Полный текст (1 296 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
شرح العقيدة الطحاوية [١]
عند تناول قضايا العقيدة لابد من مراعاة عدد من القواعد والأسس التي تعد منطلقاً في تقرير ذلك، ومن جملة تلك القواعد إدراك تأثير الأسباب في المسببات بإذن الله تعالى، وكون التحسين والتقبيح في الأفعال عقليين والثواب والعقاب شرعيين، والاعتداد بخبر الواحد المتلقى بالقبول، واعتبار موافقة صحيح النقل لصريح العقل، وغيرها من القواعد المهمة التي لا يستقيم إغفالها حال التعرض لتقرير قضايا الاعتقاد.
стр. 2
قواعد وأسس في تناول مسائل العقيدة
стр. 3
اعتقاد تأثير الأسباب في مسبباتها بإذن الله
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول محقق شرح العقيدة الطحاوية في مقدمته: [تأثير الأسباب الطبيعية في مسبباتها بإذن الله]: هذا النوع من الكلام يلحق بالكلام في القدر، فهو تبع للكلام في القدر، وكأن المقدم هنا اختار هذه المسألة لأنها من أبرز المسائل أو من أهمها عنده، وإلا فهناك بعض مسائل القدر المهمة، وإن كان سيذكر الحسن والقبح في الأفعال، وهو أيضاً موضوع اختياره جيد، لكن مسألة الأسباب ليست أهم قضايا القدر التي خالفت فيها الفرق، لكنها تصلح كنموذج، وقد ضرب مثلاً بعد العنوان، فقال: [إن الله يخلق السحاب بالرياح]، وكان الأولى أن يقول: مثل أن يقال: إن الله يخلق السحاب بالرياح، فهذا مثل للأسباب، وليس هو أهم الأسباب أو أبرز الأسباب.
قال: [إن الله يخلق السحاب بالرياح، وينزل الماء بالسحاب، وينبت النبات بالماء، ونحو ذلك، والقول بأن الله يفعل عند الأسباب لا بها يفضي إلى إبطال حكمة الله في خلقه].
هذه المقولة لبعض أهل البدع، وهي أن الله يفعل عند الأسباب، وهي مقولة المتكلمين من الجهمية والمعتزلة، ثم صارت مقولة بعد ذلك لها قواعد، وهي مقولة خاطئة، بل هي من مقولات العقلانيين الذين يقولون: إن فعل الله وإرادته تصاحب الفعل ولا تسبقه، وهذه المسألة ملحقة بمقولة سابقة سبق أن ذكرتها حينما تكلمت عن أول بدع القول في القدر، ومنشأ هذه البدعة: هو القول بإنكار القدر السابق والعلم السابق لله ، الذي قال به غيلان ثم الجعد بن درهم، ونسب إلى معبد الجهني، وهو القول بأنه لا قدر، ومعنى: (لا قدر) أن الله لم يقدر الأمور قبل حدوثها، وإنما يقدرها عندما تحدث، وأن الله لا يعلم الأمور قبل حدوثها، وإنما يعلمها عندما تحدث، وهذا مبني على فلسفة عقلية موروثة عن الفلسفة اليونانية، فليست فلسفة حدثت في الإسلام، إنما هي موروثة عن طوائف متفلسفة من أهل الكتاب، وأهل الكتاب منهم طوائف وفرق كانت على الفلسفة اليونانية الخالصة، ومن هنا وسوسوا لبعض المسلمين بهذه المقولات، فنشأت عنها هذه المسائل.
إذاً: فالقول بأن الله يفعل عند الأسباب يعني أنهم يقولون: إن فعل الله يصاحب الفعل ولا يسبقه، بمعنى: أن علمه تعالى بالشيء لا يسبقه، وأن إرادة الله -أيضاً- تصاحب الفعل ولا تسبقه، وهذا يعني إلغاء حكمة الله وعلمه السابق وتدبيره الذي هو عن علم وحكمة.
قال: [وأنه لم يجعل في العين قوة تمتاز بها عن الخد تبصر بها، ولا في النار قوة تمتاز بها عن التراب تحرق بها، فضلاً عما في هذا القول من مخالفة للكتاب والسنة؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف:٥٧]، ويقول: ﴿وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة:١٦٤]، ويقول: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة:١٤]، ويقول: ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة:٥٢]، ويقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق:٩]، ويقول: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة:١٥ - ١٦] ومثل هذا في القرآن كثير.
وكذلك في الحديث عن النبي ﷺ ، كقوله: (لا يموتن أحد منكم إلا آذنتموني حتى أصلي عليه، فإن الله فإن الله جاعل بصلاتي عليه بركة ورحمة).
وقال ﷺ : (إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة، وإن الله جاعل بصلاتي عليهم نوراً)].
يعني هنا أن صلاة النبي ﷺ تكون سبباً في رحمة الله لمن يصلي عليه.
قال: [فالله سبحانه خلق الأسباب والمسببات، وجعل هذا سبباً لهذا، فإذا قال القائل: إن كان مقدوراً حصل بدون السبب، وإلا لم يحصل] وجه الشبهة: أنه قد يسأل أمثال هؤلاء المتكلمين من الجهمية والمعتزلة ومن سار على نهجهم فيقول: لماذا جعل الله للأسباب تأثيراً، مع أن له قدرة مطلقة؟! قد ترد هذه الشبهة، فيقول قائل: لماذا جعل الله الأسباب هي المؤثرة، مع أن الله قادر على أن يستغني عنها؛ فإنه يقول للشيء: (كن) فيكون؟ وقد أجاب المحقق عن ذلك.
قال: [فإذا قال القائل: إن كان مقدوراً حصل بدون السبب وإلا لم يحصل؟ جوابه أنه مقدور بالسبب وليس مقدوراً بدون السبب].
يعني: أن الله قدر أن تكون الأسباب هي الوسيلة لهذه الأمور، فهذه أمور داخلة في قدرة الله، ولا تعني أن الله جعل هذه الأسباب هي م
стр. 4
الحسن والقبح والثواب والعقاب
قال: [الثالث عشر: الحسن والقبح في الأفعال عقليان، والثواب والعقاب شرعيان: وقد ذهبوا في هذه المسألة مذهباً وسطاً، وهو أن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنها نافعة وضارة، وأن العقل يدرك الحسن والقبح في الأشياء، والله قد فطر عباده على استحسان الصدق والعدل والعفة والإحسان ومقابلة المنعم بالشكر، وفطرهم على استقباح أضدادها، لكن الثواب والعقاب شرعيان يتوقفان على أمر الشارع ونهيه، ولا يجبان عن طريق العقل].
مقصوده بذلك: أن الفلاسفة والمتكلمين من المعتزلة والجهمية ومن جاء بعدهم ممن اقتدى بهم يقولون: إن مسلك الحسن، يعني: حسن الأشياء أو استحسانها لدى البشر واستقباحها لدى البشر أمور تدرك بالعقل جملة وتفصيلاً، حتى لو لم يأت الشرع بذلك، وأهل السنة والجماعة لم ينكروا هذه القاعدة، لكنهم قالوا بأنه ليس الأصل في الأمور هو التحسين والتقبيح العقلي؛ لأن العقل لا يدرك كل شيء فيما يحسن وما يقبح، قد يدرك بعض الأشياء وتخفى عليه أشياء كثيرة، لاسيما أن كثيراً من الأمور معلقة بالغيب، إما الغيب الماضي وإما الغيب المستقبل، فلو استقبح العقل شيئاً فلربما كان في علم الله في الغيب أن يكون هذا الشيء المستقبح في العقل حسنا فيما يأتي، والعكس كذلك، فربما استحسن شيئاً وهو في علم الله فيما سيقع قبيح، هذا أمر.
والأمر الآخر: أن التحسين والتقبيح العقليين مجملان ولا يدركان التفصيل، أي: تفصيل الشرائع وتفصيل ما يستحسن، فالواجب شرعاً والمستحب شرعاً أمور تفصيلية لا يدركها العقل مستقلاً، حتى وإن استحسنها كلها فإن استحسانه لها تبع للشرع؛ لأن الشرع لا يأتي إلا بما يوافق الفطرة، وكذلك العكس، فلو افترضنا أن الله لم ينزل الشرائع؛ فهل تدرك العقول لو اجتمعت كلها بجميع قواها تفصيلات ما يصلح للناس وما لا يصلح لهم في كل جزئيات السلوك وأمور الغيب والشهادة؟! لا يمكن.
إذاً: فالشرع لابد منه، والعقل يستحسن المستحسنات في الجملة، لكن لا على وجه التفصيل، ويستقبح المستقبحات في الجملة، لكن لا على وجه التفصيل؛ لأن العقل آلة تعتريها المؤثرات من الهوى والشبهات والشهوات، وأهم ذلك كله الفناء، فالعقل يفنى، والشرع لا يفنى، إلا إذا انقضت الدنيا وانتهى وقت الاختبار والابتلاء وبقيت الأمور للحساب، فإن الناس يحاسبون على هذه الأمور بمقتضى الشرع لا بمقتضى العقل.
فالمقصود أن أهل السنة والجماعة يوافقون على أن للعقل تحسيناً وتقبيحاً، لكن لا على وجه التفصيل، ولا يستغني البشر عن الشرع بالعقل، وليس كل ما يستحسنه العقل حسناً، وليس كل ما يستقبحه العقل قبيحاً؛ لأن العقل آلة تعتريها الأمور التي ذكرتها من الهوى والسهو والنسيان والخطأ والضعف والمحدودية وغير ذلك.
стр. 5
ثبوت فروع العقيدة بخبر الواحد المتلقى بالقبول
قال: [الرابع عشر: إثبات فروع العقيدة بخبر الواحد المتلقى بالقبول عملاً وتصديقاً: فقد احتجوا بخبر الواحد المتلقى بالقبول في مسائل الصفات والقدر، وعذاب القبر ونعيمه، وسؤال الملكين، وأشراط الساعة، والشفاعة لأهل الكبائر، والميزان، والصراط، والحوض، وكثير من المعجزات، وما جاء في صفة القيامة والحشر والنشر، والجزم بعدم خلود أهل الكبائر في النار].
стр. 6
توافق صحيح المنقول مع صريح المعقول
قال: [الخامس عشر: موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول: فكل ما ثبت من مسائل العقيدة في الكتاب والسنة والوحي والنبوة يصدقها العقل الكامل الصحيح الذي يستخدم بدقة وإمعان؛ لأن العقل الصريح في دلالته على المراد لا يمكن أن يخالف المنقول الصحيح الثابت؛ لأن العقل والنقل وسيلتان لغاية واحدة: هي الوصول إلى الله، والوسائل التي تؤدي إلى غاية واحدة لا يمكن لها أن تتعارض].
أظن أن هذه المسألة واضحة، ولكن أحب أن أبين أمراً فيها قد لا يكون المتكلم عرج عليه هنا، وهو مسألة: المقصود بصحيح المنقول، والمقصود بصريح المعقول.
فأما صحيح المنقول فأظنه واضحاً، وهو النص الصحيح الذي هو في كتاب الله تعالى، وما صح من السنة، سواء ما يتعلق بالعقيدة وبالأحكام، وسواء ما يتعلق بأمور الغيب والشهادة، وسواء ما يتعلق بالتكييفات وما يتعلق بعلل وحكم الشرع، كل ذلك إن ورد فيه قاطع في الشرع فلابد حتماً من أن يوافق العقل السليم، لكن تبقى المشكلة في تحديد معنى العقل السليم الذي يحكم في هذا الأمر، وهذه مسألة نسبية، فلا يستطيع أحد من البشر على الإطلاق أن يحدد لنا أن فلاناً من الناس عقله سليم مطلقاً، فالعقل سلامته نسبية، كسلوك الأفراد وصلاحهم، فلا توجد عصمة العقل إلا للأنبياء، وغير الأنبياء عقولهم تتفاوت وإدراكاتهم تتفاوت، ومهما بلغت العقول فإن سلامتها سلامة نسبية.
إذاً: فسلامة العقل أمر مفترض في جملة العقول الصحيحة وليس في أفرادها، وهذا دفع لشبهة ظهرت في المتكلمين، وهي أن يدعي إنسان من المفكرين العباقرة بأنه يستطيع أن يضع موازين للدين يزن بها الشرع، كما فعل الرازي، فقد ذكر في كتابه: (تأسيس التأسيس) موازين عقلية، وجعلها هي الموازين التي توزن بها أمور الدين، وفي جملة ذلك نصوص الشرع، حتى إنه رد خبر الواحد ورد الأحاديث الصحيحة، وأول صفات الله وأول أخبار السمعيات؛ لأنه حينما حكم قواعده العقلية فيها تنافت معها بزعمه.
إذاً: فالعقل السليم لا يملكه شخص، بل هو عند جملة أهل الحق بمجموعهم، وضابط العقل السليم ضابط واضح، وهو أنه إن وافق الشرع فهو سليم، وإن خالف الشرع فإن فيه قصوراً أو خللاً، فإذا كان صاحبه صاحب بدعة وهوى ففيه خلل، وإذا كان العقل لا يوافق عقول أصحاب الهدى والاستقامة فإن فيه قصوراً عن إدراك مراد الشرع، فمن هنا اعتبر العقل مؤيداً لا مصدراً، فهو يعتبر رافداً ولا يعتبر أساساً.
قال: [يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط، وقد تأملت ما تنازع فيه الناس، فوجدت ما خالف النصوص الصريحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع، وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار، كمسائل التوحيد والصفات، ومسائل القدر، والنبوات، والمعاد وغير ذلك، ووجدت ما يعلم بصريح المعقول لم يخالفه السمع، الذي يقال: إنه يخالفه إما حديث موضوع أو دلالة ضعيفة، فلا يصلح أن يكون دليلاً لو تجرد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إذا خالفه صريح المعقول؟! ونحن نعلم أن الرسل لا يخبرون بمحالات العقول، بل بمحارات العقول، فلا يخبرون بما يعلم العقل انتفاءه، بل يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته].
هذا صحيح؛ فإن الذين حكموا عقولهم في أمور الغيب لو أردنا منهم أن يثبتوا أن العقل استطاع أن يأتي بشيء تفصيلي غير ما جاء به الشرع لما استطاعوا، فالعقل لا يستطيع أن يدرك أمور الغيب، مهما بلغ من القوة والذكاء والحدة، فالمتكلمون الذين حكموا العقول وقعوا في معضلات لا يستطيعون التخلص منها، أول هذه المعضلات أن عقولهم لا تتفق، فعقل من نصدق، إنهم لم يتفقوا على أمر قطعي على الإطلاق، أي: أمر قطعي يثبت في أمر الغيب أنه كما هو في الغيب؛ لأنا لم نطلع على الغيب، هذا أمر.
الأمر الآخر: أن ما نفوه ليس لديهم برهان على نفيه إلا في مدركات العقل العامة، مثل نفي النقائص عن الله ، فهذا أمر قطعي على جهة الإجمال والتفصيل لا يحتاج إلى أن تعمل فيه العقول، لكن تبقى الدلالة على أن هذا اللفظ منفي معناه عن الله على مراد الله، كنفيهم الاستواء بالعقل، فهم نفوا ما في أذهانهم، ولم يستطيعوا نفي الاستواء الحقيقي؛ لأن الاستواء الحقيقي الذي يليق بجلال الله تعالى لا نعلمه، أليس كذلك؟! وهل يستطيع عاقل مهما أوتي من القوة والذكاء أن يبين لنا كيف يكون استواء الله؟! إذاً: الذي نفوه هو وهمٌ في أذهانهم، فهم لما سمعوا قول الرحمن : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] توهموا أن الاستواء كاستواء المخلوق على المخلوق، كاستواء الإنسان على الكرسي، فهل هذا الوهم حق؟! وهل هو قريب من الحق؟! وهل هو محتمل أن يكون حقاً؟! إذاً: هم نفوا ما في أذهانهم من الوهم؛ لأنهم حينما أثبتوا الأوهام التي في أذهانهم أثبتوها بغير دليل، وحينما نفوها نفوها بغير دليل، وأقحموا العقل المسكين في هذا، وهذه أعظم جناية على العقل، قالوا: إن العقل يحيل
стр. 7
حرمة تكفير المسلم بذنب أو خطأ
قال: [السادس عشر: عدم جواز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه.
يقول شيخ الإسلام في مجموعة الرسائل والمسائل وهو بصدد الحديث عن قاعدة أهل السنة والجماعة في أهل الأهواء والبدع: ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة، فإن الله تعالى قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء، وغفر للمؤمنين خطأهم، والخوارج المارقون الذين أمر النبي ﷺ بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين من بعدهم، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي ﵁ حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم كفار، ولهذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم.
وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفروا مع أمر الله ورسوله ﷺ بقتالهم؛ فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟! فلا يحل لإحدى هذه الطوائف أن تكفر الأخرى ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعة محققة، فيكف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضاً؟! وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعاً جهال بحقائق ما يختلفون فيه].
هنا ينبغي التنبيه على أمر، ولعله سيأتي -إن شاء الله- مستقبلاً بشكل واف في شرح الطحاوية إذا دخلنا فيه، لكن بالمناسبة أحب أن أنبه إليه؛ لأنه قد يعالج بعض المظاهر التي ظهرت لدى طائفة من طلاب العلم المستعجلين هداهم الله، وهذه المسألة هي مسألة التكفير باللوازم والتكفير بالبدعة المكفرة، أو التكفير بالقول المكفر أو التكفير بالأصل المكفر، وأقصد بذلك: أنَّه ليس كل من ارتكب مكفراً يكفر بشخصه، فضلاً عن الطوائف، وليست كل طائفة ارتكبت مكفراً نحكم بكفرها، وسأضرب لكم مثلاً بعدما ضرب المحقق هنا مثلاً بالخوارج، فهناك مثل آخر في المتكلمين من الأشاعرة والماتريدية، فغلاة المتكلمين منهم خالفوا السلف في قضايا كثيرة، ومع ذلك لم يقل أحد بكفرهم، إلا بعض المستعجلين من المتأخرين هداهم الله، فما قالوه -أي: الأشاعرة وغيرهم- لا يستدعي تكفيرهم، حتى ولو وصل الحال ببعضهم إلى أن يقول بمقولة كفر، فإن تكفيره بعينه أمر يجب أن يتثبت فيه.
وأريد بهذا أن أصل إلى النتيجة الخطيرة التي أردت التنبيه عليها، وهي أن مسألة التكفير لمن لم يستحق الكفر أشد خطأً من ارتكاب صاحب الكفر لما كفر به؛ لأن النبي ﷺ حذر من هذا وقال: (من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما)، يعني: إذا خرج التكفير من شخص مع الاعتقاد؛ فلابد من أن يقع هذا التكفير على أحد الشخصين، فإن كان من أطلق عليه الكفر كافراً -وهذا في علم الله- وقعت عليه، وإذا لم يكن كافراً في علم الله رجعت إلى صاحبها فكفر نفسه من حيث لا يشعر، فيجب التنبه لهذا الأمر.
وهناك أمر آخر متفرع عن هذا، وهو أننا لم نتعبد بالتكفير أصلاً، صحيح أن هناك ما يسمى بالولاء والبراء، لكن هذه قاعدة إجمالية، ليس كل من واليناه لابد فيه من أن يكون على الاستقامة الكاملة، وليس كل من عاديناه لابد فيه من أن يكون على الضلالة الكاملة، بل قد يجتمع الولاء والبراء في شخص واحد، قد يجتمع الولاء والبراء في غالب المسلمين الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً.
إذاً: فمسألة التكفير من أشد المسائل خطورة، وأرى الناس بدءوا يلوكونها وكأنها مجرد أحكام عادية ينتزعها الإنسان متى شاء ويلبسها من يشاء، مع أن هذه مسألة خطيرة لم يتعبد بها أولاً، إنما تعبدنا بالتكفير بالجملة لا بالتعيين، فالتكفير بالجملة معروف وأمر سهل ويعرفه أهل العلم، فاليهود كلهم كفار بالجملة، والنصارى كفار بالجملة، والمشركون كفار بالجملة، ومن خالف قطعياً من قطعيات الدين فهو كافر بالجملة، ومن أخل بركن من أركان الدين فهو كافر بالجملة، لكن تعيين أفراد أو جماعات أو فرق مسألة خطيرة لم نتعبد بها، وأهل العلم كانوا يتورعون فيها أشد التورع، ثم إن أكثر الناس يفهم التكفير دائماً على أنه التكفير المخرج من الملة، ومن هنا ينتزع أقوال أهل العلم في بعض المقولات أو في بعض الأشخاص فيكفر بها، مع أن أهل العلم قديماً إذا أطلقوا التكفير في مسائل أهل القبلة؛ فأغلب ما يطلقونه على التكفير الذي لا يخرج عن الملة، الذي هو كفر دون كفر، ويتورعون كل التورع عن التكفير الذي يخرج عن الملة.
قال: [
стр. 8
تنبيه على إصدار أحكام التخطئة في فتن المسلمين
أحب أن أنبه على أمر من النوازل التي حدثت للمسلمين في الآونة الأخيرة، وهو ما يتعلق ببعض الفتن التي ظهرت في أرض الجهاد في أفغانستان، ولن أتكلم عن هذا الأمر بالتفصيل، وأرجو ألا يفهم كما يفعل كثير من المستعجلين، وألا ينتزع مني ما لم أقله، لكني أحب أن أعلق على هذه المسألة بمناسبة الكلام عن مسألة التكفير والتعادي والموالاة والمعاداة ونحو ذلك من أحكام الشرع.
أقول: لقد بدرت من بعض الناس -هداهم الله- بعض الألفاظ والأحكام والمواقف تجاه ما حدث بين الأفغان تخالف منهج السلف، حتى من بعض الذين عقائدهم صحيحة ولديهم شيء من العلم بالسنة، فأرى أنهم تجاوزوا منهج السلف في علاج هذه الأمور، أي: في أثناء الفتن؛ لأن للفتن فقهاً يخالف فقه سائر الأيام والأحوال، ولأن للفتن أحكاماً تخصها، خاصة إذا حدثت الفتن بين فرقتين من المسلمين عملهم واحد في جبهة واحدة وفي مكان واحد كما هو حال المجاهدين، والخلل الذي حصل يتمثل في نظري فيما يتعلق بالمسألة التي ذكرتها في أمور: أولها: سرعة الحكم بالتكفير أو التفسيق أو التخطئة قبل التثبت.
وثانيها: الخلل في مسألة التفريق بين ما تجوز الموالاة فيه والمعاداة وما لا تنبغي الموالاة فيه والمعاداة.
والأمر الثالث: الحكم على الأشخاص باللوازم التي لا تلزم، فقد سمعنا حكماً على أشخاص من خلال تصرفات أتباعهم، وحكماً على الأتباع من خلال عقائد رءوسهم، وحكماً على الغائبين قبل اللقيا بهم والأخذ عنهم، وحكماً على المجاهدين من الأفغان -خاصة القيادات منهم- بمجرد أمور تخرج إما في جرائدهم وإما في كتب يعلمونها أتباعهم أو نحو ذلك، وهذا تكفير باللوازم.
نعم التخطئة ترد، ووزن الأمور بالموازين الشرعية أمر مطلوب، بمعنى: من هو الأفضل والأقرب للسنة، ومن هو الأبعد والأكثر بدعة، فهذا أمر ليس على المسلم حرج في أن يقوله، لكن الإلزام بما لا يلزم أمر خطير قد ترتبت عليه مواقف خطيرة، هذا أمر.
الأمر الآخر: إدراك المصالح العامة ودرء المفاسد، وهذا أمر غاب عن كثير ممن خاضوا في هذا الأمر، حتى بلغ الحد ببعضهم إلى أن يعتبر الجهاد في أفغانستان كله خطأ، وبعضهم ألغى راية الجهاد في سبيل الله وفسرها بتفسيرات بدعية أو بتفسيرات أهواء أو بتفسيرات شبهات أو شهوات عند أصحاب تلك الراية، وبعضهم -أيضاً- تكلم في المجاهدين بما يمنع دعم المسلمين عنهم، وهذه مسألة خطيرة، فأنا أقول: حتى لو اقتنع واحد منا بأنه ينبغي أو يحسن ألا يدفع التبرع لفلان من الناس من رءوس المجاهدين، فهل هذا من المصلحة العامة المترتبة على موقفه هذا فيما يتعلق بأحوال المسلمين عامة؟! يجب ألا نبخل على المسلمين عامة، ويجب ألا نبخل على الأفغان من حيث الخصوص، فهناك الشيوعية الملحدة تحارب الله ورسوله، وهناك أناس يجاهدون في سبيل الله على مختلف نزعاتهم وعلى مختلف اتجاهاتهم ومشاربهم، فلو أن المسلمين اضطروا يوماً من الأيام -كما حدث في فترات التاريخ- إلى أن يجتمعوا بفرقهم الضالة والمستقيمة ضد الكفار الخلص فهل يمنع هذا؟ أترك الجواب لكم، فتأملوا واسألوا أهل العلم وارجعوا إلى قواعد الشرع.
وأعود فأقول: إن نصوص الوعيد الواردة في الكتاب والسنة لابد من أن تجمع مع سائر النصوص الأخرى، كتلك النصوص السابق ذكرها وغيرها، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، فهذه الآية من نصوص الوعيد؛ إذ فيها إشارة إلى خلود القاتل عمداً في النار، ونصوص الوعيد ترد إلى نصوص الوعد، فيرد بعضها إلى بعض، ولا تؤخذ على ظاهرها، بمعنى: أنه لا نأخذ بنص واحد ونجعل الحكم القاطع مبنياً عليه، فالنصوص لابد من أن ننظر إليها بمجملها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فهذا من النصوص التي تبين ما يغفر وما لا يغفر، وهذا من نصوص الوعد والوعيد في وقت واحد، فنصوص الوعيد -أي: نصوص التخويف والنصوص التي تتعلق بدخول النار وغيرها- ترد إلى نصوص الوعد بمجموعها، وهذا هو النظر المتكامل الذي ينظره أهل السنة والجماعة، لا يأخذون بنص دون آخر، لذلك قالوا: من أخذ بنصوص الوعد دون نصوص الوعيد فهو مرجئ، ومن أخذ بنصوص الوعيد دون نصوص الوعد فهو حروري، خارجي.
стр. 9
شرح العقيدة الطحاوية [٢]
لقد كانت مراحل القرون الثلاثة الأولى في جملتها مراحل غلبة لهدي السلف في الاعتقاد، مع حصول النزاع في القرن الثالث، ثم هيمنت أقاويل أهل الكلام بعد ذلك وانحسر منهج السلف إلى عصر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فانبرى لإبراز منهج السلف بالنقل والعقل، وخط بذلك معلماً بارزاً وشيد مدرسة علمية كان من آثارها تلامذته النجباء كابن القيم رحمه الله تعالى وغيره.
стр. 10
المراحل التي مرت بها مناهج السلف في تقرير العقيدة إلى زمن ابن تيمية
стр. 11
مرحلة تنزل القرآن إلى نهاية القرن الأول
قال: [امتداد مدرسة ابن تيمية: لقد جمع الإمام ابن تيمية ﵀ منهج أهل السنة والجماعة في العلم والاعتقاد والفهم والعمل والسلوك، وأحياه وحرره تحريراً بديعاً اتسم بسعة العلم وقوة الأمانة وحسن العرض ودقة الضبط، ولكن ابن تيمية سبق ولحق في هذا الميدان بجهاد علمي صادق ومتصل].
أحب أن أشير إلى مسألة أرى أنها مهمة فيما يتعلق بجهود شيخ الإسلام ابن تيمية في خدمة عقيدة السلف، وأقدم لهذا بالتنبيه على المراحل التي مرت بها مناهج السلف في تقرير العقيدة، بمعنى: تقريرها على شكل مؤلفات ومصنفات وتبيينها للناس.
المرحلة الأولى: هي مرحلة تنزل القرآن وإلى نهاية القرن الأول، فهذه الأساس فيها ما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وكان الناس يستمدون كل شيء في الدين من القرآن والسنة، ويرجعون فيما لم يدركوه إلى أهل العلم، حتى الصحابة كانوا يأخذون الدين مباشرة عن القرآن والسنة، هذا في الجملة، لكن عامتهم كانوا لا يستطيعون استنباط كل شيء في الدين، فكانوا يرجعون إلى أهل الاختصاص من الصحابة، لذلك برز من الصحابة من برز في اختصاصات شرعية تتعلق ببيان الدين للناس بعد الرسول ﷺ ، كبروز علي في القضاء وزيد في الفرائض، وبروز غيرهما من الصحابة في بعض الجوانب، وهناك من كانوا مرجعاً علمياً شاملاً كـ ابن عباس وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وغيرهم من أئمة الصحابة، فكانوا أئمة في الدين يرجع إليهم، وكان منهجهم في تقرير العقيدة لا يعدو إظهار النص والاستنباط من القرآن والسنة ثم التعليق على النص لإيضاحه دون بسط في الشرح أو تصنيف أو مؤلفات؛ لأن الناس كانوا أقرب إلى الفطرة وأفهم للغة وأبعد عن البدع والخرافات، ولم تتشعب بهم السبل ولم تظهر الفرق، فكان الناس على هدي واحد، العقيدة عقيدة الجميع والمنهج منهج الجميع والسنة عليها الجميع، ومن شذ برز شذوذه عند العامة والخاصة، هذا في القرن الأول، فلذلك لم توجد مؤلفات، وما كان الناس بحاجة إلى مؤلفات، إنما كانوا بحاجة إلى تعليم، وقام الصحابة بذلك حق القيام، وبرزت في عهدهم بعض الطوائف، وكان شذوذها ظاهراً كالخوارج والشيعة كما هو معلوم، وسبب بروزها هو أنها تركت تلقي الدين عن العلماء، هذا هو السبب الرئيس الأول، ولا ننسى جهود ابن سبأ، لكن ابن سبأ دخل على هذه الطائفة من الناس لأنهم لم يتلقوا دينهم عن الصحابة، والذين تلقوا دينهم عن الصحابة عصمهم الله.
المهم أنه في القرن الأول كانت العقيدة هي السائدة، وما كانت تحتاج إلى مؤلفات ولا تحتاج إلى مصنفات ولا تحتاج إلى شيء من تقرير الأصول والمناهج الزائدة على ما في النصوص.
стр. 12
مرحلة القرن الثاني
المرحلة الثانية: مرحلة ما ظهر في القرن الثاني، وقد استجد فيها على أئمة المسلمين أمر، وهو الرد على أهل البدع، وصاحب هذا الرد ضرورة وضع الموازين والأصول الأولى في مهمات العقيدة، كالإيمان تعريفه ومسماه وزيادته ونقصانه، والقدر ومفهومه، والرؤية، وكلام الله وأسمائه وصفاته، فهذه الأمور كانت في القرن الأول تفهم جملة، وما كان الناس يتحدثون عن جزئياتها؛ لأنهم يفقهونها في الجملة.
وأما في القرن الثاني فظهرت المرحلة الثانية، وهي ضرورة الدفاع عن هذه الأصول وإبرازها كأصول مستقلة لها حدود تعرف بها وتفهم عند الناس، ووضعت لها ضوابط معينة، وظهرت مسألة الاستدلال الشامل على هذه المسائل، بمعنى أنه اضطر أئمة الدين إلى أن يأخذوا الأدلة من الكتاب والسنة، ويبرزوها مستقلة إما على شكل كتب أو مصنفات، وإما على شكل مناظرات أو مجالس علمية في موضوع ما، كما في الرؤية، حيث استقيت نصوص الرؤية وظهرت في هذا الوقت جلية؛ لأنه ظهر من أنكر الرؤية وتكلم بذلك، وكذلك كلام الله، والقرآن، ومسألة أسماء الله وصفاته، فأبرزت النصوص المستقلة في هذا الأمر، وكذلك الوعد والوعيد، فاضطر السلف إلى أن يأخذوا نصوص الوعد ويبرزوها، ثم نصوص الوعيد ويبرزوها، وأخذوا منهجاً وسطاً -وهو منهج الحق- بين الوعد والوعيد، وهكذا بين منكري القدر والجبرية وغيرهم.
وفي المرحلة الثانية أيضاً ظهرت المصنفات الصغيرة في جزئيات العقيدة، في الرد على فرق بعينها، وفي كتابة المسائل المحدودة المعينة، لكنها مصنفات قليلة.
стр. 13
مرحلة القرن الثالث
المرحلة الثالثة: القرن الثالث، وقد ظهر فيه اتجاه أشمل من الاتجاهات السابقة، وهو ضرورة، فحينما ظهرت البدع وظهرت لها أصول في الاعتقاد، وظهرت لها مصنفات وكتب شاملة؛ اضطر السلف إلى الكتابة في العقيدة في كتب الشاملة تجمع بين الأصول وبين النصوص المستدل بها، وبين الآثار المنقولة عن أئمة الدين الذين سبقوا في القرن الثاني والأول، وهذه المصنفات هي المصنفات الشاملة في أصول الدين في العقيدة، وهي المسماة بكتب السنن، أي: الآثار، وأغلبها في العقيدة، لا أقصد كتب الحديث، وإن كانت كتب الحديث اهتمت فعلاً بالعقيدة وبوبت لها، وهذا اتجاه جديد لم يكن يوجد في القرن الأول والثاني، والتبويب للعقائد في كتب الحديث هو -أيضاً- من سمات هذه المرحلة الثالثة، لكن من أبرز سماتها وجود المصنفات الشاملة التي تجمع بين النصوص والقواعد والمناهج والمفاهيم والتعريفات بمسائل أصول الدين والرد والمناقشة في وقت واحد، فكتب السنة الكبيرة بدأت في هذه المرحلة، مثل السنة للإمام أحمد، والسنة لـ عبد الله بن الإمام أحمد، وكذلك مؤلفات ابن سلام وابن أبي شيبة والدارمي وغيرهم من الأئمة الذين عاشوا في ذلك العصر.
стр. 14
مرحلة القرن الرابع وما بعده
وبعد القرن الثالث جاءت المرحلة الرابعة، وهي مرحلة هيمنة كتب الكلام والمسائل الكلامية على الاتجاه العلمي في أغلب بلاد المسلمين، وهذا لا يعني أن عقيدة السلف اندثرت، بل كانت موجودة ولها رجالها ولها مصنفاتها ولها كتبها، لكن الذي ساد بين الناس في القرن الرابع وما بعده إلى عصر شيخ الإسلام ابن تيمية هو الاتجاهات الكلامية، اتجاهات الأشاعرة والماتريدية وغيرهم، حتى اتجاهات فرق الرافضة والباطنية ظهرت في تلك الفترة، وهيمنت جميعها على كثير من بلاد المسلمين، وسبب ظهور هذه الاتجاهات يرجع إلى أمور: منها ظهور دويلات الطوائف العقيدية، كدويلات العبيديين الفاطميين، ودويلات القرامطة والبويهية، ودويلات الخوارج كالرستمية، وما جاء بعدها فهذه الطوائف هيمنت على كثير من بلاد المسلمين، إذا لم نقل: إنه في هذه الفترة من القرن الرابع وما بعده كادت أن تهيمن على كل بلاد المسلمين، وهذه الهيمنة السياسية هي التي مكنت لهيمنة المذاهب الكلامية على المدارس والاتجاهات والصبغة العلمية العامة، حتى صار مذهب السلف لا يوجد إلا في رجاله، بمعنى أنه لا يتبنى سياسياً، وإلا فهو موجود في مدارسه واتجاهاته، وأهله ينافحون عنه وهم ظاهرون، بل هم المعتبرون عند الأمة في العموم، لكن مع ذلك هيمنت على أكثر المؤلفات والاتجاه العلمي المذاهب الكلامية إلى عصر شيخ الإسلام ابن تيمية.
стр. 15
جهود شيخ الإسلام في إظهار مذهب السلف
لقد انبرى شيخ الإسلام ابن تيمية لإظهار مذهب السلف إظهاراً علمياً قوياً بما آتاه الله من مواهب، فكانت جهوده تتلخص في أمور: الأمر الأول: استقراء أقوال السلف وإظهارها بارزة نقية واضحة ليس فيها لبس وليس فيها غبش؛ لأن آثار السلف كانت موجودة في وقته، ولكن كل يستدل بها على منهجه، حتى المتكلمون كانوا يستدلون بأقوال السلف على مناهجهم بأسلوبهم في الاستدلال، فكان هناك شيء من الغبش عند كثير من الناس، فجاء شيخ الإسلام ابن تيمية، فكان من أعظم أعماله أنه أبرز مناهج السلف وأقوالهم وعقائدهم وما هم عليه في كل فروع الدين ومسائله وأصوله إبرازاً واضحاً جلياً.
والأمر الثاني: أنه دافع دفاعاً لم يقم به أحد مثله، أعني: في العقيدة، فدافع دفاع المتمكن، واستعمل جميع وسائل الدفاع المباحة، ومن ذلك وسائل المتكلمين أنفسهم، والتزام مناهج السلف في اعتماد الاستدلال بالكتاب والسنة، والاستدلال بالآثار، واعتماد الإنصاف والعدل في القول، وتحري الحق، واعتماد استعمال البرهان العقلي وقلب الحجة على المنازع، وهذا مما برع فيه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ حيث استعمل مناهج المنازعين لأهل السنة والجماعة ضدهم، كما في درء التعارض، وفي نقض التأسيس وفي غيرهما من كثير من الكتب؛ جعل وسائلهم في تأويل مسائل الدين وفي مجانبة أقوال السلف هي الحجة عليهم، لأنهم في الغالب قلبوا الاستدلالات، وسأضرب لكم مثالاً على قلب الاستدلال عند المتكلمين ليتضح منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في إبراز هذه المسألة، فقاعدة المتكلمين -خاصة المتأخرين منهم- في وضع أصولهم التي تقوم على التأويل والمجاز والتعطيل أنهم يعتبرون النص ظنياً والعقل قطعياً، فما رأيكم في هذه القاعدة؟! أليست مقلوبة؟! ومع ذلك انطلت على صغار طلاب العلم وعلى بعض المتكلمين مدة طويلة، أي أن الأصل في النصوص الشرعية الظني والأصل في العقل القطعي، وهذا مصادم للفطرة والعقل السليم، لكن مع ذلك ساد، حتى صار هو القاعدة الكبرى التي يعتمد عليها المتكلمون، فـ شيخ الإسلام قلب عليهم هذا الاستدلال وأقر فيه الحق، وقال: العكس هو الصحيح، فالأدلة الشرعية هي القطعية؛ لأنها معصومة ولأنها صادرة عن المعصوم، والصادر عن المعصوم معصوم، وهو القطعي، وأدلتكم العقلية ظنية؛ لأنها صادرة عن البشر، والبشر ناقص، والصادر عن ناقص ناقص.
إذاً: أتقيسون الكامل -وهو وحي الله- بالناقص؟! بل ليس الأمر كذلك، أتجعلون الناقص هو الحاكم على الكامل؟! أيجوز هذا؟! فقلب عليهم مناهجهم.
إذاً: فشيخ الإسلام ابن تيمية أبرز مناهج السلف وعقيدتهم على هذا الشكل، ولم يأت بجديد، ومدرسته ليست مدرسة مستقلة، ومذهبه ليس بمذهب مستقل، وقد حماه الله تعالى من أن يبتدع أتباعه له مذهباً ينسبونه إليه، وهذه كرامة له، مع أنه أتى بشيء عجيب، وقام بجهد لم يقم به مثله في وقته ولا بعده، مع ذلك لم يكن لأتباعه تعصب، ولم تكن لهم ميزة تميزهم عن أهل السنة والجماعة، بل أتباعه هم أهل السنة والجماعة، أما لمز الخصوم فهذا لا يعتد به.
وأمر آخر أيضاً في عمل شيخ الإسلام ابن تيمية: هو أنه جمع بين التقرير والدفاع، بين تقرير العقيدة ببيانها وإيضاحها وشرحها وتفصيلها ولم يبتدع شيئاً، فكل ما قاله يستند فيه على الآثار بعد النصوص.
والأمر الثاني: أنه دافع دفاعاً قوياً، بمعنى أنه جلَّى مذاهب السلف وبينها ونقحها مما دخلها بسبب عبث المتكلمين.
وأمر آخر: هو أنه دافع عن كل اتهام لرجال السلف، وعن كل اتهام لرجال العقيدة، ثم فند أقوال الخصوم، فصار تراثه وعمله هو تراث أهل السنة والجماعة، ونسبته إليه إنما هي لأنه إمام من أئمة أهل السنة، لا لأنه انفرد بجهد أو جاء بجديد، أو نهج منهجاً غير منهج السلف، بل كل أصوله مبنية على مناهج السلف، لذلك لما خاصمه بعض المتكلمين في وقته فيما يتعلق ببعض التأويلات وبعض البدع تحداهم بتحد لم يجيبوا عليه إلى الآن، حيث قال: إن أصولكم لا يوجد ما يدل عليها عند السلف في القرون الثلاثة الفاضلة، وقال: أنا أمهلكم ثلاث سنين، فهاتوا لي إماماً واحداً من أئمة الدين المعتد بهم قال بقولكم الذي قلتم به في مسائل التأويل والإيمان ومسائل القدر وغيرها التي خالفتم فيها السلف، فوقفوا ثلاث سنين ولم يجيبوه، فبعد ذلك انتصرت السنة بحمد الله، ولا يزال منهج شيخ الإسلام ابن تيمية هو منهج السلف، ونسبته إليه ليست لأنه ابتدع شيئاً، إنما هي لأنه حرر مناهج السلف وبينها واستقرأها وكتب فيها ودافع عنها، فكان منهجه يتمثل في منهج أهل السنة والجماعة.
стр. 16
حقيقتان في منهج أهل السنة
стр. 17
تقرير أهل السنة للاعتقاد العاصم في مسائل زلات الفرق
قال: [وخليق بنا أن نذكر هنا حقيقتين كبيرتين: الأولى: أن أهل السنة والجماعة وهم يبينون العقيدة المنجية في توحيد الله تعالى وما يلحق بها من شعب الإيمان الأخرى، يُجْلُون في الوقت نفسه ووفق المنهج المعتمد وفي ذات السياق الاعتقاد العاصم في مسائل عدالة الصحابة وتفضيل الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وخيرية القرون الأولى، والإمامة، وعدم منازعة الأمر أهله، ومضي الجهاد، والكف عن تكفير المسلمين بالمعاصي والذنوب التي هي دون الشرك الأكبر وهي مما اختلف فيه، ووحدة الجماعة، والتزام المنهج الصحيح في فهم الدين.
إن هذا الترابط الموضوعي والمنهجي بين التوحيد وبين هذه المسائل يدل على: أ- أن التوحيد هو المنهج الحاكم الذي يجب أن تفهم كل مسألة في هداه.
ب- أن الانحراف في هذه المسائل ذريعة إلى جرح التوحيد وإمراضه.
مثال ذلك: عدالة الصحابة، فإن القدح في هذه العدالة ذريعة إلى رد آيات قرآنية أخبرت بفضل الصحابة وعدالتهم، ورد القرآن إلحاد من الإلحاد.
جـ- أن الذين جادلوا في الباطل في القديم والحديث في هذه المسائل لم يعرفوا بصحة العقيدة].
فيما يتعلق بعدالة الصحابة أحب أن أشير إلى ظاهرة ظهرت كثيراً في الكتاب المحدثين، وهي: التجرؤ على بعض الصحابة، على جملة منهم أو واحد أو اثنين أو أكثر باختلاف نزعات هؤلاء الكتاب، لكن أحب أن أشير إلى أمر مقرر عند السلف، وهو أن القدح في صحابي واحد -أياً كان- في دينه وعدالته هو ابتداع وعلامة نفاق، ومن قدح فهو مبتدع، بل من علامات أهل البدع القدح في بعض الصحابة، وهي من علامات الزيغ نسأل الله العافية، ولا يعني ذلك أن الصحابة معصومون، لكن الصحابة أجمعت الأمة على عدالتهم في الجملة، وعلى أن القدح في أحدهم إنما هو زيغ ونفاق، فإذا كان كذلك فهذا يعني أن هذه الظاهرة إنما هي علامة ابتداع في هذا العصر، وقد كثرت حتى بين كتاب ينتمون إلى الدعوات الإسلامية والفكر الإسلامي، ولا يتورعون عن القدح في صحابي ما أو نسبة بعض البدع إليه، كمن ينسبون بعض الأمور إلى عثمان ﵁، أو بعض الأمور إلى أبي ذر ﵁، أو إلى أبي الدرداء، أو إلى ابن مسعود أو إلى غيرهم، وبعضهم يتهم بعض الصحابة ببعض الأهواء، حتى لو لم ينسب إليه بدعة معينة، فربما قدح فيه ليطعن في قوله أو في روايته، حتى ظهر فيمن ينتسبون إلى المتكلمين في العصر الحديث من يقول بأن الأحاديث التي رواها متأخرو الصحابة في الصفات لا تؤخذ، وهذا قدح مبطن.
أقول هذا لأن هذه المقولات كثرت في الكتب التي بين أيدينا، وأنا أقول: الذي أعرفه من منهج السلف وأئمة الدين أن القدح في الصحابي ابتداع، وهو علامة الزيغ نسأل الله العافية.
стр. 18
عقيدة أهل السنة عقيدة أئمة الدين
قال: [الثانية: أن جمهور علماء أهل السنة والجماعة وأئمتهم من المذاهب الأربعة المشهورة وغيرها على عقيدة واحدة، وإن اختلفت في الفروع الاجتهادية، وقد كتب في ذلك علماء مشهورون من مختلف المذاهب، كالإمام الطحاوي الحنفي في عقيدته هذه، وكالإمام أحمد ﵀ فيما نقل عنه من رسائل وإجابات في العقائد، وكالإمام البخاري، وكـ ابن زيد القيرواني المالكي في رسالته المشهورة، وكالإمام عبد القهار بن طاهر البغدادي في كتابه (الفرق بين الفرق) وغيرهم].
стр. 19
آثار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى
قال: [لقد بارك الله في جهاد ابن تيمية ﵀، فجعل له أثراً صالحاً باقياً ماثلاً في مدرسة علمية وفكرية متكاملة لها منهجها وأسلوبها وطابعها.
فمن هذا الأثر تلاميذه وفي مقدمتهم شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: فالواجب على من تلبس بالعلم وكان له عقل أن يتأمل كلام الرجل من تصانيفه المشهورة، أو من ألسنة من يوثق به من أهل النقل، ولو لم يكن للشيخ تقي الدين إلا تلميذه الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية صاحب التصانيف النافعة السائرة التي انتفع بها الموافق والمخالف؛ لكان غاية في الدلالة على عظم منزلته.
وقال شيخ الإسلام التفهني الحنفي: والإنسان إذا لم يخالط ولم يعاشر يستدل على أحواله وأوصافه بآثاره، ولو لم يكن من آثاره -أي: ابن تيمية - إلا ما اتصف به تلميذه ابن قيم الجوزية من العلم لكفى ذلك دليلاً على ما قلناه.
ومن هذا الأثر كتبه الكثيرة العدد النفيسة القيمة الواسعة الانتشار.
ومن هذا الأثر ثناء المؤمنين عليه في كل زمان ومكان].
مما هو معروف عند أئمة السلف أن الطعن في أئمة الدين الكبار إنما هو من علامات أهل البدع، ولا يعني ذلك أن أئمة الدين الكبار معصومون كل العصمة، لكنهم يمثلون القدوة للأمة، والطعن فيهم على سبيل اللمز أو على سبيل الطعن فيما جاء عنهم أو التهكم إنما هو طعن في مذاهب السلف وفي سبيل الأمة أو الجماعة، فمثلاً: الطعن في الإمام أحمد ﵀ من علامات أهل البدع أياً كان هذا الطعن، ولا يتصور أن يكون الطعن طعناً مباشراً، فأغلب الذين يتعرضون للأئمة الكبار يتعرضون لهم بتلبيس من الكلم، بمعنى أنا نجد أن أحدهم قد يثني على مثل الإمام أحمد فيقول: وهو إمام في الدين، وله كذا وكذا، لكنه في قوله بالصفات ذهب إلى مذهب الحشوية أو إلى مذهب كذا، فيثني ثم يلمز، وهذه من علامات أهل البدع، لا يجرئون على الطعن في الجملة في أئمة الدين أو في الإمام الواحد، إنما يثنون ثم يلمزون، ومثله الإمام البخاري والإمام مسلم أو ابن تيمية أو ابن القيم أو غيرهم من الأئمة الذين رضي أهل السنة والجماعة في الجملة هديهم وما جاءوا به وما هم عليه، وكونهم يخطئون في بعض الأمور أمر يجب أن نقول به، بمعنى أنهم قد يخطئون في بعض الأمور؛ لأنه لا يمكن أن يكونوا معصومين، إلا أن ما يقع منهم من خطأ لا يوصل إلى الطعن فيهم، هذا أمر.
والأمر الآخر: أنهم بإمامتهم وجلالتهم قدوة المسلمين، واستهداف أشخاصهم إنما هو استهداف للقدوة، ثم هو استهداف للدين.
والأمر الثالث: أن هناك فرقاً بين الطعن وبين النقاش، فيجوز لمن آتاه الله علماً أن يقول: أرى أن فلاناً من الأئمة لم يقصد كذا، أو: عذره في الأمر الفلاني كذا، أو: إن الدليل هو كذا، ولا يطعن في الشخص، أما إذا طعن في إمام من الأئمة فهذا علامة ابتداع، ولا يزال من أبرز علامات المبتدعة الطعن في مثل شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام أحمد وغيرهما، وكذلك اللمز والطعن غير المباشر، كما هو موجود في بعض الاتجاهات الحديثة عند المتكلمين.
стр. 20
مدرسة ابن تيمية في العصر الحديث
стр. 21
جهود الملك عبد العزيز في نشر عقيدة أهل السنة
قال: [مدرسة ابن تيمية في العصر الحديث.
مضى على عصر ابن تيمية أربعة قرون تقريباً، ولم تخل هذه القرون الأربعة من داعية للحق قائم بعقيدة أهل السنة والجماعة، ولكن حدثاً وقع في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري كان له الأثر الكبير في انتشار عقيدة أهل السنة والجماعة والالتزام بمنهجهم في الفهم والتطبيق، ذلكم هو قيام الدولة السعودية في جزيرة العرب مناصرة للدعوة الإصلاحية التي نادى بها الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، والتي تدعو الناس إلى العودة إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ والالتزام بما كان عليه سلف الأمة الصالح وتطبيق شريعة الله جل وعلا.
لقد تهيأ لهذه الدعوة من أسباب التمكين ما لم يتهيأ لدعوات كثيرة قبلها وبعدها، وهذا من فضل الله، تهيأ لها سبب الدولة أو السلطة، وبهذا السبب الذي هيأه الله تعالى قويت الدعوة وتمكنت وانتصرت في عهد مؤسس الدولة السعودية الأولى الإمام المجاهد محمد بن سعود ﵀، ومن جاء بعده من بنيه وأحفاده حتى مطلع القرن الرابع عشر الهجري، حيث قام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ﵀ بما يجب القيام به تجاه عقيدة أهل السنة والجماعة وإلزام الناس بتطبيق شريعة الله والحكم بينهم بموجبها.
يقول المشايخ محمد بن عبد اللطيف وسعد بن حمد بن عتيق وعبد الله بن عبد العزيز العنقري وعمر بن محمد بن سليم ومحمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف ﵏: ثم لما وقع الخلل من كثير من الناس من عدم القيام بشكر هذه النعمة ورعايتها ابتلوا بوقوع التفرق والاختلاف وتسلط الأعداء والرجوع إلى كثير من عوائدهم، حتى مَنَّ الله في آخر هذا الزمان بظهور الإِمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل أيده الله ووفقه، وما مَنَّ الله به في ولايته من انتشار هذه الدعوة الإسلامية والملة الحنيفية، وقمع من خالفها وإقبال كثير من البادية والحاضرة على هذا الدين، وترك عوائدهم الباطلة، وكذلك ما حصل بسببه من هدم القباب ومحو معاهد الشرك والبدع وردع أهل المعاصي والمخالفات، وإقامة دين الله في الحرمين الشريفين زادهما الله تعالى تشريفاً وتكريماً].
стр. 22
ركائز قيام الدولة السعودية
بمناسبة الكلام عن جهود الملك عبد العزيز ﵀ أحب أن أشير إلى أمر هو معروف، لكن التذكير به من باب الأمانة والنصيحة.
فنحن نعرف جميعاً أن الدولة السعودية منذ قيامها ونصرها لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قامت على ركائز: الركيزة الأولى: نصر الدعوة في الجملة، بمعنى أنها قامت أساساً بعهد شرعي عليه البيعة على نصر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي هي دعوة أهل السنة والجماعة دعوة الحق، هذه الركيزة الأولى.
الركيزة الثانية: قامت على نشر التوحيد، وهذا من أهم الركائز التي قامت عليها الدولة السعودية.
الركيزة الثالثة: محاربة البدع المخالفة للدين أياً كان نوعها، كل ما يخل بالدين ويخل بعقيدة الأمة هو أمر مرفوض، فقامت الدولة على حماية عقيدة المسلمين وعباداتهم في هذا البلد من ذلك.
الركيزة الرابعة: تطبيق شرع الله، والذي يتمثل في أمور: أولها: تحكيم شرع الله في كل شيء، وثانيها: إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وثالثها: نشر الدين بنشر العلم الشرعي الصحيح وحماية الأمة من أي علم يخل بعقيدتها ودينها.
الركيزة الخامسة: المحافظة على الحرمين، يعني: العناية بالحرمين على مقتضى الدين الصحيح، وحمايتهما من البدع وحماية المناسك من كل ما يطرأ من جهالات المسلمين وغيرها.
وهذه الركائز هي عهد بين الدولة السعودية وبين هذه الأمة التي رضيتها ورضيت بإمامتها وبايعتها على الكتاب والسنة، وهذا العهد باق إن شاء الله وسيبقى، وأي إخلال بهذا العهد إنما هو علامة إدبار وعلامة تفرق وعلامة شر وفتنة، نسأل الله أن يعصمنا ويعصم ولاة الأمر من ذلك.
стр. 23
تصنيف دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
وقد يقول سائل: هل الإمام محمد بن عبد الوهاب إمام المرحلة الثالثة؟ فنقول: السلف جماعة واحدة، لا يفرق بينهم الزمان، والمراحل أمور اصطلاحية فنية، فيجوز أن نقسم المراحل إلى المئات والآلاف والعشرات، ويجوز أن نلغي المراحل ونقول: مذهب أهل السنة والجماعة مرحلة واحدة من عهد الرسول ﷺ إلى قيام الساعة، فهذه أمور اصطلاحية، أما أن يقال: إن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أكثر وجوهها العلمية والاعتقادية هي امتداد لدعوة ابن تيمية فهذا صحيح، لكن لا يعني أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب انفرد بشيء، اللهم إلا بأمور تقتضيها ظروف الزمان والمكان، فـ محمد بن عبد الوهاب أتيح له بنصر الدولة السعودية وبنصر الجماعة من أهل التوحيد ما لم يتح لشيخ الإسلام ابن تيمية، هذا هو وجه الفرق، أما ما عدا ذلك فالاتجاه فيه واحد، وكل في اتجاه السلف، ولا ننسى أنه قامت دعوات إصلاحية على مذهب أهل السنة والجماعة في بلاد المسلمين الأخرى غير دعوة الشيخ، لكن لم يكن لها أثر كأثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
قال: [وكان أمر العقيدة جلياً لدى الملك عبد العزيز؛ إذ يقول ﵀: يسموننا بالوهابيين ويسمون مذهبنا بالوهابي باعتبار أنه مذهب خاص، وهذا خطأ فاحش نشأ عن الدعايات الكاذبة التي كان يبثها أهل الأغراض، نحن لسنا أهل مذهب جديد وعقيدة جديدة، فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح، ونحن نحترم الأئمة الأربعة، ولا فرق عندنا بين مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وكلهم محترمون في نظرنا.
هذه هي العقيدة التي قام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يدعو إليها، وهذه هي عقيدتنا، وهي عقيدة مبنية على توحيد الله خالصة من كل شائبة منزهة عن كل بدعة].
ذكرني هذا ببعض الركائز، وقد نوه بها الملك عبد العزيز ﵀ مرات عديدة، بل هي تعتبر من أعظم الأسس التي كان يعتمد عليها عملياً ويقول بها نظرياً، وقد التزمها في سائر حياته، وهي: اعتبار أهل العلم أئمة الدين، اعتبارهم بكل معاني الاعتبار، ليس اعتبار المجاملة ولا مجرد اعتبار التقدير والاحترام، إنما اعتبار العمل والتطبيق، فكانوا هم الشيوخ، وكان كل أمر ذي بال يتعلق بالأمة يصدر عنهم، وكانت المصالح الكبرى للأمة تصدر عنهم، وهذا هو العهد الذي كان بينهم وبين الملك عبد العزيز ﵀، وهو عهد قد التزمه وتعهد به وتوعد من يخالفه.
ومن الركائز التي كان كثيراً ما يحرص عليها الملك عبد العزيز تطبيق الحدود، وهذه هي التي تعتمد عليها الدولة الإسلامية أياً كانت في ترسيخ أمرها وفي حماية دينها وفي مصداقية تطبيقها لشرع الله، فأعظم مصداقية لتطبيق الشرع هي تطبيق الحدود وحماية الدين من الردة ومن انتهاك الحرمات ونهب الأموال، وغير ذلك مما يستوجب الحدود.
فهذه من الركائز المعلومة البدهية عند عامة أهل العلم، بل وعامة أهل البلاد، فكلهم يعلم أن هذه الدولة -بحمد الله- قامت عليها، ونرجو أن تستمر عليها بإذن الله.
стр. 24
جهود الملك عبد العزيز في نشر العقيدة خارج بلاده
قال: [وإذ يستعمل الملك عبد العزيز سلطانه في التمكين للتوحيد والعقيدة المنجية في بلاده، فإنه ينشرها خارج بلاده بوسيلتين اثنتين: الأولى بعث الدعاة، والثانية نشر كتب التوحيد الخالص، وعقيدة أهل السنة والجماعة.
ومما أمر بنشره من كتب العقائد: العقيدة الواسطية، والتوسل والوسيلة، ومنهاج السنة، والعبودية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ومجموعة التوحيد، وهي مجموعة رسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ عبد الرحمن بن حسن والشيخ سليمان آل الشيخ حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ عبد الله العنقري والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن والشيخ سليمان بن سحمان، ولمعة الاعتقاد لـ ابن قدامة، وغير ذلك من الكتب المبينة لعقيدة أهل السنة والجماعة؛ ولهذا السبب -سبب تسخير سلطة الدولة في نصرة الإسلام- وجدت الدعوة من الانتشار والتمكن ما لم تجده دعوات أخرى كثيرة فردية وجماعية، وبرز هذا الانتشار في العالم الإسلامي كله في مدارس فكرية ونشاط دعوي وجهود متصلة لإحياء تراث أهل السنة والجماعة.
إن لانتشار الدعوة الإسلامية في تاريخ المسلمين الحديث وحياتهم المعاصرة سبباً أو أسباباً، ويأتي في مقدمة هذه الأسباب دعوة الإحياء العامة لمنهج أهل السنة والجماعة التي نهض بها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب والتي نصرها آل سعود دولة بعد دولة وإماماً بعد إمام، منذ محمد بن سعود إلى يوم الناس هذا، فلا يزال المنهج الإسلامي يحكم حياة المملكة العربية السعودية في الاعتقاد والاجتهاد والسلوك.
стр. 25
أسباب الاهتمام بالعقيدة
стр. 26
اجتماع الناس على أصول الحق
قال: [العقيدة التوقيفية الجامعة.
لماذا هذا الاهتمام بالعقيدة والبحث في مصادرها العلمية ومسارها التاريخي في القرون الأولى، ثم القرون: الرابع والخامس والسادس، ثم عصر ابن تيمية، ثم ما بعد ابن تيمية إلى يوم الناس هذا؟ والجواب عن ذلك: أولاً: أن أصول الحق هي التي تجمع الناس مهما تعددت أمكنتهم ومهما باعدت بينهم الأزمنة، ومهما اختلفوا في فروع الفقه.
إن النصوص التي أشرنا إليها والتي تتكلم عن مفهوم العقيدة لدى الحنفية والحنبلية والمالكية والشافعية وعند ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب والملك عبد العزيز وغيرهم من أئمة الهدى، هذه النصوص لم تتطابق في المفهوم فحسب، وإنما تطابقت في اللفظ كذلك].
قبل أن نتجاوز الكلام عن المذاهب أحب أن أشير إلى أمر من الأمور التي قد تخفى على كثير من الذين لم يتأملوا مسار العقيدة في القرون الثلاثة الفاضلة، ويتضح هذا بخطأ ساد عند كثير من الباحثين وطلاب العلم، وهو اعتقادهم أن بعض المذاهب أو الفرق لها ارتباط بالمذاهب الأربعة على وجه ما من الارتباط.
أقول: هذا أمر حادث بعد القرون الثلاثة الفاضلة، أما في القرون الثلاثة الفاضلة التي هي القدوة والتي زكاها النبي ﷺ ؛ فلم يكن للمذاهب أي ارتباط بالفرق، بل كانت المذاهب الأربعة كلها -مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - على السنة، وأئمتها جملتهم كانوا على السنة، وكانت هذه المذاهب بأتباعها -سواء العلماء وطلاب العلم والعامة- على السنة، وإن كان قد يوجد من أتباع الفرق من ينتمي إلى المذاهب، كبعض الشيعة قبل أن يكون لهم فقه مستقل، وكبعض المعتزلة والجهمية، لكن هذا أمر لا دخل له في صبغة المذاهب نفسها، فالصبغة الشرعية هي صبغة المذاهب، فكانت كلها على السنة، وهذا بإجماع، بل هو واضح جداً لا لبس فيه، فالإمام أبو حنيفة كان على السنة، وتلاميذه الأوائل كانوا على السنة، والإمام مالك كان من أئمة السنة المنافحين عنها المقررين لها، وتلاميذه الأوائل في القرون الثلاثة الفاضلة كانوا على السنة، والإمام الشافعي كذلك، والإمام أحمد لا نحتاج إلى أن نبين ذلك عنه، إذاً: اللبس إنما حدث بعد القرون الفاضلة، ففي القرن الرابع بدأ التمشعر على يد الأشاعرة، وكانوا من أتباع المذاهب، ثم في الآونة الأخيرة بعد القرن الرابع اقترنت تبعية المذاهب بتبعية الفرق بناء على حال الحكومات والسلاطين، فإذا كان السلطان -مثلاً- حنفياً وأشعرياً ربط الأحناف بالأشاعرة، وإذا كان حنفياً ماتريدياً ربط الأحناف بالماتريدية، وهكذا حتى صار الآن المفهوم عن كثير من المذاهب أنها مرتبطة بالفرق، وهذا ارتباط كله حادث، ولم يكن في العصور الأولى للمذاهب حينما كانت المذاهب مذاهب اجتهادية يقع فيها الخلاف ويرضاها المسلمون جميعاً، وبعدما تحولت إلى التعصب تحولت إلى الافتراق.
قال: [وهذا برهان مبني على: أ - الصدور عن الأصلين المعصومين: الكتاب والسنة.
ب - صحة المنهج العلمي في الاعتقاد والفهم.
ت - دقة الالتزام بالمنهج.
فالحق هو الحق في كل زمان ومكان، فإذا صح منهج التلقي ومنهج الفهم وحصل الصدق في الالتزام اجتمع الناس على الحق، وإن فصلت بينهم التخوم والقرون، فالأنبياء والمرسلون صلى الله عليهم وسلم اجتمعوا على أصل الديانة وإن لم ير بعضهم بعضاً، وإن ظهروا في عصور تطاولت بينها الآماد، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، والمسلمون مأمورون بالاقتداء بالأنبياء في الاجتماع على الأصول].
стр. 27
العقيدة ميزان توقيفي لا يضطرب
قال: [الثاني: أن العقيدة ليست مذهباً اجتهادياً، بل هي الميزان الثابت الذي لا يضطرب ولا يطيش، إن العقيدة هي معرفة مراد الله تعالى من الديانة، ومن بعث الرسل وإنزال الكتب، وخلق الجن والإنس، ثم الاستقامة على هذا والعمل بمقتضاه، والرسول ﷺ هو القدوة في العلم بمراد الله وفي العمل بمقتضاه، ولقد اقتدى الصحابة ثم سائر القرون المشهود لها بالخيرية بالرسول ﷺ في الاعتقاد الحق، وندب الله الأئمة في كل عصر لتبيين الاعتقاد الصحيح الذي هو العقيدة التوقيفية الجامعة، ومن القول الفصل الدال على أن الاعتقاد الصحيح هو الفرقان بين الحق والباطل: أن الذين التزموا هذه العقيدة استقاموا على الطريقة وصلحوا وأصلحوا في العلم والدعوة والحكم والعمل والجهاد، وأن الذين شذوا عن هذه العقيدة تفرقت بهم السبل وعظم فهمهم واضطربت أقوالهم وأفعالهم، وفسدوا وأفسدوا، قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢].
يقول ابن تيمية ﵀: وطريقتهم - أي: أهل السنة والجماعة - هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمداً ﷺ لكن لما أخبر النبي ﷺ أن الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وفي حديث عنه ﷺ أنه قال: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)؛ صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى أولو المناقب المأثورة والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال الأئمة الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة).
ويقول: ثم سأل نائب السلطان عن الاعتقاد، فقال - أي: ابن تيمية -: ليس الاعتقاد لي ولا لمن هو أكبر مني، بل الاعتقاد يؤخذ عن الله ورسوله ﷺ ، وما أجمع عليه سلف الأمة، يؤخذ من كتاب الله ومن أحاديث البخاري ومسلم وغيرهما من الأحاديث المعروفة، وما ثبت عن سلف الأمة.
ويقول: فقلت لا والله ليس لـ أحمد بن حنبل في هذا اختصاص، وإنما هذا اعتقاد سلف الأمة وأئمة الحديث، وقلت أيضاً: هذا اعتقاد رسول الله ﷺ ، وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به آية أو حديثاً أو إجماعاً سلفياً، وأذكر من ينقل الإجماع عن السلف من جميع طوائف المسلمين والفقهاء الأربعة والمتكلمين، وأهل الحديث والصوفية].
стр. 28
الاستدلال بما وافق الحق من قول المخالف منهج سلفي
لعلنا نقف وقفة تأمل عند كلام شيخ الإسلام، وهذا الكلام الذي سأقوله كثيراً ما يردده هو وغيره من أئمة السلف الأقدمين، وذلك في مسألة الاستدلال بقول المخالف فيما يوافق فيه مما عنده من حق، وأقصد بذلك أن أئمة السلف لا يمنعون من الاستدلال بقول الصوفية فيما وافقوا فيه أهل الحق، أو تقوية الحق بأقوال المتكلمين فيما وافقوا فيه الحق، أو الاستدلال بالحق الذي عند أي فرقة أخرى إذا كان يعزز قول أهل السنة والجماعة ومنهجهم، بل هو من باب إقامة الحجة على المخالفين فيما خالفوا فيه إذا أيدناهم فيما وافقوا فيه، أقصد أن المخالف إذا أخذت عنه ما وافق فيه ألفت قلبه ليأخذ عنك فيما خالف فيه، هذا من ناحية، والناحية الأخرى هي قاعدة في الإنصاف والعدل، ليست مجرد سياسة أو مجرد منهج للتقريب والترغيب، إنما هي قاعدة شرعية تقوم على العدل والإنصاف، وأقصد بها أنه إذا كان مع الخصم أو المخالف ما يوافق الحق فيجب الاعتراف له به، سواء أكان دليلاً أم قولاً أم خلقاً أم فضيلة من الفضائل، فإذا كان مع المخالف لك والمخالف لأهل السنة والجماعة دليل صحيح أو قول صحيح أو سلوك صحيح أو فضيلة من الفضائل فلا بد من الاعتراف به إنصافاً وإحقاقاً للحق، وهذا هو الذي يقرب الناس إلى الخير ويؤلفهم.
إذاً: هذا منهج لأئمة السلف، ولم يتفرد به شيخ الإسلام ابن تيمية وإن كان كثيراً ما يعول على هذا الأمر، حتى إن بعض طلاب العلم يعجب ويظن أن شيخ الإسلام إذا ذكر أقوال الصوفية وذكر أقوال المتكلمين فكأنه بهذا أقرهم على جملة مقولاتهم الأخرى، وأقول: هذا خلل في تصورنا وليس خللاً في منهج السلف، فـ شيخ الإسلام وغيره من الأئمة يأخذون ما يوافق الحق من الآخرين، وينصفونهم إذا تكلموا عنهم، ينصفونهم في القول عنهم وينصفونهم في الحكم لهم، والإنصاف لا يعد خضوعاً ولا يعد خنوعاً ولا يعد ترويجاً للمخالف، كما يظن كثير من صغار العقول، يظنون أنه إذا أنصف الخصم أو أنصف المبتدع أو اعترف بما لديه من فضيلة؛ فكأنه بذلك يهزم الحق أو أن في ذلك عليه أو على أهل الحق غضاضة، وهذا غلط مجانب للصواب وليس عليه أئمة السلف، إلا في حالات يقدرها أهل العلم إذا خشوا فتنة العامة بإنصاف المبتدع أو خشوا أموراً أخرى يقدرونها لا يقدرها الفرد ولا تكون ميزاناً ولا تكون قاعدة ولا تكون منهجاً، إنما هي أحكام شاذة قليلة قد يرد فيها أن يتغاضى صاحب الحق عما عند خصمه إذا تبين أن الفتنة بذلك تكبر وتكثر، وهذا نادر جداً ولا يصح أن نعول عليه ولا أن نجعله قاعدة.
إذاً: أنبه على منهج أئمة الدين في هذا الأمر، ويتلخص في أمور آخذ منها ثلاثة: الأمر الأول: الاعتراف بما لدى الخصم من الحق، وإعلان ذلك.
وبعض الناس يضيق، ولا تتحمل أعصابه أن يعترف بفضيلة الخصم، وهذا خلل، وهو أمر يجب أن نتجاوزه.
الأمر الثاني: الإشادة بجوانب الفضل عند المخالف، من مبتدع أو متكلم أو متصوف أو جماعة من الجماعات في القول أو السلوك، لا كما يحصل الآن من التراشق والنبز بالألقاب بين الجماعات والدعاة مع الأسف، حيث نجدهم لا ينصفون، فإذا تكلم المخالف عن جماعة تخالفه تجده كأنه لا يعرف إلا السيئات، مع أنه يعرف حسناتهم ويعرف فضائلهم، بل بعضهم لبس عليه الشيطان إلى حد أن يقول: الفضائل هي الأصل، فأنا يهمني أن أنقد ويهمني أن أبين.
ويدعي أن هذا هو النصح، وهذا منهج خطير، والمحكم في هذا الأمر هو الكتاب والسنة، فالله عندما ذكر اليهود والنصارى أنصفهم، وذكر أن منهم من يؤمن ومنهم من لا يؤمن، وذكر أن من اليهود الأمين ومنهم الخائن، وذكر أن في طوائف من النصارى رقة قلوب، وأخبر أن النصارى أقرب إلى الحق مع أنهم من المشركين، وكذلك منهج النبي ﷺ ، كان ينصف إذا تكلم، وإذا تكلم عن أهل الديانات أنصفهم وذكر ما عندهم من المحاسن ثم ذكر باطلهم، وكذلك أئمة السلف كانوا ينصفون الخصوم، بل إن الإنصاف أمر لا بد من التنويه به؛ لأن بعض الناس قد يقول: في ذهني هذه الفضائل ولا أنكرها، ونقول له: ليس المقصود أن الأمر في ذهنك، المقصود أنه إذا تكلمت فاعدل، إذا تكلمت فأنصف، وإذا قلت فاعدل، وإلا فاسكت فالسكوت خير لك، وأنا أقول: أن التنويه بأخطاء الآخرين الذين ينتسبون إلى الإسلام -حتى وإن كانوا من الضلال- دون الإشارة إلى ما فيهم من حسنات هو الظلم نفسه.
الأمر الثالث: لا بد عند الكلام عن الخصوم -كما فعل السلف- من ذكر موافقة المخالف فيما هو حق لتقوية الحق بالاتفاق عليه، وأقصد بذلك أن أئمة الدين إذا ذكروا قولاً من الأقوال في الفقه أو في العقيدة قالوا مثلاً: وهذا هو قول أهل السنة والجماعة، وهو قول المعتزلة والجهمية، وهو قول الأشاعرة إلى آخره، ويذكرون أئمة الضلالة لأنهم وافقوا في هذا الحق، وليس في هذا على المسلم ضير؛ لأن الحق ثابت بهم وبغيرهم، لكن كونك تقيم الحجة على أتباعهم بمثل هذا فيه تقوية للحق، فأنا إذا قلت في أي مسألة من مسائل أصول الدين: أنها قول أهل ا
стр. 29
تأسيس التوجه الإسلامي المعاصر على العقيدة التوقيفية سبب من أسباب الاهتمام بها
قال: [ثالثاً: أن التوجه الإسلامي المعاصر نحو العودة إلى الدين يجب أن يؤسس على هذه العقيدة التوقيفية الجامعة، وأن يُرد رداً جميلاً إلى الأصول العاصمة من كل زيغ وضلال، فإن البنيان مهما علا فإنه سينهار، وإن الأفق مهما اتسع فإنه سيعتكر ويظلم، ما لم يؤسس البنيان على العقيدة المنجية، وما لم يستضئ الأفق المتسع بنورها.
إن هذه العقيدة الحقة هي التي تُري الانبعاث الإسلامي الجديد كيف يؤمن؟ وكيف يفهم؟ وكيف يعمل؟ وهي التي تُريهم كيف يدعون إلى الإسلام وفق المنهج الصحيح، فيفتون بعلم، ويدعون برفق، ويوقرون من سبقهم من العلماء والأئمة، ويقتدون بهم ويترضون عنهم.
وكيف يحافظون على وحدة الجماعة، فما أكثر ما كان الإمام الداعية ابن تيمية ﵀ يقول في كل مجلس حوار ومناقشة تقريباً: إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، وربنا واحد، ورسولنا واحد، وكتابنا واحد، وأصول الدين ليس بين السلف وأئمة الإسلام فيها خلاف، ولا يحل فيها الافتراق؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣].
ويقول: فالواجب على كل مسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالاً أو غاوياً وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك، وإلا فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
والعلاقة وثيقة في منهج الإسلام بين توحيد الله ووحدة الجماعة، فقد تابع الرسول ﷺ بين توحيد الله ووحدة الجماعة، فقال: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) الحديث].
стр. 30
شرح العقيدة الطحاوية [٣]
من جملة المسائل المتعلقة بالعقيدة مسألة تجديد الدين، فقد حدد العلماء معنى التجديد بإحياء معالمه المندثرة علماً وعملاً لا بالإحداث فيه، ومن جملة مسائل العقيدة ما يتصل بالإطلاقات الاصطلاحية التي أطلقت على علم العقيدة ومعرفة السلفي منها والبدعي، وصلة الفكر والتصور الإسلامي بمفاهيم العقيدة، كما أن من جملة مسائلها التسليم بعجز درك العقول لتفصيلات الدين استقلالاً، والإيمان بما جاءت به الرسل، واعتقاد أمور الدين على وجه الجملة وعلم ما يلزم علمه على وجه التفصيل.
стр. 31
ترجمة الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فسنعرض بإيجاز ترجمة الإمام الطحاوي وسنقف عند بعض النقاط المتعلقة بشخصية الإمام الطحاوي متجاوزين التفصيلات.
أما اسمه ونسبه فهو الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك الأزدي الحجري المصري الطحاوي، نسبة إلى (طحا) قرية من قرى الصعيد بمصر.
ولد سنة ٢٣٩هـ على الأرجح، وتوفي ﵀ سنة ٣٢١هـ، فعلى هذا يعد من علماء القرن الثالث الهجري، وهو من أئمة القرون الفاضلة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نشأ الإمام الطحاوي في بيت علم وفضل؛ فأبوه كان من أهل العلم والبصر بالشعر وروايته، وأمه كذلك معدودة من أصحاب الشافعي الذين كانوا يحضرون مجلسه، وخاله هو الإمام المزني أفقه أصحاب الإمام الشافعي وناشر علمه.
قال ابن يونس فيما نقله عنه ابن عساكر في تاريخه: كان ثقة ثبتاً فقيهاً عاقلاً، لم يخلِّف مثله.
وقال مسلمة بن القاسم في الصلة: وكان ثقة ثبتاً جليل القدر فقيه البدن عالماً باختلاف العلماء، بصيراً بالتصنيف.
وقال فيه ابن النديم: وكان أوحد زمانه علماً وزهداً.
وقال فيه ابن عبد البر: كان من أعلم الناس بسير الكوفيين وأخبارهم وبفقههم، مع مشاركه في جميع مذاهب الفقهاء.
وقال السمعاني: كان إماماً ثقة ثبتاً فقيهاً عالماً، لم يُخلِّف مثله].
عندي: (لم يُخلِّف مثله)، ويبدو أن فيها خطأ، ولعل (لم يُخلَّف مثله)؛ لأن (يُخلِّف) لا بد من أن يكون الضمير المستتر فيها راجعاً إلى مذكور أو معهود، ولا ندري ما المعهود ولا المذكور.
قال رحمه الله تعالى: [وقال ابن الجوزي في المنتظم: كان ثبتاً فقيهاً عاقلاً فهيماً.
وكذا قال سبطه.
وقال ابن الأثير في اللباب: كان إماماً فقيهاً من الحنفيين، وكان ثقة ثبتاً.
وقال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: الإمام العلامة الحافظ الكبير محدث الديار المصرية وفقيهها، ثم قال: ومن نظر في تآليف هذا الإمام علم محله من العلم وسعة معارفه].
стр. 32
ترجمة ابن أبي العز الحنفي رحمه الله تعالى
قال رحمه الله تعالى: [هو الإمام العلامة صدر الدين أبو الحسن علي بن علاء الدين علي بن شمس الدين أبي عبد الله محمد بن شرف الدين أبي البركات محمد بن عز الدين أبي العز صالح بن أبي العز بن وهيب بن عطاء بن جبير بن جابر بن وهب الأذرعي الأصل الدمشقي الصالحي الحنفي المعروف بـ ابن أبي العز].
[ولادته: تتفق كتب التراجم على أنه ولد في الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، ويغلب على الظن أنه ولد بدمشق].
стр. 33
المراد بالتجديد في الدين
استوقفتني كلمة في الكلام عن محنته أحببت التعليق عليها مع أنها استطراد، لكن لعل في التعليق عليها فائدة، ففي الكلام عن محنته قال: [كان ينحو منحى التجديد والأصالة]، فهذه الكلمة قد تلفت النظر، فما معنى التجديد والأصالة؟ ربما يفهم بعض الناس أن هناك تناقضاً بين التجديد والأصالة، والحقيقة أن تجديد الدين ورد على لسان الرسول ﷺ ، فقد أخبر بأن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة من يجدد لها أمر دينها، ولذلك كثر الكلام في التجديد، لا سيما في الآونة الأخيرة عندما ظهرت المذاهب العصرانية العقلانية التجديدية التي تتبنى مذاهب وأفكاراً حديثة وتريد أن تصبغها بصبغة الإسلام، وكان الخطأ ناشئاً عن فهم التجديد وعن مفهوم التجديد، وباستقراء أقوال أهل العلم الذين تكلموا في مفهوم التجديد قديماً وحديثاً ممن يعتد بأقوالهم من أئمة السلف نجد أن التجديد يدور حول معنى متقارب عند جميع من عرفوه ممن يعتد بأقوالهم من المحققين، وهو أن التجديد استئناف الدين لا استبداله، استئناف الدين، أي: تجديده علماً وتأصيلاً، ثم تجديده عملاً وقدوة، وتجديد النهج الذي كان يسير عليه السلف الصالح، بمعنى: اعتقاده من جديد بعد ما اندثر، والعمل به من جديد بعدما اندثر، وليس المقصود بالتجديد استبدال العقيدة بعقيدة ولا الأصول بأصول ولا المناهج بمناهج ولا القواعد بقواعد جديدة، وأرى أن كثيراً ممن تكلموا عن التجديد -خاصة أصحاب الاتجاهات العصرانية من الإسلاميين إن صح التعبير- نكسوا هذا المفهوم وقلبوه، فزعموا أن التجديد هو استحداث مناهج جديدة، واستحداث أصول جديدة، واستحداث أفكار جديدة تتعلق بأصول الدين، وكذلك استحداث مظاهر للسلوك جديدة توائم العصر وتوائم المدنية والحضارة الغربية المعاصرة.
وأقول: هذا فهم منكوس تماماً، بل أرى أن من المعلوم بالضرورة أن هذا الفهم معكوس؛ لأن تجديد الدين هو إحياؤه من جديد، إحياؤه بعدما طرأت عليه البدع والمحدثات، وإحياؤه بعدما تغير في سلوك الناس، وإحياؤه بعدما ترك في التطبيق، فالمقصود بتجديد الدين هو العمل به كما عمل به أئمة السلف عقيدة وعملاً، وليس المقصود بتجديد الدين استحداث قواعد جديدة ولا مناهج جديدة، لا في العلوم ولا في العقيدة ولا في الأعمال.
إذاً: من معاني التجديد نفي ما طرأ وما حدث من البدع والمحدثات، سواء في الأفكار والقواعد أو في الأعمال.
стр. 34
حكم التجديد في الوسائل
وأما تجديد الوسائل فليس ممنوعاً، فالوسائل من شئون الدنيا البحتة التي لكل أهل عصر أن يستحدثوا فيها ما شاءوا، بل من ضرورات الحياة أن تستحدث الوسائل بقدر ما يحدث للناس من مستجدات الحياة، والوسائل لا دخول لها في تجديد الدين، بل من تجديد الدين استخدام أحدث الوسائل لإحياء ما اندثر منه ولإماتة البدع ولإظهار السلوك الذي كان عليه السلف الصالح، فهذا من تجديد الدين، وأي منحى للتجديد لا يعتبر الوسائل ولا يعتد بها أو لا يستعملها لا ينجح في الغالب ولا يستقيم؛ لأن هذه سنة من سنن الحياة، فمن سنن الله في خلقه أن تكون الوسائل المعاصرة هي التي بها تقوم الأمم وتستقيم أحوالها، أي: الوسائل الدنيوية البحتة، ومن أراد أن ينقل الأمة في وسائلها إلى الصدر الأول فإنه سيقع في الحرج ويحرج الأمة، والأمة كانت تستحدث من الوسائل في عهد النبي ﷺ وفي عهد الصحابة والقرون الثلاثة الفاضلة بقدر ما تحتاج إليه، حتى وسائل الجهاد، ووسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووسائل الدعوة، وقد كان الصحابة يستعملون ما لم يعرف في عهد الرسول ﷺ ؛ لأنهم فتحوا أقاليم جديدة، فدخل في الإسلام شعوب جديدة، وجاءت مفاهيم للناس في الأساليب وفي الأعمال والوسائل لا بد من تجديد فيها، فهذا أمر لا صلة له بالأصول والمناهج، فالدين يقوم على العقيدة والعمل، والعقيدة والعمل إنما يستقيمان بمنهج هو سبيل المؤمنين، والتجديد يشمل الأمور الثلاثة: العقائد، والأعمال، والمنهج الذي به تستقيم العقائد وتستقيم الأعمال، وهذا هو الذي يكون تجديده إحياءه من جديد، وهذه الأمور لا تختلف منذ عهد الرسول ﷺ إلى يومنا هذا وإلى قيام الساعة، فالدين في أصوله ومناهجه وفي السنن الظاهرة والأعمال التي تتعلق بسنن الدين لا يختلف أبداً، إنما الذي تختلف هو شئون الدنيا، وللناس أن يحدثوا في شئون دنياهم ما يشاءون مما يخدم الدين ويقيم الحجة، وينصر الدعوة.
وليس المراد ارتكاب أي وسيلة، فالوسائل تحكم بالمصالح والمفاسد وتحكم بقواعد الشرع وبالفقه، أي أن الوسائل ليست بمعزل عن رأي الإسلام، بمعنى أنه ليس كل وسيلة يعمل بها البشر لا بد من أن تباح لمجرد أن تكون دنيوية، فهناك أصول في استعمال الوسائل، وهي أصول الاستدلال وأصول الشرع وأصول الاستنباط وقواعد الدين وأصول الفقه، فهذه أمور يحكم بها أهل العلم لمعرفة ما الوسائل المباحة؟ وما الوسائل المحرمة؟ لكن قصدي أن كون الوسيلة جديدة لا يعني أنها بدعة هذا ما أقصده، لا تدخل الوسائل في المبتدعات ولا في المحدثات، إنما الذي يدخل في المبتدعات والمحدثات هو ما يتعلق بالعقائد وما يتعلق بالسنن المنصوص عليها وما يتعلق بالعبادات، فهذه الأمور هي تشريعية توقيفية في أصولها، أو هي توقيفية في نصوصها ولو كانت اجتهادية في الاستنباط، وهي التي لا يجوز الابتداع فيها، وتبقى مسألة الوسائل وعرضها على الشرع وما يجوز فيها وما لا يجوز، هذا هو مجال أهل العلم وأهل الاجتهاد.
стр. 35
بيان شرف علم أصول الدين
قال رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم، حسبي الله ونعم الوكيل، الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم -إذ شرف العلم بشرف المعلوم، وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع؛ ولهذا سمى الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين: الفقه الأكبر- وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه].
стр. 36
أسماء ومصطلحات علم العقيدة
стр. 37
الأسماء الشرعية الواردة في علم العقيدة
نحتاج هنا إلى بيان بعض المقدمات الضرورية في أول الكلام عن العقيدة، فأول ذلك مناسبة إشارة الشارح إلى علم أصول الدين والفقه الأكبر، فهذا يقودنا إلى معرفة أسماء علم العقيدة، أعني الأسماء الشرعية التي وردت عن السلف في وصف هذا العلم أو في تسميته، ثم الأسماء المبتدعة التي سادت عند كثير من المسلمين وهي لا تصح، بل لا يصح إطلاقها على هذا العلم، بل إن إطلاقها يعتبر من الابتداع.
أما الأسماء الشرعية الواردة على ألسنة السلف والتي اصطلحوا عليها، وهي أسماء تدل بمفهومها ومدلولها وألفاظها على عقيدة أهل السنة والجماعة؛ فهي كثيرة، لكن يمكن بالاستقراء أن نلخصها في سبعة أسماء لهذا العلم: أول هذه الأسماء وأهمها وأكثرها أصالة وأقربها إلى مفهومات النصوص وأكثرها استعمالاً على ألسنة السلف، وفي مصنفاتهم في القرون الثلاثة الفاضلة: كلمة (السنة)، بمعنى أنهم كانوا يطلقون على العقيدة: السنة، وعلى هذا غالب مصنفات أئمة الدين في القرون الثلاثة الفاضلة، بل لا نكاد نجد مصنفاً يخرج عن هذا الاسم إلا القليل النادر جداً، فأغلب ما صنفه أئمة الدين في العقيدة جعل تحت مسمى (السنة)، والسنة تعني العقيدة، وتعني الإيمان بمفهومه الشامل، وتعني أصول الدين، وتعني -أيضاً- هدي السلف الصالح، فالهدي الذي عليه أهل السنة والجماعة بعد الافتراق يسمى السنة؛ لذلك كان يطلق بإزاء البدعة وبإزاء الفرق، فيقال: هذا صاحب سنة، بمعنى أنه على عقيدة أهل السنة والجماعة ومقابل صاحب أهل البدعة، وإن كان هذا الاسم قد يطلق أحياناً في تسمية جزئية يدل عليها السياق، فقد تسمى رواية الحديث والدراية له، وأحاديث النبي ﷺ سنة، وقد تسمى النوافل سنة، لكن هذه تسمية جزئية مقيدة بالسياق، أما السنة إذا أطلقت عند السلف فإنها تعني العقيدة، فهذا الاسم الأول والأشهر، وهو الأولى بالإطلاق.
والثاني: التوحيد، والتوحيد جزء من العقيدة، لكن سميت به العقيدة لأنه هو أشرف موضوعات العقيدة، وأهم موضوعات العقيدة هو توحيد الله ، فمن هنا سميت العقيدة كلها توحيداً؛ لأن مسائل الاعتقاد كلها تندرج تحت التوحيد المبني على التسليم والتصديق.
الاسم الثالث: العقيدة، وسميت عقيدة لأن المسلم يعقد قلبه بالجزم على أصول الدين، وعلى السنة، وعلى التوحيد.
الاسم الرابع: أصول الدين، وهذا الاسم قد كرهه بعض السلف، لكنه أصبح اصطلاحاً واضحاً، وربما يزول الإشكال إذا وضح مفهومه عند من يطلقونه، فأصول الدين يقصد بها العقيدة والقطعيات والمسائل الكبرى التي تحكم قواعد شرع، والذين كرهوا هذا الاسم أو هذا الوصف من السلف كرهوه لأنه يقسم الدين إلى أصول وفروع، فمن هنا قد يفهم العامة أن الفروع أقل منزلة من الأصول في الاعتقاد والعمل، وأنه ربما يسع الإنسان إذا عرف الأصول واعتقدها الإخلال بالفروع أو ببعضها، وهذا فهم خاطئ؛ فلذلك يرى بعض السلف أن الدين واحد أصوله وفروعه سواء، ولا يجوز أن يقسم إلى أصول وفروع، لكن مع ذلك ساد هذا الاصطلاح عند بعض أئمة الدين المحققين، ورضوه لأنهم يقصدون به العقيدة.
ومن الأسماء التي اشتهرت: الفقه الأكبر، لكن استعماله في أصول الدين أو في العقيدة قليل جداً، وهو -أيضاً- مثل كلمة (أصول الدين)، بمعنى أن الفقه بما يتعلق بالله وبعبادة الله، وبما يتعلق بمسائل أصول الدين الأخرى القطعية هو الفقه الحقيقي في الدين، فمن هنا سمي الفقه الأكبر، ولا يعنى به الفقه الاجتهادي، أي: فقه الأحكام، ففقه الأحكام يسمى بإزاء هذا الفقه الأصغر، وهذه التسمية يرد عليها تفصيلاً ما يرد على تسمية أصول الدين.
ومن الأسماء المشهورة -وهو السادس-: الإيمان، فقد يسمي بعض السلف العقيدة بمسمى الإيمان، وإن كان الإيمان قد يطلق إطلاقاً خاص، لكنه إذا جاء مطلقاً من غير مفهوم يخصصه في السياق فالغالب أنه يقصد به العقيدة؛ لأنه إذا أطلق يشمل الإسلام ويشمل العقائد الباطنة، يشمل الأعمال الظاهرة ويشمل العقائد الباطنة، فالأصح أن من أسماء العقيدة وإطلاقاتها: الإيمان بمعناه الشامل.
ومن أسماء هذا العلم وإطلاقاته: الشريعة، وهذا إطلاق نادر أيضاً، لكن رضيه أهل العلم، وإن كانت الشريعة في الاصطلاح الدقيق السائد المشهور تعني الأحكام، والعقيدة تعني أصول الدين، ومع ذلك قد يرد في بعض معاني العقيدة إطلاق الشريعة؛ لأن العقائد والأحكام من شرع الله، فهذه أشهر الإطلاقات التي عرفت عند السلف.
стр. 38
الأسماء البدعية الواردة في علم العقيدة
هناك إطلاقات خاطئة بدعية لا ينبغي لطلاب العلم وأهل السنة أن يطلقوها أو أن ينساقوا مع من يطلقها فيصف بها أصول الدين، فمن هذه الإطلاقات: علم الكلام، فقد سمى كثير من المتكلمين وبعض الفرق العقيدة بعلم الكلام، ولا تزال في كثير من الجامعات في العالم الإسلامي والمراكز العلمية دراسة العقيدة تحت مسمى علم الكلام، وهذا خطأ؛ لأن علم الكلام هو فضول الكلام الذي قال به المبتدعة زائداً عن كلام السلف، وكلام السلف ليس بعلم كلام، وعقيدة السلف ليست علم كلام بإطلاق، بل لا يجوز أن نطلق على أي شيء من مسائل الاعتقاد أنه من علم الكلام.
فعلم الكلام هو فضول الكلام الذي أطلقته الفرق في مسائل العقيدة وتلفظت به وتكلمت به، ولا يقول به السلف، وليس بتوقيفي.
ومن الأسماء السائدة المبتدعة: الفلسفة، إطلاق الفلسفة على العقيدة، وهذا خطأ فادح؛ لأن الفلسفة حكمها حكم علم الكلام، بل هي أبعد عن الإسلام.
ومن ذلك: التصوف، فبعض الناس -خاصة أهل التصوف والطرق- يسمون العقيدة أحياناً بالتصوف، وهذا الإطلاق كثير عند الغربيين، فالغربيون بحسب مفهومهم يطلقون على عقائد الإسلام: التصوف.
ومن ذلك: الإلهيات، فإطلاق كلمة (إلهيات) على العقيدة الإسلامية الصحيحة خطأ؛ لأن الإلهيات هي الجانب الفلسفي الغيبي المتعلق بالإله عند الغربيين، وهذا اللفظ حكمه حكم الفلسفة وعلم الكلام؛ لأنهم يقصدون بالإلهيات كل كلام في غير عالم الشهادة يتعلق بالله ، سواء في وجوده أو في وحدانيته، أو في أسمائه وصفاته، وأولئك لا يعرفون أي معنى من معاني الإثبات الشرعي فيما يتعلق بالأسماء والصفات، فلذلك يتكلمون فيها بالغيب وبالفلسفة، ويسمون هذا كله بالإلهيات، ومن هنا صنفوا موضوعات العقيدة وكتب العقيدة الإسلامية تحت مسمى (الإلهيات).
ومن الأسماء التي اشتهرت عند الصوفية أنهم يطلقون على العقيدة (علم الحقيقة)، وعلم الحقيقة عندهم قد يكون أوسع من هذا أيضاً، فهو الأمور الباطنية التي يتذوقونها من أمورهم الباطلة التي تخالف ما جاء في الكتاب والسنة، وهو الذي يسمونه علم الظاهر، أو علم الشريعة، أو علم العوام.
ومن الأسماء التي تعلق بها بعض المثقفين -وهي مستوردة- تسمية العقيدة بـ (ما وراء الغيب)، فـ (ما وراء الغيب) كثيراً ما تطلق عند كثير من المفكرين وبعض الكتاب المثقفين، حتى بعض الإسلاميين منهم، بل بعضهم ينقلها بحروفها أو بلفظها الأجنبي دون أن يعيها هو ولا القراء، مثل كلمة (الميتافيزيقا)، فهذه أيضاً من أكثر ما يطلقونه، ولو أردنا أن يفسروها لما فسروها، ككثير من الكلمات التي يحاكون بها الغرب.
فهذه من أشهر الإطلاقات التي ابتلي بها الناس الآن في إطلاقها على العقيدة، وهي إطلاقات مبتدعة: علم الكلام، الفلسفة، التصوف، الإلهيات، علم الحقيقة، ما وراء الغيب، الميتافيزيقا.
стр. 39
الفكر والتصور الإسلامي في العقيدة والموقف منهما
أما تسمية العقيدة فكراً وتصوراً فلا ينبغي، بل هما أيضاً من الأسماء المحدثة، فلا يجوز تسمية العقيدة فكراً إسلامياً، ولا تصوراً إسلامياً، إنما الفكر هو ما يفهمه المفكرون من مستلزمات العقيدة أو مستلزمات النصوص، بمعنى أنه يجوز أن نسمي ما يفهمه المفكر من العقيدة من مستلزمات جانبية أخرى فكراً، فعلى هذا لا تكون عقيدة، ولا تنسب إلى أئمة الدين، بل تنسب إلى صاحبها، مع أن هذا فيه نوع من الخطورة، فانتزاع مستلزمات معينة من قبل بعض المفكرين مما يفهمونه من أصول الدين، أو مما يفهمونه من نصوص، وتسميتها بفكر إسلامي -بمعنى أنها تكون مرجعاً ويبنى عليها فهم وتصور، أو يبنى عليها مناهج تربوية للشباب- أظنه مسلكاً خطيراً، وهو نزعة تشبه نزعة علم الكلام في بداية أمرها في القرن الأول، فقد كانت بهذا الشكل، عبارة عن استنتاجات المفكرين فيما يتعلق بالعقيدة، ثم اختلطت بأقوال أهل البدع، واجتمعت هذه الأمور كلها وتواصلت حتى أوجدت علماً يسمى بعلم الكلام يضاهي علم العقيدة، بل طغى عليه عند المبتدعة وأهل الفرق حتى نسوا العقيدة وتعلقوا بعلم الكلام على أنه هو مراد الله وهو ما يعتقد؛ فلذلك نجد في كتب علم الكلام التي يعتقدها المتكلمون كل شيء إلا العقيدة التي رسمها السلف بألفاظ الشرع، وإذا تكلموا عن شيء من أمور العقيدة تكلموا عليه بأسلوب ملفق، ويسمون هذا: التوفيق بين الشريعة ومناهج الكلام، أو بين الشرعيات والعقليات، وهذا المسلك الجديد هو تعلق بالفكر الإسلامي يشبه تعلق بعض الأولين من أتباع الفرق بالفكر الإسلامي القديم.
ولذلك ينبغي أن تحرر هذه المسألة، وتبين بشكل جيد لطلاب العلم، حتى يعلم ما الذي يؤخذ من الفكر الإسلامي الحديث وما الذي يستغنى عنه؟ فلا بد من وضع ضوابط، أما أن نأخذ كل ما كتب وكل ما قيل فهذا خطأ، فأكثر ما قيل من الفكر الإسلامي يشتمل على حق، ويشتمل على فوائد تفيد هذا الجيل، لكن نخشى أن يكون بديلاً عن العقيدة، بل إني أرى أجيالاً نشأت في بعض البلاد الإسلامية على بعض الكتب الفكرية على أنها هي منبع التصور والاعتقاد، ونشأت على هذا دعوات كبرى تعلقت بمثل فكر سيد قطب ﵀ وفكر محمد قطب وأفكار آخرين على أنها هي التي يعتمد عليها في التصور الإسلامي، واستغنوا بها عن كتب العقيدة، وهذه الكتب جيدة ومفيدة جداً، لكن بشرط أن نستقي العقائد أولاً من كتب العقيدة، ثم نستفيد من هذه المستلزمات الفكرية الجيدة المفيدة التي قال بها أمثال سيد قطب وغيره ﵏، ووفق الأحياء منهم.
أقول هذه المسألة ولا أعطي فيها رأياً، لكن أثير هذا الإشكال لضرورة الإجابة عليه، فمسألة الفكر الإسلامي والتعلق به تحتاج إلى نظر، والاستغناء بالفكر الإسلامي عن العقيدة، أو تربية الأجيال عليه في التصور والأحكام مسألة خطيرة، وأنا أكاد أجزم بأن بعض الحركات التي مالت إلى التنطع في الدين -كالتكفير والهجرة- كان منشأ ميلها هو تعلقها بفكر بعض المفكرين، ففهمته خطأ بمعزل عن أصول السلف وعقيدة السلف، فلما قرءوا عقائد السلف جعلوا الفكر الإسلامي الحديث هو الميزان، فبذلك انحرفوا، نسأل الله العافية.
إذاً: المسألة تحتاج إلى شيء من التحقيق، وتحتاج إلى شيء من الدراسة.
فالفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية إذا كان يقصد بهما أنهما بديلان عن العقيدة، أو يقصد الاعتماد عليهما في إعطاء التصور الإسلامي الأصيل فهذا خطأ ينبغي تصحيحه، وإذا كانا رافدين للعقيدة فلا مانع بشرط سلامتهما، بمعنى أن تكون هناك مادة عقيدة يدرسها الطالب، ويفهم أن هذا الفكر وهذا الاتجاه أو هذه الثقافة إنما هي رافدة وتعطي التصور الصحيح لما يتعلق بواقع المسلمين المعاصر أو الرد على الشبهات والتحديات المعاصرة، فهذا الجانب جيد ومفيد، لكن بشرط ألا يستغنى به عن العقيدة، وأن لا يكون هو منهج التربية الذي تبنى عليه تصورات الأجيال، وأنا أخشى من هذا الخلل، أي: أن يظهر جيل لا يعرف من العقيدة إلا كتب الفكر الإسلامي، أو لا يفهم من أصول الدين والأمور التي تنبثق منها تصوراته إلا هذا الجانب، أقول: هذا أمر يحتاج إلى تحرير، وفيه نوع من الخطورة جدير بالاهتمام.
стр. 40
شرح العقيدة الطحاوية [٤]
عامة من ضل في باب علم العقيدة كان سبب ضلالهم هو في تفريطهم في اتباع ما جاء به الرسول ﷺ ، ويقع هذا التفريط من الإنسان إما بالجهل، خاصة عند القادرين على التعلم، أو بالإعراض المتعمد، والذي يشمل إعراض القلوب وإعراض الأعمال، أو بالابتداع الذي لا ينتج إلا عن تفريط بالسنة، أو بالأهواء التي تمنع المرء من التسليم لله ورسوله.
следующие страницы →