Полный текст (1 296 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
الخوض في أمور الأمة الكبرى
من الأسباب التي ربما تؤدي إلى ظهور نزعات التكفير أو التمهيد للوقوع في التكفير الثرثرة في الأمور الكبرى التي ليست في مقدور الشباب ولا في مقدور العوام، فالثرثرة في هذه الأمور تشحنها، ثم تؤدي إلى سرعة الحكم بالأشياء، مثلاً: الكلام في مصالح الأمة العظمى التي ليست من شأن العوام ولا من شأن الصغار ولا من شأن النساء، فالثرثرة في هذه الأمور تؤدي في النهاية إلى التكفير.
ولا شك أن أعظم سبب لوجود التكفير وجود المنكرات والإعراض عن دين الله في أكثر البلاد الإسلامية، ولا يشك في هذا ولا يجحده إلا جاهل، لكن هناك بواعث أخرى نعرفها ونستطيع علاجها، وربما يسهم بعضنا فيها وهو لا يشعر، فأنا الآن أتكلم مع طائفة من طلاب العلم، ولست أتكلم للناس جميعاً، فأنا أكلم هذا الصنف لأنهم يدركون هذه الظواهر ويستطيعون علاجها ويرونها في المجتمع، أعني الثرثرة وكثرة الكلام وشحن القلوب، كما تفعل بعض النشرات وغيرها بغير بصيرة وهدى، كالكلام في العلماء، والكلام في الولاة، والكلام في المظالم، فهذه قضايا عامة كبيرة لا تستوعبها عواطف الصغار ولا عواطف النساء ولا عواطف العوام ولا عواطف كثير من أبناء الأمة، فالثرثرة فيها مصائب من ورائها، إلا أنها سمة من سمات كثير من حركات المسلمين المعاصرة، أو سمة من سمات العصر الحديث، فالأسلوب الصحفي ليس مبرر لطالب العلم أن يجاري وينشر بين أهل الخير هذه القضايا، فهي الممهدة للتكفير، وهي الممهدة للعنف.
وكذلك الثرثرة في مسائل علمية كبيرة لا يستطيع الناس الحكم فيها، كمسألة الكبائر وحكم أهلها، ومسألة الكفريات وحكم أهلها، والبدع بأشكالها وحكم أهلها، وما يقع في قضايا الحكم بغير ما أنزل الله ونحوها، فهذه قضايا كبيرة لا يستطيعها الصغار ولا الكثير من الناس، فهذه تناقش عند أهل العلم، نعم تبين للناس في الكتب وتبين للناس في المحاضرات، ولكن ببيان يناسب الناس، تبين القواعد والأحكام والأصول، وتبين القضايا الرئيسة التي تناسب عقول الناس، لكن إصدار الأحكام على الأشخاص، وتطبيق الأحكام على الهيئات، وتطبيق الأحكام على الدول، وتطبيق الأحكام على الجماعات في المجالس عند من هب ودب من أسباب ظهور نزعات التشدد والتشنج والتكفير.
وكذلك الكلام في مثل البيعة والخروج وإلزام الناس بما لا يلزم، كأن يقال: من فعل كذا فهو مبتدع، ومن فعل كذا فهو فاجر، فتوضع قواعد على غير أصولها، فلذلك كانت سمة أهل العلم أنهم إذا جلسوا في المجالس العامة يقرءون كتباً تناسب العامة، ويطرحون قضايا تناسبهم، ويطرحون أحكاماً تتعلق بأعمالهم اليومية التي يدركونها، أما القضايا العامة الخطيرة -كقضايا التكفير- فلا يتعرضون لها في مثل هذه المجالس.
ومن الظواهر المزعجة التي بدأت تكثر في مجتمعاتنا الآن كثرة الثرثرة في القضايا الخطيرة في الأشخاص والهيئات والجماعات وفي مصالح الأمة العظمى مع وجود من ينتسب للعلم، وربما يشارك الناس ويؤيدهم أو يسكت ويصمت في مثل هذه المجالس، ولا يبين ولا يعظ، فيظن الناس أن هذا مشروع، بل ربما يدعي بعض القاصرين ممن ينتسبون للعلم أن هذا مشروع.
стр. 772
الحكم على نيات الناس وما في قلوبهم
ومن النزعات التي توصل إلى التكفير: الكلام في نيات الناس، الكلام عن النيات والقلوب، والاستجابة للشائعات، والحكم على أشخاص في أمور لم تثبت أو لم تقم عليهم الحجة فيها، والحكم على المخالف قبل نقاشه، واستعداء الآخرين على المخالف في الرأي، وأرى أن هذه ظاهرة خطيرة، وأظنها من سمات الخوارج، كطالب علم أو إنسان له خلاف مع طالب علم أو مع أحد المشايخ، فيذهب يستعدي المشايخ الآخرين، ويستعدي المجتمع عليه بحجة أن هذا له رأي خطير، فهذه المسألة تؤدي إلى فتنة بين المؤمنين، وهي من سمات الخوارج، فالاستعداء مسألة خطيرة جداً، لا سيما أن أكثر ما يدور بين طلاب العلم والمشايخ من الأمور الخلافية، حتى ما يقال عنه: إنه بدعة، فالاستعداء أرى أنه من الوسائل التي تؤدي إلى التشدد والتشنج وتفريق ذات البين، وشحن قلوب المسلمين بعضها على بعض مما يؤدي في النهاية إلى تكفير بعضهم لبعض، وهذه هي نزعة التكفير عند الخوارج.
стр. 773
السلوك التديني المخالف لما عليه أهل العلم
ومن النزعات: سلوك مسالك تخالف أهل العلم في التدين، وهذه -وإن كانت أحياناً تحدث عن تورع- تؤدي في كثير من الأحيان إلى غرس مذاهب واتجاهات ربما تصل إلى مذاهب الخوارج أو تصل إلى التكفير، وأعني بذلك الشذوذ عن العلماء وعن جمهور طلاب العلم في قضايا وإن كانت اجتهادية، مثل تحريم بعض الأشياء المباحة أو التي ما حرمها العلماء، كتحريم الدراسة في المدارس، فهذه نزعة قد تجدها عند شخص تورعاً، فهي مسألة تخصه، لكن أن نقول: إنه مبتدع، ويدعو إلى ترك الدراسة، ويصد أبناء المسلمين عنها بدعوى أنها بدعة؛ فهذا يؤدي في النهاية -إذا لم يعالج- إلى مذاهب الخوارج.
وكذلك تحريم حمل البطاقات، وتحريم حمل العملة، نعم هناك ناس يتورعون عن هذه الأمور تورعاً، وهذا شيء راجع إليهم وأمرهم إلى الله ، ونحسبهم -إن شاء الله- من الصالحين، لكن أن يجعلوا هذا ديناً، ويتهموا من خالفهم، وإذا قيل: إن المشايخ أفتوا بضرورة حمل البطاقة التي فيها صورة اتهموا المشايخ؛ فهذا ما أردت أن أنهى عنه.
وهذه مجرد أمثلة، وأعود إلى ما بدأت به، وهو أن الكلام بالتكفير أمر ينبغي أن يتفاداه الناس إلا عند الضرورة، وأرى أنه في مثل الأحوال التي نعيشها الآن من الضروري لطلاب العلم أن يبينوا للناس القواعد الصحيحة في التكفير، وأن يجلى الأمر وإن أدى هذا إلى الكتابة في الصحف وإلى استعمال وسائل الإعلام المشروعة وإلى محاضرات وندوات ودورات، فأدعو طلاب العلم إلى مثل ذلك في هذه الظروف؛ لأن الأمر وصل إلى حد الإضرار بالمسلمين، والإضرار بأهل الخير، ووصل إلى حد أن ظهرت ظواهر نخشى أن تكون اتباعاً لما عليه الخوارج، ونحن حديثي عهد بقصص التكفير والهجرة، وبجماعة التبين والتوقف، والسعيد من وعظ بغيره.
وهذا اجتهادي، وأسأل الله لي ولكم ولجميع المسلمين التوفيق والسداد والرشاد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 774
الأسئلة
стр. 775
نظرة في واقع صلة الشباب بالمشايخ والعلماء
السؤال
ألا يكون من أسباب التكفير الجوهرية حجب العلماء بأي صورة كانت عن الشباب وعامة المسلمين؟
الجواب
هذا الكلام -في الحقيقة- كلام عاطفي، فمن حجب العلماء عن الشباب؟! فهذا الكلام فيه نظر، فالعلماء أبوابهم مفتوحة، ودروسهم وقلوبهم مفتوحة للشباب، نعم هناك بعض الأمور لظروف اقتضتها، حيث أصبح الناس تحكم حياتهم الأساليب الحديثة والعمل الرسمي، فالعمل الرسمي والمواعيد أمور تحكم حياة الناس كلهم، ولكن من حجب الشباب عن المشايخ؟! لا سيما أن الوسائل ممكنة، فالشباب الذين لا يمكنهم الحضور إلى المشايخ يستطيعون أن يسمعوا أشرطتهم، ويقرءوا كتبهم، ويتصلون بهم بالهواتف، ويتصلون بهم عبر تلاميذهم الوسطاء، فالمسألة ليست صحيحة إلى هذا الحد، نعم قد يكون في التفاف الشباب على مشايخهم وعلمائهم صعوبة؛ لأن الظروف اختلفت منذ زمن، ولكن لا نسمي ذلك حجباً؛ لأننا نعرف أن المشايخ ما أوصدوا أبوابهم، والوصول إليهم متاح.
стр. 776
ضابط الولاء والبراء
السؤال
ما الضابط في الشدة في الولاء والبراء؟
الجواب
الضابط هو قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فأنا أردك إلى أمر واقعي جداً، فالمقياس هو تطبيق أهل العلم الراسخين في العلم، فالمعتدلون من أهل التدين هم المقياس.
стр. 777
التحذير من الخوض في القضايا الكبرى
السؤال
ألا ترى أن كلام بعض الناس في قضايا الأمة العظمى وكبار مسائل العلم نشأ من عدم وجود من يتكلم فيها ومن يوضحها للناس إلى آخره؟
الجواب
نعم.
هذا السؤال وجيه لكنه غير صحيح، أنا لا أقول: إن طلاب العلم يستطيعون أن يحجروا على الناس ألا يتكلموا، الناس الآن عودهم الإعلام وعودهم الواقع وعودهم اختلاطهم بالأمم بأن يثرثروا فيما يشاءون، لا، الذي أنا أتكلم فيه هو الثرثرة باسم الدين وباسم الشرع، وباسم طلاب العلم، وأن يتصدر ذلك ناس من المربين للشباب، من الدعاة، من طلاب العلم، أن يجعلوا ذلك منهجاً لهم، أما أن نكمم أفواه الناس أو نستطيع أن نتحكم في ألفاظ الناس هذا أمر لا نستطيعه، لكن أن يكون ذلك حسبة، وأن يكون هذا منهجاً لبعض طلاب العلم يربون عليه العوام ويربون عليه الشباب هذا هو الذي أنا أنكره، فيجب على طلاب العلم أن يبينوا، وإلا فمن الأصل حتى في تاريخ الإسلام القديم والعوام إذا تحدثوا بحديث يتكلمون في كل شيء، وقد يعزلون وينصبون ما لنا ولهم؟! العوام يجروننا إلى أن نتبنى مناهج خاطئة! حتى كثير من المثقفين وكثير من الأدباء وغيرهم ممن لم يلتزموا الشرع قد يثرثرون في هذه الأمور، ما لنا وما لهم؟! الواقع لا يفرض نفسه علينا، ولا يجعلنا نتخطى المنهج السليم، أنا أقول: يجب على طلاب العلم أن يبينوا للناس أن هذه الأمور يجب ألا يتكلم فيها إلا أهلها وأن لا يجاروهم، وإذا اجتمعوا في المجالس يذكروهم بهذا الأمر، ويناصحونهم بأنه لا يجوز، وأنتم اشتغلوا فيما يسعكم وفي ذكر الله وما والاه، إلى غيره من الأمور التي تهم الناس.
إذاً: أنا أقول: فرق بين الواقع وبين مجاراة الواقع، أما أن يكون نشأ من عدم وجود من يتكلم فيها ويوضحها فهذا ليس صحيحاً على إطلاقه، وكنت أتمنى أن أكثر طلاب العلم إذا حضروا مثل هذه المجالس -كما قلت- أن يقرروا الأصول، لكن الحاصل أحياناً غير ذلك، وهذا ما أقصده، أنه أحياناً يحصل غير ذلك، أن طالب العلم يجاري مثل هذا الحديث ويشارك فيه ويكون له رأي يثرثر مع المثرثرين، هذا هو الذي أنا أخطئه وأرى أنها سمة ظاهرة، أنا لا أتكلم عن ظواهر أو أمور قد تحدث من شخص أو شخصين، أقول: إنها ظواهر كثيرة يعلمها الكثير من طلاب العلم فيجب علاجها، أما أن نتحكم في الناس أو نضبطهم هذا أمر قد لا ندركه، فالأمر لله من قبل ومن بعد، قد لا نستطيع، لكن نعمل ما يسعنا ولا نقع في الخطأ مجاراة للناس والله أعلم.
стр. 778
الموقف من نشر قواعد التكفير في أوساط الشباب
السؤال
إيضاحك لقواعد التكفير مهمة يحتاج إليها كثير من الشباب المسلم، ما رأيك لو تم تعميمها بأي وسيلة؟
الجواب
سبق أن تكلمت في هذا الموضوع بقريب من هذا الكلام منذ خمس سنوات ومنذ سنتين ومنذ ثلاث سنوات، وبعض الكلام نشر لكن على غير هذا التصعيد أو على غير هذا السياق، وبعض هذا الشيء يوجد ضمن كتاب الخوارج الذي صدر أخيراً في (سلسلة الأهواء) الحلقة الرابعة، كما يوجد ضمن كتاب جديد اسمه (من قضايا الصحراء)، الفقرة الأخيرة منه في هذا الموضوع، طبعاً السلسلة مناسبة للعامة، أنا أتكلم الآن في مجلس أنا أقول: إنه من المجالس الخاصة، كلامي هذا لا أرى أنه ينشر إلا بتقعيد وتفصيل وعرض على المشايخ وأهل العلم، بتقعيد وتفصيل وببيان وبأسلوب يناسب عامة المخاطبين، لا يعني هذا أن ما أقوله لكم لا أرى أن يثار، لا، أرى أن يثار لكن يثار بما يناسب الناس، ما هو بكلام خاص، لكن التعبير والتقعيد الذي ذكرته أنا أظنه لا يناسب إلا أمثالكم من طلاب العلم.
وأما بالنسبة لصياغة مثل هذه الأمور بالأسلوب الذي يناسب عامة الناس فكما قلت، أنا بدأت به على شكل معالجات مناسبة في كتاب الخوارج وفي الكتاب الآخر، وربما إن شاء الله إذا تهيأ وقت، وإذا رأيت أن هذا مناسب بعد استشارة أهل العلم ومشايخنا الكبار أن مثل هذا الأمر ممكن أن ينشر؛ فلا حرج عندي
стр. 779
بيان معنى قول الشاطبي: (الكفر بالمآل ليس بكفر في الحال)
السؤال
يقول الشاطبي في (الاعتصام): إن الكفر بالمآل ليس بكفر في الحال، كيف والكافر ينكر ذلك المآل أشد الإنكار، ويرمي مخالفه به، ولو تبين له وجه لزوم الكفر من مقالته لم يقل بها على حال.
فما معنى ذلك؟
الجواب
الذي فهمته أن قصد الشاطبي ﵀ أن التكفير باللوازم أو التكفير بما يئول إليه القول لا يعني بالضرورة أن يكون كفراً من كل الوجوه، أو يكفر به صاحبه، لا سيما وأنه ينكر ذلك، ومثال ذلك أن تعطيل أسماء الله كفر، فلو فرعنا على هذه المسألة لقلنا: إن المؤول الذي أول صفات الله يئول قوله إلى التعطيل، فهل يكون قوله كفراً لمجرد أن قوله يئول إلى التعطيل وهو قد لا يلتزم ذلك أو لا يعتقده؟!
و
الجواب
أنه لا يلزم كل من قال بالتأويل -مع أن قوله يئول إلى التعطيل- أن يكون قوله كفراً ولا أن يكون كافراً، هذا ما فهمته من العبارة.
стр. 780
نظرة في كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي
السؤال
هل على كتاب الاعتصام ملاحظات؟
الجواب
كتاب الاعتصام في الجملة من أجود الكتب التي رسمت المنهج في كثير من مسائل العقيدة، خاصة فيما يتعلق بالأهواء والافتراق ونحو ذلك، وأغلب ما فيه يوافق منهج السلف، وصاحبه حريص على التزام منهج السلف الصالح، وقد وفق في كثير من الأمور في استقراء منهج السلف وتقعيده ووضعه على شكل مناهج وقواعد وأصول يمكن أن تكون مرجعاً لطلاب العلم، ومع ذلك فيه بعض المسائل التي خالف فيها السلف، لكنها مسائل معدودة هي أشبه بالزلات، ولا تدخل في المخالفات المنهجية، مثل مخالفته للسلف في مسألة التحسين والتقبيح، ومثل موافقته لبعض المتكلمين في بعض المسائل في الصفات وغيرها، فعنده بعض الأشياء التي هي أشبه بالاجتهادات التي لا تصل إلى حد أن نقول: إنه فارق أهل السنة في هذه الأمور أو في بعضها، فعنده زلات أشبه بزلات بعض الأئمة الذين خالفوا السنة ويعدون من أهل السنة ووافقوا المتكلمين في بعض المسائل أمثال النووي والبيهقي ونحوهما.
стр. 781
بيان مدى صحة القول بكفر من لم يكفر الكافر
السؤال
ما رأيك في قول القائل: من لم يكفر الكافر فهو كافر؟
الجواب
هذه مقولة ليست صحيحة، بل لا يقول بها إلا صاحب هوى أو جاهل؛ لأن هذه الكلمة مطلقة تحتاج إلى قيود كثيرة، وإطلاقها بهذه الصورة لا يستقيم مع القواعد الشرعية؛ لأن جملة (من لم يكفر الكافر فهو كافر) فيها حكم على الناس بالمجازفة، نعم هناك أمور لا شك أنها قد تنطبق على هذه القاعدة، لكن يجب أن يعبر عنها بغير هذا التعبير، فالكفار من اليهود والنصارى والمشركين لا شك أنهم كفار، ولا أظن مسلماً يجادل في ذلك، ومن تردد في هذا فهو إما جاهل وإما صاحب هوى ربما يكفر بذلك.
فهذه العبارة بهذا الحال مطلقة لم تقيد؛ مع أن هناك من يكون كفره كفراً عملياً، أو كفراً أصغر، أو كفراً في الخصال وليس كفراً في الاعتقاد، يعني: فيه خصلة كفر، فلا يصح أن نقول: من لم يكفره فهو كافر، فكل أصحاب المكفرات الذين لا يخرجون من الملة لا يصح في حقهم إطلاق أن من لم يكفرهم فهو كافر، وأكثر أنواع الكفر بين أهل القبلة من النوع الذي لا يخرج من الملة، مثل قتال المسلمين حيث سماه النبي ﷺ كفراً، كما قال ﵊: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وهذا كفر عملي غير مخرج من الملة، وكذلك تصديق الكاهن، وكذلك في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله في مسائل كثيرة هي كفر دون كفر، والنبي ﷺ ذكرها في أحوال الكفر، والذي يطلق عليه الكفر منها لا يعني أن فاعلها كافر خارج من الملة، ولا أنه ليس من المسلمين، إنما هي من كبائر الذنوب التي تسمى كفراً من باب التغليظ أو من باب الكفر المجازي كما يقول بعض أهل العلم، أو من باب الكفر العملي غير الاعتقادي، أو الكفر بمعنى المعصية، وكل هذه ألفاظ صحيحة.
فهذه الكلمة على إطلاقها لا تصح، لا سيما في هذه الظروف وهذه الأيام التي كثر القول فيها، ووجد من الجهلة من يقول بمثل هذه اللوازم الخاطئة، أنه من لم يكفر الكافر فهو كافر، فالمهم أن القاعدة فيها نظر، وتحتاج إلى تفصيل، وأكثر من يطلقونها يطلقونها على معنى غير صحيح.
стр. 782
حكم تارك الصلاة
السؤال
هل تارك الصلاة يكفر وإن كان يعتقد وجوبها؟
الجواب
هذه المسألة فيها خلاف كثير بين أهل العلم، فهل تارك الصلاة إذا كان يعتقد وجوبها وتركها كسلاً وتهاوناً يكفر كفراً يخرج من الملة أم لا؟ فالصلاة خصت بنصوص كثيرة في مسألة تاركها؛ لأنه وردت أحاديث كثيرة في كفر تارك الصلاة والتغليظ في ذلك، فلذلك اختلف أهل العلم، فمنهم من يقول: إن من تركها وداوم على تركها كافر، وكفره يخرج من الملة، وتترتب عليه أحكام الكافرين حتى وإن لم نتبين اعتقاده، ومنهم من قال: لا شك أن تركها من أعظم الذنوب، وأن من تركها متهاوناً يرتكب ذنباً عظيماً، لكن ما دام يعتقد أنها واجبة فلا يخرج من الملة، والذي عليه أغلب المحققين أن من ترك الصلاة بالكلية فلم يصلها أبداً؛ فإن هذا قرينة على أنه معرض عن شرع الله وعن دينه؛ لأن الصلاة أعظم شعائر الدين، وأنه بذلك تجري عليه أحكام الكافر الخالص، والله أعلم.
стр. 783
شرح العقيدة الطحاوية [٦٧]
إطلاق التكفير في المسائل والأحكام الغامضة يحتاج إلى مراعاة الأحوال والزمان والمكان، كما أن التكفير العام يختلف عن تكفير المعين، فالمعين لابد من توافر الشروط وانتفاء الموانع في حقه حتى يكفَّر، كما أن الأحكام على الفرق والطوائف تحتاج إلى معرفة تامة بأصولها وأدلتها، ومراعاة مآلات الأحكام الناتجة عن ذلك.
стр. 784
البدع من جنس الذنوب في التكفير ببعضها وامتناعه ببعضها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والمقصود هنا: أن البدع هي من هذا الجنس].
يعني: من جنس الذنوب والكبائر، وإن كانت البدع أغلظ ولا شك، لكن عند التفصيل لا تخرج عن جنس الذنوب، فالبدع منها صغائر ومنها كبائر ومنها مكفرات ومنها مخرجات عن الملة.
قال رحمه الله تعالى: [فإن الرجل يكون مؤمناً باطناً وظاهراً، لكن تأول تأويلاً أخطأ فيه، إما مجتهداً وإما مفرطاً مذنباً].
ولذلك ما كفر السلف أهل البدع المؤولة، مثل أكثر المعتزلة وبعض الجهمية والخوارج وأصحاب البدع العملية الذين لا يرتكبون الشركيات، هؤلاء لم يكفرهم السلف مع أنهم بدعوهم وهجروهم وتكلموا فيهم وقبحوا أعمالهم، وأمروا بتعزيرهم أحياناً، ومع ذلك لم يكفروهم.
قال رحمه الله تعالى: [فلا يقال: إن إيمانه حبط بمجرد ذلك، إلا أن يدل على ذلك دليل شرعي، بل هذا من جنس قول الخوارج والمعتزلة، ولا نقول: لا يكفر، بل العدل هو الوسط، وهو أن الأقوال الباطلة المبتدعة المحرمة المتضمنة نفي ما أثبته الرسول أو إثبات ما نفاه، أو الأمر بما نهى عنه أو النهي عما أمر به؛ يقال فيها الحق، ويثبت لها الوعيد الذي دلت عليه النصوص، ويبين أنها كفر، ويقال: من قالها فهو كافر، ونحو ذلك، كما يذكر من الوعيد في الظلم في النفوس والأموال، وكما قد قال كثير من أهل السنة المشاهير بتكفير من قال بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة ولا يعلم الأشياء قبل وقوعها].
стр. 785
أثر اختلاف الأحوال على التكفير في المسائل الواضحة
مسألة التكفير في المسائل الواضحة غير التكفير في مسائل غامضة، وفرق بين من تعمد اعتقاداً مخالفاً في المسائل الواضحة، مثل مسألة القول بخلق القرآن أو نفي الرؤية، وبين الأمور التي ليست واضحة، ولذلك فإن مما ينبغي أن يراعى في مسألة إطلاق الأحكام على الناس اختلاف الظروف واختلاف الزمان والمكان.
فعلى سبيل المثال: مسألة القول بخلق القرآن، ففي القرن الأول ما كانت تثار هذه المسألة، لكن في القرن الثاني والثالث اتفق السلف أو كانوا على ما يشبه الإجماع على أن القول بخلق القرآن كفر، وأن إنكار الرؤية كفر؛ لأن هذا من قطعيات الدين، وصار من المعلوم من الدين بالضرورة؛ لأن الحجة قامت فيه على الناس في ذلك الوقت، لكثرة الكلام فيه، فالكلام فيه دخل كل بيت وكل حجر ومدر، وأصبح قضية القضايا، خاصة في القرن الثالث، لا سيما في عهد المأمون ومن بعده، حتى امتحن العامة فيها، فتكلم السلف في ذلك فوق المنابر وفي كل مجال وفي كل مناسبة، فكانت الحجة فيها قائمة، فتقرر هذا الأصل وبقي أصلاً واضحاً إلى اليوم؛ فصارت قضية القول بخلق القرآن من القضايا الخطيرة التي يعلمها أهل العلم جميعاً.
لكن لو افترضنا -وهذا ما أردت أن أقوله، وأرجو أن يفهم على وجهه الصحيح- أن إنساناً عامياً لم يسمع بهذه المسألة أبداً، ثم جاءه متحذلق من بعض المفتونين يختبره ويمتحنه، يقول: ما تقول في القرآن؟ فأجاب عن جهل بمثل قول الجهمية، فهل نكفِّره لأول وهلة؟
الجواب
لا، بل يعلم، ولا شك أنه إذا كان مسلماً مؤمناً أخذ الحق بدليله.
وكذلك الرؤية، فهي من الأمور الواضحة عند أهل العلم، وكانت في أصل إثارتها من القضايا البدهية؛ لأنها تثار عند العوام وعلى المنابر وفي كل مكان.
على أي حال فقد أردت بهذا التنظير لأمر مهم، وهو قضية التكفير، ليس كل أمر يستفاض التكفير فيه يكفر فيه الناس، وهذا ما أردت أن أقوله أن الناس بحسب الزمان والمكان وبحسب الظروف والملابسات، فقد يأتي يوم من الأيام ينسى فيه الكلام في بعض قضايا العقيدة، فلا يتكلم فيها إلا خاصة العلماء، فالناس يعذرون إذا جهلوها، ولا يكفرون إذا خالفوها؛ لأنه ليس قصدهم المخالفة في قلوبهم، لا سيما إذا كانت من الأمور العلمية وليست من الأمور البدهية الفطرية، ولا شك أن مثل مسألة الرؤية والكلام ليست من الأمور البدهية الظاهرية، إنما هي من الأمور العلمية، وإن كان اتضح فيها القول بحمد الله، وأصبح الناس كلهم يعرفون القول فيها أو أغلبهم، لكنها مع ذلك تعتبر من الأمور التي تحتاج إلى تعلم؛ لأنها غيبية توقيفية، وليست فطرية عقلية.
стр. 786
التضييق في تكفير المعين
قال رحمه الله تعالى: [وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: ناظرت أبا حنيفة ﵀ مدة حتى اتفق رأيي ورأيه: أن من قال بخلق القرآن فهو كافر.
وأما الشخص المعين إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر؟ فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة].
هذا الكلام مبهم مجمل، فقوله: [إلا بأمر تجوز معه الشهادة] كلام مبهم، يقصد به أنك لا تشهد على المعين إلا بأمر تستطيع أن تشهد به، كما تشهد عند القاضي في أمر من الأمور الثبوتية، بمعنى أنك لو استشهدت على شخص لم تره ولم تسمعه لكن سمعت عنه ما قيل فيه، فهل تشهد عليه بمجرد قول الناس عند القاضي؟
الجواب
لا تشهد، وكذا مسألة تكفير المعين، فمهما قال الناس فيه ومهما نقل عنه يجب ألا تشهد إلا بعلم، والعلم لا يتم إلا بتوافر الشروط وانتفاء الموانع، أن تقيم الحجة على الشخص، وتسمع منه، أو ترى منه، ثم تتأكد من أنه ليس متأولاً، وأنه ليس بمكره، وأنه ليس بجاهل في أمور تستوضحها بنفسك، وما لم تستوضح بنفسك فلا تأخذ بأحكام الناس وأقوال الناس في المعين، إلا ما كان عن طريق الاستفاضة عند أهل العلم الموثوقين الراسخين الذين يقيمون الحجة، فهذا أمر يمكن أن تتبع فيه غيرك، بمعنى أن تقول: أقول ما يقوله العلماء، وتسند الأمر إلى العلماء، لكن أن تشهد بشهادة غيرك فلا، فالأمر المستفيض في الحكم على المعين إذا كنت لا تعرفه تقول فيه: أنا لا أخرج قولي عن قول أهل العلم، ومع ذلك لا أشهد بنفسي؛ لأنه ما توافرت عندي شروط الشهادة، أما من لم يستفض خبره -وأغلب أحكام الناس على ما لم يستفض- فهذا أمر لا يجوز الكلام فيه بتكفير المعين أبداً.
وقد ذكرت في قواعد سابقة أن تكفير المعين ليس في مقدورنا، بل ليس من حق كل شخص أو كل طالب علم، ولا يتم ذلك إلا ممن يملكون الاجتهاد وإقامة الحجة والقدرة العلمية ثم الرسوخ والاستعداد وتوافر الشروط في الحكم على المعين، فالحكم على المعين لا يأتي بمجرد اجتهاد فرد أو فردين أو ثلاثة في مسائل معينة إلا في أمور محدودة يعرفها أهل العلم، أما فيما يتعلق بما يحدث بين الناس الآن وقبل الآن فأكثره مما لا تتوافر فيه الشروط، وأكثره من القول بالظن والرجم بالغيب.
قال رحمه الله تعالى: [فإنه من أعظم البغي أن يُشهد على معين أن الله لا يغفر له ولا يرحمه بل يخلده في النار].
هذه لوازم التكفير، وهي لوازم شرعية وليست لوازم عقلية، فهي لوازم شرعية صحيحة، بمعنى أنه من أعظم البغي أن تكفر الشخص بغير علم؛ لأنك إذا كفرته فكأنك قلت بأن الله لا يغفر له إذا مات على ذنبه، ولا يرحمه؛ لأن الكافر لا تشمله رحمة الله إلا إذا تاب، وكذلك إذا حكمت بالكفر على الشخص ومات على ذلك فقد حكمت بتخليده في النار، فهذه أمور كلها خطيرة جداً، تدل على خطر الكلام في التكفير.
قال رحمه الله تعالى: [فإن هذا حكم الكافر بعد الموت؛ ولهذا ذكر أبو داود في سننه في كتاب الأدب: (باب النهي عن البغي) وذكر فيه عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر.
فوجده يوماً على ذنب فقال له: أقصر، فقال: خلني وربي، أبُعثت علي رقيباً؟! فقال: والله لا يغفر الله لك.
أو: لا يدخلك الجنة، فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالماً؟! أوكنت على ما في يدي قادراً؟! وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار، قال أبو هريرة ﵁: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته) وهو حديث حسن].
هذا الحديث لا شك أن فيه مواطن عبرة، وفيه أيضاً قاعدة عظيمة من قواعد الشرع يجب أن يلتزمها المسلمون وطلاب العلم بالخصوص، وهي أن مسألة الحكم على الناس مسألة غيبية، لا سيما أن أغلب الأحكام تتعلق بالقلوب، والظواهر ليست دليلاً على البواطن دائماً، هذا أمر.
الأمر الآخر أنه لا ينبغي للإنسان أن يتعدى حدود ما كلفه الله به في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائم على إقامة الحجة وعلى العمل بما يجب شرعاً من تعزير وغيره للوالي أو من ينوبه، لكن لا يصل إلى حد القول على الله فيما يتعلق بمصائر العباد، وأن المذنب مهما أذنب فإنه ما دام له في الله تعلق وله في الله رجاء يرجى له الخير ويرجى له أن يرحمه الله تعالى مهما بلغت ذنوبه، ولا ينبغي لأحد من الناس أن يتألى على الله ، وقد يكون هذا الذي على العبادة قال هذا الكلام غاضباً، لكن ينبغي ألا يؤدي الغضب بالإنسان إلى أن يتجاوز الحدود الشرعية، فلا شك أن مثل هذا قد يقال: إنه موقف استفزاز؛ لأن هذا المذنب استفز هذا الناصح فجعله يقول هذا القول حينما أصر على الذنب، نقول ومع ذلك فالمسلم يجب عليه أن يضبط نفسه في هذه ا
стр. 787
إقامة الحد في الدنيا مبني على الظاهر دون الحكم على مصائر العباد
يجب على المسلمين تجاه إقامة حدود الله وإقامة شرعه أن يعملوا بالظواهر، لكن لا ينسحب هذا الحكم على القلوب أو على مصائر العباد، فالقلوب ومصائر العباد أمور غيبية ولن تقوم القرائن عندنا إلا باستنفاذ جهد كبير، ولا يمكن أن يكون بمجرد التعامل العادي، فالسلف كانوا يفرقون بين إجراء الحكم على الظاهر وما يترتب على ذلك من أمور في تعامل الناس بعضهم مع بعض، وبين الجزم بما في قلب الشخص، فالجزم أمر لا يستطيع الناس أن يتناولوه، اللهم إلا إذا توافرت أمور مثل التصريح بالردة عن الإسلام أو نحو ذلك، هذا أمر مفروغ منه، لكن الكلام فيما يتعلق بالظواهر فقط، يعني: قد يظهر لبعض الناس أن أحد المذنبين كثير الفجور كثير الأعمال الخبيثة، وكثيراً ما يعرض عن بعض الخيرات، فيعتبر هذه قرائن على أنه خبيث النية، ومع ذلك لا يجزم بخبث هويته، ولذلك كان المنافقون في عهد النبي ﷺ تجرى الأحكام عليهم بحسب ظواهرهم، وكان المسلمون يعاملونهم بأحكام المسلمين، ومع ذلك هم منافقون في الحقيقة، ولكن لا يعلم نفاقهم إلا الله ومن أطلعه الله، والنبي ﷺ قد أطلعه ربه على بعض المنافقين، وكذلك النبي ﷺ أطلع حذيفة على بعض المنافقين.
وهذا أمر انقطع الآن، فلا يقل أحد من الناس: إنه يعلم الباطن، إذاً يجب أن نفرق بين الحكم بالظاهر وبين الحكم على القلوب، فالحكم على القلوب صعب، ولا يصح إلا بأمور علمية شرعية لا بد من أن تتوافر فيها شروط، وأن تنتفي فيها موانع، وهذا من أكثر الأمور التي يخلط فيه الناس اليوم ويجهلونها.
стр. 788
التفريق بين كفر العمل وتكفير فاعله
قال رحمه الله تعالى: [ثم إذا كان القول في نفسه كفراً قيل: إنه كفر، والقائل له يكفر بشروط وانتفاء موانع].
يقصد بذلك أنه يفرق بين كون العمل أو القول كفراً، وبين الحكم على من يفعل، فمسألة أن القول أو العمل كفر سهلة؛ لأن النصوص واضحة فيها، أما أن من فعل أو قال الكفر يكفر لأول وهلة فلا، إذ الغالب أن المسلمين الذين يقعون في الأمور الكفرية لا يكفرون؛ لأنه يكثر فيه من الجهل، ويكثر فيه التأول، وقد يحصل فيه الإكراه، ويكثر فيهم التقليد، فالحكم بأن شيئاً من الأشياء كفر بمقتضى النص الشرعي سهل، وتأويله سهل في النصوص الشرعية، لكن ليس كل من فعله أو قاله يكفر إلا بشروط وانتفاء موانع، وهذه الشروط لا توكل إلى كل من ادعى العلم وهو ليس من أهله الراسخين، بل لا بد من توافر القدرة وتوافر الحجج والعلم الراسخ.
стр. 789
أصناف الخلق في الإيمان والكفر
قال رحمه الله تعالى: [ولا يكون ذلك إلا إذا صار منافقاً زنديقاً، فلا يتصور أن يكفر أحد من أهل القبلة المظهرين الإسلام إلا من يكون منافقاً زنديقاً، وكتاب الله يبين ذلك، فإن الله صنف الخلق فيه ثلاثة أصناف: صنف كفار من المشركين ومن أهل الكتاب، وهم الذين لا يقرون بالشهادتين].
وهؤلاء كفرهم ليس محل نقاش، وهذه المسألة يجب أن تكون واضحة ويجب أن توضح للناس، لأن هناك من بدأ يخلط في هذه المسائل ويلبس على الناس بدعوى أنه لا يجوز أن يكفر المعين، فيفتن الناس بكافر يهودي أو نصراني أو مشرك ويقول: لا نستطيع أن نكفره! فمن كان يهودياً أو نصرانياً مشركاً لا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو كافر، وهذه مسألة مفروغ منها وليست محل نقاش، وليست هي التي قررها أهل العلم في كتبهم، فكل ما قاله أهل العلم في تكفير المعين يخص تكفير أهل القبلة منذ عهد النبي ﷺ والصحابة والتابعين إلى يومنا هذا، ولا ينطبق على الكفار الخُلّص، فهؤلاء مفروغ منهم.
قال رحمه الله تعالى: [وصنف: مؤمنون باطناً وظاهراً، وصنف أقروا به ظاهراً لا باطناً].
الصنف الأول معلوم، وليس محل جدال، والصنف الثاني أيضاً معلوم، وهم المسلمون الذين يظهرون شعائر الإسلام، يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيمون شعائر الدين، ويظهرون الإسلام ويحبون الله ورسوله، هؤلاء لا شك أنهم مسلمون، ولا نستطيع أن نخرجهم من الملة إلا بمخرج قطعي، حتى وإن ارتكبوا آثاماً وارتكبوا مظالم وارتكبوا معاصي وارتكبوا بدعاً، إلا البدع الشركية.
أما الصنف الثالث فهو الذي يخفى أمره، وهم المنافقون، فالمنافق حكمه الظاهر هو الإسلام إذا ادعى الإسلام، وحكمه الباطن إلى الله ، ولا نستطيع أن نقول فيما في قلبه شيئاً، فهؤلاء يعلمهم الله ، ونحن لا نعلمهم، لكن قد تتوافر عندنا قرائن على أن الإنسان فيه نفاق تكثر أو تقل، قد تظهر عليه علامات النفاق والزندقة، ولكن مع ذلك لا نقيم عليه الحكم والحجة إلا بقرينة، كإقرار أو نحو ذلك مما يعرفه أهل العلم.
قال رحمه الله تعالى: [وهذه الأقسام الثلاثة مذكورة في أول سورة البقرة، وكل من ثبت أنه كافر في نفس الأمر وكان مقراً بالشهادتين فإنه لا يكون إلا زنديقاً، والزنديق هو المنافق].
من العلامات التي يمكن نعرف بها الزندقة والنفاق مثل من يسب الله أو يسب الرسول ﷺ ، أو يهين المصحف، أو نحو ذلك من الأعمال الشنيعة التي ليس فيها احتمالات، فهذه لا شك أنها تدل على الزندقة والكفر القطعي، وتدل على النفاق.
وأما الساحر فيقتل لسحره وفتنته وفساده في الأرض، قد يكون كافراً، وقد لا يكون كافراً في مسألة ما منه، وأغلب السحرة وقعوا في الكفر، وبعض السحرة يمارس الدجل ويفتن الناس طمعاً في الدنيا أو الشهرة، فإذا عمت فتنته فإنه يقتل لفساده في الأرض، وقد يقتل أكثر السحرة لكفرهم؛ لأن أغلب السحرة يقعون في الكفر؛ لأنه لا يمكن أن ينالوا السحر -في الغالب- إلا بالوقوع في الكفريات من الشركيات وغيرها، ومع ذلك يكف شره عن المسلمين ولو بالقتل؛ لفساده في الأرض، ولذلك قال بعض أهل العلم: إنه لا يستتاب، بل مجرد الفساد في الأرض يكفي، وقد لا يكفر، وأمره إلى الله ، فليست الحدود دائماً تبنى على ضرورة الوقوع في الكفر، لذلك فالبغاة إذا بغوا على المسلمين أو أثاروا فتنة في الأرض يقتلون لمجرد أنهم أثاروا الفساد في الأرض والفتنة، وكذلك قطاع الطريق، فقطاع الطريق قد يكونون من المسلمين، لكن غلبتهم شهواتهم وشقوتهم فقطعوا السبيل، فإذا قدر عليهم قبل أن يتوبوا فإنهم يقتلون.
стр. 790
لازم القول بتكفير قائل البدعة
قال رحمه الله تعالى: [وهنا يظهر غلط الطرفين؛ فإنه من كفّر كل من قال القول المبتدع في الباطن يلزمه أن يكفّر أقواماً ليسوا في الباطن منافقين، بل هم في الباطن يحبون الله ورسوله، ويؤمنون بالله ورسوله وإن كانوا مذنبين، كما ثبت في صحيح البخاري عن أسلم مولى عمر ﵄ عن عمر ﵁: (أن رجلاً كان على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبد الله وكان يلقب حماراً، وكان يضحك رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يوماً فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله ﷺ : لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله)].
هذا من النصوص التي لا يطيقها الخوارج وأمثالهم، ويضيقون بها ذرعاً، فالرسول ﷺ شهد لهذا الرجل مع أنه حد في كبيرة من الكبائر بأنه يحب الله ورسوله، فينبغي للمسلمين أن يقتدوا بمثل هذه النصوص الجامعة الحاكمة، فهذا من النصوص الحاكمة التي تعطي التوازن، ويجب أن يرجع إليها الناس في مسألة الوعد والوعيد، فإن هذا الرجل اجتمع فيه تحقيق الوعيد والوعد له من النبي ﷺ ، فنفذ في هذا الرجل الحد في الدنيا بأن جلد، وأمر النبي ﷺ بلالاً بجلده، وفي نفس الوقت شهد له بالإيمان، إذاً: مثل هذا النص يمثل القاعدة التي يجب أن يحتذيها المسلمون جميعاً في الحكم على أهل القبلة، حتى في مسألة الولاء والبراء، فالقاعدة الشرعية أنك تحب المسلم بقدر ما فيه من الخير والفضيلة، وبقدر ما يظهر منه من الطاعات، وفي الوقت نفسه تكرهه بقدر ما يظهر منه من المعاصي، فإذا كان هناك من المسلمين من فيه معاص وفيه بعض مظاهر الخير تحبه بقدر ما فيه من الخيرات وتكرهه بقدر ما فيه من الشر، فيجتمع الحب والبغض والولاء والبراء في الشخص الواحد، وهذا أمر بدهي ضروري، فإذا أخذنا الأمور كلها بحزم فمن الذي نزكي؟! ولو أن طائفة زكت فلاناً وأخرى لم تزكه فإن الفتنة تقع في الأرض.
стр. 791
الموقف من زلات العلماء وبيان انتحال الفرق المخالفة لأئمة الدين
قال رحمه الله تعالى: [وهذا أمر متيقن به في طوائف كثيرة وأئمة في العلم والدين، وفيهم بعض مقالات الجهمية أو المرجئة أو القدرية أو الشيعة أو الخوارج، ولكن الأئمة في العلم والدين لا يكونون قائمين بجملة تلك البدعة، بل بفرع منها؛ ولهذا انتحل أهل هذه الأهواء لطوائف من السلف المشاهير].
يقصد بذلك أن بعض العلماء قد تكون منه زلة يوافق فيها بعض أهل البدع أو أهل الأهواء عن اجتهاد أو عن تأويل، أو لعدم بلوغ الدليل أو نحو ذلك، فهذه الزلة يجب ألا تقلل من قيمة العالم، ويجب ألا نتبعه فيها، ثم إن هذه الزلات صارت من أسباب الفتنة عند أهل الأهواء؛ لأن أهل الأهواء كل منهم الآن يزعم أن له سلفاً من خيار هذه الأمة، ذلك أنهم يلتقطون الزلات من العلماء فيجعلونها مرتكزاً لأهوائهم، وهذا ما عليه كثير من أهل الأهواء في كل زمان، فكل من كان له هوى تجده يلتقط من زلات العلماء في التاريخ ما يوافق هواه فيفتن به الناس، وهذا كثير جداً، وليس في أهل البدع فقط، بل في بعض أهل السنة، فحينما تحدث بينهم بعض الخلافات والفتن في بعض الظروف تجد منهم من يبحث عن بعض المواقف وبعض الأقوال وبعض الزلات للعلماء لتأييد هواهم، وقد يشعر بذلك وقد لا يشعر.
فأقول: إن كثيراً من أهل البدع وأهل الأهواء قد يحتجون بزلات العلماء من المعاصرين والأولين، الأموات والأحياء، وهذه مسألة يجب أن يقعد لها طلاب العلم ويتبصروا فيها، لا سيما أنها تحصل الآن من كثير ممن سببوا وقوع الكثير من الناس في الأهواء والفتن لعدم معرفتهم بالأصول الشرعية.
ويكفينا أن نضرب مثلاً لما وقع من أهل الأهواء بالفرق الكبرى في اتكائها على بعض الزلات التي وقعت من بعض العلماء، فمثلاً: المعتزلة يزعمون أن لهم سلفاً من الصحابة، وهم أولئك الذين اعتزلوا الفتنة، لمجرد الاشتباه في اللفظ فقط، أخذوا اللفظ وجعلوه موطن فتنة للمسلمين، فزعموا أن الاعتزال هو مذهب أولئك الذين ما شاركوا في الفتنة بين الصحابة، ففهموا أن هؤلاء هم أصل المعتزلة، وأنهم أقرب إلى الحق لأنهم ما وقعت ألسنتهم ولا أيديهم في الفتنة، وصاروا هم أزكى الأمة، فزعمت المعتزلة أنها أزكى الأمة، ثم جاء الشيعة المتأخرون فزعموا أن لهم سلفاً من الأمة، فقالوا: كانوا على التشيع سفيان الثوري وعمار بن ياسر وسلمان الفارسي والحاكم وعبد الرزاق الصنعاني، قالوا: إن هؤلاء فيهم تشيع، إذاً: التشيع موجود في السلف، وهكذا تجد أن كل مبطل يدعي أن له من هذه الأمة سلفاً، والآن كثرت البلوى بهذه الأمور، الأمر الذي يوجب على طلاب العلم أن يحرروا هذه المسائل ويبينوها للناس ويعطوا الناس المفاهيم والموازين، وكيف توزن أعمال السلف أنفسهم على ضوء قواعدهم؛ لأن السلف وضعوا قواعد بعضهم قد يخالفها لا عن قصد، لكن عن اجتهاد، فالعبرة بالمناهج والقواعد والأصول وليست بمفردات التصرفات، فالعبرة في أخذ منهجهم هي بما قالوه وما قرروه في جملتهم من مناهج وأصول، وليست العبرة بمفردات سلوكهم، وإن كان سلوكهم في الجملة لا شك أنه على هذه الأصول، لكن أقصد أنه قد تحدث بعض المواقف وبعض الأقوال وبعض الكلمات التي تخالف الأصل، فيأتي من هو مفتون أو جاهل فيأخذ هذه الكلمات فيقررها أصلاً خلاف الأصل الأول الذي اعتمد عليه السلف، وأنا أدعي أن أكثر السلف الذين وقعوا في بعض المواقف أو خرجت منهم بعض الكلمات التي هي خلاف منهج السلف حينما ألفوا التزموا منهج السلف في المسألة التي خالفوا فيها عن اجتهاد، وهذا يجعل في مجموع الأمة العصمة، وليس في مفردات تصرفاتهم.
قال رحمه الله تعالى: [فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضاً، ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفِّرون].
стр. 792
ما وصف بالكفر من الذنوب التي لا تخرج من الملة
قال رحمه الله تعالى: [ولكن بقي هنا إشكال يرد على كلام الشيخ رحمه الله تعالى، وهو: أن الشارع قد سمى بعض الذنوب كفراً، قال الله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، وقال ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)].
هذه الفقرة يمكن أن نضع لها عنواناً فنقول: المسائل التي ورد وصفها بالكفر وهي لا تخرج من الملة، أو: الأمور التي ورد وصفها بالكفر وهي لا تخرج من الملة، أو: الكبائر التي سميت كفراً، أو: نماذج من الكفر الأصغر، أو: نماذج من الكفر العملي، أو: المعاصي المكفرة التي لا تخرج من الملة.
وكل النماذج التي جاء بها الشيخ من النصوص أكثر أهل العلم على أنها لا تخرج من الملة، وقد يكون منها صور مخرجة، لكن ليست هي الأصل، فالأصل في هذه الأمور أنها ليست مخرجة من الملة، وهذا ما عمله سلف الأمة؛ لأن أكثر السلف كانوا يضربون هذه الأمور أمثلة على أنه ليس كل كفر مخرجاً من الملة.
فالصحابة والتابعون وأئمة السلف ثم الأئمة الذين كتبوا وصنفوا في العقائد فيما بعد كلهم عندما يتناولون هذه المسألة يقررون أن من الكفر ما لا يخرج من الملة، وهو بمثابة الكبائر أو عظائم الذنوب، ثم يضربون أمثلة عليه بهذه النصوص، وهي نصوص ثابتة عن النبي ﷺ ، وهي كثيرة جداً، فكثير مما وصفه القرآن بأنه كفر أو وصفه النبي ﷺ بأنه كفر من أعمال المسلمين أهل القبلة ليس من الكفر المخرج من الملة.
فأغلب ما ورد في القرآن الكريم وما ورد على لسان رسول الله ﷺ وألسنة الصحابة وأئمة التابعين من إطلاق الكفر على أهل القبلة في تصرفاتهم وأفعالهم وأقوالهم مما لا يخرج من الملة.
وأغلب الكفر الذي وصف الله به المشركين والمنافقين واليهود والنصارى هو من الكفر المخرج من الملة، فالقاعدة تنعكس في الكفار الخلص.
قال رحمه الله تعالى: [وقال ﷺ : (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) متفق عليه من حديث ابن مسعود ﵁].
واضح في الحديث أنه اعتبر قتال المسلم كفراً، ولا شك أنه كفر غير مخرج من الملة؛ لأن الله وصف المقتتلين في كتابه بأنهم إخوة.
قال رحمه الله تعالى: [وقال ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما) متفق عليهما من حديث ابن عمر ﵄].
هذا الحديث قد تأتي فيه صور تعني الكفر المخرج من الملة، لكن هذا قليل، فظاهر الحديث أن من قال لأخيه المسلم الذي من أهل القبلة: يا كافر.
فقد باء بها أحدهما، بمعنى: أنه حينما أطلق عليه الكفر وهو لا يستحقه رجع الكفر إلى القائل، لكن هل قال: خرج من الملة؟
و
الجواب
لا؛ لأنه سماهما أخوان فقال: (من قال لأخيه)، فلا يزالان في إخوة الإيمان.
حتى القائل الذي ارتكب إثماً بالتكفير حينما كفر أخاه لا يرتد إليه الكفر المخرج من الملة، إلا في بعض الحالات والله أعلم، كما لو اعتقد أن أخاه خارج من الملة، فقد يرتد إليه نفس الحكم، وقد لا يرتد أيضاً.
وهذه مسألة تحتاج إلى تحقيق، وتحتاج إلى بحث، لكنها على أي حال من ألفاظ الوعيد، وألفاظ الوعيد لا تجرى على ظاهرها؛ لأنها لا بد أن تقيد بالنصوص الأخرى وبقواعد الشرع بالضرورة، وإلا فلو أخذنا هذه النصوص على ظواهرها لأخرج كثير من المسلمين من الإسلام بمجرد الحكم، ويترتب على ذلك ما يترتب في الزواج والطلاق والمواريث والصلاة إلى آخره.
وهذا الذي جعل المكفرة يسمون الخوارج ويخرجون عن أهل السنة والجماعة، ذلك أنهم حينما حكموا بمثل هذه النصوص والكفر المخرج من الملة أخرجوا أكثر المسلمين وما بقي غيرهم، فمن هنا وقعوا في الفرقة، ووقعوا في مذهب الخوارج.
قال رحمه الله تعالى: [وقال ﷺ : (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وقال ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد)].
هذا الحديث لا بد أيضاً من أن يرد إلى الحديث الآخر، حديث أبي ذر في إثبات الإيمان للزاني والسارق؛ لقوله ﷺ : (وإن زنى وإن سرق) هذا شيء.
الشيء الآخر: أن حديث النفاق فيه دلالة واضحة على أن النبي ﷺ قسم النفاق إلى نوعين: إلى نفاق خالص، وهذا أمر غيبي لا يعلمه إلا الله ، وإلى نفاق جزئي، يعني: خصلة من خصال النفاق، والكفر كالنفاق، فقد يقال عن إنسان بأنه كافر خالص، وهذا الكافر الخالص م
стр. 793
حمل نصوص التكفير بما ليس بمكفر على واقع عهد النبوة يزيل شبهة الخوارج
ما نفهمه من هذه الخلاصة مما هو معلوم ويجب أن يعلم: أن كل النصوص التي أوردها المؤلف إنما هي في كبائر الذنوب التي لا تخرج من الملة، ولذلك نجد أن مشكلة الخوارج أنهم كفروا بالذنوب بناء على النصوص السابقة، بناء على اشتباه الأمر عندهم في النصوص السابقة، حيث ظنوا أن الكفر الذي أطلق في القرآن أو أطلقه النبي ﷺ في مثل الآيات والأحاديث السابقة يعني الكفر المخرج من الملة؛ لأنهم ما ردوا النصوص بعضها إلى بعض، ولا فقهوا معاني الكفر وإطلاقاته في الشرع، ذلك أن الكفر في الشرع أطلق على عدة معان، وأن ذلك معلوم بالضرورة؛ لأنه حدثت هذه الأمور في عهد النبي ﷺ .
فالأمور التي قال عنها النبي ﷺ : إنها كفر حدث منها أشياء كثيرة في وقته، فهل كفر النبي ﷺ من فعلها وأخرجه من الملة وحكم بردته؟!
و
الجواب
أن العكس هو الذي حصل؛ إذ لما رأى من يلعن شارب الخمر زجره وشهد للشارب بالإيمان.
ثم إن الصحابة تعلموا ذلك، فلذلك لما كثرت مظاهر هذه الأفعال في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من الصحابة ما كفروا أصحابها.
ثم إن الخوارج ظهروا في عهد الصحابة فكفروا بهذه النصوص، فخالفهم الصحابة وقاتلوهم على ذلك.
إذاً: المسألة واضحة، وأنا أعجب من تلبيس بعض الناس على بعض طلاب العلم في هذه المسألة، أعجب لأني رأيت العجب فعلاً من بعض الذين يأتون ليناقشونا ويسألوا عن بعض المسائل، حيث تجد الواحد منهم يقول: قال فلان كذا، وأورد الحديث، فما جوابي على الحديث؟! فأقول: كيف تقول: ما جوابي؟! وكأن الحديث نزل تواً، أما قاله النبي ﷺ في وقته، وسمع الصحابة ثم التابعون مثل هذا النص؟! أما أعرفت أن هذه القضية هي القضية الكبرى بين الخوارج وبين أهل السنة؟! فينسى لأنه قد لا يقرأ، أو لقلة تمعنه في هذه الأمور، فيأتيه من صغار المتحذلقين من يورد الإشكال على ذهنه.
وأقول: لا ينبغي لطلاب العلم أن تفوتهم هذه الأمور، فينبغي أن يؤسسوا علمهم على أصول، خاصة في مثل هذه القضايا الخطيرة التي بدأت تثار الآن، وأصبحت من الأمور التي تشكل خطراً على عقائد أهل السنة والجماعة وعلى مناهجهم وعلى أبنائهم، فيجب على الناس أن يتبصروا في مثل هذه الأمور.
стр. 794
الجواب عن نصوص التكفير بالذنوب التي لا تخرج من الملة
قال رحمه الله تعالى: [
و
الجواب
أن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفراً ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج؛ إذ لو كفر كفراً ينقل عن الملة لكان مرتداً يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر، وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام.
ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود في النار مع الكافرين كما قالت المعتزلة، فإن قولهم باطل أيضاً؛ إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨] إلى أن قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨] فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخاً لولي القصاص، والمراد أخوة الدين بلا ريب.
وقال تعالى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠].
ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل، بل يقام عليه الحد، فدل على أنه ليس بمرتد.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (من كانت عنده لأخيه اليوم مظلمة من عرض أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون درهم ولا دينار، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه ثم ألقي في النار) أخرجاه في الصحيحين.
فثبت أن الظالم يكون له حسنات يستوفي المظلوم منها حقه، وكذلك ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: المفلس فينا من لا له درهم ولا دينار، قال: المفلس من يأتي يوم القيامة وله حسنات أمثال الجبال قد شتم هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، وقذف هذا، وضرب هذا، فيقتص هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار) رواه مسلم.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، فدل ذلك على أنه في حال إساءته يفعل حسنات تمحو سيئاته.
وهذا مبسوط في موضعه.
والمعتزلة موافقون للخوارج هنا في حكم الآخرة، فإنهم وافقوهم على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، لكن قالت الخوارج: نسميه كافراً، وقالت المعتزلة: نسميه فاسقاً، فالخلاف بينهم لفظي فقط].
стр. 795
الأسئلة
стр. 796
مذهب الخوارج في الصغائر
السؤال
ما قول الخوارج في الصغائر؟
الجواب
الخوارج لم يكن لهم قاعدة ولا منهج يتفقون عليه في الصغائر، بل قولهم في ذلك مضطرب أشد الاضطراب، ومنهم من لا يفرق بين الذنوب كلها، فيعتبر كل الذنوب كبائر، ومنهم من يضع ضوابط للصغائر تشبه ضوابط أهل السنة والجماعة، ويجعل صغائر الذنوب لا تدخل في أحكام الكبائر، ومنهم من لا يعرج على هذه المسألة أصلاً، ومنهم من يفرق بتفريقات عجيبة لا ترجع إلى ضوابط شرعية، إنما ترجع إلى موازين أغلبها مبني على الأهواء.
فعلى أي حال: لا أعرف أن للخوارج قولاً يتفقون عليه أو يمكن أن ينسب إليهم؛ لكثرة اضطرابهم في مسألة الصغائر.
стр. 797
الفرق بين تكفير من لم يكفر الكافر وتكفير من لم يكفر المشرك
السؤال
هل هناك فرق بين قول: (من لم يكفر الكافر فهو كافر) وقول: (من لم يكفر المشركين فهو كافر)؟
الجواب
لا شك أن هناك فرقاً؛ لأن أغلب الذين يقولون: من لم يكفر الكافر يقصدون الكافر بحكمهم هم، والناس قد يخالفونهم في حكمهم.
أما من لم يكفر المشرك فهذه مسألة لا شك أنها واضحة، فالمشركون لا شك في كفرهم، وكذلك المنافقون الذين علم الله نفاقهم، وإلا فلا نستطيع أن نعرف المنافق بعينه، وكذلك اليهود والنصارى، وكل من لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو كافر، ومن لم يكفره فالأصل فيه الكفر، لكن تحتاج المسألة إلى إجراء المعروف في التثبت في ماذا يقول وماذا يعرف؟ وهل يجهل أو لا يجهل؟ إلى آخره.
стр. 798
انتفاء وجود من لا يؤمن بوجود الله ظاهراً وباطناً
السؤال
هل هناك من لا يؤمن بالله ظاهراً ولا باطناً؟ أم أن هذا لا يتصور أبداً؟
الجواب
فرق في مسألة الإيمان بالله بين الإقرار بوجوده، وبين الإيمان بالله الذي يلزم منه الإقرار بأسمائه وصفاته وأفعاله ولوازم ذلك مما يجب إثباته لله ، فقد يوجد من الناس من لا يؤمن بالله الإيمان الواجب ظاهراً وباطناً، وكثيرون ممن يؤمنون بالله لا يؤمنون بالله الإيمان الشرعي ظاهراً وباطناً، أقصد أن كثيراً من أهل الشرك والنفاق والكفار الخلص الذين يقرون بوجود الله لا يؤمنون بالله الإيمان الحقيقي الذي تكون به النجاة.
فمسألة نفي الإيمان أحياناً تنصرف إلى مجرد الإقرار بالوجود، وأحياناً تنصرف إلى ما هو أهم من ذلك من ناحية المعنى الشرعي، ثم إن النفي والإثبات لا يتعلق بالإيمان بالله فقط، بل كذلك بالإيمان بالرسل وسائر أركان الإيمان، وأصول الدين الضرورية.
стр. 799
موقف المستفتي وطالب العلم من أقوال العلماء وفتاويهم
السؤال
هل يلزم إذا أخذت بقول أحد العلماء أن أمشي على قوله في كل الأمور أم لا؟ وهل هناك فرق بين طالب العلم والعامي؟
الجواب
أما مسألة التلقي أو الاتباع فتتبع الحق مع من كان، لكن ينبغي لغير طالب العلم المتمكن أن يقتدي بالعلماء من حوله، ولا يلزمه أن يقتدي بعالم في كل شيء، وهذا الذي عليه المسلمون الآن، يعني: تجد أي مسلم يسأل أقرب عالم إليه، لكن لا يلزم الإنسان ألا يتبع إلا فلاناً؛ لأنه قد لا تتمكن من أن تسأل فلاناً من المشايخ في كل شيء أو أن تعرف أقواله في كل شيء، ومع ذلك إذا كان هناك من أهل العلم من تعتبره قدوة أكبر من غيره فلا مانع أن تجعل أكثر الأمور التي تأخذ بها مأخوذة عن قوله، ولا حرج في هذا، لكن لا أتصور أن أحداً لا يمكنه أن يأخذ الحق إلا عن واحد من العلماء، فأي إنسان يستطيع أن يأخذ العلم عمن يسهل الوصول إليه أو الاتصال به أو عمن يعرفه من طلاب العلم الذين يدرسون على المشايخ.
أما الفرق بين طالب العلم والعامي فهذا أمر بدهي ولا شك، فطالب العلم هو الذي يعرف (قال الله) و (قال رسوله) ويعرف الأدلة، ويعرف كيف يستدل، وعنده من الأدب والسمت والتزام الحق والأخذ بالسنن ما ليس عند كثير من الناس، والعامي لا يعرف ذلك، فالفرق بينهما أنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، ولا شك أن من عنده علم شرعي أفضل من العامي من وجوه كثيرة، ويجب أن يكون الأمر كذلك.
стр. 800
حكم رمي الناس بما يقرب من التكفير
السؤال
ألا ترى أن ما قلتموه عن التكفير ينسحب على الكلام عن بعض الناس بأنه علماني مثلاً أو نحو ذلك، خاصة أن كثيراً من الدعاة يتساهل في هذا الباب، فهل من توجيه بخصوص ذلك؟
الجواب
لا شك أن الكلام في الناس بغير علم وبدون تثبت لا يجوز، وهو من الكبائر، وهذه قاعدة عامة، فكل كلام في المسلمين -سواء أفرادهم وجماعاتهم- بالغيبة والنميمة أو البهتان فإنه من الكبائر، ثم يتفرع عن هذه القاعدة أن رمي الناس بالألقاب -سواء الكفر أو الفسق أو النفاق أو الأمور التي تدل على ذلك، مثل المصطلحات الحديثة الجديدة، كعلماني أو حداثي أو نحو ذلك- رميهم بذلك بدون تثبت يعد من كبائر الذنوب.
ولا شك أن مما يجري على ألسنة الناس أحياناً منه ما هو من هذا النوع، أي: رمي بعض الناس بشيء من هذه الألقاب بغير تثبت، بل بمجرد الشائعة، أو بقرائن قد لا تكفي في إطلاق الحكم، أو بالظنون أو نحو ذلك.
فلا يجوز ولا ينبغي لأحد من المسلمين أن يستبيح الكلام في إخوانه أو في أحد من المسلمين حتى وإن ظهرت منه بعض القرائن، ما لم يثبت ذلك بطرق التثبت الشرعي.
ولا ينبغي للإنسان أن يطلق قولاً على أحد إلا بما يشهد به عند القاضي، اللهم إلا الأمور المستفيضة عند الثقات مما لا يمكن دفعه؛ لأنه بلغ حد التواتر، فهذا أمر يستثنى، وأظن أني لا أبالغ إذا قلت: أكثر كلام بعض الناس في بعض مما لا يثبت شرعاً.
فعلى هذا ينبغي أن نتواصى بتقوى الله ، وأن نؤكد على هذا الأصل الشرعي دائماً، وأن نحذر المسلمين من كلام بعضهم في بعض، وأن نبين للناس هذه الأصول الشرعية التي قد ينسونها ويحكمون العواطف أو يقلد بعضهم بعضاً.
стр. 801
حكم إجبار الابن أمه على طلب فسخ عقد زواجها بأبيه قاطع الصلاة
السؤال
ما رأيك في ابن أجبر والدته على فسخ العقد من أبيه لأن الأب لا يصلي، فهل هذا الفعل يعتبر من الغلو في البر والذي هو من نزعات التكفير؟
الجواب
هذه حالة لا يلزم أن تكون من باب الغلو، قد تكون اجتهاداً خاطئاً أو وسواساً، وعلى أي حال فمثل هذا ينبغي أن يحدث باستشارة أهل العلم، وأن يتم بإجراءات شرعية لا باجتهاد فردي، فإذا كان أب لا يصلي، والابن أخذته الغيرة، فاعتبر أنه لا يجوز أن تبقى المرأة في ولايته، فهذه مسألة لا يتم الاجتهاد فيها من الفرد، بل لا بد أن يرجع إلى العلماء، والعلماء -بحمد الله- موجودون، وليرجع فيها أيضاً للمحكمة إذا استلزم الأمر ذلك، أما مجرد تصرف فردي فلا أراه؛ لأن المسألة خلافية، ولا بد فيها من اتخاذ إجراءات شرعية يعرفها أهل العلم.
فإذا كان هذا التصرف حدث منه ولم يرجع إلى أهل العلم فعليه أن يراجع تصرفاته، وإذا كان استند على فتوى صحيحة ممن لهم اعتبار فهذا أمر أرجو أن تبرأ به الذمة.
стр. 802
حكم الاطلاع على كتب أهل الكتاب
السؤال
الباحثون في التاريخ القديم يعتمدون فيما يعتمدون عليه على التوراة والإنجيل، والباحثون المسلمون منهم يعتبرونهما مجرد مصادر تاريخية فيها الخطأ وهو كثير، وفيها شيء من الصواب، هل فعلهم هذا داخل في نهي النبي ﷺ لـ عمر ﵁؟ أم أنه جائز باعتبار التحديث عن بني إسرائيل وتلاوة التوراة حال الاختلاف، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ [آل عمران:٩٣]؟
الجواب
الاطلاع على كتب أهل الكتاب -سواء التوراة والإنجيل وغيرهما- فيه تفصيل: فإن كان الاطلاع بقصد التلقي بمعناه الشرعي فلا يجوز هذا أبداً، وعموم المسلمين يجب عليهم ألا يطلعوا وألا يقرءوا كتب التوراة والإنجيل أو غيرهما من الكتب الدينية للأمم الأخرى، سواء في الديانات الوثنية أو الكتابية؛ لأن الله أغناهم بكتابه سبحانه وبسنة رسوله ﷺ .
وإذا كان المطلع من أهل العلم، واطلاعه جاء لسبب شرعي معتبر وبشروط وضوابط عرفها أهل العلم فلا مانع، لكن هل تعتبر هذه المصادر مصادر يقينية، أم مجرد مصادر تاريخية قابلة للنقاش؟ الصحيح أنها ليست مصادر يقينية، إلا ما وافق الكتاب والسنة، فما كان فيها موافقاً الكتاب والسنة فإنه يكون يقينياً، ومصدر يقينيته هو اعتماده على الكتاب والسنة، لا لأنه في التوراة والإنجيل؛ إذ إنهما تعرضا للتحريف، وما كان دون ذلك فإنه بحسب حاله، وبحسب حال المتلقي أو المتناول من أهل العلم بالشروط، فلا يجوز الاعتماد على كتب بني إسرائيل فيما لم يرد في الكتاب والسنة اعتماداً كلياً، ولا اعتبارها مصادر موثوقة، إنما من باب قول النبي ﷺ : (فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم).
إذاً: فالاطلاع على هذه الكتب من بعض المتخصصين ممن تحصنوا بالعقيدة السليمة إذا كان لفائدة شرعية معتبرة شرعاً -كالرد على هذه الأمور، أو الاستشهاد بما يرد به على أهل الكتاب أو نحو ذلك مما هو معتبر- لا حرج فيه، لكن هذه ضوابط يجهلها كثير من الناس، فلذلك من الخير أن نعود المسلمين على ألا يطلعوا على ما يسمى بالكتب الدينية للأمم الأخرى؛ لأنه يشملها النهي الجازم من النبي ﷺ .
стр. 803
شرح العقيدة الطحاوية [٦٨]
الإيمان عند أهل السنة والجماعة حقيقة مركبة من القول والعمل، وهو على مراتب، كما أن الكفر على مراتب، وما حصل من اختلاف في مسمى الإيمان أو الكفر فإن النصوص الواضحة تحكم الخلاف إذا جمع بينها وأحسن فهمها، وعند ذلك تتبين حقيقة الأسماء وما تدل عليه من أوصاف وأحكام وكذا ما يترتب عليها من مآلات وعواقب، كما أن الحكم بغير ما أنزل الله من المسائل التي حصل فيها سوء فهم وخلط من بعض المعاصرين وإهمال لأقوال أهل العلم السابقين في هذه المسألة.
стр. 804
وسطية أهل السنة في مرتكب الكبيرة بين الخوارج والمرجئة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأهل السنة أيضاً متفقون على أنه يستحق الوعيد المرتب على ذلك الذنب كما وردت به النصوص، لا كما يقوله المرجئة من أنه لا يضر مع الإيمان ذنب ولا ينفع مع الكفر طاعة].
يقصد هنا المرجئة الغلاة الجهمية الذين يقولون: الإيمان هو المعرفة، ومن هنا لا يضعون للشرع في النهي والأمر أي اعتبار.
قال رحمه الله تعالى: [وإذا اجتمعت نصوص الوعد التي استدلت بها المرجئة، ونصوص الوعيد التي استدلت بها الخوارج والمعتزلة تبين لك فساد القولين، ولا فائدة في كلام هؤلاء سوى أنك تستفيد من كلام كل طائفة فساد مذهب الطائفة الأخرى].
стр. 805
الاختلاف في كون الكفر والإيمان على مراتب وبيان مدار النزاع
قال رحمه الله تعالى: [ثم بعد هذا الاتفاق بين أن أهل السنة اختلفوا اختلافاً لفظياً لا يترتب عليه فساد، وهو: أنه هل يكون الكفر على مراتب كفراً دون كفر؟ كما اختلفوا: هل يكون الإيمان على مراتب، إيماناً دون إيمان؟ وهذا الاختلاف نشأ من اختلافهم في مسمى الإيمان: هل هو قول وعمل يزيد وينقص أم لا؟ بعد اتفاقهم على أن من سماه الله تعالى ورسوله كافراً نسميه كافراً، إذ من الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً، ويسمي رسوله من تقدم ذكره كافراً ولا نطلق عليهما اسم الكفر، ولكن من قال: إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص قال: هو كفر عملي لا اعتقادي].
والكفر العملي سبق أن المقصود به كفر المعصية، وكفر الكبائر، فهو كفر لا يخرج من الملة، فيبقى صاحبه مسلماً له أحكام المسلمين، لكنه يكفر كفراً جزئياً بالمعصية الكبيرة، وهي الذنب المغلظ الذي لا يخرج من الملة.
قال رحمه الله تعالى: [والكفر عنده على مراتب، كفر دون كفر، كالإيمان عنده].
يقصد بهذا أهل السنة والجماعة أهل الحديث، فإنهم يقولون بأن الكفر على نوعين: كفر أصغر لا يخرج من الملة، وهو الكفر العملي، وهو من أكبر الكبائر، وهو كفر دون كفر.
والثاني: الكفر المخرج من الملة، وأغلبه من الكفر الاعتقادي، وقد يدخل فيه بعض أنواع الكفر العملي، مثل الإعراض عن الدين بالكلية، فإنه قد يدخل في الكفر المغلظ، وهو الكفر الأعظم المخرج من الملة، وقد يسمى ردة، وأيضاً يسمى كفراً بإطلاق، ويدخل فيه النفاق الكلي والنفاق الكامل، وغير ذلك من الألفاظ التي تعني الخروج من الملة.
وأغلب أنواع الكفر التي يقع فيها كثير من أفراد أهل القبلة وجماعاتهم من الكفر الذي لا يخرج من الملة، وهذا أمر ينبغي أن يفهم؛ لأن الناس بدءوا يخوضون في هذه المسألة بغير علم، فإن أغلب ما يقع فيه المسلمون قديماً وحديثاً من أنواع الكفر هو كفر لا يخرج من الملة، ولا يخرج الإنسان من الإسلام، ومن ذلك ما وصفت به بعض الفرق من الكفر، كالفرق الثنتين والسبعين الخارجة عن الجماعة التي توعدها النبي ﷺ ، فهذه لا تخرج من الملة، ولذلك فإن الفرق التي خرجت من الملة لا تسمى من فرق المسلمين، ولا تدخل في الثنتين والسبعين التي ورد فيها الوعيد.
وما أطلقه بعض السلف من ألفاظ الكفر على الفرق كالمعتزلة وأوائل الشيعة والمرجئة وأكثر أهل الكلام وكذلك بعض الأشاعرة الماتريدية إنما هو كفر لا يخرج من الملة.
وهذا أمر معلوم عند أئمة المحققين، وإنما جهله الناس في الآونة الأخيرة حينما ابتعدوا عن تلقي مناهج السلف وتأصيلها ومعرفتها.
وذلك بخلاف القول بخلق القرآن، فقد اتفق السلف على أنه كفر؛ لأن الأمر فيه تبين، وبحثت هذه المسألة بحثاً مستفيضاً قامت به الحجة واستبان به الدليل وظهر فيه البرهان وأزيلت فيه الشبهات.
فالقول بخلق القرآن كفر عند جميع السلف، لم يخرج عن هذا الإجماع أحد بعد اشتهار المسألة في آخر القرن الثاني والقرن الثالث، لكن: هل كل من قال بخلق القرآن يكفر بعينه؟ هذه مسألة لا بد فيها من تفصيل: ففي بعض العصور -مثل عصر الإمام أحمد - كانت الحجة قائمة؛ لأن القضية استفاضت عند عموم الناس العوام وغير العوام، المتعلم وغير المتعلم، فجميع الناس اشتهرت عندهم قضية القول بخلق القرآن، فعرفوا أنها كفر، فمن هنا قد يجوز لبعض أهل العلم أن يطلق الكفر على كل من قال بخلق القرآن، ومع ذلك لا نعرف أن السلف كانوا يجرءون على تكفير الأعيان في هذه المسألة، إلا في حالات قليلة جداً يجزمون بأنها قامت فيها الحجة وانتفت فيها الشبهة.
وفي بعض العصور وبعض الأوقات تكون المسألة غامضة ليست واضحة عند عموم الناس وإن اتضحت عند أهل العلم، فمن هنا لا نستطيع أن نجزم بأن كل من قال شيئاً من ذلك يكفر، بل لا بد من بيان الحجة واجتماع الشروط وانتفاء الموانع في هذه المسألة.
والدليل على ذلك: أنا لو أتينا إلى عامي لا يعرف هذه المسألة أبداً وسألناه ربما يجيب بغير الحق، فمن الخطأ أننا نقول بأنه يكفر لأول وهلة قبل أن نبين له الحق.
إذاً: فالقاعدة سليمة، لكن التطبيق يختلف من عصر إلى عصر ومن حال إلى حال ومن شخص إلى شخص، فليس كل من قال بالكلام الكفري يكفر، وأنا أرى أنه في عصرنا هذا من الصعب أن نمتحن الناس في هذه المسائل ونكفر كل من قال بهذا القول الكفري إلا بعد البيان وإقامة الحجة.
قال رحمه الله تعالى: [ومن قال: إن الإيمان هو التصديق، ولا يدخل العمل في مسمى الإيمان، والكفر هو الجحود، ولا يزيدان ولا ينقصان؛ قال: هو كفر مجازي غير حقيقي].
هذا قول مرجئة الفقهاء أو طائفة منهم، وهؤلاء غير المرجئة الأوائل الذين قالوا: إن الإيمان هو المعرفة، ولا ينفع مع الإيمان طاعة ولا يضر مع الإيمان معصية، فهؤلاء الغلاة الجهمية سبق ذكرهم آنفاً، والكلام هنا عن مرجئة الفقهاء.
قال رحمه الله تعالى: [ومن قال: إن الإيمان هو التصديق، ولا يدخل العمل في مسمى الإيمان، والكفر هو الجحود، ولا يزيدان ولا ينقصان؛ قال
стр. 806
بيان حقيقة المنازعين في كون الإيمان والكفر على مراتب
يتلخص عندنا الآن قولان نسبهما المؤلف لأهل السنة، وهذا فيه شيء من النظر، فهو من باب التجوز؛ إذ إن قول المرجئة قد يقول به بعض من ينتسبون للسنة وينسبون إليها، ولكنه يبقى قول المرجئة لا قول أهل السنة، فقوله: [ثم بعد هذا الاتفاق بين أهل السنة اختلفوا اختلافاً لفظياً] فيه نظر، لكن لعل هذا من باب التأثر بمذهب الأحناف مذهب الشارح والماتن.
ولا شك أن كثيراً ممن قالوا بالإرجاء، وقالوا بأن الإيمان هو التصديق والكفر هو الجحود، وقالوا بأن الكفر كفران: كفر مجازي وكفر حقيقي، لا شك أنهم لا يخرجون من عموم أهل السنة عند الإطلاق، كـ أبي حنيفة وشيخه وبعض تلاميذه وكبار الأحناف أهل الحديث منهم، لا نستطيع أن نخرجهم من أهل السنة بإطلاق، لكن هذه المسألة التي ذكرها الشيخ ليست قول أهل السنة، بل هي قول المرجئة.
فالمسألة تحتاج إلى تنبيه، فأهل العلم لا يوافقون الشارح على أن قول المرجئة قول لأهل السنة، سواء في مسألة تعريف الإيمان، أو في مسألة تقسيم الكفر.
أهل السنة يقولون: إن الكفر نوعان: كفر دون كفر، وكفر أكبر، والمرجئة يقولون: كفر حقيقي، وكفر مجازي.
صحيح أن الخلاف لا ثمرة له، بمعنى أن مؤدى الكلام واحد، فالكفر العملي هو الكفر المجازي، ونتائجه عند الفريقين سواء، بمعنى: أنه لا يخرج من الملة، وصاحبه يبقى من أهل القبلة وإن بدع وإن فسق.
والكفر الأعظم والكفر الحقيقي هو واحد عند الفريقين، في معنى ما يترتب عليه من أحكام، لكن مع ذلك فإن هذه التسمية ناشئة عن الاختلاف بينهما، فليس القول الثاني هو قول أهل السنة وإن وافقه في النهاية والثمرة، لكنه لم يقل به أحد من أهل السنة والحديث، اللهم إلا بعض أهل العلم الذين قد لا يوافقون المرجئة في أصل تعريف الإيمان.
إذاً: فملخص القول أن أهل العلم لهم في هذا قولان: قول بأن الكفر على نوعين: كفر أكبر اعتقادي، وهو يخرج من الملة، وكفر أصغر عملي لا يخرج من الملة، وهذا قول أهل السنة.
والقول الثاني: أن الكفر ينقسم إلى كفر حقيقي وهو المخرج من الملة، وهو الاعتقادي، وكفر مجازي، وهو الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة.
فالقولان في النهاية ثمرتهما واحدة، ومؤداهما واحد، لكن منشأ التعبير يختلف، ولا يترتب عليهما فساد في النهاية في ثمرة الاعتقاد، أو انحراف في المفهوم، فالثمرة عند الفريقين واحدة، فهم لا يختلفون في الأحكام التفصيلية لنوعي الكفر، وإنما يختلفون في التسمية، والتسمية أيضاً مأخوذة من أصل الاعتقاد في الإيمان.
وهذا كمسألة القول في الذنوب، وفي مسألة العمل بالإسلام، فقد يقال: إن أهل السنة ومرجئة الفقهاء كلهم في النهاية يقرون بأنه لا بد من عمل الخيرات وترك الآثام، وإن الخلاف لفظي.
ونقول: الخلاف ليس لفظياً، نعم من الناحية العملية لا يختلفون، خاصة مرجئة الفقهاء الأوائل، فـ أبو حنيفة ﵀ يقول: إن الإيمان هو التصديق، وقد يخرج الأعمال من مسمى الإيمان على قول من أقواله التي نسبت إليه، لكنه يعظم جوانب الأوامر وينكر المنكرات ويعظم ارتكابها، بل إنه من أشد أئمة الدين في ذلك، ففي النهاية ليس للخلاف ثمرة عملية في اعتقاد أولئك الأئمة.
لكن هناك اختلاف علمي تنبني عليه أحكام، والاختلاف العلمي له اعتباره في العقيدة، حتى وإن كانت الثمرة العملية لا تختلف، فمن الناحية الاعتقادية، ومن ناحية التقرير العلمي نجد أن المرجئة خالفوا أهل السنة والجماعة.
стр. 807
اتفاق فقهاء الملة على كون أصحاب الذنوب من أهل الوعيد في حال إقرارهم الظاهر والباطن بالشرع
قال رحمه الله تعالى: [وكذلك يقول في تسمية بعض الأعمال بالإيمان، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس: إنها سميت إيماناً مجازاً؛ لتوقف صحتها على الإيمان، أو لدلالتها على الإيمان؛ إذ هي دالة على كون مؤديها مؤمناً، ولهذا يحكم بإسلام الكافر إذا صلى كصلاتنا.
فليس بين فقهاء الملة نزاع في أصحاب الذنوب، إذا كانوا مقرين باطناً وظاهراً بما جاء به الرسول ﷺ وما تواتر عنهم أنهم من أهل الوعيد، ولكن الأقوال المنحرفة قول من يقول بتخليدهم في النار، كالخوارج والمعتزلة، ولكن أردأ ما في ذلك التعصب من بعضهم وإلزامه لمن يخالف قوله بما لا يلزمه والتشنيع عليه، وإذا كنا مأمورين بالعدل في مجادلة الكافرين وأن يجادلوا بالتي هي أحسن؛ فكيف لا يعدل بعضنا على بعض في مثل هذا الخلاف؟! قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨].
وهنا أمر يجب أن يتفطن له، وهو: أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة، وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة، ويكون كفراً إما مجازياً وإما كفراً أصغر على القولين المذكورين، وذلك بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهو عاص، ويسمى كافراً كفراً مجازياً أو كفراً أصغر، وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأ؛ فهذا مخطئ له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور].
стр. 808
نظرة في واقع التكفير بالحكم بغير ما أنزل الله
هذه المسألة من المسائل التي يخوض فيها الناس الآن كثيراً، والذي يظهر لي أن أغلب ما يتكلم فيه الناس من ذلك يتكلمون فيه بالمجازفة التي ليس فيها تثبت ولا تقرير علمي، ثم إن الناس يخلطون بين الأحكام العامة وبين إنزال الأحكام على الأشخاص والهيئات والجماعات، وهذا أمر عمت به البلوى ويحتاج إلى شيء من التفصيل والتقرير من قبل العلماء الراسخين، وإن كان علماؤنا كثيراً ما يبينون هذه المسائل، لكن كثرة من يتعالم ويسبق إلى الناس ويحول بينهم وبين العلماء ربما تحجب الكثير من أبناء المسلمين ومن عوام المسلمين عن معرفة أقوال أهل العلم المعاصرين، إلى حد ادعاء طائفة من الناس أن العلماء ليس لهم رأي، وأنهم لم يحسموا هذه المسألة.
وهذا جهل، فالعلماء قالوا ولا يزالوا يقولون، وقد يتورعون أحياناً عن بعض التفصيلات أو يتأنون ولا يستعجلون في بعض الأحكام التفصيلية، خاصة على المعين؛ نظراً لأنهم يعلمون أصول الاجتهاد الشرعية الصحيحة التي تنبني على التثبت أولاً، ومعرفة الواقعة تفصيلاً ثانياً، ومعرفة الشخص وما عنده وما يقوله، وتطبيق الشروط الشرعية والتأكد من انتفاء الموانع في حقه، ونحو ذلك مما يتكلم به الناس.
أقول: إن الأحكام العامة سهلة، وهذا التقعيد الذي ذكره تقعيد جيد لا يختلف عليه، لكن المشكلة في تطبيق هذه القواعد، فلذا أرى أن طلاب العلم ينبغي عليهم أن يفهموا عوام المسلمين والشباب خاصة أنه لا يجوز لكل من طلب العلم أو كان من العلماء أن يحكم في المسائل الكبرى التي تتعلق بالأشخاص والهيئات بالطريقة الفردية؛ لأن هذه المسائل خطيرة تنبني عليها أحكام خطيرة ومواقف خطيرة، فلا بد من اجتماع أهل العلم على كثير منها، هذا أمر.
الأمر الآخر: أن التكفير بالحكم بغير ما أنزل الله أكثره يتم بمجرد أخذ القرائن ووصف الأحوال، وكثير من الذين يكفرون الهيئات ونحوها يكفرون دون أن يأخذوا بالأصول الشرعية في التكفير من التثبت، ومعرفة عدم وجود الجهل، ومعرفة عدم وجود الاشتباه، ومعرفة العدول عن الاعتقاد الذي في القلب؛ لأنه قد يحكم إنسان بغير ما أنزل الله وقلبه كاره لذلك لعوارض أخرى لا نعلمها، فهو بذلك ارتكب كبيرة، لكن لا يخرج من الملة.
فأكثر ما يحدث من الحكم بغير ما أنزل الله مما لا يخرج عن الملة، فمن هنا يجب أن يتأنى طلاب العلم في إطلاق الأحكام، وألا يجاروا بعض المتعجلين أو المتعالمين أو بعض الذين يتكلمون بغير علم في مسألة إطلاق الأحكام جزافاً.
وأضرب مثلاً لمسألة جزئية ينطبق عليها الحكم العام والأحكام الخاصة: فلو أن إنساناً مسلماً بنى عقاراً من العقارات ثم أجره لأناس يعملون الفساد -كالخمارين، أو أصحاب العهر- وهو يعرف أن هذا حرام، لكنه طماع يحب الدنيا مع أنه يصلي ويصوم، بل ما أجر هذه العمارة لأصحاب الكبائر فقط، وإنما حماها لهم وضمن لهم ألا يعتدي عليهم أحد، أيكفر بذلك كفراً مخرجاً عن الملة؟ إنه يوصف بالفسق، وبالظلم، وبالفجور، وبأكل الحرام، وبكل الأوصاف الشنيعة؛ لأنه ارتكب أشنع الأعمال، لكنه ما خرج من الملة، فلا تبين منه زوجته، ولا تترتب عليه أحكام الكفر.
إذاً: فالمسألة خطيرة، خاصة مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، والكلام فيها أكثره من الخوض بغير علم والقول على الله بغير علم، والتقاط الفتاوى القديمة والحديثة وتطبيقها على الوقائع المعاصرة خلل في الاجتهاد وخلل في تطبيق النصوص وخلل في تشخيص القضايا وتحقيق المناط فيها.
فليتق الله طلاب العلم، وليعرفوا أن الأمور لا بد من أن تؤخذ على بينة، ولا تؤخذ بالعواطف.
стр. 809
مخالفة المرجئة في دعوى عدم ضرر الذنوب مع الإيمان
قال رحمه الله تعالى: [وأراد الشيخ ﵀ بقوله: (ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله) مخالفة المرجئة، وشبهتهم كانت قد وقعت لبعض الأولين، فاتفق الصحابة على قتلهم إن لم يتوبوا من ذلك، فإن قدامة بن مظعون شرب الخمر بعد تحريمها هو وطائفة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة:٩٣] الآية، فلما ذكر ذلك لـ عمر بن الخطاب ﵁ اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على استحلالها قتلوا، وقال عمر لـ قدامة: أخطأت استك الحفرة، أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر.
وذلك أن هذه الآية نزلت بسبب أن الله سبحانه لما حرم الخمر -وكان تحريمها بعد وقعة أحد- قال بعض الصحابة: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟! فأنزل الله تعالى هذه الآية، بين فيها أن من طعم الشيء في الحال التي لم يحرم فيها فلا جناح عليه إذا كان من المؤمنين المتقين المصلحين، كما كان من أمر استقبال بيت المقدس.
ثم إن أولئك الذين فعلوا ذلك ندموا وعلموا أنهم أخطئوا، وأيسوا من التوبة، فكتب عمر إلى قدامة يقول له: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:١ - ٣]، ما أدري أي ذنبيك أعظم: استحلالك المحرم أولاً؟ أم يأسك من رحمة الله ثانياً؟! وهذا الذي اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام].
стр. 810
صعوبة معرفة الاستحلال القلبي عند ارتكاب المحرم
في هذا الكلام إشارة إلى أن الكفر لا يكون إلا بالاستحلال القلبي الاعتقادي، والاستحلال القلبي الاعتقادي من الصعب أن يعرف بالقرائن، بل لا يمكن أن يعرف بالقرائن، وسبق أن ضربت مثلاً، فلو أن إنساناً عمل فجوراً كثيراً وعمل أشياء كثيرة من الموبقات والمحرمات، وربما يكون بالغ في هذا العمل إلى حد أن نشر هذه الأمور، ولم ينكر تحريمها في الكتاب والسنة، فإنه مع ذلك يبقى مسلماً لا يخرج من الملة.
ومسألة الاستحلال القلبي أو الفساد الاعتقادي لا يمكن أن تعرف - كما قلت - إلا بالإقرار اليقيني الذي نعرف به أن هذا الإنسان الذي يدعي الإسلام أنكر شيئاً صريحاً في القرآن، وما تأول كما تأول هؤلاء الذين استحلوا الخمر في عهد عمر، فإنهم ما أنكروا الآية، إنما ظنوا أن شربها له وجه من وجوه الإباحة، وهو أن الإنسان إذا شرب الخمر مع أنه يحب الله ورسوله ويعتقد اعتقاداً سليماً ويعمل الصالحات ويصلي ويصوم لا يضره ذلك، فهذا تأول؛ إذ ما أنكروا الآية ولا أنكروا أصل التحريم فيها، إنما تأولوا فاستحلوا بالتأول شربها، وهذا هو أكثر ما يحدث من المسلمين حتى في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله.
إذاً: الحكم بكفر فلان لمجرد أنه ارتكب ذنباً لا يمكن إلا بأن يقر إقراراً يبين به عما في قلبه، وإلا فلا سبيل إلى معرفة القلوب.
وأما الأمور الشركية البحتة فليس فيها مجال للتأول ولا مجال للتردد، إنما نتكلم عن المعاصي.
وبعض الناس يخلط بين مفهوم المعاصي وبين مفهوم الشركيات، وهذا الخلط ربما كان سبب وقوع كثير من الناس الآن في عدم التثبيت.
أقول: كثير من الأمور التي ورد فيها أنها كفر تدخل في الكبائر، أما الشركيات فهي الشركيات الواضحة، كالسجود لغير الله تعظيماً له، وكالطواف بغير الكعبة، وكدعاء غير الله صراحة، فهذه أمور شركية صريحة ظاهرة لا تحتاج إلى أن نعرف ما في القلوب، لكن الأعمال الأخرى التي ليست شركية صريحة تبقى من الذنوب أو الكبائر، ولا يمكن أن نحكم بكفر صاحبها إلا أن يعبر عما في قلبه، اللهم إلا إذا كثر الإعراض عن دين الله كثرة يجزم معها أهل العلم الراسخون الذين يعرفون أصول الاجتهاد بأن هذا تنصل من الدين بالكلية، وهذا لا يتم إلا بشروط لا تتوافر لكل الذين يتكلمون ما عدا العلماء الكبار الراسخين.
إذاً: فالأصل في الكفريات العملية -ومنها الحكم بغير ما أنزل الله- أن الكفر فيها كفر غير مخرج من الملة، وقد يكون ظلماً وقد يكون فسقاً، ولذلك جعل أهل العلم المسألة موزعة على ما ورد من ألفاظ النصوص، فجعلوا الحكم بغير ما أنزل الله على ثلاثة أصناف: الأول: كفر، ومنه ما يخرج من الملة ومنه ما لا يخرج من الملة، والثاني والثالث: فسق وظلم.
فالكفر المخرج من الملة في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله واحد من أربعة، كما أنه من الأمور التي لا يمكن أن يعلمها الناس؛ لأنها أمور قلبية لا بد فيها من اجتهاد أهل العلم بمجموعهم، فيحكمون بأن هذا كفر صراح من هذا الشخص، وقد يكون العمل كفراً، ومع ذلك قد لا يكفر فاعله، فقد يكون من أنواع الحكم بغير ما أنزل الله ما هو كفر جزماً، لكن لا يلزم أن يكون صاحبه وفاعله كافراً، هذا أمر.
لذلك قال النبي ﷺ في مسألة الخروج كلاماً إذا رجعنا فيه إلى كلام المحققين من أهل العلم لعرفنا أن المسألة فعلاً لا يحكم فيها على الشخص إلا بعد استنفاذ أمور كثيرة جداً لا يملكها الفرد ولا العالم لوحده، خاصة إذا انبنى عليها عمل، أما مجرد التفلسف فأمر سهل، لكن إذا انبنى عليها عمل يكون الأمر خطيراً، يقول النبي ﷺ : (إلا أن تروا كفراً بواحاً) أي: جلياً كالشمس، ثم قال بعد ذلك: (عندكم) وما قال: عندك (عليه) أي: على هذا الكفر، لا على قرائنه وشواهده (من الله برهان)، فالمسألة خطيرة، فمن يجرؤ في تطبيق هذا الحديث على أن يدعي أنه عمل بهذه الضوابط الشرعية في الحكم.
السؤال
بعض العلماء يقول: إن الذي يكفر هو من حكم بغير ما أنزل الله مع الاعتقاد، فما هو الدليل على وجوب الاعتقاد؟ ولو قلنا بذلك لما كفرنا معيناً أبداً، ولم نستطع أن نكفر أحداً حتى ولو نفى وجود الله؟
الجواب
الذي يقر بالإلحاد لا شك أنه يكفر، ومن أقر باستحلال الحرام فهو كافر، ومن أقر بأنه يستحل الحكم بغير ما أنزل الله ولا يقر بحكم الله، ويعلم ذلك فهو كافر، فما وجه اللبس؟! أما كوننا لا نكفر أحداً فمن الخير ألا نكفر أحداً ما دمنا لا نجد دليلاً على كفره، فمن الخير لنا في ديننا ودنيانا وللإسلام والمسلمين ألا نكفر أحداً ما دام أنه ليس عندنا دليل على كفره في قلبه، ومن قال: لابد من أن نكفر؟!
следующие страницы →