← Акыда

Акыда · id 37433

شرح العقيدة الطحاوية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أسماء ومصطلحات علم العقيدة

стр. 37

الأسماء الشرعية الواردة في علم العقيدة نحتاج هنا إلى بيان بعض المقدمات الضرورية في أول الكلام عن العقيدة، فأول ذلك مناسبة إشارة الشارح إلى علم أصول الدين والفقه الأكبر، فهذا يقودنا إلى معرفة أسماء علم العقيدة، أعني الأسماء الشرعية التي وردت عن السلف في وصف هذا العلم أو في تسميته، ثم الأسماء المبتدعة التي سادت عند كثير من المسلمين وهي لا تصح، بل لا يصح إطلاقها على هذا العلم، بل إن إطلاقها يعتبر من الابتداع. أما الأسماء الشرعية الواردة على ألسنة السلف والتي اصطلحوا عليها، وهي أسماء تدل بمفهومها ومدلولها وألفاظها على عقيدة أهل السنة والجماعة؛ فهي كثيرة، لكن يمكن بالاستقراء أن نلخصها في سبعة أسماء لهذا العلم: أول هذه الأسماء وأهمها وأكثرها أصالة وأقربها إلى مفهومات النصوص وأكثرها استعمالاً على ألسنة السلف، وفي مصنفاتهم في القرون الثلاثة الفاضلة: كلمة (السنة)، بمعنى أنهم كانوا يطلقون على العقيدة: السنة، وعلى هذا غالب مصنفات أئمة الدين في القرون الثلاثة الفاضلة، بل لا نكاد نجد مصنفاً يخرج عن هذا الاسم إلا القليل النادر جداً، فأغلب ما صنفه أئمة الدين في العقيدة جعل تحت مسمى (السنة)، والسنة تعني العقيدة، وتعني الإيمان بمفهومه الشامل، وتعني أصول الدين، وتعني -أيضاً- هدي السلف الصالح، فالهدي الذي عليه أهل السنة والجماعة بعد الافتراق يسمى السنة؛ لذلك كان يطلق بإزاء البدعة وبإزاء الفرق، فيقال: هذا صاحب سنة، بمعنى أنه على عقيدة أهل السنة والجماعة ومقابل صاحب أهل البدعة، وإن كان هذا الاسم قد يطلق أحياناً في تسمية جزئية يدل عليها السياق، فقد تسمى رواية الحديث والدراية له، وأحاديث النبي ﷺ سنة، وقد تسمى النوافل سنة، لكن هذه تسمية جزئية مقيدة بالسياق، أما السنة إذا أطلقت عند السلف فإنها تعني العقيدة، فهذا الاسم الأول والأشهر، وهو الأولى بالإطلاق. والثاني: التوحيد، والتوحيد جزء من العقيدة، لكن سميت به العقيدة لأنه هو أشرف موضوعات العقيدة، وأهم موضوعات العقيدة هو توحيد الله ، فمن هنا سميت العقيدة كلها توحيداً؛ لأن مسائل الاعتقاد كلها تندرج تحت التوحيد المبني على التسليم والتصديق. الاسم الثالث: العقيدة، وسميت عقيدة لأن المسلم يعقد قلبه بالجزم على أصول الدين، وعلى السنة، وعلى التوحيد. الاسم الرابع: أصول الدين، وهذا الاسم قد كرهه بعض السلف، لكنه أصبح اصطلاحاً واضحاً، وربما يزول الإشكال إذا وضح مفهومه عند من يطلقونه، فأصول الدين يقصد بها العقيدة والقطعيات والمسائل الكبرى التي تحكم قواعد شرع، والذين كرهوا هذا الاسم أو هذا الوصف من السلف كرهوه لأنه يقسم الدين إلى أصول وفروع، فمن هنا قد يفهم العامة أن الفروع أقل منزلة من الأصول في الاعتقاد والعمل، وأنه ربما يسع الإنسان إذا عرف الأصول واعتقدها الإخلال بالفروع أو ببعضها، وهذا فهم خاطئ؛ فلذلك يرى بعض السلف أن الدين واحد أصوله وفروعه سواء، ولا يجوز أن يقسم إلى أصول وفروع، لكن مع ذلك ساد هذا الاصطلاح عند بعض أئمة الدين المحققين، ورضوه لأنهم يقصدون به العقيدة. ومن الأسماء التي اشتهرت: الفقه الأكبر، لكن استعماله في أصول الدين أو في العقيدة قليل جداً، وهو -أيضاً- مثل كلمة (أصول الدين)، بمعنى أن الفقه بما يتعلق بالله وبعبادة الله، وبما يتعلق بمسائل أصول الدين الأخرى القطعية هو الفقه الحقيقي في الدين، فمن هنا سمي الفقه الأكبر، ولا يعنى به الفقه الاجتهادي، أي: فقه الأحكام، ففقه الأحكام يسمى بإزاء هذا الفقه الأصغر، وهذه التسمية يرد عليها تفصيلاً ما يرد على تسمية أصول الدين. ومن الأسماء المشهورة -وهو السادس-: الإيمان، فقد يسمي بعض السلف العقيدة بمسمى الإيمان، وإن كان الإيمان قد يطلق إطلاقاً خاص، لكنه إذا جاء مطلقاً من غير مفهوم يخصصه في السياق فالغالب أنه يقصد به العقيدة؛ لأنه إذا أطلق يشمل الإسلام ويشمل العقائد الباطنة، يشمل الأعمال الظاهرة ويشمل العقائد الباطنة، فالأصح أن من أسماء العقيدة وإطلاقاتها: الإيمان بمعناه الشامل. ومن أسماء هذا العلم وإطلاقاته: الشريعة، وهذا إطلاق نادر أيضاً، لكن رضيه أهل العلم، وإن كانت الشريعة في الاصطلاح الدقيق السائد المشهور تعني الأحكام، والعقيدة تعني أصول الدين، ومع ذلك قد يرد في بعض معاني العقيدة إطلاق الشريعة؛ لأن العقائد والأحكام من شرع الله، فهذه أشهر الإطلاقات التي عرفت عند السلف.

стр. 38

الأسماء البدعية الواردة في علم العقيدة هناك إطلاقات خاطئة بدعية لا ينبغي لطلاب العلم وأهل السنة أن يطلقوها أو أن ينساقوا مع من يطلقها فيصف بها أصول الدين، فمن هذه الإطلاقات: علم الكلام، فقد سمى كثير من المتكلمين وبعض الفرق العقيدة بعلم الكلام، ولا تزال في كثير من الجامعات في العالم الإسلامي والمراكز العلمية دراسة العقيدة تحت مسمى علم الكلام، وهذا خطأ؛ لأن علم الكلام هو فضول الكلام الذي قال به المبتدعة زائداً عن كلام السلف، وكلام السلف ليس بعلم كلام، وعقيدة السلف ليست علم كلام بإطلاق، بل لا يجوز أن نطلق على أي شيء من مسائل الاعتقاد أنه من علم الكلام. فعلم الكلام هو فضول الكلام الذي أطلقته الفرق في مسائل العقيدة وتلفظت به وتكلمت به، ولا يقول به السلف، وليس بتوقيفي. ومن الأسماء السائدة المبتدعة: الفلسفة، إطلاق الفلسفة على العقيدة، وهذا خطأ فادح؛ لأن الفلسفة حكمها حكم علم الكلام، بل هي أبعد عن الإسلام. ومن ذلك: التصوف، فبعض الناس -خاصة أهل التصوف والطرق- يسمون العقيدة أحياناً بالتصوف، وهذا الإطلاق كثير عند الغربيين، فالغربيون بحسب مفهومهم يطلقون على عقائد الإسلام: التصوف. ومن ذلك: الإلهيات، فإطلاق كلمة (إلهيات) على العقيدة الإسلامية الصحيحة خطأ؛ لأن الإلهيات هي الجانب الفلسفي الغيبي المتعلق بالإله عند الغربيين، وهذا اللفظ حكمه حكم الفلسفة وعلم الكلام؛ لأنهم يقصدون بالإلهيات كل كلام في غير عالم الشهادة يتعلق بالله ، سواء في وجوده أو في وحدانيته، أو في أسمائه وصفاته، وأولئك لا يعرفون أي معنى من معاني الإثبات الشرعي فيما يتعلق بالأسماء والصفات، فلذلك يتكلمون فيها بالغيب وبالفلسفة، ويسمون هذا كله بالإلهيات، ومن هنا صنفوا موضوعات العقيدة وكتب العقيدة الإسلامية تحت مسمى (الإلهيات). ومن الأسماء التي اشتهرت عند الصوفية أنهم يطلقون على العقيدة (علم الحقيقة)، وعلم الحقيقة عندهم قد يكون أوسع من هذا أيضاً، فهو الأمور الباطنية التي يتذوقونها من أمورهم الباطلة التي تخالف ما جاء في الكتاب والسنة، وهو الذي يسمونه علم الظاهر، أو علم الشريعة، أو علم العوام. ومن الأسماء التي تعلق بها بعض المثقفين -وهي مستوردة- تسمية العقيدة بـ (ما وراء الغيب)، فـ (ما وراء الغيب) كثيراً ما تطلق عند كثير من المفكرين وبعض الكتاب المثقفين، حتى بعض الإسلاميين منهم، بل بعضهم ينقلها بحروفها أو بلفظها الأجنبي دون أن يعيها هو ولا القراء، مثل كلمة (الميتافيزيقا)، فهذه أيضاً من أكثر ما يطلقونه، ولو أردنا أن يفسروها لما فسروها، ككثير من الكلمات التي يحاكون بها الغرب. فهذه من أشهر الإطلاقات التي ابتلي بها الناس الآن في إطلاقها على العقيدة، وهي إطلاقات مبتدعة: علم الكلام، الفلسفة، التصوف، الإلهيات، علم الحقيقة، ما وراء الغيب، الميتافيزيقا.

стр. 39

الفكر والتصور الإسلامي في العقيدة والموقف منهما أما تسمية العقيدة فكراً وتصوراً فلا ينبغي، بل هما أيضاً من الأسماء المحدثة، فلا يجوز تسمية العقيدة فكراً إسلامياً، ولا تصوراً إسلامياً، إنما الفكر هو ما يفهمه المفكرون من مستلزمات العقيدة أو مستلزمات النصوص، بمعنى أنه يجوز أن نسمي ما يفهمه المفكر من العقيدة من مستلزمات جانبية أخرى فكراً، فعلى هذا لا تكون عقيدة، ولا تنسب إلى أئمة الدين، بل تنسب إلى صاحبها، مع أن هذا فيه نوع من الخطورة، فانتزاع مستلزمات معينة من قبل بعض المفكرين مما يفهمونه من أصول الدين، أو مما يفهمونه من نصوص، وتسميتها بفكر إسلامي -بمعنى أنها تكون مرجعاً ويبنى عليها فهم وتصور، أو يبنى عليها مناهج تربوية للشباب- أظنه مسلكاً خطيراً، وهو نزعة تشبه نزعة علم الكلام في بداية أمرها في القرن الأول، فقد كانت بهذا الشكل، عبارة عن استنتاجات المفكرين فيما يتعلق بالعقيدة، ثم اختلطت بأقوال أهل البدع، واجتمعت هذه الأمور كلها وتواصلت حتى أوجدت علماً يسمى بعلم الكلام يضاهي علم العقيدة، بل طغى عليه عند المبتدعة وأهل الفرق حتى نسوا العقيدة وتعلقوا بعلم الكلام على أنه هو مراد الله وهو ما يعتقد؛ فلذلك نجد في كتب علم الكلام التي يعتقدها المتكلمون كل شيء إلا العقيدة التي رسمها السلف بألفاظ الشرع، وإذا تكلموا عن شيء من أمور العقيدة تكلموا عليه بأسلوب ملفق، ويسمون هذا: التوفيق بين الشريعة ومناهج الكلام، أو بين الشرعيات والعقليات، وهذا المسلك الجديد هو تعلق بالفكر الإسلامي يشبه تعلق بعض الأولين من أتباع الفرق بالفكر الإسلامي القديم. ولذلك ينبغي أن تحرر هذه المسألة، وتبين بشكل جيد لطلاب العلم، حتى يعلم ما الذي يؤخذ من الفكر الإسلامي الحديث وما الذي يستغنى عنه؟ فلا بد من وضع ضوابط، أما أن نأخذ كل ما كتب وكل ما قيل فهذا خطأ، فأكثر ما قيل من الفكر الإسلامي يشتمل على حق، ويشتمل على فوائد تفيد هذا الجيل، لكن نخشى أن يكون بديلاً عن العقيدة، بل إني أرى أجيالاً نشأت في بعض البلاد الإسلامية على بعض الكتب الفكرية على أنها هي منبع التصور والاعتقاد، ونشأت على هذا دعوات كبرى تعلقت بمثل فكر سيد قطب ﵀ وفكر محمد قطب وأفكار آخرين على أنها هي التي يعتمد عليها في التصور الإسلامي، واستغنوا بها عن كتب العقيدة، وهذه الكتب جيدة ومفيدة جداً، لكن بشرط أن نستقي العقائد أولاً من كتب العقيدة، ثم نستفيد من هذه المستلزمات الفكرية الجيدة المفيدة التي قال بها أمثال سيد قطب وغيره ﵏، ووفق الأحياء منهم. أقول هذه المسألة ولا أعطي فيها رأياً، لكن أثير هذا الإشكال لضرورة الإجابة عليه، فمسألة الفكر الإسلامي والتعلق به تحتاج إلى نظر، والاستغناء بالفكر الإسلامي عن العقيدة، أو تربية الأجيال عليه في التصور والأحكام مسألة خطيرة، وأنا أكاد أجزم بأن بعض الحركات التي مالت إلى التنطع في الدين -كالتكفير والهجرة- كان منشأ ميلها هو تعلقها بفكر بعض المفكرين، ففهمته خطأ بمعزل عن أصول السلف وعقيدة السلف، فلما قرءوا عقائد السلف جعلوا الفكر الإسلامي الحديث هو الميزان، فبذلك انحرفوا، نسأل الله العافية. إذاً: المسألة تحتاج إلى شيء من التحقيق، وتحتاج إلى شيء من الدراسة. فالفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية إذا كان يقصد بهما أنهما بديلان عن العقيدة، أو يقصد الاعتماد عليهما في إعطاء التصور الإسلامي الأصيل فهذا خطأ ينبغي تصحيحه، وإذا كانا رافدين للعقيدة فلا مانع بشرط سلامتهما، بمعنى أن تكون هناك مادة عقيدة يدرسها الطالب، ويفهم أن هذا الفكر وهذا الاتجاه أو هذه الثقافة إنما هي رافدة وتعطي التصور الصحيح لما يتعلق بواقع المسلمين المعاصر أو الرد على الشبهات والتحديات المعاصرة، فهذا الجانب جيد ومفيد، لكن بشرط ألا يستغنى به عن العقيدة، وأن لا يكون هو منهج التربية الذي تبنى عليه تصورات الأجيال، وأنا أخشى من هذا الخلل، أي: أن يظهر جيل لا يعرف من العقيدة إلا كتب الفكر الإسلامي، أو لا يفهم من أصول الدين والأمور التي تنبثق منها تصوراته إلا هذا الجانب، أقول: هذا أمر يحتاج إلى تحرير، وفيه نوع من الخطورة جدير بالاهتمام.

стр. 40

شرح العقيدة الطحاوية [٤] عامة من ضل في باب علم العقيدة كان سبب ضلالهم هو في تفريطهم في اتباع ما جاء به الرسول ﷺ ، ويقع هذا التفريط من الإنسان إما بالجهل، خاصة عند القادرين على التعلم، أو بالإعراض المتعمد، والذي يشمل إعراض القلوب وإعراض الأعمال، أو بالابتداع الذي لا ينتج إلا عن تفريط بالسنة، أو بالأهواء التي تمنع المرء من التسليم لله ورسوله.

стр. 41

بيان استحالة استقلال العقول بمعرفة أصول الدين على التفصيل قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن المحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل، فاقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرفين وإليه داعين، ولمن أجابهم مبشرين، ولمن خالفهم منذرين، وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله؛ إذ على هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها]. تكلم الشارح عن استحالة استقلال العقول بمعرفة أصول الدين على التفصيل، فالعقول لا تستقل بمعرفة العقيدة ولا بإدراكها على وجه التفصيل، وكأنه بذلك يشير إلى أن من أصول العقيدة ما تدركه العقول على وجه الإجمال، وهذا صحيح في الجملة، ومع ذلك لا تستغني العقول عمَّا يرد من الهداية ومن البيان ومن الأخبار في أمور الغيب عن الله كما بعث بذلك رسله؛ لأن العقول وإن أدركت بعض الإجماليات إلا أن هذا الإدراك لا ينفع، بمعنى أن تكليف البشر وحسابهم مبني على ما جاء به المرسلون في توحيد الله تعالى، وفي شرعه وأمره وخبره ووعده ووعيده. وإدراك العقول للأمور الإجمالية هو إدراك فطري يدركه الإنسان بفطرته وعقله السليم، لكن مع ذلك لا يمكن أن يدركه كل البشر، بمعنى أنه لو ترك البشر بلا رسالات ولا أنبياء لأدركت طائفة قليلة منهم قضايا إجمالية عامة من أمور الدين، وهذه القضايا الإجمالية لا ينتفع بها البشر، مثلاً: الفطرة والعقل السليم لا بد لهما من أن يدركا ضرورة وجود الخالق لهذا الخلق، ومع ذلك قد تعمى عقول كثير من البشر عن هذا الإدراك، والعقل السليم والفطرة قد يدركان ضرورة البعث، لكن أكثر البشر لا يدركون هذا؛ لأن هذا أمر خفي لا يدرك إلا بتأمل قوي وبعقول راجحة كبيرة وبذكاء، وهكذا، فالأمور الإجمالية التي تدرك بالعقول والفطرة لا تفيد البشر؛ لأن البشر يحتاجون إلى أمور تفصيلية، سواء ما يتعلق بتوحيد الله وبأسمائه وصفاته وحقوقه، وما يتعلق بتفصيلات الشرع، فمن المحال أن تستقل العقول بمعرفة حقوق الله تعالى وشرعه وما يرضيه على وجه التفصيل.

стр. 42

أصول بعثة الرسل قوله: (وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله). هذا -في الحقيقة- جزء من عمل المرسلين، وليس هو أول دعوتهم، وليس هو المفتاح وإن كان جزءاً من مفتاح الدعوة؛ لأنا إذا تأملنا آيات الله -كما قال أئمة السلف الذين قرروا التوحيد- وتأملنا الأحاديث وتأملنا سير المرسلين وما جاء به الرسل مما ذكره الله عنهم فسنجد أن أول ما يدعون إليه هو عبادة الله، وهي مفتاح الرسالات، ويتبع ذلك بالضرورة توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، لكن لم يكن أول ما جاءوا به هو التعريف بالله فقط؛ لأن معرفة الله يدركها أكثر الأمم حتى الأمم الكافرة والمشركة والأمم الضالة، والله أرسل المرسلين إلى أمم تعرف الله ولا تنكره، إلا أمماً شذت كفرعون وقومه فقط، فهم الذين ورد في القرآن أنهم جحدوا الله ، وهؤلاء يستثنون، أما بقية الأمم فلم يرد دليل قاطع ولا دليل ظني على أنها كانت لا تعرف الله، إنما كانت تعرف الله وتعبد غيره، فالتعريف بالله دخل ضمن الدعوة إلى توحيده، وإلا فالهدف والغاية الأولى ومفتاح الدعوة للمرسلين هي الدعوة إلى توحيد الله ونبذ الشرك. قال رحمه الله تعالى: [ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان: أحدهما: تعريف الطريق الموصل إليه، وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه. والثاني: تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه من النعيم المقيم]. عندنا ثلاثة أصول جاء بها المرسلون، وهذه الأصول تندرج فيها أمور الدين كلها، فالأصل الأول -كما أشار إليه ولم يذكره نصاً- هو عبادة الله تعالى، وهو الاعتقاد؛ لأن قمة الاعتقاد هي عبادة الله بتوحيد الإلهية، أما توحيد الربوبية والأسماء والصفات فإنه من مستلزمات العبادة لله تعالى بحق، فأول الأصول التي جاء بها المرسلون وأعظمها، والذي ينبغي أن يكون أصلاً لكل دعوة ولكل داعية: عبادة الله تعالى وحده ونبذ الشرك، وما يتبع ذلك من ضرورة معرفة الله تعالى بذاته وأسمائه وصفاته، وما يتبع ذلك من ضرورة الاعتراف بالربوبية لله وحده، ونتيجة ذلك وأوله وخاتمه هو عبادة الله وحده بما شرعه الله، هذا هو الأصل الأول. الأصل الثاني: الشرائع التي تبين للناس ما يريده الله منهم على وجه التفصيل، فكل الأنبياء أتوا بشرائع، سواء منهم من أنزل عليه كتاب وشريعة مستقلة ومن كان تابعاً لشرع من سبقه كالكثير من النبيين، فالرسل أتوا بشرائع وكتب منزلة، والنبيون إنما جددوا شرائع من سبقهم من المرسلين وعملوا بها، وربما يكون بعض الأنبياء قد أنزلت عليهم شرائع، والله أعلم، وهذه مسألة خلافية كما هو معروف، والمهم أن الأصل الثاني الذي جاء به جميع المرسلين هو الشرائع الهادية للناس لأن يعبدوا الله على شرعه، وأن يطيعوا أمره ويجتنبوا نهيه، والأوامر والنواهي التي جاءت عن الله تعالى في الشرائع تفصيلية وليست إجمالية. الأصل الثالث: البشارة والنذارة، فكل النبيين جاءوا بهذا الأصل، كل نبي بشر قومه المطيعين بوعد الله تعالى لهم بالنصر والتمكين في الدنيا وبالجنة في الآخرة، وكل نبي توعد قومه الذين كفروا بما توعدهم الله به في الدنيا وبما توعدهم الله به في الآخرة. إذاً: فجميع الأنبياء جاءوا بهذه الأصول الثلاثة: بالتوحيد أولاً، وبالشرائع ثانياً، وبالوعد والوعيد ثالثاً. قال رحمه الله تعالى: [فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصل إليه وأعرفهم بحال السالكين عند القدوم عليه؛ ولهذا سمى الله ما أنزله على رسوله روحاً لتوقف الحياة الحقيقية عليه، ونوراً لتوقف الهداية عليه، فقال تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر:١٥]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣]. فلا روح إلا فيما جاء به الرسول، ولا نور إلا في الاستضاءة به، وهو الشفاء كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت:٤٤] فهو -وإن كان هدى وشفاءً مطلقاً- لكن لما كان المنتفع بذلك هم المؤمنون خصوا بالذكر، والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق فلا هدى إلا فيما جاء به].

стр. 43

بيان ما يجب الإيمان به مما جاء به الرسول وعلى أي وجه قال رحمه الله تعالى: [ولا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيماناً عاماً مجملاً، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية؛ فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله، وداخل في تدبر القرآن وعقله وفهمه، وعلم الكتاب والحكمة، وحفظ الذكر، والدعاء إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين، فهو واجب على الكفاية منهم]. يقول المحقق في الهامش مقتبساً من كلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: [للإنسان ثلاثة أحوال: إما أن يعرف الحق ويعمل به، وإما أن يعرفه ولا يعمل به، وإما أن يجحده. فصاحب الحال الأول هو الذي يدعى بالحكمة، فإن الحكمة هي العلم بالحق والعمل به. والنوع الثاني: من يعرف الحق لكن يخالف نفسه، فهذا يوعظ بالموعظة الحسنة، وعامة الناس يحتاجون إلى هذا وهذا؛ فإن النفس لها أهواء تدعوها إلى خلاف الحق وإن عرفته، وأما الجدل فلا يدعى به، بل هو من باب دفع المعارض، فإذا عارض الحق معارض جودل بالتي هي أحسن، وقال تعالى: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] ولم يقل: بالحسنة كما قال في الموعظة؛ لأن الجدال فيه مدافعة ومغاضبة، فيحتاج أن يكون بالتي هي أحسن حتى يصلح ما فيه من المخالفة والمدافعة، والمجادلة بعلم كما أن الحكمة بعلم، وقد ذم الله تعالى من يجادل بغير علم في غير موضع من كتابه]. قال رحمه الله تعالى: [وأما ما يجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم وحاجاتهم ومعرفتهم، وما أمر به أعيانهم، ولا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه ما يجب على القادر على ذلك، ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل ما لا يجب على من لم يسمعها، ويجب على المفتي والمحدث والحاكم ما لا يجب على من ليس كذلك].

стр. 44

ضوابط في الفرق بين الإيمان الإجمالي والإيمان التفصيلي قد يرد تساؤل: ما الفارق بين الإيمان الإجمالي والإيمان التفصيلي؟ وقد ذكر ابن أبي العز شيئاً من الفروق جيداً، وكذلك المحقق، لكن يحسن أن نذكر ضوابط كبرى للفارق بين الإيمان الإجمالي ومتى يجب وعلى من يجب، وبين الإيمان التفصيلي ومتى يجب وعلى من يجب؟ الضابط الأول في التفريق بين الإجمال والتفصيل: أن هناك من إجماليات الدين ما لا يعذر فيه أحد، كأركان الإيمان، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره. فهذه الأصول بإجمال دون دخول في تفصيلاتها لا يعذر أحد في جهلها، وكل يستطيع الإدراك لها ما دام عاقلاً مميزاً، فلا بد من أن يدرك هذه الأمور على وجه الإجمال. وفي الجوانب العملية هناك من الدين ما لا يسع جهله، كأركان الإسلام الخمسة، نعم بعضها مبني على الاستطاعة كالحج، لكن إدراكها والإيمان بأنها واجبة، وكذلك القيام بها حال الاستطاعة أمر لا يعذر فيه أحد. فهذا القدر من الإيمان الإجمالي لا يمكن أن يتخلف عند عاقل إدراكه والعمل بما يستطيع منه. الضابط الثاني: أن هناك ما تستطيع طائفة من المسلمين العلم به ويبلغهم علمه. فكل من استطاع أن يأخذ علماً من العلوم الشرعية الضرورية وجب عليه أن يحصله، وعلى هذا فإن طلب العلم على وجه الإجمال واجب، يعني: يجب على المسلم أن يتعلم ضروريات دينه حتى ما يزيد على الإجماليات التي ذكرتها؛ لأن هناك أموراً تفصيلية يجب على من يستطيع تحصيلها علماً أن يحصلها. إذاً: القاعدة الثانية: أنه يجب تحصيل العلم الشرعي على من يستطيعه بقدر استطاعته. فالعلم علمان: علم يتعلق بالتبحر في العلم لأجل استنباط الأحكام وتعليم العلم للمسلمين ونشره والدعوة إليه، فهذا ينبغي أن تنبري له طائفة من المسلمين، ولا يجب على الجميع، فمن قامت به الكفاية كفى عن البقية. وعلم يجب تحصيله على الجميع، وهو تحصيل الأمور الضرورية في العقيدة والأمور الضرورية في الشريعة. الضابط الثالث: الإدراك بقدر الاستطاعة، بمعنى أنه لا يجب على كل إنسان أن يفهم أو أن يستوعب كل ما بلغه، إنما استيعابه بقدر إدراكه، فبعض الناس قد يبلغه الدليل من الآية أو الحديث لكن لا يدرك فقهه، فمن هنا لا ينبغي له أن يخبط فيه أو يتكلم بغير علم، فالإدراك العلمي والتبحر فيه لا يمكن إلا لطائفة من البشر وهبهم الله مواهب زائدة، وهم أهل الذكر، وهم الذين يستطيعون الاستنباط، أهل الفقه في الدين الذين يملكون إدراك معاني النصوص واستنباط ما يفهم منها على ضوء قواعد الاستنباط الشرعي، وكل درجة لها طائفة من الناس، فالإيمان الإجمالي الذي ذكرته لا يعذر فيه أحد، والعلم بما يمكن تحصيله من ضرورات الدين لا يعذر فيه من يستطيع التحصيل. أما العلم التفصيلي؛ فهو الذي قد يعذر فيه بعض الناس إذا حصلت الكفاية بالآخرين، وهو التبحر في العلم بالدين.

стр. 45

خطر التفريط في اتباع ما جاء به الرسول وبيان ما يدخل تحته قال رحمه الله تعالى: [وينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول وترك النظر والاستدلال الموصل إلى معرفته، فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا كما قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٦]].

стр. 46

الجهل مسألة التفريط مسألة جامعة لأسباب ترك ما جاء به النبي ﷺ ، وهذه الكلمة الجامعة يدخل تحتها في نظري أمور، أعني: التفريط في اتباع ما جاء به النبي ﷺ ، فهذه يدخل فيها أمور يمكن أن نعرفها باستقراء ما حدث للفرق من تفريط في الدين جملة، فمن هذه الأمور: الجهل، فالجهل هو تفريط، بل هو أول وأكثر وأعظم أبواب التفريط في الدين. والجهل منشؤه تقصير الإنسان في طلب العلم؛ لأن الجهل جهلان: جهل القادر على التعلم، وهذا عليه أغلب الجاهلين، يعني: كل إنسان -مهما كان عنده من ضعف القدرة- لا بد له من أن يستطيع أن يعرف شيئاً من الفقه في الدين تسلم به عقيدته وتستقيم به أموره ويكون على السنة، فغالب الناس عندهم القدرة على أن يحصلوا شيئاً من الفقه في الدين ولو لم يكونوا من أهل العلم المتمكنين أو من أهل الذكر. إذاً: الجهل هو العلة الأولى للتفريط، وهو أعظم أبواب التفريط في دين الله ، وأول ما أتي منه المسلمون وآخر ما أتوا منه باب الجهل، والجهل مصيبة.

стр. 47

الإعراض المتعمد الثاني: الإعراض المتعمد، وهو سمة من سمات الفرق، وهو من أعظم أبواب التفريط بعد الجهل، بمعنى أن كثيراً من المسلمين الذين فرطوا في الدين كان سبب تفريطهم هو الإعراض عن دين الله، الإعراض الكائن عن هوى، وهذا الإعراض يشمل إعراض القلوب وإعراض الأعمال. أما إعراض القلوب فهو النفاق، نسأل الله العافية، وأما إعراض الأعمال فهو الفسق والفجور، فكثير من الناس يكره مظاهر الدين ويكره السنة؛ لأنه يحب الفجور والفسق، فيعرض عن دين الله إعراضاً مقصوداً متعمداً. والإعراض أيضاً كثير، سواء في الفرق وأهل الأهواء والابتداع أو في أهل الفسق والفجور، خاصة أولئك الذين يؤثر فسقهم في الأمة، فهؤلاء الغالب فيهم النزعة إلى الإعراض المتعمد عن دين الله، كما يحصل من بعض الولاة على مدار التاريخ؛ لأن هؤلاء فسقهم يؤثر في الغالب في الأمة، وقد يشرعون له، وقد يبثون فسقهم بوسائلهم التي يملكونها، وهؤلاء قد تكون منهم طائفة إعراضها عن دين الله تعالى -أي: عن العمل بالسنن- وإعراضها عن الهدى إعراض مقصود، بل الإعراض كله مقصود، ولا يسمى إعراضاً إلا إذا كان مقصوداً.

стр. 48

الابتداع الثالث من وجوه التفريط: الابتداع؛ لأن الابتداع لا يحدث إلا بتفريط في سنة، وهذه قاعدة قررها أهل العلم، بل هي مبنية على أحاديث صحيحة؛ لأن الناس لا يعملون بدعة إلا ويتركون سنة، ولا يتركون سنة إلا ويعملون بدعة، وهذه قاعدة مطردة؛ لأن الله جعل الشرع يناسب أحوال البشر، يناسب قلوبهم ويناسب جوارحهم ويناسب أوقاتهم ويناسب حياتهم كلها، بمعنى أن الشرع فصل لحياة البشر جميعاً بمختلف أشكالها وأنماطها، فإذا ترك الناس سنة احتاجوا إلى بدعة، وإذا ابتدعوا بدعة استغنوا عن سنة، وهذه قاعدة مطردة ولا بد؛ لأن هذه البدعة إما أن تشغل قلب الإنسان أو تشغل جوارحه أو تشغل القلب والجوارح، والله وضع من الهدى ما يشغل القلب بالخير ويسعده، ووضع من الهدى ما يشغل الجوارح بالخير ويسعدها، فإذا ابتدع الناس بدعة نزعت منهم سنة؛ لأن هدي الإسلام كالنسيج المحكم تماماً إذا رفعت منه خيطاً اختل بعض النسيج، وإذا أضفت له خيطاً زائداً اختل النسيج، فكذا البدع تفعل بالسنة وتفعل بالناس، فالناس إذا ابتدعوا بدعة فلا بد من أن تنتزع منهم سنة من وجه آخر، سواء أكانت البدعة قلبية أم كانت عملية، وكذلك إذا تركوا سنة فلا بد من أن ينشغلوا ببدعة بمجموعهم وليس بأفرادهم، فقد لا ينطبق ذلك على بعض الأفراد، أما المجموع فلا بد من أن يكون هذا هو حالهم.

стр. 49

الأهواء وعدم التسليم لله تعالى ولرسوله ﷺ الرابع من وجوه التفريط: الأهواء. ومن وجوهه أيضاً: عدم التسليم لله تعالى ولرسوله ﷺ ، وعدم التسليم أحياناً يكون نظرياً وأحياناً يكون عملياً وأحياناً يجمع بين الأمرين، بمعنى أن عدم التسليم أحياناً يكون في القلب، فيفرط الإنسان فيما جاء عن الله؛ لأنه لم يسلم بذلك اعتقاداً، فيفرط الإنسان ببعض السنة لعدم تسليمه بذلك، كما نجد من الناس من يشكك في بعض السنن الثابتة، فهذا يختل تسليمه ولو كانت سنناً يسيرة، كالسواك مثلاً، حيث يأتي الإنسان يجادل في أن السواك لم يثبت في السنة، أو يتعلل بأي تعليلات فينفي سنة السواك، فمن فعل هذا فقد اختل تسليمه للرسول ﷺ ؛ لأنه لم يصدق. فاختلال التسليم قد يكون في القلب بعدم التصديق، وقد يكون في العمل، وقد يشمل الأمرين وكذلك من آمن بسنة ولم يعمل بها وهو قادر عليها اختل تسليمه، مثل إنسان قال: أنا مقر للرسول ﷺ ومصدق له بأن الصلاة مفروضة. ولكنَّه لا يصلي ولا يؤدي الصلاة، فهل يصح تسليمه؟! هذا تسليمه نظري ولا ينفعه تسليمه هذا، فهذا مفرط؛ لأنه أخل بالتسليم، إذاً: الإخلال بالتسليم يشمل أمرين: يشمل الإخلال بالتلقي والاستدلال، ويشمل الإخلال بالعمل والاعتقاد، ومعنى الإخلال بالتلقي والاستدلال أن يتلقى الإنسان دينه من غير مصادره الشرعية، من غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما أجمع عليه السلف، يتلقى الدين بمشربه هو، فقد يكون -مثلاً- متصوفاً فيفرط في الدين بأن يتلقى الدين عن المنامات أو عن أقوال الرجال، أو عما يسمى بالكشف أو الذوق، فهذا فرط في دين الله. وقد يكون من خلل التلقي التعويل على العقل وعلى الأهواء، وهذا -مع الأسف- كثر في هذا الزمن بشكل مزعج، حيث نجد أناساً قد يكون بعضهم محسوباً من أهل الخير ومحسوباً من الدعاة والمثقفين والمفكرين، فإذا بدأ يتكلم في أمور الدين وأصوله وقضاياه بدأ يتكلم بنزعته هو، ولا يعول على النصوص ولا على أقوال السلف، بل ربما يتنكب لأقوال السلف، فهذا يعتبر مفرطاً في دين الله؛ لأنه اختل منهج التلقي عنده، حيث تلقى دينه من مزاجه.

стр. 50

النجاة في قراءة القرآن والعمل بما فيه قال رحمه الله تعالى: [قال ابن عباس ﵁: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. ثم قرأ هذه الآية، وكما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنها ستكون فتن. قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على مثل هذا المعنى. ولا يقبل الله من الأولين والآخرين ديناً يدينونه إلا أن يكون موافقاً لدينه الذي شرعه على ألسنة رسله ﵈].

стр. 51

بيان ما نزه الله تعالى عنه نفسه مما يصفه به العباد قال رحمه الله تعالى: [وقد نزه الله تعالى نفسه عما يصفه به العباد إلا ما وصفه به المرسلون بقوله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢]]. تجري على ألسنة الناس ألفاظ في أسماء الله وصفاته لم ترد في الكتاب والسنة، وقوله: [وقد نزه الله تعالى نفسه عما يصفه به العباد] يعني: من الأقوال التي لا تصح، أو التي هي عبارة عن مقولات إما متوهمة وإما فيها قدح في أسماء الله وصفاته تعالى الله عما يصفه به المبطلون ذوي الأوصاف الخبيثة، فهناك من العباد من وصف الله بأوصاف قبيحة، كالمشركين، فالمشركون وصفوا الله بأوصاف قبيحة، وكذلك اليهود وصفوا الله بالعيوب تعالى الله عما يزعمون، فقد وصفوه باللغوب، وهو التعب، ووصفوه بالعجز ووصفوه بالبخل، بل إنهم يجسمون الله تعالى الله عما يزعمون، فالله نزه نفسه عما يصفه به هؤلاء العباد، وهناك نوع آخر من الوصف قد لا يكون قدحاً مباشراً، لكنه كلام عن الله بغير علم، وهو أخطر على الأمة من الأول؛ لأن النوع الأول لا يقول به إلا مبطل، وتنفر منه الطباع السليمة، ولا يمكن أن يقبله أحد من المؤمنين، لكن النوع الثاني -وهو الكلام عن أسماء الله وصفاته بما لم يرد في الكتاب والسنة بدعوى التنزيه- هو الذي أشكل وأوقع الأمة في الحرج، فأوقع طوائف من الأمة في الخروج عن السنة والابتداع والقول بعلم الكلام الذي شغل المسلمين عن الهدى والحق، وستأتي أمثلة لهذا وسنتكلم عنه على التفصيل، ولعلي هنا أورد ما يتبين به المراد، فأقول: إن قوله: [عما يصفه به العباد] على نوعين: الأول: الأوصاف القبيحة التي وصفه بها المشركون واليهود والمشبهة ونحوهم، وهذه معلومة والنفور منها عند جميع الخلق معلوم، وهناك نوع آخر، وهو الكلام في الله وفي أسمائه وصفاته بأمور قد يقصد بها التنزيه لكنها متخيلة وليست على الحقيقة، ثم إنها مبتدعة، كقول المتكلمين عن الله تعالى: إنه ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر ولا مباين ولا محايث ولا فوق ولا تحت ولا بحد ولا يتكلم إلى آخر ذلك من المعاني التي هي أشبه بوصف المعدوم كما سيأتي، فهذا سوء أدب مع الله؛ لأن الله يوصف بما وصف نفسه، والله وصف به نفسه وله تعالى من الأسماء والصفات الواردة في الكتاب والسنة ما يتضمن كل كمال. وهذا هو قول الأئمة، وليس من عندي، ولكن أكرره ليتبين خطأ المتكلمين الذين قالوا على الله بغير علم. أقول: إن أهل العلم أجمعوا على أن ما في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ من أسماء الكمال له تعالى ومن أوصاف الكمال له تعالى يغني عن كل ما يمكن أن يتلفظ به بشر بأي لغة، ويغني عما يمكن أن يتصوره البشر بأي خيال، فكل كمال يمكن أن يتصوره أحد ويتكلم فيه أحد ففي القرآن والسنة ما يغني عنه، فأسماء الله العظمى -الله، الحي، القيوم، الرحمن، الرحيم، العلي، العظيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر سبحانه- أسماؤه هذه أعظم من أن يأتي البشر بأكبر منها، بل لله من الأسماء والصفات ما لا يطيقه البشر في الدنيا، حجبه الله بعلم الغيب عنده، ولذلك يدعو النبي ﷺ يوم القيامة ربه بمحامد من أسماء لله وصفاته؛ لأنه أفضل الخلق، فيعرف لله في ذلك الوقت من المحامد ما يلهمه الله إياه ولم يكن يعرفه في دنياه، وهذا يدل على أن الله له من العظمة والكمال والجلال ما لا يمكن أن يخطر بخيال بشر، وأن أسماء الله وصفاته التي وردت في الكتاب والسنة تجمع كل كمال يمكن أن يتخيله البشر، فمن هنا كان ما يصفه به العباد من غير ما ورد في الكتاب والسنة رجماً بالغيب؛ لأن الله ليس كمثله شيء سبحانه. قال رحمه الله تعالى: [وقد نزه الله تعالى نفسه عما يصفه به العباد إلا ما وصفه به المرسلون بقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢] فنزه نفسه سبحانه عما يصفه به الكافرون، ثم سلم على المرسلين، لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب، ثم حمد نفسه على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد]. إذا أردنا أن نعرف مدى خطأ المتكلمين الذين تكلموا بتلك الصفات بغير حق على نحو يدركه الإنسان بعقله وفطرته؛ فإنا سنقارن بين أقوالهم وما أخبر الله تعالى به عن نفسه، فالمتكلمون قالوا بأن الله ليس بجسم ولا بعرض ولا بجوهر، فلو أنهم اكتفوا بقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٣] ألا يكون هذا أكمل من كلامهم وأوفى وأسلم وأعظم وأسمى وأجل؟! هذه مقارنة يسيرة، فلم

стр. 52

حفظ الله لدينه بعد انقضاء قرون الخيرية والاتباع قال رحمه الله تعالى: [ومضى على ما كان عليه الرسول ﷺ خير القرون، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان، يوصي به الأول الآخر، ويقتدي فيه اللاحق بالسابق، وهم في ذلك كله بنبيهم محمد ﷺ مقتدون، وعلى منهاجه سالكون، كما قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، فإن كان قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] معطوفاً على الضمير في (أدعو)؛ فهو دليل على أن أتباعه هم الدعاة إلى الله، وإن كان معطوفاً على الضمير المنفصل؛ فهو صريح أن أتباعه هم أهل البصيرة فيما جاء به دون غيرهم، وكلا المعنيين حق. وقد بلغ الرسول ﷺ البلاغ المبين، وأوضح الحجة للمستبصرين، وسلك سبيله خير القرون، ثم خلف من بعدهم خلف اتبعوا أهواءهم وافترقوا، فأقام الله لهذه الأمة من يحفظ عليها أصول دينها، كما أخبر الصادق ﷺ بقوله: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم)]. حفظ الدين -كما هو معلوم- يقوم على ركيزتين من خلال استقراء النصوص وأقوال السلف: الركيزة الأولى: ما تكفل الله به من حفظ مصادره بحفظ الذكر وهو القرآن والوحي، وهذا ضمان من الله، فلذلك سخر الله من أهل العلم من حفظ الحديث إلى أن استقر وبان الصحيح من غير الصحيح، فهذه نعمة من الله ما كانت تتهيأ لأمة من الأمم في الزمان الماضي. إذاً: فالحفظ الأول هو حفظ الذكر نفسه، حفظ القرآن، ومعلوم أن الله تكفل بحفظه حتى إنه لم يستطع أحد أن ينال منه ولو بحرف من الحروف، وهذه معجزة. ثم بحفظ السنة بالأسلوب العلمي الدقيق الرائع العجيب الذي اهتدى إليه السلف في ضبط الحديث درايته وروايته. والركيزة الثانية من حفظ الدين: بقاء طائفة على الحق ظاهرين، وهذه الطائفة فسرت بتفسيرات، فمنهم من فسر هذه الطائفة بأهل الحديث وأهل العلم وأهل الفقه في الدين، وهذا يعني أن من كان على نهجهم فهو منهم، ولا يعني أنهم المقصودون فحسب، لكن لأنهم هم القدوة وهم الأسوة وهم المثل فسر بهم الحديث، ومن كان من عامة المسلمين على سمتهم ونهجهم فهو منهم. ومنهم من فسره بأعم من هذا المعنى فقال: هم أهل العلم وعامة من كان على السنة. والمعنى واحد ولا فرق، لكن أهل العلم نوهوا في تفسير حديث الطائفة المنصورة على ذكر أهل العلم؛ لأنهم هم الجماعة، وهم الذين تقتدي بهم الأمة، وهم الذين يحفظ الله بهم الدين علماً وعملاً، وغيرهم من عامة المسلمين إذا كانوا على هديهم فهم تبع لهم. إذاً: حفظ الدين يقوم على الركيزتين: على حفظ مصادره وعلى وجود من يقوم به، فلا بد من أن يبقى من أهل العلم من هو حجة على الخلق إلى أن يأذن الله برفع العلم فيتخذ الناس رؤساء جهالاً فيفتوا بغير علم فيضلوا ويضلوا، وهذا في آخر الزمان. قال رحمه الله تعالى: [وممن قام بهذا الحق من علماء المسلمين: الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي -تغمده الله برحمته- بعد المائتين؛ فإن مولده سنة تسع وثلاثين ومائتين، ووفاته سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. فأخبر ﵀ عما كان عليه السلف، ونقل عن الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وصاحبيه أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحميري الأنصاري، ومحمد بن الحسن الشيباني ﵃ ما كانوا يعتقدونه من أصول الدين، ويدينون به رب العالمين].

стр. 53

شرح العقيدة الطحاوية [٥] التأويل هو صرف اللفظ عن معناه إلى معنى آخر، وهذا الصرف لا يتأتى في أمر العقيدة؛ لأن العقيدة غيب، والغيب لا يعلمه إلا الله، ومن هنا فلا يتأتى لأحد بعد رسول الله ﷺ أن يدعي القدرة على أن يعطي لألفاظ الغيب معاني أخرى لم يسبق إليها.

стр. 54

بيان خطأ التأويل في العقيدة قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكلما بعد العهد ظهرت البدع وكثر التحريف الذي سماه أهله تأويلا ليقبل، وقل من يهتدي إلى الفرق بين التحريف والتأويل؛ إذ قد سمي صرف الكلام عن ظاهره إلى معنى آخر يحتمله اللفظ في الجملة تأويلا، وإن لم يكن ثم قرينة توجب ذلك، ومن هنا حصل الفساد، فإذا سموه تأويلا قبل وراج على من لا يهتدي إلى الفرق بينهما]. بالنسبة للحديث عن التأويل ينبغي التنبيه على أمر من الأمور التي اختلطت على كثير من الناس خاصة في هذا العصر، وهي دعوى أن التأويل قد يدخل في العقيدة بأي وجه من الوجوه، وهذه دعوى باطلة بإطلاق جزماً؛ لأن العقيدة لا يمكن أن يرد فيها التأويل بأي معنىً من معاني التأويل عند من عرف التأويل من الأصوليين، والذين قالوا: التأويل هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لقرينة أو لدليل، تعريفهم هذا -مع سلامته عند الأصوليين- لا يمكن أن يسلم به في أمور العقيدة بإطلاق أبداً؛ لأن التأويل هو صرف اللفظ عن معنىً إلى معنى آخر، وعن لفظ إلى لفظ آخر، واللفظ المغاير يقتضي المعنى المغاير، وهذا الصرف لا يتأتى في أمر العقيدة؛ لأن العقيدة غيب، والغيب لا يعلمه إلا الله ، فمن هنا لا يتأتى بأي حال من الأحوال أن يدعي بشر بعد النبي ﷺ أنه باستطاعته أن يعطي معنى آخر لألفاظ الغيب، ومنها ألفاظ العقيدة، فألفاظ العقيدة استقرت على ما هي عليه، فعلى هذا يجب أن نقف على ألفاظها، ومعاني الألفاظ هي التي تفهم بما يمكن أن يفهمه البشر، وما لا يفهم يفوض علمه إلى الله ، وهو الكيفيات، فمن هنا لا يتأتى التأويل في العقيدة أبداً، وما يرد من النصوص التي تشبه التأويل في العقيدة فإنما هو تفسير نص بنص، لا دخول للعقل فيه ولا لاجتهاد البشر، ولا يمكن لبشر أن يصرف لفظاً من ألفاظ العقيدة عن معنى راجح إلى معنى مرجوح؛ لأن الانتقال من معنى إلى معنى آخر يخرج المعنى الأول من اليقين إلى الشك، ثم يكون المعنيان كلاهما مشكوكاً فيهما ومظنوناً، وهذا لا يتأتى في العقيدة، بل ما كان كذلك لا يكون عقيدة، فلذلك اضطربت عقيدة المؤولة، كل من أول في العقيدة بأي نوع من أنواع التأويل فإن عقيدته مضطربة فيما أول فيه؛ لأنه خرج من المعنى الذي يريده الله إلى معنى آخر ليس عنده عليه برهان ولا دليل، والعقيدة غيب، ولو لم تكن غيباً ما صارت عقيدة، فأي أمر ينتقل من الغيب إلى عالم الشهادة لا يصبح من عالم الغيب ولا يكون عقيدة. إذاً: فالتأويل في العقيدة لا يرد، إنما يرد التأويل في الأحكام؛ لأن أدلة الأحكام فيها الناسخ والمنسوخ، فيجوز صرف اللفظ من معنى إلى معنى آخر بقرينة النسخ، وكذلك ألفاظ الأحكام فيها المطلق والمقيد وفيها العام والخاص، وفيها ما يسوغ الخروج من لفظ إلى لفظ آخر، سواءٌ أكان هذا المسوغ دليلاً آخر أم قرينة أخرى أم قاعدة شرعية كبرى أم ضرورة أم خصوصية أم نحو ذلك. أما العقيدة فلا يمكن أن يرد فيها تأويل، ولا نعرف أحداً من السلف وأئمة الدين قديماً وحديثاً ادعى أن في العقيدة تأويلاً، إذاً: فينبغي أن يفهم هذا؛ لأن هذه المسألة ستتكرر كثيراً في دروس العقيدة الطحاوية، وسيفرد لها باب إن شاء الله، وسيأتي لها مناسبة، لكن نذكر بها الآن ليفهم هذا.

стр. 55

المحرفون ودعواهم الإحسان والتوفيق قال رحمه الله تعالى: [فاحتاج المؤمنون بعد ذلك إلى إيضاح الأدلة ودفع الشبه الواردة عليها، وكثر الكلام والشغب، وسبب ذلك إصغاؤهم إلى شبه المبطلين، وخوضهم في الكلام المذموم الذي عابه السلف، ونهوا عن النظر فيه والاشتغال به والإصغاء إليه؛ امتثالاً لأمر ربهم حيث قال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨] فإن معنى الآية يشملهم. وكل من التحريف والانحراف على مراتب: فقد يكون كفراً، وقد يكون فسقا، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ. فالواجب اتباع المرسلين، واتباع ما أنزل الله عليهم، وقد ختمهم الله بمحمد ﷺ ، فجعله آخر الأنبياء، وجعل كتابه مهيمناً على ما بين يديه من كتب السماء، وأنزل عليه الكتاب والحكمة، وجعل دعوته عامة لجميع الثقلين: الجن والإنس، باقية إلى يوم القيامة، وانقطعت به حجة العباد على الله، وقد بين الله به كل شيء، وأكمل له ولأمته الدين خبراً وأمرا، وجعل طاعته طاعة له، ومعصيته معصية له، وأقسم بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه فيما شجر بينهم، وأخبر أن المنافقين يريدون أن يتحاكموا إلى غيره، وأنهم إذا دعوا إلى الله والرسول -وهو الدعاء إلى كتاب الله وسنة رسوله- صدوا صدودا، وأنهم يزعمون أنهم إنما أرادوا إحساناً وتوفيقا، وكما يقوله كثير من المتكلمة والمتفلسفة وغيرهم: إنما نريد أن نحس الأشياء بحقيقتها -أي: ندركها ونعرفها- ونريد التوفيق بين الدلائل التي يسمونها العقليات -وهي في الحقيقة جهليات- وبين الدلائل النقلية المنقولة عن الرسول ﷺ ، أو: نريد التوفيق بين الشريعة والفلسفة]. هذه الدعوى -وهي دعوى الإحسان أو دعوى الإصلاح ودعوى كل طائفة وكل صاحب منهج أن منهجه هو الأسلم وهو الأصلح- توجد في كل الطوائف التي خرجت عن السنة والجماعة، سواء الطوائف التي خرجت خروجاً اعتقادياً وهي الفرق، والطوائف التي خرجت خروجاً عملياً، وهم أهل الفسق والفجور، فهؤلاء كل منهم يدعي أنه أراد الإصلاح وأراد التوفيق، وهذا من التضليل والإيهام والتلبيس على الناس؛ فإن شرع الله تعالى لا يمكن أن يلفق بغيره، ولا يمكن أن يوفق بينه وبين غيره؛ لأن التوفيق هنا تلفيق، والتوفيق إنما هو بين الأمرين المختلفين على الحق، أما التوفيق بين الحق والباطل فهذا لا يمكن، وكل دعوى توفيق بين الحق والباطل إنما هي تلفيق، وكل الأصناف التي ذكرها الشارح -كالمتكلمة والمتفلسفة- يدعون التوفيق، وعملهم ليس بصحيح، ودعواهم ليست حقيقية؛ لأن دين الله تعالى كامل وشرعه شامل لمصالح العباد في الدنيا والآخرة، ودين الله -أيضاً- لا بد من أن يتضمن قطعاً ما يحقق سعادة البشر في الدنيا والآخرة، فدعوى أن الناس قد يحتاجون إلى شيء من العقليات تقرر لهم عقائدهم أو تقرر لهم الأصول الكبرى والأحكام القطعية الشرعية؛ دعوى باطلة؛ لأن الله أكمل الدين، والله هو المشرع وهو العليم بمصالح عباده، فلا يمكن أن يدعي أحد من الناس أن في دين الله نقصاً، ودعوى التوفيق إنما تعني اتهام دين الله بالنقص وأنه بحاجة إلى أن يسد، وأن فيه نوعاً من الخلل، ولا يمكن أن يكون ذلك في دين الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: [وكما يقوله كثير من المبتدعة من المتنسكة والمتصوفة: إنما نريد الأعمال بالعمل الحسن، والتوفيق بين الشريعة وبين ما يدعونه من الباطل الذي يسمونه حقائق، وهي جهل وضلال، وكما يقوله كثير من المتملكة والمتأمرة: إنما نريد الإحسان بالسياسة الحسنة، والتوفيق بينها وبين الشريعة، ونحو ذلك]. وهذه -أيضاً- دعوى عريضة باطلة، دعوى التوفيق بين الشريعة وبين ما يسميه المتصوفة: الحقائق، وهي الجهل والضلال، والمتضادان لا يتفقان أبداً، وعلى سبيل المثال نجد أنهم في حقيقة عقائدهم يعتقدون الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، أو يعتقدون أن من مصادر دينهم الكشف والفيض والذوق وتقديس الأولياء وعلم الغيب ونحو ذلك، وفي الوقت نفسه يدعون من جانب آخر أنهم على العقيدة الصحيحة وعلى السنة، بل يحرصون على إظهار الشعائر الإسلامية، فشعائر الدين هم من أحرص الناس على إظهارها وإظهار الزهد والتنسك، وهذا مما يَفتِن بهم العامة؛ فلذلك نجد في تقرير غلاة المتصوفة والذين جمعوا بين التصوف والفلسفة للاعتقاد أمراً عجيباً، فمثلاً: نجد أحدهم - كـ ابن عربي على سبيل المثال- يقرر مذهب السلف حتى يظن القارئ أن هذا القائل أو المتكلم من أئمة الدين، ثم لا يلبث أن يعرج على عقيدة غلاة الفلاسفة وغلاة المتصوفة حيث يعتقد أنهم يعلمون الغيب ويعتقد أنهم فوق درجة الأنبياء، ويقرر أن للدين مصادر غير الكتاب والسنة مما عليه المتصوفة ونحو ذلك من الأمور الكفرية الخالصة. فهذا التلفيق يعتقدون أنه محاولة للتوفيق بين السنة الظاهرة والشريعة وعقيدة المسلمين التي يسمونها الظاهر، وبين الحقيقة في عقائدهم، وهي الزندقة والكفر، ويزعمون أن هذا المنهج هو المنهج ال

стр. 56

أصناف العادلين عن شرع الله قال رحمه الله تعالى: [وكل من طلب أن يُحكِّم في شيء من أمر الدين غير ما جاء به الرسول، ويظن أن ذلك حسن، وأن ذلك جمع بين ما جاء به الرسول وبين ما يخالفه؛ فله نصيب من ذلك، بل ما جاء به الرسول كاف كامل، يدخل فيه كل حق، وإنما وقع التقصير من كثير من المنتسبين إليه، فلم يعلم ما جاء به الرسول في كثير من الأمور الكلامية والاعتقادية، ولا في كثير من الأحوال العبادية، ولا في كثير من الإمارة السياسية، أو نسبوا إلى شريعة الرسول -بظنهم وتقليدهم- ما ليس منها، وأخرجوا عنها كثيرا مما هو منها، فبسبب جهل هؤلاء وضلالهم وتفريطهم، وبسبب عدوان أولئك وجهلهم ونفاقهم كثر النفاق ودرس كثير من علم الرسالة]. ذكر الشارح أصناف الذين يعدلون عن شرع الله وعن العقيدة من المتصوفة ومن الفلاسفة وغيرهم من الفئات الأخرى التي تعرض عن دين الله، ففي هذا الكلام إشارة إلى أصناف الذين يعدلون عن دين الله. فذكر الجهل، وهذا فيه إشارة إلى أن هناك فئة من الناس تعدل عن دين الله جهلاً، وذكر في العبارة الثانية الضلال، فالفئة الثانية من الذين يعدلون عن دين الله هم الذين تعمدوا الضلالة من أصحاب الأهواء والبدع، فهؤلاء ضلوا؛ لأنهم لم يكونوا جهلة، بل الغالب أن ضلالهم عن علم وعن عمل. والصنف الثالث هم الذين فرطوا، وهم الذين يتساهلون في دين الله، يعلمون أن دين الله حق، ويعترفون بذلك ويصدقون، ويعرفون أيضاً أحكام الشرع، لكنهم يفرطون من باب التساهل أو التقصير أو غلبة الشهوات أو غلبة الهوى، وهؤلاء كثر. والصنف الرابع: الذين يعرضون عن دين الله عدواناً، وهم أشبه بالصنف الثاني، لكن هؤلاء -في الغالب- يقعون في المخالفة لدين الله بنوع من التحدي للشرع وأهله. والصنف الخامس هم أهل النفاق، ذكرهم في قوله: [وبسبب عدوان أولئك وجهلهم ونفاقهم] فأهل النفاق الذين يظهرون الإسلام ويدعون أنهم من أهله ومن أنصاره ويبطنون الكيد؛ هم أخطر الفئات كلها، وربما يوجدون في جميع الفئات الأخرى.

стр. 57

الخلل في التسليم وأثره على دين الله تعالى قال رحمه الله تعالى: [فبسبب جهل هؤلاء وضلالهم وتفريطهم، وبسبب عدوان أولئك وجهلهم ونفاقهم كثر النفاق ودرس كثير من علم الرسالة، بل البحث التام والنظر القوي والاجتهاد الكامل فيما جاء به الرسول ﷺ ، ليعلم ويعتقد، ويعمل به ظاهراً وباطنا، فيكون قد تلي حق تلاوته، وأن لا يهمل منه شيء، وإن كان العبد عاجزاً عن معرفة بعض ذلك أو العمل به؛ فلا ينهى عما عجز عنه مما جاء به الرسول ﷺ ، بل حسبه أن يسقط عنه اللوم لعجزه، لكن عليه أن يفرح بقيام غيره به ويرضى بذلك، ويود أن يكون قائماً به، وأن لا يؤمن ببعضه ويترك بعضه، بل يؤمن بالكتاب كله وأن يصان عن أن يدخل فيه ما ليس منه من رواية أو رأي، أو يتبع ما ليس من عند الله اعتقادا أو عملا، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٤٢]]. كأنه يشير إلى الذين يقعون في الإعراض عن دين الله بسبب الجهل أو التقصير، فهؤلاء جاء إعراضهم عن دين الله بسبب العجز عن المعرفة، والعجز عن القراءة، وقلة الفقه، وهذه إشارة إلى أن الذين يعرضون عن دين الله أو يلفقون في دين الله منهم من لا يتعمد الإعراض عن دين الله، لكنه أتي من قبل تقصيره في فهم الدين وفي إدراك مراد الله، أو عجزه عن العمل بالشرع لأي سبب من الأسباب، فالمسلم قد يعجز أو يضعف أو يجبن أحياناً لأي سبب من الأسباب عن العمل بشرع الله، ولا يسعى إلى أن يقوى الدين وأن يعتز بالإسلام، فهذا يعتبر من المقصرين أو العاجزين، وإلا فالأصل في المسلم إذا أسلم لله أن يسلم لدينه وشرعه، وألا يتعلل بالعجز وأن لا يتعلل بعلل أخرى؛ لأنه قد لا يدرك علل التشريع، بل الغالب أن البشر لا يدركون جميع العلل في التشريع؛ فلذلك قام الدين على التسليم لله تعالى والتسليم لرسوله ﷺ ابتداءً. ثم بعد ذلك العمل، لا بد من أن ينتج عن التسليم العمل بشرع الله تعالى، فمن اختل عمله لا بد من أن ينقص تسليمه، ومن اختل تسليمه لا بد من أن يختل عمله، والأمران مترابطان، فلا فرق بين العقيدة والشريعة، العقيدة التي هي التسليم والشريعة التي هي العمل، ومن فرق بينهما تفريقاً اعتقادياً ربما يخرج من الملة. إذاً: سبب هذا العجز هو الخلل في التسليم ابتداءً، فليسلم لله تعالى وليثق بدين الله وبنصر الله، ومن كان هذا حاله لا يمكن أن يقع في الإخلال بدين الله تعالى بدعوى العجز؛ لأن من اتكل على الله فإن الله يسدده ويرشده ويهديه. فالتسليم لله تعالى هو المقصود، التسليم لله تعالى بالعبادة والطاعة والامتثال لأوامر الله واجتناب نواهيه، والتسليم للرسول ﷺ بحبه وتصديقه واتباع هديه، هذا هو التسليم؛ لأن من مقتضى التسليم التصديق، ومن مقتضى التصديق الاتباع؛ لأن من سلم لله تعالى وسلم لرسوله ﷺ سلم بالكتاب والسنة، ومن سلم بالكتاب والسنة علم أن الكتاب والسنة يتضمنان الأمر والنهي، فإذا ادعى إنسان أنه مسلم ولم يتبع الأمر اختل تسليمه، ومن ادعى أنه يسلم لله تعالى ولم ينته عما نهى الله عنه اختل تسليمه، ومن ادعى أنه مصدق لله تعالى ولرسوله وبكمال الدين ثم ابتدع انتقض تسليمه؛ إذ كيف تقول بأنك سلمت لله تعالى ولرسوله ﷺ ثم تأتي بدين لم ينزله الله، فمن مقتضى التسليم ترك الابتداع.

стр. 58

التحريف وأنواعه كذلك التحريف في الاعتقاد والتحريف القولي والتحريف العملي، لكن تحريف الاعتقاد هو المقصود بالدرجة الأولى، ومنه ما هو كفر، مثل تحريف أصول الدين عن معانيها إلى معانٍ أخرى، كتحريف أسماء الله وصفاته بالتحريف الذي يؤدي إلى إنكارها إنكاراً تاماً، أو صرف معاني كلام الله تعالى إلى معان كفرية، وهذا يسمى تحريفاً كفرياً، كتفسير (الرحمن الرحيم)، بأنه المبدأ الأول والمبدأ الثاني، أو الإله الأول والإله الثاني كما يقول الزنادقة تبعاً للمجوس، أو تفسير (رب العالمين) بأنه علي بن أبي طالب كقول غلاة الرافضة، والدروز والعبيدية وغيرهم، هؤلاء يقولون: رب العالمين علي بن أبي طالب. وهذا تحريف مكفر، ومنه -أيضاً- إنكار صفات الله تعالى، فهذا تحريف مخرج عن الملة. ومن التحريف ما هو كفر لا يصل إلى الخروج عن الملة، وهذا راجع إلى عقيدة المحرف، فإذا وقع في أمر مكفر لم يقصده ولم يقصد مناقضة كتاب الله تعالى؛ فقد يكون كفره غير مخرج من الملة. ومنه ما هو فسق، كتحريف الأحكام، أي: تحريف أدلة الأحكام عن معانيها الحقيقية إلى معان أخرى. ومنه ما هو خطأ، وهو التحريف الذي يقع فيه المسلم دون قصد، كما وقع فيه بعض أئمة العلم، كتأويل بعض صفات الله، فهو لم يقصد أصل التأويل، إنما وقع فيه عن اجتهاد، فهذا يعتبر خطأً لا يقر عليه، لكنه لا يفسق به ولا يكفر.

стр. 59

موقف السلف والتابعين لهم وأئمة الدين من أهل الكلام قال رحمه الله تعالى: [وهذه كانت طريقة السابقين الأولين، وهي طريقة التابعين لهم بإحسان إلى يوم القيامة، وأولهم السلف القديم من التابعين الأولين، ثم من بعدهم، ومن هؤلاء أئمة الدين المشهود لهم عند الأمة الوسط بالإمامة. فعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه قال لـ بشر المريسي: العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم، وإذا صار الرجل رأساً في الكلام قيل: زنديق، أو رمي بالزندقة. أراد بالجهل به اعتقاد عدم صحته، فإن ذلك علم نافع، أو أراد به الإعراض عنه وترك الالتفات إلى اعتباره؛ فإن ذلك يصون علم الرجل وعقله، فيكون علماً بهذا الاعتبار، والله أعلم. وعنه أيضا أنه قال: من طلب العلم بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب]. يقصد بمن طلب المال بالكيمياء طائفة من الذين كانوا يحترفون الكيمياء قديماً، فالكيمياء علم من العلوم، لكن هناك طائفة من الدجالين ومن المحترفين قديماً كانوا يتعلمون الكيمياء من أجل أن يراهنوا به العامة، فيأتون للعامي الذي لا يدرك أسرار هذا العلم فيقولون له: نحن نستطيع أن نقلب هذا العنصر من نوع إلى نوع أو من لون إلى لون، فيراهن على ذلك ظناً منه أن هذا مستحيل، فيحولون له السائل إلى جامد والجامد إلى سائل، ويحولون له لون كذا إلى لون كذا وهو يرى ولا يدرك سر التحول من هذا العنصر إلى هذا العنصر، فيغلب ويدفع المال بغير حق، فكانوا -أي: أصحاب الكيمياء أو طائفة منهم- في ذلك الوقت يستعملونها فيما يشبه القمار، يقامرون بها مقامرة ويراهنون بها ويأكلون أموال الناس بالباطل، فكان هذا من الكسب الحرام، وصاحبه في الغالب أنه يفلج في النهاية. وكذلك طلب غريب الحديث، فبعض الناس لا ينظر من الحديث إلا إلى الغرائب والشواذ، أو إلى الحديث الضعيف أو الموضوع، ويقول: أريد أن أخدم الحديث من هذا الجانب، وهذا مسلك خطير؛ لأن من تعلق بالغريب أو تعلق بالموضوع والضعيف أو تعلق بأمور تضر قلبه فإنه في الغالب لا بد من أن يتأثر بهذا المسلك. وربما كان في عهد أبي يوسف طائفة من الوضاعين يهتمون بهذه الأمور يلبسون على الناس ويخلطون الأحاديث الصحيحة بالضعيفة وغيرها. قال رحمه الله تعالى: [وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام]. المصيبة أنه في الآونة الأخيرة -بل بعد القرن الثالث الهجري وبعد كلام أبي يوسف والشافعي هذا بمدة- انقلب الحال، فصارت أغلب الفرق التي تدعي السنة تبدأ في تعلم العقيدة بعلم الكلام، فأول ما يبدءون به في تعليم الناشئة والمتعلمين من العقيدة هو علم الكلام، فيقرءون أمثال كتاب الجوهرة، ومقدمات علم الكلام قبل أن يفهموا من العقيدة شيئاً، فمن هنا ظهرت أجيال من المسلمين كثيرة لا تعرف من العقيدة إلا ما كان على نهج أهل الكلام، حتى ظنوا أن هذا هو السنة، والتبس الأمر على كثير من المسلمين إلى يومنا هذا، كما سيأتي تفصيله -إن شاء الله تعالى- في درس قادم. قال رحمه الله تعالى: [وقال أيضاً رحمه الله تعالى: كل العلوم سوى القرآن مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين العلم ما كان فيه قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين]. قد يفهم بعض الناس من مثل هذه الأبيات أن الشافعي وغيره من أئمة الدين لا يرون تعلم العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية وغيرها التي تنفع المسلمين، وهذا فهم خاطئ؛ فإن كلام الشافعي هذا وكلام غيره من أهل العلم الذين قصروا العلم على (قال الله وقال رسوله) يقصدون به العلم الشرعي إذا تلقي وأخذ من غير الكتاب والسنة، فإن هذا مهلكة؛ نظراً لأن السلف كانوا يطلقون العلم على العلم الشرعي، فإذا وردت كلمة العلم في الكتاب والسنة وعلى ألسنة السلف فإنما يعنون بها العلم الشرعي، فكأن الشافعي وغيره يقولون: من طلب العلم الشرعي من غير الكتاب والسنة -كأن أخذه عن مجرد العقول أو عن الفلسفة أو عن علم الكلام أو عن آراء الرجال أو عن أهواء الأشخاص أو عن مصادر التلقي عند الآخرين، كتلقيه عمن يسمون بالأئمة المعصومين عند الشيعة، أو الأولياء عند المتصوفة، أو تلقيه عما يسمى بمصادر الكشف والذوق والأحلام وغيره- من طلبه من غيرهما فطلبه ليس بعلم، إنما هو مهلكة. إذاً: الكلام لا يندرج تحته ما يتعلق بالعلوم الإنسانية التي تنفع المسلمين أو العلوم التطبيقية؛ لأن تلك ليست علوماً إلا إذا قيدت، فلا يقال في الطب -مثلاً-: علم دون تقييد، بل يقال: علم الطب، علم الفلك، علم الكيمياء، علم الفيزياء، فيقيد. أما العلم المطلق الذي ورد ذكره في القرآن والسنة بالثناء على أهله والأمر بتحصيله، والأجر على تحصيله؛ فهو العلم الشرعي. أما غيره من العلوم فإن الإنسان يؤجر فيه بقدر نيته، كما يؤجر طالب التجارة، وكما يؤج

стр. 60

نصوص الحنفية في إخراج الكلام وأهله عن دائرة العلم قال رحمه الله تعالى: [وذكر الأصحاب في الفتاوى: أنه لو أوصى لعلماء بلده لا يدخل المتكلمون]. الأصحاب هنا هم الأحناف، فـ ابن أبي العز حنفي، وكذلك الطحاوي ﵀ حنفي، فهنا يقصد الأحناف. قال رحمه الله تعالى: [وذكر الأصحاب في الفتاوى: أنه لو أوصى لعلماء بلده لا يدخل المتكلمون، ولو أوصى إنسان أن يوقف من كتبه ما هو من كتب العلم، فأفتى السلف أن يباع ما فيها من كتب الكلام. ذكر ذلك بمعناه في الفتاوى الظهيرية]. كلام الشيخ واضح، وهو يعني أن أئمة السلف -وقد أشار إلى طائفة منهم، وهم علماء الأحناف في وقته- وقبل وقته كانوا لا يعدون علم الكلام من العلوم، بل يعدونه خارجاً عن معنى العلوم، ولذلك قالوا: إنه لو أوصى إنسان بأنه إذا مات فإن كتبه العلمية توقف على كذا؛ فإن ما يدخل من هذه الكتب في علم الكلام لا يعد من ضمن العلم الذي أوصى به، ولا من كتب العلم، ويخرج من مفهوم كتب العلم.

стр. 61

هدي السلف في تقرير الاعتقاد ومخالفة المتأخرين لهم قال رحمه الله تعالى: [فكيف يرام الوصول إلى علم الأصول بغير اتباع ما جاء به الرسول؟! ولقد أحسن القائل: أيها المغتدي ليطلب علما كل علم عبد لعلم الرسول تطلب الفرع كي تصحح أصلاً كيف أغفلت علم أصل الأصول ونبينا ﷺ أوتي فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه، فبعث بالعلوم الكلية والعلوم الأولية والآخرية على أتم الوجوه، ولكن كلما ابتدع شخص بدعة اتسعوا في جوابها، فلذلك صار كلام المتأخرين كثيراً قليل البركة، بخلاف كلام المتقدمين، فإنه قليل كثير البركة]. لعلنا نورد مثالاً على كلام المتقدمين وكلام المتأخرين، أقصد بالمتأخرين أولئك الذين سلكوا مسلك علم الكلام في تقرير العقيدة، الذين انتهجوا علم الكلام في تقرير العقيدة، فنجد أن الفرق بينهم وبين السلف في تقرير العقيدة واضح جداً، فنأخذ صفة من صفات الله وهي صفة الاستواء، فالسلف يقولون: (الرحمن على العرش استوى) ولا يزيدون، كلمة هي لفظ كلام الله تعالى لا يزيدون فيها ولا ينقصون، وكذلك أتباعهم إلى يومنا هذا، لكن المتكلمين الذين أولوا الاستواء خاضوا في تأويله بألفاظ لم ترد في الكتاب والسنة وتزيد المتكلم شكاً وريبة، بل تلبس على المعتقد وتجعله لا يستقر على عقيدة، فنجد في كتبهم في تقرير الاستواء أنهم يقولون: الاستواء بمعنى الاستيلاء، ثم يقولون: إن الاستواء يكون بغير مماسة ولا اعتماد، وبغير مكان وبغير زمان، ولا هو مباين ولا محايث، هذه كله في تقرير الاستواء، كلام لا طائل تحته إلا مرض القلب وإدخال الشبهات على الناس، وكل ذلك لم يرد في كلام الله تعالى ولا في كلام رسوله ﷺ ولا على ألسنة السلف، فالسلف يقررون -كما قال الرازي في آخر حياته- أن الرحمن على العرش استوى فقط، بدون خوض؛ ولا يمكن أن يدرك أكثر من معاني الألفاظ الظاهرة، فالله ليس كمثله شيء، لكن نجد في تقرير الاستواء عند بعض المتكلمين أنه قد يكتب عشرين أو ثلاثين صفحة في تقرير معنى الاستواء، فتأتي في ذهنه هذه الشبهات، ويكون عنده الاعتقاد هو النفي وليس الإثبات، فكأنه يصف معدوماً ويزعم أنه ربه تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. قال رحمه الله تعالى: [لا كما يقوله ضلال المتكلمين وجهلتهم: إن طريقة القوم أسلم وإن طريقتنا أحكم وأعلم. وكما يقوله من لم يقدرهم قدرهم من المنتسبين إلى الفقه: إنهم لم يتفرغوا لاستنباطه وضبط قواعده وأحكامه اشتغالاً منهم بغيره، والمتأخرون تفرغوا لذلك، فهم أفقه! فكل هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السلف وعمق علومهم وقلة تكلفهم وكمال بصائرهم، وتالله ما امتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكلف والاشتغال بالأطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها وضبط قواعدها وشد معاقدها وهممهم مشمرة إلى المطالب العالية في كل شيء، فالمتأخرون في شأن والقوم في شأن آخر، وقد جعل الله لكل شيء قدرا]. ذكر الشارح أن ضُلاَّل المتكلمين يقولون بأن طريقة الصحابة والتابعين وأئمة السلف في القرون الثلاثة الفاضلة أسلم في الاعتقاد، لكن طريقة المتكلمين -زعموا- أعلم وأحكم، وهذه دعوى فيها تلبيس وفيها إيهام، فهم يقولون بأن السلف في صفات الله عندهم شيء من طيبة القلوب وسلامة الصدور وعدم القدرة على التعمق في العلوم، فقالوا: غاية ما يقال عن السلف أنهم سليمو القلوب، قلوبهم سليمة، لذلك ما استطاعوا أن يخوضوا في معاني صفات الله وأن يقولوا بذاك الكلام الذي قال به المتكلمون، وهذه شبهة من شبهات ودسائس الشيطان؛ لأن الصحيح الذي نعتقده جزماً أن دين السلف وطريقتهم أسلم وأعلم وأحكم، وأن دعوى المتكلمين بأن طريقتهم أعلم وأحكم دعوى باطلة؛ لأن هذا يعني أنه بقي علم لم يبينه النبي ﷺ ، وأنه بقيت حكمة لم يظهرها النبي ﷺ ، وهذا باطل في أمر الاعتقاد. قد يقال هذا في بعض مسائل الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد متجدد، وقد يدرك الآخر ما لا يدركه الأول إذا آتاه الله علماً وقدرة، فهذا في أمور الاجتهاد قد يرد في بعض المسائل، أما في الجملة فلا شك في أن اجتهاد السلف من الصحابة والتابعين أعلم وأسلم وأحكم من جملة اجتهاد المتأخرين، لكن قد يرد في مفردات المسائل أنه يأتي المتأخر فيعي ما لا يعيه المتقدم في بعض الجزئيات، وهذا في الأمور الاجتهادية. أما في الأمور العقيدية فلا يمكن، ولا يتأتى أن تكون طريقة المتأخرين أعلم وأحكم؛ لأن الأسلم لا بد من أن يكون أعلم، والأسلم لا بد من أن يكون أحكم، لاسيما في الاعتقاد، وإذا فصلنا بين السلامة والعلم والحكمة فهذا يعني أنا جعلنا للدين ظاهراً وباطناً، فالظاهر هو ما عليه الصحابة والتابعون وسلف الأمة، والباطن هو ما أدركه المتأخرون، وهذا هو بعينه الباطل والضلال، نسأل الله العافية.

стр. 62

منهج السلف ومنهج المخالفين في التأليف قال رحمه الله تعالى: [وقد شرح هذه العقيدة غير واحد من العلماء، ولكن رأيت بعض الشارحين قد أصغى إلى أهل الكلام المذموم واستمد منهم وتكلم بعباراتهم]. الذين شرحوا الطحاوية أغلبهم من المتكلمين، ومن جملة أسباب ذلك أن أغلب شراح الطحاوية من الأحناف المتأخرين، وأغلب الأحناف المتأخرين من أهل الكلام من الأشاعرة والماتريدية وغيرهم، مع أن متقدمي الأحناف ابتداءً من أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والطحاوي كانوا من سلف الأمة وعلى هدي السلف. وزخم كتب المتكلمين وكثرتها ليس فيما يتعلق بشرح الطحاوية فقط، بل في سائر العلوم، حتى التبس ذلك على كثير من المسلمين وجعلهم يختلط عليهم الأمر، فقد ابتليت الأمة بأن تعرض كثير من المتكلمين لشروح الكتب والتأليف والتصنيف، بل كانوا أحرص من غيرهم من أئمة الدين على التأليف والتصنيف؛ لأن من منهج السلف أنهم لا يكتبون إلا ما يدينون بأنه حق وأن فيه فائدة. أما المتكلمون فإنهم يكتبون ما هب ودب، وقد يتكلم أحدهم عن الجزئية المتوهمة الخيالية في مجلدات على أنها حقيقة وأنها عقيدة، ككلامهم عن الأمور التي لم ترد في الكتاب والسنة، مثل كلامهم عن الجوهر والعرض والمباينة والمفاصلة والجسمانية والحركة والأعضاء والأدوات والجهات وغير ذلك من المعاني البدعية التي لم ترد في الكتاب والسنة، فنجد أنهم يكتبون في هذا مجلدات، وهذا جعل كتبهم أكثر من كتب السلف عدداً وزخماً، وابتلي بها المسلمون حتى ظن طائفة من الناشئين ومن شباب المسلمين أن هؤلاء هم على الحق وحدهم، وأنه لا يمكن أن يكون الحق مغموراً ومصنفات أهل السنة مغمورة، والعكس صحيح؛ فإن مؤلفات أهل السنة والجماعة قد تكون أقل نظراً لأنهم لا يكتبون إلا الحق، وأهل البدع كتبهم كثيرة، فلذلك كان أهل البدع أكثر تصنيفاً من أهل السنة وأقدم تصنيفاً، فلو نظرنا إلى أول من ألف في القرن الأول الهجري والثاني وأكثر من التأليف لوجدنا أنهم المعتزلة والجهمية والقدرية، وأما أهل السنة والجماعة فيقررون العقيدة بإيجاز ويقررون الدين بإيجاز ويقررون ما تحتاجه الأمة، ولا يكتبون الفلسفات، ولنعمل مقارنة واحدة بين كتب أهل البدع وكتب أهل السنة والجماعة، فأهل السنة والجماعة مع أنهم عنوا بجميع السنة المروية عن النبي ﷺ الصحيح منها وغير الصحيح؛ نجد أن كتب الصحاح عندهم تعد مجلدات محدودة، في حين أنه عند الرافضة كتاب واحد من الكتب اللي يعتبرونها مصدراً من مصادر الدين -وهو بحار الأنوار- في مائة وعشرة مجلدات؛ لأنه كذب، والكذب سهل. أما السلف فكانوا من المقلين، ولا يؤلفون إلا عند الحاجة، وإذا ألفوا كتبوا بالحق، والحق قليل؛ لأنه لو كثر الحق على الناس ما استوعبوه، فالله أنزل للبشر في نصوص الكتاب والسنة ما يكفي لمداركهم وما يصلح أحوالهم، وما زاد على ذلك من الفلسفات والخيالات والكذب والفجور فلا حاجة للناس إليه. فمن هنا نعود ونقول: إن كثرة مصنفات أهل الكلام وأهل البدع ليست ظاهرة صحية، بل هي ظاهرة مرضية، وكثرتها الآن والاهتمام بطباعتها دليل على نشاط أصحاب البدع، وأنهم يكادون أن يكونوا أنشط من أهل السنة -مع الأسف- في إخراج تراثهم. قال رحمه الله تعالى: [والسلف لم يكرهوا التكلم بالجوهر والجسم والعرض ونحو ذلك لمجرد كونه اصطلاحاً جديداً على معان صحيحة، كالاصطلاح على ألفاظ لعلوم صحيحة، ولا كرهوا -أيضاً- الدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل، بل كرهوه لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق، ومن ذلك مخالفتها للكتاب والسنة، ولهذا لا تجد عند أهلها من اليقين والمعرفة ما عند عوام المؤمنين فضلا عن علمائهم. ولاشتمال مقدماتهم على الحق والباطل كثر المراء والجدال، وانتشر القيل والقال، وتولد لهم عنها من الأقوال المخالفة للشرع الصحيح والعقل الصريح ما يضيق عنه المجال، وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قوله: (فمن رام علم ما حظر عنه علمه). وقد أحببت أن أشرحها سالكاً طريق السلف في عباراتهم وأنسج على منوالهم متطفلاً عليهم لعلي أن أنظم في سلكهم وأدخل في عدادهم وأحشر في زمرتهم ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]، ولما رأيت النفوس مائلة إلى الاختصار آثرته على التطويل والإسهاب ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨] وهو حسبنا ونعم الوكيل].

стр. 63

شرح العقيدة الطحاوية [٦] أجمع أئمة الدين قديماً وحديثاً على أن أول ما يعنى به المسلمون جماعات وأفراداً هو توحيد الله جل وعلا، وهذا ما قطعت به أدلة الكتاب والسنة، وما أرسلت به الرسل؛ لأن العباد إذا صحت عقائدهم وتخلصوا من البدع والشركيات صلحت أحوالهم الأخلاقية والاقتصادية والسياسية وسائر شئونهم.

стр. 64

بيان أول ما يجب على المسلم اعتقاده والدعوة إليه قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له). ش: اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] وقال هود ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود:٥٠]، وقال شعيب ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. وقال ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله)]. هنا يقرر ابن أبي العز تبعاً للطحاوي ﵀ ولسائر السلف أصلاً عظيماً أجمع عليه أئمة الدين المقتدى بهم قديماً وحديثاً من أئمة أهل السنة والجماعة، وهو أن أول الأمور التي يجب أن يعتقدها كل مسلم والتي ينبغي أن يعنى بها المسلمون جميعاً جماعات وأفراداً قضية توحيد الله، وهذا الأصل -كما أشار الشارح- لم يستنبط باجتهاد، بل هو قطعي من خلال استقراء نصوص الكتاب والسنة؛ فإنا نجد أن الله تعالى ذكر أن جميع الأنبياء أول ما يبدءون بدعوة أقوامهم إلى توحيد الله تعالى ونبذ الشرك، وليس بالمقصود بالتوحيد -كما يزعم المتكلمون، وكما يزعم بعض المُحدَثِين الذين لا فقه لهم في الدين- معرفة الله وإثبات وجوده؛ لأن هذا أمر فطري بدهي -كما سيأتي- لا يحتاج إلى تقرير عند عامة البشر، وإن وجد من البشر شذاذ يعمون عن الحقيقة، فلا ينبغي أن تخضع لهم أصول العلم وأصول الاعتقاد، بل من أصول الاعتقاد وأصول الدعوة الضرورية الأساسية القطعية المعلومة بالضرورة أن أول ما ينبغي أن يدعى إليه -كما هو منهج الرسل- هو توحيد الله تعالى بالعبادة، وليس هو توحيد المعرفة؛ لأنه لا يعرف على الإطلاق في تاريخ البشر أن أمة من الأمم التي بعث فيها أنبياء أنكرت وجود الله أو أنكرت توحيد الربوبية، لا يعرف هذا، وما حدث من فرعون فإنه من باب الجحود لا من باب الإنكار، والجحود لا يعد إنكاراً، ثم إن جحود فرعون لا يعني أن جميع الأمم في وقته -حتى الكفار المشركين- كانوا ينكرون وجود الله أو ينكرون توحيد الربوبية. فلا يصح القول بأن التوحيد إنما المقصود به إثبات وجود الله فقط أو توحيد الربوبية فقط، بل التوحيد إذا ورد في الكتاب والسنة هو توحيد الإلهية. فأول ما يدعو إليه الداعية تبعاً للمرسلين هو توحيد الله تعالى، وهذه المسألة حتمية قطعية، ولم يحدث الجهل بها إلا بعدما قل الفقه في الدين.

стр. 65

خطر التساهل في الدعوة إلى التوحيد ولعلي بهذه المناسبة أشير إلى بعض الأخطاء التي وقع فيها كثير من الجماعات الإسلامية المعاصرة، ومن أخطر هذه الأخطاء التساهل في الدعوة إلى التوحيد، والتساهل في النهي عن الشرك والبدع، حتى صار هذا التساهل أصلاً من أصول بعض الدعوات، وهذا خطر عظيم، بل هو بوادر انحراف، وسببه قلة الفقه في الدين عند هؤلاء الدعاة، وسببه -أيضاً- اللبس عندهم فيما ينبغي أن يبدأ به وما هو أجل شأناً في الدعوة إلى الله وما هو دون ذلك. وكثير من الدعوات المعاصرة تأخذ الواجبات في الدعوة بالعكس، فأخذت ما هو أدنى درجة مما ينبغي أن تعنى به الدعوات وجعلته هو الأول، وجعلت الهدف الأول هو الهدف الأدنى، حتى قالوا: لا ندعو إلى التوحيد وإلى نبذ الشرك، حتى نؤلف قلوب الناس ونجمعهم على الشعارات السياسية وعلى أمور أخرى. وهذا خطأ وخطر عظيم، بل هو انحراف في مفهوم الدعوة وفي غاياتها وفي مناهجها، فينبغي أن يسدى لمثل هؤلاء النصح؛ فإن أي دعوة لا ترتكز على الدعوة إلى التوحيد فإنها إما فاشلة أو ضالة، وأي دعوة لا يكون أهم أهدافها وأول أهدافها الدعوة إلى التوحيد فإن مصيرها إلى الفشل أو الضلال، ودعوى أن المسلمين ليس فيهم شرك وانحرافات وبدع دعوى ساذجة أو مغرضة، فإما أنها دعوى تدل على عدم الفقه في الدين وعدم التمييز بين الشرك والتوحيد وعدم التمييز بين البدعة والسنة وهو الغالب، وإما أنها مغرضة، وهذا قليل، فدعوى أن المسلمين ليسوا بحاجة إلى أن تصحح عقائدهم ولا أن ينهوا عن البدع التي هم فيها، وأن هذا يؤجل إلى حين فيها خطورة عظيمة، بل هي انحراف في مسالك الدعوة، وقد يقول قائل: إن دعوة الناس إلى التوحيد وترك الأمور الأخرى تعني أن الداعي سيهمل أمور المسلمين والمشكلات الكبرى التي يعانون منها، وأقول: العكس هو الصحيح؛ فإنه ينبغي للمسلم أن يدعو وأن يهتم بكل أمور المسلمين، لكن أول ما يهتم به ويدعو إليه هو ما يتعلق بتوحيد الله تعالى ونبذ الشرك ونبذ المبتدعات، وبعد ذلك يهتم بالأمور الأخرى، ويهتم بالأصول حتى بترتيبها، يهتم بأصول الإيمان وأركان الإسلام، وإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسائر شعائر الإسلام الظاهرة، كما يهتم في نفس الوقت بأصول الأخلاق، ويهتم بقضايا المسلمين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والإعلامية، وهذا كله حق، لكن لن تصلح أحوال المسلمين ولن تستطيع الدعوات المعاصرة أن تصحح أمور المسلمين على نهج قويم إلا إذا جعلت أول أهدافها عملياً ونظرياً الدعوة إلى توحيد الله ونبذ الشرك والبدع، وما لم تفعل ذلك فإنها محكوم عليها إما بالفشل وإما بالانحراف، وأنا أظن أن من أعظم أسباب فشل كثير من الدعوات التي قامت منذ عشرات السنين وتخبطها في تيه التجارب الفاشلة أنها تساهلت في التوحيد وجعلته بدرجة أدنى، وإن ادعت نظرياً أنها تدعو إلى التوحيد، لكنها عملياً لا تتساهل فيه فقط، بل إنها تلمز الدعاة إلى التوحيد، تلمزهم وتجعل من أخطائهم ومما تنتقدهم به أنهم يدعون إلى توحيد الله وينبذون القبوريات والشركيات. وبناءً على هذا نعرف أن القاعدة القطعية عند سلف الأمة وعند أئمة الهدى إلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة أن أول ما ينبغي أن تعنى به كل دعوة شاملة في المسلمين هو توحيد الله تعالى ونبذ الشرك والبدع، ثم بعد ذلك تهتم بالأولويات بحسب درجتها في الشرف، ولتساهل بعض هذه الدعوات في التوحيد نجدها تتساهل حتى في أركان الإسلام وحتى في أصول الإسلام الأخرى كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسبب هذا التساهل هو الإخلال بالأصل الأول. ثم إنا نعلم قطعاً أنه إذا صحت عقائد المسلمين بتوحيد الله تعالى، وإذا تخلصوا من البدع والشركيات صلحت أحوالهم الأخلاقية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإعلامية، وهذا لا شك فيه ولا ريب، فإذا صلحت أحوال المسلمين وصلحت قلوبهم وعباداتهم واستقامت على التوحيد الخالص ونبذ الشركيات والبدع والقبورية وغيرها، فإنه لا بد بالضرورة أن تصلح أحوالهم الأخرى، والله يهيئ لهم من أمرهم رشدا، وهذا أمر قطعي يجب أن يعلمه كل طالب علم وأن يفقه غيره فيه.

стр. 66

بيان مذهب السلف في أول واجب على المكلف وزلل أهل الكلام في ذلك قال رحمه الله تعالى: [ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم]. في هذه الكلمات يشير الشارح إلى مذاهب الناس في أول واجب على المكلف، مع أن هذه المسألة محسومة شرعاً عند أهل السنة والجماعة، لكن مع ذلك تنازعت فيها الفرق، ولا شك في أن أول واجب على المكلف هو أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، هذا أمر بدهي، وإنما النزاع: هل يلزمه إذا بلغ أن ينطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، أم يكفيه إذا كان في بيئة مسلمة أن يكون مع المسلمين ويظهر الإسلام ويصلي ويصوم ويقيم الأركان؟ وهذا الثاني هو الصحيح؛ لأنه لا يلزم الإنسان في الدقيقة التي يبلغ بها سن الرشد أن ينطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إذا كان بين ظهراني المسلمين، هذا لا يلزم؛ لأنه مسلم في الأصل، ونشأ في المسلمين، فإذا صلى وصام وأقام شعائر الإسلام فهو مسلم، ولو لم يسمع نطقه بالشهادتين؛ لأنه عمل بالمقتضى الذي هو أقوى من النطق، عمل بمقتضى الشهادتين الذي هو أقوى من النطق، ومع ذلك قد يقال من باب التكلف: لو نطق لكان أفضل وإنما يلزم النطق بالشهادتين من دخل في الإسلام بعد الكفر، فهذا يلزمه النطق بهما؛ لأنهما مفتاح الدخول في الإسلام. فكون الشهادة بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله أول واجب على المكلف أصل لا يختلف فيه أهل العلم المحققين من أئمة الدين، إنما النزاع جاء بعدما ظهر علم الكلام وظهرت القدرية والمتكلمة من الجهمية والمعتزلة ثم الأشاعرة والماتريدية وغيرهم، فهؤلاء أتوا ببدع عظيمة في هذا الأمر، فقالوا: أول واجب على المكلف أن ينظر، فما معنى ينظر؟ يعني: يشك: من ربك؟ وما أدلة التوحيد؟ ثم كيف يعبد الله؟ ثم يشهد الشهادتين، وهذا إخراج للناس عن الفطرة وإدخال لهم في التيه والضلال والشك، بل هو دعوة إلى الإلحاد والانحراف؛ لأن الإنسان إذا شكك فقيل له: أين رأسك؟ فذهب ليلمسه؛ فإن تشكيكه في الله يؤدي لإثبات وجوده إلى طلبه بالحس! فلا ينبغي أن يكون النظر هو طريق الوصول إلى معرفة الله ووجوده وتوحيده ثم إلى عبادته ثم الخضوع والتسليم له، لا يجوز هذا؛ لأن مقتضى الفطرة أن الإنسان على التوحيد، ومقتضى الفطرة أنه مسلم لله تعالى، فإذا نشأ مسلماً بين المسلمين فهو -بالضرورة- عارف للإسلام وعارف لوجود الله ووحدانيته. ثم إن الدخول في إثبات الوحدانية والتوحيد بالأدلة العقلية لا يستوعبه كل الناس؛ لأنهم ينشئون على الفطرة التي هي الإيمان بالله، ومن حاول أن يزداد يقيناً عن طريق الشبهات العقلية فإنه لن يزداد إلا شكاً، إلا قلة من المتمكنين الذين يريدون أن يثبتوا لبعض الملاحدة أو من في قلوبهم شبهات هذه الأمور؛ أما أن يكون ذلك مسلكاً لكل مسلم يسلك فيه إلى الإسلام أو الإيمان؛ فهذا من الباطل قطعاً، بل يؤدي إلى الشك؛ ولذلك وردت قصة صحيحة رواها كثير من الكتاب في الملل والنحل وغيرهم للرازي المتكلم، وذكرتها أكثر من مرة، لكن لها في هذا الموطن مناسبة. يقولون: إن الرازي مر ذات مرة بعجوز كانت تتشمس أمام بابها ومعه حشد من طلاب علم الكلام وراءه يكتبون ما يقول، فعجبت من هذا الرجل فسألت سؤال الساذج، فقالت: من هذا؟! قالوا: أما تعرفينه يرحمك الله؟! قالت: لا، أهو الملك؟ أهو السلطان؟ قالوا: لا، قالت: أهو الوالي؟ أهو القائد؟ أهو فلان؟ قالوا: لا. ثم قالوا: هذا من يملك على وجود الله ألف دليل، قالت: تباً له، والله تعس، إن كان ذلك ففي قلبه ألف شك، أفي الله شك؟! وهذا نداء الفطرة، فهذه ما عندها شك في وجود الله، وكذلك غيرها من عامة المسلمين، بل إن المتعلمين وطلاب العلم إذا بقوا على فطرتهم فما جاءتهم الشبهات والأهواء فالأصل فيهم التسليم لله تعالى بالجملة، ويحتاجون إلى تفصيل الشرائع فقط وتفصل العقائد التي وردت، وهي غيب لا يعلمه إلا الله. أما مسألة وجود الله فالباحث عنها كمن يجلس في الشمس ثم يقول: اثبتوا لي أن الشمس طالعة، فماذا يقال عنه؟ أهو عاقل؟! بل غير عاقل، ففي عقله خلل.

стр. 67

بطلان اعتماد الشك قبل اليقين في التوحيد وهناك نظرية خطيرة عند الفلاسفة، وإن كانت قليلة في المتكلمين الذين يدعون الإسلام، لكنها توجد عند فلاسفة ممن يسمون بالفلاسفة الإسلاميين، ووجدت أيضاً في العصر الحديث، جاءتنا عن طريق النظريات الغربية، وقال بها بعض الكتاب المحدثين من المسلمين، وهي قضية الشك قبل اليقين، فهذا مبدأ هدام، ويرتكز على القول بأنه لا ينبغي للمسلم أن يسلم بكل شيء، فإن قيل له: محمد رسول الله فينبغي أن يتثبت من كون محمد رسول الله ﷺ ، وإن قيل له: لا إله إلا الله؛ فينبغي أن يتثبت، وإن قيل له: هناك شيء اسمه بعث فينبغي أن يتثبت، فيخضع القضية أولاً للبراهين العقلية والعلمية، فإن وصل إلى يقين آمن وإن لم يصل إلى يقين فهو في حل من الإيمان، وهذا هو الإلحاد بعينه وهو الزيغ والزندقة، وقد تبناها بعض الكتاب المحدثين حتى كتبوا كتباً مثل (الشك قبل اليقين) وغيرها من الكتب الهدامة التي دخلت على شباب المسلمين وأوجدت عندهم زعزعة في العقيدة وعدم الثقة بالإسلام. فالحاصل أن هؤلاء المتكلمين بعضهم يقول: يجب النظر على كل إنسان، سواء تمكن أو لم يتمكن، فلا بد من أن ينظر، بمعنى: أن يفكر في خالقه، فيفكر في توحيد الله، ولا بد من أن يصل إلى النتيجة بعقله، وبعضهم قال: لا يلزم ذلك كل الناس، وهذا المذهب الثاني هو مذهب القصد إلى النظر، وعليه من يسمون بمعتزلة المتكلمين، وليس بمتكلمي المعتزلة، فالمعتدلون من المتكلمين يقولون: لا يلزم أن نقول: يجب النظر، إنما يجب القصد إلى النظر، فما معنى القصد؟ معناه: محاولة النظر، يعني: أن العاقل إذا بلغ يختلف ذكاؤه، فإن كان ذكياً فعنده القدرة على النظر، فينبغي أن يقصد النظر، فإن توصل إليه فبها ونعمت، وإن لم يكن ذكياً فقد لا يستطيع، فالمهم أن يحاول، هذا معنى القصد، أن يحاول النظر، فيتفكر في أدلة وجود الله وفي وحدانيته، فإن تمكن وإلا كفاه ذلك، فالمهم أن يشرع ويقصد النظر، ويتعمد الشك، وهذا مؤدى الكلام، وهم ما قالوا كذا، لكن قالوا: لا بد من أن يقصد البحث عن أدلة وجود الله وتوحيده، فإن استطاع فبها ونعمت، وإن لم يستطع فهو معذور، والسلف يقولون: لا يجب عليه النظر، فإن كان عاقلاً ذكياً ملماً بدين الله وفقيهاً فله النظر في ذلك بعد اعتقاده توحيد الله ومعرفة ما جاء في الكتاب والسنة. وإن لم يملك هذه الأصول فلا نكلفه ما لا يستطيع، أما إذا أراد ذلك بعقله دون اهتداء بشرع الله فسيهلك؛ لأنه لن يصل إنسان إلى الغيب، ولا سبيل للعقل إلى الغيب أبداً، ولو كان العقل يستطيع أن يعلم الغيب ويصل إليه ما صار غيباً، لو استطاعت العقول أن تتمكن من معرفة الغيب على وجوهه التفصيلية ما سمي غيباً، بل يصير شهادة، حيث صار مدركاً، والمدرك ليس بغيب.

стр. 68

بيان محمل قول إبراهيم الخليل في النجم والقمر والشمس: هذا ربي وأما قصة إبراهيم ﵇ حين نظر في ملكوت الله فلا تحمل على أنه كان يبحث عن وجود الله، وليس عنده شك في أن الله واحد وأنه وحده المعبود؛ إذ ربما كان في ذلك الوقت لم ينزل إليه الشرع، وقد كان موجوداً في بيئة وثنية، فهو رفض الأصنام، وكان يبحث عن طريق صحيح إلى عبادة الله، فبعقله بحث عن هذا الطريق فوصل إلى أن الله لا يعبد من خلال مظاهر ناقصة، إنما يعبد من خلال الكمال، ولا يعبد من خلال الوسائط، إنما يعبد بدون وسيط، بطريقة شرعية، فتوصل بفطرته إلى أن تلك الأشياء نظراً لنقصها -حيث أفل النجم والقمر والشمس- لا يمكن أن تكون هي الله أو الموصلة إلى الله، فعرف أن الله يعبد دون هذه الأشياء؛ لأنها ناقصة والناقص لا يستحق العبادة، فلم يكن عنده شك في توحيد الله تعالى ولا في وجوده، وإنما لم يكن عنده الشرع، والله أعلم بالذي به يعبد، فكانت هذه تهيئة له ليتنزل عليه شرع قويم، وهو دين الحنيفية، وقد ورد أيضاً أن ذلك كان من باب إقامة الحجة على الآخرين، لكن هذا تأويل قد يصح وقد لا يصح، والحاصل أن إبراهيم ﵇ توصل إلى أن هذه مخلوقات ناقصة، وتوصل إلى توحيد الله الخالص، وهذا لا يقاس عليه؛ لأن إبراهيم في ذلك الوقت لم يكن عنده شرع منزل ولا رسالة، فلا يقاس عليه المسلمون الآن، فقد قامت عليهم الحجة بالقرآن والسنة وإقامة البراهين، بل جميع البشر قامت عليهم الحجة بالإسلام وبأدلة الإسلام المتمثلة في الكتاب والسنة والحجج العقلية التي رسمها القرآن.

стр. 69

مذهب أئمة السلف فيما يؤمر به الصبي حال البلوغ قال رحمه الله تعالى: [بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقيب بلوغه، بل يؤمر بالطهارة والصلاة إذا بلغ أو ميز عند من يرى ذلك، ولم يوجب أحد منهم على وليه أن يخاطبه حينئذ بتجديد الشهادتين، وإن كان الإقرار بالشهادتين واجباً باتفاق المسلمين، ووجوبه يسبق وجوب الصلاة لكن هو أدى هذا الواجب قبل ذلك].

стр. 70

حكم من أتى بخصائص الإسلام دون النطق بالشهادتين قال رحمه الله تعالى: [وهنا مسائل تكلم فيها الفقهاء: فمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين، أو أتى بغير ذلك من خصائص الإسلام ولم يتكلم بهما هل يصير مسلماً أم لا؟ والصحيح أنه يصير مسلماً بكل ما هو من خصائص الإسلام، فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال النبي ﷺ : (من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة)، فهو أول واجب وآخر واجب].

стр. 71

شرح العقيدة الطحاوية [٧] ينقسم التوحيد في التقسيم العلمي إلى: توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية وتوحيد الأسماء والصفات، والمراد به في باب الأسماء والصفات إثبات ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله على الوجه اللائق بالله ﷻ ؛ وقد ظهر في هذا الباب من يقول بنفي الصفات واعتبار ذلك توحيداً، فأفضى بهم ذلك إلى اعتقاد لوازم كفرية وإن لم يعتقدها بعضهم، وأما توحيد الربوبية فإن تقرير القرآن الكريم له يراد به إثبات توحيد الإلهية، ودلائله متعددة بتعدد المخلوقات الشاهدة على وجود خالقها ﷻ ، وقد جانب الهدى فيه أهل الكلام وأتباعهم من الصوفية، حيث اعتبروه الغاية التي يفنى فيها الباحثون.

стр. 72

توحيد الأسماء والصفات وعقيدة النفاة فيه قال المصنف رحمه الله تعالى: [فالتوحيد أول الأمر وآخره، أعني توحيد الإلهية، فإن التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع: أحدها: الكلام في الصفات. والثاني: توحيد الربوبية، وبيان أن الله وحده خالق كل شيء. والثالث: توحيد الإلهية: وهو استحقاقه أن يعبد وحده لا شريك له]. مما ينبغي التنبيه عليه في هذا التقسيم -وسيرد كثيراً في ثنايا الطحاوية، بل في كثير من كتب العقيدة المتأخرة- أن هذا التقسيم لا يعني تنوع التوحيد، ولا يعني أن التوحيد يتجزأ، فالتوحيد واحد لا يتجزأ، لا من حيث العمل ولا من حيث الاعتقاد، ولا يسع أي مسلم أن يعتقد نوعاً ويترك الآخر، أو أن يقول: هذا هو المعتقد والباقي يمكن أن يتساهل فيه، إذاً: فتقسيم التوحيد إلى توحيد أسماء وصفات وربوبية وإلهية، أو توحيد خبر وتوحيد طلب، ونحو هذا من التقسيمات؛ تقسيم علمي توضيحي تفسيري فقط من أجل تمييز مباحث التوحيد الذي اختل مفهومه عند الفرق؛ لأن منشأ هذا التقسيم العلمي هو أن الفرق المفترقة فرقت بين أنواع التوحيد، فوقفت عند قسم واحد وتركت الأقسام الأخرى، فغاية ما يهتم به أغلب أتباع الفرق هو توحيد الربوبية الذي يعترف به المشركون، فهؤلاء إذا فسروا ألفاظ التوحيد ومعاني التوحيد وحقائق التوحيد ومطالب التوحيد قصروها على توحيد الربوبية، فمن هنا اضطر السلف إلى تنويع معاني التوحيد العلمية الفنية كما يسمى في العصر الحديث، فهذا تقسيم فني تقريبي فقط وليس تقسيماً ذاتياً حقيقياً، لأن التوحيد واحد لا يتجزأ، وهو أيضاً من حيث الاعتقاد والعمل لا فرق فيه، فهذه الأنواع الثلاثة كلها لا يمكن أن يكتمل الإسلام والدين والتوحيد إلا بها جميعاً. قال رحمه الله تعالى: [أما الأول: فإن نفاة الصفات أدخلوا نفي الصفات في مسمى التوحيد، كـ الجهم بن صفوان ومن وافقه، فإنهم قالوا: إثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب!]. الواجب هنا معناه: الموصوف، فقولهم: إثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب يعني: تعدد الموصوف؛ لأنهم قسموا الوجود إلى واجب وجائز، أو واجب وممكن، وهذا تقسيم فلسفي عجيب. وسبب ذلك الفرار من أسماء الله وصفاته، لا يرغبون في أن يسمى الله الأول والآخر والصمد ونحو ذلك مما ثبتت في النصوص، بل يقولون: واجب الوجود، يعني: أن وجوده أمر أزلي قطعي ضروري من أجل أن يكون هو مصدر الموجودات، وكأن هذا التزام عقلي فقط. قال رحمه الله تعالى: [وهذا القول معلوم الفساد بالضرورة؛ فإن إثبات ذات مجردة عن جميع الصفات لا يتصور لها وجود في الخارج، وإنما الذهن قد يفرض المحال ويتخيله، وهذا غاية التعطيل]. هذه فلسفة تقوم عليها أكثر أصول الفرق المؤولة والمتكلمة، فلسفة تعدد الواجب، أو الكلام عن واجب الوجود وجائز الوجود، أو عن نفي أسماء الله وصفاته، وأنها لا بد من أن تنفى دفعاً لتعدد الموصوف إلى آخره، هذه كلها فلسفة قديمة قبل الإسلام موجودة إلى الآن في الأمم، وإلى الآن تدرس في المدارس الغربية على أنها فلسفة ثابتة مستقرة عندهم، فهذه الفلسفة تقوم على تصور وجود الله وجوداً خيالياً فقط، لأنهم ظنوا أن الذات لا بد من أن تشبه ذوات المخلوقات، فمن هنا نفوا ذات الله، ونفي الذات كاد يتفق عليه الفلاسفة وغلاة المتكلمين كالجهمية وغلاة المعتزلة، يكادون يتفقون على إنكار ذات الله، حتى المتكلمين من الأشاعرة تكلموا في الصفات بطريقة تؤدي إلى إنكار الذات، لكن ليس بطريق مباشر كما يقول الجهمية، فالجهمية لا يتورعون عن إنكار الذات، فلما أنكروا الذات تبعاً للفلسفة القديمة -حيث إنهم يتشبعون بالفلسفة قبل أن يأخذوا الكتاب والسنة- وردت عليهم ألفاظ الشرع التي فيها أسماء الله وصفاته، فألزمهم هذا بأن يكون لله ذات موصوفة ومسماة، فلما وجدوا هذا الإلزام قالوا: هذه الألفاظ ألفاظ مجردة لا تدل على موصوف فقيل لهم: لماذا لا تثبتون أسماء الله تعالى؟! فقالوا: لأنها متعددة، وتعدد الصفة يدل على تعدد الموصوف، والله لا يمكن أن يتعدد، مع أن هذه بدهية لا يصح أن تقال؛ فالمخلوق ألا تتعدد صفاته؟! أليس الإنسان فيه حلم وعلم وإرادة وحكمة وكلام وسمع وبصر وهو إنسان واحد؟! فهم قالوا: إذا تعددت الصفات دل هذا على تعدد الموصوف، فقيل لهم: ما دليلكم؟ فلم يكن لهم دليل، وليس عندهم من دليل إلا أنهم يعتمدون على الفلسفة التي تقول: إن تعدد الصفات يدل على تعدد وجوه الموصوف. وربما لا يجرءون على أن يقولوا بأن تعدد الصفات يدل على أن الموصوف لا بد من أن يكون موجوداً وجوداً ذاتياً مبايناً منفصلاً عن المخلوقات، وأن وجوده لا بد من أن يكون في العلو وفوق خلقه إلى آخره، فهذه المستلزمات كلها توصلهم إلى الإقرار بالاستواء والإقرار بالرؤية، فهروباً من هذه الأمور كلها قالوا: هذه الأسماء والصفات لا تدل على موصوف، وإنما هي ألفاظ افتراضية تقال من أجل ضبط سلوك الناس، ومن أجل تعلق الناس بشيء غيبي يضبط سلوكهم، لكن أن يكون هذا الموجود له وجود ذاتي مستقل وأسماء وصفات غير حاصل، هذا زعمهم، وهذه مقولة فلسفية قديمة اعتمدت عليها

стр. 73

لوازم القول بنفي الصفات

стр. 74

القول بالحلول والاتحاد قال رحمه الله تعالى: [وهذا القول قد أفضى بقوم إلى القول بالحلول أو الاتحاد]. الحلول والاتحاد بينهما بعض الفرق، وبعض الناس -أيضاً- يفرق بين ثلاثة ألفاظ ستأتي، فبين هذه المعاني وجوه تشابه ووجوه اختلاف، وسنقف عند الحلول والاتحاد، فالحلول يقصد به عند كل الأمم التي تقول به وعند حلولية الباطنية وحلولية الفلاسفة والفرق التي ظهرت في الإسلام: أن الله حال في كل شيء، وأنه ممتزج بالأشياء كامتزاج الروح بالجسد، وكامتزاج الماء بالعجين، تعالى الله عما يقولون، وهذا يؤدي إلى القول بأن الله خلق الخلق في الله، فيؤدي إلى وحدة الوجود. أما كلمة الاتحاد فتعني ما هو أبلغ من ذلك، تعني: أن الخالق متحد بالمخلوق، فهو هو لا فرق بينهما، تعالى الله عما يزعمون. قال رحمه الله تعالى: [وهو أقبح من كفر النصارى؛ فإن النصارى خصوه بالمسيح، وهؤلاء عموا جميع المخلوقات]. كفر الحلولية والاتحادية - كـ ابن عربي ومن نحا نحوه- أكبر من كفر النصارى؛ لأن النصارى زعموا أن واحداً من البشر حل فيه الله فقط، فالنصارى قالوا: عيسى هو الذي حلت فيه روح الله، أما هؤلاء الزنادقة فقالوا: الله حل في جميع المخلوقات حتى ما لا يليق ذكره، تعالى الله عما يزعمون. قال رحمه الله تعالى: [ومن فروع هذا التوحيد: أن فرعون وقومه كاملو الإيمان، عارفون بالله على الحقيقة!]. يقصد بالفروع هنا اللوازم، فهو بدأ باللوازم، يعني: لوازم القول بأن إثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب، ومن هنا أنكروا الصفات، فقولهم بإثبات ذات مجردة عن جميع الصفات، أو قولهم بإثبات وجود غير وجود الذات أدى إلى لوازم: اللازم الأول: هو الذي ذكره بقوله: إنه يؤدي إلى الحلول والاتحاد؛ لأنه -كما قال السلف- من ادعى أن الله ليس له أسماء ولا صفات، أو قال ببعض الأسماء، أو أنكر الأسماء وأثبت الصفات أو العكس، أو قال بأن الله موصوف بالصفات لكن هذه الصفات ليس لها معان، كأن يقول بأن الاستواء لا يقصد به الاستواء، أو قال بأن الله لا يوصف بالفوق، ولا بأنه داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين ولا محايث، وليس له وجود ذاتي، ولا هو غير المخلوقات ولا هو هي، وليس بعرض ولا بجوهر؛ فإلى أي شيء تؤدي لآته هذه؟! و الجواب إلى لا شيء، وهذا ما يريده الفلاسفة، فالجهمي لا يتورع عن أن يقول: إن الله لا شيء! بل قال الجهم بن صفوان: إن الله ليس بشيء! فهم لا يتورعون، وإنما الكلام فيما يلزمهم من لوازم. يقول: إن من لوازم هذا القول: أنهم إذا قالوا بأن الله ليس كذا ولا كذا ولا كذا؛ فهذا يعني أنهم إن اعترفوا بوجود الله فأين سيكون؟! فهذا يؤدي إلى الحلول والاتحاد ولا بد، فإنكارهم أن يكون الله القاهر فوق عباده، وأنه سبحانه العلي بذاته، وأنه مستو على عرشه مع قولهم بوجود الله يعني أنه لا مقر لهذا الوجود إلا المخلوقات، فيكون الله عندهم حل بالمخلوقات أو اتحد بها تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

стр. 75

اعتبار فرعون وقومه كاملي الإيمان ومن اللوازم أن فرعون وقومه كاملو الإيمان؛ لأن فرعون حينما زعم أنه هو رب الناس ما قال إلا الحقيقة؛ فحينما ألزمناهم بالقول بالحلول والاتحاد كان مؤدى ذلك أن الله حل في فرعون وغيره، فحينما قال: أنا الله فقد قال الحقيقة، والعجيب أن هذه المقولة انتصر لها أبرز حلولية المتصوفة، وهو ابن عربي، يقول بأن فرعون مؤمن، وله كتاب في هذا اسمه: (إيمان فرعون)، وهذا الكتاب موجود مطبوع، وأرجو -إن شاء الله- ألا تروه ولا تقرءوه، وقد حصلت عليه، وفلسفته موجودة إلى اليوم في فلاسفة الصوفية، كـ مصطفى محمود ومن نحا نحوه، يقولون بأن فرعون والحلاج وأمثالهما الذين ظهروا في التاريخ هم عباد لله، لكنهم شطحوا وتهوروا حينما أعلنوا الحقيقة، فالحقيقة لا يدركها إلا الخلص من البشر الذين يعرفون أن الله هو كل شيء، وكل شيء هو الله، وأنهم هم الله والله هم! هذه الحقيقة لا تدركها العامة، فحينما أعلنها فرعون تهور فعاقبه الله بالغرق، وهذه عقوبة شكلية فقط، وإلا فهو مؤمن. والحلاج حينما قال: ما في الجبة إلا الله بزعمهم؛ قالوا: لأن الحلاج هو الله، لكنه أعلن الحقيقة أمام العامة، وسبب ذلك أنه ما استطاع أن يلغي الحقيقة حينما وصل إليها، فتهور وأعلنها أمام العامة، وهم لا يقصدون بالعامة العوام، فبعض الناس يظن أنهم إذا قالوا: العامة يقصدون العوام الجهلة عندنا، وليس كذلك؛ بل يقصدون بالعامة الأنبياء والمرسلين وأتباعهم، فهؤلاء هم العامة عندهم وليس العوام، بل بعض العوام هم وإياهم على حال واحدة؛ لأنهم قد يطيعونهم ويسلمون لهم بغير شعور، وارجعوا إلى كتبهم فستجدون هذا المفهوم عندهم، يقصدون بالعامة علماء الشريعة، لذلك يسمون علم الشرع علم العامة، وهذا اللفظ موجود في كتب الصوفية إلى يومنا هذا، ومن الذي جاء به؟! أليس الأنبياء؟! يسمونه علم العامة، وعلم المساكين يقصدون بهذا أن الحقائق لا يدركها إلا الخلص الذين هم من الملاحدة والزنادقة.
следующие страницы →