Полный текст (1 296 стр.). Показаны 1261–1296 · переход к 1266.
стр. 1261
حكم اختلاف التنوع
قال رحمه الله تعالى: [والاختلاف الأول الذي هو اختلاف التنوع، الذم فيه واقع على من بغى على الآخر فيه، وقد دل القرآن على حمد كل واحدة من الطائفتين في مثل ذلك، إذا لم يحصل بغي، كما في قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٥] قد كانوا اختلفوا في قطع الأشجار، فقطع قوم وترك آخرون، وكما في قوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٨] ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩] فخص سليمان بالفهم، وأثنى عليهما بالحكم والعلم، وكما في إقرار النبي ﷺ يوم بني قريظة لمن صلى العصر في وقتها، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة، وكما في قوله: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) ونظائر ذلك].
نقف على هذا المقطع، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1262
الأسئلة
стр. 1263
حكم وسائل الدعوة
السؤال
ما حكم وسائل الدعوة هل هي توقيفية أو اجتهادية؟
الجواب
يمكن أن نشير إلى بعض القواعد العامة في هذا الموضوع، ثم إن شاء الله تفصل هذه المسألة في الدرس القادم؛ لأنها من المسائل التي تثار الآن.
وسائل الدعوة في الحقيقة حسب ما يفهم من معناها اللغوي ومن استقراء لنهج السلف المقصود منها الأدوات التي تستخدم في تحقيق الدعوة، سواء كانت أدوات مادية، مثل: الأجهزة، أو أدوات معنوية، مثل: الأساليب الإدارية والتنظيمية وغيرها، مثل المؤسسات والجمعيات، وما يكون من الأجهزة الحكومية والدوائر الحكومية والدوائر المؤسسية التي تخدم الدعوة، فهذه تسمى وسائل، فكذلك قد يدخل في مفهوم الوسائل بعض الأساليب العلمية التي تتعلق بالدعوة، كتأليف الرسائل والكتب، والوسائل المتاحة: من أشرطة، وأجهزة منظورة ومسموعة وغيرها، هذه أيضاً تدخل في باب الوسائل.
فإذاً المقصود بالوسائل: هي أدوات الدعوة، سواءً كانت علمية، أو كانت إدارية ومعنوية، أو كانت مادية كالأجهزة.
والوسيلة: هي الطريق إلى الوصول إلى الهدف، ليست هي المناهج؛ لأن المناهج هي القواعد العامة كقواعد الحلال والحرام، ما يجوز وما لا يجوز، ما يسوغ وما لا يسوغ استخدامه في الدعوة، هذه تسمى مناهج، ففرق بين الوسائل والمناهج.
وعلى هذا فالكتاب أداة للدعوة ولنشر العلم، والشريط أداة وهكذا، فالأدوات الأصل فيها الإباحة، والأصل فيها التجديد بحسب مقتضيات العصر، ولذلك كان السلف لا يفرطون في استخدام أي وسيلة مباحة في الدعوة إلى الله ، كان في عهد الصحابة يدعون إلى الله بالكلمة، وبالوسائل العادية البسيطة المتاحة، ثم في عهد الخلفاء الراشدين تطورت بعض الوسائل العادية البسيطة المتاحة، من ذلك: الحسبة على أحوال الناس، لما نشأت مثلاً الكوفة والبصرة في عهد عمر ﵁ وضع فيها الحسبة؛ لتدبير أمور الناس في دينهم ودنياهم، فكانت هذه من وسائل الدعوة، ثم اضطر عمر ﵁ إلى استخدام ما يسمى بالدواوين، وهذه من وسائل الدعوة، ثم اضطر الصحابة في آخر عهدهم أيضاً لبعض أنواع من المناظرات لم تكن معهودة في عهد النبي ﷺ ، وبعض أنواع من الانتقادات والكتب والرسائل الصغيرة لم تكن معهودة في عهد أوائل الصحابة، ثم في عهد التابعين بدأ التأليف والتصنيف في خدمة الدعوة والدفاع عن العقيدة.
ثم في القرن الثاني تجددت وسائل أخرى في التصنيف والتأليف، فبدأ التابعون يستخدمون وسائل الكتابة والمراسلات والردود، والردود على الردود، واستعمال المناظرات بشكل متوق، واستعمال المناظرات في مجالس الأمراء والوجهاء، وفي المساجد بشكل موسع، ثم أيضاً جدد التابعون وتابعوهم في الوسائل العلمية بنشر الدعوة، فبدءوا يؤلفون الكتب المعنصرة المبوبة، بدءوا يكتبون الآثار، بدءوا يكتبون رسائل مفردة في موضوعات، ورسائل عامة في السنة، بدءوا يكتبون الحديث، بدءوا يكتبون تفسير القرآن، بدءوا يكتبون بعض المقالات وغيرها، تجددت عندهم وسائل الدعوة بحسب أحوالهم.
وفي عهد شيخ الإسلام ابن تيمية استحدث هو وغيره من أئمة المسلمين وسائل لم تكن معهودة في القرون الثلاثة الفاضلة في أسلوب التصنيف، وفي أسلوب الدعوة، وفي أسلوب التقاضي عند الأمراء وعند السلاطين والولاة وغير ذلك من الأساليب في الدعوة، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية أحياناً كان يستخدم أساليب ما كانت معهودة حتى في عصره، جدد فيها.
وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أيضاً جدد وسائل في الدعوة، من ذلك: أسلوب الرسائل، وطريقة التعليم، وبعث الطلاب، واتخذت وسائل للدعوة في المسجد ما كانت معهودة في عهد السلف، من ذلك: تكليف أئمة المساجد بأن يلقنوا المسلمين في مساجدهم أصول الدين، وهذه الوسائل ما كانت معهودة بهذه الطريقة، لكنها وسيلة من الوسائل التي نفع الله بها.
فإذاً: وسائل الدعوة إلى الله من الوسائل الاجتهادية.
أما الذين يقولون بأن الوسائل توقيفة، فيقصدون مناهج الدعوة، أي: ما يجوز وما لا يجوز في مناهج الدعوة إلى الله ، حتى القواعد الحديثية التي تحكم الأسانيد تدخل في المناهج وفي الأصول، وليست داخلة في الوسائل.
فإذاً: الخلاف إنما هو عادة في الألفاظ، وهؤلاء يتنازعون على لا شيء، وإلا فلا أظن طالب علم يخالف في مسألة استخدام الوسائل التي ذكرناها في الدعوة، أو أن هذه الوسائل والأدوات محجورة لا تجوز، ما يخالف فيها إلا جاهل، وكذلك لا يمكن أن يقول أحد: إنه يجوز الابتداع في مناهج الدعوة إلى الله بما يخالف مناهج السلف، فهذا لا شك أنه بدعة عند الجميع.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1264
شرح العقيدة الطحاوية [١٠٨]
وقع الاختلاف في الأمة بين من يقرون بالكتاب في أمرين: اختلاف على تنزيله، فضلت في ذلك طوائف ممن أنكروا صفة الكلام لله، فقالوا بأن الكلام معنى قائم بالنفس، وأن القرآن عبارة عن كلام الله، أو هو حكاية، واختلاف آخر وقعوا فيه وهو الاختلاف على تأويله، والمتضمن للإيمان ببعضه دون بعض، وكان الصراط القويم والسبيل المستقيم في ذلك ما انتهجه السلف الصالح في ذلك، من تأويل القرآن بالقرآن، أو تأويله بالسنة الصحيحة، ثم تأويله بفهم الصحابة الكرام، ثم تأويله بفهم الأئمة الأعلام.
стр. 1265
اختلاف التضاد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والاختلاف الثاني: هو ما حمد فيه إحدى الطائفتين وذمت الأخرى].
الاختلاف الثاني هو اختلاف التضاد واختلاف الافتراق.
قال رحمه الله تعالى: [كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٣].
وقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج:١٩] الآيات.
وأكثر الاختلاف الذي يئول إلى الأهواء بين الأمة -من القسم الأول- وكذلك إلى سفك الدماء، واستباحة الأموال، والعداوة والبغضاء؛ لأن إحدى الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق، ولا تنصفها، بل تزيد على ما مع نفسها من الحق زيادات من الباطل، والأخرى كذلك، ولذلك جعل الله مصدره البغي، في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣]؛ لأن البغي مجاوزة الحق، وذكر هذا في غير موضع من القرآن؛ ليكون عبرة لهذه الأمة.
وقريب من هذا الباب ما خرجاه في الصحيحين عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم).
فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمروا به، معللاً بأن سبب هلاك الأولين إنما كان كثرة السؤال، ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية].
стр. 1266
الاختلاف في الكتاب
قال: [ثم الاختلاف في الكتاب من الذين يقرون به على نوعين: أحدهما: اختلاف في تنزيله.
والثاني: اختلاف في تأويله، وكلاهما فيه إيمان ببعض دون بعض].
стр. 1267
الاختلاف في تكلم الله بالقرآن وتنزيله
قال: [فالأول: كاختلافهم في تكلم الله بالقرآن وتنزيله، وطائفة قالت هذا الكلام حصل بقدرته ومشيئته لكنه مخلوق في غيره لم يقم به، وطائفة قالت: بل هو صفة له قائم بذاته ليس بمخلوق، لكنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وكل من الطائفتين جمعت في كلامها بين حق وباطل، فآمنت ببعض الحق وكذبت بما تقوله الأخرى من الحق، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك].
هذا الكلام كله ليس بصحيح على إطلاقه، يعني: اختلافهم في تكلم الله بالقرآن وتنزيله، قالت طوائف من المعتزلة وبعض الجهمية: إن كلام الله حصل بقدرة الله ، لكنه مخلوق في غيره فلم يقم به.
وقالت الكلابية ومن سلك سبيلهم من الأشاعرة والماتريدية: إن كلام الله هو صفة قائمة بذاته، ليس بمخلوق، لكن البعض قال: إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وهؤلاء هم الكلابية ومن سلك سبيلهم.
فالكلابية هم أول من قال هذا القول، زعموا أنهم أرادوا التوسط به بين قول المعتزلة وبين قول أهل الحديث، فهؤلاء زعموا أنهم أثبتوا كلام الله ، وأن كلامه صفة قائمة بذاته وأن الكلام ليس بمخلوق، لكنهم نفوا أن يكون كلام الله متعلقاً بقدرته ومشيئته، وهذه بدعة.
والحق أن كلام الله صفة لله قائمة بذاته، وأنه متعلق بقدرة الله ومشيئته، ولا يحد من مشيئته للكلام شيء، ولا يجوز أن يقال: إن كلام الله هو معنى قائم بالنفس، ولا يجوز أن يقال: بأن القرآن حكاية عن كلام الله، ولا عبارة عن كلام الله، بل كلام الله متعلق بمشيئته، فكما أنه موصوف بالكلام دائماً وأبداً، فكذلك أيضاً موصوف بأنه يتكلم متى شاء سبحانه، وقد ثبت أنه كلم آدم وكلم موسى وكلم النبي ﷺ ، وأنه يكلم الناس يوم القيامة ويناديهم ويناجيهم، وأنه يتكلم متى شاء وكيف شاء.
إذاً: كل من القولين فيه خطأ وصواب، فالصواب عندهم أنهم أثبتوا كلهم أن الله متكلم، لكن الأولين أخطئوا في قولهم بأن القرآن مخلوق في غيره لم يقم به، أي: أن الله لم يتكلم بحرف وصوت على ما يليق به سبحانه، والآخرون وهم الكلابية ومن سلك سبيلهم أيضاً أصابوا في قولهم: إن الكلام صفة لله قائمة بذاته، وأنه ليس بمخلوق، لكنهم أخطئوا حينما قالوا: بأن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولذلك اضطروا بأن يقولوا: بأن القرآن حكاية عن كلام الله، أو عبارة عن كلام الله، وهذه بدعة؛ لأن الحكاية والعبارة مثل الترجمة لا تعتبر كلاماً، بل لا بد أن تنسب إلى غير الله؛ لأنه إذا كان الحاكي بالقرآن والمعبر عن القرآن غير الله لم يصر كلامه إلا من باب المجاز، والمجاز لا يعبر عنه بالكلام الحقيقي، ولذلك يفرق بين من يتكلم حقيقة، وبين من لا يتكلم حقيقة، ولله المثل الأعلى، الإنسان القادر على الكلام يقال له: متكلم، بخلاف الأخرس لا يقال له: متكلم، مع أنه يمكن مجازاً أن يسمى تعبيره بالإشارات كلاماً، فهو حكاية وعبارة عن كلام الأخرس، لكنه لا يسمى كلاماً حقيقياً عند العقلاء، ولله المثل الأعلى، مع أن الله يتكلم كما يشاء، وليس كلامه ككلام المخلوقين، فليس كمثله شيء، لكن نقصد أصل إثبات الصفة، ولا مانع من ضرب الأمثال في أصل إثبات الصفة لله لا في كيفيتها، ولله المثل الأعلى.
فمن هنا نقول: إن كلاً من الطائفتين أخطأتا، وإن أصابتا في الأصل أو في بعض الأصل، والحق في هذا أن الله متكلم موصوف بالكلام، وكلامه قائم بذاته سبحانه، وأيضاً كلامه متعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء وكيف شاء كما يليق بجلاله، وكلامه بحرف وصوت، ويسمى نداء، ويسمى قولاً، ويسمى كلاماً إلى آخره.
أما القول بأنه أقيمت الحجة على من قال: بأن كلام الله حكاية، أو أن القرآن عبارة عن كلام الله، أو أن الكلام معنى قائم بالنفس، فيكفر، فهذا غير صحيح؛ لأن أصل نزعة القول هذه ناتجة عن تأول، وإن كان يلزم من ذلك الكفر، لكن ما دام لا يلتزم، حتى لو كان في عدم التزامه شيء من المغالطة، أو البعد عند العقلاء، وعند أهل العلم والفقه في الدين، فما دام يتأول فإنه سيبقى مبتدعاً ولا يكفر.
стр. 1268
الاختلاف في تأويل القرآن المتضمن للإيمان ببعضه دون بعض
قال رحمه الله تعالى: [وأما الاختلاف في تأويله الذي يتضمن الإيمان ببعضه دون بعض فكثير، كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (خرج رسول الله ﷺ على أصحابه ذات يوم وهم يختصمون في القدر، هذا ينزع بآية، وهذا ينزع بآية، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: أبهذا أمرتم؟ أم بهذا وكلتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ انظروا ما أمرتم به فاتبعوه، وما نهيتم عنه فانتهوا).
وفي رواية: (يا قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتاب بعضه ببعض، وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض، ولكن نزل القرآن يصدق بعضه بعضاً، ما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به).
وفي رواية: (فإن الأمم قبلكم لم يلعنوا حتى اختلفوا، وإن المراء في القرآن كفر) وهو حديث مشهور مخرج في المسانيد والسنن.
وقد روى أصل الحديث مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن رباح الأنصاري أن عبد الله بن عمرو قال: (هجرت إلى رسول الله ﷺ يوماً فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله ﷺ يعرف في وجهه الغضب، فقال: إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب).
وجميع أهل البدع مختلفون في تأويله، مؤمنون ببعضه دون بعض، يقرون بما يوافق رأيهم من الآيات، وما يخالفه، إما أن يتأولوه تأويلاً يحرفون فيه الكلم عن مواضعه، وإما أن يقولوا: هذا متشابه لا يعلم أحد معناه، فيجحدوا ما أنزله من معانيه، وهو في معنى الكفر بذلك؛ لأن الإيمان باللفظ بلا معنى هو من جنس إيمان أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:٥].
وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] أي: إلا تلاوة من غير فهم معناه، وليس هذا كالمؤمن الذي فهم ما فهم من القران فعمل به، واشتبه عليه بعضه فوكل علمه إلى الله، كما أمره النبي ﷺ بقوله: (فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه) فامتثل أمر نبيه ﷺ ].
قرر الشيخ في هذا المقطع قاعدة عظيمة من قواعد السلف، وهي من القواعد التي خالفت فيها جميع الفرق، وهي: أن السلف ومن تبعهم في مسألة تأويل القرآن وتفسيره يأخذون بأصول الاستدلال على وجهها الصحيح، فيستدلون في تأويل القرآن بتأويل القرآن بالقرآن، ثم تأويل القرآن بالسنة، ثم تأويل القرآن بفهم الصحابة، ثم بفهم السلف، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، وما ورد من نصوص القدر، أو نصوص العقيدة، أو غيبيات أو في أمر مشتبه عليهم، فما علمه المسلمون واستنبطوه عملوا به وآمنوا وقرروه، وما لم يتبين لهم معناه من أدلة العقائد والأحكام سلموا به، وهذه القاعدة ذكرها النبي ﷺ في عدة أحاديث، منها: (ما أمرتم به فاتبعوه، وما نهيتم عنه فانتهوا).
ومنها: (ما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه فآمنوا به)، وهذه قاعدة عظيمة، بمعنى سلموا بالمتشابه؛ لأنه حق، وإنما قصرت أفهامكم عن إدراكه.
стр. 1269
أنواع العقائد والأحكام المتعلقة بفهم الناس لها
إن نصوص الشرع سواء ما يتعلق منها بالعقائد أو الأحكام على درجات وأنواع: الأول: ما يفهمه جميع الناس، مثل: آقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فهذا يفهمه جميع الناس، وطلبه سهل ما يحتاج إلى آلة العلم أو التفقه.
النوع الثاني: ما يعرفه عامة طلاب العلم والعلماء، وهو أغلب نصوص الشرع، الغالبية العظمى من نصوص الشرع مما يدركه العلماء وعامة طلاب العلم.
النوع الثالث: ما لا يدركه إلا الراسخون، وهذا مما يجب أن ترجع فيه الأمة إلى الراسخين، ويبحث عند الإشكال فيه عن أهل الرسوخ والاختصاص، وقد يدرك الراسخ شيئاً ويخفى عليه شيء، وقد يكون أهل الرسوخ في العلم لكل منهم اختصاص وجانب من الإبداع والإجادة ما لا يجيده الآخر، كما أن النبي ﷺ وصف الصحابة بأوصاف متباينة، وأسند لهم بعض الأمور فيما يتعلق بالعلم الشرعي، فمنهم من تميز بالقضاء، ومنهم من تميز بالفتوى، ومنهم من تميز بالمواريث إلى آخره، وكل من الصحابة الذين خصهم النبي ﷺ أو أشار إلى علمهم ونحو ذلك، هؤلاء كلهم علماء، ولا يعني: أنهم لا يجيدون إلا ما ذكر النبي ﷺ ، لكن عند كل واحد منهم مزية في جانب معين، وإلا فلا يكون العالم عالماً ولا الراسخ راسخاً إلا إذا كان علمه موسوعياً، لا يمكن أن يكون عالماً ترجع إليه الأمة وإن لم يكن متخصصاً في كل شيء، لكن لا يمكن أن يكون جاهلاً بأصول الحديث أو بأصول التفسير، أو جاهلاً بقواعد الفقه الأساسية وقواعد الاجتهاد، أو يكون جاهلاً باللغة العربية جهلاً يخرجه عن أهل العلم، هذا لا يمكن، وهذا الصنف هو الذي يدرك كثيراً مما لا يدركه الآخرون، ومع ذلك قد تبقى بعض مسائل الدين لم يدركها حتى الراسخون في العلم، ومنها ما يسمى أو بمشكل الآثار، كما سماها كثير من أهل العلم، بمعنى أنه لم يجزم أحد بشيء منها، وعلى هذا فهذه الأمور لا يتعلق فيها تكليف، فالأمور التي بقيت محل إشكال هي ليست من أمور العبادات، ولا من أمور العقائد القطعية، ولا من الأمور التي يتعلق بها أحكام الناس، التي فيها مصالحهم في دينهم ودنياهم، إنما هي من الأمور التي ابتلى الله بها الأمة؛ لينظر من يسلم ويذعن ممن لا يسلم ولا يذعن، وهي مسائل معدودة قليلة، لا يصل فيها الراسخون في العلم إلى جزم ويقين، ومع ذلك تبقى أنموذج لوجوب التسليم لله ، فما قاله الرسول ﷺ فيها حق، لا بد من التسليم به.
ومع ذلك أيضاً قد تمر أحياناً أجيال لا يدركون شيئاً في بعض المسائل، فيخرج واحد من أهل العلم فيدرك شيئاً لم يدركه الأولون، وهذا ليس فيه مانع تصوراً وشرعاً، وإن كان هذا لا يعرف في مسائل الدين الكبرى جزماًَ، كالمسائل العظمى، ومسائل مصالح الأمة، وما يتعلق بقضايا العقيدة الأساسية، ليس هناك شيء يكتشف بعد، لكن ما يتعلق بالجزئيات، في الأحكام، قد توجد في أهل عصر دون الآخر، إما لأن الحاجة لم تحدث إلا في وقت معين، كبعض المستجدات التي انطبقت عليها النصوص في وقتنا، هذا لم تنطبق عليه النصوص قبل هذا الوقت.
إذاً: أمور الدين هي على هذه الأنواع: منها ما يدركها جميع المسلمين عامة.
ومنها ما يدركها عامة العلماء وطلاب العلم.
ومنها ما لا يدركها إلا الراسخ في العلم.
ومنها ما لا يدرك، وهذا لا يدخل في هذه الأصناف، لكن يبقى مما يجب التسليم به على أي حال، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1270
الأسئلة
стр. 1271
وجه جعل الشارح للخلاف الذي يئول إلى الاقتتال من خلاف التنوع
السؤال
قول الشارح: (وأكثر الاختلاف الذي يئول إلى الأهواء بين الأمة من القسم الأول) فهو جعل من القسم الأول الذي هو التنوع وقوع سفك الدماء وغير ذلك فكيف ذلك؟
الجواب
قصده أن أغلب الخلاف بين أصحاب المذاهب الفقهيه، أو بين أهل السنة وغيرهم في الخلافات التي لا تخرج عن الملة أو ليست من البدع المغلظة، أغلبها من النوع الأول من اختلاف التنوع، لكن لما دخل في اختلاف التنوع البغي والهوى والحسد اشتد فيه المتخاصمون، حتى وقع بينهم تقاتل وولاء وبراء ونحو ذلك، مع أنه من النوع الذي لا يجب أن يكون فيه تقاتل وولاء وبراء.
وأهل السنة والجماعة عموماً يتجنبون الخلاف خلاف تضاد، فهذا لا يقع فيه إلا معاند أو صاحب هوى صريح في هواه، فلذلك تجد أن أهل السنة يكرهون الجدل فيه، لكن فيما يتعلق بالخلاف السائغ فالخلاف فيه كثير جداً، حتى في عهد الصحابة وما بعدهم، وما شجر بين الصحابة ﵃ كان من الخلاف السائغ، لكن أوجب ما حدث من تلك الفتنة الكبرى والعظمى، ثم بعد ذلك أيضاً بقيت أكثر الخلافات التي أثارت الفتن بين المسلمين، الفتن التي استوجبت أن بعضهم يتكلم في بعض من أهل العلم وأهل الحق والعدل.
إذاً: النوع الأول هو الخلاف الاجتهادي السائغ، لكنه انضاف إليه شيء من الهوى والبغي أو الجهل بما عند الطرف الآخر، أو سوء الظن، أو الحسد، أو التعصب إلى آخره، والله أعلم.
стр. 1272
نوع الاختلاف في كلام الله بين أهل السنة وغيرهم
السؤال
قول الشارح: وقريب من هذا الباب، ثم ذكر حديث أبي هريرة، ثم بعده مباشرة ذكر أنواع الاختلاف، وذكر منها الاختلاف في كلام الله، فمن أي الأنواع جعل الاختلاف في كلام الله؟
الجواب
الشيخ ﵀ قسم خلاف أهل الأهواء مع أهل السنة جميعها إلى نوعين: خلاف تأول وهو الأغلب، كخلاف أهل السنة مع المرجئة، وخلاف أهل السنة مع الأشاعرة المتكلمين، وهم الأكثرية عدداً، ويرى أن هذا الخلاف يدخل في النوع الأول ولا يدخل في النوع الثاني، أما خلاف أهل السنة مع الجهمية ومع الرافضة ومع غلاة المتصوفة وغلاة الفلاسفة فهو داخل في خلاف التضاد، هذا ما يبدو لي، وهذا الكلام منقول عن كتاب (الاقتضاء) لـ شيخ الإسلام، وفي سياق الشيخ في الاقتضاء أنه لا يعد كل ما بين أهل السنة وبين أهل البدع من خلاف التضاد، بينما يرى الشاطبي أن جميع الخلاف مع أهل البدع خلاف تضاد، أما شيخ الإسلام ابن تيمية فيرى أن أنواعاً كثيرة من الأمور التي خالف فيها أهلُ البدع أهلَ السنة تدخل في باب التأول، وهو من اختلاف التنوع لا من اختلاف التضاد.
هذا فيما يظهر لي، والمسألة تحتاج إلى مزيد تحقيق، لعله ينظر فيها إن شاء الله.
стр. 1273
معنى ظل الله في حديث: (سبعة يظلهم الله في ظله)
السؤال
جاء في الحديث عند البخاري: (سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله) فهل هذا الظل هو ظل العرش أو يقال: من ظل الله العرش؟
الجواب
لا يجوز أن يقال: إنه ظل العرش، وإنما يثبت كما جاء عن الله .
والسؤال عن مثل هذه الأمور الأصل فيه أنه بدعة، كما ثبت عن مالك بن أنس وغيره من الأئمة، لكن سؤال طالب العلم لا حرج فيه، لكن بشروط: أن يكون بينه وبين المسئول، وأن يوجد للسؤال مبرر، يعني: من دفع شيء في نفسه، أو يكون هذا السؤال قد أثير في مجلس أو أثير كشبهة في بعض المناسبات، فيريد أن يرد على هذه الشبهة فلا حرج.
أما ما ينقدح في الذهن فيجب على المسلم وعلى طالب العلم بخاصة أن يتورع عن مثل هذه الأسئلة ويتقي الله ، فلا يسأل إلا لحاجة، بأن يجد في نفسه ضرورة، يريد أن يدفع شيئاً في نفسه.
أما مجرد الترف العلمي، وأن يعلم لمجرد العلم فينبغي له ألا يسأل فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، بل يجب على طالب العلم في الأمور الغيبية التسليم، إلا فيما يتعلق بأصل إثباتها فله أن يسأل، أو إذا كان الإنسان لم يفهم المعنى فله أن يسأل عنه، أما حديث: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) من حيث المعنى والحقيقة فهو واضح في أذن السامع، لكن تبقى الكيفية الله أعلم بها، والقول بأنه ظل العرش، أو ظل بعض خلق الله، أو ظل يحدثه الله، هذا كله من القول على الله بغير علم، ومن التأويل الذي لا أصل له، بل من اتباع المتشابه الذي نهى الله عنه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1274
شرح العقيدة الطحاوية [١٠٩]
دين الإسلام واحد، وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده، وأصول هذا الدين وفروعه موروثة عن الرسل، وهو ظاهر غاية الظهور، وتعلمه ميسور، وهو دين وسط في كل شيء، وما حاد أحد عن طريقته إلا ضل وزاغت به الأهواء، وتقطعت به السبل، وأسلمته نفسه وهواه إلى إفراط أو تفريط في أي جانب من الجوانب؛ في العقيدة أو العبادة أو المعاملة أو غيرها.
стр. 1275
الإسلام هو دين الله وهو واحد في الأرض والسماء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (ودين الله في الأرض والسماء واحد وهو دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩].
وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينَاً﴾ [المائدة:٣]، وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس)].
سيذكر المؤلف ﵀ بعض الأحاديث الدالة على أن دين الله هو الإسلام، ومعنى ذلك، لكن قبل أن نقرأ الشرح أحب أن أشير إلى شبهة حدثت في هذا العصر، بل أصبحت الآن ليست مجرد شبهة بقدر ما تكون أصلاً من أصول الباطل، التي يروج لها كثير من المبطلين، وهي دعوى: أن الديانات السماوية يجب ألا يكون بينها فرق في العصر الحاضر، وأن أهل الديانات يجب أن يعترف بعضهم لبعض بصحة دياناتهم جميعاً، ورفعوا دعوى وحدة الأديان، ودعوى وحدة الديانات الإبراهيمية، ودعاوى كثيرة، كلها تدور على اعتبار أن كل الديانات الكتابية اليهودية والنصرانية والإسلام تمثل ديناً واحداً صحيحاً، لا فرق بين أصوله وفروعه، وهذا باطل.
وسيأتي من خلال الشرح أن المقصود بأن دين الله واحد: أن الله بعث جميع الرسل بالتوحيد، وهذا حق، وأن الله بعث جميع الرسل بالشرائع، وهذا حق، لكن مما هو معلوم من الدين بالضرورة أن الأديان السابقة حرفت، بما فيها ديانات أهل الكتاب اليهودية والنصرانية، حرفت وبدلت، ثم نسخت من عند الله ، وأن النبي ﷺ جاء لجميع الأمم، بما في ذلك اليهود والنصارى، ويجب أن يؤمنوا به، وأما الديانات السابقة بما فيها دين موسى وعيسى، اشتملت على وجوب الخضوع لدين النبي ﷺ الذي جاء به، والديانات الكتابية اشتملت على ضرورة أن يكون الإسلام هو ما جاء به محمد ﷺ ، هذا أمر.
والأمر الآخر: أن النبي ﷺ أخبر عن اليهود بخصوصهم، وغيرهم من باب أولى، أنه لا يستقيم لليهود ولا للنصارى دين حتى يؤمنوا به ﷺ ، فقال في الحديث الصحيح: (والله لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي، إلا دخل النار) فهو ﷺ أقسم بذلك: (والله)، وفي بعض الروايات بدون القسم، لكن المهم أن الحديث صحيح ورد في مسلم وفي غيره، فعلى هذا لا يصح أن يقال أن الديانات الإبراهيمية واحدة؛ لأنها حرفت وبدلت، ثم أن الله ألزم باتباع محمد ﷺ ، ومحمد ﷺ جاء بشريعة غير الشرائع الأولى، هي أكمل وأوفى وأوفر وأصفى وأسمى وأسلم، ولم يدخلها التحريف ولا التبديل، وقد تكفل الله بحفظها إلى قيام الساعة، وأمر الله جميع الأمم، بل أمر الله الجن والإنس بأن يؤمنوا بما جاء به النبي ﷺ .
وأشير إلى المسائل الخطيرة الواردة على الأمة، وهي دعاوى: أن من مات من أهل الكتاب فمصيره إلى الجنة، وأن من صدق بالنبي ﷺ وقال بأنه رسول وإن لم يتبعه فهو مؤمن وهو مسلم إلى آخرها من الدعاوى التي بدأت تروج الآن، وقد كانت تروج في السابق، لكن في السابق كان عند المسلمين من حصانة العقيدة وقوة الإيمان والفقه في دين الله -عامة وخاصة- ما يجعلهم لا يقبلون هذه الدعاوى، ولكن في العصر الحاضر عندما اختلفت الثقافات، وكثرت مصادر التلقي عند الناس، وتزعم المثقفون بغير فقه في دين الله الدعوة إلى الله ، وبدءوا يتكلمون باسم الدين، كثر هذا الهرج، وبدأ الخوض، ووقع كثير من المسلمين في هذه الشبهات، حتى إنها أحياناً تصدر هذه الإشكالات من طلاب العلم، كما يثار الآن مسألة الكافر واليهودي والنصراني إذا مات، وعندما مات بعض أعلام الكفار كأحد اليهود وأحد النصارى، خاض الناس خوضاً عجيباً يدل على جهلهم ببدهيات الدين، وحتى قال بعضهم: إنه يحكم على هؤلاء بالإسلام، وبعضهم يقول: نتورع بأن نقول: هم كفار وأنهم من أهل النار إلى غير ذلك من الأمور التي تدل على أن مسألة العقيدة بدأت تهتز في قلوب الناس اهتزازاً عظيماً، يخشى منه أن يقع بعض الناس في ردة وهو لا يشعر، نسأل الله العافية.
قال رحمه الله تعالى: [ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينَاً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] عامٌّ في كل زمان؛ ولكن الشرائع تتنوع كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَاً﴾ [المائدة:٤٨].
فدين الإسلام هو ما شرعه الله لعباده على ألسنة رسله، وأصول هذا الدين وفروعه موروثة عن الرسل، وهو ظاهر غاية الظهور، يُمْكِنُ كل مميز من صغير وكبير، وفصيح وأعجم، وذكي وبليد، أن يدخل فيه بأقصر زمان، وإنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك، من إنكار كلمة، أو تكذيب، أو معارضة، أو
стр. 1276
ظهور دين الإسلام وسهولة تعلمه
قال رحمه الله تعالى: [فقد دل الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام، وسهولة تعلمه، وأنه يتعلمه الوافد، ثم يولي في وقته].
في هذا إشارة إلى أن أصول الإسلام وقواعد الدين وأركانه وواجباته سهلة التعلم، وليس المقصود هنا تعلم شرائع الدين وأحكامه وفوائده على التفصيل، لا؛ لأنه لا يدرك ذلك أكثر الناس، بل يحتاج إلى التبحر في العلم، ولذلك كلف الله طائفة من المؤمنين لتعلم دينه ، لكن إدراك الإجماليات سهل على الجميع، كلف الله به الجميع، لم يعذر أحداً في أن يخل بمعرفة إجماليات الدين بحسب مداركه وبحسب فهمه.
قال رحمه الله تعالى: [واختلاف تعليم النبي ﷺ في بعض الألفاظ بحسب من يتعلم، فإن كان بعيد الوطن، كـ ضمام بن ثعلبة، والنجدي، ووفد عبد القيس، علمهم ما لا يسعهم جهله، مع علمه أن دينه سينتشر في الآفاق، ويرسل إليهم من يفقههم في سائر ما يحتاجون إليه، ومن كان قريب الوطن يمكنه الإتيان كل وقت، بحيث يتعلم على التدريج، أو كان قد علم فيه أنه قد عرف ما لا بد منه، أجابه بحسب حاله وحاجته، على ما تدل قرينة حال السائل، كقوله: (قل: آمنت بالله، ثم استقم).
وأما من شرع ديناً لم يأذن به الله، فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي ﷺ ، ولا عن غيره من المرسلين؛ إذ هو باطل، وملزوم الباطل باطل، كما أن لازم الحق حق].
يعني: أن كل من شرع شيئاً وزعم أنه من الدين، سواء كان في العقيدة، أو في العبادة، أو في الأحكام، أو الأعياد أو نحو ذلك من التشريعات؛ فإنها تدخل في مفهوم الدين، بعض الناس قد لا يفهم من الدين إلا العقيدة، وبعض الناس قد لا يفهم من الدين إلا العقيدة والعبادة، لكن الصحيح أن كل من شرع ديناً، حتى وإن كان في أمور الأحكام البسيطة أو في مفردات الأحكام، فإنه يدخل في مفهوم مَنْ شرع ديناً، ما دام ادعى أنه من عند الله وليس من عند الله، ولذلك سمي هؤلاء الذين خالفوا في العقيدة: أهل بدع، والذين خالفوا في العبادة: أهل بدع، والذين شرعوا أحكاماً من دون شرع الله : أهل بدع، والذين شرعوا أعياداً من دون الأعياد الشرعية: أهل بدع وهكذا.
стр. 1277
دين الإسلام بين الغلو والتقصير
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (بين الغلو والتقصير) قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١]، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٧٧].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالَاً طَيِّبَاً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة:٨٧ - ٨٨].
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂: (أن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ ، سألوا أزواج رسول الله ﷺ عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا؟! لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
وفي غير الصحيحين: (سألوا عن عبادته في السر، فكأنهم تقالوها).
وذُكر في سبب نزول الآية الكريمة عن ابن جريج عن عكرمة: أن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالماً مولى أبي حذيفة ﵃ في أصحابه تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل، وصيام النهار، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة:٨٧].
يقول: لا تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من قيام الليل، وصيام النهار، وما هموا به من الاختصاء، فنزلت فيهم، فبعث النبي ﷺ إليهم فقال: (إن لأنفسكم عليكم حقاً، وإن لأعينكم حقاً، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا، فقالوا: اللهم سلَّمنا واتبعنا ما أنزلت)].
стр. 1278
دين الإسلام بين التشبيه والتعطيل
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (وبين التشبيه والتعطيل): تقدم أن الله يحب أن يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تشبيه، فلا يقال: سمع كسمعنا، ولا بصر كبصرنا ونحوه، ومن غير تعطيل، فلا يُنفى عنه ما وصف به نفسه، أو وصفه به أعرف الناس به رسوله ﷺ ، فإن ذلك تعطيل، وقد تقدم الكلام في هذا المعنى].
التعطيل يشمل تعطيل الجهمية ومن سلك مسلكهم، وهو إنكار أسماء الله وصفاته، وتعطيل المعتزلة وهو إنكار صفات الله أو بعضها، ويشمل أيضاً التأويل؛ لأن التأويل هو نوع من التعطيل، التأويل لمعاني وحقائق أسماء الله وصفاته الواردة في ألفاظ الكتاب والسنة إلى معان وحقائق أخرى متوهمة، هذا التعطيل، ولكنه تعطيل بحيلة الاشتباه والمجاز ونحو ذلك، ويشمل ذلك تأويل الأشاعرة والماتريدية ومن سلك سبيلهم، فهو نوع من التعطيل.
قال رحمه الله تعالى: [ونظير هذا القول قوله فيما تقدم: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زَلَّ ولم يصب التنزيه).
وهذا المعنى مستفاد من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
فقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ردٌّ على المشبهة، وقوله: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) ردٌّ على المعطلة].
стр. 1279
دين الإسلام بين الجبر والقدر
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (وبين الجبر والقدر): تقدم الكلام أيضاً على هذا المعنى، وأن العبد غير مجبور على أفعاله وأقواله، وأنها ليست بمنزلة حركات المرتعش، وحركات الأشجار بالرياح وغيرها، وليست مخلوقة للعبد، بل هي فعل العبد وكسبه وخلق الله تعالى].
هذا فيه إشارة إلى مذهبين متفاضلين كلاهما في القدر، والحقيقة كل الأمر يرجع إلى القول في القدر، فمن أصول الجهمية الكبرى القول بالجبر، ويقصدون بالجبر أن الإنسان مجبور على أفعاله، ليس له فيها أي إرادة ولا حرية ولا تكليف، حتى يسقطون التكليف عن العباد، ومذهب الجهمية انتقل بعد القرن الثالث وما بعده إلى أكثر طرق الصوفية، وهو عند بعض أهل الأهواء، وبعض النزعات العقلانية ونحوها.
ومذهب القدرية الأولى قضية معبد الجهني وغيلان الدمشقي، ثم قضية المعتزلة، والكلام كله يتعلق بالقدر، لكن سمي هذا بالجبر؛ لأنه يلغي اعتبار قدرة الإنسان، ويقول بأنه مجبور على الفعل، أما قول القدرية فهم يزعمون أن الإنسان مقدر أفعاله، أو أنه خالق أفعاله أو بعض أفعاله، بعضهم قد يقول: إن الإنسان يقدِّر جميع الأفعال، وبعضهم يقول: إن الإنسان هو الذي أوجد أفعال الشر، ولم يكن لله فيها تقدير، وهذا ما عليه متأخرة المعتزلة وليس كلهم، لكن عليه عموم المعتزلة.
стр. 1280
دين الإسلام بين الأمن والإياس
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (وبين الأمن والإياس): تقدم الكلام أيضاً على هذا المعنى، وأنه يجب أن يكون العبد خائفاً من عذاب ربه، راجياً رحمته، وأن الخوف والرجاء بمنزلة الجناحين للعبد في سيره إلى الله تعالى والدار الآخرة].
يعني: الأمن من عقوبة الله ومن بطشه وعذابه، أما الأمن المطلق فهو بمعنى ألا يخاف الإنسان من ذنوبه، وأنه بإمكانه أن يرتكب المعاصي ثم يطمئن على مصيره، فهذا الأمن الذي لا يجوز، وهو الذي قالت به الجبرية السابقة؛ لأن القول بالأمن نتيجة للقول بالجبر، والإرجاء الغالي نتيجة للقول بالجبر، فعلى هذا الآمنون من مكر الله ومن بطشه وعقابه وعذابه هم غلاة الجهمية، وعلى هذا المذهب غلاة الصوفية كذلك، وأيضاً غلاة المرجئة عموماً في كل زمان، والإرجاء قد يكون مذهباً، وقد يكون مسلكاً شخصياً أو رأياً فردياً، وقد يوجد الإرجاء في أفراد لا يعرفون عقيدة المرجئة كعقيدة مفلسفة أو مقننة، لكنهم تميل طبائعهم إلى الإرجاء الغالي، فيهلكون بالأمن من مكر الله ومن عذابه وعقابه.
إذاً: الأمن المطلق هو نتيجة للقول بالإرجاء الغالي، ومن هنا زعم هؤلاء الأمن من مكر الله مطلقاً، فزعموا أنهم من أهل الجنة مطلقاً، وأنه لا يدخل النار أحد، وكذلك الإياس عكس ذلك، فالإياس هو مذهب الخوارج؛ لأنهم متنطعة ومتشددة، ويميلون إلى اليأس من رحمة الله ، ولذلك يضيقون على أنفسهم وعلى الناس، ثم قرن هذا المذهب بصنف النساك والعباد الأوائل، وأغلبهم امتداد للخوارج، الخوارج أينما واجهتهم الأمة انقسموا إلى قسمين: قسم قاتل بالسيف فهلك أو أهْلَك، وقسم مال إلى العزلة والعبادة، لكنه بقي على التنطع والتشدد، وهؤلاء غلاة العباد الذين حصل منهم الصعق عند قراءة القرآن، وحصل منهم شيء من اليأس من رحمة الله ، وتيئيس الناس من الرحمة، ثم صار مذهباً في العباد والنساك فيما بعد، ولا يزال مذهباً فردياً عند كثير من الناس، لكن الأصل فيه أنه موجود عند الخوارج والطوائف الغالية في الدين دائماً.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1281
الأسئلة
стр. 1282
حكم من يقول: إن العقيدة يمكن دراستها في دقائق
السؤال
ما رأيك فيمن يقول: إن العقيدة يمكن دراستها في دقائق؟
الجواب
هذا كلام مجمل، إذا كان المقصود بدراسة العقيدة في دقائق، يعني: استعراض مجملات الدين، كما كان النبي ﷺ يقول لبعض الصحابة، كما مر قبل قليل في الدرس، فهذا يمكن أن يحمل على أنه صحيح في الجملة، فالعقيدة في الجملة هي مجملات الدين، وقواعد الدين العامة، ويمكن أن يقول الإنسان: إن من جماع العقيدة أركان الإيمان، وأركان الإسلام، وكل هذا صحيح.
وهذه يتم إفهامها وإبلاغها للناس في أقل من دقيقتين.
إذاً: هذا الكلام مجمل، قد يصح من وجه، ولا يصح من وجه آخر.
стр. 1283
شرح العقيدة الطحاوية [١١٠]
الأصل في المسلم البراءة من كل من خالف أصول العقيدة، ومن هؤلاء المشبهة الذين شبهوا الله بخلقه، ومنهم المعتزلة الذين قاسوا أفعال الله على أفعال العباد، وقالوا بأن الشر ليس من خلق الله ولا من تقديره، ومنهم الجهمية المعطلة الذين نفوا الصفات، ومنهم الجبرية الذين نفنوا الإرادة عن المخلوق مطلقاً، ومنهم القدرية الذين جاءوا بعكس عقيدة الجبرية فقالوا لا قدر، وأن الأمر أنف.
стр. 1284
البراءة من الفرق الضالة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [(فهذا ديننا واعتقادنا ظاهراً وباطناً، ونحن برآء إلى الله تعالى من كل مَن خالف الذي ذكرناه وبينّاه، ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الرديئة، مثل: المشبهة، والمعتزلة، والجهمية، والجبرية، والقدرية وغيرهم من الذين خالفوا الجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم براء، وهم عندنا ضُلَّال وأردياء، وبالله العصمة والتوفيق).
الإشارة بقوله: (فهذا): إلى كل ما تقدم من أول الكتاب إلى هنا].
أحب أن أشير إلى مسألة كثيراً ما يقولها السلف عند ذكر أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهي أولاً: أنهم يعدون هذه الأصول من الأمور المجمع عليها ومتفق عليها إجمالاً.
ثانياً: أنهم يرتبون على هذا أن من خالف هذه الأصول التي أشار إليها الشارح بقوله: (فهذا ديننا واعتقادنا ظاهراً وباطناً) أن من خالف هذه الأصول فهو الخارج عن جماعة المسلمين، فيكون من أهل الأهواء والضلالة والافتراق، سواء كان فرداً أو جماعة، إن كانوا جماعة سموا فرقة، وإن كان فرداً سمي خارجاً عن الجماعة، وكذلك الفرقة سميت فرقة لمفارقتها الجماعة.
ومما ينبغي التنبيه عليه أيضاً في هذا المقام أنهم يقصدون الأصول في مثل هذه الكتب التي قرر فيها السلف العقيدة، تجدهم أنهم يشيرون في أولها أو في ثناياها أو في آخرها إلى مثل هذه الإشارة: أن هذا اعتقادنا، ثم يذكرون أن من خالف هذه العقيدة فهو من أهل الأهواء والافتراق، ثم يشيرون إلى الولاء لمن اعتصم بهذه العقيدة، والبراء ممن خالفها، والمقصود بذلك الأصول والقواعد والإجماليات، لا ما يندرج تحت المسائل الأصولية أحياناً من خلافيات، وهذا ينبغي التنبه له من قبل طلاب العلم، وهو أن السلف حينما يحكون عقائدهم على شكل أصول ومناهج، قد يدرجون تحتها بعض الخلافيات، فيكون الواحد منهم قد أخذ بما يترجح له في المسائل الخلافية في مسائل العقيدة، فلا تدخل هذه الخلافيات في لوازم الاعتقاد، من أنه يجب، وأن التزامه فرض، وأن من حاد عنه فهو مفارق، وأيضاً البراء ممن فارق، والتبرؤ منه وعداوته، كل ذلك إنما ينصرف إلى الأصول؛ لأن كثيراً من الأصول التي ذكرها السلف يدرجون تحتها جزئيات، ويدرجون تحتها مسائل خلافية في العقيدة، فالمسائل الخلافية لا تدخل في اللوازم التي ذكرها الطحاوي هنا، وعقيدة الطحاوي -التي نحن بصدد شرحها، وإن شاء الله ننتهي منها قريباً- تعتبر من أجمع كتب السلف التي تضمنت أصول السلف بعبارات قليلة، ولذلك هي من أفضل الكتب للحفظ، ومثلها: (لمعة الاعتقاد)، ومثلها: (عقيدة السلف أصحاب الحديث) إذا جرد من الأسانيد، لو جرد من الأسانيد ربما يكون أوفى من الطحاوية، وأجود عبارة وأوضح، ولكان حفظه سهلاً جداً، فهو من أسهل المتون.
стр. 1285
المشبهة وأصل مذهبهم
قال رحمه الله تعالى: [والمشبهة: هم الذين شبهوا الله بالخلق في صفاته، وقولهم عكس قول النصارى، فإن النصارى شبهوا المخلوق -وهو عيسى ﵇ بالخالق تعالى، وجعلوه إلهاً، وهؤلاء شبهوا الخالق بالمخلوق، كـ داود الجواربي وأشباهه].
داود الجواربي من الرافضة، وكذلك أشباهه البيانية أصحاب بيان بن سمعان، والمغيرية أصحاب المغيرة بن سعيد، والهشامية أصحاب هشام بن الحكم، فهؤلاء كلهم مشبهة، وكلهم من فرق الرافضة.
стр. 1286
المعتزلة وأصولهم الخمسة
قال رحمه الله تعالى: [والمعتزلة: هم عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الغزال وأصحابهما، سُمُّوا بذلك لما اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري رحمه الله تعالى في أوائل المائة الثانية، وكانوا يجلسون معتزلين، فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة، وقيل: إن واصل بن عطاء هو الذي وضع أصول مذهب المعتزلة، وتابعه عمرو بن عبيد تلميذ الحسن البصري، فلما كان زمن هارون الرشيد صنف لهم أبو الهذيل كتابين، وبيَّن مذهبهم، وبنى مذهبهم على الأصول الخمسة التي سَمَّوها: العدل.
والتوحيد.
وإنفاذ الوعيد.
والمنزلة بين المنزلتين.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولبَّسوا فيها الحق بالباطل؛ إذ شأن البدع هذا، اشتمالها على حق وباطل].
الإشارة إلى أصول المعتزلة فيها بيان لمنهج أهل الأهواء عموماً، فإن أهل الأهواء وخاصة الفرق ذات الأصول والمناهج، كلهم وضعوا لأنفسهم أصولاً تختلف عن أصول أهل السنة والجماعة، أما أهل السنة والجماعة فليس عندهم في قواعد الدين وأصوله العامة إلا ما ثبت بالكتاب والسنة، ولذلك لا يسمون للدين أصولاً بالتحديد والتعيين إلا ما يندرج تحت أركان الإيمان، وأركان الإسلام، يعني: ليس عندهم أركان للدين ولا أصول غير أركان الإيمان الستة، وأركان الإسلام الخمسة، وما يندرج تحتها، ولذلك لا يزيدون في هذه الأركان ولا ينقصون، ومن هنا بدع السلف من ادعى أن للإيمان أركاناً غير الأركان الستة، أو أن للإسلام أركاناً غير الأركان الخمسة، بخلاف المخالفين من أهل الأهواء قديماً وحديثاً، فتجد عندهم أصولاً، الأصول الستة وغيرها من الأصول التي لا يقترن بها أصول الإيمان، أو الأصول الخمسة عند المعتزلة، أو الأصول العشرين، أو الثلاثين، أو العشرة، أو الثلاثة إلى آخره، كل ذلك من مناهج أهل الأهواء، والرافضة عندهم أصول محددة، والجهمية عندهم أصول محددة، والمعتزلة عندهم أصول محددة، وهكذا بقية أهل الأهواء.
إذاً: من سمات أهل الأهواء أنهم يضعون أصولاً ويحددونها، ويجعلونها تخالف في الغالب أصول الدين المتقررة في الكتاب والسنة وعند السلف، وأيضاً تحكي مناهجهم التي خالفوا فيها أئمة الدين، فالأصول الخمسة هي من اختراع المعتزلة، ولم يخترعوها دفعة واحدة، إنما جاءت باستقراء أبي الهذيل العلاف ومن سلك سبيله، استقرأ أقوال شيوخه السابقين، فتبين له أن عامة ما تقول به المعتزلة يرجع إلى خمسة أصول، فلما سمى هذه الأصول، تعلق بها من بعده، وجعلوها من دينهم ومن شعاراتهم وفرحوا بها؛ لأنها تجعل لهم كياناً، وكأنها بزعمهم تجمع شملهم المتشتت.
إذاً: فهذه الأصول مبتدعة، وليست مبنية على أصول الكتاب والسنة، وهي من اختراع المتأخرين منهم، ومما ينبغي التنبه له أن أهل البدع لا يتفقون على هذه الأصول، إنما قد يكون عليها الأغلب.
قال رحمه الله تعالى: [وهم مشبِّهة الأفعال؛ لأنهم قاسوا أفعال الله تعالى على أفعال عباده، وجعلوا ما يحسن من العباد يحسن منه، وما يقبح من العباد يقبح منه! وقالوا: يجب عليه أن يفعل كذا، ولا يجوز له أن يفعل كذا، بمقتضى ذلك القياس الفاسد! فإن السيد من بني آدم لو رأى عبيده تزني بإمائه ولا يمنعهم من ذلك، لعُدَّ إما مستحسناً للقبيح وإما عاجزاً، فكيف يصح قياس أفعاله على أفعال عباده؟! والكلام على هذا المعنى مبسوط في موضعه].
يشير المؤلف هنا إلى مقولة المعتزلة -والتي هي من أصولهم-: أن الله لم يقدِّر الشر.
ومذهب السلف أن الله قدر كل شيء، قدر الخير والشر ابتلاءً وفتنة للعباد، وأن الله خالق كل شيء، والمعتزلة زعمت أن الشر ليس من خلق الله ولا من تقديره، زعماً منهم أن هذا من تنزيه الله، والسلف يقولون بأن الشر ليس إلى الله، بمعنى لا ينسب إليه نسبة محضة، إنما ينسب إليه تقدير الشر، وخلق ما يتعلق به من باب الابتلاء، ولحكمة يعلمها الله ، فهم زعموا أن نسبة الشر إلى الله قدح في كماله، فمن هنا وصلوا إلى القول بأن العباد خالقون لأفعالهم، وأن الله لم يخلق أفعالهم، أو لبعض أفعالهم، فبعضهم يرون أن الله خالق أفعال الخير، وليس الشر من تقديره ولا من خلقه؛ لأن الشر لو كان من خلقه حسب زعمهم لرضي بالفساد ممن تحت ولايته.
стр. 1287
معاني الأصول الخمسة عند المعتزلة ولوازمها
قال رحمه الله تعالى: [فأما العدل فَسَتَرُوا تحته نفي القدر، وقالوا: إن الله لا يخلق الشر، ولا يقضي به؛ إذ لو خلقه ثم يعذبهم عليه يكون ذلك جوراً! والله تعالى عادل لا يجور.
ويلزمهم على هذا الأصل الفاسد أن الله تعالى يكون في ملكه ما لا يريده، فيريد الشيء ولا يكون، ولازمه وصفه بالعجز! تعالى الله عن ذلك.
وأما التوحيد فسَتَرُوا تحته القول بخلق القرآن؛ إذ لو كان غير مخلوق لزم تعدد القدماء! ويلزمهم على هذا القول الفاسد أن علمه وقدرته وسائر صفاته مخلوقة، أو التناقض! وأما الوعيد فقالوا: إذا أوعد بعض عبيده وعيداً فلا يجوز ألَّا يعذبهم ويُخلف وعيده؛ لأنه لا يخلف الميعاد، فلا يعفو عمن يشاء، ولا يغفر لمن يريد عندهم! وأما المنزلة بين المنزلتين فعندهم أن من ارتكب كبيرة يخرج من الإيمان، ولا يدخل في الكفر! وأما الأمر بالمعروف، وهو أنهم قالوا: علينا أن نأمر غيرنا بما أُمِرنا به، وأن نلزمه بما يَلْزَمنا، وذلك هو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وضمَّنوه أنه يجوز الخروج على الأئمة بالقتال إذا جاروا! وقد تقدم جواب هذه الشُّبَه الخمس في مواضعها].
فسر المعتزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأمرين: الأمر الأول عندهم: أن المعروف هو ما يدخل تحت عقائدهم، والمنكر ما يخالف عقائدهم.
الثاني: أنهم اعتقدوا أن من أصول النهي عن المنكر، بل أول درجاته: الخروج على الأئمة، الخروج على الولاة.
أما الأول: الذي هو إلزام الناس بما هم عليه، فإنهم حينما كانت لهم وزارة في عهد المأمون رأوا أن من الأمر بالمعروف إلزام الناس بالقول بعقائدهم، ومنها: القول بخلق القرآن، وأن من النهي عن المنكر إلغاء القول بأن القرآن منزل غير مخلوق، وفعلاً وصل الأمر إلى أن فتنوا المسلمين فتنة عظيمة، ورأوا أن ذلك هو غاية إقامة شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أما الثاني: الذي بزعمهم أنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الخروج على الولاة، فإنا نعلم أن ذلك مخالف للنصوص الصريحة الواردة في السنة، الدالة على ضرورة السمع والطاعة للولاة، وإن وقعوا في الكبائر، وإن ظلموا وإن فسقوا، كما هو معروف في الأحاديث، وربما يقول قائل: لم تجاهلت المعتزلة أحاديث الصبر على الجور، وأحاديث السمع والطاعة بالمعروف، وأحاديث وجوب التزام البيعة للولاة، وإن كانوا من الفجار والفساق والظلمة، أقول: لأنهم لا يعولون على السنة كثيراً، فالسنة عندهم ليس لها اعتبار إلا فيما يؤيد عقائدهم، ولذلك لا يستدلون بالنصوص إلا للاعتضاد، إذا وجدوا نصاً يعضد أقوالهم أخذوا به، وإذا لم يعضد أقوالهم تركوه ولا يبالون بذلك؛ لأن السنة عندهم منزلتها ليست كالقواعد الفلسفية والعقلية التي يدينون بها، وذلك راجع إلى اعتقادهم الفاسد في الصحابة، وراجع إلى اعتقادهم الفاسد في منهج الاستدلال، فهم لا يستدلون بأحاديث الآحاد، ويرون أن هذه الأمور العملية المتعلقة بالسنة ليست من الأمور الواجبة على الأمة، وأن الدين يمكن أن يكمل من خلال الاجتهاد العقلي وغير ذلك من الأمور التي صرحوا بها في كتبهم، وبعضهم اعتمدها من مناهجهم الأساسية.
أما تعطيل الصفات فداخل في مفهوم التوحيد، والتوحيد عند المعتزلة يقصدون به نفي الصفات، لكن الشارح هنا أتى بنموذج فقط، وهو القول بخلق القرآن؛ لأنه هو الذي أثاروا فيه الفتنة، وألزموا المسلمين به بقوة السيف، وإلا فهم أدخلوا في مفهوم التوحيد نفي جميع الصفات التي يرون أنها تعني تعدد القديم؛ لأنهم زعموا أن إثبات الصفات لله يعني التنوع، ونظرتهم إلى وجود الله نظرة عجيبة، فهم يمنعون أن يكون هناك تنوع في صفات الله ، حتى إنهم يرون أن الأسماء -وهم يثبتونها- ما هي إلا تعبيرات عن أمر واحد، وسبب ذلك أن عقيدتهم في الله راجعة إلى اعتقاد الفلاسفة، بأن وجود الله وجود معنوي عقلي، وليس له وجود ذاتي، ومن هنا زعموا أن إثبات الصفات يعني تعدد الموصوف، ولا يقصدون بتعدد الموصوف أن يكون للموصوفين أفراد، لكن يقصدون بتعدد الموصوف تعدد أحوال الموصوف، وهم يرون أن الموصوف ليس له أحوال، ولذلك عبروا عنه بتعدد القدماء؛ لينفروا الناس من إثبات الصفات، قالوا: إذا قلنا بأن القرآن كلام الله، فهذا يعني أنه لا بد أن نقول: كلامه صفته، وإذا قلنا بأن كلامه صفته، أدى هذا إلى أن الله له صفات متعددة، وهذا يؤدي إلى ثبوت الأحوال لله ، والأحوال لا بد أن ينتج عنها إثبات الذات وهكذا، بمعنى: أن عقيدتهم في الله تعود إلى القول بأن وجود الله وجود معنوي.
стр. 1288
حقيقة التوحيد والعدل عند المعتزلة
قال رحمه الله تعالى: [وعندهم أن التوحيد والعدل من الأصول العقلية، التي لا يُعلم صحة السمع إلا بعدها، وإذا استدلوا على ذلك بأدلة سمعية إنما يذكرونها للاعتضاد بها، لا للاعتماد عليها، فهم يقولون: لا تثبت هذه بالسمع، بل العلم بها متقدم على العلم بصحة النقل! فمنهم من لا يذكرها في الأصول؛ إذ لا فائدة فيها عندهم، ومنهم من يذكرها ليبيِّن موافقة السمع للعقل، ولإيناس الناس بها، لا للاعتماد عليها.
والقرآن والحديث فيه عندهم بمنزلة الشهود الزائدين على النصاب، والمدد اللاحق بعسكر مستغنٍ عنهم، وبمنزلة من يتبع هواه، واتفق أن الشرع ما يهواه! كما قال عمر بن عبد العزيز: لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواه، ويخالفه إذا خالف هواه، فإذاً: أنت لا تثاب على ما وافقته من الحق، وتعاقَب على ما تركته منه؛ لأنك إنما اتبعت هواك في الموضعين.
وكما أن الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، والعمل يتبع قصد صاحبه وإرادته، فالاعتقاد القوي يتبع أيضاً علم ذلك وتصديقه، فإن كان تابعاً للإيمان كان من الإيمان، كما أن العمل الصالح إذا كان عن نية صالحة كان صالحاً، وإلَّا فلا، فقول أهل الإيمان التابع لغير الإيمان، كعمل أهل الصلاح التابع لغير قصد أهل الصلاح.
وفي المعتزلة زنادقة كثيرة، وفيهم من ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً].
ما ذكره الشارح من كلام عمر بن عبد العزيز فيه إشارة إلى فارق كبير بين منهج أهل السنة وبين مناهج أهل الأهواء، وهو أن أهل السنة يخضعون للحق أبداً ودائماً، ويدورون مع الحق حيث دار، بغض النظر عن رغباتهم وعن أهوائهم وعن ميولاتهم، هذا هو الأصل، وقد يشذ عن ذلك بعض من ينتسبون إلى السنة، والشذوذ لا عبرة به، لكن هذا هو الأصل الذي عليه عموم أهل السنة، وقد عصمهم الله من أن يخلوا بهذا الأصل، الأصل في أهل السنة جميعاً أنهم يتبعون الحق، وأن هواهم مع الحق، بخلاف أهل الأهواء، فإن القاعدة عندهم سواء شعروا أو لم يشعروا أنهم يتبعون الحق إذا كان يوافق أهواءهم، وإذا خالف أهواءهم ردوه، إما بالإعراض المباشر كما عند غلاة الجهمية، وإما بصرفه عن معانيه حتى يلووا أعناق الأدلة بالتأويل، والقول بالمجازات، والتمحل والتلبيس، والبحث عن معاذير، ومحاولة التردد في قبول النص بالطعن فيه، أو برواته أو نحو ذلك كما عند غيرهم من أهل الأهواء.
وأهل الأهواء إذا خالف الحق والدليل ما هم عليه تركوه وأعرضوا عنه بأي نوع من أنواع الإعراض، وأغلب وسائل الإعراض عندهم تكون ملبسة، لا تجد إلا النادر من أهل الأهواء من يرد النص رداً مباشراً صريحاً، بل يتأوله لصرفه عما هو عليه، وهذه من أعظم الأمور التي نخشى أن يقع فيها كثير من الناس اليوم؛ لأن الناس جهلوا هذه القاعدة، فصاروا يتكلفون بشعور أو بغير شعور، فتجد الواحد منهم في مؤلفاته قد يستقرئ مثلاً الأدلة في موضع معين، فيحاول أن يجلب الأدلة ويلوي أعناقها لتوافق ما يريد أن يصل إليه.
وكذلك تجد كثيراً منهم يكتب في قضية شرعية معينة أو في منهج من المناهج، وفي نيته وعزمه المسبق أن يتوصل إلى نتيجة سبق أن قررها في نفسه، ومن هنا اختلط الأمر على كثير من شباب الأمة، خاصة أولئك الذين لا يسلمون من النزعات الحزبية والشعارات؛ فإنهم فتنوا الناس بمحاولة عرض ما هم عليه بالأدلة، وبدءوا يتكلمون عن مناهج الأنبياء ومناهج السلف، ومناهج الدعاة، ومناهج العلماء، وكل منهم يجر هذه المناهج إلى ما يريد، فهذا خلاف منهج السلف، وجر النصوص إلى ما يريده الشخص من أعظم سمات أهل الأهواء، التي فارقوا بها السنة، فعلى طالب العلم أن يتنبه لهذا الأمر وأن ينبه عليه، وأن يحذر هذه الخصلة التي وقع فيها كثير من الناس، ولذلك أرى ضرورة التمعن والتأني فيما يكتبه ويقوله الناس اليوم، فيما يتعلق بالتنويه عن مناهج السلف، وعن أصولهم، وعن مواقفهم، والارتكاز عليها في كثير مما يذهب إليه المختلفون من طلاب العلم، ومن المتنازعين في كثير من الأمور، ينبغي أن نتنبه، وقد يحدث هذا من أهل الصلاح والاستقامة، لا يلزم أن يكون صاحب هوى وممن عرف بالهوى؛ لأنه قد يدخل بنزعة معينة من النزعات التي وقع فيها غالب المسلمين الآن، لذا لا ينبغي أن يكون الميزان فقط هو صلاح الظاهر والاستقامة الظاهرة، ولا أن يكون الميزان هو مجرد حشد النصوص، ودعاوى أقوال السلف ومناهجهم، إنما ينبغي أن يكون الميزان الرجوع إلى الأصول التي قررها السلف مسبقاً، والتي عليها العلماء الراسخون، الذين لم يعرفوا بشيء من النزعات أو الميولات التي ابتلي بها كثير من المسلمين الآن.
стр. 1289
حقيقة الجهمية وأصل مذهبهم
قال رحمه الله تعالى: [والجهمية: هم المنتسبون إلى جهم بن صفوان الترمذي، وهو الذي أظهر نفي الصفات والتعطيل، وهو أخذ ذلك عن الجعد بن درهم، الذي ضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط، فإنه خطب الناس في يوم عيد الأضحى وقال: أيها الناس! ضحوا تقبَّل الله ضحاياكم، فإني مُضحٍّ بـ الجعد بن درهم؛ فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً! ثم نزل فذبحه، وكان ذلك بعد استفتاء علماء زمانه، وهم السلف الصالح رحمهم الله تعالى].
قصة قتل الجعد مشهورة ومستفيضة عند السلف، وأنها إنما تمت بسبب قوله بأصول الجهمية؛ بسبب إنكاره لأسماء الله وصفاته، لا كما يدعي كثير من أهل الأهواء قديماً وحديثاً من أن قتل الجعد كان قتلاً سياسياً، هذه شنشنة لا نزال نسمعها من كثير من الذين في نفوسهم هوى أو جهل بمناهج السلف؛ فإن قتل الجعد وغير الجعد ممن قتلوا في ذلك الوقت من الذين جانبوا الحق، إنما كان من باب الردع وإقامة الحد، وخالد بن عبد الله القسري الذي قتل الجعد إنما فعل ذلك بعد استفتاء علماء زمانه، كما هو معروف، بل بوصية من العلماء؛ لأن الفتنة في أقوال الجعد كانت فتنة عظيمة، تتعلق بأصول الدين وقواعده الأساسية.
قال رحمه الله تعالى: [وكان جهم بعده بخراسان، فأظهر مقالته هناك، وتبعه عليها ناس بعد أن ترك الصلاة أربعين يوماً شكاً في ربه! وكان ذلك لمناظرته قوماً من المشركين يقال لهم: السُّمَنية من فلاسفة الهند، الذين ينكرون من العلم ما سوى الحسيات، قالوا له: هذا ربك الذي تعبده هل يُرَى أو يُشَم أو يُذاق أو يُلْمَس؟ فقال: لا.
فقالوا: هو معدوم! فبقي أربعين يوماً لا يعبد شيئاً، ثم لما خلا قلبه من معبود يألهه نقش الشيطان اعتقاداً نَحَته فكرُه، فقال: إنه الوجود المطلق! ونفى جميع الصفات، واتصل بـ الجعد.
وقد قيل: إن الجعد كان قد اتصل بالصابئة الفلاسفة من أهل حران، وأنه أيضاً أخذ شيئاً عن بعض اليهود المحرفين لدينهم المتصلين بـ لبيد بن الأعصم الساحر الذي سحر النبي ﷺ .
فقُتل جهم بخراسان، قتله سلم بن أحوز؛ ولكن كانت قد فشت مقالته في الناس، وتقلدها بعض المعتزلة؛ ولكن كان الجهم أدخل في التعطيل منهم؛ لأنه ينكر الأسماء حقيقة، وهم لا ينكرون الأسماء، بل الصفات].
стр. 1290
أصناف الجهمية وحكم كل صنف
قال رحمه الله تعالى: [وقد تنازع العلماء في الجهمية هل هم من الثنتين وسبعين فرقةً أم لا؟ ولهم في ذلك قولان، وممن قال: إنهم ليسوا من الثنتين وسبعين فرقةً: عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط رحمهما الله].
الذي استقر عليه قول جمهور السلف في القرن الثالث وما بعده، بعدما ظهرت هذه الفرق وتبينت مناهجها بشكل جلي، الذي استقر قول السلف أن الجهمية على نوعين: جهمية خالصة وهم الذين تتوافر عندهم ثلاثة أصول: القول بالتعطيل المطلق، والقول بالإرجاء الغالي، والقول بالجبر الغالي، وهؤلاء الذين تتوافر عندهم هذه الأصول هم غلاة الجهمية، فهؤلاء بمقتضى أصولهم ليسوا من المسلمين.
والجهمية الذين يقولون بالإرجاء الغالي هم الذين يقولون: إن الإيمان هو المعرفة فقط، وإنه لا يضر مع المعرفة ذنب، ولا تنفع مع المعرفة طاعة، فهؤلاء من البدهي ومن الضرورة أن قولهم هذا يستلزم الجبر، بل العكس هو الصحيح، الجبرية الخالصة وهي الجهمية الخالصة قالوا بأن الإنسان مجبور على أفعاله، ومن هنا تركز على هذا الجبر الإرجاء، وأنه ما دام مجبوراً فإنه لا يؤاخذ، ثم قالوا بأن الإيمان هو المعرفة، فمن هنا اجتمعت عند غلاة الجهمية هذه الأصول الثلاثة: التعطيل الخالص، الذي هو إنكار أسماء الله وصفاته، وهذا أول سمة لهم، ثم القول بالجبر المطلق، ثم القول بالإرجاء الغالي، فهذا الصنف هم الذين قصدهم عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وجمهور السلف الذين قالوا: إنهم ليسوا من فرق المسلمين، وليسوا من الثنتين والسبعين فرقة المتوعدة بالنار، وليسوا من أهل القبلة.
الصنف الثاني من الجهمية: هم كل من أخذ بقول من أقوال الجهمية غير الأقوال المغلظة؛ لأن بعض أهل العلم يلحق القائل بخلق القرآن بالغلاة، والصحيح أن القول بخلق القرآن كان نتيجة للتعطيل، فمن هنا لا يلحق القائل بخلق القرآن بالقائل بالتعطيل؛ لأن السلف الصالح يتوسعون في مفهوم التجهم، وعلى هذا فإن الجهمية غير الغلاة تدخل فيهم المعتزلة، فمن هنا لا يكونون من الخارجين من الملة، بل هم من فرق المسلمين، وأيضاً المعتزلة أهل الجهمية غير الغلاة يدخل فيهم المتكلمون، فالكلابية فيها تجهم، والأشاعرة كذلك بعض أصولها قائمة على أصول الجهمية، خاصة في عهد أبي المعالي الجويني والغزالي والرازي ومن جاء بعدهم، والماتريدية ابتداءً قامت أصولها على شيء من التجهم، منذ أن نشأت الماتريدية وأصولها قائمة على بعض أصول الجهمية، ومصطلحات الجهمية، ومناهج الجهمية، فلهذا هذا النوع من الجهمية يعتبرون من فرق المسلمين، لكنها من الفرق الضالة الخارجة عن السنة.
стр. 1291
وقت اشتهار مقالة الجهمية
قال رحمه الله تعالى: [وإنما اشتهرت مقالة الجهمية من حين محنة الإمام أحمد بن حنبل وغيره من علماء السنة، فإنه من إمارة المأمون قووا وكثروا، فإنه كان قد أقام بخراسان مدة، واجتمع بهم، ثم كتب بالمحنة من طرسوس سنة ثمان عشرة ومائتين، وفيها مات، وردوا الإمام أحمد إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين، وفيها كانت محنته مع المعتصم، ومناظرته لهم بالكلام، فلما رد عليهم ما احتجوا به عليه، وبيَّن أنه لا حجة لهم في شيء من ذلك، وأن طلبهم من الناس أن يوافقوهم، وامتحانهم إياهم جهل وظلم، وأراد المعتصم إطلاقه، أشار عليه مَن أشار بأن المصلحة ضربُه؛ لئلا تنكسر حرمة الخلافة مرةً من بعد مرة! فلما ضربوه قامت الشناعة في العامة، وخافوا فأطلقوه، وقصته مذكورة في كتب التاريخ].
المقصود بمقالة الجهمية هنا التعطيل بعامة، والقول بخلق القرآن بخاصة؛ لأنه نوع من التعطيل، والشهرة لا يقصد بها هنا شهرة الذيوع وكثرة الأتباع، أما شهرة المقالة فقد سبقت قبل ذلك، وعرفنا من خلال دروس سابقة أن الجهمية بدأت بذورها وظهرت مقالاتها وأصحابها الأولى في آخر القرن الأول، نجم مذهب الجهمية على يد غيلان الدمشقي، فقد كان عنده ميل إلى التعطيل، ونسبت إليه بعض مقالات التعطيل في الاستواء، وفي كلام الله ، لكن ليست صريحة كما حصل في المرحلة الثانية، المرحلة الثانية من مراحل ظهور الجهمية كانت في أول القرن الثاني الهجري، حيث بدأت مناهج الجهمية تشتهر على يد الجعد بن درهم، فقد عمم القول بالتعطيل، خاصة فيما يتعلق بالتكليم، والخلة، والاستواء، والعلو، والفوقية ونحو ذلك، وقد صرح الجهم بتعطيل صفات الله وأسمائه في هذا الجانب بالذات، وأنكر عليه السلف أشد الإنكار، وغلظوا في تبديع مقولته، وحاوروه وأقاموا عليه الحجة، حتى حكموا بضرورة قتله؛ لأن قوله هذا من أعظم الفساد في الدين، فقتل.
ثم جاءت المرحلة الثالثة من مراحل الجهمية على يد الجهم بن صفوان، والجهم أخذ بعض مقالات الجعد وزاد عليها، والجهم أعلن التعطيل وعممه في جميع أسماء الله وصفاته، وأيضاً قال بالجبر الغالي وبالإرجاء الغالي، واستقرت أصول الجهمية ومناهجها العامة على يد الجهم بن صفوان، ثم بقيت من ضمن الفرق، وتلاقحت هي والمعتزلة مع الشيعة أيضاً في آخر القرن الثاني، ومع الخوارج أيضاً، تلاقحت هذه الفرق حتى صارت كثير من أصول الجهمية موجودة عند المعتزلة، وعند الإباضية، وعند الرافضة، ومما جعلها تشتهر بشكل أكثر في المرحلة الرابعة في عهد المأمون، والمأمون أشرب في قلبه بعض أصول الجهمية، وأعجب بأقوال المعتزلة وتلقى عنهم، وكان ميالاً إلى الكلاميات، وعنده نزعة حب الفلسفة، فأشهر مقالة الجهمية بقوة السيف وقوة الدولة، وحصلت الفتنة والمحنة العظمى التي امتحن بها المسلمون سنين عديدة، وانتهت -بحمد الله- بالنصر المبين لإمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل، وبعدها انكمشت الجهمية وانسابت وساحت بين الفرق، فلم تعد للجهمية راية مستقلة لها أصولها ورءوسها، إنما دخلت في الشيعة خاصة الرافضة، ودخولها في الإباضية وفي الزيدية من باب أولى، وكذلك دخولها في فرق أخرى، كذلك وجدت عقيدة التجهم وانتشرت في الطرق الصوفية في هذه المرحلة.
ثم بعد ذلك ظهرت المعتزلة الجهمية في العصر الحديث، على يد بعض الجماعات بشكل صريح معلن، حيث تبنت أصول الجهمية تبنياً مستقلاً، وهي لا تتبع الفرق السابقة، إنما قامت على أنقاض الجهمية والمعتزلة، كحزب التحرير، وبعض الاتجاهات العقلانية والعصرانية، التي يدعي أصحابها أنهم أصحاب الفكر الإسلامي الحديث.
ومن عوامل قوة الجهمية ترجمة العلوم، كترجمة الفلسفة اليونانية، وترجمة كتب الديانات الوثنية والفلسفية، وكتب الصابئة والمجوس، وكتب الديانات الهندية وغيرهم، وكلها ترجمت في عهد المأمون أو أكثرها، فكان لها الأثر في شيوع الجهمية، وفي امتداد أصولها إلى أصول جديدة، ومباحث جديدة كلامية وفلسفية.
стр. 1292
عقيدة الجهم في الجنة والنار والإيمان والكفر
قال رحمه الله تعالى: [ومما انفرد به جهم: أن الجنة والنار تفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة فقط، والكفر هو الجهل فقط، وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على سبيل المجاز، كما يقال: تحركت الشجرة، ودار الفلك، وزالت الشمس.
ولقد أحسن القائل: عجبت لشيطان دعا الناس جهرةً إلى النار واشتُق اسمه من جهنم وقد نقل أن أبا حنيفة ﵀ سئل عن الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: لعن الله عمرو بن عبيد هو فتح على الناس الكلام في هذا!].
стр. 1293
حقيقة الجبرية وأصل مذهبهم
قال رحمه الله تعالى: [والجبرية: أصل قولهم من جهم بن صفوان كما تقدم، وأن فعل العبد بمنزلة طوله ولونه! وهم عكس القدرية نفاة القدر؛ فإن القدرية إنما نسبوا إلى القدر لنفيهم إياه، كما سميت المرجئة لنفيهم الإرجاء، وأنه لا أحد مرجأ لأمر الله؛ إما يعذبهم وإما يتوب عليهم، وقد تسمى الجبرية قدرية].
في هذا تجاوز في تعليل التسمية، أما كون القدرية سموا قدرية لنفيهم القدر فهذا واضح، أما المرجئة فسموا مرجئة لعدة أسباب بحسب حالهم، فمرجئة الفقهاء سموا مرجئة؛ لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان، ومرجئة المشككة -الذين سيأتي الكلام عنهم بعد قليل- سموا مرجئة؛ لأنهم أرجئوا أمر الحكم على العباد، خاصة أصحاب الذنوب، والجهمية سموا مرجئة؛ لأنهم قالوا بالإرجاء المطلق، غلَّبوا جانب الرجاء مطلقاً، ولم يعد للخوف ولا للوعيد عندهم أي اعتبار، وطائفة من الناس سميت مرجئة؛ لأنهم اختلفوا في بعض قضايا الدين، كاختلافهم فيما حدث بين الصحابة، أو كاختلاف بعضهم في المفاضلة بين علي وبين عثمان، فكل من هذه الطوائف قالوا: نرجئ الأمر ولا نبت فيه، يعني: نتوقف فيه، فسموا مرجئة؛ لأنهم أخروا الحكم فعلقوه بمشيئة الله .
إذاً: كل طائفة من المرجئة صار سبب تسميتها مرجئة راجعاً إلى حالها، فهم لا يتشابهون في سبب التسمية، وما ذكره الشارح هنا لعله من أضعف الأقوال في سبب تسمية المرجئة، وإذا أطلقت بدون تقييد وبدون ما يدل عليها السياق، فإنها تعني مرجئة الفقهاء الذين يقولون بأن الإيمان تصديق، وأن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، والإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولا استثناء في الإيمان، فهؤلاء هم المرجئة عند الإطلاق.
قال رحمه الله تعالى: [وقد تسمى الجبرية: قدرية؛ لأنهم غلوا في إثبات القدر، كما يسمى الذين لا يجزمون بشيء من الوعد والوعيد، بل يغلون في إرجاء كل أمر حتى الأنواع، فلا يجزمون بثواب من تاب، كما لا يُجزم بعقوبة من لم يتب].
هؤلاء أيضاً يسمون مرجئة، وهنا لم يأت بجواب العبارة: (كما يسمى الذين لا يجزمون بشيء من الوعيد والعيد) كما يسمى المرجئة كذلك.
وقوله: (بل يغلون في إرجاء كل أمر حتى الأنواع) يعني: الأنواع المتعلقة بالأحكام العامة البدهية، بعضهم يشكك فيها، مثل: الثواب على الطاعات، والعقاب على المعاصي مطلقاً، يوجد من يشكك ويرجئ الأمر مطلقاً، فهذا يعتبر نوعاً من الوسواس، أو نوعاً من الزندقة أحياناً، وكذلك الوعد والوعيد لا يقرون بوعد ولا بوعيد، ولا بثواب ولا بعقاب، أو يغلون في تعليق مصائر العباد، فلا ثواب ولا عقاب، ولا وعد ولا وعيد.
إذاً: هذا معنى قوله: (في إرجاء كل أمر حتى الأنواع) يعني: أنواع الأحكام العامة من الثواب والعقاب، والوعد والوعيد ونحو ذلك.
قال رحمه الله تعالى: [وكما لا يجزم لمعين.
وكانت المرجئة الأولى يرجئون عثمان وعلياً ولا يشهدون بإيمان ولا كفر].
هنا أشار المؤلف ﵀ إلى عدة أنواع من المرجئة، أولهم: المرجئة الجبرية الخالصة، المرجئة الغالية، مرجئة الجهمية، الذين يقولون: لا يضر مع المعرفة ذنب، وبعد ذلك تأتي بعدهم: مرجئة الكرامية، ولم يشر إليهم هنا، لكن يحسن ذكرها، وهم الذين يقولون بأن الإيمان قول اللسان فقط، وهم في الدرجة الثانية من حيث البدعة، أما المقولة الأولى فهي مقولة كفرية، وهي القول بأن الإيمان هو المعرفة فقط، والمقولة الثانية بدعية، وهي أن الإيمان هو قول اللسان فقط، وهم الكرامية.
والنوع الثالث من المرجئة: مرجئة الفقهاء، الذين يقولون بأن الإيمان هو التصديق، أو التصديق والقول، فيخرجون الأعمال من مسمى الإيمان، ويمنعون زيادة الإيمان ونقصانه، ويمنعون الاستثناء في الإيمان.
والمرجئة الرابعة: مرجئة الأحكام، الذين لا يجزمون بحكم، لا يجزمون بثواب ولا بعقاب، ولا بوعد ولا بوعيد، وهم فرع عن الجهمية، لكنهم أخف، وهؤلاء يكثرون في المتصوفة.
والمرجئة الأخيرة: هم مرجئة أمر الصحابة، فهم الذين أرجئوا الأمر فيما حدث بين الصحابة، فلا يرون أن أحداً من الصحابة محق على سبيل الجزم، فيقولون: لا نجزم، وهذا خلاف رأي جمهور السلف، وتفرع عن هذه المرجئة أيضاً إرجاء أمر علي وعثمان، ترددوا في أيهما أفضل، ثم ترددوا في أيهما أحق بالخلافة، ثم نتج عن ذلك أيضاً التردد في أمر علي ومعاوية ﵄ وأصحابهما، ممن حدث بينهم شيء من الخلاف في صفين والجمل وغيرها، فترددوا في الأمر، وقالوا: نرجئ أمرهم إلى الله ، وهذا كله خلاف قول السلف.
إذاً: التجهم الأول: كفري، والثاني: بدعي، والثالث: بدعي، والرابع: لم يتكلم السلف في حق من قاله؛ لأنه قول انتهى، قاله قوم من السلف إبان الفتنة وبعده بقليل، قبل أن يستقر القول عند السلف في تفضيل عثمان ﵁ على علي، وقبل أن يستقر عند السلف أن الفئة المحقة هي فئة
стр. 1294
النصوص الواردة في ذم القدرية
قال رحمه الله تعالى: [وقد ورد في ذم القدرية أحاديث في السنن، منها: ما روى أبو داود في سننه من حديث عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (القدرية مجوس هذه الأمة؛ إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم)، وروي في ذم القدرية أحاديث أخر كثيرة تكلم أهل الحديث في صحة رفعها، والصحيح أنها موقوفة، بخلاف الأحاديث الواردة في ذم الخوارج].
الأحاديث الواردة في المرجئة وفي القدرية لا تصح، لكن نسبة قول القدرية إلى المجوس وقول المرجئة إلى النصارى نسبة صحيحة، من حيث الأصول والمناهج؛ لأنه ثبت عند السلف بالاستقراء أن مقولة القدرية هي فرع عن مقولات الأمم الماضية، وهي أقرب إلى مقولة المجوس، وطوائف من الصابئة، وطوائف من اليهود، وطوائف من النصارى، القول بالقدر لم يكن وليد الأهواء عند المسلمين، بل كان امتداداً لما كان عليه الأمم السابقة خاصة المجوس؛ لأن المجوس جعلوا مع الله إلهاً آخر، سموه: إله الشر، وشبهتهم في ذلك أنهم زعموا أنه لا يليق أن يكون الله خالق الشر ولا مقدراً له، فمن هنا نشأ عن قولهم اعتقادهم بأن هناك إلهاً آخر قدر الشر وخلقه، هذه هي الفكرة والشبهة الموجودة عند المعتزلة، الذين زعموا أن الإنسان يستقل بأفعاله من دون تقدير الله لها.
فمن هنا نقول: القول بالقدر أشبه ما يكون وأقرب ما يكون إلى قول المجوس، وهو امتداد لمقولة المجوس، وهذه المقولة موجودة عند كثير من الأمم أيضاً، وليست في المجوس فقط، فاليونان مثلاً: عندهم آلهة للخير وآلهة للشر، وكذلك عند كثير من الأمم الوضعية، لكن المجوس أقرب الناس تأثيراً في المسلمين، وأيضاً المجوس كانت صفتهم ظاهرة في هذا الأمر، فهم أثبت من غيرهم من الأمم في هذه المقولة.
قال رحمه الله تعالى: [فإن فيهم في الصحيح وحده عشرة أحاديث: أخرج البخاري منها ثلاثة، وأخرج مسلم سائرها، ولكن مشابهتهم للمجوس ظاهرة؛ بل قولهم أردأ من قول المجوس؛ فإن المجوس اعتقدوا وجود خالقَينِ، والقدرية اعتقدوا خالقِينَ!! وهذه البدع المتقابلة حدثت من الفتن المفرقة بين الأمة كما ذكر البخاري في صحيحه عن سعيد بن المسيب قال: وقعت الفتنة الأولى -يعني: مقتل عثمان - فلم تبق من أصحاب بدر أحداً، ثم وقعت الفتنة الثانية -يعني: الحرة- فلم تبق من أصحاب الحديبية أحداً، ثم وقعت الثالثة فلم ترتفع وللناس طباخ.
أي: عقل وقوة.
فالخوارج والشيعة حدثوا في الفتنة الأولى، والقدرية والمرجئة في الفتنة الثانية، والجهمية ونحوهم بعد الفتنة الثالثة، فصار هؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، يقابلون البدعة بالبدعة، أولئك غلوا في علي، وأولئك كفروه! وأولئك غلوا في الوعيد حتى خلدوا بعض المؤمنين، وأولئك غلوا في الوعد حتى نفوا بعض الوعيد -أعني: المرجئة-، وأولئك غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات، وهؤلاء غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه، وصاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع، ويعرضون عن الأمر المشروع، وفيهم من استعان على ذلك بشيء من كتب الأوائل: اليهود، والنصارى، والمجوس، والصابئين؛ فإنهم قرءوا كتبهم، فصار عندهم من ضلالتهم ما أدخلوه في مسائلهم ودلائلهم، وغيروه في اللفظ تارة، وفي المعنى أخرى، فلبسوا الحق بالباطل وكتموا حقاً جاء به نبيهم، فتفرقوا واختلفوا، وتكلموا حينئذ في الجسم والعرض والتجسيم نفياً وإثباتاً].
стр. 1295
سبب ضلال الفرق العدول عن الصراط المستقيم الذي أمر الله باتباعه
قال رحمه الله تعالى: [وسبب ضلال هذه الفرق وأمثالهم عدولهم عن الصراط المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣].
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، فوحد لفظ صراطه وسبيله وجمع السبل المخالفة له.
وقال ابن مسعود ﵁: (خط لنا رسول الله ﷺ خطاً، وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن يساره، وقال: هذه سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]).
ومن هاهنا يعلم أن اضطرار العبد إلى سؤال هداية الصراط المستقيم فوق كل ضرورة، ولهذا شرع الله تعالى في الصلاة قراءة أم القرآن في كل ركعة، إما فرضاً أو إيجاباً على حسب اختلاف العلماء في ذلك؛ لاحتياج العبد إلى هذا الدعاء العظيم القدر، المشتمل على أشرف المطالب وأجلها، فقد أمرنا الله تعالى أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧].
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون).
وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه.
قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!).
قال طائفة من السلف: من انحرف من العلماء ففيه شبه من اليهود، ومن انحرف من العباد ففيه شبه من النصارى].
ووجه الشبه ظاهر أن من انحرف من العلماء انحرف عن علم، ومن انحرف من العباد انحرف عن جهل، وأكثر من اشتهر انحرافهم بعد علم وإقامة حجة هم اليهود، وأكثر من اشتهر انحرافهم عن جهل هم النصارى، خاصة الرهبان منهم.
قال رحمه الله تعالى: [فلهذا تجد أكثر المنحرفين من أهل الكلام من المعتزلة ونحوهم فيه شبه من اليهود؛ حتى إن علماء اليهود يقرءون كتب شيوخ المعتزلة، ويستحسنون طريقتهم، وكذا شيوخ المعتزلة يميلون إلى اليهود ويرجحونهم على النصارى، وأكثر المنحرفين من العباد من المتصوفة ونحوهم فيهم شبه من النصارى؛ ولهذا يميلون إلى نوع من الرهبانية والحلول والاتحاد ونحو ذلك، وشيوخ هؤلاء يذمون الكلام وأهله، وشيوخ أولئك يعيبون طريقة هؤلاء، ويصنفون في ذم السماع والوجد وكثير من الزهد والعبادة التي أحدثها هؤلاء].
стр. 1296
طرق فرق الضلال في الوحي
قال رحمه الله تعالى: [ولفرق الضلال في الوحي طريقتان: طريقة التبديل، وطريقة التجهيل، أما أهل التبديل فهم نوعان: أهل الوهم والتخييل، وأهل التحريف والتأويل.
فأهل الوهم والتخييل: هم الذين يقولون: إن الأنبياء أخبروا عن الله، واليوم الآخر، والجنة والنار، بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه، لكنهم خاطبوهم بما يتخيلون به، ويتوهمون به أن الله شيء عظيم كبير، وأن الأبدان تعاد، وأن لهم نعيماً محسوساً، وعقاباً محسوساً، وإن كان الأمر ليس كذلك؛ لأن مصلحة الجمهور في ذلك، وإن كان كذباً فهو كذب لمصلحة الجمهور!! وقد وضع ابن سينا وأمثاله قانونهم على هذا الأصل.
وأما أهل التحريف والتأويل: فهم الذين يقولون: إن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال ما هو الحق في نفس الأمر، وإن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه بعقولنا، ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات.
ولهذا كان أكثرهم لا يجزمون بالتأويل، بل يقولون: يجوز أن يراد كذا، وغاية ما معهم إمكان احتمال اللفظ.
وأما أهل التجهيل والتضليل الذين حقيقة قولهم: إن الأنبياء وأتباع الأنبياء جاهلون ضالون، لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه من الآيات وأقوال الأنبياء، ويقولون: يجوز أن يكون للنص تأويل لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه جبريل ولا محمد ﷺ ، ولا غيره من الأنبياء، فضلاً عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأن محمد ﷺ كان يقرأ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠].
﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وهو لا يعرف معاني هذه الآيات؛ بل معناها الذي دلت عليه لا يعرفه إلا الله تعالى، ويظنون أن هذه طريقة السلف.
ثم منهم من يقول: إن المراد بهذا خلاف مدلولها الظاهر المفهوم ولا يعرفه أحد، كما لا يعلم وقت الساعة.
ومنهم من يقول: بل تجرى على ظاهرها وتحمل على ظاهرها، وهؤلاء يشتركون في القول بأن الرسول لم يبين المراد بالنصوص، التي يجعلونها مشكلة أو متشابهة؛ ولهذا يجعل كل فريق المشكل من نصوصه غير ما يجعله الفريق الآخر مشكلاً.
ثم منهم من يقول: لم يعلم معانيها أيضاً.
ومنهم من يقول: عَلِمَهَا ولم يبينها، بل أحال في بيانها على الأدلة العقلية، وعلى من يجتهد في العلم بتأويل تلك النصوص، فهم مشتركون في أن الرسول ﷺ لم يَعْلَم أو لم يُعلِّم، بل نحن عرفنا الحق بعقولنا، ثم اجتهدنا في حمل كلام الرسول ﷺ على ما يوافق معقولنا، وأن الأنبياء وأتباعهم لا يعرفون العقليات، ولا يفهمون السميعات.
وكل ذلك ضلال وتضليل عن سواء السبيل.
نسأل الله السلامة والعافية من هذه الأقوال الواهية المفضية بقائلها إلى الهاوية سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين].
يقرر المؤلف ﵀ هنا مناهج أهل الأهواء ومواقفهم مما جاء به الرسل، وتقرير المؤلف هذا منقول عن شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض وفي غيره، وهذا لا يعني أن كل طائفة تمثل فرقة، أو كل منهج يمثله فرقة، هذه المناهج موزعة بين الفرق، فمثلاً: ما أشار إليه عند ذكر أهل الوهم والتخييل، الذين يقولون: إن الأنبياء أخبروا عن الله واليوم الآخر والجنة والنار بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه، إنما جاءوا بهذا الخطاب من أجل إقناع الجمهور، وأغلبها خيالات وتوهمات، فالقائلون بهذا القول هم طوائف من الفلاسفة ومن الجهمية ومن الباطنية.
والقول الثاني الذي أشار إليه في قوله: (وأما أهل التحريف والتأويل) فهم الذين يقولون: إن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال ما هو الحق في نفس الأمر، وأن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه بعقولنا، فهؤلاء أهل الكلام عموماً، سواء من كان عنده نزعة صوفية، أو كانوا من متكلمة الفرق الإسلامية، ومناهج أهل الكلام تقوم على هذا الأصل، على التحريف والتأويل.
الصنف الثالث: هم أهل التجهيل والتضليل، وأغلبهم من الفلاسفة والباطنية، لكن نسب الشيخ إليهم المفوضة والواقفة، وأهل التفويض والوقف موجودون في جميع الفرق، في الفلاسفة والباطنية والجهمية وأهل الكلام، أيضاً أدخل في هذا الصنف طائفة من المتكلمين في المقطع الأخير، الذين قال فيهم: ثم منهم من يقول: لم يعلم معانيها أيضاً، هذا ما استقر عليه منهج أهل الكلام المتأخرين من القرن السادس وما بعده، بل من القرن الخامس من أيام الشهرستاني والبغدادي والجويني والغزالي والرازي وهو أشهرهم، ثم الإيجي والآمدي ومن سلك سبيلهم، فهؤلاء هم أصحاب القول الأخير، فأدخلهم في أهل التجهيل والتضليل من باب الإلزام؛ لأن التجهيل والتضليل من لوازم قولهم، وإلا ففي الفئة الأخيرة من يقول: يعلم معان