← Акыда

Акыда · id 37433

شرح العقيدة الطحاوية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

شرح العقيدة الطحاوية [١٠٤] لقد ذم الله في كتابه الكريم الكافرين على استعاذتهم بالجن، وقد ظهر في أمة محمد ﷺ من يتعلق بالجن من الصوفية، ويسمونهم رجال الغيب، فيخاطبونهم ويستعينون ويلجئون إليهم، ويخاطبون المجاذيب ممن فيهم مس أو جنون، حتى صار بعضهم يعتبرون ما يسند إلى رجال الغيب ديناً لابد من قبوله وتصديقه، وحتى ابتلي بعضهم بالاستعانة بالجن في الإضرار بالمسلمين، ومعاونة المنافقين والكافرين.

стр. 1227

تنازع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد تنازع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه، والأكثرون يقولون: إنه قد يؤثر في موت المسحور ومرضه من غير وصول شيء ظاهر إليه، وزعم بعضهم أنه مجرد تخييل]. هذه المسألة سبق الإشارة إليها، وذكرنا أن السحر منه ما هو تخييلي، ومنه ما هو حقيقي، يؤثر تأثيراً مادياً محسوساً، ومنه ما يجمع بين الأمرين وهو الغالب، أغلب أنواع السحر يكون تخييلياً مبنياً على أشياء مادية يضعها الساحر، وأحياناً يكون مجرد تخييل، لكنه سحر، وأحياناً يكون مادياً بحتاً، بمعنى أنه مادة منظورة مشهودة مؤثرة، تحس بالحواس. إذاً: فالتنازع في الحقيقة لا محل له هنا، وكما ذكر جمهور أهل السنة على أن السحر ينقسم إلى نوعين: منه ما هو تخييلي، ومنه ما هو حقيقي، والتخييلي أحياناً ينبني على الحقيقي، وكذلك العكس. قال رحمه الله تعالى: [واتفقوا كلهم على أن ما كان من جنس دعوة الكواكب السبعة أو غيرها، أو خطابها، أو السجود لها، والتقرب إليها بما يناسبها من اللباس والخواتم والبخور ونحو ذلك؛ فإنه كفر، وهو من أعظم أبواب الشرك، فيجب غلقه، بل سده، وهو من جنس فعل قوم إبراهيم ﵇، ولهذا حكى الله عنه بقوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٨ - ٨٩]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام:٧٦] الآيات، إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]. واتفقوا كلهم أيضاً على أن كل رقية وتعزيم، أو قَسَم فيه شرك بالله، فإنه لا يجوز التكلم به، وإن أطاعته به الجن أو غيرهم، وكذلك كل كلام فيه كفر لا يجوز التكلم به، وكذلك الكلام الذي لا يعرف معناه لا يتكلم به، لإمكان أن يكون فيه شرك لا يعرف، ولهذا قال النبي ﷺ : (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً)]. مسألة الرقية موضوعها موضوع مستقل؛ لكن نظراً لأن المؤلف أشار إلى مسألة الرقية، وهي من الأمور التي يتحدث فيها الناس كثيراً الآن، ويكثر فيها اللغط، ويكثر فيها الكلام إلى حد شوش على عامة المسلمين. نقول: الأصل في الرقية الجواز، والأصل في الرقية أنها تجوز بكل مباح من الألفاظ والعبارات الصحيحة السليمة، وأفضل الرقية الرقية بكتاب الله ، وأيضاً بألفاظ رسول الله ﷺ ، مثل: قوله ﷺ : (اللهم رب الناس، أذهب البأس، اشف أنت الشافي، اللهم لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً) ونحو هذا من العبارات التي وردت عن النبي ﷺ . ثم بعد ذلك يجوز الرقية بأي لفظ صحيح يكون فيه الدعاء لله ، ولا يكون فيه شرك ولا غموض، ولذلك عندما كان بعض الصحابة يرقون برقىً كانوا يرقون بها في الجاهلية قال النبي ﷺ : (اعرضوا علي رقاكم) فأعطاهم قاعدة فيها وقال: (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً). وهناك نصوص قد تدل على تخصيص الرقية بأشياء معينة أو بأمراض معينة، كتخصيص النبي ﷺ الرقية مثلاً بالعين والحمى، كما ورد في أكثر من لفظ، فهذا لا يعني أن غيرهما لا يجوز الرقية فيه، لكن هذا محمول على أن أفضل الرقى وأبلغها تأثيراً في هذين الأمرين، أو أنه من باب الخبر؛ للتأكيد على أن أبلغ أنواع الرقية هو هذا النوع، وإلا فما دام قد ورد عن النبي ﷺ الإذن العام، فتخصيص الرقية بشيء معين لا بد أن يحمل على معنىً آخر؛ لئلا يؤدي هذا إلى نقض الأحاديث، وهذا لا يمكن أن يكون. فإذاً: الأصل في الرقية الجواز إذا كانت بالقرآن أو بالسنة، أو بأدعية صحيحة مشروعة، وبألفاظ بينة ذات معنى مقر شرعاً، وليس فيها ألغاز ولا طلاسم ولا إسرار، بعض الناس يسر بالرقية؛ ليوهم الحاضرين بأن عنده أشياء ليست عندهم، فهذا نوع من الدجل، ومن مكائد الشيطان على الإنسان، فيبقى جنس الرقية جائز ما دامت بالضوابط الشرعية، وما ينضاف إلى الرقية من أمور فيحكم على الرقية من خلاله، بحسب ما يرد من الناس من زيادات وإشكالات؛ لأن من مداخل الشيطان على الناس أن أغلب الرقاة يضيفون على الرقية أشياء تأتيهم أحياناً بدون ما يشعرون، من خلال عبث الجن بهم، كحركات وصور وأشكال وأنماط من المؤثرات ونحو ذلك مما تنضاف إلى الرقية، وهذا من الباطل الذي ينبغي نفيه. أما الأمور الشرعية المعلومة التي ليس فيها لبس، سواء من الأعمال أو الألفاظ فلا حرج أن تكون من الرقى؛ لأن النبي ﷺ إنما منع من الرقية ما كان شركاً فقط، وما كان سحراً ونحو ذلك.

стр. 1228

حكم الاستعاذة والاستعانة بالجن قال رحمه الله تعالى: [ولا يجوز الاستعاذة بالجن، فقد ذم الله الكافرين على ذلك، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] قالوا: كان الإنسي إذا نزل بالوادي يقول: أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه، فيبيت في أمن وجوار حتى يصبح. (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) يعني: الإنس للجن، باستعاذتهم بهم. (رَهَقًا) أي: إثماً وطغياناً وجراءة وشراً، وذلك أنهم قالوا: قد سدنا الجن والإنس، فالجن تعاظم في أنفسها، وتزداد كفراً إذا عاملتها الإنس بهذه المعاملة، وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١]. فهؤلاء الذين يزعمون أنهم يدعون الملائكة ويخاطبونهم بهذه العزائم، وأنها تنزل عليهم، ضالون، وإنما تنزل عليهم الشياطين، وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:١٢٨]. فاستمتاع الإنسي بالجني: في قضاء حوائجه، وامتثال أوامره، وإخباره بشيء من المغيبات ونحو ذلك. واستمتاع الجن بالإنس: تعظيمه إياه، واستعانته به، واستغاثته وخضوعه له]. هذا مما يؤكد ما سبق الإشارة إليه في درس سابق: من أن ما يقع فيه كثير من الرقاة والقراء من الاستعانة بالجن ممنوع شرعاً، وأنه من الأمور التي ينبغي الحذر منها، والتوقف عنها، وذكرت أقوال أهل العلم، ومما ذكروا: أنه إذا كان انتفاع الإنسي بالجني يأتي من باب الكرامة، التي لم يقصدها الإنسي ولم يتقصدها، ولم يكن بعهد وعقد، فهذا لا حرج فيه، وربما يكون ذلك من إكرام الله للعبد، أو من باب الفتنة، فليحذر الإنسان، وليشكر الله على ما سيق له من نعمة، وأن يوقن أن ذلك من الله وليس من الخلق، ولكن إذا زاد الأمر إلى حد الإدمان لهذه المسألة، وكثرة الاستعانة بالجن، وكثرة المخاطبة لهم، وأخذ العهود والمواعيد منهم، بأن يأتوا عند الحاجة، ويكون هذا مصاحباً للرقية دائماً لبعض الناس الذين فيهم مس، فهذا هو الممنوع؛ لأنه الاستمتاع الذي نهى الله عنه، فينبغي التنبه لهذه المسألة؛ لأنها كثرت عند القراء، وأصبحت محل إشكالات وعلقت الناس بالجن، والواجب أن يتعلق الناس بالله ، ثم بالاعتماد على الرقى الشرعية، والأدوية المباحة ونحو ذلك. قال رحمه الله تعالى: [ونوع منهم يتكلم بالأحوال الشيطانية، والكشوف ومخاطبة رجال الغيب، وأن لهم خوارق تقتضي أنهم أولياء الله، وكان من هؤلاء من يعين المشركين على المسلمين، ويقول: إن الرسول أمره بقتال المسلمين مع المشركين؛ لكون المسلمين قد عصوا!! وهؤلاء في الحقيقة إخوان المشركين]. هذا من أساليب الصوفية، فكثير من الصوفية الطرقية يقع في مسألة التعلق بالجن، ويسمونهم: رجال الغيب، سواء مخاطبتهم أو الاستعانة بهم وكثرة اللجوء إليهم، أو مخاطبة الأشخاص الذين فيهم مس وجنون، ويسمونهم: مجاذيب ونحوهم ممن فيهم نوع من الجنون غير الظاهر، فهؤلاء فيهم نوع مس، قد يدخل من خلاله بعض المتصوفة، فيستفيدون منهم. والمهم أن رجال الغيب المقصود بهم الجن الذين يستعين بهم أصحاب الطرق، ويزعمون أنهم يوجهونهم حتى في الأمور الشرعية، ولذلك كثيراً ما يستند زنادقة الصوفية، خاصة الذين يدخلون في التصوف، يستندون فيما يعملونه وما يقولونه من الباطل على أن هذا بإيحاء من هؤلاء الذين هم رجال الغيب، وعموم شيوخ الطرق الصوفية -وأغلبهم من الكذبة الدجالين- يقطعون بأن ما يسنده الشيخ إلى رجال الغيب هذا أمر لا بد أن يقال ويصدق ولا يناقش، وربوا أتباعهم الدهماء على ذلك. وهذا من الابتلاء الذي يقع فيه هؤلاء، ولذلك وقع -كما ذكر الشارح- أن بعضهم يستعين بالجن في ضرر المسلمين، وأحياناً يعاون المشركين والمنافقين، ومنهم من تعاون مع التتار، ومنهم من تعاون مع الصليبيين، ومنهم من تعاون مع الباطنية ضد المسلمين، بدعوى أنه موجه من قبل رجال الغيب، وأن هذا توجيه رباني. وأحياناً يتصور لهم الشيطان بصور أولياء وملائكة وصور أنبياء ونحو ذلك، وأحياناً هذه الأمور قد تلتبس على كثير من الناس، فأحياناً يزعم الشيطان أنه الرسول ﷺ ، وقد ورد عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح: أن من رأى النبي ﷺ في المنام فقد رآه حقيقة؛ لأن الشيطان لا يتمثل به، لكن ما يراه هؤلاء من الدجالين وأصحاب المخارق وغلاة الصوفية ليس هو الرسول صلى الله علي

стр. 1229

أصناف الناس في اعتقاد وجود الجن وبيان وجه الحق في ذلك قال رحمه الله تعالى: [والناس من أهل العلم فيهم على ثلاثة أحزاب: حزب يكذبون بوجود رجال الغيب، ولكن قد عاينهم الناس، وثبت عمن عاينهم أو حدثه الثقات بما رأوه، وهؤلاء إذا رأوهم وتيقنوا وجودهم خضعوا لهم. وحزب عرفوهم ورجعوا إلى القدر، واعتقدوا أن ثم في الباطن طريقاً إلى الله غير طريقة الأنبياء. وحزب ما أمكنهم أن يجعلوا ولياً خارجاً عن دائرة الرسول، فقالوا: يكون الرسول هو ممداً للطائفتين، فهؤلاء معظمون للرسول جاهلون بدينه وشرعه. ]. كل هذه الآراء باطلة، ليس فيها رأي يمثل الحق ولا أهل الحق، وإنما هي آراء موزعة بين الصوفية والفرق والأهواء والباطنية والفلاسفة وغيرهم. أما قوله: (والناس من أهل العلم فيهم) يعني: الذين يدعون العلم من هؤلاء الضالين. قال رحمه الله تعالى: [والحق أن هؤلاء من أتباع الشياطين، وأن رجال الغيب هم الجن، ويسمون رجالاً، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] وإلا فالإنس يؤنسون، أي: يشهدون ويرون، وإنما يحتجب الإنسي أحياناً لا يكون دائماً محتجباً عن أبصار الإنس، ومن ظن أنهم من الإنس فمن غلطه وجهله، وسبب الضلال فيهم وافتراق هذه الأحزاب الثلاثة، عدم الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن. ويقول بعض الناس: الفقراء يسلم إليهم حالهم]. الفقراء هنا هم النساك والعباد والجهلة من الصوفية ومن سلك سبيلهم، ومن أسماء الصوفية أهل البدع الفقراء، وقد ينطبق أحياناً هذا الوصف على بعض العبّاد أهل الاستقامة، لكن تسميتهم بفقراء غير صحيح، كما أن تسميتهم بالصوفية والنساك غير صحيح، قد يسمون عباداً؛ لأن العبادة من الأمور المشروعة لله ، لكن تسميتهم نساكاً، وتسميتهم صوفية، وتسميتهم فقراء متفكرة دراويش كل ذلك من التسميات البدعية، والغالب أنها تنطبق على أهل الجهل والبدع فيهم. ويقولون عمن يسمون بالفقراء: قد يسلم إليهم حالهم، وأنهم ما يعملون إلا خيراً، وأن كل تصرفاتهم لا بد أن تفسر بتفسير يؤدي إلى إعذارهم فيها؛ ولذلك يظن كثير من المريدين والمغترين بالصوفية أن هذا الصنف لا يعمل إلا خيراً، وإن ظهر منه ما هو شر فإنه يفسر بتفسيرات أخرى لها معان باطنية، ومصطلح الفقراء جعل المنظرين للصوفية وكتاب المقالات والمترجمين لرجالات الصوفية جعلهم يفسرون ما يحدث من بعض الزنادقة الصوفية وغيرهم من معاص بتفسيرات باطنية، جعلوا جرائمهم ومعاصيهم حتى المغلظة على أنها كرامات لأنهم يقولون: يسلم إليهم حالهم. فيقولون بأن الله يدفعهم لهذه الأمور من غير شعور، أو فتنة للناس، لكن هم حالهم على الاستقامة، حتى تجد منهم من لا يصلي الفرائض أبداً، بل لا يصلي إطلاقاً، ثم يزعمون أن روحه تذهب إلى البيت الحرام وتصلي هناك، وقد يجلس يتناول بعض الشهوات أمام المصلين ويقولون: هذا روحه في الكعبة، وقد يتناول الخمر، وقد يفجر، ويقولون: هذا من كراماته، ويدعون له بالرحمة، كما يفعل الشعراني. فهذا مبني على قولهم: الفقراء يسلم إليهم حالهم. ثم تطورت المسألة إلى أن جعلوا كبار رجالهم يسلم إليهم حالهم بإطلاق، وأن ما يكون منهم إلا خير، حتى الجرائم والشرك والفساد في الأرض يفسرونه بأنه خير. قال رحمه الله تعالى: [ويقول بعض الناس: الفقراء يسلم إليهم حالهم. وهذا كلام باطل، بل الواجب عرض أفعالهم وأحوالهم على الشريعة المحمدية، فما وافقها قبل، وما خالفها رد، كما قال النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). وفي رواية: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ر). فلا طريقة إلا طريقة الرسول ﷺ ، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا عقيدة إلا عقيدته، ولا يصل أحد من الخلق بعده إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته إلا بمتابعته باطناً وظاهراً. ومن لم يكن له مصدقاً فيما أخبر، ملتزماً لطاعته فيما أمر، في الأمور الباطنة التي في القلوب، والأعمال الظاهرة التي على الأبدان؛ لم يكن مؤمناً، فضلاً عن أن يكون ولياً لله تعالى، ولو طار في الهواء، ومشى على الماء، وأنفق من الغيب، وأخرج الذهب من الجيب، ولو حصل له من الخوارق ماذا عسى أن يحصل، فإنه لا يكون مع تركه الفعل المأمور وعمل المحظور، إلا من أهل الأحوال الشيطانية المبعدة لصاحبها عن الله تعالى، المقربة إلى سخطه وعذابه، لكن من ليس يكلف من الأطفال والمجانين، قد رفع عنهم القلم، فلا يعاقبون، وليس لهم من الإيمان بالله وتقواه باطناً وظاهراً ما يكونون به من أولياء الله المقربين، وحزبه المفلحين، وجنده الغالبين، لكن يدخلون في الإسلام تبعاً لآبائهم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١]]

стр. 1230

اعتقاد الولاية في بعض البله بدعة وضلال قال رحمه الله تعالى: [فمن اعتقد في بعض البله أو المولعين -مع تركه لمتابعة الرسول في أقواله وأفعاله وأحواله- أنه من أولياء الله، ويفضله على متبعي طريقة الرسول ﷺ ، فهو ضال مبتدع مخطئ في اعتقاده، فإن ذاك الأبله إما أن يكون شيطاناً زنديقاً، أو زكارياً متحيلاً، أو مجنوناً معذوراً، فكيف يفضل على من هو من أولياء الله المتبعين لرسوله أو يساوى به؟!. ولا يقال: يمكن أن يكون هذا متبعاً في الباطن، وإن كان تاركاً للاتباع في الظاهر، فإن هذا خطأ أيضاً، بل الواجب متابعة الرسول ﷺ ظاهراً وباطناً. قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: قلت للشافعي: إن صاحبنا الليث كان يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تعتبروا به، حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة، فقال الشافعي: قصر الليث ﵀، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء، فلا تعتبروا به، حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة. وأما ما يقوله بعض الناس عن رسول الله ﷺ أنه قال: (اطلعت على الجنة فرأيت أكثر أهلها البله) فهذا لا يصح عن رسول الله ﷺ ، ولا ينبغي نسبته إليه، فإن الجنة إنما خلقت لأولي الألباب، الذين أرشدتهم عقولهم وألبابهم إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وقد ذكر الله أهل الجنة بأوصافهم في كتابه، فلم يذكر في أوصافهم البله الذي هو ضعف العقل وإنما قال النبي ﷺ : (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقرا) ولم يقل: البله. والطائفة الملامية، وهم الذين يفعلون ما يلامون عليه، ويقولون: نحن متبعون في الباطن، ويقصدون إخفاء المرائين، ردوا باطلهم بباطل آخر، والصراط المستقيم بين ذلك]. موقف الملامية يحدث من عدة أصناف من الناس، منهم طائفة من المتصوفة، فهؤلاء بنوا فكرهم هذا على منهج خاطئ، أصله جهلهم في الدين، فترى الواحد منهم يكون له عبادة وتنسك واستقامة وصلاح، لكنه يتعمد أحياناً بأن يفعل ما يذم عليه؛ خوفاً من التزكية، أو خوفاً من الوقوع في الرياء، وهذا من عبث الشيطان بهم. كذلك يذهب الواحد منهم إلى مكان غير لائق، ويقول كلمة فيها إثم، أو ينظر نظرة معصية، ويشهد الناس على هذا؛ من أجل أن يظهر لهم أنه لا يزكي نفسه، وهذا اجتمع فيه الجهل والرياء المركب وعبث الشيطان، واجتمع فيه أيضاً البدعة، هذا الفعل بدعة إذا اعتقده ودان به. لكن هناك صنف آخر قد يكون من غير الصوفية، لكنه يعتقد هذا الاعتقاد، وهم بعض أصحاب الوساوس، بعض الناس عنده وسواس، هذا الوسواس يدفعه إلى أن يترك بعض السنن وبعض الواجبات أحياناً؛ خوفاً من أن يقول الناس: إنه مراءٍ، أو يفعل بعض ما يلام عليه، ويظهر في بعض المظاهر غير اللائقة أحياناً، كأنه يريد أن يؤدب نفسه؛ لئلا تقع في الرياء. وهذا كثير من الناس في كل زمان، وإن لم يكن من أصحاب الطريقة الأولى الذين يتعبدون بذلك عن جهل، فينبغي التنبه لمثل هذه الأمور. والفرق بين الرياء وبين التصنع واضح، التصنع: هو أن الإنسان لا يترك النافلة والسنة إلا إذا غلب على ظنه أنه لن يقهر هواه ونفسه في إظهار الرياء، فمن هنا قد يترك أحياناً، لكن ما تكون عادة له، قد يترك بعض الأعمال الظاهرة أحياناً إذا وجد نفسه تغلبه في المراءاة، أو وجد أنه يحتاج إلى أن يدافع نفسه دفاعاً شديداً، هذا قد يحدث لبعض الناس في بعض المواقف، فإذا حدث هذا مرة لا حرج، لكن أن يكون عادة ثم يكون مدخلاً للوسواس على الإنسان، فينبغي أن يترك، وليكن طبيعياً في أموره كلها، فيما يعمله من الواجبات والسنن، أو فيما يتركه من المحظورات. أما إخفاء الأعمال المبني على تورع أو على طلب الأجر من الله ، فهذا لا حرج فيه، مثل: إخفاء الصدقة، لكن الأصل في الأعمال الظهور، مثل: الفرائض الخمس، وشعائر الحج، والذكر، والتكبير المشروع فيه رفع الصوت، كذلك التكبير في مواسم التكبير، كعشر ذي الحجة، وفي الأعياد وغيرها، ومثل: السنن الرواتب وغيرها، وإقامتها في المسجد أصلح لبعض الناس، لأنك إذا ذهبت إلى البيت ربما نسيت أو انشغلت، والبيت مليء بالمشاغل والمزعجات وهكذا، أما إذا كان الأمر طبيعياً فلا حرج أن تصلى النوافل في البيت، لكن هناك أعمال ليس الأصل فيها الظهور، مثل: الصدقات وغيرها فلا حرج في إخفائها، بل ربما يكون أولى له أن يخفيها؛ لأن هذا أبلغ في الإخلاص. فإذاً: مسألة إخفاء العمل راجعة إلى طبيعة العمل، فإذا كان الأصل الظهور فينبغي أن يظهره الإنسان، وإن أخفاه أحياناً بشرط ألا يكون هذا دائماً فلا حرج.

стр. 1231

تبديع من يصعق عند سماع الأنغام الحسنة قال رحمه الله تعالى: [وكذلك الذين يصعقون عند سماع الأنغام الحسنة، مبتدعون ضالون، وليس للإنسان أن يستدعي ما يكون سبب زوال عقله، ولم يكن في الصحابة والتابعين من يفعل ذلك، ولو عند سماع القرآن، بل كانوا كما وصفهم الله تعالى: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]. وكما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٢٣]. وأما الذين ذكرهم العلماء بخير من عقلاء المجانين، فأولئك كان فيهم خير، ثم زالت عقولهم. ومن علامة هؤلاء: أنه إذا حصل في جنونهم نوع من الصحو، تكلموا بما كان في قلوبهم من الإيمان، ويهذون بذلك في حال زوال عقلهم، بخلاف غيرهم ممن يتكلم إذا حصل لهم نوع إفاقة بالكفر والشرك، ويهذون بذلك في حال زوال عقلهم]. يشير الشيخ إلى مسألة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية كثيراً، ورددها في كلامه على أحوال الصوفية والعباد، وهي من المسائل التي تحتاج إلى تأمل، وهي أن هناك ممن يدعون التصوف أو يدعون التعبد، فمنهم من يحدث عنده أحياناً نوع مما نسميه الهستيريا، أو نوع من الجنون، فهو يفقد عقله أحياناً، أو يكون عنده نوع من الهذيان في بعض الأمور، وإذا زالت هذه الحال صار مستقيماً على السنة. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية من هؤلاء: البسطامي، وابن أبي الحواري، والتستري ونحوهم، وهؤلاء لهم شطحات كبرى، بعضها شركية وبعضها كفرية وبعضها فيها ضلال، لكن شيخ الإسلام كان يعذر هؤلاء، والدليل على هذا أنهم إذا كانوا في حالة الصحو أتوا بكلام جميل في الاعتصام والالتزام بالكتاب والسنة، والدفاع عن العقيدة، وكراهة البدعة، والرد عليها، وفعلاً هؤلاء وأمثالهم لهم درر في الرد على أهل الأهواء، وعندهم حكم في تقرير الدين وتقرير السنة، حكم تكتب بماء الذهب، ومع ذلك لهم نوبات جنونية، يتكلم الواحد منهم بكلمات مقتضاها الكفر والضلال، أو شيء من المذاهب والملل والنحل الموجودة عند غير المسلمين. لكن يبقى في أمثال هؤلاء إشكال، وهذا الإشكال يحتاج إلى تأمل، وهو أنهم حينما يتلفظون ببعض الألفاظ غير اللائقة، نجدها أنها ألفاظ راجعة إلى أصول ومناهج مقننة عند الفلاسفة والباطنية، فمن أين أتتهم؟ ربما الشياطين تتكلم على ألسنتهم، وهذا مما يعذرون به، لكن في هذه الحالات تجدهم يقررون أصولاً باطلة موجودة في المجوس، وفي الصابئة، وفي متعبدة النصارى، وموجودة في الديانات الهندية، أصولاً فلسفية بدعية تتعلق بالعقائد والسلوك والتصوف والعبادات، وهذه الأصول البدعية التي خرجت من أفواه هؤلاء صارت فيما بعد هي أصول المتصوفة المنحرفة، وهي أصول الباطنية، وهي أصول الفلاسفة. فقوله: بأن هؤلاء يعذرون، قد يعذرون من جانب، لكن ما يتلفظون به لا بد أن يقرر بأنه باطل، ولا بد أن تؤخذ من أحوالهم العبرة؛ لأن تزكيتهم قد يفهم منها التزكية المطلقة، بل قد يتتبع الناس أقوالهم حتى في حال الهذيان والهسترة، وهذا ينبغي تأمله، وحبذا لو يتصدى له بعض طلاب العلم؛ لأن هذيان هؤلاء لا يزال هو المرتكزات للمتصوفة التي اعتمدوا عليها في نشر باطلهم، وفي تقرير أصول البدع، وزعموا أن هؤلاء من المرضيين عند السلف، ويستدلون بكلام شيخ الإسلام وغيره، وأن السلف زكوهم. فنقول: التزكية مشروطة ومضبوطة بضوابط الشرع وليست مطلقة، والله أعلم. أما كلامهم الجيد فلا بأس بسياقه، وقد ساقه كثير من الأئمة، حتى الإمام أحمد في كتاب (الزهد) ساق شيئاً من كلامهم الطيب والجيد الذي ينمي في الناس الإيمان والعمل الصالح، وينمي في الناس العقيدة السليمة والدفاع عنها؛ لأن هؤلاء مع وجود الشطحات فيهم حال الاضطراب، إلا أنهم حال صحوهم لهم كلام من الحكم أعجب به السلف، وجعلوه أحياناً من مناهجهم وأصولهم. أما كلامهم حال الاضطراب وحال الفترات الجنونية، فإنه يعتبر من أصول البدع، مثل قول رابعة: لا أعبدك رجاء جنتك، ولا خوفاً من نارك. هذا كلام خطير، فالرجاء والخوف أصل من أصول العبادة الضرورية، وهي كأنها تقول: لا أعبد الله إلا بالمحبة. وهذا حقيقته كفر، لكن ما مقصدها؟ الله أعلم بذلك. كذلك ابن أبي الحواري، والحكيم الترمذي، والتستري، والبسطامي كل هؤلاء أثر عنهم مثل هذه الأمور، لكن السلف رووا آثارهم التي في نصر العقيدة وفي الزهد وفي العبادة التي لها فائدة، رووها واعتمدوها وجعلوها من الأمور الت

стр. 1232

الأسئلة

стр. 1233

حكم التوسل بالصالحين الأحياء فيما يقدرون عليه السؤال سمعنا وقرأنا بأن الوسيلة إلى الله تجوز بأسمائه وصفاته والعمل الصالح وبعض الصالحين الأحياء، كما ورد في حديث عمر عندما استسقى بـ العباس، ولكني سمعت بأن الوسيلة بالصالحين فيها خلاف، فمنهم من جوز ذلك، ومنهم من رد هذا الأمر فهل هذا صحيح؟ الجواب الوسيلة بالصالحين بمعنى طلب الدعاء منهم يجوز، لكنه ليس بإطلاقه، بمعنى: أن الإكثار منه أحياناً يؤدي إلى ضعف التوكل، وضعف الاعتماد على الله ، والاتكال على العباد. أما أن يكون أحياناً وبمناسبة، ولمن اشتهر صلاحه، كأن تطلب منه أن يدعو لك، فهذا جائز عند جمهور السلف، لكن من السلف من منعه مطلقاً، واعتبر قصة عمر بن الخطاب ضعيفة، أو ربما لم تبلغه، ومع ذلك يبقى الراجح أنه يجوز أن يطلب المسلم من الرجل الصالح أن يدعو له، لكن لا يكثر من هذا في كل مناسبة، إنما إذا كان لهذا الأمر موجب، كأن يكون في حال اضطرار، أو وجود كربة، وهذا الرجل يكون في مكان فاضل، أو في زمان فاضل، أو سيشرع في عمل فاضل، فيطلب الدعاء من الصالح، بشرط ألا يعتمد عليه بمعنى أن يتكل ولا يدعو هو ربه، فهذا من التوسل الجائز. وهذه ليست من صور التوسل التي يفهم منها الناس المعنى الشرعي التعبدي، إنما التوسل: هو طلب الدعاء من الغير، فعلى هذا رأي أكثر السلف على أنه جائز بشروطه.

стр. 1234

الفرق بين المكره على الكفر وبين من يكفر خوفاً السؤال ما الفرق بين المكره على الكفر وبين من يكفر خوفاً؟ الجواب الخوف نوع من الإكراه، لا فرق، الخوف إذا كان له مقتضى طبيعي فهو نوع من الإكراه، بل ربما يكون الإكراه نوعاً من الخوف أيضاً، فالإكراه بابه واسع، قد يكون الإكراه أحياناً غير منظور، لكن في أمر من الأمور يشعر الإنسان به شعوراً حقيقياً. فالمهم أنه لا فرق بين المكره على الكفر وبين الخائف؛ لأن الخائف مكره، لكن هل جميع صور الخوف يصدق على صاحبها أنه مكره؟ ما أدري، لأنه قد يكون الخوف أحياناً توهماً، وقد يكون وسواساً، وقد يكون هلعاً من الهلع الذي يصيب بعض الناس، وقد يكون ضعف إيمان، وقد يكون حقيقياً، هذه مسألة راجعة إلى نوع الخوف الذي يرد، وممن خاف؟ ولماذا خاف؟.

стр. 1235

حكم القول برؤية الرسول ﷺ يقظةً جهاراً السؤال ما حكم القول برؤية الرسول ﷺ جهاراً؟ الجواب لا يصح، ولا يجوز الدعوى، فهذه من البدع المغلظة، وربما تكون كفراً، من ادعى أنه رأى النبي ﷺ عياناً فلا يصدق في ذلك، ولكن قد يراه في رؤيا؛ لأن الرؤيا المنامية وردت في الحديث، وأنها حق، وإن كان في بعض الأحاديث وردت مطلقة، لكن جمهور أهل العلم حملوها على رؤيا المنام على الأحاديث الأخرى. والحديث إذا كان مجملاً ثم جاء ما يفسره أو يقيده أو يبينه، فلا بد أن يحمل على المبين والمفسر، والأحاديث التي وردت في أن رؤية النبي ﷺ حق، بدون ما يشير إلى معنى الرؤيا، محمولة على أحاديث كثيرة وواضحة تدل على رؤيا المنام، ولأن دعوى الرؤية العينية إذا فتحت للناس أدت إلى فتن عظيمة في الدين. وعلى أي حال! لا يصح أن أحداً من الناس يرى الرسول ﷺ بعينه.

стр. 1236

وجه دخول التطير في السحر السؤال كيف يدخل التطير في السحر؟ الجواب السحر بمعناه الواسع: هو كلما يؤثر تأثيراً خفياً على الإنسان، تأثيراً غير مباشر، تأثيراً غير شرعي ولا طبيعي، فإذا كان المؤثر غير طبيعي ولا شرعي فهو نوع من السحر بمعناه العام، لكن السحر بمعناه الأخص: هو التأثير عبر أمور محسوسة، سواء كانت أقوالاً أو أفعالاً أو تصرفات، أو أموراً مادية يتم العقد فيها بين الساحر والشيطان، فالتطير نوع من السحر بمعناه العام اللغوي لا بمعناه الخاص، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1237

شرح العقيدة الطحاوية [١٠٥] مما ابتلي به المتصوفة منذ القدم ما يحصل لبعضهم عند سماع الأنغام المطربة من الهذيان، والتكلم بعبارات وألفاظ غير معروفة، وما يقدم عليه بعضهم من الاشتغال بالرياضات والخلوات، ويتركون في مقابلها الجمع والجماعات، وهؤلاء إنما هم ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

стр. 1238

أثر سماع الأنغام المطربة على الصوفية وحكم ذلك قال المصنف رحمه الله تعالى: [وما يحصل لبعضهم عند سماع الأنغام المطربة من الهذيان، والتكلم ببعض اللغات المخالفة للسان المعروف منه، فذلك شيطان يتكلم على لسانه كما يتكلم على لسان المصروع، وذلك كله من الأحوال الشيطانية، وكيف يكون زوال العقل سبباً أو شرطاً أو تقرباً إلى ولاية الله، كما يظنه كثير من أهل الضلال؟! حتى قال قائلهم: هم معشر حلوا النظام وخرقوا الـ سياج فلا فرض لديهم ولا نفل مجانين إلا أن سر جنونهم عزيز على أبوابه يسجد العقل وهذا كلامُ ضالٍ، بل كافر، يظن أن للجنون سراً يسجد العقل على بابه، لما رآه من بعض المجانين من نوع مكاشفة، أو تصرف عجيب خارق للعادة، ويكون ذلك بسبب ما اقترن به من الشياطين، كما يكون للسحرة والكهان، فيظن هذا الضال أن كل من كاشف أو خرق عادة كان ولياً لله. ومن اعتقد هذا فهو كافر، فقد قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء:٢٢١ - ٢٢٢] فكل من تنزل عليه الشياطين لا بد أن يكون عنده كذب وفجور]. في هذا إشارة إلى أن أكثر الذين يتعلق بهم الصوفية من الأشخاص، الذين عندهم شيء من التخرص، تكون مخاريقهم عن طريق الشياطين، وعن طريق الجن، سواء كان الجن فسقة وفجاراً وهو الغالب، أو حتى بعض الصالحين من الجن يستهويهم تعلق الإنسان بهم؛ لأن الجن بطبعه أضعف من الإنسي ويهابه، لا كما يظن كثير من الناس أن الجني له سلطة، وأنه أقوى إرادة من الإنسان، لا، بل العكس، الصحيح أن الإنسان أقوى على الجني إذا اعتمد على الله ، والجني بطبعه أضعف من الإنسي، فإذا وجد من الإنس نوع انجذاب إليه فرح بذلك واستهواه. ولذلك يحدث من بعض المقصرين من صالحي الجن الاستحواذ على صالحي الإنس، فيخدمونهم ويقدمون لهم شيئاً مما يطلبون منهم، ولذلك يقع الجن في الكذب؛ من أجل استدراج الإنس، ومن أجل أن يبقوا متعلقين بهم، فلذلك ينبغي التنبه، خاصة من الرقاة والقراء الذين يقرءون على الممسوسين، ينبغي أن يتنبهوا لهذه المسألة، وهو أن بعض صالحي الجن يكذب، بل ربما يضطر للكذب؛ لأن الموقف بالنسبة له حرج، والإنسي لا يقدر هذا الموقف، فالجني لشدة ضعفه قد يضطر للكذب وإن كان صالحاً. أما فجرة الجن والشياطين فمن باب أولى أن يكون عبثهم بالإنس مما يصل إلى حد دعاوى تكبر عند الإنس، وتجعلهم يظنون أن هذا الإنسي الممسوس إنما يتلقى عن الله ، أو يتلقى بإلهام مباشر، أو برؤى أو كرامات، كل ذلك من عبث الشياطين.

стр. 1239

حكم المتعبدين بالرياضات والخلوات وترك الجمع والجماعات قال رحمه الله تعالى: [وأما الذين يتعبدون بالرياضات والخلوات، ويتركون الجمع والجماعات، فهم من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، قد طبع الله على قلوبهم. كما قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً من غير عذر طبع الله على قلبه). وكل من عدل عن اتباع سنة الرسول ﷺ ، إن كان عالماً بها فهو مغضوب عليه، وإلا فهو ضال، ولهذا شرع الله لنا أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. وأما من يتعلق بقصة موسى مع الخضر ﵇ في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني، الذي يدعيه بعض من عدم التوفيق، فهو ملحد زنديق. فإن موسى ﵇ لم يكن مبعوثاً إلى الخضر، ولم يكن الخضر مأموراً بمتابعته، ولهذا قال له: أنت موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الثقلين، ولو كان موسى وعيسى حيين لكانا من أتباعه، وإذا نزل عيسى ﵇ إلى الأرض إنما يحكم بشريعة محمد ﷺ ، فمن ادعى أنه مع محمد ﷺ كـ الخضر مع موسى، أو جوز ذلك لأحد من الأمة، فليجدد إسلامه، وليشهد شهادة الحق، فإنه مفارق لدين الإسلام بالكلية، فضلاً عن أن يكون من أولياء الله، وإنما هو من أولياء الشيطان، وهذا الموضع مفرق بين زنادقة القوم، وأهل الاستقامة، فحرك تر]. يعني: مسألة دعوى العلم اللدني دعوى يدعيها طوائف من الناس، وكل له فيه فلسفة، وخلاصة الأمر في العلم اللدني: أن هناك دعاوى من كل طائفة من طوائف الضلال، تعتمد على أنهم يستغنون عن الشرع، وأن شيوخهم أو الأئمة أو الأولياء الذين يقدسونهم يتلقون العلم الإلهي بلا واسطة، أي: بدون أن يكون ذلك عن طريق النبي ﷺ ، أو عن طريق ما جاء به الرسول ﷺ من القرآن والسنة. والتلقي عن غير الرسول ﷺ يسمى عندهم علماً لدنياً، لكن لهم فيه فلسفات مختلفة. فالرافضة يزعمون أن العلم اللدني علم موروث، أطلعه الله على طوائف من بني آدم، توارثوا هذا العلم إلى أن وصل إلى النبي ﷺ ، ثم إلى ذريته من فاطمة ﵂، ثم بعد ذلك بقي يتوارث بين الأئمة، وهذا العلم عندهم محصل بالغريزة، فهؤلاء الأئمة ولدوا علماء، وانفتح لهم باب علم الغيب، بل إنهم يرون أن أئمتهم يعلمون الغيب كل الأحيان، وأن لهم تدبيراً في الكون. ويقولون: إن الأئمة اشتملوا على العلم اشتمالاً، ولم يحصلوه تحصيلاً، وإنهم متى ما شاءوا انفتحت لهم أبواب الغيب، وأن هذا العلم متوارث منذ آدم في أشخاص من شخص إلى شخص إلى أن وصل حسب دعواهم إلى الأئمة. والصوفية يزعمون أن العلم اللدني له عدة طرق، منها ما يحصله الشخص بالتعبد والرياضة العبادية، بحيث يتحلل من الدنيا وينقطع عنها، حتى يتصل قلبه بالله ، فينفتح له الغيب مباشرة. وبعضهم يقول: إنه يتلقى العلم اللدني عن النبي ﷺ مباشرة، بدون أن يكون ذلك عن طريق الكتاب والسنة، أو عن بعض الملائكة، أو عن الخضر مباشرة، وأن الخضر يعلم هؤلاء الأئمة، ويطلعهم على أسرار التحكم في الكون وعلم الغيب، لكن هناك من الفلاسفة الذين نزعوا نزعة التصوف من لهم في ذلك مذاهب أخرى. فمنهم من يرى أن العلم اللدني يكون بالإشراق، والإشراق: هو إشراق النور الإلهي على قلوب هؤلاء الذين يزعمون أنهم أولياء أو أئمة، فتنكشف لهم أمور الغيب. ومنهم من يرى أن ذلك يكون عن طريق الفيض وهو اتصال الروح بالقوى العقلية، التي تتحكم في الكون، يزعمون أن المتحكم في الكون هو العقل. ومنهم من يزعم الحلول، أي: أنه تقمص الإلهية، وأن الله حل فيه أو حل فيه شيء من الإلهية، فمن هنا انفتح له الغيب، بناءً على أنه أصبح يحمل خصائص الألوهية. وبين هذه المذاهب مذاهب شتى، لكن كلهم يجتمعون على دعوى أن هناك من أئمتهم وأوليائهم وشيوخهم وفلاسفتهم من يتلقى العلم الكامل، أو كثيراً من أمور الغيب، بدون الوحي الذي نزل على الرسول ﷺ . قال رحمه الله تعالى: [وكذا من يقول بأن الكعبة تطوف برجال منهم حيث كانوا، فهلا خرجت الكعبة إلى الحديبية فطافت برسول الله ﷺ حين أحصر عنها، وهو يود منها نظرة؟! وهؤلاء لهم شبه بالذين وصفهم الله تعالى حيث يقول: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر:٥٢] إلى آخر السورة].

стр. 1240

الجماعة حق والفرقة زيغ قوله: (ونرى الجماعة حقاً وصواباً، والفرقة زيغاً وعذاباً). قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]. وقال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩] فجعل أهل الرحمة مستثنين من الاختلاف. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة:١٧٦]. وقد تقدم قوله ﷺ : (إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء -، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة). وفي رواية: (قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) فبين أن عامة المختلفين هالكون إلا أهل السنة والجماعة، وأن الاختلاف واقع لا محالة. وروى الإمام أحمد عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: (إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية، فإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة، والعامة، والمسجد). وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : (أنه قال لما نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] قال: أعوذ بوجهك. ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] قال: أعوذ بوجهك. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥] قال: هاتان أهون) فدل على أنه لا بد أن يلبسهم شيعاً، ويذيق بعضهم بأس بعض، مع براءة الرسول من هذه الحال، وهم فيها في جاهلية، ولهذا قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، فأجمعوا على أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فهو هدر، أنزلوهم منزلة الجاهلية].

стр. 1241

شرح العقيدة الطحاوية [١٠٦] الجماعة مفهوم واسع، وهي تتمثل بكل زمان ومكان وبحسب الحال الذي عليه أمر المسلمين، فتكون متمثلة في الخليفة أو السلطان ومن معه من أهل الحل والعقد، وهذا هو الأغلب في صور الجماعة العامة التي تحقق المصالح العظمى للأمة، وأما الجماعة بمعناها الخاص والذي يتعلق بالمفهوم الشرعي فقد أطلقت على جمهور الصحابة، وأطلقت أيضاً على أهل العلم وأئمة الهدى، وأطلقت على المعتصمين بالحق من أهل الإسلام، وأطلقت على مجموع المسلمين وعامتهم المجتمعين على السنة.

стр. 1242

المفهوم العام للجماعة نحتاج إلى أن نتعرف على معنى الجماعة، كما ورد في الكتاب والسنة بمفهومها العام والجزئي. المفاهيم الجزئية تحتاج إلى وقت طويل؛ نظراً لأهمية هذا الموضوع في عصرنا، ونظراً لاختلال مفاهيم كثير من المسلمين عن الجماعة في عصرنا، مما ترتب عليه الخوض في الكثير من المسائل التي تتعلق بحقوق الجماعة ومعانيها، وتتعلق بعدم إدراك المخاطر في الفرقة والشذوذ. سنتحدث الآن عن المفهوم العام للجماعة، الجماعة المقصود بها القوم المجتمعون على أمر ما. والجماعة في الشرع: هم جماعة المسلمين. وتتحقق جماعة المسلمين العامة بعدة صور. من صورها: الاجتماع على الحق، أي: على الدين الذي جاء به الرسول ﷺ . ومن صور الجماعة: الاجتماع على الإمام أو الوالي. ومن صور الجماعة: الاجتماع على مصلحة من مصالح الأمة العظمى. ومن صور الجماعة: الاجتماع على أصول الدين الظاهرة، مثل: الاجتماع على الصلاة، والاجتماع في الجمعة، والاجتماع في العيدين، والاجتماع في الحج. من صور الجماعة: الاجتماع على الجهاد. ومن صور الجماعة: الاجتماع على الأمر بالمعروف والنهي عنه ونحو ذلك من مصالح الأمة. ومن صور الجماعة: اجتماع عامة المسلمين وخاصتهم على أي أمر من الأمور التي تجلب لهم مصلحة، أو تدفع عنهم مفسدة. وتتمثل الجماعة أيضاً بكل زمن، وبكل حال، وبكل مكان، وكل وضع، بحسب الحال الذي عليه أمر المسلمين، فأحياناً تكون الجماعة متمثلة في الخليفة ومن معه من أهل الحل والعقد، أو الإمام أو الوالي أو السلطان ومن معه من أهل الحل والعقد، وهذا هو الأغلب في صور الجماعة العامة التي تحقق المصالح العظمى للأمة، فمن أعم المعاني أن كون الجماعة تتمثل بمن له ولاية المسلمين العامة، ومن تحت إمرتهم من العلماء والولاة والقواد والوجهاء ورؤساء العشائر والمسئولين والوزراء، ومن جرى مجراهم ممن رأيهم مؤثر في مصالح الأمة، وهذا من أجمع المعاني العامة للجماعة في مفهومها العملي العام.

стр. 1243

النقاط المتعلقة بالنصوص الواردة في الجماعة ومفهومها هذه بعض النقاط حول النصوص الواردة في الجماعة ومفهومها:

стр. 1244

تفسير النبي ﷺ العام للجماعة الأولى: أن النبي ﷺ فسر الجماعة بعدة تفسيرات، من أهمها: التفسير العام الشامل في أن الجماعة ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهذا في جميع أمور الدين وأمور الدنيا أيضاً؛ لأن بعض الناس يظن أن مفهوم الجماعة متوجه إلى الفرائض والسنن فقط، لا، بل مفهوم الجماعة يشمل كل ما كان عليه النبي ﷺ من الأمور الاعتقادية، والعملية العلمية، والظاهرة والباطنة، ومصالح الأمة العظمى وغيرها، كل ذلك ينطبق على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.

стр. 1245

إخراج النبي ﷺ للفرق المنحرفة من مفهوم الجماعة الثانية: أن النبي ﷺ أخرج الفرق بمفهوم الجماعة في حديث الافتراق، يعني: أن مفهوم الجماعة في كل مسائل الدين يخرج الفرق، لكن أحياناً في بعض مصالح الدنيا قد تدخل الفرق في مفهوم الجماعة دخولاً غير مباشر، بمعنى دخول ضرورةٍ، كأن يدهم العدو بلداً فيها من أهل السنة ومن غيرهم من أهل الأهواء، فيشترك الجميع ويجتمعون على جهاد العدو، فجائز ما دامت الراية مع أهل السنة والجماعة. فمن هنا لا اعتبار لهم من حيث النوع، إنما الاعتبار لهم من حيث العدد ومن حيث الوجود. فإذاً: قد يعد أحياناً أهل الأهواء فيما يتعلق بالضرورات من الجماعة، في أمور ضيقة محدودة، وهذا مما ينبغي أن يفقهه كثير من الدعاة الذين لا يفرقون بين دخول أهل الأهواء في مفهوم الجماعة عند الحالات الضرورية، وبين خروج أهل الأهواء من الجماعة، حتى أهل الذمة في البلاد الإسلامية يجب عليهم أن يشاركوا في درء الخطر عن المسلمين، الدرء الذي يلزم بالجميع، فمن هنا قد يشملهم مسمى الجماعة بالتبع لا بالأصالة.

стр. 1246

معنى الجماعة في اللغة من المناسب الآن أن أشير إلى بعض الأمور، التي أصبح كثير من المسلمين يجهلها في معنى الجماعة، وعلى من ينطبق مفهوم الجماعة الذين أمر الله بالاعتصام بهم، ونهى أشد النهي عن الفرقة عنهم، وأحياناً جعل الفرقة عنهم تعادل الفرقة في الدين، وجعل الاجتماع بهم هو علامة السنة، والافتراق عنهم هو علامة البدعة، وتوافرت النصوص في آيات الله ، وفي كلام النبي ﷺ على أن الافتراق عن الجماعة من أشد البدع، وأنه هوى ونزاع في الدين، ليس مجرد إخلال بمصلحة الأمة، بل هو نزاع في الدين، وخروج عن سبيل المؤمنين، وأصحابه من أعظم أصحاب الوعيد، ومن شذ عن الجماعة فقد شذ الشذوذ المهلك، فلعلي الآن أوجز الحديث عن هذا الموضوع بتعريف الجماعة بمعانيها الواسعة في الشرع، التي ورد إطلاقها على الجماعة، والتي تعني أن الجماعة تطلق على عدة اعتبارات، كلها أمرنا بالاعتصام بها، ونهينا عن مخالفتها والشذوذ عنها. أولاً: الجماعة في اللغة: هي من الاجتماع ضد الافتراق، يقال: تجمع القوم إذا اجتمعوا من هنا وهناك، أي ائتلفوا من بعد تفرق، ويقال: جمع المتفرق، أي ضم بعضه إلى بعض، ويقال: جمع فلان القلوب إليه، أي: ألفّها. والجماعة كذلك: هي اسم لجماعة الناس، والجمع مصدر لقولك جمعت الشيء. وكذلك الجمع قد يطلق على المجتمعين، يقال: هذا جمع من الناس، أي: جماعة مجتمعة. والجمع قد يجمع على جموعه كذلك، والجماعة والجميع والمجمع والجمع كلها بمعنى واحد. والجماعة في اللغة إذا أريد بها جماعة الناس، فهم القوم المجتمعون على أمر ما. قال الفراء: إذا أردت جمع المتفرق، قلت: فهم مجموعون، وكذلك قد تطلق الجماعة على الإجماع، وهو الاتفاق والإحكام، يقال: أجمع الأمر أي: أحكمه، فالجماعة قد تطلق على هذا المعنى، بمعنى أن أمورها محكمة، وأنها مجتمعة على ما يقتضي قوتها واجتماعها. وفي الغالب أن الجماعة في ذهن السامع الفاهم للعربية تعني: العدد الكثير، والطائفة من الناس التي يجمعها غرض واحد، سواء اجتمعت في زمان ومكان واحد، أو لم تجتمع، فقد تطلق الجماعة على من تفرقوا في البلاد، لكن اجتمعوا على أمر ما، كجماعة أهل السنة والجماعة. وقد تطلق الجماعة أيضاً على من كانوا على غرض واحد في أزمان متفرقة، وعلى هذا فإن الجماعة سميت جماعة؛ لأنها تعني الاجتماع، وضد ذلك الفرقة.

стр. 1247

معاني الجماعة في الاصطلاح ومجالاتها أما معنى الجماعة في الاصطلاح الشرعي، فإن لها عدة معان في الشرع، لكن يجمع هذه المعاني إجمالاً تعريف شامل وهو: أن الجماعة هي جماعة المسلمين المجتمعين على الحق والسنة. هذا من أجمع التعريفات لمعنى الجماعة بمعناها العام، ومع ذلك فإن إطلاق الجماعة ورد في الشرع على عدة معان، من تأمل هذه المعاني عرف فقه النصوص في الأمر بالجماعة، والنهي عن الفرقة.

стр. 1248

إطلاق الجماعة على جمهور الصحابة الأول: من هذه المعاني: أن الجماعة تطلق على جمهور الصحابة في عهد النبي ﷺ ، وفي عهد الخلفاء الراشدين بخاصة؛ لأنهم كانوا مجتمعين على الحق في سائر أمورهم، في العقيدة، والإمامة، والأحكام، والجهاد وسائر أمور الدنيا والدين، وتمثل معنى الجماعة في أحسن صورة وأمثل صورة في عهد النبي ﷺ وفي عهد الصحابة. يقول الشاطبي في هذا المعنى: إن الجماعة هي الصحابة على الخصوص، فإنهم الذين أقاموا عماد الدين، وأرسوا كتابه، وهم الذين لم يجتمعوا على ضلالة أصلاً، وقد يمكن فيمن سواهم ذلك، أي الإخلال بهذه الأصول. ولعل الجماعة هنا هي المقصودة بما رواه عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يجمع الله هذه الأمة على ضلالة أبداً)، وقال: (يد الله على الجماعة، فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار)، هذا حديث صحيح ما عدا عبارة: (فاتبعوا السواد الأعظم) فالأرجح أنها ضعيفة. والصحابة هم جماعة المسلمين في عهد رسول الله ﷺ كما ذكرت، وفي عهد الخلفاء الراشدين، فهم أحسن وأمثل معنى ينطبق عليه معنى الجماعة.

стр. 1249

إطلاق الجماعة على أهل العلم وأئمة الدين المقتدى بهم وأتباعهم المعنى الثاني: تطلق الجماعة على أهل العلم وأئمة الدين المقتدى بهم وعلى أتباعهم، بمعنى أنهم الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، خاصة بعد وجود الافتراق. نحن قلنا: إن أمثل معنى وأدق إطلاق للجماعة هو عهد الصحابة ﵃، لكن هذا إطلاق قد يختلف فيمن بعدهم، حينما ظهرت الفرق، فعلى هذا يأتي تعريف أدق لحال المسلمين بعد الصحابة، يخصص الجماعة بمعنى يصف حال المسلمين بعد الافتراق، وهو أن كون الجماعة هم أهل العلم أئمة الدين والهدى المقتدى بهم، وأتباعهم الذين هم الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة، أهل السنة والجماعة، الذين يعملون بسنة الرسول ﷺ ، ويدعون إليها، ومن سلك نهجهم، واتبع سبيلهم، وهؤلاء هم المقتدون بالنبي ﷺ ، وبأصحابه الذين هم جماعة المسلمين الأولى، فمن كان على نهج جماعة المسلمين الأولى فهم الجماعة، وهم أهل السنة والجماعة، وكل جماعة هي امتداد لجماعة السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم، فهي أهل السنة والجماعة، وهي الفرقة الناجية التي نوه عنها النبي ﷺ بقوله، في الحديث الذي رواه عوف بن مالك ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهما ﵄ قالا: قال النبي ﷺ : (وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتين وسبعين في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة). وهذه هي الجماعة وإن قلَّت؛ لأنه لا اعتبار للكثرة بعد وجود الافتراق؛ لقول ابن مسعود ﵁: إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك. وعلى هذا فإن الذي لم يكن على السنة لا يدخل في تعريف الجماعة مهما كثر عددهم. وفي هذا المعنى أيضاً يقول عبد الله بن المبارك ﵀ لما سئل عن الجماعة، قال: أبو بكر وعمر، فقيل: قد مات أبو بكر وعمر، قال: ففلان وفلان، قيل: قد مات فلان وفلان، قال ابن المبارك: أبو حمزة السكري جماعة، وهو يشير بذلك إلى هذا الرجل الذي عرف بالفضل والاستقامة، وأبو حمزة السكري هو محمد بن ميمون المروزي المتوفى سنة (١٦٢هـ) فقال عنه ابن المبارك: بأنه جماعة أي: أنه رجل مستقيم على السنة، وكان على منهج السلف الصالح، من المشهورين بتتبع سبيل السنة والجماعة أهل الحق. إذاً: فالعبرة ليست بكثرة العدد بعد الصحابة، إنما باتباع السنة، وترك الابتداع.

стр. 1250

إطلاق الجماعة على المعتصمين بالحق التاركين للفرقة المعنى الثالث للجماعة: إطلاق الجماعة على المجتمعين على الحق، التاركين للفرقة، فالجماعة بهذا المفهوم هي ما عليه عامة المسلمين وسوادهم في أمورهم ومصالحهم العامة، خاصة من كان على سبيل الصدر الأول، فقد جاء في حديث النعمان بن بشير عن النبي ﷺ أنه قال: (والجماعة رحمة، والفرقة عذاب) فإن الاعتصام بما عليه الجماعة رحمة ونجاة، والفرقة والشذوذ عنهم هلكة وضلال، يوجب العذاب. والجماعة في هذا الحديث تعني: اجتماع أهل الحق على مصالحهم العليا، ويؤيد ذلك حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ومن أراد بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة). وقال أبو مسعود الأنصاري ﵁ لما سئل عن الفتنة قال: عليك بالجماعة؛ فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد ﷺ على ضلالة، ثم قال: إياك والفرقة؛ فإن الفرقة هي الضلالة. وقال ابن مسعود ﵁: إن الذي تكرهون في الجماعة خير من الذي تحبون في الفرقة. وهذه قاعدة ذهبية عظيمة يجب أن يتوخاها طالب العلم، وأن يعلمها الناس، وأن يلقنها طلاب العلم؛ لأنها من أعظم القواعد التي تفيد عند الفتن والخلاف بين المسلمين، قال: (إن الذي تكرهون في الجماعة) أي: ما يحدث مما تكرهونه مما تجتمع عليه الكلمة، خير من الذي تحبون أو تميل إليه عواطفكم أو عقولكم، ما دام يؤدي إلى الفرقة، وما أحوج الناس وطلاب العلم بخاصة في هذا الوقت إلى هذه القاعدة العظيمة. إذاً: يجب أن تحافظوا على الجماعة، ولو حدث ما تكرهون، فاصبروا على ما تكرهون تفادياً للفرقة، ولو ظننتم أن في الفرقة وصولاً إلى ما تحبون. ليس المقصود ما تكرهون من الأمور التي لا تشتهي أنفسكم، أو ما تحبونه مما تشتهون، لا، إنما المقصود ما تحبونه في دين الله ، وما تكرهونه من الأمور التي تروا أنها ضد الدين، فيجب أن يكون هم المسلم أن تبقى الجماعة ولو على أدنى خيط من الاجتماع، فذلك خير من التهور، أو الوقوع في أمور قد تكون فاضلة ومطلوبة، وقد تكون محبوبة للنفس، لكنها لا تضمن معها الجماعة، وربما تؤدي إلى الفرقة. وكذلك يؤيد هذا قول علي ﵁ في مسألة بيع أم الولد، يخاطب الصحابة في عهده، قال: اقضوا ما كنتم تقظون؛ فإني أكره الاختلاف، حتى يكون للناس جماعة. كأنه يقول: أنا أسلِّم لكم رغم أن لي رأياً أرى أنه هو الحق؛ لكن نظراً لأن الناس في فرقة، ويخشى عليهم الفتنة فقال: اقضوا ما كنتم تقضون، حتى يكون للناس جماعة. وكذلك يؤيد هذا قول عبيدة بن عمرو السلماني ﵀، لـ علي ﵁، يقول: رأيك ورأي عمر في الجماعة، أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة. وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض الكلام عن طريق أهل السنة والجماعة، حيث قال: وسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع وضده الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسماً لنفس القوم المجتمعين إلى آخر الكلام.

стр. 1251

إطلاق الجماعة على مجموع المسلمين وعامتهم المجتمعين على السنة المعنى الرابع من معاني الجماعة: تطلق الجماعة على مجموع المسلمين وعامتهم، الذين اجتمعوا على إمام أو أمر من أمور الدين التي لها أصل في الشرع، أو اجتمعوا على مصلحة من مصالحهم العظمى الكبرى، وهذا الإطلاق في مفهوم الجماعة ينبغي أن يقيد بقيد، وهو جمهور المسلمين المستمسكين بالسنة. وبعض الناس يظن أن الجماعة لا تكون إلا في أمر الدين، لا، بل الدين جاء لحفظ دنيا الناس ومصالحهم، فالأمور التي تحفظ دنيا الناس، وتحفظ أعراضهم وأموالهم، وتؤمن سبلهم إذا لم يتم الاجتماع عليها أدى ذلك إلى فتنة في أعراض الناس وأموالهم ودمائهم وأنفسهم ونحو ذلك. إذاً: فمصالح المسلمين الدنيوية والدينية كلها معتبرة في الجماعة، فإذا اجتمع عامة المسلمين أهل الحل والعقد على مصالحهم العظمى، وجب الخضوع لهذا الاجتماع وإن كان مرجوجاً، ووجب الاستمساك به، وعدم الفرقة عنهم في أي أمر من الأمور التي فيها مصالح، فإن الشذوذ عنهم ومخالفتهم هلكة وشقاق، وخروج عن الجماعة. ويؤيد ذلك ما أخرجه البخاري في الجامع الصحيح عن حذيفة بن اليمان ﵄: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر؛ مخافة أن يدركني)، ثم ذكر شيئاً من الفتن فقال: حذيفة ﵁ للرسول ﷺ : (فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: تعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك) فأوصاه أولاً بأن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم على كل حال، فإن فرض أن ليس هناك جماعة للمسلمين ولا إمام، فلا ينبغي للمسلم أن يتصدر وأن يبرز برأي تزيد به الفرقة؛ لأن الناس إذا كانوا في الفرقة، فالرأي الذي يتبناه الشخص دون أن يكون للمسلمين جماعة، يكون زيادة في الفرقة، فإذا كان للناس عشرة آراء وكان له رأي مخالف زادهم فرقة، فيكون الرأي الحادي عشر وهكذا. فإذاً: لا بد أن يبقى ولو أدنى حد من جماعة المسلمين، والاجتماع على أئمتهم، وهنا يكونون الجماعة، وأن المخالفة في هذه الأمور تؤدي إلى الفرقة، فإن لم يكن هناك جماعة للمسلم ولا إمام، فالمسلم يسعه الاعتزال، بل أمر النبي ﷺ حذيفة بالاعتزال في هذه الحال. وكذلك حديث أسامة بن شريك عن النبي ﷺ قال: (يد الله على الجماعة) وحديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من رأى من أميره ما يكره فليصبر عليه؛ فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات، مات ميتة جاهلية). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (يد الله مع الجماعة) مثل حديث أسامة بن شريك. وحديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة) فجعل ترك الجماعة ومفارقتها مقارناً لترك الدين، وجعل حكمهما واحداً، سواءً اجتمعا أو افتراقا. والمراد به: أن من ترك جماعة المسلمين، فإنه يعاقب معاقبة التارك لدينه. ومنه قول النبي ﷺ في حديث زيد بن ثابت: (ثلاث خصال لا يغل عليهما قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لولاة الأمر، ولزوم الجماعة؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم). وقال الطبري فيما حكاه عنه ابن حجر في فتح الباري: والصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج من الجماعة. فأكثر نصوص الجماعة التي وردت في السنة إنما تنصرف إلى هذه المعاني، أي: جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على مصلحة من مصالحهم العظمى، كالاجتماع على أمير، أو أمر من أمور دنياهم أو من أمور دينهم، فهم ممثلون بأغلبهم، أو بعلمائهم أو بأهل الحل والعقد بمجموعهم، وأهل الحل والعقد وأهل الرأي أحياناً يكونون من عدة أصناف، قد يكون أهل الحل والعقد هم العلماء، وقد يكون أهل الرأي والمشورة من أهل العلم، وأحياناً يكون أهل الحل والعقد في الأمة من الأمراء، ورؤساء العشائر، والتجار، وأصحاب المحسوبيات وغيرهم. فمعنى أهل الحل والعقد: هم الذين بأيديهم حل أمور الأمة وعقدها، في أمور دنياهم خاصة إذا ضعف الدين في الناس، فأهل الحل والعقد لا بد من اعتبار ما يجتمعون عليه؛ لأنه لا يمكن استقامة أمر الناس في دينهم ودنياهم إلا على ذلك؛ لأنه لا يمكن تحقيق الدين إلا بأمن واستقرار، ولا يمكن تحقيق الدين إلا بجماعة، ولا يمكن تحقيق الدين أيضاً إلا بطاعة على المنشط والمكره، على ما يحب الناس وما يكرهون. إذاً: من أعظم معاني الج

стр. 1252

إطلاق الجماعة على أهل الحل والعقد خاصة خامساً: إطلاق الجماعة على أهل الحل والعقد أحياناً، فأهل الحل والعقد أحياناً يسمون جماعة، فكما تطلق الجماعة على العلماء، وعلى أهل العلم في العهود التي يكون فيها المسلمون على استقامة تامة، كما في عهد الصحابة، ويدخل فيهم غيرهم أحياناً، إذا ضعفت أحوال المسلمين، وضعف تمسكهم بالدين، أو كثر الخبث فيهم وكثرت الأهواء، فتطلق الجماعة على أهل الحل والعقد أحياناً بخصوصهم، من العلماء، والأمراء، والقواد، والولاة، والقضاة، والأعيان، فإذا اجتمعوا، أو تحققت المصلحة من بعضهم، ففي الفتن أحياناً لا يجتمع أهل الحل والعقد الاجتماع الكافي، فقد يكون الحل والعقد بثلاثة، يسددهم الله فيصلون إلى حل يحفظ دماء الأمة ويحفظ أمنها، فيكون حلهم وعقدهم معتبراً، فإذا انعقد الأمر للمسلمين في مصلحة من مصالحهم العظمى، بأي صورة من الصور التي تؤدي إلى تحقيق مصلحتهم، فإن ذلك يكون من الاجتماع الذي هو الجماعة على يد أهل الحل والعقد وإن قل، فإذا اجتمع أهل الحل والعقد أو بعضهم أو غالبهم على أمر من مصالح المسلمين، كتولية إمام أو بيعته وعزله ونحو ذلك، كان أمرهم نافذاً، وأجدر من يكون من أهل الحل والعقد هم أهل الفقه في الدين، لكن قد يخرج الأمر عن الأنفع والأولى والأفضل والأفقه.

стр. 1253

إطلاق الجماعة على الفريق والجماعة من الناس سادساً: تطلق الجماعة أحياناً على الفريق من الناس، الذي يجتمعون على شيء ما دون الجماعة الكبرى، أحياناً تطلق الجماعة شرعاً على من هم دون الجماعة العظمى، الذين ذكرت صورهم، ويكون هذا الاعتبار مشروطاً بتحقيق نطاق الجماعة، وإن كان لا ينصرف هذا الوصف إلى الجماعة الكبرى، فمثلاً: كثيراً ما يرد في السنة وفي الأثر إطلاق كلمة الجماعة على أي مجموعة من الناس من المسلمين، فإذا اجتمعوا مثلاً على السفر، أو اجتمعوا على تجارة، أو اجتمعوا على الصلاة، فجماعة المسجد جماعة، وجماعة الحي جماعة، وجماعة البلد جماعة، وجماعة طلاب العلم جماعة، لكنهم جماعة دون الجماعة العظمى، ومع ذلك ورد تسميتهم بجماعة بالوصف المقيد في ألفاظ الشرع في الكتاب والسنة، فأي أمر من الأمور التي اجتمع عليها الناس دون مصالحهم الكبرى، من مصالحهم الجزئية في الدين والدنيا قد يسمى جماعة، كقول النبي ﷺ : (كلوا جميعاً ولا تفرقوا، فإن البركة مع الجماعة) يعني: مع الجماعة الذين يجتمعون على الأكل، وهذا ظاهر. وفي حديث جندب بن عبد الله قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا فزعنا بالجماعة) يعني: إذا حزبك أمر تخاف منه فافزع إلى الجماعة من حولك، جيرانك، جماعة المسجد، جماعة الجهاد، جماعة الحسبة، أو من حولك ممن يطلق عليهم السنة والجماعة في النطاق الذي أنت فيه، قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا فزعنا بالجماعة، والصبر، والسكينة، إذا قاتلنا). وكذلك قول البخاري في الصحيح: (باب اثنان فما فوقهما جماعة) قصده في الصلاة، ويقاس عليها غيرها. إذاً: تطلق الجماعة على مجموع تلك المعاني أو بعضها أو أكثرها بحسب أحوال الأمة، لكن كما قلت: أغلب ما تنصرف ألفاظ الأمر بالجماعة والاعتصام بها إلى الجماعة الكبرى، وأغلب ما تنصرف ألفاظ النهي عن الشذوذ عن الجماعة، وأنها فرقة من الدين إلى الجماعة الكبرى، والجماعة الصغرى لا شك أن مخالفتها أحياناً تكون مكروهة، وأحياناً تكون محرمة ومن كبائر الذنوب، لكن لا تصل إلى حد الفرقة الكبرى، فمثلاً: المسلم إذا ترك جماعة المسجد، وصلى مع جماعة أخرى، يكون قد ارتكب ذنباً، أو ترك جماعة المسجد بالكلية يكون قد ارتكب كبيرة، لكن ما يعد من الفرق الضالة إلا إذا خالف في مفهومات الجماعة الكبرى، فأي مسلم يشذ عن الجماعة في مفهوم الجماعة الكبرى يكون عمله افتراقاً، لكن إذا شذ عن الجماعة في مفهوماتها الصغرى، في المصالح الجزئية، أو افترق عن جماعة المسجد يكون عمله بحسب حاله، قد يكون كبيرة من الكبائر التي يعزر عليها، لكن لا يصل إلى حد يوصف بأنه مفارق للجماعة المفارقة العقدية، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1254

الأسئلة

стр. 1255

حكم استدلال أصحاب الجماعات الدعوية بالأحاديث الآمرة بلزوم الجماعة على وجوب لزوم جماعتهم السؤال استدلال أصحاب الجماعات الدعوية بالأحاديث الآمرة بلزوم الجماعة على وجوب لزوم جماعتهم، هل هو صحيح؟ الجواب إذا كانت الجماعات تقصد بالاستدلال بهذه الأحاديث التي تنهى عن الفرقة وعن الجماعة، تقصد أن من شذ عن جماعتها فهو شاذ عن جماعة المسلمين، فلا شك أن هذا خطأ وانحراف، وهو من البدع، إذا اعتبروا أنفسهم الجماعة العظمى، أو أوردوا الأحاديث الواردة في الجماعة العظمى عليهم، فهذا خطأ، ويعتبر انحرافاً عند كثير من الجماعات التي ترفع شعارات الولاء لها في العصر الحاضر. فكونهم يأخذون نصوص التحذير من الفرقة، والتحذير من ترك الجماعة العظمى، ويطبقونها على أنفسهم فهذا خطأ، أما إذا كان المقصود إيراد النصوص التي تنهى عن ترك الجماعة بمعناها الذي هو دون ذلك، إذا كان اجتماعهم مشروطاً، كاجتماعهم في سفر، أو اجتماعهم على الصلاة، أو اجتماعهم على أمر من أمور الحسبة والدعوة إلى الله ، التي ليس فيها استقلالية في مناهج الدين أو شعارات أو حزبيات فهذا قد ترد فيه بعض النصوص التي تنهى عن ترك الجماعة، بمعانيها الصغرى لا بمعانيها الكبرى. أما المعاني الكبرى للجماعة التي الشذوذ عنها بدعة، فلا يجوز صرفها إلا لجماعة المسلمين أهل السنة والجماعة، وهؤلاء ليس لهم شعارات ولا أحزاب ولا جماعات ذات مناهج، ولا أيضاً جماعات ذات رايات دعوية يستقلون بها عن مفهوم السنة والجماعة. إذاً: فالغالب أن الجماعات التي تستدل بالأحاديث في ترك الجماعة لأنفسها أنها تخطئ بذلك، وينبغي التنبيه على هذا الأمر؛ لأنه قد يكون المخالف أحياناً لهذه الجماعات الجزئية الصغيرة الحزبية هو الذي على الحق.

стр. 1256

شرح العقيدة الطحاوية [١٠٧] من سنن الله في عباده أن جعلهم مختلفين، فكانوا في كثير من المسائل متنازعين، وقد وقع النزاع في هذه الأمة المرحومة، إلا أنهم أمروا أن يردوا ما اختلفوا فيه إلى الله ورسوله إذا لم يتبين لهم الحق في مسألة من المسائل، فإذا كانت من مسائل الأصول فالقول فيها واحد، وعلى من خالفه الرجوع إليه وقبوله، وإن كانت من مسائل الاجتهاد فيقر بعضهم بعضاً، ولا يبغي بعضهم على بعض، كما كان فعل الصحابة ﵃ وأرضاهم.

стр. 1257

وجوب رد المسائل المتنازع فيها إلى الله ورسوله قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد روى مالك بإسناده الثابت عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: ترك الناس العمل بهذه الآية، يعني قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، فإن المسلمين لما اقتتلوا كان الواجب الإصلاح بينهم، كما أمر الله تعالى، فلما لم يعمل بذلك صارت فتنة وجاهلية. وهكذا مسائل النزاع التي تتنازع فيها الأمة في الأصول والفروع، إذا لم ترد الى الله والرسول لم يتبين فيها الحق، بل يصير فيها المتنازعون على غير بينة من أمرهم، فإن ﵏ أقر بعضهم بعضاً، ولم يبغ بعضهم على بعض، كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد، فيقر بعضهم بعضاً، ولا يعتدي ولا يعتدى عليه، وإن لم يرحموا وقع بينهم الاختلاف المذموم، فبغى بعضهم على بعض، إما بالقول، مثل: تكفيره وتفسيقه، وإما بالفعل، مثل: حبسه وضربه وقتله. والذين امتحنوا الناس بخلق القرآن كانوا من هؤلاء، ابتدعوا بدعة، وكفروا من خالفهم فيها، واستحلوا منع حقه وعقوبته. فالناس إذا خفي عليهم بعض ما بعث الله به الرسول ﷺ ، إما عادلون وإما ظالمون، فالعادل فيهم: الذي يعمل بما وصل إليه من آثار الأنبياء ولا يظلم غيره، والظالم: الذي يعتدي على غيره، وأكثرهم إنما يظلمون مع علمهم بأنهم يظلمون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران:١٩]، وإلا فلو سلكوا ما علموه من العدل، أقر بعضهم بعضا، كالمقلدين لأئمة العلم الذين يعرفون من أنفسهم أنهم عاجزون عن معرفة حكم الله ورسوله في تلك المسائل، فجعلوا أئمتهم نواباً عن الرسول، وقالوا: هذا غاية ما قدرنا عليه، فالعادل منهم لا يظلم الآخر، ولا يعتدي عليه بقول ولا فعل، مثل أن يدعي أن قول مقلِّده هو الصحيح بلا حجة يبديها، ويذم من يخالفه مع أنه معذور].

стр. 1258

الاختلاف نوعان: اختلاف تنوع واختلاف تضاد قال رحمه الله تعالى: [ثم إن أنواع الافتراق والاختلاف في الأصل قسمان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد]. اختلاف التنوع المقصود به الاختلاف الذي يتعدد فيه القول والرأي على وجه شرعي، الاختلاف الذي كله سائغ، الاختلاف في الأمور الاجتهادية التي يسع فيها الخلاف، ويتنازع فيها في فهم الأدلة، وتكون فيها الأدلة أو الدلالة الاجتهادية غير واضحة، سواء دلالة المفهوم، أو دلالة المنطوق، أو دلالة اللغة، أو التقييد، أو النسخ إلى آخره، كل هذه الأمور تسمى اختلاف تنوع، أي: أن المسلمين عندما اختلفوا فيها، اختلفوا عن اجتهادات لها أصول في الشرع على ضوء الأدلة، بخلاف النوع الثاني الذي هو اختلاف التضاد، واختلاف التضاد: هو الاختلاف في أصول الدين، في قضايا العقيدة، في القطعيات، الاختلاف فيما يخالف الدليل القطعي، وفيما يخالف الدليل الصريح، سواء كان في الفروع فيما يتعلق بالأحكام، إذا كان الخلاف لا يوجد له مبرر، أو كان في العقائد وهو الأغلب، فأغلب صور اختلاف التنوع الاجتهادية في الأحكام، وأغلب صور اختلاف التضاد في العقائد، ومع ذلك يوجد اختلاف التضاد في الأحكام، مثل: خلاف الشيعة في مسألة المسح على الخفين، وخلافهم في غسل الرجلين، حيث قالوا: المشروع مسح الرجلين، هذا داخل في الفروع، لكن أصبح من اختلاف التضاد؛ لأنهم خالفوا النصوص الصريحة، رغم أنه في الفقه.

стр. 1259

أوجه اختلاف التنوع وحقيقته قال رحمه الله تعالى: [ثم إن أنواع الافتراق والاختلاف في الأصل قسمان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد. واختلاف التنوع على وجوه: منه ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقاً مشروعاً، كما في القراءات التي اختلفت فيها الصحابة ﵃ حتى زجرهم النبي ﷺ وقال: (كلاكما محسن). ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، ومحل سجود السهو، والتشهد، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد ونحو ذلك، مما قد شرع جميعه، وإن كان بعض أنواعه أرجح أو أفضل. ثم تجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع الإقامة وإيتارها ونحو ذلك! وهذا عين المحرم، وكذا تجد كثيراً منهم في قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع والإعراض عن الآخر والنهي عنه، ما دخل به فيما نهى عنه النبي ﷺ . ومنه ما يكون كل من القولين هو في المعنى القول الآخر، لكن العبارتان مختلفتان، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود، وصوغ الأدلة، والتعبير عن المسميات ونحو ذلك. ثم الجهل أو الظلم يحمل على حمد إحدى المقالتين، وذم الأخرى، والاعتداء على قائلها ونحو ذلك]. أغلب صور الخلاف الحاصل الآن بين أهل السنة من هذا النوع، هو من خلاف التنوع الذي يكون فيه اختلاف في العبارة، في حين أن المضمون واحد، أو يكون الاختلاف في مفهوم المسألة، يعني: تجد أن كثيراً من المختلفين الآن في قضايا خطيرة، يرجع اختلافهم إلى أنهم لم يحددوا مناط الاختلاف، أو حقيقة ما اختلفوا عليه، كل منهم في ذهنه مفهومه عن المسألة غير ما يفهمه الآخر، وهذا نوع من الإشكال والعبث بالألفاظ، وعلى هذا نجد في مسائل خطيرة الآن وكثيرة جداً، تنازع فيها أبناء المسلمين وطلاب العلم، ونجد أن سبب التنازع أن كلاً منهم يتكلم بمفهوم، والخلاف في الحقيقة خلاف على قضيتين مختلفتين. نأخذ أمثلة على ذلك: أولاً: كلام كثير من طلاب العلم في الآونة الأخيرة عن مسألة: هل يعذر المبتدع أو العاصي أو الفاجر أو الظالم إلى آخره بالجهل أو لا يعذر؟ أكثر الذين يتكلمون في هذه المسألة فيما يظهر لي لم يحددوا ما هو مفهوم العذر بالجهل، ولم يحددوا ضوابط العذر بالجهل، فكل منهم في ذهنه مفهوم يتكلم به، ويختلف عما في ذهن الآخر، ويظن أنه يخالفه، في حين أن هذا في واد وهذا في واد. خذوا مثالاً آخر: مسائل الدعوة ووسائلها، الآن القضية مرفوعة وحامية: هل وسائل الدعوة توقيفية، أو هي اجتهادية، الكثير ممن تكلموا عن وسائل الدعوة، ووسائل تعليم الدعوة مختلفون في تحديد معنى الوسائل والأساليب، تجد أن كل واحد قد حدد مفهومه في ذهنه خلاف المفهوم الذي عند الآخر، ومقصد أهل العلم أولاً أن يحددوا المفهوم والمقصود بالقضية التي فيها الخلاف، فإذا حررنا المفهوم، وكل واحد فهم القضية وفهم المقصود الآخر، فمن هنا ترجع القضية إلى أصولها الثلاثة كما وردت عند السلف. ولذلك ذكر الشيخ الفاضل حدود وصيغ الأدلة، والتعبير عن المسميات ونحو ذلك، ثم قال: (ثم الجهل أو الظلم يحمل على حمد إحدى المقالتين، وذم الأخرى، والاعتداء على قائلها ونحو ذلك). وأمثلة هذا كثيرة، منها: الكلام في المذاهب الفقهية، وهل المذاهب بدعة من البدع؟ فنجد أن الذي يذم التمذهب يذم التعصب المذموم لا يذم الابتداع والاتباع، والذي يجيز التمذهب يقصد التمذهب الذي هو الاتباع والاقتداء بأئمة الدين، فأكثر المسائل هذه سببت الفرقة وسببت عداوات وسوء ظن بين المسلمين، وردود، وردود على الردود، واستنزفت جهوداً من الأمة وطاقات يحتاجونها في تقرير السنة واجتماع الكلمة في الدفاع عنها، لكن مع الأسف أصبح الخلاف في كثير من الأمور اختلاف تنوع، وأكثر المخالفين أو المختلفين لا يدرون ولا يشعرون، فحمل بعضهم على بعض، وطغى بعضهم على بعض، وجهل كثير منهم مقالة الآخر إلى آخره. أما مقولة: نتعاون على ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، فهذه مقولة فضفاضة مائعة ما لها قرار، وهي من الأمثلة التي يختلف عليها الناس من غير تحديد معنى. فإذا كان مقصود القائل لهذه الكلمة: نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه في الاجتهاديات، فهذه قاعدة عظيمة من قواعد السلف، وإن كان قصده جميع ما يختلف فيه المسلمون، بما في ذلك البدع والضلالات، والشعارات والمناهج الخاطئة، والتيارات وغيرها، فهذا لا شك أنه خطأ وتفريط، ولا شك أنه منهج أهل البدع. والذي ينبغي الإشارة إليه أنه فيما علمت من خلال استقرائي لهذه الكلمة أن (الإخوان المسلمون) رفعوا هذه الكلمة كشعار لهم، وهم يقصدون بها مداهنة أهل البدع، فهذه مشكلة تجعل بعض الناس يسيء الظن بهم، ويحكم بأنهم قصدوا بها مداهنة أهل البدع وأهل الأهواء. وقد يكون منهم من يقصد المعنى الشرعي الصحيح، فمن هنا أقول: هذه الكلمة أصبحت الآن من الكلمات التي لا ينبغي رفعها كشعار؛ لأن أغلب الذين رفعوها رفعوها بقصد السكوت عن أهل البدع، وهذا واضح عند كث

стр. 1260

حقيقة اختلاف التضاد قال رحمه الله تعالى: [وأما اختلاف التضاد: فهو القولان المتنافيان، إما في الأصول، وإما في الفروع، عند الجمهور الذين يقولون: المصيب واحد، والخطب في هذا أشد؛ لأن القولين يتنافيان، لكن نجد كثيراً من هؤلاء قد يكون القول الباطل الذي مع منازعه فيه حق ما، أو معه دليل يقتضي حقاً ما، فَيَرُدُّ الحقَّ مع الباطل، حتى يبقى هذا مبطلاً في البعض، كما كان الأول مبطلاً في الأصل، وهذا يجري كثيراً لأهل السنة]. هذه من القواعد الذهبية التي ينبغي أن نستفيد منها، وهي مما تجاوزها كثير من المنتسبين للسنة، فتجد بعض المنتسبين للسنة يرد الحق الذي مع المخالف؛ لأن المخالف عنده شيء من الباطل، وهذا خطأ شنيع، الحق ينبغي أن يقبل ويرد إلى أصوله، وإذا كان المخالف معه شيء من الحق وعنده شيء من الباطل، فيجب على منازعه وعلى مخالفه أن يعترف بما عنده من الحق، ويرد ما عنده من الباطل، وإلا وقعت فتنة وفساد عظيم في الأمة، حتى إن هذا يحدث بين المتنازعين من أهل السنة، فقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا يحصل بين متبعي أئمة المذاهب الفقهية، في اختلافاتهم واجتهاداتهم، فنجد أن هناك من ينتسب للسنة من قاصري العلم والتأصيل، نجد أنهم متميزون برد الحق الذي مع المخالف، حتى وإن كان من أهل السنة، بمجرد أن يكون في القضية شيء من الباطل يرد الحق الذي معه، والناس قد يكون في أقوالهم حق وباطل، فالقول الواحد قد يتضمن شيئاً من الحق وشيئاً من الباطل، فالميزان الشرعي الصحيح أن نقبل الحق ونخضع له، وإن كان مع الخصم، ونرد الباطل دون أن نجعل الأمر ملتبساً. فأقول: إن كثيراً من الناس يرد قول المخالف جملة وتفصيلاً، دون أن ينظر ما فيه، وهذا أدى إلى سوء الظن بين الفريقين، وأدى أيضاً إلى الاعتداء، وإلى استعمال بعض الأساليب التي لا تجوز إلا مع أهل البدع المغلظة، فينبغي التنبه لهذا الأمر وتأصيله وبيانه للناس، خاصة لطلاب العلم الذين كلامهم له أثر في الناس، وله أثر في المتلقين والناشئة، ينبغي أن ترسم هذه القاعدة بوضوح وتنشر وتبين، وهو أنك إذا خالفت أحداً من أهل السنة فيجب أن تضع في بالك ونصب عينك ما معه من الحق، وتحمده عليه، وترد ما معه من الباطل، وتعتذر له؛ لأنه أخطأ، أما أن تتخذ الخطأ ذريعة للسب وذريعة للتجريح فهذا ليس هو منهج السلف، وقد يكون لبعض السلف بعض المواقف وبعض الكلمات، التي هي أشبه بنصوص الوعيد في حق المخالف، فلا تؤخذ على أنها منهج؛ لأن بعض السلف يكون قد قسا على قرين له، أو على عالم آخر، أو على طالب علم في وقته، وقال كلمات، لكن هذا ليس منهجاً، وإنما هذا من باب الوعيد والتحذير، لكن المنهج إذا رأيته وإذا تأملته فيما كتبوه وسطروه، خاصة في كتب الرجال التي كتبها السلف في التراجم، نجد أنهم منصفون فيما كتبوه، وهكذا ينبغي للناس أن ينصف بعضهم بعضاً. والكلام في أبي حنيفة يعتبر نموذجاً، فـ أبو حنيفة ﵀ وقع في بدعة لا يبدع بها، لكنها تعتبر زلة عالم، وزلة العالم ينبغي التنبيه عليها، والتحذير منها، وعدم الدفاع عنها، وينبغي أيضاً أن يقال: إن هذه زلة وبدعة، لكن يعتذر له؛ لإمامته في الدين، وهذا يدل على أن العالم لا يبدع بها، أما من دونه يبدع بها. قال رحمه الله تعالى: [وأما أهل البدعة فالأمر فيهم ظاهر، ومن جعل الله له هداية ونوراً رأى من هذا ما يبين له منفعة ما جاء في الكتاب والسنة من النهي عن هذا وأشباهه، وإن كانت القلوب الصحيحة تنكر هذا، لكن نور على نور].

стр. 1261

حكم اختلاف التنوع قال رحمه الله تعالى: [والاختلاف الأول الذي هو اختلاف التنوع، الذم فيه واقع على من بغى على الآخر فيه، وقد دل القرآن على حمد كل واحدة من الطائفتين في مثل ذلك، إذا لم يحصل بغي، كما في قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٥] قد كانوا اختلفوا في قطع الأشجار، فقطع قوم وترك آخرون، وكما في قوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٨] ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩] فخص سليمان بالفهم، وأثنى عليهما بالحكم والعلم، وكما في إقرار النبي ﷺ يوم بني قريظة لمن صلى العصر في وقتها، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة، وكما في قوله: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) ونظائر ذلك]. نقف على هذا المقطع، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1262

الأسئلة

стр. 1263

حكم وسائل الدعوة السؤال ما حكم وسائل الدعوة هل هي توقيفية أو اجتهادية؟ الجواب يمكن أن نشير إلى بعض القواعد العامة في هذا الموضوع، ثم إن شاء الله تفصل هذه المسألة في الدرس القادم؛ لأنها من المسائل التي تثار الآن. وسائل الدعوة في الحقيقة حسب ما يفهم من معناها اللغوي ومن استقراء لنهج السلف المقصود منها الأدوات التي تستخدم في تحقيق الدعوة، سواء كانت أدوات مادية، مثل: الأجهزة، أو أدوات معنوية، مثل: الأساليب الإدارية والتنظيمية وغيرها، مثل المؤسسات والجمعيات، وما يكون من الأجهزة الحكومية والدوائر الحكومية والدوائر المؤسسية التي تخدم الدعوة، فهذه تسمى وسائل، فكذلك قد يدخل في مفهوم الوسائل بعض الأساليب العلمية التي تتعلق بالدعوة، كتأليف الرسائل والكتب، والوسائل المتاحة: من أشرطة، وأجهزة منظورة ومسموعة وغيرها، هذه أيضاً تدخل في باب الوسائل. فإذاً المقصود بالوسائل: هي أدوات الدعوة، سواءً كانت علمية، أو كانت إدارية ومعنوية، أو كانت مادية كالأجهزة. والوسيلة: هي الطريق إلى الوصول إلى الهدف، ليست هي المناهج؛ لأن المناهج هي القواعد العامة كقواعد الحلال والحرام، ما يجوز وما لا يجوز، ما يسوغ وما لا يسوغ استخدامه في الدعوة، هذه تسمى مناهج، ففرق بين الوسائل والمناهج. وعلى هذا فالكتاب أداة للدعوة ولنشر العلم، والشريط أداة وهكذا، فالأدوات الأصل فيها الإباحة، والأصل فيها التجديد بحسب مقتضيات العصر، ولذلك كان السلف لا يفرطون في استخدام أي وسيلة مباحة في الدعوة إلى الله ، كان في عهد الصحابة يدعون إلى الله بالكلمة، وبالوسائل العادية البسيطة المتاحة، ثم في عهد الخلفاء الراشدين تطورت بعض الوسائل العادية البسيطة المتاحة، من ذلك: الحسبة على أحوال الناس، لما نشأت مثلاً الكوفة والبصرة في عهد عمر ﵁ وضع فيها الحسبة؛ لتدبير أمور الناس في دينهم ودنياهم، فكانت هذه من وسائل الدعوة، ثم اضطر عمر ﵁ إلى استخدام ما يسمى بالدواوين، وهذه من وسائل الدعوة، ثم اضطر الصحابة في آخر عهدهم أيضاً لبعض أنواع من المناظرات لم تكن معهودة في عهد النبي ﷺ ، وبعض أنواع من الانتقادات والكتب والرسائل الصغيرة لم تكن معهودة في عهد أوائل الصحابة، ثم في عهد التابعين بدأ التأليف والتصنيف في خدمة الدعوة والدفاع عن العقيدة. ثم في القرن الثاني تجددت وسائل أخرى في التصنيف والتأليف، فبدأ التابعون يستخدمون وسائل الكتابة والمراسلات والردود، والردود على الردود، واستعمال المناظرات بشكل متوق، واستعمال المناظرات في مجالس الأمراء والوجهاء، وفي المساجد بشكل موسع، ثم أيضاً جدد التابعون وتابعوهم في الوسائل العلمية بنشر الدعوة، فبدءوا يؤلفون الكتب المعنصرة المبوبة، بدءوا يكتبون الآثار، بدءوا يكتبون رسائل مفردة في موضوعات، ورسائل عامة في السنة، بدءوا يكتبون الحديث، بدءوا يكتبون تفسير القرآن، بدءوا يكتبون بعض المقالات وغيرها، تجددت عندهم وسائل الدعوة بحسب أحوالهم. وفي عهد شيخ الإسلام ابن تيمية استحدث هو وغيره من أئمة المسلمين وسائل لم تكن معهودة في القرون الثلاثة الفاضلة في أسلوب التصنيف، وفي أسلوب الدعوة، وفي أسلوب التقاضي عند الأمراء وعند السلاطين والولاة وغير ذلك من الأساليب في الدعوة، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية أحياناً كان يستخدم أساليب ما كانت معهودة حتى في عصره، جدد فيها. وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أيضاً جدد وسائل في الدعوة، من ذلك: أسلوب الرسائل، وطريقة التعليم، وبعث الطلاب، واتخذت وسائل للدعوة في المسجد ما كانت معهودة في عهد السلف، من ذلك: تكليف أئمة المساجد بأن يلقنوا المسلمين في مساجدهم أصول الدين، وهذه الوسائل ما كانت معهودة بهذه الطريقة، لكنها وسيلة من الوسائل التي نفع الله بها. فإذاً: وسائل الدعوة إلى الله من الوسائل الاجتهادية. أما الذين يقولون بأن الوسائل توقيفة، فيقصدون مناهج الدعوة، أي: ما يجوز وما لا يجوز في مناهج الدعوة إلى الله ، حتى القواعد الحديثية التي تحكم الأسانيد تدخل في المناهج وفي الأصول، وليست داخلة في الوسائل. فإذاً: الخلاف إنما هو عادة في الألفاظ، وهؤلاء يتنازعون على لا شيء، وإلا فلا أظن طالب علم يخالف في مسألة استخدام الوسائل التي ذكرناها في الدعوة، أو أن هذه الوسائل والأدوات محجورة لا تجوز، ما يخالف فيها إلا جاهل، وكذلك لا يمكن أن يقول أحد: إنه يجوز الابتداع في مناهج الدعوة إلى الله بما يخالف مناهج السلف، فهذا لا شك أنه بدعة عند الجميع. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1264

شرح العقيدة الطحاوية [١٠٨] وقع الاختلاف في الأمة بين من يقرون بالكتاب في أمرين: اختلاف على تنزيله، فضلت في ذلك طوائف ممن أنكروا صفة الكلام لله، فقالوا بأن الكلام معنى قائم بالنفس، وأن القرآن عبارة عن كلام الله، أو هو حكاية، واختلاف آخر وقعوا فيه وهو الاختلاف على تأويله، والمتضمن للإيمان ببعضه دون بعض، وكان الصراط القويم والسبيل المستقيم في ذلك ما انتهجه السلف الصالح في ذلك، من تأويل القرآن بالقرآن، أو تأويله بالسنة الصحيحة، ثم تأويله بفهم الصحابة الكرام، ثم تأويله بفهم الأئمة الأعلام.

стр. 1265

اختلاف التضاد قال المصنف رحمه الله تعالى: [والاختلاف الثاني: هو ما حمد فيه إحدى الطائفتين وذمت الأخرى]. الاختلاف الثاني هو اختلاف التضاد واختلاف الافتراق. قال رحمه الله تعالى: [كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٣]. وقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج:١٩] الآيات. وأكثر الاختلاف الذي يئول إلى الأهواء بين الأمة -من القسم الأول- وكذلك إلى سفك الدماء، واستباحة الأموال، والعداوة والبغضاء؛ لأن إحدى الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق، ولا تنصفها، بل تزيد على ما مع نفسها من الحق زيادات من الباطل، والأخرى كذلك، ولذلك جعل الله مصدره البغي، في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣]؛ لأن البغي مجاوزة الحق، وذكر هذا في غير موضع من القرآن؛ ليكون عبرة لهذه الأمة. وقريب من هذا الباب ما خرجاه في الصحيحين عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم). فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمروا به، معللاً بأن سبب هلاك الأولين إنما كان كثرة السؤال، ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية].
следующие страницы →