداية حديثكم إلى أننا نود تحرير مسألة الاستهزاء تحريراً علمياً. الشيخ: استهزاء أهل الرذيلة بأهل الفضيلة سنة ماضية، قال الله تعالى عن أول رسله نوح: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر:٩]. وقال تعالى في آية أشمل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان:٣١]. فهذه سنة ماضية لله ﵎ في خلقه، ونبينا ﷺ في الذروة من أهل الفضل، وما وقع أخيراً من الصحافة الدنماركية على وجه التحديد وغيرها من الصحف حتى في النرويج من سخرية واستهزاء بنبينا ﷺ إنما هم في الحقيقة ينبئون عما في قلوبهم. ولكن تحرير المسألة علمياً: الأصل في هذه المسألة أن هذا الأمر ينطلق من أصلين: الأصل الأول: فردي، وهذا يختلف الناس فيه، وهو قضية الحقد على النبي ﷺ . وهذا الحقد قد يوجد في يهودي، يوجد في نصراني، يوجد في من لا دين له، وقد لا توجد عداوة فردية شخصية, حتى نقل أن بعض اليهود الدنمارك أنكروا على الصحيفة سخريتها بالنبي ﷺ , والله تعالى يقول: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٧٥] فالإنصاف قد يوجد عند غير المسلمين. الأصل الثاني وهو موضوع الكلام هنا: أنهم ربما التبس عليهم القتل وسفك الدماء الذي يحصل أحياناً ونسبته إلى الإسلام، أو بتعبير أصح: عدم فقه الغربيين لمفهوم الجهاد والقتال في الإسلام. وهذه القضية قديمة جداً، حتى إن بعض الكتاب كـ توماس أورليد أو غيره كانوا يقارنون بين ما في القرآن الذي جاء به محمد ﷺ من ربه من أوامر بالقتال، وما في الإنجيل الذي أنزل على عيسى, ويقولون: انظروا إلى الفارق بين من يدعو إلى سفك الدماء ومن يأمر الناس بالرحمة، يقصدون عيسى؟! وهذا أصل القضية قديماً، لكنها أخذت حيزاً أكبر في عصرنا. تحرير المسألة أن يقال: إن الله بعث نبيه بأمرين: بعثه بالسيف والعدل. من سنن الله التي لا تتبدل أنه ليس كل أحد يمكن أن يأتي بلين القول، ولا يجادل في هذا عاقل, فحتى هؤلاء الذين يسخرون من نبينا ﷺ ويتهمونه بأنه جاء بالقتال لو أتى شخص ليداهم منازلهم الخاصة فلا بد أن يردوه بشيء من القوة, فالقوة في الشرع الذي جاء به محمد ﷺ إنما شرعت لحفظ المسألة الكبرى وهي مسألة التوحيد التي بعث الله بها نبيه رحمة للعالمين. فمن رحمة الله جل وعلا بخلقه أن الأنبياء جاءوا بتوحيد الله جل وعلا, وهذا أعظم رحمة لهم؛ لأن ضد ذلك أن يشرك بالله، وهذا أعظم الظلم وأعظم طرائق الخسران والوبال. هذه قضية السيف، فالسيف في الإسلام ليس منفكاً عن العدل: واترك رعمسيس إن الملك مظهره في نهضة العدل لا في نهضة الهرم فالمقصود في الإسلام هو العدل، بمعنى: أن هذا السيف يرفع على من وقف في طريق تبليغ الدعوة إلى لله بضوابطه الشرعية المفصلة فقهياً في مظانها على أيدي فقهاء الإسلام الوارثين العلم عن رسول الله وأصحابه ﵃ وأرضاهم. لكن لا يمكن الحديث عن السيف دون الحديث عن العدل، أو الحديث عن العدل دون أن يحمى بالسيف، لا تقوم حضارة صحيحة منصفة قوية إلا أن تقوم على حق وهو أس الحضارة, ثم هذه الحضارة تحمى بأمرين: تحمى بالعدل وتحمى بالسيف، وعلى فرض ما قال النصارى وزعموه أن عيسى ﵇ صلب, نقول: على فرض هذه الجدلية الكاذبة فإن عيسى هذا الذي تدعون أنه قتل قتلاً لو وجد من ينصره لما قتل. والشر إن تلقه بالخير ضقت به ذرعاً وإن تلقه بالشر ينحسم. يترتب على هذه القضية في تحرير المسألة علمياً، أنه لابد أن يفرق عند الحكم على أحد عن حالته الخاصة وحالته العامة, وهذا أصل في الحكم على الملوك والسلاطين وذوي القدر والجاه، فلا يكون الحكم على الشخص في حالته العامة كالحكم عليه في حالته الخاصة. وسآتي بمثال قريب جداً قبل أن أنتقل للنبي ﷺ : لو فرضنا أن أحد الناس له ابن صدمته سيارة، فجاء أهل الجاني بعد أن مات الغلام شفعاء ووجهاء وجيران حي إلى ولي الدم يقولون له: تنازل عن الدية فإن من صدم ابنك لم يتعمد، ثم إنه فقير أو غير ذي مال كثير. هنا الرجل ينظر إلى حالة خاصة فيقول: تنازلت وعفوت! فنقول: هذا شيء مقبول محمود مثني عليه في الكتاب والسنة وفي أعراف الناس. لكن لو قدر أن نفس الرجل صدم أخوه وقد ترك ذرية، وكانت هذه الذرية دون الخامسة عشرة وتسمى في حكم الشرع والاصطلاح أيتاماً، فلهم حق, فلو جاء هؤلاء الشفعاء وطلبوا منه أن يتنازل عن دية أخيه لم يكن له أن يتنازل، لأنه لو تنازل أضاع حقوق اليتامى، فليس له أن يتنازل عن دية أخيه، وإنما يطالب بها بقوة حتى يحفظ لليتامى حقهم. فالكلام بالشيء العام والولاية غير الكلام بالشيء الخاص. فالنبي ﷺ كان يرحم الشاة ويقول لأصحابه: (والشاة إن رحمتها يرحمك الله). فهو ﵊ لا يغضب إلا في ذات الله، وهو ﵊ الذي يقبل أعرابي يشده فيعفو عنه, وتأخذ الجارية من أهل المدينة بيده فتذهب به حيث شاءت صلوات الله وسلامه عليه. لكن عندما تريد أن تؤسس دولة وتقيم عقيدة وترمي إلى نشرها في الأرض، ينبغي أن تنظر إلى المصالح والمفاسد، وتنظر أين المصلحة العليا لهذا الدين الذي جئت به، فتعفو عندما يكون العفو له مردود إيجابي، ولا تعفو حينما لا يكون للعفو مردود إيجابي، وهذا عين شرعه الذي طبقه ﷺ ، وهذا الذي جاء به محمد ﷺ من ربه في قضية السيف الموازي للعدل الحافظان كلاهما لقضية العدل. فهؤلاء الدنماركيون أو غيرهم ممن يقرأ قضية الجهاد في سبيل الله قراءة خاطئة ويتهم النبي ﷺ بكذا وكذا مما لا نستسيغ أن نقوله حتى على سبيل ضرب المثال؛ كل ذلك لأن الأمر لديهم ملتبس أو لأنهم لم يحرروا علمياً النظرة الحقيقية له صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن أي شيء إنما يترك إذا كانت هناك مفسدة أكبر منه، ولا توجد مفسدة أعظم من الشرك بالله جل وعلا. وهو ﷺ ما رفع السيف على قريش إلا عندما حالت بينه وبين أن يبلغ دعوة الله، ومنعته حتى أن يقيم دينه في المدينة، فرفع السيف عليهم، وإلا فقد جاء الإسلام بالجزية كما هو معلوم، وهذا تحرير المسألة علمياً. فهؤلاء وأشياعهم أو من آمن بفكرهم من صحفيين أو غيرهم لم تحرر لديهم مسألة السيف في دين الرب ﵎ تحريراً علمياً. فرمي الإسلام بقضية السيف، ورميت هذه البلاد بأن شعارها السيف، لكن تحرير المسألة علمياً ينتج أنها قضية حق يراد أن يقام له حافظان: السيف والعدل.

стр. 771

كيف نخاطب المستهزئين بالجناب النبوي المقدم: فضيلة الشيخ ذكرتم هذه المسألة وهذه الإشكالية وحررتموها حقيقة، لكن لا زال هناك عدد من المشكلات العالقة، والقضايا غير الواضحة لدى هؤلاء الغربيين. السؤال هل أنت مع من يقول بأنه لابد أن نفتح مع هؤلاء قنوات للحوار وقنوات للتواصل، ونعقد مناظرات وندوات نظهر لهم من خلالها رحابة هذا الدين وجماله ويسره، وعظمة رسوله ﷺ ؟ الشيخ: هذا حق مقيد، من استهزأ بنبينا ﷺ أو رفع السيف على هذه الأمة فيرد عليه بالطريقة نفسها، أما من بقي محايداً فهذا هو الذي يستقطب بأن يبين له السيرة العطرة والأيام النضرة وسماحة نبينا ﷺ وسماحة الإسلام، ولكن كما قلت والبيت لـ شوقي: والشر إن تلقه بالخير ضقت به ذرعاً وإن تلقه بالشر ينحسم المقصود من هذا أن هؤلاء الذي وقع منهم السخرية والاستهزاء لا كرامة لهم, وإنما ينبغي أن نجلب عليهم بخيلنا ونفيرنا في سبيل نصرة نبينا ﷺ . وليس هذا مجال تبيين المسألة الحق, لكن القوم المحايدين في الغرب الذين خوطبوا بهذا الإعلام المنكر، هؤلاء يجب أن يحرر لهم الخطاب وأن تبين لهم الصورة الحقيقية. ولا أريد أن أقول: ينبغي أن نلمع صورته! فهو ﷺ لا يحتاج إلى مثل هذا أبداً, نحن علينا فقط أن ننقل الصورة الحقيقية له صلوات الله وسلامه عليه، فإذا نقلنا الصورة الحقيقية له صلوات الله وسلامه عليه فإن المتلقي لن يخرج أن يكون أحد اثنين: إما أن يكون منصفاً فلا يأبى الإيمان بهذا. وإن كان غير منصف، فإن من ارتضاه الله أن يكون أهلاً لجهنم لا ينبغي أن نتأسف أو نتحسر عليه. ويجب على من يقدم الإسلام أن يقدمه بصورته الشرعية، قال الله جل وعلا على لسان أحد أنبيائه: ﴿وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٩٣] وهم قومه وأهله! ونحن لسنا أرحم بالخلق من ربهم، فمن رضي الله أن يكون من أهل جهنم فلن نكون نحن أرحم به من الله، فنحن نقول: نقدم الصورة الحقيقية المثلى للإسلام. لكن ينبغي على من يقدم الصورة الحقيقية للإسلام أو من يتحدث باسم الإسلام أن يعرف أين موقعه من الإسلام, بمعنى ألا يكون في تقدم أو تأخر على بعضنا البعض. فإن الله جل وعلا جعلنا مواهب, مشارب, مراتب, منازل. وهناك أمور من اختصاص ولي الأمر, وأمور من اختصاص عسكر المسلمين, وأمور من اختصاص العلماء, وأمور من اختصاص العامة, وثمة أمور يشترك فيها الناس جميعاً، لكن عندما يكون الاستياء على الأدوار ومحاولة جعل هذه الحادثة كسبب للوصول للأشياء فهذا لا ينبغي، لكن كل إنسان له موقعه العام. ثمة مؤسسات إسلامية ومواقع إسلامية في الإنترنت معروفة محترمة معتبرة, يشرف عليها علماء ربانيون، هذه طريقة خطابها لا تكون كخطاب رجل عامي, والذي يخاطب الناس في منبر الجمعة غداً -كما دعا الشيخ عائض وغيره من الفضلاء إلى هذا- ينبغي أن يعرف أنه يخاطب مسلمين، فلا يحملهم خطيئة غيرهم فلا يجلدهم جلد ذات كأنهم هم الذين شتموا النبي ﷺ . وإنما يجعل من هذه الحادثة سبيلاً إلى إيقاظ محبة النبي ﷺ في القلوب, وبالتالي العمل بسنته صلوات الله وسلامه عليه، فهذا أمر مهم جداً. أما الذين في المؤسسات الإسلامية، أو في المواقع الإسلامية على الإنترنت، أو في المراكز الإسلامية في الغرب، فهؤلاء يطالبون بنمط خطاب غير المطالب به من كان يعيش بين المسلمين, فهؤلاء لهم مطلب سياسي معتبر، فينبغي أن يفقهوا المسألة جيداً وأن يحرروا خطابهم بما يتناسب مع حالهم ووضعهم ونوعية من يخاطبون، إن كان سلطة, أو كان عامة، أو كان مستهزئاً، فتحرير المسألة في كل وقعة مهم جداً. نحن نتفق على وجوب نصرة النبي ﷺ ، ولا أظن مؤمناً يخالف في هذا، لكن كذلك يجب أن نتفق على أن الأدوار تختلف والمهام تتباين ولا أقول: تتفاوت؛ ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك:٣] فهي كلمة خاطئة بنسبتها إلى الله. فأعيد وأقول: هذا تحرير الخطاب في نصرته صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 772

محبة المسلمين لرسولهم ﷺ المقدم: المواقف كما ذكرت تتباين, وأيضاً تتباين وجهات النظر والتعاطي والتفاعل مع هذه القضية وغيرها من القضايا، مثل تدنيس القرآن في أماكن عدة في السجون الغربية أو الصهيونية، فيختلف النظر أو الزاوية التي ينظر من خلالها لهذه الإساءات للإسلام. و السؤال برأيكم الشخصي -يا شيخ صالح - ما هو موقع الإسلام في نفوسنا, وما هو موقع المصطفى ﷺ من ذواتنا ومن صدورنا, حتى وصل بعض من المسلمين إلى درجة أن يستهزأ بالرسول ﷺ ، ويستهزأ بشرائع الدين، ويساء إلى هذا الدين, فلا نجد حقيقة من يقول: إلا رسول الله, أو: إلا كتاب الله، أو غيره؟ الشيخ: عندما نقول: (إلا رسول الله ﷺ كعنوان لهذه الحلقة المباركة إنما هو من باب التعامل مع الواقعة, ولا يوجد تثريب شرعي على العنوان, لكن ليس المقصود به هنا حقيقة الحصر، فلا يفهم أنه يجوز مع غير النبي ﷺ ، فلا يجوز مع النبي ﷺ ، ولا أركان الدين, ولا الله, ولا الدين كله, ولا مزدلفة ولا منى ولا عرفة, ولا أي شيء من شعائر الإسلام، فلا يجوز السخرية والاستهزاء به, هذه مسألة. أما موقع الإسلام في نفوسنا, أو النبي ﷺ في قلوبنا: فنحن نؤمن يقيناً أن أي مسلم مهما بلغت معصيته, ما دام راضياً بالإسلام فلابد أن يكون في قلبه ولو مثقال حبة من خردل من إيمان من محبة النبي ﷺ ، ولا أظن أحداً يجادل في هذا. وقصة شارب الخمر (ما علمته إلا محباً لله ولرسوله) أصل في المسألة. وقد ذكرت سابقاً أنه كان في فرنسا مقهى فرنسي، وكان يرتاده مسلمان من الجزائر ولهما صديق فرنسي يتعاطون معه الخمر ويسكرون, فإذا سكروا أخذ بعضهم يتقول على أعراض بعض، وجرت العادة على هذا سنين كما ذكر النادل -العامل- الذي يقدم لهما المشروب. وذات يوم كان من هذا الفرنسي أن سب نبينا ﷺ ، فوقع السب من الجزائريين موقعاً جعلهما يفيقان من سكرهما فضرباه ضرباً غير الذي اعتادا عليه, فلما حضرت الشرطة وذهب بهما إلى التحقيق وجيء بالنادل كشاهد إثبات, قال متعجباً: إن هذا الرجل يقدح أحياناً في زوجاتهم وأخواتهم وأمهاتهم ولا يتكلمون, فقالا: فليقل في زوجاتنا وأخواتنا ما شاء ولا يتكلم في رسول الله ﷺ ، مما جعل هذا النادل يقرأ كثيراً عن سيرة نبينا ﷺ فكانت الحادثة سبباً في إسلامه. والغاية من هذه القصة ما ذكرته من وجود أصل محبة النبي في قلب كل مسلم. وقد حرر الشيخان, الشيخ محمد العريفي حفظه الله, والشيخ عائض القرني هذا قبلي في هذه الحملة المباركة, لكن تأكيداً لهذه المسألة أنه لا يتصور أصلاً ممن يؤمن بالله واليوم الآخر ويرجو جنة ويخشى ناراً ألا يكون في قلبه شيء من المحبة لنبينا ﷺ ، بل هو ﷺ أحب إلينا من كل شيء بعد ربنا ﵎. المقدم: ما هي متطلبات هذه المحبة, وهل يكفي أن أقول: إني أحب الرسول ﷺ ؟ الشيخ: الناس في هذا بين فريقين: فريق يرى أن المحبة مقصورة على الاتباع ولا يكون في قلبه شيء عاطفي متأجج. وآخرون يرون الاكتفاء بالمحبة ولا يرون الاتباع. وكلاهما أبعد النجعة، وإن كان الثاني أكثر بعداً.

стр. 773

كيفية تحويل حادثة الاستهزاء إلى فرصة لخدمة الدين والنبي ﷺ السؤال كيف يمكن أن نحول هذه الأزمة إلى فرصة؟ كيف يمكن هذا التحويل؟ الشيخ: نبدأ بقضية السبق الوقتي, قال الشيخ سلمان العودة: تحويل الأزمة إلى فرصة, طبعاً هذا كلام رجل مفكر، تحويل الأزمة إلى فرصة: هو الرد الحقيقي على تلك الأزمة, عندما تأتي الضربة لأي خصم مقصود بالضرب تجعله ذا شتات, معنى ذلك أن خصمه تمكن منه, لكن إذا كانت تلك الضربة قد لمت على شعثه وجعلته يبدأ خطوة أقوى, فإن تلك الضربة أصبحت نافعة، قال الله: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١]. وهذا ينطبق كثيراً على هذه الحال, وقد ذكر الشيخ سلمان نموذجين واقعيين: وهي قضية قراءة السيرة وقضية طباعة بعض الكتب عن النبي بكل لغات العالم, وذكر أنموذجاً مقترحاً وهو إيجاد قناة فضائية تعنى بالسيرة النبوية لنبينا ﷺ , كما وجدت الآن قنوات للقرآن؟ قناة الفجر، وقناة المجد للقرآن الكريم, وإذاعة القرآن الكريم. فينبغي أن تزاد قناة خاصة بالنبي ﷺ , وقد لا يكون بعض التجار الآن متواصلاً معنا لانشغالهم بأعمالهم أو بأي شيء آخر, لكن ينبغي أن تتبنى المؤسسات العلمية الدعوية هذه الفكرة التي طرحها الشيخ سلمان وهي قضية إيجاد قناة تعنى بالسنة. بلغني من مصادر صحفية مثلاً في المدينة عندنا مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف, وهو عمل عظيم جليل ظهر نفعه على الناس, والذي أعلمه أنا ولا أجزم به -لكن سمعته من مصادري الخاصة- أنه سيكون هناك مجمع للسنة, يسمى مجمع الملك عبد الله, لسد الثغرة في السنة كما تسد الثغرة في القرآن. وكذلك نفس الفكرة التي طرحها الشيخ سلمان، وهي قضية إيجاد قناة تعنى بالسيرة النبوية, وهذا سيكون نافعاً، وربما تتبناه هذه القناة المباركة -قناة المجد- فتكون إحدى باقات قناة المجد، وقد تتبناه غيرها, المهم أن ينتفع المسلمون من أي مصدر إسلامي. والشيخ سعيد بن مسفر وفقه الله تعالى ورعاه صاحب خبرة دعوية شهيرة، وقد قال: لا بد من الانضباط. وهذا كلام الراسخين المتأنين في قضية التعامل مع الخصم، حتى لا يأتينا إنسان يزايد على محبة النبي ﷺ , وكأنه يحب رسول الله ﷺ أكثر من غيره وأكثر منا, فيزعم أن هذا ليس بحل, وإنما الحل في تفجير أو في انتقام أو في اغتيال, فهذا شيء مرفوض تماماً ولا يخدم المسلمين ولا يؤذن به شرعاً, وما دام ليس مأذوناً به شرعاً فلا يحق لأحد أن يتبناه. وقد قلت في مقدمة الحديث: إن الأدوار يجب أن تكون منضبطة في الرد، وأن لكل أحد طريقاً ومقاماً وسبيلاً وموقعاً يتحرك منه, فليست القضية قضية مزايدة حتى يظهر زيد أو عمرو في الصورة, إنما القضية التي نجتمع عليها هي نصرة نبينا صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 774

آلية التعامل مع المنصفين من غير المسلمين المقدم: هناك عدد من المنصفين في البلدان الغربية وغيرها من غير المسلمين الذين ينظرون للإسلام نظرة حسنة وهم أقرب ما يكونون إلى أهل الإسلام, فما هي آلية التعامل معهم؟ الشيخ: هذه القضية في ظني هي قضية نستصحبها في كثير من قضايا المسلمين, قضايا المسلمين يكتفون أحياناً بالتحييد, وهذه طرحت في أكثر من قضية, مثل القضية الفلسطينية. قضية التحييد أقصد بها: أن اليهود مثلاً هم الذين احتلوا فلسطين وأسموها دولة إسرائيل؛ فهم خصمنا الأول واقعياً، ومع ذلك فبعض القائمين على العمل الإسلامي إنما يعنون بتحييد النصارى، وهذا مطلب طيب, لكن هناك مطلب أعظم وهو أن تجذب النصارى إليك, يعني: لا يكتفى فقط بتحييد النصارى, فاليهود والنصارى أصلاً بينهم نزاع ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣]. فهناك مطلب أكبر تحييد النصارى سياسياً وهو استقطاب النصارى, فلا يكفي أن نحيد النصارى في القضية. ومثلها الآن هؤلاء الذين تعرضوا لنبينا ﷺ ، فهناك قوم محايدون، هؤلاء المحايدون لا نكتفي فقط بتحييدهم، إنما نحاول قدر الإمكان استثمارهم في أن يكونوا نصراء معنا على من هاجم نبينا ﷺ . وهذا لا يفهم أحد أنه يقدح في ولاء أو براء أو في غير ذلك, فهذا شيء مشروع دل عليه فعل النبي ﷺ في أكثر من موطن, أعني: عدم تحييد هؤلاء الناس, بل نحاول قدر الإمكان التأثير عليهم حتى يدخلوا في دين الله، وهذا أعظم المطالب, أو على الأقل أن يصبحوا شوكة في نحور أولئك الذين يحاربون النبي ﷺ . طبعاً أنت عندما يكون المطلب عالياً فإن تحقيق بعضه إنجاز, لكن لو جعلت المطلب هابطاً فلن تحقق شيئاً في طريق مغالبتك لخصومك

стр. 775

سحب السفير السعودي من الدنمارك بعد حادثة الاستهزاء المقدم: ما قامت به عدد من وسائل الإعلام في المملكة العربية السعودية المباركة بإذن الله ﵎ التي لا نقول فيها أكثر من حقها ولا أقل من حقها, ولكن وصلني الآن من الزملاء أن هنالك خبراً يسعد ويثلج الصدر، وهو ما تناقلته وكالة الأنباء السعودية وبعض وكالات الأنباء بأن السفير السعودي في الدنمارك قد سحب هذا اليوم في إشارة سياسية إلى الغضبة الحاصلة حقيقة عند الجهات المسئولة والجهات السياسية, ونحمد الله على هذا, وهو أيضاً ما عهدناه وتعودناه من هذه الدولة المباركة. وبهذا نقول: إن رقابنا حقيقة وأجسادنا وكل حياتنا فداء لهذا الدين ثم فداء لأوطاننا المسلمة، أوطاننا الصادقة مع الله , والصادقة مع شعوبها في أن تعيش معهم، وقد وعدنا مليكنا عندما تولى الحكم وبايعناه أن يسمع منا وأن يكون دستوره القرآن وشرعه شرع محمد ﷺ ، فأحسن الله إليهم, وأسأل الله أن تكون هذه الخطوة بادرة لبقية المسلمين في كل مكان أن يعبروا عن موقفهم الداعم لرسولهم ﷺ الذي لا نعتبره دعماً حقيقة, لأنهم يدعمون أنفسهم ويدعمون مشاعر شعوبهم التي تأثرت عقب هذه الفعلة الشنيعة، فما تعليقكم على قضية سحب السفير؟ الشيخ: إننا دائماً نقول: تحرير المسائل يعين على فهمها, فنحرر قضية سحب السفير فنقول: أهل الإنصاف والعقل والروية والحكمة عندما يضعون ثقتهم في عاقل رشيد مسلم لا يزايدون على إسلامه، فعندما يتأخر التصرف أو لا يأتي ذلك التصرف, أو يأتي مخالفاً لما توقعوه, فإنهم على ثقة أن هذا الذي وضعوا فيه ثقتهم وأمانتهم يحمل الهم الذي يحملونه، لكنه رأى رأياً غير الرأي الذي رأوه. هذا الأمر مهم جداً في فهم الأمور, فنحن ثقتنا في ولي أمرنا قبل سحب السفير إذا ثبتت, وبعد سحب السفير واحدة, لأن القرار يختلف من شخص إلى شخص, والمسائل العامة يكفينا فيها أن نضع الثقة في الموطن الصحيح, فإن وضعنا الثقة في الموطن الصحيح فلا نتصرف عنه, إذا تصرفنا نحن نيابة عنه إذاً فلا حاجة لوضعه. لكن نترك لكل صاحب مقام الطريقة التي يتعامل بها مع الحدث, فتأخير سحب السفير إلى هذا اليوم يمكن تأويله بأنه قضية انقطاع آخر الطرق الدبلوماسية، لأنه ثمة مساع هددت بسحب السفير لم يتوقع المسئولون الدنماركيون سحب السفير, وقد تأتي خطوة أخرى, إلى أشياء عديدة. لكن الذي يهمني في قضيتي أنني كأي فرد مسلم أحمل الحب للنبي ﷺ ، وينبغي أن أعلم أن علماء المسلمين ودعاة المسلمين وولاة المسلمين الناصحين المعروفين يحملون نفس الهم, فإن كنت أرى رأياً يجب تنفيذه اليوم, فقد يرى غيري أن المصلحة عدم تنفيذه اليوم. فتكون هناك نظرة إنصاف لبعضنا البعض, فمع ذلك بعض الفضلاء يأتي ويقول: الشيخ فلان ما تكلم, والمؤسسة الإسلامية إلى الآن لم تحدد موقفها، ومجلس كذا لم ينعقد, وسماحة المفتي أو ولي الأمر ما أصدر بياناً, وغير هذا! وهو لا مزايدة على إسلام هؤلاء, ولا ينبغي أن نتكلم كلاماً نشعر فيه الناس بأننا وحدنا الغيورون على الدين, وغيرنا غير غيور، أو أنا وحدنا نحمل هم الذب عن الدين وغيرنا لا يهتم. فنحن نعلم أننا لسنا إلا جزءاً من الأمة وأن المسلمين في جميع أنحاء الأرض محبون لنبيهم ﷺ ، ولا يوجد مسلم اليوم في جميع أصقاع الدنيا راض عن سب نبيه ﷺ . ولكن القدرات والأماكن والمواطن تختلف، فمن الناس من ينطقه مكانه, ومن الناس من يكون كلامه له عواقب غير كلام غيره. وبعد صلح الحديبية كان أبو بصير يفعل ويصنع لأنه كان غير مرتبط بعقد مع أهل الإشراك, أما النبي ﷺ فكان يأتيه الرجل مسلماً فيرده لأن نصوص الحديبية تحكمه بوصفه زعيماً للأمة. فكل إنسان عنده مساحات للحديث مساحات للدفاع وقيود تختلف من شخص إلى آخر, فالقيود التي عندك ليست عندي, والمساحات التي تملكها لا أملكها أنا, لكن المهم أنه لا ينبغي لأحد أن يعتقد في نفسه أنه الأوحد في الغيرة على رسول الله ﷺ , وأن الناس مقصرون، فلا نخاطبهم بهذه المنطقية, لكننا نحسن الظن, ونتمنى أن ينصر الله جل وعلا دينه, ونحن على ثقة كما قال الشيخ صالح بن حميد، يقول الله لنبيه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر:٩٥] وقال: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:٣]. وأنا هنا أذكر مقالاً في جريدة الوطن للدكتور علي سعد الموسى , له زواية اسمها ضمير المتصل, ذكر في عنوانها: اطردوا سفراء الزبدة, على أساس أن الدنمارك دولة معروفة بالزبدة. وأقول: المقال كان قوياً جداً ينم عن محبة عظيمة للنبي ﷺ ، ويطرح المقال رؤية جيدة في التعامل مع الحدث, لكنها تبقى مقالة رجل أكاديمي, أي: رجل يؤدي ما عليه من موقعه الإعلامي, لكن لا نستطيع أن نعمم كل مطلب على كل أحد, فهذا مهم جداً في فهم القضية.
следующие страницы →